المواضيع الأخيرة
» 04 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 - 11:11 من طرف عبدالله المسافر

» شرح "18" تجلي السماع والنداء .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأحد 9 ديسمبر 2018 - 9:01 من طرف عبدالله المسافر

» 04 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .شرح داود القيصرى فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
السبت 8 ديسمبر 2018 - 18:44 من طرف عبدالله المسافر

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "66" إني أغار إذا سمعت واحدا يقول الله الله وهو يرى غیره
السبت 8 ديسمبر 2018 - 15:46 من طرف عبدالله المسافر

» 4 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .شرح القاشاني كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 8 ديسمبر 2018 - 2:06 من طرف عبدالله المسافر

» شرح البيت "5" فإن ذكرت في الحي أصبح أهله نشاوی .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 19:10 من طرف عبدالله المسافر

» شرح الابيات 41 - 50 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 18:55 من طرف عبدالله المسافر

» شرح البيت "5" فإن ذكرت في الحي أصبح أهله نشاوى .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 18:42 من طرف عبدالله المسافر

» 04 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 20:41 من طرف الشريف المحسي

» السفر الرابع فص حكمة قدوسية فى كلمة إدريسية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 19:04 من طرف الشريف المحسي

» 4- فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 15:07 من طرف الشريف المحسي

» المرتبة الرابعة الظهور الصرف .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 15:36 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الثانية الوجود المطلق .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 15:26 من طرف عبدالله المسافر

» شرح خطبة الشيخ الأكبر لكتاب فصوص الحكم .كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ الشريف ناصر بن الحسن الحسيني السبتي الكيلاني
الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 23:49 من طرف عبدالله المسافر

»  المرتبة الثالثة الواحدية .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الأحد 2 ديسمبر 2018 - 14:59 من طرف عبدالله المسافر

» 4 - فصّ حكمة قدّوسية في كلمة إدريسيّة .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 2 ديسمبر 2018 - 12:57 من طرف عبدالله المسافر

» فصل شريف ونص لطيف في سبب الاختلافات الواقعة في الكشوف والأذواق .كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ الشريف ناصر بن الحسن الحسيني السبتي الكيلاني
السبت 1 ديسمبر 2018 - 15:53 من طرف عبدالله المسافر

» 4 - فك ختم الفص الادريسى .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السبت 1 ديسمبر 2018 - 14:27 من طرف عبدالله المسافر

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "65" الدرس الخامس والستون السائل هدية الله عز وجل إلى عبده
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 19:14 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"3" ولولا شذاها ما اهتديت لحانها، .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 17:50 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "4" ولم يبق منها الدهر غير حشاشة .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 17:28 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"4" ولم يبق منها الدهر غير حشاشة .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 17:26 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 31 - 40 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 15:18 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 21 - 30 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الجمعة 16 نوفمبر 2018 - 8:26 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "3" ولولا شذاها ما اهتديت لحانها .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الجمعة 16 نوفمبر 2018 - 7:49 من طرف الشريف المحسي

» شرح "17" تجلي العدل والجزاء .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 11:43 من طرف الشريف المحسي

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "64" الدرس الرابع والستون يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة
الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 10:51 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "2" لها البدر كأس وهي شمس يديرها .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 13:23 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "1" شربنا على ذكر الحبيب مدامة كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 13:23 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"1" شربنا على ذكر الحبيب مدامة .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 10:31 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"2" لها البدر كأس وهي شمس يديرها .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 10:29 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة الشارح القيصري لكتاب شرح القصيدة الميمية - الخمرية لابن الفارض شرح الشيخ داود القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 12:20 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة المحقق كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 11:53 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 11 - 20 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 7:59 من طرف الشريف المحسي

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "63" الدرس الثالث والستون وحرمنا عليهم المراضع من قبل
الجمعة 9 نوفمبر 2018 - 11:20 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 01 - 10 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الخميس 8 نوفمبر 2018 - 13:56 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة كتاب شرح التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الخميس 8 نوفمبر 2018 - 13:47 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة شرح خمرية شرف الدين عمر ابن الفارض رضي الله عنه للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 11:45 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة المصنف الشيخ ناصر بن الحسن الشريف الحسيني السبتي .كتاب حكم الفصوص وحكم الفتوحات المسمى مجمع البحرين في شرح الفصين
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 9:11 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة المحقق لكتاب حكم الفصوص وحكم الفتوحات المسمى مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ الشريف ناصر بن الحسن الحسيني السبتي الكيلاني
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 8:23 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 3 نوفمبر 2018 - 7:25 من طرف عبدالله المسافر

» 3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:56 من طرف عبدالله المسافر

» 2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:24 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 20:04 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثالث عن الماهيات .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 16:54 من طرف عبدالله المسافر

»  03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح الجامي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 11:59 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فصّ حكمة سبّوحيّة في كلمة نوحيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 8:12 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 7:45 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 18:43 من طرف عبدالله المسافر

» 3 - ﻓﺺ ﺣﻜﻤﺔ ﺳﺒﻮﺣﻴﺔ ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺔ ﻧﻮﺣﻴﺔ .شرح داود القيصرى فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 17:23 من طرف عبدالله المسافر

» 3 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح القاشاني كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 15:39 من طرف عبدالله المسافر

» 3. فصّ حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 14:59 من طرف عبدالله المسافر

»  3 - فك ختم الفص النوحى .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 8:39 من طرف الشريف المحسي

» فصل من المقدمة للشارح في أن الله تعالى يبصر الأشياء وهي معدومة العين .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 8:02 من طرف الشريف المحسي

» في معنى قوله والذين هم على صلاتهم دائمون .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 7:46 من طرف الشريف المحسي

» باب ترجمة .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 7:28 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة المحقق لكتاب مفتاح الغيب لأبي المعالي صدر الدين القونوي شرح الشيخ محمد بن حمزة الفناري
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 16:32 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الثانية الوجود المطلق .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 10:14 من طرف عبدالله المسافر

» في بيان الصلاة الوسطى، أي صلاة هي ولماذا سميت بالوسطى؟ .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 9:29 من طرف عبدالله المسافر

» باب ترجمة القهر .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 9:03 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "62" المجلس الثاني والستون كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 8:39 من طرف عبدالله المسافر

» مطلب للشارح في بيان أن الموجود العلمي إنما اتصف بالإدراك في حضرة العلم لأنه عين الذات .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 11:12 من طرف عبدالله المسافر

» الشيخ الأكبر ابن العربي في إسرائه مع المخاطبة بآدم عليه السلام .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 7:17 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثاني والثلاثون في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 1:38 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 28 أكتوبر 2018 - 23:56 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الثالث فص حكمة سبوحية فى كلمة نوحية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأحد 28 أكتوبر 2018 - 0:55 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة أسرار التكبير .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السبت 27 أكتوبر 2018 - 12:51 من طرف عبدالله المسافر

» فصل الحق أوجد الأشياء لأنفسها لا له للشارح الشيخ عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
السبت 27 أكتوبر 2018 - 8:15 من طرف عبدالله المسافر

» مصطلحات الفيض - الفيض الأقدس - الفيض المقدس - المفيض .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الجمعة 26 أكتوبر 2018 - 11:09 من طرف الشريف المحسي

» فصل عن انتقالات العلوم الإلهية للشارح الشيخ عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الخميس 25 أكتوبر 2018 - 15:58 من طرف الشريف المحسي

» من التنزلات في معرفة النية والفرق بينهما وبين الإرادة والقصد والهمة والعزم والهاجس .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 25 أكتوبر 2018 - 14:49 من طرف الشريف المحسي

»  مقدمة الشارح الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الأربعاء 24 أكتوبر 2018 - 14:39 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 - 1:27 من طرف عبدالله المسافر

» في تلقي الرسالة وشروطها وأحكامها .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 4:18 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "61" المجلس الحادي والستون وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 1:25 من طرف عبدالله المسافر

» شرح "16" تجلي الجود .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأحد 21 أكتوبر 2018 - 13:18 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة مقام الرسالة ومقام الرسول من حيث هو رسول ومن أين نودي وأين مقامه والخلافة والنبوة والولاية والإيمان والعالم والجاهل و الظان والشاك والمقلدين لهم .كتاب التنزلات الموصلية
الأحد 21 أكتوبر 2018 - 0:16 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيئية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 20 أكتوبر 2018 - 11:52 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 20 أكتوبر 2018 - 1:58 من طرف عبدالله المسافر

» الفرق بين العلم و المعرفة موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
السبت 20 أكتوبر 2018 - 0:47 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 23:27 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 11:49 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة كون الرسول من جنس المرسل إليه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 17:29 من طرف الشريف المحسي

» کتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام . الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 10:28 من طرف عبدالله المسافر

» في سر وضع الشريعة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
السبت 13 أكتوبر 2018 - 14:27 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 11:47 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل "الثاني مرتبة الألوهية والتعين الثاني والأعيان الثابتة" .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 10:06 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 10:35 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "60" المجلس الستون من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه
الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 9:20 من طرف عبدالله المسافر

» الألوهة - الألوهية - الآلي - الألوهي - سر الألوهية - المألوه المطلق .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 13:39 من طرف عبدالله المسافر

» شرح خطبة الكتاب للشارح الشيخ صائن الدين التركة لكتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 10:19 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة الشارح الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 9:44 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الختم "سفر خطبة الكتاب" فص حكمة ختمية في كلمة محمدية موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 11:29 من طرف عبدالله المسافر

» مصطلح الأعراف - أهل الأعراف - أصحاب الأعراف .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14:09 من طرف الشريف المحسي

» مصطلح منازل الطريق للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14:02 من طرف الشريف المحسي

» نشأة وتركيب كل إنسان من آدم وما فيها من العناصر ناري هوائي مائي ترابي . موسوعة المصطلحات و الأشارات
الأحد 23 سبتمبر 2018 - 19:43 من طرف الشريف المحسي

» مصطلحات السفر و المسافر و الأسفار الستة فى موسوعة المصطلحات و الأشارات
السبت 22 سبتمبر 2018 - 11:15 من طرف الشريف المحسي

» الأسفار الستة المحمدية الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الخميس 20 سبتمبر 2018 - 16:49 من طرف الشريف المحسي

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "59" المجلس التاسع والخمسون من تواضع لله رفعه الله
الأربعاء 19 سبتمبر 2018 - 16:02 من طرف الشريف المحسي





3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

اذهب الى الأسفل

03112018

مُساهمة 

3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي




3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

شرح الشيخ عبد الغني النابلسي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية

هذا نص الحكمة النوحية .
ذكره بعد حكمة شيث عليه السلام، لأن نوح عليه السلام أول أولي العزم من الرسل، فهو أول المظاهر الآدمية من حيث الكمال المطلق.
وبه كانت زيادة آدم عليه السلام في شكره على إعطائه شيث عليه السلام، الذي هو عطية الله تعالى كما قال تعالى: " لئن شكرتم لأزيدنكم" [إبراهيم: 7]، ولهذا كان من أسماء نوح عليه السلام "یشکر من هو مظهر آدم عليه السلام بسبب كثرة شكره لربه" .
(فص حكمة سبوحية) بالتشديد كما مر بيانه (في كلمة نوحية).
إنما اختصت كلمة نوح عليه السلام بالسبوحية، لأن كمال، الثبوت الكوني في الوجود الإمكاني العيني بكمال ظهور الأحدية في حضرة الواحدية ذلك بكمال التسبيح والتنزيه والتقديس.
وكلما كمل ثبوت الوجود الإمكاني العيني قوي عزمه الباطني والظاهري، ولهذا كان نوح عليه السلام أول أولي العزم من الرسل لكمال تنزيهه بكمال ظهور الأحدية له وغلبة حكمها عليه على حكم الواحدية .
قال رضي الله عنه : (اعلم أيدك الله بروح منه أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد و التقييد. فالمنزه إما جاهل و إما صاحب سوء أدب.
ولكن إذا أطلقاه وقالا به، فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه و وقف عند التنزيه ولم ير غير ذلك فقد أساء الأدب و أكذب الحق والرسل صلوات الله عليهم وهو لا يشعر، و يتخيل أنه في الحاصل و هو من الفائت. وهو كمن آمن ببعض و كفر ببعض، و لا سيما وقد علم أن ألسنة الشرائع الإلهية إذا نطقت في الحق تعالى بما نطقت إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول، و على الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأي لسان كان في وضع ذلك اللسان.)
(اعلم) أيها المريد السالك (أن التنزيه) وحده أي تبعيد الله تعالی وتبرئته عن مشابهة الحوادث العقلية والحسية (عند أهل الحقائق) الإلهية والمعارف الربانية.
إذ عند غيرهم من علماء النظر هو غاية المراد (في الجناب الإلهي) سبحانه وتعالى
(عين التحديد والتقييد)، لأنه حصر ذات الإله تعالى في ماهية تخالف جميع ماهیات الحوادث العقلية والحسية والحصر قيد وهو ينافي الإطلاق، ولأنه حكم على الذات الإلهية بعدم المشابهة لشيء، فالذات محكوم عليها و كل محكوم عليه محدود و مقید والمحدود والمقيد حادث لا قدیم .
(فالمنزه) فقط لله سبحانه وتعالى (إما جاهل) بأن تنزيهه عين تشبيهه، لأنه ما زاد على أن جعل لله تعالى ماهية أخرى تخالف جميع ماهيات الحوادث في العوارض بعد موافقتها في كونها ماهية .
وما علم من جهله أن كل ماهية من ماهیات الحوادث كذلك وصفها تخالف جميع ماهيات الحوادث في العوارض بعد موافقتها في كونها ماهية.
وإن اشتبهت عوارض بعضها بعوارض بعض، فقد لا تشتبه كعوارض الليل وعوارض النهار، على أن اشتباه العوارض من قصور الإدراك.
فإن الله تعالى لا يتكرر تجليه مطلقا فلا تتكرر العوارض مطلقا، فالتنزيه وصف كل شيء حادث، لأنه عين التشبيه عند الحاذق النبيه الذي لا يحتاج إلى التنبيه .
وإما صاحب سوء أدب مع الله تعالى ورسله إن لم يكن جاهلا بأنه عین التشبيه حيث شبه الله تعالی بخلقه وساوى بينه وبين مصنوعاته عن قصد منه واختيار.
والوارد عنه تعالى وعن رسله عليهم السلام انفراده تعالى بالكمال المطلق الذي لا يتقيد ولا بالإطلاق فإن الإطلاق قيد بعدم القيود فهو إطلاق اعتباري.
وإطلاق الله تعالی حقیقي لا اعتباري فهو إطلاق عن القيود وعن الإطلاق، تنزه تعالى عن القيود فكان مطلقا .
وتنزه عن الإطلاق فكان مقيدا، فهو المطلق المقيد وما هو المطلق المقيد.
وهذا الإطلاق الحقيقي الذي لله تعالى على ما يأتي بيانه إن شاء الله قريبا (ولكن إذا أطلقاه)، أي الجاهل وصاحب سوء الأدب التنزيه فقط على الله تعالی
(وقال) ظاهرا وباطنا (به فالقائل بالشرائع المؤمن) منهما كالجهمية ونحوهم (إذا نزه) الله تعالی فقط (ووقف عند التنزيه) لله تعالى (ولم ير غير ذلك) حقا (فقد أساء الأدب) مع الله تعالى .
حيث قيد الله تعالى وحصر به الماهية الموصوفة بأنها لا تشابه جميع ما عداه من الماهيات الحادثة. ولا يقيد ويحصر إلا الحادث والله تعالی قدیم
(واكذب)، أي نسب إلى الكذب (الحق) تعالى حيث وصف تعالی نفسه تعریف لنا بما نعهد من الأوصاف بأنه سميع بصير قدیر مرید حي متكلم عليم له يد ووجه وعين وجنب إلى غير ذلك.
(و) أكذب (الرسل) أيضا (صلوات الله عليهم) حيث وصفوه تعالى بأن له ضحكا وفرحا وله نزول إلى سماء الدنيا وله قدم وأصابع ونحو ذلك، وإن كان هذا كله لا يشبه أوصافنا التي نعهدها لأنا حادثون وهو تعالی قدیم، ولكن في ذلك نفي التقييد بالتنزيه.
لأن المراد إثبات الإطلاق الحقيقي له تعالى لا التنزيه فقط ولا التشبيه فقط، فالرسل الباطنية وهي العقول شبه ثم تؤه، والرسل الظاهرية وهم الأنبياء عليهم السلام تنزه ثم تشبه، فالمنزه فقط مكذب للرسل الباطنية والظاهرية (وهو لا يشعر) بما يصدر منه لكمال جهله بمقتضى ما هو فيه.
(ويتخيل) بسبب قصوره (أنه) من كمال تنزيهه فقط (في) الأمر (الحاصل) المطلوب منه عقلا و شرعا (وهو في) الأمر (الفائت)، لأنه وقع فيما فر منه إذ هو فار من التشبيه والتحديد والتقييد واقع في ذلك بمجرد التنزيه (وهو كمن آمن ببعض) الكتاب الحق (وكفر ببعض) إذ العقل والشرع مطبقان على التشبيه والتنزيه معا لا التشبيه فقط ولا التنزيه فقط.
فأحدهما وحده إيمان ببعض الشرع وكفر ببعض قال تعالى:  أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)سورة البقرة.
(ولا سيما) يعني خصوصا (وقد علم) ذلك المؤمن القائل بالتنزيه فقط (أن ألسنة) جمع لسان (الشرائع الإلهية إذا نطقت في وصف الحق تعالی) للمكلفين (بما نطقت به من الأسماء والأوصاف (إنما جاءت) من عند الله تعالی (به) خطابة (في جهة العموم) من الناس (على) حسب مقتضى الأمر.
(المفهوم الأول) الذي لا يحتاج إلى تفكر ولا تدبر (وعلی) جهة (الخصوص) من الناس على حسب مقتضى (کل) أمر (مفهوم) لائق بالمقام (يفهم من وجوه)، أي اعتبارات (ذلك اللفظ) الوارد في الشرائع الإلهية (بأي لسان)، أي لغة واصطلاح (كان في وضع ذلك اللسان) الذي وردت تلك الشريعة به.
والحاصل أن كل شريعة من الشرائع التي أرسل الله بها الأنبياء عليهم السلام إلى أمم وردت على حسب لسان تلك الأمة، وعلى مقتضی خطاباتهم في لغتهم المعهودة فيما بينهم.
كما قال تعالى : " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)" سورة إبراهيم.
فجميع ما نطقت به كل شريعة خطابا لمن هي لهم، فهي جارية على حسب فهم العامة منهم على حسب فهم الخاصة أيضا، من غير تقييد بفهم دون فهم، إذ لا حصر ولا قيد للأمر الإلهي والشأن الرباني .
فالمراد ما فهمه الجميع من حيث إنه بعض المراد وليس المراد ما فهمه الجميع من حيث إنه كل المراد، والأمر أعظم من أن يفهمه الجميع، فعلى كل واحد من العامة والخاصة أن يتقي الله ما استطاع بمقدار علمه وعمله، فلا يترك من قدرته شيئا في التقوى، وأن يعترف بالقصور والعجز علما وعملا ظاهرا وباطنا، ولهذا قال تعالى : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " [البقرة: 286]، يعني مقدار طاقتها فيما تعلم وتعمل من شريعتها الإلهية التي هي أعظم مما تعلم وتعمل.
قال رضي الله عنه : (فإن للحق في كل خلق ظهورا: فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته: وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر، فهو الباطن. فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبر للصورة. فيؤخذ في حد الإنسان مثلا ظاهره وباطنه، وكذلك كل محدود. فالحق محدود بكل حد .)
(فإن للحق) سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى (في كل خلق) محسوس أو معقول (ظهورا) مخصوصا، لأنه تعالى هو القيوم على كل شيء فالشيء في الحقيقة توجه إرادته تعالى وقدرته على ذلك المعدوم الصرف المكشوف عنه بعلمه سبحانه في حضرة الأزل، وذلك التوجه اقتضى هذا الظهور المخصوص للحق تعالی، فلا شيء غير التوجه المذكور قال تعالى :"كل شىء هالك إلا وجهه" [القصص: 88] (فهو)، أي الحق تعالی (الظاهر) فقط ولا شيء معه في ظهوره من حيث الحقيقة (في كل أمر (مفهوم) لأهل الخصوص وأهل العموم (وهو) تعالی أيضا (الباطن) فقط ولا شيء معه في بطونه سوى العدم الموهوم (عن كل فهم) من أفهام الخاصة أو العامة، لأنه المطلق الحقيقي كما قدمناه (إلا) أنه لا بطون له (عن فهم من قال) تبعة الإشارة قوله تعالى: "قل انظروا ماذا في السموات والأرض" [يونس: 101].
وقوله : "وهو الله في السموات وفي الأرض" [الأنعام: 3].
وقوله: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: 115].
وقوله : "كل شيء هالك إلا وجهه" [القصص: 88] ونحو ذلك .
(إن العالم) العلوي والسفلي المعقول والمحسوس جميعه (صورته) سبحانه وتعالى باعتبار صدوره عن أسمائه الحسنى (وهويته) باعتبار أنه نوره، أي وجوده وثبوته كما قال تعالى:" الله نور السموات والأرض" [النور: 35].
أي منورهما على معنى أنه موجدهما ومثبتهما بوجوده وثبوته، فإن من قال إن العالم صورته تعالی وهويته على التنزيه المطلق فإن الحق غالب عنده من أمره (وهو)، أي العالم عنده حينئذ (الاسم الظاهر) للحق تعالی من حيث إنه يظهر بما فيه من الآثار.
فالآثار اسم الاسم بمنزلة حروف الاسم المكتوبة للملفوظة والملفوظة للمحفوظة وبالعكس فهو المعروف سبحانه وتعالى من هذا الوجه (كما أنه) تعالى (بالمعنى) المشتمل عليه لفظ صور العالم (روح) جميع ما ظهر من الصور العقلية والحسية الروحانية والجسمانية (فهو) تعالى من هذه الجهة (الباطن) فلا يعرف أبدا .
(فنسبته) سبحانه (لما ظهر من) جميع (صور العالم) الروحاني والجسماني العقلي والحسي (نسبة الروح المدبر للصورة) الجسمانية فهو تعالی روح الروح والجسد من حيث التدبير للأرواح والأجساد فيؤخذ سبحانه (في حد)، أي تعريف
(الإنسان مثلا)، وكذلك غيره من أنواع العالم (باطنه)، أي الإنسان كروحه وعقله ونفسه (وظاهره) کصورته وأعضائه وقواه (وكذلك) يؤخذ تعالى في حد (كل محدود) من العالم (فالحق) تعالی حینئذ بهذا الاعتبار المذكور (محدود بكل حد) لدخوله في تمام ثبوت كل شيء وتحققه ظاهرة وباطنة، إذ لا قيام لشيء ولا وجود له إلا به تعالى، والشيء من نفسه عدم صرف.
قال الشيخ رضي الله عنه : (وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط بها ولا تعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صورته. فلذلك يجهل حد الحق، فإنه لا يعلم حده إلا بعلم حد كل صورة، وهذا محال حصوله: فحد الحق محال. وكذلك من شبهه وما نزهه فقد قيده وحدده وما عرفه. ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه بالوصفين على الإجمال- لأنه يستحيل ذلك على التفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور- فقد عرفه مجملا لا على التفصيل كما عرف نفسه مجملا لا على التفصيل. ولذلك ربط النبي صلى الله عليه وسلم معرفة الحق بمعرفة النفس فقال: «من عرف نفسه عرف ربه»..)
(وقال تعالى: «سنريهم آياتنا في الآفاق» وهو ما خرج عنك «وفي أنفسهم» وهو عينك، «حتى يتبين لهم» أي للناظر «أنه الحق» من حيث إنك صورته وهو روحك. فأنت له كالصورة الجسمية لك، وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك. والحد يشمل الظاهر والباطن منك: فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها لم تبق إنسانا، ولكن يقال فيها إنها صورة الإنسان، فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة. ولا ينطلق عليها اسم الإنسان إلا بالمجاز لا بالحقيقة.)
(وصور العالم) كثيرة جدا (لا تنضبط ولا يحاط بها) من حيث كلياتها وجزئياتها يعني لا يقدر أحد غير الله تعالى أن يضبطها ويحيط بها (ولا تعلم)، أي لا يعلم أحد غير الله تعالی (حدود)، أي تعاریف (کل صورة منها)، أي من صور العالم إلا على قدر ما حصل لكل عالم) في الخلق بحسب ما علمه الله تعالى (من صوره)، أي العالم (فكذلك)، أي لكون الأمر كذلك (يجهل حد)، أي تعريف (الحق) سبحانه لأنه المطلق في ذاته المقيد بكل صوره في صفاته ، فلا يعرف حتى تعرف كل صورة لأنه محدود بحد كل صورة أي معرفة بتعريفها فهو مجهول الحد.
(فإنه لا يعلم حده)، أي تعريفه (إلا بعلم حد)، أي تعريف (کل صورة) من صور العالم (وهذا)، أي علم حد كل صورة (محال) لا يتصور في العقل (حصوله) الأحد من الخلق لأن العلم بذلك إن حصل كان صورة من جملة الصور، فإن علم
حده احتاج علم العلم أيضا إلى أن يعلم حده، وهكذا فلا بد أن يتقاصر علم المخلوق عن معرفة حد صورة من الصور فلا يعلم حد كل صورة، وهذا في صور العالم الموجود فكيف بما مضى (و) ما سيأتي في الحق سبحانه (محال) لترتبه على المحال.
(وكذلك)، أي كما أن من نزه الحق تعالی فقط وما شبهه فقد قيده وحصره (من شبهه) فقط (وما ژهه فقد قيده وحده)، أي حصره (وما عرفه)، لأنه تعالی غیر مقيد ولا محدود ولا محصور فالذي عرفه مقید محدود محصور فهو غيره تعالى وقد اشتبه عليه به تعالى.
(ومن جمع في معرفته) الله تعالى (بين التنزيه) له تعالى عن كل معقول وكل محسوس (والتشبيه له تعالی) بكل معقول وكل محسوس فالتنزيه ظهور أحدية الحق تعالى، والتشبيه ظهور واحديته، والأحدية والواحدية حضرتان للحق تعالى لا بد من نسبتهما إليه لتحقيق معرفته.
فالأحدية حضرة ذاته الغيبية المجردة عن النعوت والأوصاف الغنية عن العالمين، والواحدية حضرة ذاته العلية من حيث اتصافها بالأوصاف وتسميتها بالأسماء وصدور الأفعال عنها والأحكام، فلا بد من الإيمان به تعالى في الحضرتين .
(ووصفه) تعالى (بالوصفين) : الوصف التنزيهي والوصف التشبيهي، لأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي "لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " [الإخلاص: 3 - 4] (علی) حسب (الإجمال) في معرفته تعالى (لأنه يستحيل) عقلا (ذلك) الوصف بالتنزيه والتشبيه معا (على التفصيل) في كل ظهور من ظهوراته تعالى وكل تجلي من تجلياته (لعدم الإحاطة) من أحد من الخلق (بما في العالم) كله (من الصور) المختلفة، ومن عرفه كذلك بالتنزيه والتشبيه على مقتضى ما ظهر له من إطلاقه عن قيد التنزيه وقيد التشبيه (فقد عرفه) سبحانه وتعالى (مجملا لا ) عرفه (على التفصيل كما عرف) ذلك الإنسان (نفسه) فإنه من عرفها أي أدركها إدراكا (مجملا)، لأنه عرف صورة ظاهرة ذات أعضاء و قوی، ووراء ذلك أمر آخر باطنی يسمى نفسا وعقلا وروحا .
وهذا الظاهر صورة ذلك الباطن وذلك الباطن مستولي على الظاهر ومتصرف فيه، وحده، ولا ظهور له في غيره من غير حلول فيه ولا اتحاد منه، فإن الإنسان ينزه باطنه عما ظهر منه ويشبه باطنه بما ظهر منه، فظاهره غير باطنه فهو المنزه، وظاهره عین باطنه فهو المشبه.
وهذه المعرفة إجمالية (لا على) مقتضى (التفصيل) حيث لا يمكنه ذلك في نفسه فكيف في ربه.
(ولذلك ربط النبي صلى الله عليه وسلم معرفة الحق سبحانه بمعرفة النفس) إجمالا بإجمال وتفصيلا بتفصيل.
(فقال: من عرف نفسه) بأنه ما هية غيبية هي سر من أسرار الله تعالی ظاهرة له في صورة بشرية جسمانية ولم تتغير عما هي عليه بسبب ظهورها ذلك، كما لم يتغير النجم في السماء عن كبره الذي يبلغ مقدار الدنيا وأزيد من ذلك بسبب ظهوره لأهل الأرض مقدار الدرهم الصغير بل هذا الصغر هو ذلك الكبر بعينه .
ولكن القصور في الإبصار بسبب حجاب البعد عن شهود مطالع الأنوار (فقد عرف ربه) بأنه ماهية غيبية مطلقة عن جميع القيود وعن هذا الإطلاق أيضا، ومع ذلك فكل شيء صورة ظهوره، وكل محسوس ومعقول مطلع من مطالع نوره.
وهو على ما هو عليه من إطلاقه الحقيقي وإن ظهر كيف ما ظهر فإنه المتصرف في القلوب والمقلب للأبصار في الغيوب، يخلق لعباده رؤية يرونه بها مشتملة على الصور والمقادير بحسب ما سبقت به أقضية الأزلية والتقادير، ويخلق الهم قطعة وجزم بأن ما رأوه غيره، فيضلهم به ويمنع عنهم خيره، ويخلق لهم جهلا بما تقوله العارفون، ويخلق لهم تكذيبا وجحودا لما خلقه من المعرفة والكشف الصحيح في قوم يعلمون "لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون " [الأنبياء: 23].
وقال تعالى :(" سنريهم ") وهو وعد في الدنيا للمؤمنين ووعيد في الآخرة للكافرين " آياتنا " ، أي علاماتنا الدالة علينا، وهي صور العالم المعقولة والمحسوسة من حيث هي صور الحق تعالى لقيامها به تعالى، فإنه قيومها وصورة الشيء قائمة به، فهو تعالی ماهیتها وهي صورته.
وصور الشيء علامات عليه، وهي صور العالم عند الجاهل، والعالم معدوم، وهي صور الحق عند العارف ، والحق موجود، وهي عند الجاهل حجب الحق، وهي عند العارف مظاهر الحق، لأنها صوره، والصور مظاهر الذات ("وفي الأفاق") [فصلت: 53] جمع أفق بضمتين (وهو ما خرج عنك)، أيها الإنسان من جميع الحوادث المعقولة والمحسوسة .
كما قال تعالى: "ولقد رآه بالأفق المبين " [التكوير: 23]، وإنما كان مبينة، لأنه مرآة الأنفس ورؤية النفس في المرآة أبين وأوضح من رؤيتها بدون ذلك.
ولهذا لما أراد الله تعالى أن يوضح الأمر لإبراهيم عليه السلام، أراه جواب سؤاله في غيره فقال له :" فخذ أربعة من الطير" [البقرة: 260] إلى آخره، اعتناء به الكماله، وأراد أن لا يوضح الأمر كمال الإيضاح للغزير عليه السلام، فأراه جواب سؤاله في نفسه، فأماته الله مائة عام، فالأول أراه آياته في الآفاق والثاني أراه آیاته في نفسه ليتبين له أنه الحق.
(و) أراهم آیاته مرة ثانية (في أنفسهم وهو)، أي ما أراهم آياته فيه ثانية من الأنفس (عينك)، أي ذاتك وصفاتك وأسماؤك وأفعالك وأحكامك (حتى يتبين)، أي ينكشف ويظهر (لهم)، أي للناظرين المذكورين (أنه)، أي المرئي الهم بعقلهم وحواسهم هو (الحق) سبحانه وتعالى (من حيث إنك) يا أيها الإنسان
(صورته) لقيامك ظاهرا وباطنا كقيام الصورة بالمتصور بها من غير حلول ولا اتحاد (وهو) سبحانه وتعالى (روحك) التي تدبر روحك ونفسك وعقلك وجسمك بما شاءت على مقتضى الحكمة الأزلية (فأنت) كلك بروحك ونفسك وجسمك (له) تعالى (كالصورة الجسمية لك) من حيث إنك ساتر له وحجاب عليه، ومع ذلك فأنت مظهر له ومجلى لأسمائه الحسنى.
(وهو) سبحانه (لك) يا أيها الإنسان (كالروح المدبر لصورة جسدك)، فإن الروح المدبر لصورة جسدك مستولي على جسدك باطنا وظاهرا، يتصرف فيك بما يشاء من غير أن يكون مشابها لروحك إذ لا حلول فيك ولا اتحاد، ولهذا قال : کالروح المدبر بكاف التشبيه للتقريب، ثم شرع في بيان كون الحق تعالی محدودة بكل حد فقال:
(والحد)، أي التعريف الذي لك (يشمل الظاهر) الصورة والأعضاء (والباطن) كالروح والنفس والعقل (منك) بلا شبهة وإلا لما كان حد تام (فإن الصورة الباقية) الجسمانية من الإنسان (إذا زال عنها الروح المدبر لها) بأن عزل عن الاستيلاء عليها والتصرف فيها بسبب الموت العارض لها (لم تبق) تلك الصورة المذكورة (إنسانا) بل تصير جمادة (ولكن يقال فيها إنها صورة تشبه صورة الإنسان) من حيث إنها كانت صورة إنسان فلما نزعت منها الإنسانية خرجت عن كونها صورة إنسان بالفعل فهي صورته بالقوة (فلا فرق) في التحقيق (بينها وبين صورة) مخروطة من خشب أو منحوتة من (حجارة).
على صورة الإنسان (ولا ينطلق عليها)، أي على تلك الصورة المفارقة لإنسانيتها (اسم الإنسان إلا بالمجاز) والعلاقة المشابهة من حيث الظاهر (لا بالحقيقة) إذ الإنسان اسم المجموع الصورة والحقيقة الروحانية المدبرة للصورة فعند النزاع تلك الحقيقة من الصورة لا تبقى الصورة وحدها يقال لها إنسان .
قال رضي الله عنه : (وصور العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلا. فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حيا.
وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثني بلسانها على روحها ونفسها والمدبر لها، كذلك جعل الله صورة العالم تسبح بحمده ولكن لا نفقه تسبيحهم لأنا لا نحيط بما في العالم من الصور.)
(وصور العالم) كلها المعقولة منها والمحسوسة (لا يمكن زوال) قيومية (الحق) سبحانه (عنها أصلا) إذ لو زالت لما بقي شيء من تلك الصور مطلقا (فحد)، أي تعريف (الألوهية له)، أي للحق تعالى في نفس حدود صور العالم كلها (بالحقيقة).
إذ جميع الصور له وهو ماهيتها الواحدة القائمة كلها به باطنا وظاهرا روحانياتها وجسمانياتها (لا) حد الألوهية له (بالمجاز)، لأن جميع الصور للعالم المعدوم المعلوم بعلمه تعالى على طريقة المجاز وله تعالى بطريق الحقيقة فجميع حدود تلك الصور له حقيقة وللعالم مجاز (كما هو حد الإنسان).
أي تعريفه (إذا كان حيأ)، فإن ذلك الحد إنما هو الحقيقة الإنسانية وحدها التي بها تلك الصورة الآدمية إنسان على الحقيقة وإن كان يصلح للصورة الآدمية بطريق المجاز .
(وكما أن ظاهر صورة الإنسان) من أعضائه وجوارحه کیدیه ورجليه وعينيه وأذنيه (تثني) من الثناء وهو المدح (بلسانها) القابل أن يكون لها (على روحها)، أي روح تلك الصورة (ونفسها) من حيث إن كل واحد منها هو (المدبر لها)، أي لتلك الصورة الإنسانية الظاهرة المشتملة على تلك الأعضاء المذكورة، فاليد لا تقدر على التناول ونحوه إلا بإمداد من إمداد تلك الروح وتلك النفس.
وكذلك الرجل والعين ونحو ذلك، حتى أن الحياة والقوة السارية في اليد مثلا إنما هي من إمداد تلك الروح والنفس لها.
فربما يقال : إن تلك الروح الإنسانية الواحدة نفخت في كل عضو وجزء من الصورة الآدمية الظاهرة روحا على حدة، وتلك النفس الإنسانية الواحدة جعلت لكل عضو وجزء نفسة مخصوصة لائقة بذلك العضو وذلك الجزء والنفس الإنسانية هي الروح الإنسانية بعينها، غير أنها تنزل إلى حضرة الجسد كتنزل الله تعالى إلى اسمه الرحمن للاستواء على عرش الوجود الإمكاني.
(كذلك جعل الله) تعالى (صور العالم) كلها المعقولة والمحسوسة (تسبح بحمده) لكونه موجدها ومدبرها وممدها على حسب ما يليق بها (ولكن) نحن (لا نفقه)، أي لا نفهم (تسبيحهم)، أي صور العالم (لأنا لا نحيط )علما (بما في العالم من الصور) كلها وإن كنا نسخة منها كلها ، فإنا مشتملون على جميع كليات العالم دون جزئیاته بجزئیات تليق بنا ، ولهذا قال تعالى: "لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس" [غافر : 57] يعني من حيث جزئيات العالم وجزئيات الناس.
وأما الكليات فهي متطابقة والمراد هنا تسبیح الجزئيات لا الكليات.
قال رضي الله عنه : ( (فالكل ألسنة الحق ناطقة بالثناء على الحق.
ولذلك قال: «الحمد لله رب العالمين» أي إليه يرجع عواقب الثناء، فهو المثنى والمثنى عليه:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدا ... وإن قلت بالتشبيه كنت محددا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددا ... وكنت إماما في المعارف سيدا
فمن قال بالإشفاع كان مشركا ... ومن قال بالإفراد كان موحدا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيا ... وإياك والتنزيه إن كنت مفردا
فما أنت هو: بل أنت هو وتراه في ... عين الأمور مسرحا ومقيدا )
(فالكل)، أي جميع الصور (ألسنة) جمع لسان الحق سبحانه وتعالى على معنى أنه المتصرف بها فيما يريد إظهاره من علمه بمنزلة اللسان للإنسان (ناطقة بالثناء)، أي المدح (على الحق) تعالى، فهو الشكور يشكر نفسه بنفسه (ولذلك قال) سبحانه حامدا نفسه بنفسه (" الحمد لله رب") [الفاتحة: 2]، أي مالك ومدبر أمور جميع ( "العالمين") من كل نوع من أنواع الحوادث (أي إليه) سبحانه وتعالى (ترجع) من جميع العالمين (عواقب)، أي غايات (الثناء)، أي المدح فكل محمود في العالمين عاقبة الحمد الذي حمد به راجعة إليه سبحانه لكونه هو المنعم الحقيقي والكامل الحقيقي على الإطلاق (فهو تعالى (المثنی) بألسنة الأكوان أي المادح (و) هو أيضا (المثنى عليه)، أي على الممدوح بجميع المدائح.
ثم قال رضي الله عنه من نظمه في هذا المقام (فإن قلت: يا أيها الإنسان بالتنزيه) للحق تعالی فقط، أي التقديس والتسبيح عما أدركت بالفعل والحس من غیر تشبيه له تعالی بما أدركت بالعقل والحس (کنت مقيدا) له تعالى، لأن التنزيه قيد والمقصود رفع القيود.
(وإن قلت بالتشبيه) في حقه تعالی يعني أن يشبه شيئا مما أدركت بالعقل أو الحس (کنت محددا) للحق تعالى، أي حاصرة له في حد أي تعريف عقلي، واللله سبحانه وتعالى يستحيل في حقه ذلك (وإن قلت بالأمرين)، أي بالتنزيه مع التشبيه وبالتشبيه مع التنزيه، بحيث يكون الحق تعالی عندك موصوفة بهما معا، ويلزم من ذلك ارتفاعهما فيثبت الإطلاق الحقيقي وهو المراد في حقه تعالى ولهذا قال :
(کنت مسددا)، أي محفوظة من الخطأ والزلل (وكنت إماما)، أي مقتدی بك (في المعارف) الإلهية والحقائق الربانية (سيدا) تسود قومك بالعلوم والفضائل في الدنيا والآخرة.
(فمن قال بالإشفاع) بكسر الهمزة مصدر لشفع الواحد إذا جعله شفعة أي اثنين، يعني من قال بالتنزيه فقط أو قال بالتشبيه فقط فقد أشفع الواحد .
فجعله اثنين ففاته توحيده الذي يدعيه، وذلك فإن من قال بالتنزيه فقط فقد اعتقد بأنه تعالى منزه بتنزيهه ذلك والله تعالى منزه لا بتنزيه أحد، فمتى كان منزهة بتنزيه أحد عند أحد فقد أشفع ذلك المنزه، أي جعله اثنين بتنزيهه ذلك.
على معنى أنه اخترع منزها آخر معه وكذلك من قال بالتشبيه فقط فقد اخترع إلها آخر مشبها فأشفع الإله الواحد الحق ومن أشفع الإله الواحد الحق (كان مشركا) بكسر الراء مشددة ، أي ناسبا الشركة إلى الحق تعالى في الألوهية .
(ومن قال بالإفراد)، أي إفراد الحق تعالی بما هو عليه من الأزل لا يحكم عليه بالتنزيه فقط، ولا يحكم عليه بالتشبيه فقط بل أبقاه على ما هو عليه من الانفراد بما لا يعلمه إلا هو، وعبده بوصفه له بما وصف به نفسه في كتابه وعلى ألسنة رسله عليهم السلام، من تنزيهه مع تشبيهه وتشبيهه مع تنزيهه.
فكان حاكيا لا متحكما و متبعا لا مخترعا (كان موحدا) له سبحانه وتعالى بالتوحيد الصحيح من غير شائبة شرك.
(فإياك) يا أيها الإنسان (والتشبيه) الله تعالی فقط من غير تنزيه يشوبه فيزيل تقييده (إن کنت ثانيا) في زعمك للواحد الحق الذي أنت وعملك الباطل والظاهر صادر عنه فإنه لا ينفعك حينئذ إلا تنزيهك من داء التشبيه (وإياك) أيضا (والتنزيه) الله تعالی فقط من غير تشبيه يشوبه .
فيزيل منه التقيد الذي فيه (إن كنت) في اعتقادك (مفردا) بكسر الراء لله تعالى وأنت وعملك في بصيرتك داخل تحت قدرته محسوب من جملة أفعاله، فإنه لا يكشف لك عن حقائق تجلياته إلا تشبيهك وينفعك من داء تنزيهك.
فما أنت يا أيها الإنسان من حيث ذاتك المعروفة [وفيه لك] وصفاتك المفهومة منك وأسماؤك الظاهرة بك وأفعالك الصادرة عنك وأحكامك المشهودة فيك (هو)، أي الحق سبحانه وتعالى، لأنه غيب عنك وأنت شهادة لنفسك، فالذي نشهده منك ليس هو الحق الغائب عنك (بل أنت) من حيث ذاتك المجهولة لك وصفاتك المستورة عنك وأسماؤك المحجوبة فيك وأفعالك التي جميع ما تعرفه منك صادر عنها.
وأحكامك التي كل أمر ونهي واقع عليك وارد لك منها (هو)، أي الحق تعالی، لأنه غيبك وأنت شهادته فما ظهر منك لك فهو أنت وما غاب منك عنك فهو هو وأنت صورته عندك لا عنده وهو صورتك عنده لا عندك .
(وتراه)، أي تشهده بعين بصيرتك (في عيون)، أي حقائق (أمور)، أي أحوال وشؤون تظهر لك منك (مسرحا) بفتح الراء أي مطلقا من غير تقييد (ومقيدا) بصيغة اسم المفعول، فإذا نطقت وجدته عین نطقك بعد رفع ما أدركته من نطقك وهذا الإسراح أي الإطلاق، وقبل رفع ما أدركته من نطقك هو التقييد.
وهكذا إذا مشيت وإذا أكلت وإذا شربت وما أشبه ذلك، وأنت ضابط ببصيرتك إطلاقه الحقيقي المبرأ من التنزيه والتشبيه (قال) الله تعالى ("ليس كمثله")، أي كذاته أو صفاته ("شيء") مما هو صورته عندنا.
(فنزه) نفسه بنفسه (وهو) سبحانه وتعالى (السميع) الموصوف بالسمع فلا سمیع غيره، لأن تعريف الطرفين يفيد الحصر وهو (البصير) أيضا ، أي الموصوف بالبصر فلا بصير غيره (فشبه) نفسه بنفسه حيث أخبر أنه كل سميع وكل بصیر.
قال الشيخ رضي الله عنه : (قال الله تعالى «ليس كمثله شي ء» فنزه، «وهو السميع البصير» فشبه. وقال تعالى «ليس كمثله شيء» فشبه وثنى، «وهو السميع البصير» فنزه وأفرد. لو أن نوحا عليه السلام جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه: فدعاهم جهارا ثم دعاهم إسرارا، ثم قال لهم: «استغفروا ربكم إنه كان غفارا».
وقال: «دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا». وذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته.)
(وقال تعالى): كذلك بمعنى آخر مفهوم من هذه الآية، ومعلوم أن الآيات القرآنية لا يحصرها معنى واحد ولا اثنان بل كل المعاني لها، ولكن يدرك منها العبد ما تيسر له بحسب استعداده كما يشير إليه قوله تعالى : "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله، مددا " [الكهف: 109] ("ليس كمثله ") [الشورى:11]، أي ليس مثل مثله.
فأثبت له مثلا، ومثله جميع العالم المخلوق على صورته من حيث ظهور العالم بتأثير الصفات الإلهية تفصيلا لها، لأن صورة الشيء تفصيل ذاته، ومثل مثله الإنسان الكامل، فإنه مخلوق على صورة جميع العالم ("شيء") إذ ليس وراء الله شيء غير مثله وهو جميع العالم، وأما مثل مثله الذي هو الإنسان الكامل فليس شيئا.
أي موجودة إذ لو كان شيئا لكان من جملة العالم وكان ناقصا لكمال العالم به، وليس هو كاملا في نفسه، وإذا لم يكن موجودة كان مفقودة والموجود عنده هو الحق، فالإنسان الكامل مفقود في عين وجوده والوجود عنده هو الله تعالى وحده (فشبه سبحانه وتعالى نفسه حيث أثبت له المثل (وثنى)، أي حكم على نفسه الواحدة أنها اثنان بإثبات المثل له (وهو)، أي مثل مثله
(السميع) لا غيره بسمعه القديم (البصير) لا غيره ببصره القديم (فنزه) سبحانه وتعالى ذاته العلية عن المثل ومثل المثل حيث نفى عنها القيود التي بها تكون مثلا ومثل مثل (وأفرد)، أي حكم على ذاته بأنها مفردة لا مثل لها ولا مثل مثل كما هي كذلك في نفسها.
والحاصل أن قوله تعالى: "ليس كمثله ، شيء"  [الشوری : 11].
إما أن تكون الكاف صلة فيكون التقدير ليس مثله شيء وهو المعنى الأول فيكون تنزيها.
"وهو السميع البصير"، أي لا غيره والخطاب لنا في لغتنا المفهومة بيننا، ونحن نعرف ما أطلعنا عليه سبحانه بفضله من كل مخلوق سميع بصير من إنسان وغيره ,
فيكون ذلك تشبيها، وإما أن تكون الكاف أصلية ليست زائدة فيكون التقدير ليس مثل مثله شيء وهو المعنى الثاني، وفيه إثبات المثال لا نفيه، بل نفي مثل المثل، فهو تشبيه لا تنزیه وقوله بعده "وهو السميع البصير" [الشورى:11].
أي ذلك المثل الذي لمثله، فهو تنزيه لزوال المثل ومثل المثل عنه، فحيث كان صدر الآية تنزيها كان عجزها تشبيها، وحيث كان صدرها تشبيها كان عجزها تنزيها للإشارة إلى أنه لا بد في حكم الشرع من التنزيه والتشبيه معا كما سبق، والانفراد بأحدهما إيمان ببعض الكتاب وكفر ببعض.
وقال تعالى في نظير ذلك : "هو الأول" [الحديد: 3]، يعني قبل كل شيء فنزه "والأخر" [الحديد: 3]، يعني بعد ذلك في الأول وهو كل شيء إذ لا آخر للأشياء، لأنها لا تتناهى فشبه، "والظاهر" فشبه، "والباطن" فنزه.
وقال : "هو الأول" ، يعني الموجود الأول بالتشبيه إلى الثاني فهو كل شيء إذ لا نهاية للأشياء، ولها بداية فشبه، "والآخر" يعني الموجود بعد ذهاب ذلك الأول فنزه "والظاهر" [الحديد: 3].
يعني بالإيجاد والإمداد فنزه "والباطن" [الحديد: 3] يعني المعلومات العدمية التي قال تعالى عنها " " كل شيء هالك إلا وجهه" [القصص: 88] .
فكل شيء باطن فشبه وكذلك قال: "الله الصمد" ، أي المقصود بالحوائج كلها، والعالم يقصد بعضه بعضا كما هو المعروف فشبه.
ثم قال:"ولم يكن له كفوا أحد"  [الإخلاص: 2 و 4]، فنزه، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم التنزيه والتشبيه معا في كلمة قالها في مقام الإحسان : " أن تعبد الله كأنك تراه"، فشبه بذكر الرؤية.
فإن المرئي الأشياء، أو نزه بكاف التشبيه لنفي ذلك المرئي، أو شبه بكاف التشبيه والرؤية، ونزه بذكر اسم الله وضميره، ونحو هذا كثير في الآيات والأحاديث.
لو أن نوح عليه السلام (جمع لقومه) حين دعاهم إلى توحيد الله تعالى (بين الدعوتين ): دعوة التنزيه ودعوة التشبيه (لأجابوه) لما دعاهم إليه لأنهم مشبهون بعبادة الأصنام فيحتاجون إلى التنزيه ليكمل لهم التوحيد المطلوب منهم .
ولا ينهون عن التشبيه في أول الأمر لأنهم ما عرفوا من الإله غيره، ولهذا دعا نبينا عليه السلام قريشا إلى إله السماء ووصفه لهم بأوصاف التشبيه ليقرهم على ما هم عليه من التشبيه، لأنه بعض المعرفة.
ثم زادهم التنزيه فأجاب من أجاب وكفر من كفر، ولم ينههم في أول الأمر عن التشبيه لئلا يوحشهم مما عرفوه من الإله، وأما نوح عليه السلام (فدعاهم جهارا) من حيث التنزيه (ثم دعاهم إسرار) من حيث التشبيه ، فقدم لهم التنزيه فظنوا أنه ينهاهم عن التشبيه الذي هو بعض المعرفة فتركوا إجابته .
(ثم قال لهم : استغفروا ربكم)، أي اطلبوا المغفرة من تشبهكم للحق تعالی كما كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله تعالى في اليوم مائة مرة» يعني كلما ترقیت مقاما في تنزيه الله تعالی وجدت الأول تشبيها بالنسبة إلى الثاني فأستغفر من الأول وهكذا.
فهو غين أنوار لا غين أغيار وفيهم غين أغيار وقد طلب نوح عليه السلام من قومه أن يفعلوا كذلك من أول الأمر وهو ممتنع عليهم القصورهم ("إنه ")، أي ربکم (" كان غفارا" ) [نوح: 10] لكل من استغفره (وقال) نوح عليه السلام أيضا ("رب")، أي يا رب ("إني دعوت قومي") إلى توحيدك ومعرفتك
("ليلا" )، أي من حيث ما غابوا عنه من تنزيه الله تعالى ("ونهارا " )، أي من حيث ما شهدوه من التشبيه لكن بعد التنزيه لا قبله ("فلم يزدهم دعائي") لهم إلى التنزيه قبل التشبيه ("إلا فرارا" ) عما دعوتهم إليه [نوح: 5- 6].
(وذكر عن قومه أنهم تصامموا)، أي لم يسمعوا (عن دعوته)، بتكلف منهم لذلك فذلك قوله تعالى: ("وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)") سورة نوح الآية.
(لعلمهم)، أي قومه علما روحانيا لم ينزل إلى نفوسهم ليشعروا به، فجهلت نفوسهم وعلمت أرواحهم بما يجب عليهم من إجابة دعوتهم إلى توحيد الله تعالى من حيث الغيب ومن حيث الشهادة تنزيها في الأول وتشبيها في الثاني .
كما قال ليلا ونهارا، فأمرهم بترك التشبيه ليطلعوا على التنزيه فتكمل لهم المعرفة بالتنزيه والتشبيه.
وأمره لهم بترك التشبيه ليس الترك التشبيه وإنما هو لتحصيل التنزيه، وإلا فالتشبيه بعض المعرفة، وهو لا يأمرهم ببعض المعرفة وينهاهم عن البعض الآخر.
وقد علمت أرواحهم منه ذلك وإن جهلت نفوسهم، فتاصمموا عن ظاهر ما أمرهم به من ترك التشبيه لعلمهم بأن ترکه غیر مراد.
فامتثلوا قلوبا وأرواحا وخالفوا نفوسا وأشباحا، لأن عند نفوسهم بعض المعرفة وهو التشبيه فلم يتركوا ذلك البعض.
لأنه لا يريد منهم ترك ذلك وإنما يريد الهم تمام المعرفة، فلو علموا أن ترك ذلك يوجب كمال المعرفة لتركوه وترکه ستره عنهم.
وهو قوله: "لتغفر لهم"  [نوح: 7]. فإن الغفر هو الستر من معرفتهم الناقصة کفر وجحود، فهذا هو الكشف عن حقيقة كفرهم.
قال رضي الله عنه : (فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم،
وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، و الأمر قرآن لا فرقان، و من أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه. فإن القرآن يتضمن الفرقان والفرقان لا يتضمن القرآن. ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس. «فـ ليس كمثله شيء» يجمع الأمرين في أمر واحد. فلو أن نوحا يأتي بمثل هذه الآية لفظا أجابوه، فإنه شبه ونزه في آية واحدة، بل في نصف آية. 

قال رضي الله عنه : (ونوح دعا قومه «ليلا» من حيث عقولهم وروحانيتهم فإنها غيب. «ونهارا» دعاهم أيضا من حيث ظاهر صورهم وحسهم، وما جمع في الدعوة مثل «ليس كمثله شيء» فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فرارا. ثم قال عن نفسه إنه دعاهم ليغفر لهم، لا ليكشف لهم، وفهموا ذلك منه صلى الله عليه وسلم. لذلك «جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم» وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك.

ففي «ليس كمثله شيء» إثبات المثل ونفيه، وبهذا قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم إنه أوتي جوامع الكلم. فما دعا محمد صلى الله عليه وسلم قومه ليلا ونهارا.  بل دعاهم ليلا في نهار ونهارا في ليل.)

يتبع الفقرة الثانية
.

_________________
شاء الله بدء السفر منذ يوم الست بربكم .
عرفت ام لم تعرفي   
ففيه فسافر لا إليه ولا تكن ... جهولاً فكم عقل عليه يثابر
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى،
يسير و المكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه،
و لكن ارحل من الأكوان إلى المكون،
و أن إلى ربك المنتهى.
avatar
عبدالله المسافر
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 1483
الموقع : https://almossafer1.blogspot.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

https://almossafer1.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي :: تعاليق

avatar

مُساهمة في السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:44 من طرف عبدالله المسافر

3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

الفقرة الثانية :
قال رضي الله عنه : (فعلم العلماء بالله تعالی) من أهل المعارف الإلهية والحقائق الربانية (ما أن إليه نوح عليه السلام) في ضمن عبارته (في حق قومه) الكافرين به (من الثناء عليهم)، أي مدحهم بإجابة دعوته أرواحا وإن خالفوه أشباحا.
وإن كانوا إنما مكلفون من حيث الأشباح لا من حيث الأرواح، ولهذا كانت العبارة بالذم للظ والإشارة بالمدح للباطن، والتكليف إنما هو بحسب الظاهر والباطن (بلسان الذم هو الظاهر بالنسبة إلى ما هو الظاهر لهم منهم لا بالنسبة إلى ما هو الباطن منهم عنده فإنه ممدوح لا مذموم.
فإن الجميع صادرون عن الحق تعالى، فكلهم کاملون کامل، ولا فرق بينهم من هذه الجهة كما قال تعالى : "ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت" [الملك: 3]، وإنما التفاوت بينهم بما وضعه فيهم من علمهم بأنفسهم
وبغيرهم، فالكامل كامل في نفسه وفي رؤيته لنفسه ولغيره، والقاصر کامل في نفسه قاصر في رؤيته لنفسه ولغيره.
وكل واحد منهما قسمان:
فالأول عارف بأنه كامل في نفسه وفي رؤيته وغير عارف بذلك.
والثاني كذلك عارف بأنه كامل في نفسه قاصر في رؤيته وغير عارف بذلك.
ويخرج من هذا الثاني قسم ثالث غير عارف بأنه کامل في نفسه وعارف بأنه قاصر في رؤيته.
والكامل الحقيقي في نفس الأمر والكمال الشرعي في رؤية النفس والغير، وهو المطلوب ببعثة الرسل وإنزال الكتب.
إذ الأول لا دخل للتكليف به لأنه مما يلي الحق تعالى وهذا مما يلي العبد، وما يلي الحق للحق وما يلي العبد للعبد
وعلم نوح عليه السلام (أنهم)، أي قومه (إنما لم يجيبوا دعوته إلى توحيد الله تعالى، لأنه كامل وعارف بأنه كامل، والكامل عارف بمرتبتي الظهور والبطون لما فيها)، أي في دعوته (من الفرقان).
أي التمييز بين مرتبة الظهور ومرتبة البطون الكمال التفصيل بالتنزيه فقط والتشبيه فقط (والأمر) الإلهي الواحد (قرآن)، أي جمع للمرتبتين وإجمال في عين التفصيل بالتنزيه والتشبيه معا (لا فرقان) بالتمييز في كل مرتبة على حدة.
(ومن أقيم)، أي أقامه تعالی بجعله يشهد ذلك ولو بالروح دون : النفس (في) مقام (القرآن) الجامع (لا يصغي) إلى من دعاه (إلى) مقام (الفرقان) الفارق الذي يظهر فيه الكامل بصورة القاصر.
والكل في هيئة البعض كما إذا انقسم قلب الرضى بإزاء كل ذرة من أجزاء حجرها الدائر على ذلك القلب، فإنه كله بتمامه ماسك لكل جزء في الاستدارة على طريقة موزونة، فهو للکل قرآن ولكل ذرة فرقان ، ومن شهده قرآنا لا يرضى أن يشهده فرقانا (وإن كان)، أي الفرقان (فيه)، أي في القرآن، لأنه عينه إذ التفصيل في الإجمال.
(فإن القرآن)، أي الإجمال والكل (يتضمن الفرقان)، أي التفصيل وكل جزء
(والفرقان) الذي هو التفصيل وكل جزء (لا يتضمن القرآن) الذي هو الإجمال والكل والمراد من حيث هو فرقان وتفصيل باعتبار صور ما تفصل إليها، وإلا فإن اعتبرت حقائق ما تفصل إليها.
فالقرآن في كل ما تفصل إليه الفرقان، وهو من هذه الجهة .و قرآن لا فرقان (ولهذا)، أي لكون القرآن جامعة للفرقان دون العكس (ما اختص بالقرآن إلا محمد ) دون غيره من المرسلین علیهم السلام (و) اختصت به أيضا هذه الأمة التي هي "خير أمة أخرجت للناس" [آل عمران : 110].
بإخبار الله تعالی عنها بذلك بقوله تعالى : "كنتم خير أمة أخرجت للناس" الآية دون غيرهم من الأمم فإنهم مأمورون بشهود الفرقان كما جائتهم بذلك أنبياؤهم.
فمأمور کل شاهد بترك ما شهده من حيث مغایرته للمشهود الآخر.
وهذه الأمة مأمورة بشهود الفرقان ، فمأمور کل شاهد منهم بإضافة المشهود الآخر إلى مشهوده الأول، فديننا اليسر ودينهم العسر، وعليهم التشديد وعلينا التخفيف.
(فليس كمثله)، أي ليس مثل أمره الظاهر بصورة كل شيء من محسوس أو معقول (شيء) إذ كل شيء تفصيل لأمره المجمل في حضرة على حدة (فجمع) سبحانه وتعالى الأمر كله (في أمر واحد) فمن كان في بعضه لا يترك ما هو فيه بل لا يقتصر على ما هو عليه ويضم إليه غيره ليكمل من قصوره ويتحقق بحقيقة ظهوره في مطالع نوره (فلو أن نوحا) عليه السلام (يأتي) إلى قومه (بمثل هذه الآية) الجامعة بين التنزيه والتشبيه معا (لفظ)، لأنه جاء بمثل ذلك معنى إذ الحق واحد والمرسلون كلهم مجمعون عليه من حيث الإيمان ولكن عباراتهم مختلفة (أجابوه) من غير تردد الما دعاهم إليه (فإنه)، أي من جاء بمثل هذه الآية وهو محمد صلى الله عليه وسلم (شبه) الله تعالی بإثبات المثل له (ونزه) الله تعالی بنفي المثل عن مثله فكيف عنه (في آية واحدة بل في نصف آية) إذ بقية الآية "وهو السميع البصير" [الشورى: 11].
قال رضي الله عنع : ونوح عليه السلام (دعا قومه) إلى توحيد الله تعالى كما قال ("ليلا ") وهو ما غاب عنهم (من) حيث عالم (عقولهم) الفطرية (وروحانيتهم) الأمرية (فإنها)، أي عقولهم المذكورة وروحانيتهم (غيب) عنهم بحيث لا يشعرون بما تدریه وهو يدعوهم من هذه الحيثية بباطن کلامه (ونهارا دعاهم أيضا) وهو ما حضر عندهم وظهر لهم (من حيث ظاهر صورهم) النفسانية التي يعرفونها.
(وجثثهم) الجسمانية التي يشهدونها وهو يدعوهم من هذه الحيثية بظاهر کلامه (وما جمع) لهم (في الدعوة) بين الظاهر والباطن (بالتشبيه والتنزيه مثل) قوله تعالى ("ليس كمثله شيء")  [الشورى: 11] .
الجامع بين الظاهر وهو المثل المثبت والباطن هو الشيء الذي هو مثل المثل المنفي، والتشبيه بالأول والتنزيه بالثاني.
(فنفرت بواطنهم)، أي بواطن قوم نوح (لهذا الفرقان)، أي التمييز والتفصيل الذي جاءهم به، فإنهم دعاهم إلى التنزيه وحده من حيث عقولهم وإلى التشبيه أيضا وحده من حيث صورهم وأجسامهم.
ولم يجمع لهم بين الشيئين معا كما جمع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأمته، فإن بعض الحق وحده إذا قرر وجدته النفوس نقصانا.
والحق الناقص ليس بحق، وهذا سبب نفور البواطن، فلو ذكر كله جملة أقبلت عليه، لأن عندها بعضه فتستأنس بما عندها فيما ليس عندها (فزادهم فرار) بكثرة دعوته إلى فرقانه و تکرار نفورهم من تفصيله وبيانه .
(ثم قال) نوح عليه السلام (عن نفسه دعاهم)، أي قومه (ليغفر)، أي ليستر الله تعالى (لهم) ما ظهر من التشبيه الذي هو بعض الحق (لا ليكشف) الله تعالى (لهم) ما ستر عنهم من التنزيه الذي هو بقية الحق الذي عندهم (وفهموا)، أي من حيث عقولهم الفطرية وروحانيتهم الأمرية لا من حيث عقولهم الخلقية وروحانيتهم الحيوانية (ذلك).
أي طلب الستر لهم عما كشف لهم من بعض الحق (منه)، أي من نوح عليه السلام (لذلك)، أي لأجل ما ذكر (وجعلوا أضيعه في آذانهم ) [نوح: 7].
حتى لا يسمعوا منه دعوة ترك بعض الحق الذي هم فيه من حيث أن ذلك كفر منهم ( استشواه)، أي طلبوا أن يكون غشاهم أي سترتهم عنه (ثيابهم) التي يلبسونها .
وهذه الأفعال التي صدرت منهم (كلها) هي (صورة الستر التي دعاهم إليها)، أي لأجلها كما قال :"لتغفر لهم".
أي لتسترهم (فأجابوا) هم من حيث ظهور الحقيقة الإلهية بهم وإن كانوا لا يشعرون (دعوته)، التي هي طلب المغفرة من الحق تعالی بهم (بالفعل) كما هو أبلغ إجابة من الحق تعالى لدعاء عبده فسترهم بأصابعهم و بثيابهم (لا بلبيك) التي هي إجابة من الحق تعالى لكل دعاء في العموم.
(ففي) قوله تعالى في دعوة نبينا محمد لأمته: (وليس كمثله، شيء ) [الشورى : 11] على زيادة الكاف، أي ليس مثله شيء أو على أصالتها، أي ليس مثل مثله شيء ومثل مثله (إثبات المثل) مفروضة في الأول ثم منفية وبلا نفي في الثاني
(ونفيه)، أي نفي المثل المفروض أولا والمنفي مثله ثانية، لأن نفي المثل نفي لمثله أيضا، ففي هذه الآية تشبیه وتنزيه معا وهو الكمال في الدعوة إلى التوحيد (ولهذا قال) نبينا (صلى الله عليه وسلم عن نفسه)، فيما ورد عنه في الحديث (أنه أوتي)، أي آتاه الله تعالی
(جوامع الكلم)، أي الكلمات الجوامع فكل كلمة من كلماته صلى الله عليه وسلم جامعة لعلوم كثيرة وأسرار غزيرة وإن حصرت علماء الرسوم جوامع الكلم في أحاديث مخصوصة فهو من القصور.
فإن كل حديث للنبي صلى الله عليه وسلم جامع للمعاني الكثيرة يعرف هذا أهل المعرفة الإلهية من غير ارتياب (فما دعا) نبينا (محمد صلى الله عليه وسلم قومه ليلا) أي غيبة على حدة (ونهارا) أي شهادة على حدة (بل دعاهم) صلى الله عليه وسلم ("ليلا")، أي غيبة والمراد تنزيهة في نهار)، أي شهادة .
والمراد في تشبيه (ونهارا)، أي شهادة وتشبيها (في ليل)، أي في غيب و تنزيه فجاء نبينا صلى الله عليه وسلم بالآيات والأحاديث المشتملة على التنزيه في التشبيه والتشبيه في التنزيه .
يعرف هذا أهل المعرفة الإلهية المتبحرون في الكشف عن معاني الكتاب والسنة دون القاصرين من علماء الرسوم.
قال رضي الله عنه : (فقال نوح في حكمته لقومه: «يرسل السماء عليكم مدرارا» وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري، «ويمددكم بأموال» أي بما يميل بكم إليه فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه.  فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف. فلهذا انقسم الناس إلى غير عالم وعالم.  «وولده» وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري. والأمر موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الفكر.)
قال رضي الله عنه : («إلا خسارا، فما ربحت تجارتهم» فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم: و هو في المحمديين «و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه»، و في نوح «ألا تتخذوا من دوني وكيلا» فأثبت الملك لهم و الوكالة لله فيهم. فهم مستخلفون فيه. فالملك لله وهو وكيلهم، فالملك لهم وذلك ملك الاستخلاف.)
قال رضي الله عنه : (فقال نوح) عليه السلام (في حكمته)، أي تتجه امتثال أمره (لقومه) على تقدير صدور ذلك منهم ("ويرسل ")، أي الله تعالى ("السماء") وهي ما علا وارتفع عن إدراكهم من الجناب الإلهي الأقدس (" عليكم" ) حيث نزهتموه عن تشبيهكم ثم شبهتموه من تنزيهكم . ثم نزهتموه ثم شبهتموه وهكذا.
فإن التنزيه محتاج إلى التشبيه والتشبيه محتاج إلى التنزيه، وكلاهما محال على الله تعالى، لأنهما حكمان عقليان، والله تعالى منزه عن الحكم العقلي، لأن كل معقول حادث كما أن كل محسوس كذلك.
إذ لا يرد على القديم حكم من الحادث، وليس في يد المكلف غير هذين الحكمين ونفيهما فالمطلوب نفيهما، ومن ضرورة نفي الشيء ثبوته قبل نفيه ("مدرارا")، أي كثير الدرور وهو الظل والسيلان.
(وهی)، أي التي يرسلها عليهم ربهم من الأمطار أمطار (المعارف) جمع معرفة (العقلية)، أي المنسوبة إلى العقل من حيث أنها تؤخذ به وتضبط بإدراكه (في المعاني) الإلهية التي يفهمونها من إشارات الوجود العلوي والسفلي (والنظر) بالبصر والبصيرة (الاعتباري) وهو المقتضي للعبور من الظواهر إلى البواطن وبالعكس من غير اقتضاء على أحدهما ("ويمددكم")، أي الله تعالى حينئذ ("بأموال") [نوح: 11].
نتيجة جمع مال (أي بما يميل بكم إليه) سبحانه من أعراض الدنيا (فإذا مال) ذلك المال بكم (إلى الله) تعالى بحيث أوصلكم إلى شهوده سبحانه في كل شيء من جهة أن كل شيء صورة مراده تعالی ومعلومه ومقدوره وذاته متجلية بذلك على ذاته فذاته من حيث هي متجلي عليها مرآة لذاته من حيث متجلية بتلك الصورة المرادة المعلومة المقدورة، وتلك الصورة هي المال الذي يميل بكم إلى الله تعالى وهي غرض الدنيا (رأيتم) بأبصاركم وبصائركم (صورتكم) الحسية والعقلية (فيه)، أي في الحق سبحانه وتعالى.
(فمن تخیل منکم) في نفسه بعد ذلك (أنه رآه) عز وجل (فما عرف) الحق سبحانه وتعالى ما رأى إلا صورته ظاهرة في الحق سبحانه الممسك لها كما تمسك المرآة الصورة الظاهرة فيها من غير أن تحل أحدهما في الأخرى (ومن عرف منكم أنه رأى نفسه) فقط على حسب تقلبات أطواره ظاهرة بمرآة الحق سبحانه .
(فهو العارف) بالله تعالى (فلهذا انقسم) جميع الناس إلى قسمين :
الأول (غير عالم) بالله تعالى وهم الذين يتخيلون أنهم يعرفون الله تعالى ويشهدونه، وهم لا يشهدون إلا أنفسهم على حسب استعدادهم في مرآة الحق تعالى.
(و) الثاني : (عالم) بالله تعالی وهم الذين يعرفون أنهم لا يعرفون إلا أنفسهم على حسب استعدادهم ظاهرة لهم في مرآة الحق تعالی.
كما قال عليه السلام: «من عرف نفسه فقد عرف ربه».
وقال تعالی عن قوم نوح عليه السلام: ("واتبعوا من لم يزده ماله") [نوح: 21] وهو ما ذكره من أنه كل ما يميل بكم إليه سبحانه (وولده وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري) من التشبيه والتكييف في جناب الحق تعالی.
(والأمر) المطلوب في معرفة الله تعالى (موقوف علمه) والتحقيق به (على المشاهدة) لآيات الله تعالى التي في الآفاق وفي الأنفس (عيد جدا عن نتائج الفكر)، لأن الفكر ظلمة النفس ولا يكتسب بالظلمة غير الظلمة ("إلا خسارا") [نوح: 21] .
حيث مال به المال عنه سبحانه لا إليه وحملة الفكر المتولد فيه على الزيغ فيما لديه كما قال تعالى عن أمثاله ("فما ربحت تجارتهم") [البقرة: 16] حيث لجأوا إلى سوق حضرة الله تعالی فکسدت عليهم ولم تنفق لأنها غير مرغوب فيها عند الله تعالى.
لأنها كلها زيغ وضلال (فزال عنهم) بمجرد موتهم وهلاكهم (ما كان في أيديهم) يتصرفون فيه بإذن الله وهم لا يشعرون لعمى بصائرهم  (مما كانوا) في حياتهم الدنيا (يتخيلون أنه ملك لهم) من الأموال التي أمدهم بها، والملك في الحقيقة كله لله لا الهم ولا لغيرهم (وهو)، أي هذا الملك الذي تخيلوه لهم محسوب (في) مقام الأولياء (المحمديين) من هذه الأمة، أي الذين هم على قدم محمد صلى الله عليه وسلم الوارثين في علمه لا نبوته.
لأنها ختمت به من قبيل قوله تعالى: ( "وأنفقوا" ) يا أيها المؤمنون بالغيب ("مما")، أي من الذي هو معقول أو محسوس من علم أو مال أو غير ذلك
وجعله سبحانه وتعالى تفضلا منه عليكم ("مستخلفين فيه") [الحديد: 7] عنه تعالى في الأرض كما قال : "وهو الذي جعلكم خلائف الأرض " [الأنعام: 165].
وأصل الخلافة في الأنبياء عليهم السلام ثم ورثها منهم المؤمنون.
قال تعالى : "إني جاعل في الأرض خليفة" [البقرة: 30] وذلك عن آدم عليه السلام. وقال تعالی: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض" [ص: 26] (فيه)، أي فيما ذكر (و) محسوس (في) حق قوم (نوح) عليه السلام من قبيل قوله تعالى : ("ألا تتخذوا من دوني ") [الإسراء: 2]، أي غيري (وكيلا) في جميع ما أنتم متصرفون فيه من مال غيره.
(فأثبت) تعالى على مقتضى هذه الآية (الملك) فيما هم متصرفون فيه لهم، أي لقوم نوح تقريرا لما تخيلوه في زعمهم، لأنه تعالی عند ظن عبده به كما ورد في الحديث: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (و) أثبت (الوكالة) منهم في الحقيقة (الله) تعالی حينئذ (فيه)، أي في ذلك الذي لهم.
(فهم) في الحقيقة التي خلقوا عليها (مستخلفون) عنه تعالى (فيه)، أي في ذلك الملك بحسب زعمهم أن الملك لهم وإن لم يشعروا (فالملك) على مقتضى هذا الاختلاف الحقيقي (لله) لا لهم (وهو) سبحانه وتعالى على مقتضى حقيقتهم بحسب زعمهم ذلك (وكيلهم فالملك) على حسب هذه الوكالة الحقيقية وإن لم يشعروا بها (لهم) حيث زعموا ذلك و تخيلوه.
(وذلك) الملك الذي لهم في زعمهم هو (ملك الاستخلاف) الذي فيهم عنه تعالى وهم لا يشعرون به لا حقيقة الملك .
قال رضي الله عنه : (وبهذا كان الحق تعالى مالك الملك كما قال الترمذي رحمه الله. «ومكروا مكرا كبارا»، لأن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو لأنه ما عدم من البداية فيدعي إلى الغاية. «أدعوا إلى الله» فهذا عين المكر، «على بصيرة» فنبه أن الأمر له كله، فأجابوه مكرا كما دعاهم "مكرا ". )
(وبهذا) الأمر المذكور، أي بسببه (كان الحق) سبحانه وتعالى (مالك الملك ) [آل عمران: 26]، فإن الملك الحقيقي لله سبحانه وقد استخلف فيه بنی آدم فلبني آدم الملك الحقيقي أيضا بطريق الاستخلاف والنيابة عن الحق تعالى.
فالحق تعالی مالك الملك لذلك وهو من أسمائه (كما قال) الإمام (الترمذي) رحمه الله تعالى في أسئلته وبسط الجواب عنها الشيخ المصنف قدس الله سره في الفتوحات المكية ("ومكروا" )، أي قوم نوح بنوح عليه السلام ("مكرا كبارا") [نوح: 22]، أي كبيرة فنسب الله تعالى الكبر إلى مكرهم لما يأتي في بيانه وسبب هذا المكر منهم (لأن الدعوة إلى الله) تعالى الحاصلة من نوح عليه السلام كذلك من جميع الأنبياء عليهم السلام لأممهم (مکر) في حقيقة الأمر من نوح عليه السلام كذلك جميع الأنبياء عليهم السلام بإذن الله تعالی فهي مكر من الله تعالى (بالمدعو) من قوم نوح وغيرهم
(لأنه)، أي المدعو (ما عدم) الله تعالى من البداية، لأن المدعو ظهور إلهي من بداية أمره تعالى (فيدعی) بنبي أو غيره (إلى الغاية) التي هي الله تعالى كما قال :
"وأن إلى ربك المنتهى" [النجم: 42]، ثم إن كل الدعاة إلى الله تعالی مأمورون بالدعوة على وجه المكر بالمدعو كما ذكر حيث قال حكاية عن نبينا عليه السلام بقوله تعالى: «قل هذه ، سبيلي (أدعوا إلى الله على بصيرة) أنا ومن اتبعني» [يوسف: 108] الآية .
وهم العارفون الوارثون (فهذا)، أي ما ذكر من الدعوة على بصيرة (عين المكر) الإلهي من الداعي والداعي فيه (على بصيرة) كما أمره الله تعالی بذلك (فنبه سبحانه) وتعالى في هذه الآية.
(أن الأمر) من حيث صور المدعوين والداعين (له) تعالى وحده (كله)، أي جميع ذلك الأمر فليس لأحد منه شيء كما قال تعالى النبيه وليس لك من الأمر شيء (فأجابوه)، أي أجاب قوم نوح نوح عليه السلام (مكرا) أيضا (كما دعاهم) هو أيضا (مكرا
قال رضي الله عنه : (فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته وإنما هي (فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته وإنما هي من حيث أسماؤه فقال: «يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا» فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم، فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسم إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين. فقالوا في مكرهم: «وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا»، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله. في المحمديين: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه» أي حكم.
فالعالم يعلم من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود.)
قال رضي الله عنه : (فجاء) الوارث (المحمدي) في هذه الأمة داعيا لها (وعلم أن الدعوة إلى الله) تعالى التي هي مأمور بها إرثا محمدية (ما هي) فيه (من حيث هويته) الشخصية الإنسانية (وإنما هي من حيث أسماؤه) التي هي ظهور أسماء الله تعالى بحسب استعداده (فقال تعالى) في الإشارة إلى ذلك ("يوم نحشر")، أي نجمع العباد ("المتقين") المحترزين من مخالفتنا التي منها دعواهم الاستقلال بأسمائهم التي هي أسماؤنا الظاهرة لهم في نفوسهم ("إلى") الاسم ("الرحمن") الذي هو موصوف بالرحمة العامة المستوي بها على العرش ("وفدا") [مريم: 85].
أي زائرین راکبین على نجائب أجسامهم النورانية لابسين ثياب نفوسهم الراضية المرضية متزينين بحلی حواسهم الظاهرة والخفية.
(فجاء) سبحانه وتعالى في هذه الآية (بحرف الغاية) وهو إلى (وقرنها)، أي الغاية (بالاسم) الإلهي الرحمن لا بالذات الإلهية .
(فعرفنا) من ذلك (أن العالم) كله معقوله ومحسوسه (كان تحت حيطة)، أي تصرف (اسم إلهي) حاکم علیهم بمقتضاه وهو الاسم الرحمن وقد (أوجب عليهم) كلهم ذلك الاسم الرحمن المتحكم فيهم (أن يكونوا متقين) ليظهر أثر رحمته فيهم فكانوا متقين كما أوجب عليهم من حيث لم يكشف لهم مما هو مقتضى أرواحهم المتصرفة في أجسامهم بإذن الله .
وإن جهلوا ذلك وجحدوه في عين ما هم فيه قائمون ومعلوم بأن الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى لا ما فعل والمؤاخذة بما كسب القلب والغفلة والزيغ في القلب.
قال تعالى: "ولكن يؤاگم بما كسبت قلوبكم" [البقرة : 225]. وفي آية أخرى: "لها ما كسبت"، أي للنفوس "وعليها ما اكتسبت " [البقرة: 286] . والتكليف كله على النفوس بما قصدت لا على أعمال الجوارح من حيث هي فقط، فالعالم كلهم متقون يحشرون إلى الرحمن وفدا من حيث هم في وجودهم، ومنهم ما هو كذلك من حيث كشفهم عنهم واطلاعهم على نفوسهم.
ومنهم ليس كذلك بل هم مجرمون فتن الله تعالى أبصارهم وبصائرهم فأراهم خلاف الأمر عليه في نفسه و أطلعهم على ما اقتضى زيغهم وضلالهم، فهم يساقون إلى جهنم وردا كما أخبر تعالی عنهم، وأهل الظاهر مع الظاهر وأهل الحقيقة مع الباطن.
(فقالوا)، أي قوم نوح (في مكرهم)الكبار الذي مكروه بنوح عليه السلام "لا تذرن" أي لا تتركن "آلهتكم" التي تعبدونها من دون الله ("ولا تذرن")، أي لا تتركن (ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) [نوح: 23] . وهي أسماء الأصنام لهم
(فإنهم)، أي قوم نوح (إذا تركوهم)، أي تركوا هذه الأصنام (جهلوا من الحق) سبحانه (على قدر ما تركوا من هؤلاء) الأصنام لأنهم ما علموا من الحق تعالى إلا مقدار ما علموا من هذه الأصنام .
وقد علموها مشبهة ومكيفة مثل جميع العالم والعالم جميعه ظهور الحق تعالى، والحق تعالی كما هو منزه عن كل ما ظهر مشبه أيضا بكل ما ظهر .
فهو منزه مشبه كما تقدم ذكره وقد علموه مشبها في بعض ما هو مشبه به، والتشبيه بعض المعرفة به، فلو تركوا ما هم فيه من بعض معرفته جهلوا على مقدار ما تركوا.
فلهذا السر، المخفي عنهم لم يتركوا أصنامهم وإن كان تمسكهم بأصنامهم بالنظر إلى نياتهم كفرة وزيغ وضلالا لما قدمناه من أن بعض معرفة الشيء نقص ونقص المعرفة كفر.
فلا يجحد کون ذلك البعض معرفة قليلة، ولا يقال بقبول ذلك في دين الله تعالى، ولكن هذا كشف عن حقائقهم لا عن أحكامهم كما بينته في كتابي الرد المتين على منتقص العارف محيي الدين .
و (فإن للحق) سبحانه وتعالى من حيث ظهوره (في كل معبود) من صنم أو کوکب ونحو ذلك (وجها خاصة) هو من ذلك الوجه حقيقة الحق تعالی ظاهرة بصورة ذلك المعبود .
کما قبل الحق تعالى أن يكون عالما بصورة ذلك المعبود قبل ظهوره بها من غير أن يتغير هو سبحانه عما هو عليه في نفسه (يعرفه)، أي ذلك الوجه (من عرفه) لصفاء البصيرة (ويجهله من جهله) لكدر البصيرة وانطماسها (في) الأولياء (المحمديين) .
ولم يقل : ويجحده من جحده، لأن الأولياء لا يجحدونه وإن جهلوه وإنما يجحده بعض العوالم ممن يزعم أنه من علماء الرسوم لقصورها عن درك الحقائق كما يشير إليه قوله تعالى : ( وقضى ) من الأزل وقدر (وألا تعب وأه) یا أيها المكلفون كلكم (و إلا إياه ) [الإسراء: 23] وحده (أي حكم) وحكمه تعالی
نافذ على كل حال فكيف تتصور عبادة غيره تعالى حينئذ.
فالعالم من الأولياء المحمديين (یعلم من عبد) في وقت عبادة عباد الأصنام مثلا للأصنام هل عبدت على الحقيقة الصورة الظاهرة الممسوكة بقدرة الحق سبحانه، أي عبد الحق تعالی الظاهر بها .
(و) يعلم ذلك المعبود الحق سبحانه (فی أي صورة ظهر) بفعله لا بذاته (حتی عبد) عند جميع العالمين (و) يعلم (أن التفريق) والتمييز (والكثرة) في المعبود الواحد (کالأعضاء) الكثيرة المختلفة مثل اليدين والرجلين والأذنين والعينين ونحو ذلك (في الصورة) الواحدة (المحسوسة) فإن كثرة أعضائها لا تنافي وحدة حقيقتها في الإنسان الواحد .
(وكالقوى) جمع قوة (المعنوية) كقوة البصر وقوة السمع وقوة اللمس وقوة الذوق وقوة الفكر وقوة الحفظ وقوة الخيال وما أشبه ذلك (في الصورة الروحانية الواحدة التي هي في باطن الصورة الجسمانية المحسوسة .
(فما عبد) على الحقيقة (غير الله) تعالى (في كل معبود) وعبده عابد مطلقا .
قال رضي الله عنه : (فالأدنى من تخيل فيه الألوهية، فلو لا هذا التخيل ما عبد الحجر و لا غيره. و لهذا قال: «قل سموهم»، فلو سموهم لسموهم حجارة و شجرا و كوكبا. و لو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلها ما كانوا يقولون الله و لا الإله. و الأعلى ما تخيل ، بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر. فالأدنى صاحب التخيل يقول: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» و الأعلى العالم يقول: «فإلهكم إله واحد فله أسلموا» حيث ظهر «و بشر المخبتين» الذين خبت نار طبيعتهم، فقالوا إلها و لم يقولوا طبيعة، «و قد أضلوا كثيرا، أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه و النسب.)
(فالأدنى) من العابدین له سبحانه (من تخيل فيه) عز وجل (الألوهية) فإن كل من عبد شيئا تخيل فيه ذلك (فلولا هذا التخيل) للألوهية في العابد المتخيل ذلك في معبوده (ما عبد الحجر) المنحوت صنم (ولا غيره) من كل ما عبد من دون الله تعالی
ولهذا قال تعالى لنبيه عليه السلام في حق عباد الصنم وغيره : "وجعلوا لله أندادا" [إبراهيم: 30] (قل) لهم ("سموهم") [الرعد: 33].
أي أذكروا أسماء هذه الأنداد  عندكم فإنها في شهودكم مغايرة للحق تعالی.
(فلو سموهم) وأظهروا ما في شهودهم ورؤيتهم من مغايرة ما عبدوه للحق تعالى كما يعلمه الله تعالى منهم حيث أكفرهم بذلك وحكم بأنهم عبدوا غيره (لسموهم حجرا وشجرا وكوكبا) ونحو ذلك كالملائكة وعيسى ابن مريم.
فظهر حينئذ أنهم عبدوا غير الله باعتبارات في نظرهم، واعتقادهم أنهم عبدوا غير الله تعالى وإن سموه عندهم الله تعالی جهلا منهم بمعرفته تعالى.
فإنه بعد الحكم بالمغايرة في إدراكهم لا عبرة بالتسمية، وإن لم يكن ثمة غير الله تعالى في حقيقة الأمر كما سبق، ولكن هذا في شهود المؤمنين الكاملين، وأما الكافرون فإنهم اخترعوا بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة غير الله تعالی وعبدوه من دون الله تعالی.
فستروا الله تعالى باعتبار ما بأنفسهم فكفروا بذلك الستر، فإن الكفر هو الستر فلو عرفوا الله تعالى في كل شيء كمعرفة المؤمنين الكاملين لوجدوا أنفسهم عابدین له تعالى في عین عبادتهم لما سواه حين كانوا جاهلین به تعالی.
(و) مع ذلك (لو قيل لهم)، أي لعباد الأصنام وغير الأصنام (من عبدتم لقالوا) عبدنا (إلها)، أي معبودا والله تعالی معبود كل شيء.
وله ظهور خاص بالنسبة إلى كل شيء فهو إله واحد عند المؤمنين بالغيب من حيث هو غيب غير الكل، وهو آلهة كثيرة متعددة مختلفة من حيث ظهوره المخصوص بالنسبة إلى كل عابد لا يؤمن بالإله الواحد الغيب.
ولهذا قال تعالى لنبيه عليه السلام:" فاعلم أنه لا إله إلا الله" على معنى أن كل إله هو الله يعني من حيث ظهور هذا الغيب المطلق الذي هو معبود أهل الإيمان من حيث إطلاقه.
فإن ظهوره الخاص معبود أهل الكفر (كما كانوا يقولون) عبدنا (الله) لأنهم ما عبدوا الله الذي هو الغيب المطلق وهو الإله الحق، وأما معبودهم فهو ظهور من ظهورات الله تعالی وظهور الله ليس هو الله.
لأنه بحسب استعداد الظاهر له ولهذا قالوا: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" [الزمر: 3] .
وقالوا : "لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا" [الأعراف: 70].
وقالوا :"أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب " [ص: 5].
(ولا) كانوا يقولون: عبدنا (الإله)، لأن الإله بالألف واللام هو الغيب المطلق وهو الله تعالى وهم ما عبدوا الله تعالى بل عبدوا الظاهر لهم في مظهر خاص على حسب استعدادهم .
وهو إلههم الذي عبدوه من دون الله وهو المنحوت لهم بقوة استعدادهم.
قال تعالى : " أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون" [الصافات: 95 ۔ 96]. (والأعلى) من العابدین له تعالى (ما تخيل) في الله تعالى شيئا، لأنه لو تخيل شيئا من ألوهية أو غيرها لعبده ظاهرة في مظهر مخصوص مثل عباد الأصنام وغيرهم (بل قال) عن كل معبود ظهر له من كوكب أو حجر أو شجر وغير ذلك.
(هذا مجلى)، أي مظهر لأجل تجل (إلهي) مخصوص (ينبغي) لكل مؤمن بالغيب المطلق الذي هو الله تعالى (تعظيمه) من حيث هو مجلى مخصوص لا من حيث هو أثر مخلوق حقیر .
فإن للحق تعالى في كل شيء وجها مما يلي صفاته تعالى وهو الوجه الباقي وهو توجه الحق تعالى على إيجاد ذلك الشيء من الأزل، وهو الحق تعالى لا غيره في حضرة مخصوصة بحسب استعداد ذلك الشيء.
يتبع الفقرة الثالثة
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:56 من طرف عبدالله المسافر

3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

الفقرة الثالثة :
والوجه الآخر لذلك الشيء مما يلي حضرة الإمكان، وهو الهالك الذي قال تعالى: "كل شيء هالك إلا وجهه " [القصص: 88].
(فلا يقتصر) ذلك الأعلى من العابدین علی مجلى دون مجلى بل يعتقد أن الكل مجالي ومظاهر تبدو وتخفى على ممد الأوقات.
(فالأدنى) من العابدين الله تعالى (صاحب التخيل) المذكور فيما سبق (يقول) كما حكى الله تعالى ذلك عنه في القرآن العظيم بقوله: (وما تعبدهم)، أي الأصنام
("وإلا ليقربونا إلى الله زلفى") [الزمر: 3].
لأن لهم وجوها خاصة إلى ذلك الموجود وهم مأمورون بتعظيم تلك الوجوه فقط من حيث إنها وجوهه تعالى لا مأمورون لعبادتها من دون الله تعالى المطلق عنها. (والأعلى) من العابدین لله تعالى (العالم) بالله تعالی الذي لم يتخيل في الله تعالى شيئا وإن كان التخيل من ضرورته، لأنه معترف بعجزه عن المطابقة لما هو الأمر في نفسه.
(يقول) في ذلك كما حكى الله تعالی عنه بقوله : "أنما إلهكم" ، أي الذي يجب عليكم أن تعبدوه ("إله واحڈ") لا تعدد له غیب مطلق عن جميع القيود الحسية والعقلية ("فله، أسلموا")، أي انقادوا و أذعنوا في بواطنكم وظواهركم بحيث لا تبقى فيكم حركة إلا به وله (حيث ظهر) لكن في جميع مظاهره المحسوسة والمعقولة، فليكن إسلامكم وانقیادكم إلى الظاهر بالمظهر الذي ظهر لكم فيه وعبادتكم للباطن الذي لا يقيده الظهور بذلك المظهر الذي أسلمتم له .
("وبشر") يا أيها المأمور بأن يقول لأمته ذلك (" المخبتين") [الحج: 34] ممن اتبعك في العمل بما قلت (أي الذين خبت)، أي أطفأت وخمدت (نار طبيعتهم) التي خلفت نفوسهم وأجسامهم منها، وحيث خمدت نارهم انقلب نورا (فقالوا) نعبد (إلها) باطنا وننقاد ونذعن ونسلم لنور ظاهر من قبيل قوله تعالى : "الله نور السماوات  والأرض" [النور: 35] .
(ولم يقولوا) نعبد (طبيعة) فننقاد ونذعن ونسلم لها لأن الطبيعة نار الله الموقدة وهم مأمورون بتوقيها كما قال تعالى : "قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها" [التحريم: 6].
وقال عليه السلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة».
قال نوح عليه السلام عن الأصنام المذكورة (وقد أضلوا كثيرا) يعني من أمته (أي حيروهم)، وأوقعوهم في عدم الاهتداء إلى وجه الصواب حيث اندهشوا (في تعداد) الإله (الواحد) الذي هو الغيب المطلق تعداد حاصلا (بالوجوه) الكثيرة التي له تعالى إذلة.
وإلى كل شيء وجه خاص من ذلك الوجه ظهرت صورة ذلك الشيء (والنسب) المختلفة التي من كل شيء إليه تعالى، فلكل شيء نسبة إليه تعالی حقيقية.
وأما نسب الأشياء بعضها إلى بعض فهي مجازية فالله واحد، لأنه الغيب المطلق وکثیر متعدد، لأنه الظاهر بتوجهه إلى كل شيء وبنسبة وجود كل شيء إليه وقال نوح عليه السلام أيضا.
قال رضي الله عنه : («ولا تزد الظالمين» لأنفسهم. «المصطفين» الذين أورثوا الكتاب، أول الثلاثة. فقدمه على المقتصد والسابق. «إلا ضلالا» إلا حيرة المحمدي. «زدني فيك تحيرا»، «كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا».
فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته: فله من وإلى وما بينهما. وصاحب الحركة الدورية لا بدء له فيلزمه «من» ولا غاية فتحكم عليه «إلى»، فله الوجود الأتم وهو المؤتى جوامع الكلم والحكم. «مما خطيئاتهم» فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله، وهو الحيرة، «فأدخلوا نارا» في عين الماء في المحمديين. "و إذا البحار سجرت": سجرت التنور إذا أوقدته.)
قال رضي الله عنه : ("ولا تزد الظالمين") يعني (لأنفسهم) بعدم إيفاء نفوسهم حقوقها مما تطلبه منهم من الحظوظ العاجلة والآجلة رغبة في إطاعة الرب سبحانه وتعالى، وأنها كافي مرضاته تعالى وهم قومه من حيث أسرارهم وأرواحهم لأنهم مطيعون من هذا الوجه إلا من حيث نفوسهم وأشباحهم.
لأنهم عاصون من هذا الوجه باعتبار أن الروح ناظرة إلى تقلب شؤون الرب والنفس ناظرة إلى اختلاف أفعال العبد، فالإيمان والمعرفة في الأرواح والكفر والضلال في النفوس والأشباح.
ونوح عليه السلام ناظر إليهم بعين الحقيقة وبعين الشريعة، وكلامه في حقهم صالح لهم في الحالتين ودعاء لهم وعليهم باعتبار الطورين المذكورين، وحيث كان طور النفوس والأشباح مما لا خفاء فيه على العامة فضلا عن الخاصة.
وكفرهم وضلالهم في هذه الطور معلوم لم يحتج المصنف رحمه الله تعالى إلى التعرض، وإنما تعرض للطور الآخر الخفي عن بعض أهل الخصوص فضلا عن أهل العموم، لأن كتابه هذا في بيان الحقائق والأسرار الإلهية للشرائع والأحكام الربانية لا في بيان الشرائع والأحكام فقط، مثل كتب علماء الرسوم التي علومهم هي علوم المؤمنين لا علوم خاصتهم (المصطفين) نعت للظالمين أنفسهم.
(الذين أورثوا)، أي أورثهم الله تعالى (الكتاب) الجامع للخلق والأمر في رتبة التفصيل والإجمال (فهم)، أي المصطفون الظالمون أنفسهم (أول الثلاثة) الذين اصطفاهم الله تعالى فأورثهم كتابه القديم، فنسب إليهم على حد ما ينسب إليه تعالی لزوالهم عن أنفسهم وأشباحهم وقيامهم في حضرته بأسرارهم وأرواحهم.
أما باعتبار حقائق ذواتهم وإن لم يشعروا بها وهم الصم البكم الذي لا يعقلون الحق الظاهر بهم له لا لهم، أو باعتبار شهودهم ذلك من حقائق ذواتهم، وهم الصم البكم العمى الذين لا يعقلون غير الحق تعالی الظاهر بهم له، ثم لهم وبحسب التفاوت في هذين المقامین انقسموا إلى ثلاثة أقسام.
قال تعالى: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا " [فاطر: 32] . وهم جميع بني آدم بالاعتبارين المذكورين "فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخير بإذن الله" [فاطر: 32] .
(فقدمه)، أي الظالم لنفسه (على المقتصد والسابق) بالخيرات، لأنه شرفه عليهما باعتبار ظلم نفسه في مرضات الله ، ثم دون المقتصد وهو المتوسط الذي تارة يراعي حقوق الله وتارة يراعي حقوق نفسه، ثم ما دونه  السابق بالخيرات بإذن الله، وهو الذي يراعي حقوق نفسه فقط، فيعمل الخيرات ويسارع فيها لأجل حصول السعادة له في الدنيا والآخرة، وطمعا في النجاة من الله تعالی ورغبة في الثواب.
("إلا ضللا") [نوح: 24] فيك (أي حيرة) وهي الهداية لا جزم فيها بشيء معقول ولا محسوس، لأنه تعالى "ليس كمثله شيء".[الشورى : 11]
ولا حكم فيها بإثبات ولا نفي لأن كل مثبت بالعقل حادث وكل منفي بالعقل حادث أيضا، والحق سبحانه ثابت ثبوتا ليس محتاجة إلى مثبت (و) هذه الحيرة (في مقام الوارث المحمدي) يشير إليها قوله عليه السلام: (زدني) اللهم (فيك تحيرا) حيث كانت الحيرة هداية إليك، لأن الهداية في كل شيء بحسبه فالهداية إلى العظيم الحيرة في عظمته ومنه قوله تعالى: "ووجدك ضالا فهدى" (الضحى  7] أي متحيرا في عظمة ربك فهداك بحيرتك تلك إلى معرفته.
وقال تعالى في مقام الحيرة أيضا: ( و لما أضاء )، أي أشرق ("لهم") بهم من تجلي اسمه الظاهر، فتحققوا به ("مشوا") في عالم وجودهم الحسي والعقلي (فيه) فكانوا معدومین قائمين بموجود ("وإذا أظلم عليهم") فاستتر عنهم من تجلی اسمه الباطن فشهدوا أنفسهم وغفلوا عنه ("قاموا") [البقرة: 20] (له) على قدم العبودية مشتغلين بالعبادة فهم بين هذين المقامين مترددون لا يستقر بهم القرار في أحدهما فيهتدون.
(فالمتحير) الذي حيرته المعرفة الإلهية في ربه عز وجل (له الدور) كلما علم الله تعالی شعر أن الذي علمه حادث مثله من حيث إن الله تعالى قديم والقديم لا يوجد في علم غير القديم فينبغي ما يجده في علمه لشعوره بأنه حادث.
ثم يثبت ما يعلم أنه الله تعالى منزها عن كل تشبيه وتكييف مؤمنا به على حسب ما هو عليه في غيبه المطلق لضرورة إيمانه به.
ثم يشعر بأن الذي أثبته حادث مثله أيضا وإن كان منزهة عن مشابهة الحوادث، فإن هذا التنزيه حكم من حادث فلا يقع إلا على حادث.
فينفي ما ثبت ثم يثبت أعلى منه، ثم يشعر بحدوثه أيضا فينفيه وهذه كيفية السير إلى الله تعالى يضع قدمه ثم يرفعه ثم يضعه أرقى منه ثم يرفعه وهكذا.
كما قال ابن الفارض رضي الله عنه :
قال لي حسن كل شيء تجلی    ….. بي تملى فقلت قصدي وراكا
فهو ينتقل دائما من حادث إلى حادث وفي زعمه أنه ينتقل من حادث إلى قدیم. فالقديم عنده موهوم والحادث متحقق، وذلك من ضرورة الإيمان بالله تعالى، وهو تشبيه الله تعالى ثم تنزيهه على حسب ما قدمناه.
وهذا معنى الدور المذكور (و) له أيضا، أي لصاحب الحيرة (الحركة الدورية) من كون إلى كون من نفسه إلى ربه  إلى نفسه، ثم يعود فيتحرك من كون إلى كون كذلك.
ولولا طلبه الله تعالى الذي لا يزول عنه ما كانت حركته الدورية مثل حركة الأفلاك العلوية (حول القطب) الراسخ على حقيقة عجزه الواقف على مركز اضطراره، لأنه كعبته التي يجب عليه أن يطوف بها وبيت ربه الذي يستقبله في صلواته (فلا تبرح منه)، لأنه قلبه الذي يدور عليه وحاكمه الذي يولى عليه.
قال رضي الله عنه : (وصاحب الطريق المستطيل) الذي لا رجوع له إلى مبتداه بل هو متوجه إلى غير نفسه ومقبل على ما سواه (مائل) دائمة، أي منحرف (خارج) بسبب میله ذلك عن المقصود الحق، لأن المقصود الحق عين المائل منه الخارج وهو لا يشعر من حيث هو مائل خارج، فداؤه عین دواه ومتمنيه حقيقة مناه (طالب ما)، أي المقصود الذي (هو فيه صاحب خیال) فکري لا کشف ذكري (إليه) أي إلى ذلك الخيال الذي يصحبه غايته التي يرجع إليها ويعول في أقرب أحواله علیها (فله) حقيقة معنی (من) الابتدائية (و) حقيقة معنى (إلى) الانتهائية (وما بينهما)، أي بين من وإلى من المسافة العقلية أو الحسية، لأن عنده المغايرة بينه وبين مطلوبه دائمة، فهو ينتقل من کون إلى كون من نفسه إلى ربه لا من ربه إلى نفسه إذ نفسه عنده من جملة الأغيار لربه (وصاحب الحركة الدورية) وهو الأول (لا بدء له) بشيء في سير، فيبتدىء من نفسه إلى ربه ثم من ربه إلى نفسه .
وهكذا فالمغايرة عنده اعتبارية وهمية، لأنه لو كان له بدء بشيء لكانت المغايرة عنده حقيقة (فيلزمه) حينئذ معنی (من) الابتدائية كما يلزم الأول (ولا غاية) له إلى شيء (لكمال حيرته) بتحقق عجزه (فيحكم عليه) حيث ينتهي إلى شيء معنی إلى الانتهائية
(فله)، أي لصاحب الحركة الدورية (الوجود) الحق (الأتم)، لأن وجوده انجلى عن ظلمة كونه وتجردت حقيقته المتنزهة عن صبغة لونه فهو المعروف وإن أنكره الجاهلون والنور الذي أشرق به كل شيء وإن عميت عنه المغضوب عليهم والضالون، لأن لبس عليهم ما يلبسون (وهو الموتى) من قبل أصله (جوامع الكلم) الإنسانية المركبة من الحروف النورية والنارية (و) جوامع (الحكم) الروحانية في جميع العوالم إذ الكل مخلوق من ذلك النور الواحد المنصبغ بلون كل كون فهم به منه وإليه يرجعون ("مما خطيئاتهم أغرقوا")، أي قوم نوح عليه السلام جمع خطيئة
(فهي التي خطت)، أي مشت (بهم) من أنفسهم إلى ربهم حيث كانت سبب هلاکهم.
(فغرقوا) حين وصولهم إلى ربهم (في بحار العلم بالله) تعالى ولما كان واحد منهم له علم بالله تعالی مخصوص على حسب استعداده كان العلم بالله تعالی بحار الأبحر واحدة (وهو)، أي العلم بالله تعالى حقيقة (الحيرة) في الله تعالی : (" فأدخلوا") ، أي أدخلهم الله سبحانه حين غرقهم ("نارا") [نوح: 25] تتأجج (في عين الماء) الذي يتموج فالذي غرقوا فيه ماء عند أهل الدنيا نار عند أهل الآخرة وحقيقة واحدة منصبغة بالصبغتين على حسب العالمين، فمن خرج عنها وجد الله عنده بمجرد خلع النعلين (و) هذا المقام (في) الوارثين (المحمديين).
قوله تعالى: ("إذا البحار")، أي الحقائق الإنسانية التي هي نفس العلم الإلهي ("سجرت") [التكوير: 6] .
شوقا ومحبة إلى نفسها وهي برد وسلام، فهي نار إبراهيم في خلته التي هي غاية المحبة، وهي نار موسى المكلمة له من حيث هي نور جذبته إليها بصورة حاجته التي هي النار، فأتاهم منها بقبس هو حقيقة ووجد على النار هدى هو معرفته على حسب ما ترجي ذلك.
فسجرت مشتق (من) قولك (سجرت التنور إذا أوقدته) بالحطب ونحوه.
يقول الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي : ("فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا» فكان الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد.  فلو أخرجهم إلى السيف، سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة، وإن كان الكل لله و بالله بل هو الله.
«قال نوح رب» ما قال إلهي، فإن الرب له الثبوت والإله يتنوع بالأسماء فهو كل يوم في شأن.  فأراد بالرب ثبوت التلوين إذ لا يصح إلا هو. «لا تذر على الأرض» يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها. المحمدي «لو دليتم بحبل لهبط على الله»، «له ما في السماوات و ما في الأرض».)
(فلم يجدوا)، أي الذين غرقوا (لهم من دون الله) سبحانه (أنصارا) ينصرونهم منه تعالى حيث اختطف حقائقهم إليه وأذاب نفوسهم في شهوده بين يديه (فكان الله) سبحانه (عين أنصارهم) إذ به النصر على كل حال في البعيد والقريب (فهلكوا كلهم
فيه)، أي اضمحلت ذواتهم في ذاته وصفاتهم في صفاته ، فلم يقدروا على التميز عنه والانفصال منه (إلى الأبد) فهم يعذبون بشهود جلاله في جماله ويستعذبون العذاب فيتلذذون بشهود جماله في جلاله وهذه حالة أهل النار في جميع الأطوار، فعذابهم لا ينقطع واستعذابهم لا يندفع والألم فيهم متجدد وهو نفس التلذذ المتعدد، يعرف هذا أهل الذوق السليم وأصحاب القلب الذي في عشقه لم يزل يهيم، والله بكل شيء عليم .
(فلو أخرجهم) من تلك البحار التي غرقوا فيها (إلى السيف) بالکسر ساحل البحر وهو كالسيف بالفتح القاطع عن معرفة المقصود (سیف الطبيعة) الذي هو کالسیف المصلت بيد الروح الأعظم (لنزل بهم) حينئذ (عن هذه الدرجة الرفيعة)، أي العالية التي هم فيها فكان الأنفع في حقهم ذلك الإغراق، لأن فيه اللقاء بعد الفراق.
(وإن كان الكل)، أي جميع العالم الموجود في حضرة الروح أو في حضرة الطبيعة (لله) وحده لا لنفسه (و) هو قائم (بالله وحده لا بنفسه شعر أو لم يشعر (بل هو الله) من حيث الحقيقة الفاعلية في الأعين العامية، ومن حيث الحقائق الصفاتية والاسمائية في أعين السالكين، ومن حيث حضرة الذات العلية في أعين الواصلين الواقفين.
(قال نوح) عليه السلام ("رب")، أي يا رب (وما قال: إلهي)، أي يا إلهي (فإن الرب) هو الله تعالى المتجلي بمظهر (له الثبوت) الوهمي في عين تنوعه بتكرره بالأمثال في أمره الذي هو كلمح البصر، ولهذا يعرفه كل شيء، ويشهده من حيث لا يعرف أنه يعرفه وأنه يشهده .
(والإله) هو الله تعالى الذي يتنوع) في تجليه (بالأسماء) الحسنى الظاهرة بأثارها المختلفة، فمن شهد الرب لم يتكرر عليه تجليه، ولا اختلف من حيث أمثاله المضروبة ومن شهد الإله تكرر عليه التجلي واختلف اختلاف الأرباب مع المربربين، فالإله هو الرب من جهة كثرة تجلياته الثابتة باعتبار کل مربوب، والرب هو الإله من جهة خصوص كل نوع من التجلي، فالرب بعض الإله، والإله أرباب كثيرة وهذا من حيث الحضرات لا من حيث الذات، لأن الحق سبحانه لا يتجزی ولا يتبعض.
(فهو)، أي الإله المتنوع بالأسماء (" كل يوم ") من أيام أمره الذي هو كلمح البصر ("هو في شأن" ) [الرحمن: 29].
أي أمر وحال باعتبار اختلاف أحوال خلقه وتقلب أمورهم أسرع ما يكون، وذلك الشأن الذي فيه الإله تعالى فيه العبد أيضا.
قال تعالى: "وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) [يونس: 61].
فقوله : وما تتلوا منه ، أي من ذلك الشأن الذي تكون فيه من قرآن، بيان لما تتلو، وهو شأن الله الذي هو فيه كل يوم، فالشأن مشترك بين الحق وبين العبد، والقرآن مخصوص به تعالى، وما تعملون من عمل مخصوص بنا، وجمع الشهود لاختلاف حضرات الموجود، فهو شأن في مقام الاشتراك، وهو قرآن في مقام الألوهية، وهو عمل في مقام العبودية .
(فأراد) نوح عليه السلام (بالرب ثبوت التلوين)، أي استمراره على وتيرة واحدة بحيث يبقى كثيرة واحدة، وهو التمكين في التلوين وهو مقام عالي، ولو أن القائل كل يوم تتلون غير هذا بك أحسن قال مکان ذلك كل يوم تتلون أن هذا بك أحسن لكان أحسن (إذ لا يصح) في الوجود الكوني (إلا هو)، أي التلوين لأنه به قيام الكون، فإن الكون لون متكرر، ولا تكرار لسعة الحضرات والتجليات، فهي ألوان مختلفة وهي أكوان مؤتلفة .
وهذا هو الذي يصح إذ لا يصح الوقوف ولا الثبوت المعروف، فإن الكل حركة وفي الحركة بركة والبركة هي الزيادة، والزيادة خارجة عن الأصل، وقيامها بالحركة الأمرية وهي كلمح البصر وذلك هو التلوين (لا تذر)، أي تترك (على الأرض)، التي هي بعض أجزائها (يدعو عليهم) جزاء لتكذيبه فيما دعاهم إليه مما هم فيه (أن يصيروا في بطنها)، أي الأرض ليطلعوا على حقيقة ما دعاهم إليه (وهو في الوارث المحمدي) قوله (لو دليتم بحبل لهبط) ذلك الحبل (على الله) من حيث إنه تعالی حامل قال تعالى: "وحملناهم في البر والبحر" [الإسراء: 70]، والحبل هو القرآن . ورد الحديث بلفظ : "والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم رجلا بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله ، ثم قرأ: "هو الأول والأخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم 4 [الحديد: 3] "رواه الترمذي والطبراني وغيرهما .
قال تعالى : "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " [آل عمران: 103] . فإن من اعتصم به وتدلى أي تواضع لله رفعه الله إليه، فيفنی وجوده ويبقى وجود الحق سبحانه وتعالى.
وقال تعالى: ("له ما في السموات") من العوالم العلوية التي هي مدفونة فيها ، أي مندرجة في حقائق سكانها (" وما في الأرض" ) [البقرة: 255] من العوالم السفلية المدفونة فيها، وكونها له ظهوره بها لأنه بكل شيء محيط ، فله الفوق وله التحت من بعض ما له فلا يفيده ذلك.
قال رضي الله عنه Sadو إذا دفنت فيها فأنت فيها و هي ظرفك: «و فيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى» لاختلاف الوجوه.
«من الكافرين» الذين «استغشوا ثيابهم وجعلوا أصابعهم في آذانهم» طلبا للستر لأنه «دعاهم ليغفر لهم» والغفر الستر. «ديارا» أحدا حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة. «إنك إن تذرهم» أي تدعهم وتتركهم «يضلوا عبادك» أي يحيروهم فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظرون أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عند أنفسهم عبيدا، فهم العبيد الأرباب.
«و لا يلدوا» أي ما ينتجون و لا يظهرون «إلا فاجرا» أي مظهرا ما ستر، «كفارا» أي ساترا ما ظهر بعد ظهوره.
فيظهرون ما ستر، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر و لا يعرف قصد الفاجر في فجوره ، ولا الكافر في كفره، و الشخص واحد.)
(وإذا دفنت) يا أيها الإنسان (فيها)، أي في الأرض (فأنت فيها) مظروف (وهي ظرفك)، أي دعائك.
قال تعالى: "منها خلقناكم (وفيها نعيدكم )" [طه: 55]، يعني بالدفن فيها، فإذا عادوا إليها التحقوا بها وعادت أبعاضهم التي خلقت منها إليها، فزال عن تلك الأبعاض قيد المغايرة للأرض.
فعند عودهم إليها لم يبق إلا للأرض وحدها، كما هي قبل أن يخلقوا منها فكأنهم لم يخلقوا منها، وكأنها لم يخلق منها شيء، والأرض كذلك خلقت من الماء، فإذا بدلت الأرض غير الأرض، فكأنها ما خلقت من الماء.
وكأن الماء ما خلق منه شيء، وكذلك الماء مخلوق من الدرة البيضاء والدرة من النور المحمدي، وهو من نور الله فعند ذهاب قيد المغايرة من كل طور من هذه الأطوار يرجع الأمر إلى حقيقة الحق تعالی وتنكشف عن ذاته سبحانه حجب الأغيار الاعتبارية .
كما قال تعالى: "وإليه يرجع الأمر كله" [هود: 11]، "وإليه ترجعون " [البقرة: 245]، "وإليه المصير" [المائدة: 18] "وإليه تقلبون" [العنكبوت: 21].
فيظهر قوله عليه السلام: «لو دليتم بحبل لهبط على الله ».
وقوله تعالی :" له ما في السموات وما في الأرض" [البقرة: 255].
(ومنها)، أي من هذه الأرض المذكورة ("نخرجكم تارة أخرى") [طه: 55] .
وهذا الخلق والإعادة والإخراج في كل لمحة مع الأنفاس، ومتی کشفه الله تعالی انكشف، ولا ينكشف إلا بعد الموت الاختياري أو الاضطراري.
وإنما اختلفت هذه الأطوار الثلاثة : طور الخلق وطور الإعادة وطور الإخراج (لاختلاف الوجوه) الإلهية، فكل وجه يعطى حالا غير الآخر.
واختلاف الوجود الاختلاف النسب بين الكون والمكون، واختلاف النسب لاختلاف الاستعداد في الممكن، فالتجلي واحد والممكن يستعد للخلق، فتظهر نسبة بينه وبين مكونه، فيتميز بسبب تلك النسبة وجه خاص للمكون يعطي ذلك الوجه خلق ذلك الممكن.
وكذلك الإعادة والإخراج وقوله : ("ومن الكافرين") متعلق بواجب الحذف صفة مقدمة المفعول ولا تذر على الأرض ، وهو قوله بعد ذلك "ديارا" [نوح: 26] (الساترین) بنفوسهم وأجسامهم حقائق أرواحهم، وبأرواحهم حضرات ربهم الحق سبحانه
(الذين "واستغشوا")، أي طلبوا أن تغشاهم أي تسترهم ("ثيابهم ") وهي صورهم العقلية والحسية والمنسوبة عندهم إليهم وإلى كل شيء و("جعلوا أصابعهم في
اذانهم ") [نوح: 7] حتى لا يسمعوا وصف الحق تعالی (طلب) منهم (للستر)، أي ستر الحق عنهم حتى تبقى ذواتهم متنعمة بالوجود خوفا من أن تمحق منها ذرة سطوة الشهود، فإن من جعل إصبعه في أذنيه سمع خرير الكوثر كما ورد في الحديث .
وهو نهر الوجود الكوني، وحالهم هذا كان عين إجباتهم لما دعاهم لأجله (لأنه)، أي نوح عليه السلام (دعاهم) إلى عبادة الله تعالى (ليغفر) الله تعالى (لهم) لا اليكشف لهم.
(و الغفر) هو (الستر) فستر الله تعالى لهم بهم حقائقهم التي قام بها ما سترهم به فكفروا الحق تعالی فأغرقهم في طوفانه حتى رجعوا إليه ("ديارا") أي (أحدا حتى تعم المنفعة) كل واحد منهم بأن يصادف حقيقة نفعه في عين ما هو نافر عنه (كما عمت الدعوة)، لكل واحد منهم (إنك) یا رب "إن تذرهم"، أي (تدعهم وتتركهم) من غير إغراق لهم في عين ما نفروا عنه من نفعهم المحض ("يضلوا عبادك ") [نوح: 27] .
الذين هم دونهم في المرتبة (أي يحيروهم) في معرفتك (فيخرجوهم من) ذل (العبودية) الظاهرة منهم (إلى) عزة (ما فيهم)، أي في عبادك
(من أسرار الربوبية) الباطنة عنهم من حيث قيومية الحق تعالى عليهم (فينظرون أنفسهم) حينئذ (أربابا) كل رب له حضرة خاصة، والرب واحد ولكن كثر وتعدد بكثرة مظاهره الآثارية في حضراته الإلهية (بعدما كانوا عند أنفسهم عبيدا) مختلفين بالأحوال والأوصاف.
(فهم العبيد) باعتبار كل معقول منهم ومحسوس وهم: (الأرباب) باعتبار ما غاب عن ذلك من الأسرار (ولا يلدوا أي ولا ينتجون) بتزاوج عقولهم لنفوسهم (ولا يظهرون) من مواليد الخواطر والأقوال والأعمال .
(إلا فاجرا أي مظهرا) بخلقه (ما ستر) في سريرته (کفار) مبالغة في الكفر وهو الستر (أي ساترا) بصورته من الكمال (ما ظهر) من قبح سريرته (بعد ظهوره) منه.
(فيظهرون)، أي هؤلاء الكفار والفجار ما ستر فيهم من قبح السريرة فيشهدونه (ثم سترونه) بكمال خلقهم عنهم فيسمونه حسنا (بعد ظهوره) لهم قبيحا (فيحار الناظر) فيما يرى .
فإنه يرى کمالا مستورا بقبح سريرة وقبح سريرة مستورا بكمال .
(ولا يعرف قصد الفاجر) الساتر كماله بقبحه (في فجوره) ذلك، فإن كل ذي كمال من عادته کشف كماله لا ستره (ولا يعرف قصد الكافر) الساتر قبحه بکماله ماذا قصده (في كفره).
أي ستر قبحه مع تمكنه من كشفه بلا نقصان فيه عند أمثاله (والشخص) الموصوف بالفجور والكفر (واحد) لا اثنان وهو الذي ينتجونه بتزاوج عقولهم لنفوسهم، ويظهرونه بخواطرهم وأقوالهم وأعمالهم على معنى أنه الذي يعرفونه فيما بينهم، ويعرفون بعضهم بعضا موصوفين بذلك، وهو الشخص الكامل المشاكل لهم، فإن المرء مرآة أخيه .
قال رضي الله عنه : («رب اغفر لي» أي استرني واستر من أجلي فيجهل قدري و مقامي كما جهل قدرك في قولك: «وما قدروا الله حق قدره» . «و لوالدي»: من كنت نتيجة عنهما و هما العقل و الطبيعة. «و لمن دخل بيتي» أي قلبي.
«مؤمنا» مصدقا بما يكون فيه من الإخبارات الإلهية و هو ما حدثت به أنفسها. «و للمؤمنين» من العقول «و المؤمنات» من النفوس. «و لا تزد الظالمين»: من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب الظلمانية. «إلا تبارا» أي هلاكا، فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحق دونهم في المحمديين. «كل شي ء هالك إلا وجهه» و التبار الهلاك. و من أراد أن يقف على أسرار نوح فعليه بالرقي في فلك يوح "نوح"، و هو في التنزلات الموصلية لنا والسلام . و الله يقول الحق.)
("رب")، أي يا رب ("اغفر لي") [نوح: 28]، أي استرني) عن غيري فلا يشهدني إلا أنا الذي هو أنت (واستر) عني (من أجلي) غيري من حيث إنه غيرك فيجهل)، أي يجهل غيري الذي هو غيرك (مقامي) الكريم (وقدري) العظيم (كما جهل) عند الأغيار (قدرك) العظيم، فجعلوه قدرك وهو قدري (في قولك : "وما قدروا" )، أي جميع الأغيار ( الله ) لانتفائهم عنه بمغایرتهم في دعوى نفوسهم جهة ضرورية ("حق قدره") [الزمر: 67] . بل دون قدره وهو إيمانهم به على الحجاب ("ولوالدي") تثنية والد غلب على الوالدة فثني بلفظ المذكر كالقمرين للشمس والقمر وهما (من کنت في هذا العالم (نتيجة عنهما) من حيث النفس والجسم.
وهما العقل الكلى الطالع في منزلتی عقلا جزئية وهو الوالد (والطبيعة) الكلية الطالعة في منزلتي طبيعة جزئية وهي الوالدة، وهذه الولادة الثانية عن هذين الأبوين والولادة الأولى قبل ذلك عن أبوين هما العالم والمعلوم، وذلك قول عیسی عليه السلام: من لم يولد مرتين لم يلج ملكوت السموات والأرض.
(ولمن دخل) باطلاعه (بيتي أي قلبي) المملوء بالوحي والإلهام (مؤمنا أي مصدقا بما يكون فيه من الإخبارات الإلهية) التي أخبرتهم بها عنك (وهو ما حدثت به أنفسهم) لهم فظهر منها تكذيبة لي وهو تصديق من حيث هي قلوب لا نفوس ("وللمؤمنين" من العقول) التي لهم في عين كفرها من حيث إنها مصدقة مذعنة منقادة للحق الظاهر لها في صورة ما عقلته، فاشتغلت بإيمانها عن بقية الصور له مما لا يتناهى في الغيب (والمؤمنات من النفوس) الكاشفة منه عما نزل في منزلتها وظهر في مرتبتها وقد قصرت عن معرفة إطلاقه فتقيدت بشهود خلق من أخلاقه .
("ولا تزد الظالمين") من العقول والنفوس والظلم مشتق (من الظلمات) وهو النور الأسود، وهم (أهل الغيب) عن كل معقول و محسوس، لأن العقل هو النور الأبيض والحس هو النور الأحمر فلا يعرفان النور الأسود، لأنه فوقهما .
وبهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس العمامة السوداء إشارة إلى الغيب الذي فوقه، وإنما كان العقل نورة أبيض، لأنه كلما أشرق على شيء كشفه بل کشف عن إشراقه على ذلك الشيء لا عن ذلك الشيء.
فلا يعرف إلا قدر استعداده من كل شيء كالشمس إذا تجلت على الأرض وكشفت عما فيها إنما كشفت عن نورها الذي أشرقت به الأرض عند تجليها عليها لا عن الأرض عما هي عليه.
لأن كل شيء هو النور الأسود الذي فوق النور الأبيض، فلا يعرف النور الأبيض منه إلا قدر استعداده .
وإنما كان الحس هو النور الأحمر، لأنه أدرك النفس المنصورة في صورة الدم فلها اللون الأحمر، لأنه أحب الألوان للنساء والنفوس نساء العقول لأنها مخلوقة منها كحواء من آدم. ولأن الحمرة أشهر الألوان ولما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المياسر الحمر. قال : دعوا هذه البراقات للنساء».
(المكتنفين)، أي المحاط بهم من جهة ربهم (خلف الحجب الظلمانية) التي هي عوالم الحس والشهادة ("إلا تبارا"[نوح: 8]، أي (هلاكا) واضمحلا لا بحيث يخرجون عن الحجب الظلمانية التي هي جميع المحسوسات ، والحجب النورانية التي هي جميع المعقولات.
ويدخلون في حقيقة سيئاتهم الهالكة إلا وجه الحق (فلا يعرفون نفوسهم) المحاط بها المحجوبة بنظرها إليها (لشهودهم) بربهم (وجه الحق) سبحانه وتعالى (دونهم) حيث يتحققون بهلاكهم في وجوده تعالی فيزول عنهم كونهم أهل الغيب ويصيرون أهل الشهادة فينتقلون من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان.
(و) مقامهم هذا (في) الورثة (المحمديين) أنزل على محمد في القرآن قوله تعالى: ("كل شيء") معقول أو محسوس (مالك)، أي فان ومضمحل (وإلا وجهه) [القصص: 88]، أي الحق جل وعلى بمعنی توجهه إلى كل شيء.
فإنه الموجود لا غير (والتبار) الواقع في آية نوح عليه السلام معناه (الهلاك) فهذه الآية نظير تلك الآية (ومن أراد) من المریدین (أن يقف)، أي يطلع ويشرف (على أسرار) حقيقة (نوح عليه السلام) .
وفيه إشارة إلى أن كلام الشيخ رضي الله عنه على معنى هذه الآية النوحية من حيث ما تعطيه أسرار حقيقة نوح عليه السلام في حق حقائق قومه ، لا من حيث ما يعطيه ظاهره في شأن ظواهر قومه.
فمن اعترض على الشيخ رضي الله عنه من أهل الظاهر فقط الذين هم طائفة الحشوية المتمسكون بالظاهر وحده وهم منكرون للباطن لجهلهم به وبمقداره، ظنوا أن كلام الشيخ من جهة ما يعطيه ظاهر نوح عليه السلام في ظواهر قومه وعموا عن قوله أسرار نوح عليه السلام، وعلم الأسرار هو علم البواطن لا الظواهر، وليس الشيخ رضي الله عنه يجحد الظواهر بل للظواهر أهل يتكلمون فيها، وليس السكوت عن الشيء جحودة له فلكل مجال رجال ولكل مقام مقال.
(فعليه بالترقي)، أي الصعود من نفسه إلى عقله ومن عقله إلى روحه (في فلك يوح) الذي هو اسم الشمس وهي هذا الكوكب النهاري المعلوم في عالم الأجسام هي الروح الكلية المنبعثة عنها جميع الأرواح الجزئية في عالم العقول.
فالعقول للأرواح الجزئية كالأجسام للنفوس الجمادية والنباتية والحيوانية، والإنسانية في فلك يوح بالكشف عن مراتب الخلقة البشرية والفطرة الإنسانية.
فإنها درجات بعضها فوق بعض للمترقي، دركات بعضها تحت بعض للهلاك الشقي كما قال تعالى فيه ظلمات بعضها فوق بعض، فإن الفريقين من فريق في الجنة وفريق في السعير كما قال تعالى: "قل كل من عند الله" [النساء: 78] ولكن فريق الجنة رجعوا إليه بعد هبوطهم منه، فصعدوا إليه، فكانت أطوارهم درجاته .
كما قال: "رفيع الدرجات ذو العرش" [غافر : 15]، لأنه منتهى الدرجات العرش، وهو سقف الجنة ، وعندها سدرة المنتهى التي قال تعالى : "عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى" [النجم: 14 - 15].
وفريق السعير استمروا هابطين منه ناظرين إلى أنفسهم غير راجعين إليه ولا مقبلين عليه، فكانت أطوارهم دراکاتهم.
فكما أن درجات الجنة سبعة، دركات النار سبعة، وفي الجنة درجة ثامنة ليست للنار، وهي الغيب المطلق والنور المحقق والوسيلة العظمى التي لا تنبغي إلا لرجل واحد، قال رسول الله : «وأرجو أن أكون أنا ذلك الرجل» ، فإنها مخصوصة بالمقام المحمدي، والإرث الذاتي العلي ومعلوم أن الشمس في السماء الرابعة، وكذلك الروح في الدرجة الرابعة بعد درجة الجسم ودرجة النفس ودرجة العقل في الصاعد وهي دركات في الهابط، فمن قطع هذه الدرجات الثلاث ووصل إلى الدرجة الرابعة عرف أسرار نوح عليه السلام،
ووقف على حقيقته التي أخذ منها الشيخ رضي الله عنه كلامه في هذه الآية، وعلامة المترقي في كل درجة من هذه الدرجات الثمانية أن يرى ذاته عين تلك الدرجة ، فالواقف في درجة الجسم يرى ذاته جسما، ولا يسمى الجسم درجة إلا إذا كان صاحبه متوجهة منه إلى الأعلى وإن كان متوجها إلى الأسفل، فالجسم دركة لا درجه وهكذا ما فوقه من الدرجات في الصعود والدركات في الهبوط.
(وهو)، أي الترقي في فلك يوح مذكور على الوجه البيان الأتم (في) کتاب (التنزلات الموصلية) المنسوبة إلى بلاد الموصل، لأن الشيخ رضي الله عنه صنفها فيها (لنا)، أي من جملة تصانيفنا هذا الكتاب وهو كتاب عظيم المقدار جعله الشيخ رضي الله عنه على خمسة وخمسين بابا في أسرار علوم وحقائق وفهوم، ذكر هذا الترقي فيه بما يطول شرحه في الباب السادس والأربعين منه، والله الهادي لا سواه.

تم فص الحكمة النوحية
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى