المواضيع الأخيرة
» شرح البيت"3" ولولا شذاها ما اهتديت لحانها، .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الجمعة 16 نوفمبر 2018 - 8:49 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 21 - 30 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الجمعة 16 نوفمبر 2018 - 8:26 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "3" ولم يبق منها الدهر غير حشاشة .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الجمعة 16 نوفمبر 2018 - 7:49 من طرف الشريف المحسي

» شرح "17" تجلي العدل والجزاء .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 11:43 من طرف الشريف المحسي

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "64" الدرس الرابع والستون يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة
الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 10:51 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "2" لها البدر كأس وهي شمس يديرها .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 13:23 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "1" شربنا على ذكر الحبيب مدامة كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 13:23 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"1" شربنا على ذكر الحبيب مدامة .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 10:31 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"2" لها البدر كأس وهي شمس يديرها .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 10:29 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة الشارح القيصري لكتاب شرح القصيدة الميمية - الخمرية لابن الفارض شرح الشيخ داود القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 12:20 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة المحقق كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 11:53 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 11 - 20 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 7:59 من طرف الشريف المحسي

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "63" الدرس الثالث والستون وحرمنا عليهم المراضع من قبل
الجمعة 9 نوفمبر 2018 - 11:20 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 01 - 10 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الخميس 8 نوفمبر 2018 - 13:56 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة كتاب شرح التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الخميس 8 نوفمبر 2018 - 13:47 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة شرح خمرية شرف الدين عمر ابن الفارض رضي الله عنه للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 11:45 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة المصنف الشيخ ناصر بن الحسن الشريف الحسيني السبتي .كتاب حكم الفصوص وحكم الفتوحات المسمى مجمع البحرين في شرح الفصين
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 9:11 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة المحقق لكتاب حكم الفصوص وحكم الفتوحات المسمى مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ الشريف ناصر بن الحسن الحسيني السبتي الكيلاني
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 8:23 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 3 نوفمبر 2018 - 7:25 من طرف عبدالله المسافر

» 3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:56 من طرف عبدالله المسافر

» 2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:24 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 20:04 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثالث عن الماهيات .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 16:54 من طرف عبدالله المسافر

»  03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح الجامي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 11:59 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فصّ حكمة سبّوحيّة في كلمة نوحيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 8:12 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 7:45 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 18:43 من طرف عبدالله المسافر

» 3 - ﻓﺺ ﺣﻜﻤﺔ ﺳﺒﻮﺣﻴﺔ ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺔ ﻧﻮﺣﻴﺔ .شرح داود القيصرى فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 17:23 من طرف عبدالله المسافر

» 3 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح القاشاني كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 15:39 من طرف عبدالله المسافر

» 3. فصّ حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح الشيخ مؤيد الدين متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 14:59 من طرف عبدالله المسافر

»  3 - فك ختم الفص النوحى .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 8:39 من طرف الشريف المحسي

» المرتبة الثانية الوجود المطلق .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 8:16 من طرف الشريف المحسي

» فصل من المقدمة للشارح في أن الله تعالى يبصر الأشياء وهي معدومة العين .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 8:02 من طرف الشريف المحسي

» في معنى قوله والذين هم على صلاتهم دائمون .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 7:46 من طرف الشريف المحسي

» باب ترجمة .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 7:28 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة المحقق لكتاب مفتاح الغيب لأبي المعالي صدر الدين القونوي شرح الشيخ محمد بن حمزة الفناري
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 16:32 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الثانية الوجود المطلق .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 10:14 من طرف عبدالله المسافر

» في بيان الصلاة الوسطى، أي صلاة هي ولماذا سميت بالوسطى؟ .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 9:29 من طرف عبدالله المسافر

» باب ترجمة القهر .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 9:03 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "62" المجلس الثاني والستون كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 8:39 من طرف عبدالله المسافر

» مطلب للشارح في بيان أن الموجود العلمي إنما اتصف بالإدراك في حضرة العلم لأنه عين الذات .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 11:12 من طرف عبدالله المسافر

» الشيخ الأكبر ابن العربي في إسرائه مع المخاطبة بآدم عليه السلام .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 7:17 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثاني والثلاثون في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 1:38 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 28 أكتوبر 2018 - 23:56 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الثالث فص حكمة سبوحية فى كلمة نوحية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأحد 28 أكتوبر 2018 - 0:55 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة أسرار التكبير .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السبت 27 أكتوبر 2018 - 12:51 من طرف عبدالله المسافر

» فصل الحق أوجد الأشياء لأنفسها لا له للشارح الشيخ عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
السبت 27 أكتوبر 2018 - 8:15 من طرف عبدالله المسافر

» مصطلحات الفيض - الفيض الأقدس - الفيض المقدس - المفيض .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الجمعة 26 أكتوبر 2018 - 11:09 من طرف الشريف المحسي

» فصل عن انتقالات العلوم الإلهية للشارح الشيخ عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الخميس 25 أكتوبر 2018 - 15:58 من طرف الشريف المحسي

» من التنزلات في معرفة النية والفرق بينهما وبين الإرادة والقصد والهمة والعزم والهاجس .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 25 أكتوبر 2018 - 14:49 من طرف الشريف المحسي

»  مقدمة الشارح الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الأربعاء 24 أكتوبر 2018 - 14:39 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 - 1:27 من طرف عبدالله المسافر

» في تلقي الرسالة وشروطها وأحكامها .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 4:18 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "61" المجلس الحادي والستون وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 1:25 من طرف عبدالله المسافر

» شرح "16" تجلي الجود .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأحد 21 أكتوبر 2018 - 13:18 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة مقام الرسالة ومقام الرسول من حيث هو رسول ومن أين نودي وأين مقامه والخلافة والنبوة والولاية والإيمان والعالم والجاهل و الظان والشاك والمقلدين لهم .كتاب التنزلات الموصلية
الأحد 21 أكتوبر 2018 - 0:16 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيئية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 20 أكتوبر 2018 - 11:52 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 20 أكتوبر 2018 - 1:58 من طرف عبدالله المسافر

» الفرق بين العلم و المعرفة موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
السبت 20 أكتوبر 2018 - 0:47 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 23:27 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 11:49 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة كون الرسول من جنس المرسل إليه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 17:29 من طرف الشريف المحسي

» کتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام . الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 10:28 من طرف عبدالله المسافر

» في سر وضع الشريعة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
السبت 13 أكتوبر 2018 - 14:27 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 11:47 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل "الثاني مرتبة الألوهية والتعين الثاني والأعيان الثابتة" .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 10:06 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 10:35 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "60" المجلس الستون من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه
الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 9:20 من طرف عبدالله المسافر

» الألوهة - الألوهية - الآلي - الألوهي - سر الألوهية - المألوه المطلق .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 13:39 من طرف عبدالله المسافر

» شرح خطبة الكتاب للشارح الشيخ صائن الدين التركة لكتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 10:19 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة الشارح الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 9:44 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الختم "سفر خطبة الكتاب" فص حكمة ختمية في كلمة محمدية موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 11:29 من طرف عبدالله المسافر

» مصطلح الأعراف - أهل الأعراف - أصحاب الأعراف .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14:09 من طرف الشريف المحسي

» مصطلح منازل الطريق للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14:02 من طرف الشريف المحسي

» نشأة وتركيب كل إنسان من آدم وما فيها من العناصر ناري هوائي مائي ترابي . موسوعة المصطلحات و الأشارات
الأحد 23 سبتمبر 2018 - 19:43 من طرف الشريف المحسي

» مصطلحات السفر و المسافر و الأسفار الستة فى موسوعة المصطلحات و الأشارات
السبت 22 سبتمبر 2018 - 11:15 من طرف الشريف المحسي

» الأسفار الستة المحمدية الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الخميس 20 سبتمبر 2018 - 16:49 من طرف الشريف المحسي

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "59" المجلس التاسع والخمسون من تواضع لله رفعه الله
الأربعاء 19 سبتمبر 2018 - 16:02 من طرف الشريف المحسي

» الفصل الأول "الأحدية والواحدية" .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
السبت 15 سبتمبر 2018 - 19:26 من طرف عبدالله المسافر

»  مقدمة الشارح الشيخ عبد الرحمن الجامي .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الخميس 13 سبتمبر 2018 - 19:25 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 - 7:17 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "58" المجلس الثامن والخمسون من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين
الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 21:46 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 13:11 من طرف عبدالله المسافر

» 2 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 7:32 من طرف عبدالله المسافر

» 5. نقش فص حكمة مهيمنية في كلمة إبراهيمية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
السبت 8 سبتمبر 2018 - 18:45 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة وخطبة كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 5 سبتمبر 2018 - 14:55 من طرف عبدالله المسافر

» ما لا يعول عليه الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 11:29 من طرف عبدالله المسافر

» كُنْهُ مَا لا بُدَّ لِلمُريدِ مِنْهُ الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 11:14 من طرف عبدالله المسافر

» 27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:44 من طرف عبدالله المسافر

» 26- فص حكمة صمدية في كلمة خالدية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:35 من طرف عبدالله المسافر

» 25- فص حكمة علوية في كلمة موسوية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:31 من طرف عبدالله المسافر

» 24- فص حكمة إمامية في كلمة هارونية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:20 من طرف عبدالله المسافر

» 23- فص- حكمة إحسانية في كلمة لقمانية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:14 من طرف عبدالله المسافر

» 22- فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:08 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "57" المجلس السابع والخمسون أشد عقوبات الله عز وجل لعبده في الدنيا طلبه ما لم يقسم له
الإثنين 3 سبتمبر 2018 - 15:51 من طرف عبدالله المسافر

» 4. نقش فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:51 من طرف عبدالله المسافر

» 21 - فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:22 من طرف عبدالله المسافر

» 20 - فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:17 من طرف عبدالله المسافر

» 19 - فص حكمة غيبية في كلمة أَيوبية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:11 من طرف عبدالله المسافر





السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

اذهب الى الأسفل

26082018

مُساهمة 

السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي




السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي جامعها عبدالله المسافر فى الله

السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية

الفقرة الأولي :
متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي 638 هـ :
يقول الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي : 1 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية
(لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه: فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرأة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل و لا تجليه له .
و قد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.
و من شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا و يقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، و ما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل و لا يزال.
و ما بقي إلا قابل، و القابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس .
فالأمر كله منه، ابتداؤه و انتهاؤه، «و إليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة و روح تلك الصورة، و كانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير».
فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية و الحسية التي في النشأة الإنسانية.
فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، و أن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال و منزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، و إلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه و أسفله .
و هذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه.
فسمي هذا المذكور إنسانا و خليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته و حصره الحقائق كلها.
و هو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، و هو المعبر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم .
فهو الإنسان الحادث الأزلي و النشء الدائم الأبدي، و الكلمة الفاصلة الجامعة ، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، و هو محل النقش و العلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته.
و سماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن.
فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.
ألا تراه إذا زال و فك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها و خرج ما كان فيها و التحق بعضه ببعض، و انتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا ؟
فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة.
فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه .
فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، و لا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، و ليس للملائكة جمعية آدم، و لا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، و سبحت الحق بها و قدسته، و ما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها و لا قدسته تقديس آدم .
فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟
و ليس إلا النزاع و هو عين ما وقع منهم.
فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق.
فلولا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه و هم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، و لو علموا لعصموا. ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح و التقديس.
و عند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها و لا قدسته عنها تقديس آدم و تسبيحه.
فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده و نتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به و حاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال و لا نحن منه على علم فنفتضح؟
فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء.
ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية و إن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني .
و لها الحكم و الأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، و لم تزل عن كونها معقولة في نفسها.
فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها.
فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، و لا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة.
و سواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت، نسبة المؤقت و غير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة.
غير أن هذا الأمر الكلي يرجع إليه حكم من الموجودات العينية بحسب ما تطلبه حقائق تلك الموجودات العينية، كنسبة العلم إلى العالم، و الحياة إلى الحي. فالحياة حقيقة معقولة و العلم حقيقة معقولة متميزة عن الحياة ، كما أن الحياة متميزة عنه.
ثم نقول في الحق تعالى إن له علما و حياة فهو الحي العالم.
و نقول في الملك إن له حياة و علما فهو العالم و الحي.
و نقول في الإنسان إن له حياة و علما فهو الحي العالم.
و حقيقة العلم واحدة، و حقيقة الحياة واحدة، و نسبتها إلى العالم و الحي نسبة واحدة.
و نقول في علم الحق إنه قديم، و في علم الإنسان إنه محدث.
فانظر ما أحدثته الإضافة من الحكم في هذه الحقيقة المعقولة، و انظر إلى هذا الارتباط بين المعقولات و الموجودات العينية.
فكما حكم العلم على من قام به أن يقال فيه عالم، حكم الموصوف به على العلم أنه حادث في حق الحادث، قديم في حق القديم. فصار كل واحد محكوما به محكوما عليه.
و معلوم أن هذه الأمور الكلية و إن كانت معقولة فإنها معدومة العين موجودة الحكم، كما هي محكوم عليها إذا نسبت إلى الموجود العيني.
فتقبل الحكم في الأعيان الموجودة و لا تقبل التفصيل و لا التجزي فإن ذلك محال عليها، فإنها بذاتها في كل موصوف بها كالإنسانية في كل شخص من هذا النوع الخاص لم تتفصل و لم تتعدد بتعدد الأشخاص و لا برحت معقولة. و إذا كان الارتباط بين من له وجود عيني و بين من ليس له وجود عيني قد ثبت، و هي نسب عدمية، فارتباط الموجودات بعضها ببعض أقرب أن يعقل لأنه على كل حال بينها جامع- و هو الوجود العيني- و هناك فما ثم جامع.
و قد وجد الارتباط بعدم الجامع فبالجامع أقوى و أحق.
و لا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه و افتقاره إلى محدث أحدثه لإمكانه لنفسه. فوجوده من غيره، فهو مرتبط به ارتباط افتقار.
و لا بد أن يكون المستند إليه واجب الوجود لذاته غنيا في وجوده بنفسه غير مفتقر، و هو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث فانتسب إليه.
و لما اقتضاه لذاته كان واجبا به. و لما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شي ء من اسم و صفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث و إن كان واجب الوجود و لكن وجوبه بغيره لا بنفسه.
ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث و ذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه.
فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي .
فلما علمناه بنا و منا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. و بذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا.
فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، و إذا شهدنا شهد نفسه.
و لا نشك أنا كثيرون بالشخص و النوع، و أنا و إن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، و لو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد.
فكذلك أيضا، و إن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، و ليس إلا افتقارنا إليه في الوجود و توقف وجودنا عليه لإمكاننا و غناه عن مثل ما افتقرنا إليه.
فبهذا صح له الأزل و القدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.
فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول. و لهذا قيل فيه الآخر.
فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها.
و إنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، و الأول في عين آخريته .
ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن ، فأوجد العالم عالم غيب و شهادة لندرك الباطن بغيبنا و الظاهر بشهادتنا.
و وصف نفسه بالرضا و الغضب، و أوجد العالم ذا خوف و رجاء فيخاف غضبه و يرجو رضاه.
و وصف نفسه بأنه جميل و ذو جلال فأوجدنا على هيبة و أنس.
و هكذا جميع ما ينسب إليه تعالى و يسمى به.
فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم و مفرداته.
فالعالم شهادة و الخليفة غيب، و لذا تحجب السلطان.
و وصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية و هي الأجسام الطبيعية، و النورية و هي الأرواح اللطيفة.
فالعالم بين كثيف و لطيف، و هو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه .
فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره.
و لكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.
فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق و شهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك.
فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا.
و لهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟
و ما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم و صورة الحق، و هما يدا الحق.
و إبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.
و لهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، و إن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- و إلا فليس بخليفة عليهم. فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم و صوره و أنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.
و لذلك قال فيه «كنت سمعه و بصره» ما قال كنت عينه و أذنه: ففرق بين الصورتين.
و هكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود.
و لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع.
و لو لا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.
و من هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده:
فالكل مفتقر ما الكل مستغن ... هذا هو الحق قد قلناه لا نكني
فإن ذكرت غنيا لا افتقار به ... فقد علمت الذي بقولنا نعني
فالكل بالكل مربوط فليس له ... عنه انفصال خذوا ما قلته عني 
فقد علمت حكمة نشأة آدم أعني صورته الظاهرة.
و قد علمت نشأة روح آدم أعني صورته الباطنة، فهو الحق الخلق. 
و قد علمت نشأة رتبته و هي المجموع الذي به استحق الخلافة.
فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني.
و هو قوله تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء».
فقوله اتقوا ربكم اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، و اجعلوا ما بطن منكم، و هو ربكم،
وقاية لكم: فإن الأمر ذم و حمد: فكونوا وقايته في الذم و اجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين .
ثم إنه سبحانه و تعالى أطلعه على ما أودع فيه و جعل ذلك في قبضتيه:
القبضة الواحدة فيها العالم، و القبضة الأخرى فيها آدم و بنوه. و بين مراتبهم فيه.
قال رضي الله عنه: و لما أطلعني الله سبحانه و تعالى في سري على ما أودع في هذا الإمام الوالد الأكبر.
جعلت في هذا الكتاب منه ما حد لي لا ما وقفت عليه، فإن ذلك لا يسعه كتاب و لا العالم الموجود الآن.
فمما شهدته مما نودعه في هذا الكتاب كما حده لي رسول الله صلى الله عليه و سلم:
موضوعات فصوص الكتاب
حكمة إلهية في كلمة آدمية، و هو هذا الباب. 
ثم حكمة نفثية في كلمة شيئية.
ثم حكمة سبوحية في كلمة نوحية.
ثم حكمة قدوسية في كلمة إدريسية.
ثم حكمة مهيمية في كلمة إبراهيمية.
ثم حكمة حقية في كلمة إسحاقية.
ثم حكمة علية في كلمة إسماعيلية.
ثم حكمة روحية في كلمة يعقوبية.
ثم حكمة نورية في كلمة يوسفية.
ثم حكمة أحدية في كلمة هودية.
ثم حكمة فاتحية في كلمة صالحية.
ثم حكمة قلبية في كلمة شعيبية.
ثم حكمة ملكية في كلمة لوطية.
ثم حكمة قدرية في كلمة عزيرية.
ثم حكمة نبوية في كلمة عيسوية.
ثم حكمة رحمانية في كلمة سليمانية.
ثم حكمة وجودية في كلمة داودية.
ثم حكمة نفسية في كلمة يونسية.
ثم حكمة غيبية في كلمة أيوبية.
ثم حكمة جلالية في كلمة يحياوية.
ثم حكمة مالكية في كلمة زكرياوية.
ثم حكمة إيناسية في كلمة إلياسية.
ثم حكمة إحسانية في كلمة لقمانية.
ثم حكمة إمامية في كلمة هارونية.
ثم حكمة علوية في كلمة موسوية.
ثم حكمة صمدية في كلمة خالدية.
ثم حكمة فردية في كلمة محمدية.
و فص كل حكمة الكلمة التي تنسب إليها. فاقتصرت على ما ذكرته من هذه الحكم في هذا الكتاب على حد ما ثبت في أم الكتاب.
فامتثلت ما رسم لي، و وقفت عند ما حد لي، و لو رمت زيادة على ذلك ما استطعت، فإن الحضرة تمنع من ذلك و الله الموفق لا رب غيره.
و من ذلك:  ).

متن نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي 638 هـ :
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم بارك علي وتممه
1. نقش فص حكمة إلهية في كلمة آدمية :
اعلم أن الأسماء الحسنى تطلب بذواتها وجود العالم .
فأوجد الله العالم جسداً مسوى .
وجعل روحه آدم عليه السلام .
وأعني بآدم وجود العالم الإنساني وعلمه بالأسماء كلها .
فإن الروح هو مدبر البدن بما فيه من القوى.
وكذلك الأسماء للإنسان الكامل بمنزلة القوى .
لهذا يقال في العالم : " إنه الإنسان الكبير " .  ولكن بوجود الإنسان فيه .
وكان الإنسان مختصراً من الحضرة الإلهية .
ولذلك خصه بالصورة فقال : " إن الله خلق آدم على صورته "
وفي رواية : " على صورة الرحمن " .
وجعل الله العين المقصودة من العالم كالنفس الناطقة من الشخص الإنساني . ولهذا تخرب الدنيا بزواله وتنتقل العمارة إلى الآخرة من أجله .
فهو عبد الله ورب بالنسبة للعالم .
ولذلك جعله خليفة وابناءه خلفاء .
ولهذا ما ادعى أحد من العالم الربوبية إلا الإنسان لما فيه من القوة .
وما أحكم أحد من العالم مقام العبودية في نفسها إلا الإنسان .
فعبد الحجارة والجمادات التي هي أنزل الموجودات .
فلا أعز من الإنسان بربوبيته . ولا أذل منه بعبوديته .
فإن فهمت فقد أبنت لك عن المقصود بالإنسان فانظر إلى عزته بالأسماء الحسنى وطلبها إياه تعرف عزته .
ومن ظهوره بها تعرف ذلته . فافهم .
ومن هنا تعلم أنه نسخة من الصورتين : الحق والعالم .
الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص صدر الدين القونوي 673 هـ :
1 -  فك ختم الفص الادمى
1 - واما اختصاص هذه الكلمة الادمية بحضرة الالوهية ، فذلك بسبب الاشتراك من احدية الجمع ، فكما ان الحضرة  الالوهية المعبر عنها بالاسم الله تشتمل على خصائص الأسماء كلها وأحكامها التفصيلية ونسبها المتفرعة عنها اولا والمنتهية الحكم إليها آخرا .
ولا واسطة بينهما وبين الذات من الأسماء - كما هو الامر في شأن غيرها من بيان غير الأسماء بالنسبة إليها اعنى بالنسبة الى الحضرة الإلهية - كذلك الإنسان .
فإنه من حيث حقيقته ومرتبته لا واسطة بينه وبين الحق ، لكون حقيقته عبارة عن البرزخية الجامعة بين احكام الوجوب واحكام الإمكان ، فله الاحاطة بالطرفين .
2 - ولهذا الاعتبار قال رحمه الله فيه : انه الإنسان الحادث الأزلي والنشأة الدائم الأبدي ، فله الاولية والتقدم على الموجودات من هذا الوجه .
3 - واما سر آخريته فمن حيث انتهاء الاحكام والآثار اليه واجتماعها ظاهرا وباطنا فيه ، كانبثاثها  اولا منه وذلك انه لما كان حكم شأن الحق الجامع للشئون كلها وأحكامها دوريا وكان حكم ذلك الشأن ولوازمه من امهات الشئون ايضا كذلك وهي المعبر عنها بمفاتيح الغيب .
ظهر سر الدور في احوال الموجودات وأحكامها وذواتها ، فالعقول والنفوس من حيث حكمها بالأجسام وعلمها ، كافلاك المعنوية ، ولما كانت الأفلاك ناتجة عنها وظاهرة منها ، ظهرت هذا الوصف الاحاطى والدورة صورة ومعنى .
4 - ولما كانت العقول والنفوس متفاوتة المراتب من حضرة الحق بسبب كثرة الوسائط وقلتها وقلة احكام الكثرة في ذواتها وكثرتها ، تفاوتت الأفلاك في الحكم والاحاطة ، فاقربها نسبة الى اشرف العقول أكثرها احاطة وأقلها كثرة والامر بالعكس فيما نزل عن درجة الأقرب - كما ترى لما أشرنا اليه.
5 - ولما كان الامر كذلك في عرصة العقل المنور والشهود المحقق ، اقتضى الامر والسنة الإلهية ان يكون وصول الأمداد الى الموجودات وعود الحكم في الجناب الإلهي المشار اليه في الاخبارات الإلهية والتنبيهات النبوية والمشهود كشفا وتحقيقا ، وصولا وعودا دوريا .
6 - فالمدد الإلهي يتعين من مطلق الفيض الذاتي بالبرزخية المشار إليها ويصل الى الحضرة العقل الأول المكنى عنه بالقلم ثم باللوح ثم العرش ثم الكرسي ثم باقى الأفلاك - فلكا بعد فلك - ثم يسرى في العناصر ثم المولدات وينتهى الى الإنسان منصبغا بجميع خواص كل ما مر عليه .
7 - فان كان الإنسان المنتهى اليه ذلك ممن سلك وعرج واتحد بالنفوس والعقول وتجاوزها بالمناسبة الاصلية الذاتية حتى اتحد ببرزخيته التي هي مرتبة الاصلية ، فان المدد الواصل اليه بعد انتهائه في الكثرة الى اقصى درجات الكثرة وصورتها ، يتصل باحديتها ، اعنى احدية تلك الكثرة الى تلك البرزخية التي من جملة نعوتها الوحدانية التالية الاحدية فيتم الدائرة بالانتهاء الى المقام الذي منه تعين الفيض الواصل الى العقل.
8 - وهذا سر من لم يعرفه ولم يشهده لم يعرف حقيقة قوله تعالى : " وإِلَيْه يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه " 123 سورة هود.
9 - ومن هذا شأنه فهو الذي قيل فيه من حيث صورته العنصرية الاخرية الجامعة : انه خلق في احسن تقويم ، ومن حيث حقيقته : ان اجره غير ممنون ، ومن لم يكن كذلك فهو المنتهى الى اسفل السافلين ، لبعده بكثرته عن أصله الذي هو المقام الوحدانى الإلهي الاولى ، لأنه نزل من اعلى الرتب وهي البرزخية المذكورة الى اقصى درجات الكثرة والانفعال ووقف عندها .
بخلاف الكمل الذين تمت لهم الدائرة ، لأنهم وان انحدروا ، فهم مرتفعون في انحدارهم ، كما قال بعض التراجمة في مدح نبينا صلى الله عليه وسلم :
تخيرك الله من ادم    ..... فما زلت منحدرا ترتقى  
10 - والواقفون في اسفل السافلين ليسوا كذلك ، فإنهم لم يتجاوزوا نصف الدائرة فاعلم ذلك ، فهذا سر اختصاص آدم بالحضرة الإلهية وسبب أوليته من حيث المعنى وآخريته من حيث الصورة وجمعه بين الحقيقة الوحدانية التي هي محتد احكام الوجوب وبين الكثرة التي هي محتد احكام الإمكان ، وانتهاء الامر آخرا الى الوحدانية من حيث انه : ما جاوز الحد انعكس الى الضد .
11 - فتدبر ما سمعت فإنه من لباب المعرفة الإلهية والانسانية ، فإنك ان عرفت ما ذكرنا لك ، عرفت مراتب الأسماء وتفاوت درجاتها وتفاوت درجات الموجودات من حيثها .
وعرفت سر قوله تعالى : " وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها " 31 سورة البقرة .
وان سر الخلافة الجمع بين الوحدة والكثرة ، لكن على الوجه المذكور وعرفت سر الأمداد والاستمداد ، وعرفت سر ظهور المعلولات بصور عللها .
وعرفت سر قوله صلى الله عليه وسلم : ان الله خلق آدم على صورته ، وان تفاوت المدرك في الظهور والحكم لتفاوت الاستعدادات  القابلة ، وعرفت غير ذلك مما يطول ذكره فتدبر ترشد ان شاء الله تعالى.
سر تسمية الأنبياء بالكلمات
12 - واما سر تسمية الأنبياء بالكلمات وكذلك تسمية الحق سبحانه الأرواح بهذا الاسم - بل الموجودات - فموقوف على معرفة كيفية الإيجاد والمادة التي منها وبها وفيها وقع الإيجاد ، وهذا من اعظم العلوم واغمضها وأشرفها وبيانه يحتاج الى فصل بسيط ليس هذا موضعه ، على انه قد ذكرت أصوله في تفسير الفاتحة وفي كتاب النفحات ، وسأذكر هاهنا على سبيل التنبيه ما يحتمل هذا الالماع .
13 -  فأقول : قد كنى الحق سبحانه في الكتب المنزلة عن التأثير الايجادى بالقول ، وهو قوله تعالى : " إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه . . ." 40 سورة  النحل .
14 - فاعلم ان فعل الحق ان كان بذاته بمعنى ان الفعل يليه لما يتوسط بين ذاته وبين المفعول الا نسب معقولة يتميز بتعينها الإطلاق الذاتي عما تعينت به ، كان اسم ذلك الفعل كلاما والظاهر به كلمة ، وان توسط بين الفاعل الحق وبين ما يوجد ، آلة وجودية او صورة مظهرية بعينها ويستدعيها مرتبة المفعول التي هي محل ايقاع الفعل ومنزل نفوذ الاقتدار كان قولا ، لان التأثير الإلهي في
كل مؤثر فيه انما يصدر ويتعين بحسب مرتبة المفعول ، وكذلك الالة والمظهر الذي هو صورة الحيثية التي من جهتها صدر ذلك الموجود .
الحروف الاصلية الإلهية
15 - وإذا عرفت هذا فاعلم ان الحروف الاصلية الإلهية عبارة عن تعقلات الحق الأشياء من حيث كينونتها في وحدانيته ، ونظير ذلك التصور النفساني الإنسان قبل تعينات صورها بعلمه في ذهنه ، وهي تصورات مفردة خالية عن التركيب المعنوي والذهني والحسي ، وهي المفاتيح الأول المعبر عنها بمفاتيح الغيب ، وهي الأسماء الذاتية وامهات الشئون الاصلية التي الماهيات هي من لوازمها ، ونتائج التعقل تعريفاتها.
حضرة الارتسام
16 - والتعقل الثاني تعقل الماهيات في عرصة العلم الذاتي من حيث الامتياز النسبي وهو حضرة الارتسام الذي يشير اليه أكابر المحققين والمتألهين من الحكماء بان الأشياء مرتسمة في نفس الحق .
والفرق بين الحكيم والمحقق في هذه المسألة هو ان الارتسام عند المحقق وصف العلم من حيث امتيازه النسبي عن الذات ، ليس هو وصف الذات من حيث هي ولا من حيث ان علمها عينها .
فتعقل الماهية من حيث افرازها عن لوازمها في حضرة العلم هي حرف غيبى معنوى ، وتعقلها مع لوازمها قبل انبساط الوجود المفاض عليها وعلى لوازمها ، هي كلمة غيبية معنوية .
وباعتبار تعقل تقدم اتصال الوجود بها قبل لوازمها يكون حرفا وجوديا ، وباعتبار انبساط الوجود عليها وعلى لوازمها الكلية تكون كلمة وجودية .
17 - وكما ان تركيب الكلمات في النسخة الانسانية ينشأ من حرفين و ينتهى الى خمسة متصلة ومنفصلة كذلك الامر هناك .
فنظير درجات التركيب هنا الأصول الخمسة المذكورة في ما بعد ، وللنفس الرحمانى السراية في هذه الأصول الخمس وامهات مخارج الحروف الانسانية ايضا خمسة ، وهي :
باطن القلب  - ثم الصدر - ثم الحلق  - ثم الحنك - ثم الشفتان
وهي نظائر مراتب الأصول ، وباقى المخارج يتعين بين كل اثنين من هذه الأمهات . فافهم
العقل الأول
18 - ثم أقول : فابسط الموجودات الذي هو العقل الأول له ضرب واحد من التركيب لا غير وهو ان له ماهية متصفة بالوجود ، فله من احكام الكثرة الامكانية حكم واحد ، وهو انه في نفسه ممكن ، وهو من حيث ما عدا هذا الاعتبار الواحد واجب بسيط ، وكذا شأن بقية العقول من هذا الوجه ، لكن بسبب توسط العقل بينها وبين ذات الحق تزداد حكما واحكاما توجب تعقل كثرة ما في مرتبتها ، لكن ليست كثرة وجودية تفضي بان يحكم عليها بالتركيب .
19 - واما النفوس الفلكية : ففي ثالث مرتبة الوجود الواحد ثم يتنازل الامر في التركيب الى خمس مراتب ، فالذي يلي النفوس الأجسام البسيطة ، ثم المرتبة الخامسة الأجسام المركبة ، فهذا هي الأصول المشار إليها من قبل .
20 - وقد روعي هذا الترتيب الايجادى هذا في كل كلام الهى ينزل : فحرف ثم كلمة ثم آية ثم سورة ، والكتاب جامعها .
21 - واما الكتب ، فهي من حيث الأمهات ايضا أربعة كالاجناس :
التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وجامعها القرآن.
22 - ولما كانت الحيازة للإنسان لجمعيته احكام الوجوب الكلية والاحكام الامكانية سمى كتابا ، وتفاوت حيطة الكتب وما تضمنه يشهد ويوضح سر تفاوت الأمم المنزلة هي عليها ، وسر الرسول المبلغ ما انزل إليهم .
فاعلم ذلك تعرف سر تسمية الأنبياء بالكلمات ، وكذلك سر تسمية الأرواح والموجودات بها ولهذا الأصل فروع كلية :
منها : ما ذكرته في التفسير .
ومنها : ما ذكرته في مفتاح غيب الجمع وتفصيله .
ومنها : ما ذكرته في النفحات فمن أراد الاحاطة بأكثر اصول هذا العلم فليجمع الى هذا الأصل ما تقدم ذكره يستشرف على علوم غزيرة غامضة شريفة جدا .
والله المرشد والهادي .
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في السبت 15 سبتمبر 2018 - 14:20 عدل 11 مرات
avatar
عبدالله المسافر
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 1434
الموقع : https://almossafer1.blogspot.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

https://almossafer1.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي :: تعاليق

avatar

مُساهمة في الأحد 26 أغسطس 2018 - 14:51 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الثانية الجزء الأول السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثانية الجزء الأول :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
1 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية
قوله رضي الله عنه :  (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه .)
1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا فص الحكمة الآدمية بدأ به لأن الله تعالى بدأ هذه النشأة الإنسانية بآدم عليه السلام فهو مفتاح باب العالم الكمالي.
(فص) وهو موضوع النقش من الخاتم والخاتم، هو الدائرة الواقعة في الأصبع، والدائرة منقلبة دائمة فهي القلب.
وفي الحديث: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» والإصبعان تثنية إصبع.
"رواه مسلم في صحيحه بلفظ: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء".
ثم قال رسول الله : «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك».
وكون قلب المؤمن بين إصبعين، أي لا يتخلى عنه إصبع منهما، فهو منتقل من أحدهما إلى الآخر.
ولهذا تجد القلب تارة في خاطر خير وتارة في خاطر شر، وخاطر المباح من خاطر الخير.
لأن المؤمن لا يضيع له عملا بلا قصد حسن، والنيات تجعل العادات عبادات، فالقلب هو الدائرة المستديرة على إصبع الحق تعالى من حيث اسمه الرحمن.
وفص الخاتم هو الجسد الآدمي الجامع بالإجمال والاستعداد لكل ما هو مرشح له من أنواع الكمال.
كما أن النواة تجمع النخلة وتحويها إجمالا واستعدادا، والأرض والماء والتربة تخرجها منها .
ثم إن هذا الفص منقوش بجميع ما تضمنته تلك النفس من الكمالات والعلوم، والمقصود من الخاتم إنما هو الفص، والمقصود من الفص النقش فيه.
فالنقش سر الخاتم وهو الذي يظهر للوارث النبوي من علم مورثه، وهو المراد هنا بذكر جميع الفصوص.
(حكمة) أي نشأة، ولما كان هذا الهيكل الجسماني ظاهرة في هذا العالم الذي هو عالم الحكمة، يسمى حكمة لجريان أموره في دنياه على ما تقتضيه الحكمة، وأما في عالم الآخرة وهو عالم القدرة.
فالظهور للنفس لا للجسم، فكما أن النفس في الجسم في الدنيا .
فالجسم في النفس في الآخرة والحكمة باطنة في الآخرة.
والقدرة ظاهرة وفي الدنيا بالعكس
(إلهية) أي منسوبة إلى الإله تعالى وهو المعبود، والمعبود يلزم أن يكون عنده حاجة كل عبد، فيلزم أن يكون موصوف بجميع الصفات الكمالية والجلالية والجمالية، والصفات إذا ظهرت كانت أسماء.
قال تعالى : "وعلم آدم الأسماء كلها" 31 سورة البقرة.
وهذا التعليم لآدم کان بإظهاره تعالى الحقيقة الآدمية جامعة لآثار جميع التجليات الإلهية فهي ظهورات الصفات ، فهي الأسماء التي علمها، وحين علمها إنما علم نفسه فعلم ربه .
وفي الحديث : «من عرف نفسه فقد عرف ربه» .
(في كلمة)، أي حقيقة من حقائق الحق تعالى على حد ما سبق بيانه في الكلم (آدمية)، أي منسوبة إلى آدم عليه السلام أبي البشر.
واعلم أن فص هذه الحقيقة الآدمية وكذلك فصوص بقية الحقائق الآتية إنما تظهر للوارث ويقرأ نقشها في كل وقت على حسب استعداده في ذلك الوقت .
فيتكلم على حسب ذلك الاستعداد ويظهر له في وقت آخر أعلى من ذلك أو أدنى منه، وكذلك يظهر لغيره من تلك الحقيقة غير ذلك.
فيكون الكلام على حسب الوقت، وهذه عادة أهل الله على الدوام، فلا تظن أن التكلم على هذه الحقائق النبوية بهذه الكلمات يحصر هذه الحقائق فيما ذكر.
ولا تظن أيضا أن المتكلم بهذه الكلمات في هذه الحقائق انحصر علمه بها فيما تكلم به من ذلك والله أعلم.
لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله، لكونه متصفا بالوجود، ويظهر به سره إليه.
فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرأة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل و لا تجليه له.
(لما شاء)، أي حين أراد، وهذا من ضرورة التعبير، وإلا فإن مشيئة الله تعالی لا تتقيد بزمان .
(الحق) وهو الله تعالى من حيث تحققه وثبوته في ذاته العلية لا من جميع الحيثيات، إذ العالم كله إنما هو موجود ووجد ويوجد في حضرة واحدة من حضرات الله تعالى.
وهي حضرة الحق وباقي الحضرات لا وجود للعالم فيها أبدا، ولما كانت كل حضرة إلهية جامعة لكل الحضرات جمعت حضرة الحق المذكورة التي وجد فيها هذا العالم لجميع الحضرات الإلهية .
ومن المعلوم أن كل حضرة إذا جمعت جميع الحضرات کان جمعها لذلك على حسبها لا على حسب ما الحضرات عليه بالنسبة إليها فقط .
فحضرات حضرة الحق كلها حق، فأول حضرة ظهرت فيها حضرة الله، ثم حضرة الرحمن، ثم حضرة الرب، ثم باقي الحضرات.
وكل حضرة من هذه الحضرات الظاهرة جامعة لجميع الحضرات أيضا على وجه مخصوص
( سبحانه) تنزيها له تعالى عن خطرات الأوهام وعن لمحات الأفهام.
ثم لما كان الاسم الحق وكذلك جميع الأسماء الإلهية دالة على شيئين : الذات وما يعينها عند الغير من الخصوصيات، وكان الكلام الآن في صدد بيان هذه النشأة الآدمية.
قال (من حيث)، أي من جهة (أسمائه)، أي أسماء الحق تعالى ولم يقل أوصافه، لأن الوارد في الكتاب والسنة لفظ الأسماء لا الأوصاف ، ولأن الاسم غير الصفة بحسب المفهوم.
وأقرب الوسائط إلى الكائنات بين الحق تعالى وبين الكائنات الأسماء والأوصاف أعلى منها، فالوصف ما قام بالموصوف والاسم ما عين للمسمى عند غيره (الحسنی)، أي ذات الحسن بمعنى النزاهة التامة عن مشابهة الحوادث التي لا يبلغها)، أي لا يحويها ولا يحيط بها
(الإحصاء)، أي العدد الضبط، وذلك ، لأن الله تعالى في ظهور كل ذرة من ذرات السموات والأرض وذرات كل شيء ظهور اسم إلهي خاص، لا ظهور له في تلك الذرة ولا في غيرها من الذرات قبل ذلك ولا بعده .
وهكذا الشأن دائما من ابتداء فتق الوجود إلى ما لا نهاية له في نار أو جنة فلهذا كانت أسماء الله تعالى لا تبلغ الإحصاء. ..
واعلم أن الحق تعالی من حيث ذاته العلية لا خبر عنه في الأكوان ولا كلام فيه عند ذوي الكمال والنقصان، لأنه من هذه الحيثية غني عن العالمين ومجهول على الإطلاق عند جميع المخلوقين.
وأما من حيث أسمائه الحسني التي لا يبلغها الإحصاء فهو الموصوف المعروف المخبر عن نفسه الظاهر الباطن في حضرات قدسه
وقد شاء أزلا من هذه الحيثية (أن يرى)، أي يعاين ويشاهد (أعيانها)، أي أعيان تلك الأسماء الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء.
والمراد بأعيانها ذاته العلية متعينة في كل حضرة منها.
(وإن شئت قلت) في هذا المعنى بعبارة أخرى وهي لما شاء الحق سبحانه من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء.
(أن يرى عينه)، أي ذاته ظاهرة (في) صورة (کون)، أي خلق، ولا يلزم من كونه يرى ذاته ظاهرة في صورة كون أن تكون ذاته من حيث هي تحولت عن إطلاقها الكلي إلى صورة من الصور الممكنة.
وصارت في حد ذاتها صورة كون، وإنما المراد رؤيتها كذلك ، فإن من يرى ذاته رؤية حقيقية مطلقة من سائر القيود على ما هي عليه في نفسها يقدر أن يراها ظاهرة في الصورة التي يمكن أن تظهر له فيها من غير أن يتغير عما هي عليه
(جامع) ذلك الكون لجميع المؤتلفات والمختلفات (يحصر) ذلك الكون الجامع الأمر الإلهي المطلق فيظهر به مقيدا  (لكونه)، أي لكون الجامع (متصفا بالوجود)
بعد الاتصاف بالعدم، ومعلوم أن الوجود للأمر الإلهي فإذا اتصف المعدوم به کان ذلك الاتصاف بسبب حصره للأمر الإلهي، وظهر الأمر الإلهي كله به.
وفي نسخة أخرى لكونه متصفا بالوجوه، أي لكون هذا الكون الجامع متصفا بالوجوه الكثيرة والاعتبارات المختلفة والنسب التي لا تحصى.
كما قالوا إن الله تعالى في طي هذا العالم عوالم كثيرة لا يعلم بعدها إلا الله تعالى . وقال بعض المریدین : أدخلني شيخي خمسمائة عالم هذه السموات والأرض عالم منها.
(ويظهر) معطوف على يحصر أي يتضح وينكشف (به)، أي بذلك الكون الجامع (سره)، أي سر الحق سبحانه وسره تعالى ذاته من حيث كونها معلومة له، والسر هو الأمر الخفي وذاته تعالى لولا علمه تعالى بها لخفيت عنه (إليه)، أي إلى الحق تعالى إذ هو العالم والمعلوم والشاهد والمشهود.
ولهذا قالوا : إن علم الله تعالى بالعالم كله هو علمه بذاته تعالى من غير مغايرة.
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه .)
1 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية
اعلم أن الفص في هذا الكتاب على أربعة معان:
أحدها: الفص الكلمة نص على ذلك بقوله: وفص كل حكمة الكلمة المنسوبة إليها بجعل الفص مبتدأ والكلمة خبرا.
و بقوله : فتم العالم بوجوده فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم فبهذا المعنى يكون أرواح الأنبياء بمنزلة الفص من الخاتم و وجوداتهم بمنزلة الخاتم من الفم .
وثانيها: الفص القلب وإليه أشار بقوله: نص حكمة نفثية و غيره من الفصوص المذكورة بعده بجعل الفص مبتدأ والظرف أعني في كلمة سادا مسد الخبر .
وحينئذ يكون قلوب الأنبياء بمنزلة الفص من الخاتم وأرواحهم بمنزلة الخاتم من الفص.
وثالثها: الفص الحكمة أي العلوم المنتقشة في أرواحهم وإن شئت قلت : في قلوبهم لقوله : منزل الحكم على قلوب الكلم وحينئذ يكون علومهم بمنزلة الفص من الخاتم وأرواحهم بمنزلة الخاتم من الفص .
وإليه أشار بقوله : ومما شهدته مما نودعه حكمة إلهية ولم يذكر الفصوص في عدد الحكم إشعارة بإطلاق النص على الحكمة .
ورابعها: الفص خلاصة الحكمة فقد نص عليه بقوله فأول ما ألقاه المالك على العبد في حكمة إلهية الخ .
فيكون الخلاصة بمنزلة الفم من الخاتم والحكمة بمنزلة الخاتم من النص .
فبهذه الأربعة تم الغرض من التشبيه وهو إعلام دورية الوجود في المراتب كلها (فأول ما ألقاه) مبتدأ و(فص) خبره مضاف إلى (الحكمة) إضافة العام إلى الخاص وهي بمعنی من لجواز إطلاق النص عليها و (في كلمة آدمية) ظرف للحكمة الإلهية فيكون المعنى فأول ما ألقاه المالك على العبد خلاصة العلوم الإلهية الحاصلة في كلمة آدمية .
فظهر لك أن المراد بالفص ههنا بمعنى الخلاصة وإنما قدم ببان هذا النص علی تعداد حكمه مع أن دأب المصنفين عكسه تعظيما لشأنه لاشتماله على جميع ما يشتمل عليه الفصوص المذكورة في الكتاب مع زيادة .
فكأنه يستحق أن يكون كتابة مستقلا مقابلا لسائر الحكم. (لما شاء الحق) أي لما اقتضى الحق بالحب الذاتي.
هذا شروع في بيان حقيقة الكلمة الآدمية مع لوازمها من الحتمية والخلافة والفصية وغيرها إلى قوله : "ثم نرجع إلى الحكمة" لتوقف معرفة الحكمة على معرفتها حتى نعلم منه حكمة إيجاد العالم لما ههنا عبارة عن الإمداد المعنوي من الأزل إلى الأبد بمقارنة المشية الأزلية .
ولم يقل لما أراد جريا للكلام على عادة الناس فإن عادتهم في حصول مراداتهم التعليق بالمشيئة لا بالإرادة .
الحق هو اسم للذات الثابت بنفسه المثبت لغيره ولم يقل الله مع أنه أنسب للمادة ليعلم أن السلطنة في إيجاد الكون الجامع لهذا الاسم وسائر الأسماء الحسنی توابعه لذلك، ذلك فردا.
حيث قال : لما شاء الحق وجمعا بقوله من حيث أسماؤه الحسنى فإنه من الأسماء الحسنی فقد ذکر تکرارا إجمالا وتفصيلا تعظيما لشأنه (من حيث أسمائه الحسنى) أي من حيث أنه جامع لأسمائه الحسنى (التي لا يبلغها الإحصاء) أي لا يمكن العد إلا لله لأنها غير متناهية.
(أن يري أعيانها) هذه صفة لله تعالى وعلة غائية لايجاد الكون الجامع لاقتضاء هذه الإيجاد أن يكون علته الغائية من جانب الموجود و من كمالاته.
وأما قوله تعالى : "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " 56 سورة الذاريات.
أي ليعرفون فهو صفة للمخلوقات وعلة غائبة لإعطاء الحق وجوداتهم الخاصة بهم بحسب الأوقات .
فذلك الإيجاد يقتضي أن تكون العلة الغائية من طرف المعلول وکمالاته فلا وجه لإيراد الشارح في هذا المقام .
قوله تعالى : "كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف " الحديث . لأنه صريح في بيان العلة لإيجاد الجزئيات .
والمقصود ههنا بيان العلة الغائية لإيجاد المادة الكلية فتختلف العلتان الغائیتان باختلاف الإيجادین.
(وإن شئت قلت أن يرى عينه) فقد أسند المشية المتعلقة بالرؤية بقوله أن يرى أعيانها إلى الفيض المقدس وإلى الفيض الأقدس.
بقوله : أن يرى عينه وأشار إلى اتحادهما بقوله: وإن شئ (في كون) أي في موجود (جامع بحصر الأمر) المطلوب رؤيته .
وهو أعيانها أو عينه قوله : لكونه علة للحصر أي الموجود الجامع متصفا بالوجود الجامع بين النشأة الروحانية والجسمانية.
كما قال فيما بعد فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود (ويظهر به) أي بسبب الكون الجامع (سره) أي سر الحق وهو عينه (إليه) أي إلى الحق لكونه محلا بالجزء الأخير الذي هو آدم فقوله : ويظهر إشارة إلى أنه لا بد من الجلاء لعدم الظهور بدونه
وقوله : في كون جامع يحصر الأمر يدل على العلة المادية بالمطابقة و علی الصورية بالتضمن وعلى الفاعلية بالالتزام.
وقوله : ويظهر يدل على العلة الغائية فالتعريف مشتمل على العلل الأربع:
يعني لما اقتضت ذات الحق بالحب الذاتي أن يرى ذاته بجميع أسمائه في خارج علمه في مرآة يحصل مراد الله تعالى فيها
وقد علم الله في علمه الأزلي أن هذه المرأة هي الموصوفة بالصفة المذكورة
أوجده من العلم إلى العين فهي النشأة الإنسانية المسماة بكلمة آدمية
فجواب لما شاء محذوف للعلم به أي لما شاء أن يرى عينه في العين أوجد الكلمة الآدمية من العلم إلى العين ليوصل مطلوبه تعالى فتم المقصود .
وهو رؤية الله تعالى عينه في الموجود المكمل بالصفات المذكورة .
وهي الجمع والحصر وإظهار سره إليه .
فإنه إذا لم يكن على هذه الصفة لم يكن مرآة للرؤية المطلوبة ويظهر بالرفع معطوف على يحصر ولا يحسن أن يعطف على يري لمنع الضمير العائد في به إلى الكون .
كما لا يخفى مع أن قوله أن يرى عينه دون أن يقول أن يبصر أو يعلم أو يظهر أو غير ذلك من الصفات التي تحصل له بوجود هذا الكامل .
إيماء وتنبيه على أن تعلق الحب الذاتي أولا وبالذات إلى الرؤية وإلى غيرها بتبعية الرؤية .
فإنه تعالى أشد شوقا إلى اتصافه بهذه الصفة من غيرها .
فإذا عطف قوله ويظهر على قوله : يرى تفوت هذه الفائدة، و لأن الظهور من أسباب الرؤية .
فما لم يكن الشيء ظاهرة لم يكن مرئيا فلا يعطف عليه في هذا المحل المطلوب سببیته .
يعني ويظهر به سره إليه حتى يرى عينه لظهور سره إليه بسبب الكون الجامع. ولما يوهم كلامه سؤالا وهو أن ما ذكرتم من أن المقصود من إيجاد العالم رؤية الله تعالى نفسه.
يدل على أن الرؤية علة غائية للإيجاد وليس كذلك لأن رؤية الله تعالى نفسه صفة أزلية ثابتة له قبل وجود العالم.
والعلة الغائية بحسب الوجود الخارجي يجب أن يكون موجودة بعد وجود المعلول فلا يتوقف ثبوت الرؤية له على وجود العالم.
بل الذات تستقل بها كسائر الصفات فلا يتعلق الغرض لأجلها إلى إيجاد العالم أراد أن يجيب عنه ويثبت دعواه على طريق الشكل الأول.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه .)
فص حكمة إلهية في كلمة آدمية
قلت: يعني أن العالم الكبير كالخاتم وآدم بمنزلة الفص منه و نقش الخاتم بمنزلة ما أودع آدم، عليه السلام، من علم الأسماء كلها قال تعالى: "علم آدم الأسماء كلها" (البقرة: 31).
قوله: "لما شاء الله من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها".
وإن شئت قلت: أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر، لكونه متصفا بالوجود. "
قلت: استعمل لفظ «لما» مجازا، لأن مشية الله تعالی لیست زمانية.
وقوله: "من حيث أسماؤه الحسنى" إشارة إلى ما أودع آدم، عليه السلام، من الأسماء الحسنى التي اقتضت حقائقها أن تظهر في كون جامع، والمراد بالكون الجامع ههنا هو آدم، عليه السلام.
ومعنى قوله": أن يرى أعيانها"، أي يرى كونا من الأكوان محسوسا في الوجود العینی، پری الاسم الحی حقیقته فيه مثلا، فكان ذلك الكون هو آدم، عليه السلام، حيث اتصف بالحياة، فسمي الحي.
فقد رأى الاسم الحي عينه محسوسة من حيث هي في محسوس ولولاه أو أمثاله كان الاسم الحي معقولا فقط، بل لا يكون معقولا بل معلوما الله تعالی فقط، وكان الاسم الحي طلب الظهور في حضرة المحسوس وهو آدم وبنوه مضافا إلى ظهوره في حضرة العلم الإلهي وكذلك القول في كل اسم من الأسماء الحسنی.
قال: وإن شئت قلت أن يرى عينه يعني الحق تعالی وذلك لأن آدم، عليه السلام، مجموع أسمائه تعالى في وجود، هو في الحقيقة من عين وجوده تعالی فإذا نظر الحق تعالى إلى آدم، عليه السلام، رأى نفسه وهذا أمر سوف يذكره، رضي الله عنه، فيما يأتي في هذا الفص من هذه الحكمة التي نحن في شرحها.
فإن قلت: إنك قدمته أن أسمائه تعالى لا يبلغها الاحصاء أي أنها لا تتناهي وقد علمت أن ما لا يتناهى لا يقول له مجموع.
فالجواب: أنها تتجمع في الكليات فيدرك الكلي ويدرك أن مفرداته هي غير متناهية فقد أدركنا ما لا يتناهى من كليات هي مفردة وسيأتي بيان أن الحقيقة الإنسانية أيضا لا تتناهي فيدرك من ظهرت به من تلك الحقيقة من آدم أو من بنيه بها ما لا يتناهى.
ومعنى قوله: يحصر الأمر كله، لكونه متصفا بالوجود.
قلت: يعني أن حقيقة آدم بمنزلة المركز والأسماء الإلهية والكونية ومعاني الكليات أيضا بمنزلة النقط في محيط الدائرة ولا شك أن المركز يواجه كل نقطة في المحيط بمواجهة غير مواجهة النقطة الأخرى والمركز في نفسه لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يقدح تعدد النقاط ومواجهاتها في وحدانيته.
قوله: "ويظهر به سره إليه".
قلت: يعني يظهر ما كان سرا في قوة قدرته تعالى التي تظهر أحكامها بظهور المقدورات ولا شك أن ظهور ما بالقوة إلى الفعل أكمل من بقائه في القوة وكمال الجناب المقدس في قوته ما لا يتناهى من الأكملیات فيقتضي الحال ظهورها فهي تظهر في الأعيان فيراها تعالى رؤية منزهة لكن من حضرة الحسیات وقد أودع تعالى جميع معاني الأسماء الكونية في آدم مرتبطة بالأسماء الإلهية وكلا الأمرين كان سانحا له في سر علمه الأقدس.
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه .)
1. فصّ حكمة إلهية في كلمة آدميّة
قال رضي الله عنه : ( وأوّل ما ألقاه المالك على العبد من ذلك ) .
خصّص رضي الله عنه إضافة الإلقاء إلى المالك إشارة إلى أنّه محكوم مأمور أمين على ما يذكره ، فقد ملَّكه الله المالك في الصور المحمدية ، فهو يتلقّى ما يلقى إليه .
ويلقي ، ويلقى منه وإليه وعليه : يملي ويملى ، فأوّل ما تعيّن من النقوش الحكميّة نقش الحكمة الإلهية الأحدية الجمعية .
قال رضي الله عنه : ( فصّ حكمة إلهية في كلمة آدميّة ).
قد سبق الكلام في الفصّ والحكمة ، وأمّا اختصاصها بآدم فهو أنّ كلّ واحدة من " الحكمة " و "الكلمة " حقيقة ظاهر الأحدية الجمعية الكمالية الكلَّية في مرتبتي الفاعل والقابل .
فالحكمة الإلهية ظاهرية أحدية جمع الحكم الكمالية الأسمائية الكلَّية في الحقائق العقلية المؤثّرة.
والكلمة الآدمية ظاهرية جمع المظهريات الجمعية الكمالية الإنسانية البشرية فإنّه أبو البشر ، والبشر منسوبون موصوفون ببنوّته وهو منعوت بأبوّتهم ، وكلَّهم أولاده ، وجميع هذه الأشخاص البشرية صور تفصيل بشريّته وآدميّته .
وهو أحديّة جمعهم قبل التفصيل إذ للأحدية الجمعية الكمالية مرتبتان إحداهما قبل التفصيل لكون كلّ كثرة مسبوقة بواحد هي فيه بالقوّة ، هو يذكَّر قوله تعالى :
"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ " آية 172 سورة الأعراف.
فإنّه لسان من ألسنة شهود المفصّل في المجمل مفصّلا ، ليس كشهود العالم من الخلق في النواة الواحدة النخيل الكامنة الكائنة فيها بالقوّة فإنّه شهود المفصّل في المجمل مجملا لا مفصّلا .
وشهود المفصّل في المجمل مفصّلا يختصّ بالحقّ وبمن شاء الحقّ أن يشهد من الكمّل ، وهو خاتم الأولياء وخاتم الأنبياء وورثتهما ، فافهم .
فكما أنّ الإلهية في حقائق الأسماء عينها آخرا ، والأسماء فيها عين الإلهية كذلك أوّلا قبل التفصيل الوجودي وبعده هو فيهم هم ، كما قال تعالى : " خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ " آية 1 سورة النساء.
وقد ذكر سرّ أحدية الجمع في مواضع من هذا الشرح على ما سيأتيك في شرح الفصّ الشيثي إن شاء الله تعالى .
قال الشيخ رضي الله عنه : ( لمّا شاء الحقّ سبحانه) أضاف المشيّة إلى الاسم « الحقّ » لكون هذه المشيّة متعلَّقة بالإيجاد ، حتى تتحقّق الأسماء في مظهريته موجودة في أعيانها ، وتظهر في مظاهرها ، وتظهر آثارها محقّقة مشهودة في محالّ مناظرها ومجالي محالَّها ومظاهرها لأنّ الاسم " الحق "يعطي الحقّيّة بالتحقيق والوجود ، والأسماء الإلهية كانت في قبضة قهر الأحدية الجمعية الإلهية الذاتية أحدية لا ظهور لها لعدم مظاهرها في أعيانها .
وهي العوالم « و كان الله ولا شيء معه غيره » وكانت كثرة الأسماء " كنت كنزا مخفيّا " أشار إلى عينه من حيث تعيّنه بكناية حرف التاء وهو تعيّنه بذات اللاهوت كنزا جامعا لجواهر حقائق الأسماء والمسمّيات.
إذ الكنز ذهب وفضّة وجواهر مجتمعة في الغيب .
والكنز مخفيّ عن الأغيار وإن كان ظاهر التحقّق والتعيّن في عينه « فأردت أن أعرف ».
أي يعرفني كلّ تعيّن تعيّن من تعيّناتي في مظاهري ومرائيّ ومجاليّ التي ليست ذات الألوهية بل نسبتها ، فهذه المشيّئة تجلّ من الله من حيث حقائق التعيّنات الأسمائية المستهلكة للأعيان.
فشاء الحقّ من حيث الأسماء أن يعطيها التحقّق في أعيانها بالوجود والإيجاد ، والتحقّق في حاقّ حقائقها للشهود والإشهاد على رؤوس الأشهاد ولأنّ تحقّق هذه المشيّة مسبوق بتحقّق الذوات في نفسها ، وتحقّق المشيّة المطلقة مطلق للذات وعينها .
ولهذا أشار بقوله : " لمّا شاء "  فإنّ هذه العبارة دالَّة على المسبوقية في الرتبة والحقيقة والعين ، لا في الزمان والوجود الظاهر ، فافهم .
قال الشيخ رضي الله عنه : ( من حيث أسمائه الحسني التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها وإن شئت قلت : أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كلَّه لكونه متّصفا بالوجود) .
فصرّح أنّ هذه المشيّة من قبل الأسماء وحقائقها من كونها فيه هو .
وفي قوله : " لا يبلغها الإحصاء " يشير إلى أنّ شخصيات الأسماء لا تحصى فإنّها لا تتناهى لكون الأسماء تعيّنات إلهية في حقائق الممكنات التي لا تتناهى على ما يأتيك إن شاء الله تعالى وإن كانت أمّهات الأسماء محصاة من حيث تعيّناتها الكلَّية.
وهي مائة إلَّا واحدا هو عين الكلّ ، أو ألف وواحد فأضاف المشيّة إلى الاسم « الحق » من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء لأنّ هذه الإضافة إلى الاسم « الحق » أحقّ إذ هو حق كلّ اسم ، وبه حقيقة ذلك الاسم وتحقّقه .
والاسم هو الحق المتعيّن في أيّة مرتبة إلهية كان بالوجود .
ثم الاسم يستدعي تسمية ومسمّى ومسمّيا .
والمسمّى اسم مفعول هو الحق ، والمسمّي اسم فاعل هو القابل المعيّن للوجود الواحد المطلق عن قيد التعيّن من حيث ما فيه صلاحية قبول التعيّن لا من حيث اللاتعين والإطلاق مطلقا .
والتسمية هي التعيين لفعل القابل وتأثيره في الوجود المطلق والفيض الخالص الحقّ بالتعيين والتقييد ، فالاسم علامة على المسمّى بخصوص حقيقته التي بها يمتاز عن غيرها من الحقائق .
ولكل اسم اعتباران :
اعتبار من حيث الذات المسمّاة ، واعتبار من حيث ما به يمتاز كل اسم عن الآخر وهو حجابية الاسمية .
فإن اعتبرنا المسمّى ، فهو الحق المتعيّن في مرتبة ما من المراتب التعيّنية ، وإن اعتبرنا الاسمية ، فعلامة خاصّة ودلالة معيّنة معيّنة للمدلول المطلق بخصوص مرتبتها ، فنفس تعيّن الوجود الحقّ بالإلهية في كل قابل قابل هو الاسم .
ولمّا كانت تعيّنات الوجود الحقّ وتنوّعات تجلَّيه وظهوره في قابليات الممكنات غير المتناهية غير متناهية .
لذلك  قال رضي الله عنه: « لا يبلغها الإحصاء » لأنّ الذي يبلغها الإحصاء متناه ، والتعيّنات الوجودية بالنفس الرحماني لا تتناهى ، فلا تحصى فلا يبلغها الإحصاء .
وأمّا أسماء الإحصاء ، فهي كلَّيات حقائق الوجوب والفعل والتأثير ، فهي مائة إلَّا واحدا .
وبيان سرّ ذلك أنّ الأسماء في حقائقها تنقسم إلى أسماء ذاتية ، وإلى أسماء صفاتية ، وإلى أسماء فعلية.
فإذا ضربنا الثلاثة الفردية في نفسها للتفصيل والبسط ، خرجت تسعة ، وهي آخر عقود الآحاد في مرتبة الأعداد .
والتسعة في مرتبة العشرات تسعون ، وهي مرتبة المجازاة الثانية ، فإنّ الواحدة بعشر أمثالها .
كما قال تعالى :"من جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَه ُعَشْرُ أَمْثالِها " لكون المجازاة لها المرتبة الثانية من عمل الإحصاء.
إذ المجازاة إنّما تقع من الأسماء الإلهية المحصاة في أعيان أعمال العباد ، والعشرة نظير الواحد في المجازاة .
ونسبة الواحد إلى العشرة كنسبة العشرة إلى المائة ونسبة المائة إلى الألف كذلك نسبة الواحد إلى العشرة .
فالواحد في الحقيقة هو العشرة والمائة والألف في مراتب العشرات والمئات والألوف ، ولهذا وقع في الواقع في الأعداد الهندسيّة إشارة من باب الإشارات .
فلمّا كانت أسماء الإحصاء هي المجازية للعبيد المتخلَّقين والمتحقّقين بها ، والعشرة هي الكاملة في المجازاة ، ظهرت التسعة في مرتبة العشرة تسعين ، وأضيفت إلى الأصل وهي التسعة الحاصلة من ضرب الثلاثة المرتبيّة في نفسها كما مرّ فكانت تسعة وتسعين ، فافهم .
ولأنّ هذه الأسماء من وجه عين المسمّى بها ، ومن وجه غيرها ، كان المسمّى وهو الحقّ الظاهر في مراتب وجوده ، والمتعيّن بالتجلَّي في عين القابل المتجلَّى له وتعديده وتعيينه وتقييده وتكييفه وتحديده.
كان المسمّى بهذه الأسماء التي هو مدلولها تمام المائة من حيث كونها غيرها ، وغير محصى بالتعيين لكونها عينها .
فلهذا قال : « إنّ لله تعالى مائة اسم إلَّا واحدا » ، فهذا الواحد هو عين التسعة والتسعين ، وعين الألف والواحد على ما روي في مرتبة الإحصاء أنّها ألف وواحد ، ظهر في آخر كلَّيات مراتب العدد ، كما خفي في أوّلها وأوسطها .
وهو أيضا كذلك عين الأسماء التي لا يبلغها الإحصاء فإنّها التعينات الوجودية النورية ، وتنوّعات التجلَّيات النفسية الجودية ، والكمالات الإلهية لا تنفد ، ولا يبلغها الإحصاء ، ولا يحصرها تعديد النعماء والآلاء ، فافهم .
واعلم : أنّ الحقّ من حيث هذه التجلَّيات والتعينات الذاتية أزلا وأبدا يريد أن يرى أعيانها في كون جامع يحصر الأمر ، فإنّه كان ظاهرا قبل ظهورها لأنفسها له تعالى ، ورؤيتها إيّاها أيضا في مظاهر غير جامعة ولا حاصرة لحقائق السرّ والجهر ودقائق البطن والظهر .
وتجلَّيه تعالى في المظاهر النورية الجمالية يخالف تجلَّيه في المجالي الظلالية الجلالية .
وظهوره في القوالب السفلية ، وجميع هذه المظاهر غير جامع لرؤيته نفسه ولا حاصر للأمر .
ولهذا قال رضي الله عنه : " لمّا شاء الحق " على صيغة تقتضي المسبوقية بعدم هذه المشيّة المقتضية لظهوره له في الكون الجامع ، بعد ظهوره في الأكوان غير الجامعة وإن كانت مشيّته في رؤيته.
ورؤيته لأسمائه وصفاته ونسب ذاته سابقة التعلَّق على الظهور الأسمائي في العالم قبل الكون الجامع.
ولكن من حيث ظهور الإنسان من حيث الصورة العنصرية لمظهريّتها .
فإنّ تعلَّق المشية آخر بموجب الترتيب الحكمي الوجودي .
فإنّ الإنسان أوّل بالحقيقة ، والآية في البداية ، آخر في الغاية والنهاية ، ظاهر بالصورة ، باطن بالسرّ والصورة جامع بين الأوّلية والآخرية ، والباطنية والظاهرية .
وجمعيّته لكونه برزخا جامعا بين بحري الوجوب والإمكان والحقّية والخلقية .
وأمّا حصره الأمر فلكونه موجودا بالرتبة الكلَّية الجامعة بين المراتب ، ولكون الأمر محصورا في نفسه بين الوجود والمرتبة .
فلمّا كانت مرتبته كلية جامعة بين مرتبتي الحقّية والخلقية ، والربانية والعبدانية ، تمّ بعين الوجود الحق في مظهريته بحسبها كليا جمعيا أحديا ، والمرتبة منحصرة بين الحق الواجب والخلق الممكن ، معمورة  بهما ، فالحق أبدا حق ، والخلق أبدا خلق .
والوجود في مرتبة الحقية حق ، وفي مرتبة الخلقية خلق ، وفي النشأة الجامعة حق خلق جامع بينهما مطلقا عن الجمع بينهما أيضا ، فالدائرة الوجودية كما سبق محيطة بقوسين ، ومنقسمة بقسمين ، ومنصّفة بشطرين على قطرين :
فالشطر الأعلى للحقيّة والوجوب ، فإنّ الفوقية والعلوّ حق الحق.
والشطر الأدنى للكون والخلق .
والبرزخ يظهر بالنعتين ، ويصدق عليه إطلاق الحكمين ، وله الجمع بين البحرين ، وليس له نعت ذاتي سوى الجمعية والإطلاق فله أن يظهر مظهرية الأسماء والمسمّيات والذات على الوجه الأوفى .
وفي حقّه يصحّ أن يقال :
يرى أعيانها أو يرى الحقّ نفسه في كون جامع .
فإنّ رؤية الحقّ نفسه في كون غير جامع لما هو عليه ليست كرؤيته نفسه في مرآة كاملة جامعة لظهور آثاره وأحكامه تماما .
كما قال : ( أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر لكونه متّصفا بالوجود ) فإنّه كان يرى عينه في عينه رؤية ذاتية عينية غيبية ، ويرى حقائق أسمائه وصفاته مستهلكة في ذاته رؤية أحدية ، وشهوده عينه وأعيان أسمائه في الكون الجامع شهود جمعيّ بين الجمع والتفصيل .
ويجوز أن يقول :
أن يرى أعيانها ، أو يرى عينه فرادى وجمعا .
ويجوز أن يقول   : الكلمة مبنيّة للمفعول في الوجهين ، فانظر ما ذا ترى .
قال رضي الله عنه : ( ويظهر به سرّه إليه ).
وفي " يظهر " أيضا يصدق جميع الوجوه المذكورة من الإعراب لكونه عطفا على « يرى » ، ثم الضمير في « إليه » و " به " سائغ العود إلى الحقّ وإلى المظهر الجامع .
فإنّ ظهور السرّ الكامل الكامن إنّما يكون بالحق المتجلَّي بالتجلَّي التعريفي في قوله : « أحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرّفت إليهم فعرفوني ».
ولكن في الكون الجامع وبالكون الجامع ، فإنّ الحقّ تعالى شأنه من حيث كونه أحبّ إظهار سرّه الكامن ، وجلا حسنه الباطن إبداء كماله المستحسن بجميع المحامد والمحاسن ، ظهر بالكون الجامع الإنساني والكتاب الأكمل القرآني إلى الحق أو إلى المظهر ، كذلك يجوز على الوجهين ، فافهم .
يتبع الجزء الثاني من الفقرة الثانية
.
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في السبت 15 سبتمبر 2018 - 18:40 عدل 7 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأحد 26 أغسطس 2018 - 15:39 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الثانية الجزء الثاني السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثانية الجزء الثاني:
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه .)
1 -  فص حكمة إلهية في كلمة آدمية
لما استعار الفص لنوع الإنسان وحقيقته المعبر عنه بآدم ، كما قال في نقش الفصوص وأعنى بآدم وجود العالم الإنسانى ، على أن العالم كالخاتم والإنسان كفصه كان قلب كل إنسان عارف باللَّه كامل فصا هو محل حكمته المخصوصة به .
كما قال : منزل الحكم على قلوب الكلم ، فإن لكل نبى مرتبة من الكمال هي جملة علوم وحكم متحدة بأحدية الاسم الإلهي الذي هو ربه .
فلذلك نقل الفص من قلبه الذي هو محل حكمته إلى الفص المشتمل على تلك الحكمة وسماه به للمناسبة .
ثم لما كان الإله المطلق الذي هو معبود الكل بذاته وجميع صفاته لا يتجلى إلا في هذا النوع فخص الفص المشتمل على الحكمة الإلهية بالكلمة الآدمية
( لما شاء الحق سبحانه ) المشيئة : اقتضاء الذات لما يقتضيه العلم فهي لازمة لجميع الأسماء ، لأن كل اسم إلهى هو الذات مع صفته فمقتضى الذات لازم لكل اسم
ولهذا قال ( من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء ) أي لما شاء مشيئة ذاتية أزلية نافذة في جميع الأسماء بحسب تطلب الكل أي الذات مع جميع الأسماء
( أن يرى أعيانها ) بظهورها وظهورها اقتضاؤها لوجود العالم مع ما فيه حتى الإنسان ولهذا قال ( وإن شئت قلت أن يرى عينه ) لأن أعيانها عينه باعتبار كثرة التعينات والنسب ( في كون جامع يحصر الأمر كله ) وهو الإنسان الكامل والعالم معه .
قوله ( لكونه متصفا بالوجود ) علة لرؤيته تعالى عينه في الكون الجامع أي لكون ذلك الكون الجامع متصفا بالوجود وذلك لأن الوجود الإضافي عكس الوجود الحقيقي المطلق.
فإن الحقيقي المطلق الواجب المقوم لكل شيء الذي هو الحق تعالى إذا ظهر في الممكن تقيد به وتخصص بالمحل فكان ممكنا من حيث التخصيص والتقيد .
وكل مقيد اسم فهو اسمه النور من حيث الظهور وكان كعكس صورة الرائي في المرآة المجلوة التي يرى الناظر صورته فيها. وفي بعض النسخ لكونه متصفا بالوجوه .
فهو علة للحصر أي يحصر الأمر الإلهي كله لكونه متصفا بالوجوه الأسمائية فإن كل اسم وجه يرى الحق نفسه فيه بوجه ويرى عينه من جميع الوجوه في الإنسان الكامل الحاصر للأسماء كلها واللام في الأمر للاستغراق أي يحصر الأمور كلها أو بدل من المضاف إليه بمعنى أمره وهو إيجاده
( ويظهر به سره إليه ) منصوب عطفا على يرى ، أي يرى عينه في كون جامع ويظهر بذلك الكون سره ، أي وجوده الخفي إليه أو مرفوع عطفا على يحصر ، أي في كون يحصر الأمر ويظهر سر الحق تعالى به إليه وإليه صلة ظهر بمعنى له يقال ظهر له وإليه بمعنى .
وقد وجدت في نسخة قرأها الشيخ العارف مؤيد الدين الشارح للكتاب هذا على الشيخ الكامل صدر الدين القنوى بخطه بالوجوه .
وفي نسخة : ويظهر بالنصب والرفع معا.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه .)
1 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية
قوله: (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء) شروع في المقصود.
ولما كان وجود العالم مستندا إلى الأسماء وكان الإنسان مقصودا أصليا من الإيجاد، أولا في العلم وآخرا في العين ، نبه على أن الحق تعالى من حيث أسمائه الحسنى أوجد العالم.
وبين العلة الغائية من إيجاد العالم الإنساني، وهي رؤيته تعالى ذاته بذاته في مرآة عين جامعة إنسانية من مرايا الأعيان .
كما قال: "كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فتحببت إليهم بالنعم، فعرفوني".
فهذا القول كتمهيد أصل يترتب عليه ظهورالحكم الكلية من الأسماء الإلهية في مظاهرها.
واستعمل (لما شاء) مجازا، إذ هو مشعر بحصول المشية بعد أن لم تكن، وليس كذلك، لكونها أزلية وأبدية.
وجواب (لما) محذوف. تقديره: لما شاء الحق أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله، لكونه متصفا بالوجود ويظهر به سره، أوجد آدم، عليه السلام.
أو يكون قوله: (فاقتضى الأمر) جواب (لما) ودخول الفاء في الجواب للاعتراض الواقع بين الشرط والجزاء وهو قوله: (وقد كان الحق أوجد العالم)... والأول أظهر.
ومشيئته تعالى عبارة عن تجليه الذاتي والعناية السابقة لإيجاد المعدوم، أو إعدام الموجود. وإرادته عبارة عن تجليه لإيجاد المعدوم. فالمشيئة أعم من الإرادة.
ومن تتبع مواضع استعمالات(المشية) و (الإرادة) في القرآن يعلم ذلك، وإن كان بحسب اللغة يستعمل كل منهما مقام الآخر، إذ لا فرق بينهما فيها
والمراد بالأسماء الحسنى، الأسماء الكلية والجزئية، لا التسعة والتسعون فقط المروية في الحديث.
لذلك قال: (التي لا يبلغها الإحصاء) أي، العدد. فإن الأسماء الجزئية غير متناهية، وإن كانت كلياتها متناهية.
وقد سبق معنى (الاسم)و (اسم الاسم) في الفصل الثاني من المقدمات.
وإنما جاء بالحق الذي هو اسم الذات ليتبين أن هذه المشية والإرادة للذات بحكم المحبة الذاتية التي منها وإليها، لكن ليس للذات من حيث هي هي مع قطع النظر عن الأسماء والصفات، وليست لها، أيضا، من حيث غنائها عن العالمين، بل من حيث سمائها الحسنى التي بذواتها وحقائقها تطلب المظاهر والمجالي، لتظهر أنوارها المكنونة وتنكشف أسرارها المخزونة فيها التي باعتبارها .
قال تعالى: "كنت كنزا مخفيا". - الحديث.
قوله: (أن يرى أعيانها وإن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله)
بيان متعلق المشية. والمراد بقوله: (أعيانها) يجوز أن يكون الأعيان الثابتة التي هي صور حقائق الأسماء الإلهية في الحضرة العلمية.
ويجوز أن يكون نفس تلك الأسماء التي هي أرباب الأعيان والماهيات الكونية.
ويجوز أن يكون تلك الأعيان، الأعيان الخارجية.
لذلك قال: (وإن شئت قلت، أن يرى عينه) أي، عين الحق.
فإن جميع الحقائق الأسمائية في الحضرة الأحدية عين الذات وليست غيرها، وفي الواحدية عينها من وجه وغيرها من آخر.
و (الكون) في اصطلاح هذه الطائفة، عبارة عن وجود العالم، من حيث هوعالم، لا من حيث إنه حق، وإن كان مرادفا للوجود المطلق، عند أهل النظر.
وهو هنا بمعنى المكون. أي، شاء أن يرى أعيان أسمائه أو عين ذاته في موجود جامع لجميع حقائق العالم، مفرداتها ومركباتها، بحسب مرتبته يحصر ذلك الموجود أمر الأسماء والصفات من مقتضياتها وأفعالها وخواصها ولوازمها كلها.
و (اللام) في قوله (الأمر) للاستغراق، أي جميع الأمور الإلهية، أو عوض من الإضافة.
و (الأمر) بمعنى الفعل. أو يحصر الشأن الإلهي في مرتبته فيكون بمعنى الشأن، وهو أعم من الفعل لأنه قد يكون حالا من الأحوال من غير فعل.
أويحصر ما تعلق به الأمر الذي هو قوله: (كن). فحينئذ يكون مجازا من قبيل إطلاق الملزوم وإرادة اللازم.
و (الكون الجامع) هو الإنسان الكامل المسمى بـ (آدم). وغيره ليس له هذه القابلية والاستعداد.
والسر في هذه المشيئة والحصر، أن الحق تعالى كان يشاهد ذاته وكمالاته الذاتية المسماة بـ (الأسماء)، ومظاهرها كلها في ذاته بذاته في عين أوليته وباطنيته مجموعة مندمجة بعضها في بعض.
فأراد أن يشاهدها فيحضرة آخريته وظاهريته كذلك، ليطابق الأول الآخر والظاهر والباطن، ويرجع كل إلى أصله.
فقوله: (لكونه متصفا بالوجود ويظهر به سره إليه) تعليل للحصر لا للرؤية.
فإن الحق يعلم الأسماء وأعيانها ومظاهرها، ويراها ويشاهدها من غير ظهور الإنسان الكامل ووجوده في الخارج.
كما قال أمير المؤمنين على، كرم الله وجهه: "بصير إذ لا منظور إليه من خلقه".
إلا أن تحمل "الرؤية" على الرؤية الحاصلة في المظهر الإنساني، فإن هذه الرؤية أيضا للحق. وحينئذ يكون تعليلا لها فيكون معناه: إنه شاء أن يرى الأعيان أو عينه بآدم في آدم لكونه متصفا بالوجود الحق، إذ هو من حيث ذاته معدوم ومن حيث الوجود الحق موجود.
وله قابلية ظهور جميع أسرار الوجود فيه، فصار بالاتصاف به، والقابلية المذكورة كونا حاصرا لجميع أمر الأسماء وخصوصياتها.
لأن وجود الملزوم يوجب وجوداللازم، سواء كان بالواسطة أو غيرها.
وقوله: "ويظهر به سره إليه" يجوز أن يعطف على قوله: "يحصر الأمر"
فيرفع وإنما أخره عن قوله: "لكونه متصفا بالوجود" ليكون تتمة من التعليل، يجوز أن يعطف على "يرى" فينصب.
وضمير "به" عائد إلى "الكون الجامع".
وضمير "سره" و "إليه" عائد إلى "الحق".
و (إليه) صلة (يظهر) يقال: ظهر له وإليه. والمراد ب "السر"عين الحق وكمالاته الذاتية، فإنها غيب الغيوب كلها.
كما قيل: "وليس وراء عبادان قرية". أي، شاء أن يشاهد عينه وكمالاته الذاتية التي كانت غيبا مطلقا في الشهادة المطلقة الإنسانية في مرآة الإنسان الكامل .
ويجوز أن يقال، إنه تعليل للرؤية من غير أن يحمل أنها في المظهر الإنساني، ومعناه: أنه تعالى، وإن كان مشاهدا نفسه وكمالاته في غيب ذاته بالعلم الذاتي ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
لكن هذا النوع من الرؤية والشهود الذي يحصل بواسطة المرايا، لم يكن حاصلا بدونها، لأن خصوصيات المرايا تعطى ذلك، فشاء الحق أن يشاهدها كذلك أيضا.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه .)
"فص: في اللغة، عبارة عن ملتقى الحكم الإلهية المشتملة على قوسي الأحدية والواحدية، فالملتقى هو الوحدة الصرفة التي هي القلب المحمدي وقلب كل نبي قبله، والحكمة هي العلم بوضع الأشياء موضعها.
والإلهية هي مرتبة جامعة لجميع الأشياء، والكلمة هي العين الفاضلة الجامعة الفاصلة المانعة كأعيان الأنبياء عليهم السلام، 
والأدمية هي المنسوبة إلى آدم عليه السلام حقيقة الحقائق الإنسانية، وأراد رضي الله عنه بآدم وجود العالم الإنساني."
(لما) أي: ما يتزين به، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بحقائق الأسماء الإلهية، وظهوراتها بصورها وآثارها ظهر ذلك العلم بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى آدم أبي البشر اللي حيث علم الأسماء كلها، وهي الأسماء الإلهية والكونية بظهورها فيه، واطلاعه على ما ظهر فيه لما جواب الشرط، وهو أوجد آدم محذوف بقرينة قوله.
فكان آدم عين جلاء تلك المرآة، (شاء الحق تعالی) اختار هذا اللفظ لثبوت معناه لله عز وجل في كل حال من غير توقف على أمر بخلاف بعض أسمائه تعالى الدالة على النسب؛ فإن اعتبارها يتوقف على المنتسبين، وإن كان الكل قديما في الواقع (من حيث أسمائه) لا الذات وحدها.
فإنه باعتباره غني عن العالمين، فالتجلي الذاتي لا بد وأن يكون مع اسم، وإن لم يلتفت إليه، والأسماء تطلب الظهور في المظاهر الكونية من حيث تضمنها النسب، ووصف الأسماء بقوله: (الحسنی)؛ لأن التجلي، وإن كان باسم جلالي؛ فهو أيضا من حيث الظهور له جمال.
ولذلك قيل: لكل جلال جمال هو دنوه من المظاهر وتأنسه بها، وبقوله: (التي لا يبلغها الإحصاءأشار إلى أن لكل كلي وجزئي من العالم اسما خاصا إلهيا يؤتيه، ولا نهاية لها، وأراد الله عز وجل أن يظهر بها في الكون الجامع مجتمعة كاملة يحصل لظهوره بها إجمال بعد التفصيل، وهو الظهور في الأكوان المتفرقة القاصرة. (أن يرى أعيانها) أي: صورها الكاملة
كأنها أعياها لكمال هذا المظهر الذي هو في غاية الصقالة بحيث تتم مطابقة الصور الظاهرة فيه لدى الصورة بخلاف سائر المظاهر .
(وإن شئت قلت) لما شاء الحق من حيث أسمائه الحسنى (أن يرى عينه)؛ لأنها عند اجتماعها لا تغاير الذات مغایرتها عند افتراقها لعدم اعتبار مفهوماتها المتغايرة حينئذ يكون لها أحدية الجمع بالرجوع إلى الإجمال بعد التفصيل
(في كون) أي: موجود حادث (جامع) لأسرار الأسماء الإلهية والكونية بحيث
(يحصر الأمر) أي: شأن الظهور الإلهي من جميع وجوهه (لكونه متصفا بالوجود) أي: وجوه ظهوراته في أسمائه، وسائر مظاهره، وفي أكثر النسخ «بالوجود) أي: بصورته الكاملة التي كأنها نفسه، فاجتمعت وجوه ظهوراته في ظهوره فيه، (ويظهر به سره إليه) أي: وشاء أيضا أن يجعله عارفا بسه، وهو الذات والصفات بجعله مظهرا الصور الأسماء الإلهية وآثارها كلها التي كانت فيه بالقوة بحيث يصير الكل سرا واحدا بعد التفرق في العالم ليعود إلى وحدته التي كان عليها في مرتبة الذات.
وهذه المعرفة مقصودة بالذات كما قال: "کنت کنزا مخفيا؛ فأحببت أن أعرف".
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه .)
اعلم أنّ الحقائق الكشفيّة والمعارف الحقيقيّة التي هي مدلولات الألفاظ بالذات إذا أريد دلالتها عليها بحسب مفهوماتها الوضعيّة ومعانيها اللغويّة والعرفيّة تنزّلا إلى مدارك الأفهام ، لا يتصوّر ذلك إلَّا بضرب من التمثيل ونوع توسّل إلى وجوه المناسبات بين المعاني المتداولة العاميّة وبين تلك الحقائق ، ضرورة سعة دائرة المعاني وضيق مجال تلك المدلولات الجعليّة .
ثمّ إنّ « الفصّ » له وجوه من الخصوصيّات والنسب التمثيليّة بها يستكشف ما قصد منه من المعارف ، ومنها يستنبط ما أراد به من دقائق الحقائق :
منها أنّه قد انطوى على قوسي الخاتم ، واشتمل على أحديّة جمع دائرته .
ومنها أنّه الخاتم بما انطبع فيه من الصور المعرب عن كليّتها .
ومنها أنّه تابع لقالبه من الخاتم في المربعيّه والمثلثيّة والمدوّريّة وغيرها ، ومستتبع لما يرد عليه ويحويه .
ولمّا كان قلب الإنسان الكامل له الانطواء على قوسي الوجوب والإمكان وله الانطباق على أحديّة جمع خاتم الكمال بضلعي الوجود والشهود ، كما أنّ له أن يعرب عمّا فيه من صور الحقائق ، وينبئ عن أحديّة جمعيّتها ، وكذلك له صورة تابعة لمزاج الشخص ، كما أنّ له أن يستتبع تجلَّي الحقّ ويصوّره بصورته .
 على ما نصّ عليه الشيخ في الفصّ الشعيبي : « إنّ القلب من العارف والإنسان الكامل بمنزلة محلّ الخاتم » في تصوير التجلَّي بصورته - وسّم الفصل المعرب عمّا اختصّ به كلّ من الكمّل وتحقّق به قلبه من صورة تجلَّى الحقّ فيه ب « الفصّ » تنبيها على ذلك كلَّه .
و «الحكمة» عبارة عن حقائق كلّ ما تضمّنه التجلَّي المذكور ، من الحيثيّة الكماليّة الظاهرة بحسب الاسم المناسب للمتجلَّى له ، المعبّر عنه بـ «الكلمة» ، وفصّها هو أحديّة جمع تلك الحقائق ، وفوقيّة صورتها التماميّة الختميّة .
التي بها يتشخّص ويصير واحدا ، فهو عين الكلمة ووجهها الوجودي الظاهر هي به إلى الأبد ، فإنّ لها الوجه الكوني المعدوم به من الأزل ، فالظرف مستقرّ على أنّه حال أو صفة . 
وبيان المناسبة بين الاسم والكلمة هو أنّ مبدأ هذا الاسم وخصوصيّته إنّما هو أحديّة جمع خصوصيّات الأسماء ، كما أنّ تعيّن الكلمة هو أحديّة جمع تعيّنات الأعيان ، ومن ثمّة ترى صاحب المحبوب قد لوّح عليه بأنّ الكلمة هذه إنّما ركَّبت من ألف الابتداء وميم المنتهى ودال الامتداد بين الابتداء ومنتهاه .
مناسبة اسم الفصّ وكلمته مع التسعة اعلم أنّ التسعة المشتركة بين الاسم والكلمة  لها الإحاطة الإطلاقيّة بما فيها من السعة التي تسع كلّ المراتب ، ولا تسعها مرتبة ، إلَّا أنّ الاسم لما له من المبدئيّة والبطون قد تقوّم فيه التسعة بالإفراد من الخمسة وما انطوت عليه منها ، تلويحا إلى أنّه صورة بسط الخمسة إفرادا ، وفي امّ الكتاب ما يطلعك عليه إن طالعته بإمعان .
والكلمة بما فيها من الجامعيّة مع توغَّلها في ظرف الظهور تقوم فيها التسعة بالزوجين وفرد واحد ، إذ الفرد له طرف البطون ، كما أنّ الزوج له الظهور ،لقوله تعالى : "خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً". 
وأيضا الكلمة قد ظهرت بما غلب فيه حكم المرتبة الكونية ، بخلاف الاسم ، فإن ما غلب عليه ذلك الحكم قد تبطَّن فيه .
وممّا يؤيّد هذا أنّ الكلمة زاد على الاسم عند التفصيل بهذا العدد ( 45 9 36 ) فهي الظاهرة عليه به . 
هذا إذا حوسبا كتابا ، فأمّا إذا حوسبا كلاما ، فالمشترك فيه حينئذ هو العشرة الكاملة ، التي هي الواحد الجامع الظاهر بصورة وحدته الزوجيّة ، وهاهنا سرّ يطلع منه على أصول من الحكم  فليتدبّر .
الألف في اسم الفص وكلمته إنّ الألف قد تنزّل في الاسم والكلمة من صرافة إطلاقه واستقامة خطيّته ، تدرجا في اعوجاجه وتقوّسه إلى أن يتمّ الدائرة بكمالها ، ولكن ذلك في الكلمة أتمّ وأظهر على ما لا يخفى .
والذي يدلّ على أوّليّة هذا الفصّ وتقدّمه بالطبع من الحقائق الحكميّة ما سبق تحقيقه آنفا من أنّ غير هذا الفصّ إنّما هو بيان مدارج بني آدم ، أعني بعض جزئيّات ما عقد الفصّ هذا على كشفه ، ممّا يتوقّف عليه .
وأمّا من الدقائق التلويحيّة فهو أنّ «الإله» في الكلام هو الأول عددا كما أنّ «الألف» الذي هو الأول في الكتاب رقما إنّما ظهرت صورته وفصّلت آياته الفرقانيّة والقرآنيّة في «آدم» عندما لوحظ بيّناته الكاشفة ، كما يلوح لك في هذه الأرقام ، مع دقائق جليلة لو تدبّرت فيها بعض التدبّر - 191 ل ف ا ل ي م 
ثمّ ليعلم أنّ الأمر الإلهي له مدرجتان في التنزّل :
أحدهما ذاتي بلا واسطة يتوجّه إلى تحقّق الأعيان أنفسها .
والآخر بالواسطة إنّما يتوجّه إلى أحكام أفعال الأعيان ولوازمها .
والحاصل من الأوّل هو الشيء ، فهو المشيّة , ومن الثاني الشرع ، فهو التشريع .
والأوّل لعظم شأنه وقوّة سلطانه كما صرح به الشيخ حاكيا عن أبي طالب : «أنّه جعلها عرش الذات» لا يخالف بخلاف الثاني . 
فلذلك نسبها إلى الحقّ قائلا : ( لما شاء الحقّ ) ضرورة أنّ المتوجّه لتحقّق الأشياء ليس إلَّا الذات باعتباره ثمّ إنّ حضرة الأسماء لما كانت موطن النسب المستتبعة لكمالها المسمّى بـ «الحسن» الذي هو من الصفات اللازمة لها.

قال : ( من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء ) فإنّها من حيث كلَّيات مراتبها وأجناسها القابلة للإحصاء لا يمكن أن يتوجّه نحو الغاية المطلوبة ها هنا .
فإنّها إنّما تتحقّق بعد تنزّلها في المواد الهيولانيّة وتشخّصها بالصور والأعراض الكائنة الجسمانيّة التي لا نهاية لكلّ منها فالأسماء إذن من هذه الحيثيّة لا بدّ وأن تكون غير قابلة للإحصاء عدّا ، كما أنّ الذات في كنه بطونها غير قابلة له حدّا ، فهي صورة مثليّتها في مرآة التقابل .
وإظهار الأوّل يناسب منصب النبوّة ويفصح عنه كلامها ، كما أنّ الثاني يوافق طور الولاية  ويؤدّيه كتابها . 
الحاء والقاف في لفظ الحق «الحقّ» حرفان :
أحدهما  له الوحدة الجمعيّة بها يناسب الذات ويدلّ عليها . 
والآخر له الكثرة الكماليّة والسعة الأسمائيّة ولذلك ترى الحضرة الختميّة اختار ذلك العقد عند التعبير عن إحصاء الأسماء في المرتبتين الأوليين مشيرا إلى المرتبة الثالثة بما ينبئ عن الجهة الاتحاديّة العينيّة التي للأسماء في هذه المرتبة ، على ما هو مدلول الحرف الآخر باعتبار مسمّاه 
 .
وأمّا باقي اسمه فهو صورة دور التسعة وهيئة جمعيّتها الوحدانيّة ، وهي مؤدى الحرف الأوّل اسما. 
وأمّا مؤداه مسمّى فهو أنهى مراتب الزوج الذي هو
 طرف الظهور، الذي هو مقتضى الأسماء، وإنّما أشير إلى هذه المراتب لأنّ الأسماء منها ما هو في:
المرتبة الأولى الذاتيّة ومنها ما هو في 
المرتبة الثانية الصفاتيّة ومنها ما هو في 
المرتبة الثالثة الفعليّة
 .
وهذه هي التي لها الجهة الاتحاديّة وعدم الإحصاء، وهي مؤدى الحرف الدالّ على الذات منهما، فلا تغفل عن دقائق الإشارات والتلويحات.
ثمّ إنّ غاية هذه المشيّة ومنتهى إرادة الحقّ فيها من حيث تلك الأسماء ( أن يرى أعيانها وإن شئت قلت : أن يرى عينه ) 
فلئن قيل : « متعلَّق المشيّة على ما سبق من البيان إنّما هو التحقّق نفسه ، لا الرؤية » ؟

قلنا : إنّ رؤية العين في الكون إنّما هي في أنهى مراتب التحقّق وأقاصى دركاته الكونيّة ، فلا تتحقّق إلَّا بالمشيّة ، على أنّ الرؤية نفسها من المتحقّقات أيضا ، وإن كانت تابعة لمتحقّق آخر فيه .
ثمّ إنّ في تنويع العبارة هاهنا وتسوية أدائهما للمقصود بيانا لما يتبادر إلى الأفهام من لزوم التغاير والتقابل بين الرائي والمرئي ، أنّه بمجرّد الاعتبار فقط ، ولا تغاير بالذات ها هنا. وإشارة إلى الجهة الاتحاديّة المنبّه عليها في أسماء الإحصاء من الكلام النبوي ، بقوله: « تسعة وتسعين اسما ، مائة إلَّا واحدة » .
إذ بها ينوط اسميّة الاسم ، وتنبيها إلى صافيّ منحل الحيّ الختميّ وخالص توحيدهم ، حيث أنّ محوضة الوحدة الإطلاقيّة لديهم ليس ليست مما يشوب به شيء من ضروب الإضافات وصنوف التقابلات ، حتّى تقابلة الكثرة وتعاندها .
وهاهنا لطيفة قد احتوى عليها بديع مسلكه هذا ، من باب الإشارات الخفيّة العالية عن المدارك المعتورة بين أرباب الرسوم ، وهي أنّ المشيّة التي هي مبدأ أمر الظهور والإظهار بعد رؤية الحقّ من حيث أسمائه الحسنى أعيانها تصلح أن تستند إلى المخاطب ضرورة أنّ الرؤية المذكورة مستتبعة للاتحاد .
ومستلزمة لطيّ بساط التقابل والتكثّر على ما عرفت وحينئذ تصير مصدرا للقول الفصل ، والكلام الكامل ، وبه تتعلَّق الرؤية المذكورة إلى عين الحقّ ، ويرتفع تقابل حكم الرائي والمرئي ، إلَّا اعتبار محضا - على ما ستطلع عليه .
وكثيرا ما يجد الفطن عندما تأنّس فهمه بإدراك الإشارات الخفيّة ، وفتح عليه أبواب اللطائف المرموزة في الكلام المنزل الختمي ، اعتبار هذا المسلك ، كقوله تعالى : " ثُمَّ سَوَّاه ُ وَنَفَخَ فِيه ِ من رُوحِه ِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ ".
واعلم أنّ الحروف العاليات إذا نزلت في سطور مراتب الوجود إلى حيث يتميّز سواد تلك الحروف عن بياضها يسمّى بـ "العين" لاستحصالها بـ "كن" .
هذا إذا اعتبرت خصوصيّة كلّ منها منفردة ، أمّا إذا اعتبرت مجموعة بأحديّة جمعيّتها الكماليّة ، يسمّى ب « العالم » وصورة تماميّته حيث يكون الحرف مستقلا بنفسه في الظهور .
فإنّ المراتب منها ما ليس لتلك الحروف فيها سوى نسب معنويّة كليّة راجعة إلى حقيقة واحدة ، تسمّى بذلك الاعتبار « اسما » كما أنّه يسمّى ب « الحضرة الواحديّة » ، ومنها ما انفصلت عنه واستقلَّت بالاعتبار وإن تبعته بالوجود ، ويسمّى بـ «الأعيان الثابتة» ، كما أنّه يسمّى بـ «الحضرة العلميّة» ، ومنها ما استقلت تلك الحروف فيه بالوجود مستتبعة إيّاه ، وحينئذ يسمّى بـ « العين » مطلقا ، كما أنّه يسمّى بـ "العالم" .
وفيه تلويح يكشف عن مراتب العوالم بترتيبه ، والكون الجامع لها بعينه ، وغير ذلك  .
ثمّ إنّ العين تتدرج في ذلك الاستقلال بحسب تلك المراتب إلى أن تنتهي إلى كثائف وضعيّة هيولانيّة ، يمكن أن تتعاكس أشعّة شمس الحقيقة من تلك الكثائف المسمّاة بـ « الكون » إلى المشاعر الحسّية المعبّر عن أتمّ أنواعها بـ « الرؤية » مسترجعة في ذلك من الكثائف الحاجبة إلى اللطائف الكاشفة ، متدرّجة إلى أن تنتهي إلى الحقيقة القلبيّة ، التي تسع الوحدة الحقيقيّة بإطلاقها ، وتتمّ على عرش شعورها الدائرة بقوسيها .
ولذلك جعل الرؤية غاية للمشيّة ، إذ بها يعرج السافر السائر نحو المقصد الأقصى من غور دركات الحجب الغيريّة ، إلى نجد درجات الحقائق الوجوديّة الاتحاديّة .
وبنقطة النطق ينطبق قوس البطون على الظهور ، وبها يصير دائرة كاملة ، على ما حقّق أمره في المقدّمة .
فتلك الرؤية إنّما تتصوّر ( في كون جامع يحصر الأمر) وذلك لأنّ الكون إذا اتّصف بالوجود وظهر به ، تحصّل منه هويّة جامعة بين الأوّل والآخر والظاهر والباطن كما لا يخفى وهو على ما نبّهت عليه في المقدّمة عند الفحص عن مبدأ منع الشركة يقتضي حصر الأمر .
وذلك لأنّ الأمر لغة يطلق على ما يعمّ الأفعال والأقوال.
وتحقيقا على أوّل ممتد إلى الآخر مرتبط به ، وهو إنّما يصدق على كل ظاهر منبئ عن الباطن كالأفعال الإدراكيّة التي للقوى من الإشارات الخفيّة والكلمات الجليّة . 
ويلوّح على ذلك ظهور راء « الصورة » فيه ببيّنات لام « الكلام » الكاشفة عن كنه المرام .
ومن ثمّة ترى الهويّة المذكورة قد استتبعت العلم بكلّ شيء ، على ما هو مؤدّى الآية الكريمة ، وبيّن أنّ ظهور ذلك الأمر إنّما يتصوّر من الصورة الاعتداليّة القلبيّة ، التي لا يماثلها شيء.
فإنّك قد عرفت فيما سلف لك أنّ الأكوان على اختلاف أنواعها وتكثّر شجونها إنّما تصلح لأن تكون مصدرا للتعاكس المذكور ، ومظهرا لعرش الشعور ، ما استحصل منها صورة اتحاديّة ومزاج اعتداليّ يمكن أن تتكوّن فيه الحقيقة القلبيّة ، التي بها أصبح مجمع بحري الإلهي والكياني حاصرا لتنوّعات تموّجاتها  بأنواعها وأشخاصها ، لكون الكون المذكور بانطوائه على تلك الحقيقة متّصفا بالوجود الواحد الحقيقي ، ظاهرا به ومظهرا هو إيّاه بتفاصيل تنوّعاته كلَّها بكمالها ، منصبغة بسرّه الخاصّ به .
فعلى هذا قوله : ( لكونه متّصفا بالوجود ) علَّة للحصر ، ويمكن أن يجعل علة لرؤية الحقّ عينه في الكون المذكور ، فإنّ ذلك لا يتصوّر إلَّا فيما يتّصف بالوجود ويستقل به ، ضرورة أنّ العين لا يدرك ولا يرى إلَّا بالعين .
وكذلك قوله : ( ويظهر به سرّه إليه ) يمكن أن يجعل عطفا على « يحصر » وعلى « يرى » والثاني منهما يناسب ثاني التقديرين ، ويؤيّده نسخة « الوجوه » ، والأوّل أوّلهما ، أي يظهر بالكون الجامع سرّ الحقّ له وهو سرّ الكون وخصوصيّته فهو صفته الكاشفة له عن صورته ، كما أنّ الأولى كاشفة عن مادّته . 
هذا على أوّل الاحتمالين ، وأمّا على الثاني ، فالوجه فيه أن يحمل ما يظهر بالكون على الكلام الكامل الذي يكشف عن سرّه وكنه ما هو عليه ، جمعا بين المشعرين الشريفين في الغاية المذكورة ، وفق ما أفصح عنه التنزيل القرآني الختمي " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ". " أَبْصِرْ به وَأَسْمِعْ ".

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه .)
الفص الأدمي
1 . فص حكمة إلهية في كلمة آدمية
لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء
فص الشيء خلاصته و زبدته و فص الخاتم ما یزین به الخاتم ویکتب علیه اسم صاحبه .
قال ابن السکیت : کل ملتقی عظمین فھو فص .
والإلهية اسم مرتبة جامعة لمراتب الأسماء والصفات كلها.
ففص الحكمة الإلهية عبارة عن خلاصة العلوم والمعارف المتعلقة بالمرتبة الإلهية.
أو عبارة عن محل يتنفس بها وهو قلب الإنسان الكامل، فإن الفص، كما أنه قد انطوى عني قوسي حلقة الخاتم وانطبق على أحدية جمعهما.
وكما أنه يختم بما ينطبع فيه من الصور ويعرب عن كليتها.
وكما أنه تابع لقالبه من التربیع و التثلیث والتدویر و غیرها.
و مستتبع لما یرد علیه کذلك قلب الانسان الکامل، له الإنطراء على قوسى الوجوب والإمكان والانطباق على أحدية جمعهما .
وله أن يعرب عما فيه من صور الحقائق وينبىء عن أحدية جمعها .
وكذلك له صورة تابعة لمزاج الشخص، كما أن له أن يستتبع تجلي الحق ويصوّره بصورته .
على ما نص عليه الشيخ رضي الله عنه في الفص الشعيبي .
ولا يبعد أن يجعل الفص عبارة عن أحدية جمع تلك العلوم والمعارف بناء على أن أحدية جمع الأشياء زبدتها وخلاصتها.
أو على أن الفصل الذي هو ملتقى قوسي حلقة الخاتم أو ملتقى كل عظمين بمنزلة أحدية جمعهما.
والمراد بالکلمة من کل موضع فی هذا الکتاب عین النبی المذکور فیه من حیث خصوصیته و حظه المتعين له ولأمته من الحق سبحانه .
فالحاصل أن أول ما ألقاه المالك عليه خلاصة علوم ومعارف متعلقة بالمرتبة الإلهية متحققة في كلمة آدمية.
أو خلاصة تلك العلوم والمعارف ، أو المحل القابل لها، أو أحدية جمعها متحققة في كلمة آدمية.
وإنما خصت الحكمة الإلهية بالكلمة الآدمية فإنها كما كانت المرتبة الإلهية عبارة عن أحدية جمع الأسماء الإلهية كذلك كانت الكلمة الآدمية عبارة عن أحدية جميع مظاهر آياتها فناسب أن تخص بها.
(لما شاء الحق سبحانه) بمشيئة أزلية هي الاختيار الثابت له سبحانه وليس أختباره سبحانه على النحو المتصور من اختبار الخلق الذي هو تردد واقع بين أمرین کل منهما ممكن الوقوع عنده فيترجح أحدهما لمزيد فائدة ومصلحة.
لأن هذا مستنكر في  حقه سبحانه اذ لیس لدیه تردد و لا امكان حكمین مختلفین بل لا یمکن غیر ما هو المعلوم المراد في نفسه .
فأن قلت : فکیف یصح قولهم إن شاء أوجد العالم وإن شاء لم أوجد قلت : صدق الشرطية لایقتضی صادق المقدم أو امکانه، فقوله : ان لم یشاء غیر صادق بل غير ممكن.
فإن قلت: قد قال بعضهم في قوله تعالى: {ألم تر.إلي ربك كيف مدّ الظلّ}. أي ظل التكوين على المكونات {ولو شأء لجعله ساكنا} 45 سورة الفرقان.
ولم يمده فإن الحق لو لم يشاء إيجاد العالم لم يظهر ، وكان له أن لا يشاء فلا يظهر.
قلت :هذا إما لنفي الإيجاب المتوهم للعقول الضعيفة، وإما باعتبار ذاته الأحدية غني عن العالمين .
فإذا نظر العقل إلى غناه وعدم اقتضائه لذاته أحد المتقابلات حكم بأن له أن لا يشاء وجود العالم فلم يظهر العالم .
وأما إذا نظر إلى علمه الشامل حکم بعدم مشیئته بل بعدم امکانها (من حیث آسمانه) کلها (الحسنی) ای المتناسبة فی بلوغها إلى مرتبة الكمال وترتب آثارها عليها (التي لا يبلغها الإحصاء) وألعد من حيث جریانها وإن کانت کلیاتها منحصرة فی تسعة و تسعین آلف و واحد ؛ وإنما قید بالحيثية، لأن ذات الحق سبحانه باعتبار إطلاقها له مرتبة الغنى عن العالمين ليس نسبته اقتضاء شيء من العالم.
ومشيئته إليها أولى من نسبة عدمها، وباعتبار تقيدها ببعض الأسماء لا يقتضي المظهر الجامع بل ما يكون مظهرا له فقط .
فاقتضاؤها المظهر الجامع لا يكون إلا من حيث جميع أسمائها الحسنى .
"أعیانیها وان شئت قلت آن یری عينة گون جامع یحصر الامُر کله ۔
لكونه مقصفاً بالوجود، و یظهر به سرهٔ الیه ."
فلهذا قيد المشيئة بهذه الحيثية (أن يرى أعيانها) المتمايزة بعضها عن بعض في التعقل وذلك باعتبار مرتبة الواحدية (وإن شئت قلت أن يرى عينه) المتحدة الغير المتميز فيها اسم عن اسم وذلك باعتبار مرتبة الأحدية .
ويمكن أن يقال : تجويز العبارتين إنما هو بالنسبة إلى المرتبة الواحدية، فإن للأسماء فيها اعتبارین :
أحدهما: اعتبار و حدة الذات
و ثانیه ما : اعتبار کثرة النسب و الاعتبارات،
فالعبارة الأولى بملاحظة الاعتبار الثاني والثانية بملاحظة الأول (في كون) أي ما كون (جامع) وحداني يظهر فيه اسم وشأن وصفة بصورة الجمع وصفه وحكمه بحيث يضاهي الشأن الكلي الذي هو التعيين الأول .
وهذه الجمعية إنما تكون بأمرين:
أحدهما : أشتماله على الأسماء كلها بحيث لا يشذ شيء منها،
وثانيهما : صلاحية مظهريته بها كلها، فإن مجرد الاشتمال لا يستلزم صلاحية المظهرية وإلا لكان كل موجود مظهراً جامعاً .
وإلى الأوّل أشار بقوله: (يحصر الأمر) أي أمر الأسماء كأنها، وعلله بقوله: لكونه (متصفاً بالوجود) لأن اتصافه بالوجود إنما يكون بتجلى الوجود يرى فيه بأحدية جمع جميع شؤونه وأسمائه وإلى الثاني مما عطف عليه أعني قوله (ويظهر به)، أي بالکون الجامع (سره) أي سر الحق وهو أسماؤه المستکنة فی غیب ذاته (إليه) .
أي إلی الحق سبحانه .
و یحتمل آن یکون قوله: یظهر به بالنصب عطفاً علی یری .
ویکون قوله : لكونه موجوداً متعلقاً بقوله: يرى على أنه علة مصححة للرؤية، فإن الشيء ما لم يكن موجودا لم تصبح رؤيته ، فتعلق المشیئة الذي هو المعنى المقصود الأصلى والعلة الغائية من اتحاد العالم ظهور الحق سبحانه فی هدا المظهر الجامع وشهوده فيه شؤونه و صفاته على وجه ينصبغ كل منها بأحكام الأخر كما مر .
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 16:09 عدل 11 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأحد 26 أغسطس 2018 - 16:06 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الثالثة فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثالثة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له.
وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
(فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه) من غير أمر آخر (ما هي مثل رؤيته نفسه) بنفسه في أمر آخر غير نفسه
(يكون) ذلك الأمر الآخر (له كالمرآة) من الزجاج مثلا يقابلها بنفسه
(فإنه يظهر له نفسه) فيها (في صورة يعطيها المحل المنظور فيه)، وهو المرأة الصغيرة مثلا .فيها صورة وجه الناظر صغيرة . والكبيرة صورة وجه الناظر فيها كبيرة . والطويلة طويلة وهكذا
(مما)، أي من الشأن والحال الذي (لم يكن يظهر له)، أي لذلك الناظر
(من غير وجود هذا المحل) المنظور فيه
(ولا تجليه)، أي ظهور ذلك الناظر بنفسه (له)، أي لذلك المحل إذ لولا تجلي الناظر بنفسه للمراة المنظور فيها
ولولا وجود المراة المنظور فيها، أيضا لما ظهرت هذه الصورة التي لوجه الناظر في المرآة على حسب كبر المرآة وصغرها ونحو ذلك.
ومن رأى صورة وجهه في المرآة لا يرى في ذلك الوقت جرم المرأة بل يحتجب عنه جرمها بصورة وجهه فيها وهو متحقق بأن وجهه فيها.
لم يحل في المرآة ولا حلت المرأة فيه.
ولا اتحد وجهه مع الصورة التي في المرآة.
وليست الصورة التي في المرآة غير صورة وجهه.
ولا تشابه صورة وجهه من جهة كونها معدومة الحقيقة ظاهرة العين وصورة وجهه محققة.
ولا يمكن أن تكون صورة المرأة على خلاف صورة وجهه.
بل جميع ما هو مصور في المرأة هو صورة ما عليه وجهه مع أنها على خلاف صورة وجهه من جهة أن يمينها شمال وجهه وبالعكس.
(وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
وقد قال وجهه لها قولا بلا حرف ولا صوت کن فتكونت على طبق ما أراد منها من غير معالجة ولا مماسة، إلى غير ذلك من العبر و بمرآة غير مجلوة مستعدة للجلاء. قال : بحسب الأول
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له.
وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
بقوله: (فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي)، أي في الحكم (مثل رؤية نفسه) وإنما قلنا في الحكم إذ هما متحدان في حقيقة الرؤيا فلا معنى لنفي المثلية مطلقة بل في الحكم(في أمر آخر يكون له كالمرآة) .
وإنما لم يقل ما هي عين رؤية نفسه إيذانا بعينيتهما بحسب الأحدية لجواز سلب مثلية الشيء عن نفسه.
يقال الشيء ليس مثل نفسه وإنما لم يقل في المرأة .
لأن عدم المماثلة في المرأة الحسية لم يشتبه على أحد من الناس وإنما الاشتباه في مثلها.
فلذلك قال المرأة ليعم الدليل (فإنه) الضمير للشأن (يظهر له) أي للشيء (نفسه في صورة بعطيها) أي يظهره.
(المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له) أي للشيء (من غير وجود هذا المحل) كما قال وقد كان الحق أوجد العالم (ولا تجليه) أي من غير تجلي المحل له أي للشيء الناظر.
ومعنى تجلي المحل ظهوره إليه على الجلاء كما قال فكان آدم عين جلاء تلك المرآة.
(وقد كان الحق أوجد العالم كله) من العلم إلى العين قبل إيجاد آدم (وجود شبح مسوی لا روح فيه) مثل الطين في حق آدم والنطفة في حق أولاده وهو ظلمة وخلق محض لا يهتدي به إلى شيء وإنما أوجده أولا على هذا الطريق ثم جلي بآدم لأن المرآة لا تكون غير مجلوه إلا من كثيف ظلماني ولطيف نوراني (فكان) العالم بدون آدم (كمرآة غير مجلوة) .

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
قوله: "فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له في نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له."
قلتالتي تظهر أحكامها بظهور المقدورات ولا شك أن ظهور ما بالقوة إلى الفعل أكمل من بقائه في القوة وكمال الجناب المقدس في قوته ما لا يتناهى من الأكملیات فيقتضي الحال ظهورها فهي تظهر في الأعيان فيراها تعالى رؤية منزهة لكن من حضرة الحسیات وقد أودع تعالى جميع معاني الأسماء الكونية في آدم مرتبطة بالأسماء الإلهية وكلا الأمرين كان سانحا له في سر علمه الأقدس فأظهره في مرآة آدم، عليه السلام، وتجلي لتلك المرآة فأبدي فيها معاني المتجلي عليها، جل جلاله فقد ظهر سره إليه، وباقي الكلام ظاهر.
قوله: "وقد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوي لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة".
قلت: معناه أن الحق تعالی اقتطع قطعة من نوره بسيطة لاصورة فيها وسماها القلم الأعلى وهي، والله أعلم، التي تسميها الحكماء «العقل الأول» الذي زعموا أنه أول صادر عنه تعالی وسماه شبحا للعالم لأنه مبدأ العالم.
ومعنى لا روح فيه، أنه تعين أول ومن شأن القدرة الإلهية أن كل ما استعد لشيء تعلق به من الصور، ما هو روح له بحسب استعداده.
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
قال رضي الله عنه : " فإنّ رؤية الشيء نفسه في نفسه ليست مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة فإنّه يظهر له نفسه" .
يعني في المرآة "في صورة يعطيها المحلّ المنظور فيه ، ممّا لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحلّ ولا تجلَّيه له".
قال العبد أيّده الله : اعلم شرح الله صدرك بنوره ، وأسرّ إلى سرّك بسروره :
أنّ الحقّ الواجب الوجود في كماله الذاتي وغناه الأحديّ يرى ذاته بذاته رؤية ذاتية غير زائدة على ذاته ولا متميّزة عنها ، لا في التعقّل ولا في الواقع .
ويرى أسماءه وصفاته ونعوته وتجلَّياته أيضا كذلك نسبا ذاتية لها وشئونا عينيّة غيبية مستهلكة الأحكام تحت قهر الأحدية .
غير ظاهرة الآثار ولا متميّزة الأعيان بعضها عن البعض في حيطة  جمال الصمدية .
وكينونته  فيها إنّما هي ككينونة النصفية والثلثيّة والربعية والخمسية وغيرها من النسب في الواحد فإنّ الواحد هو النصف والثلث والربع والخمس كما مرّ مرارا.
فهو من حيث صلاحيته لاتّصاف هذه النسب إليه يصحّ إطلاق أسمائها عليه ككون المسمّى بالأسماء المحصاة تمام المائة .
والواحد في ذاته ومن حيث إنّ واحديّته غير زائدة عليه مع قطع النظر عن الاثنين والثلاثة والأربعة والخمسة لا نصف ولا ثلث ولا ربع ولا خمس .
فكذلك الحقّ من حيث ذاته الأحدية لا ظهور فيه لنسبة من هذه النسب لكنّه إن شاء أن يظهرها من حيث كماله الأسمائي ، أظهرها في مظاهرها ومجاليها ، ونظر إليها في منصّاتها ومرائيها فإنّ ثبوت الكمال الذاتي للحقّ من وجهين :
أحدهما : كماله من حيث الذات كما مرّ وهو عبارة عن ثبوت وجودها منها لا من غيرها ، فهي عينه في وجودها وبقائها ودوامها عن سواها ، فمهما تعلَّقت هذه النسب أو أضيفت أو شوهدت في الذات من حيث الكمال الذاتي ، فإنّها تشهد وتعلم أحدية لكون الحقائق المعقولة في كل مرتبة بحسبها .
والكمال الثاني : هو كمال نفسي للحق تفصيلي من حيث الأسماء الحسنى وصورها ، فهو كمال صورة الحق ، وذلك يكون بظهور آثار النسب المرتبيّة والحقائق الأسمائية ، وتعود أحكامها في عوالمها ومظاهرها .
وهذا الكمال الثاني ثابت للحق من حيث مرتبته الذاتية التي يقتضيها لذات الألوهية ، وهي نسبة كلَّية جامعة لجميع النسب الأسمائية .
فشاء الحقّ من حيث أسمائه الحسنى وتجلَّياته العليا تعيّناته القصوى ، فتجلَّت تجلَّيا جمعيا ، وانبعثت انبعاثا حسبيّا إلى المظهر الكلَّي والكون الجامع الأصلي الحاصر للأمر الإلهي فامتدّت رقائق النسب إلى متعلَّقاتها واشرأبّت حقائق الوجود إلى متعلَّقاتها ، فطلبت الربوبية المربوب ، والإلهية المألوه المحبوب .
فقامت بظاهرياتها مظاهر لباطنها ، وبشهادتها مجالي لغيبها ، فهي الظاهرة بمظاهر هي عينها ، والناظرة من مناظر هي عينها ، وفيها أينها ، فظهرت الحقائق الوجوبية والنسب التي اقتضتها  الربوبية في متعلَّقاتها ومظاهرها ومجاليها.
وزهرت أنوار التجلَّيات في مراتبها ومرائيها ، فرأت أنفسها متمايزة الأعيان والآثار ، متغايرة الظلم والأنوار ، وتعيّنت أحكامها ولوازمها ممتازة ، وتبيّنت عوارضها ولواحقها إلى أحيازها منحازة .
فأعيان الموجودات العلوية وأشخاص المخلوقات السفلية مظاهر النسب الوجوبية ومجالي تعيّنات أسماء الربوبية ، فيرى الحقّ فيها حقائق الأسماء وأعيان الاعتلاء مستوية على عروشها ، ومحتوية على جنودها وجيوشها ، فما منّا إلَّا له من الحق مقام معلوم ، ومن الوجود رزق مقسوم ، فانظر الفرق بين الرؤيتين والشهودين ، والتفاصيل بين الكمالين والوجودين .
ثمّ اعلم : أنّ المناظر والمجالي والمظاهر والمرائي التي يرى الحقّ فيها نفسه إنّ لم تكن لها حيثيّة خصيصة واستعداد معيّن تمتاز بها عن الظاهر فيها ، كان الظاهر الحقّ فيها غير متغيّر عن عينه .
وإن لم تكن كذلك ، ظهرت الصورة بحسب المحلّ كظهور الحق في مرتبة من المراتب جزئية كانت أو كلَّية إنّما يكون بحسب المحلّ .
ولا يكون ذلك المظهر بحسب الحق فإنّ ظهور الحق مثلا في العالم الروحاني ليس كظهوره في العالم الطبيعي .
فإنّه في الأوّل بسيط ، نوري ، فعلي ، نزيه ، شريف ، وحداني .
وفي الثاني ظهوره على خلاف ذلك من التركيب ، والظلمة ، والانفعال ، والخسّة ، والكثرة ، والكدر.
ومن المظاهر ما ليس له حسب معيّن وحسبيّة يوجب انصباغ الظاهر فيه بصبغه ، ولا يكسب الحقّ المتجلَّي فيه أثرا من خصوص وصفه وصفة عينه بحيث يخرجه عن طهارته الأصلية ومقتضى حقيقته الكلَّية كالمظاهر الإنسانية الكمالية الكلَّية البرزخية ليست لها حسبيّة تخرج الحقّ عن مقتضى حقيقته لما بيّنّا أنّ البرازخ ما لها حقيقة تمتاز بها عن الطرفين.
وهذا هو سرّ الإمامة ولا يصل كلّ واحد من الطرفين إلَّا ما تقتضيه حقيقته ، بخلاف المظاهر البرزخية فإنّها تقبل ما يصلح للجمعية .
وكلّ موجود من العوالم الأمرية الروحانية والأعيان الجسمانية الملكية مظهر ومرآة لاسم مخصوص وصفة جزئية أو كلَّية من الأسماء والصفات الإلهية والحقائق الذاتية الكلَّية .
وإن كان لسائر الأسماء في ذلك مدخل بحكم التتبّع كالطالع من الفلك يقتضي لصاحبه خصوص حكم مع شركة سائر البروج .
وليس شيء منها علوا وسفلا مظهرا تامّا كاملا للذات المطلقة الكاملة الجزء الجزئية في حقيقته ، وإلَّا لانقلبت الحقائق وخرجت عن ذاتياتها ، فصار المطلق مقيّدا وبالعكس ، فظهور الحق بالوجود فيها لا يكون إلَّا بقدر قابليته واستعداده .
وهو سبحانه وتعالى يقتضي لذاته أن يظهر بالكلّ ويظهر به الكلّ ظهورا أحديا جميعا ، وظهوره في الكلّ بحسب الكلّ ، فلا يظهر الحق لنفسه بدون مظهر منها بما يقتضيه المظهر ، بل بالمظهر .
فهذا معنى قوله : " فإنّه يظهر لنفسه في صورة يعطيها المحلّ ممّا لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحلّ " .
كما أنّ الناظر في المرآة المتشكَّلة بشكل خاصّ من الطول والتدوير وغيرهما لا تظهر صورته بذلك إلَّا بحسب المحلّ لا بحسب الذات خارج المرآة .
فافهم من هذا المثال ظهور الحق في كلّ شيء بحسبه " وَلِلَّه ِ الْمَثَلُ الأَعْلى " وهاهنا أسرار " وَالله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ "  .
قال رضي الله عنه : ( وقد كان الحقّ سبحانه أوجد العالم  وجود شبح مسوّى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوّة ) .
يعني رضي الله عنه : أنّ المراد المطلوب والعلَّة الغائيّة المقصودة من إيجاد العالم ظهور الحق وإظهاره نفسه لنفسه ظهورا وإظهارا فعليا تفصيليا كما اقتضت ذاته المطلقة تكميلا لمرتبتي الجمع والفرقان ، والغيب والشهادة ، والإخفاء والإعلان ، فكمال الجلاء والاستجلاء وإحاطة الشهود بالغيب والشهادة هو السرّ المطلوب والعلَّة الغائيّة من العالم .
فإذا لم يحصل كمال الظهور والإظهار على النحو المطلوب ، لم يكن له سرّ وروح ، والعالم كلَّه أعلاه وأسفله ، وأمره وخلقه ، ظلمانيته ونورانيته كما قلنا مظاهر الأسماء الإلهية ، فما من موجود منها إلَّا والغالب على وجوده حكم بعض الأسماء على سائرها .
فذلك البعض سنده وإليه مستنده ، والحق من حيث ذلك الاسم ربّه ومعبوده ، ومن حضرته فاض عليه وجوده وهو عند التجلَّي مشهوده .
فظهور الحق وإن وجد قبل الكون الجامع والمظهر الكامل والمجلى الشامل نحوا من الظهور تفصيليا فرقانيا ، ولكنّ المطلوب بالقصد الأوّل هو كمال الجلاء والاستجلاء ، فحيث لم يوجد كمال الظهور في المظهر الأكمل ، لم يحصل المراد المطلوب من إيجاد العالم لعدم قابلية العالم بدون الإنسان لذلك ، وقصوره عن كمال مظهريته تعالى ذاتا وصورة جمعا وتفصيلا ، ظاهرا وباطنا ، فكان كمرآة غير مجلوّة ، أي غير قابلة لروح التجلَّي المطلوب والمراد المقصود المرغوب ، فكان العالم بمنزلة شبح مسوّى لا روح فيه لأنّ الروح إنّما يتعيّن في المحلّ بعد التسوية .
كما قال تعالى مقدّما للتسوية على النفخ في قوله : " فَإِذا سَوَّيْتُه ُ وَنَفَخْتُ فِيه ِ من رُوحِي ".
فالتسوية عبارة عن حصول القابلية في المحلّ للنفخ الإلهي ، وهو عبارة عن التوجّه النفسي الرحماني بالفيض الوجودي والنور الجودي.
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
قوله ( فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤية نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة ) تعليل للمشيئة المذكورة يتضمن الجواب عن اعتراض مقدر .
وهو أن الله تعالى أزلى الذات والصفات ، وهو بصير في الأزل بذاته وغيره : كما قال أمير المؤمنين على رضى الله عنه :
بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، فلا يحتاج في رؤية عينه إلى مظهر كوجود العالم يرى عينه فيه ، فأجاب أن بين الرؤيتين فرقا بينا وليست الرؤية الأولى مثل الثانية وبين الفرق
بقوله ( فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له )
وهي تعليل لنفى المماثلة بين الرؤيتين والضمير للشأن والجملة خبره أو للحق أي أن الحق يظهر له عينه في صورة المرآة وهي المحل المنظور فيه من وجه لم يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه لنفسه فيه ، فإن الظهور في المحل رؤية عينية منضمة إلى علمية وفي غير المحل رؤية علمية فقط .
كما أن تخيل الإنسان صورة حسنة جميلة في نفسه لا يوجب له من الاهتزاز والبهجة ما توجب مشاهدة لها ورؤيته إياها .
قوله ( وقد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه وكان كمرآة غير مجلوة ) جملة اعتراضية بين الشرط وجوابه والشرط مشيئته لرؤية أعيان الأسماء أو عينه في كون جامع ، والأسماء مقتضية لوجود العالم اقتضاء كل اسم جزءا منه ، فقد كان العالم موجدا باقتضائها له قبل وجود الإنسان الذي هو الكون الجامع .
لأن كل اسم يطلب بانفراده ظهور ما اشتمل عليه وهو الذات مع صفة ما : أي وجودا مخصوصا بصفة ، والاسم الآخر وجودا مخصوصا بصفة أخرى ، فلم يكن لشيء من الأسماء اقتضاء وجود اتحد به جميع الصفات إذ ليس لأحد من الأسماء أحدية الجمع بين الصفات ، فلم يكن للعالم مظهرية أحدية جميع الوجود ولذلك شبهه قبل وجود الإنسان فيه بأمرين شبح مسوى لا روح فيه أو مرآة غير مجلوة ، إذ لم يظهر فيه وجه الله بل وجوه أسمائه ، فوجود شبح نصب على المصدر أي أوجده وجودا مثل وجود شبح مسوى لا روح فيه
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
ويؤيد هذا المعنى قوله: (فإن رؤية الشئ نفسه بنفسه، ما هي مثل رؤيته نفسه في أمرآخر يكون له كالمرآة، فإنه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له هذا).
تعليل للمشية وإيماء إلى سؤالمقدر، وهو أن الله بصير قبل أن يوجد العالم الإنساني، فكيف شاء ذلك؟ فأجاببأنه ليس رؤية الشئ نفسه بنفسه في نفسه، كرؤية نفسه في شئ آخر يكون لهذلك الشئ مثل المرآة. وذلك لأن المرآة لها خصوصية في ظهور عين ذلكالشئ، وتلك الخصوصية لا يحصل بدون تلك المرآة، ولا بدون تجلى ذلك الشئ لها، كاهتزاز النفس والتذاذها عند مشاهدة الإنسان صورته الجميلة في المرآة الذي هو غير حاصل له عند تصوره لها.
وكظهور الصورة المستطيلة في المرآة المستديرة مستديرة، والصورة المستديرة في المرآة المستطيلة مستطيلة، وكظهورالصورة الواحدة في المرايا المتعددة متعددة، وأمثال ذلك.
لا يقال، حينئذ يلزم أن يكون الحق مستكملا بغيره، لأن هذا الشئ الذي هو له كالمرآة من جملة لوازم ذاته ومظاهرها التي ليست غيره مطلقا، بل من وجه عينه ومن آخر غيره، كما مر في الفصل الثالث من أن الأعيان الثابتة أيضا عين الحق ومظاهره العلمية.
فلا يكون مستكملا بالغير وإلى هذا المعنى أشاربقوله: (يكون له كالمرآة) ولم يقل: في المرآة. لأن المرآة غير الناظر فيها من حيث تعيناتهما المانعان عن أن يكون كل واحد منهما عين الآخر. وليس هنا كذلك، لأن التعين الذاتي أصل جميع التعينات التي في المظاهر فلا ينافيها  
وقوله: (في أمر آخر) أي، بحسب الصورة لا بالحقيقة.
وقوله: (فإنه يظهر) تعليل عدمالمماثلة. والضمير للشأن تفسره الجملةالتي بعده.
و (من) في (مما) للبيان. أي، تظهر له نفسه في صورة من الصور التي لم تكن تظهر للرائي بلا وجود هذا المحل ولا بقابلة له.
ولما كان الرائي ههنا هوالحق، عبر عن التقابل بالتجلي. فضمير (تجليه) للحق، وضمير (له) للمحل. وقرأ بعضهم: (ولا تجلية) بالتاء على وزن تفعلة. أي، منغير وجود هذا المحل ومن غير تجليته للمحل من الجلاء.
قوله: (وقد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان) . أي العالم "كمرآة غير مجلوة."

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
ثم أشار إلى تعليل ذلك بقوله: (فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه، في أمر آخر يكون له كالمرآة؛ فإنه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه، مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل، ولا تجليه له)
أي: إنما شاء الحق من حيث أسمائه الحسنى، أن يرى أعيانها أو عينه في الأكوان الجزئية، أو في كون جامع؛ لأنه تعالى، وإن كان يرى ذاته وأسمائه وصفاته في الأزل .
فتلك الرؤية، وإن كانت كما له يستغني بها عن رؤية أخرى، فليست مثل رؤيته ذاته وأسمائه وصفاته في الأكوان الجزئية متفرقة، أو في الكون الجامع مجتمعة، فإن الرؤية فيها تختلف باختلاف المظاهر، كما تختلف صورة أحدنا في المرآة استقامة، واعوجاجا، واستدارة، واستطالة.
وهي كمال آخر الظهورها مستغن عنه بالنظر إلى الذات والأسماء والصفات من حيث تعلقها بالذات؛ فهي غیر مستكملة بها في أنفسها بل في ظهوراتها، ومن شأن الكامل التكميل.
على أنه يجوز أن يقال: إنها كمال الأسماء من حيث تعلقها بالأكوان، وظهور صورها وآثارها، وهي وإن كانت كاملة أزلية؛ ففيها جهة إمكان من حيث إنها غير قائمة بأنفسها بل بالذات، وهي باعتبار ذلك تطلب الكمالات الإمكانية؛ فافهم، فإنه مزلة للقدم.
ثم أشار الى سبب ظهوره في الكون الجامع كآدم بعد ظهوره في العالم.
فقال: (وقد كان الحق) قبل خلق آدم (أوجد العالم كله وجود شبح مستو، لا روح فيه) "لفقد عين الإنسان الذي هو إنسان العين، والذي لم يكن شيئا مذكورا".
أما كونه كالشبح المستوى فباعتبار انتظام بعض أجزائه ببعض.
وإفاضة الأرواح الغير الإنسانية على الأجسام مثل انتظام أمر المركبات العنصرية مستوية المزاج، وإفاضة الأرواح المناسبة لها، وأما كونه لا روح فيه مع ذلك فباعتبار عدم ما هو المقصود بالذات من خلقه، وهو الكون الجامع لظهورات الأسماء والصفات على نهج الاجتماع كما كان في الذات.
وإنما أوجد الحق العالم قبل كذلك؛ لأن الجمعية تفتقر إلى الأجزاء، فأوجد أجزاء العالم؛ ليكون كالأجزاء لتلك الجمعية.
ويكون العالم كالبدن الجامع للأجزاء، وتكون الجمعية بمنزلة الروح للبدن، إذ هذه الجمعية هي المقصودة؛ لأن المعرفة التامة المقصودة من خلق العالم لا تحصل بدونها، إذ لا يعرف أحد ما ليس فيه.
(فكان) العالم قبل آدم کمرآة غير مجلوة، أما كونه كالمرآة فلشموله على صور الأسماء بحيث تصح إفاضة روح الجمعية عليها شمول المرأة على الأجزاء القابلة لفيضان صور الأشياء عليها، وأما كونه
(کمرآة غير مجلوة )؛ فلأنه وإن ظهر في بعض أجزائه الأرواح المناسبة لها لم تظهر فيه الروح المقصود بالذات الذي هو صورة الجمعية الإلهية.
"قال رضي الله عنه : غير مجلوة أراد بعدم جلائها احتجابها بذاتها، فلا ترى نفسها إلا بعينها لا بعين الرب ، فأوجد آدم على صورة الكون: أي جميع الكائنات غيبا باطنا وظاهرا شهادة؛ ليقابل بغيبه الغيب، وبشهادته الشهادة ليتجلى له بجميع الأسماء، وينظر للكون ببصر وبصيرة الله فافهم."
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
ثمّ إنّك قد عرفت أنّ للكتاب المبصر اختصاصا بطرف الولاية ، كما أنّ للكلام المسموع بطرف النبوّة ، فلذلك عند الإفصاح بغاية المشيّئة صرح بالأوّل وأبهم في الثاني وفاء بما هو مقتضى منصبه ، ومن هاهنا تراه قد ظهر له هذا الفيض المذكور من الخاتم في مبشّرته مرئيّا بصورة الكتاب في يده ، وما ظهر مسموعا بصورة الكلام في فمه .
وها هنا تلويح لا بدّ من التنبيه عليه : وذلك أنّه كأنّك قد نبّهت أنّ الوحدة الحقيقيّة من حيث هي هي إنّما تظهر في الكثرة بحسب غلبة أحكامها ، وبيّن أنّ نهاية أمر الكثرة وغاية سلطان التفرقة في الاثنين ما لم يحصل لهما ثالث يجمعهما بالنسبة الامتزاجيّة التي بينهما ،وما سوى الاثنتين من المراتب لا يخلو عن تلك النسبة أصلا .
ثمّ إنّه من تفطَّن لهذا الأصل لا يخفى عليه وجه اشتمال عباراته هاهنا على الوجهين المتقابلين ، وكذلك انطواء الآية الكريمة المفصحة عن التوحيد حقّه على المتقابلين مرّة بعد أخرى . 
وما من آية دالة ولا كلمة كاشفة عن التوحيد إلَّا وفيها وجه من وجوه الكثرة ، وكلَّما كان ذلك الوجه فيها أكمل وأتمّ ، كان دلالتها عليه أظهر ، فلا تغفل عن وجه ما نحن فيه من احتمال كلامه للوجهين.
     
ثمّ أنّ ظهور السرّ وإن كان بالأخرة للحقّ ، لكن أوّل ما يظهر إنّما هو للعبد الكائن بحسب تقرّبه إليه بقرب النوافل والفرائض ، ولا يبعد أن يكون استعمال الظهور هاهنا ب « إلى » إيماء إليه .
نكتة حكميّة : الكون الجامع حاصر للأمر إذ قد تبيّن أنّ من الخواصّ اللازمة البيّنة للهويّة المطلقة جمعيّة الأضداد .
وتعانق الأطراف حسبما عرفت فالذي يصلح لأن يظهر به عينها لا بدّ وأن يكون له صورة من تلك الجمعيّة، أشار إلى ذلك بأن الكون الجامع حاصر للأمر الذي لا يبلغه الإحصاء، فهو الجامع بين الإحصاء وعدمه، وهذا من صور سرّه الذي يظهر به .
ثمّ إذ قد احتاج أمر ظهور السرّ المذكور بالكون الجامع لما فيه من الإجمال لفظا والخفاء معنى إلى زيادة من البيان والتوضيح، صوّره في صورة التمثيل ببيان يندفع به ما يمكن أن يورد ها هنا  وهو : 
«إنّ الحقّ في التجلَّي الأوّل شاهد لعينه وجميع أسمائه ومراتبه بنفسه ، فلا يحتاج في رؤيته ذلك إلى الغير ، وبعد تسليم ذلك ، فإنّ في القلم الأعلى والعقل الأوّل من الجمعيّة والإظهار ما يغنيه عن الكون الجامع» ؟

بقوله : (فإنّ رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة) وتلخيص ذلك أنّ الرؤية التي هي غاية المشيّة والأمر الإيجادي إنّما هي الرؤية الخاصّة التي عند تعاكس صورة الرائي من القابل المقابل النازل منزلة المرآة له (فإنّه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه ،مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ، ولا تجلية له) ، وذلك أنّ للمرآة خصوصيّات زائدة على صورة الرائي من حيث هي هي ، مختفية عنه بدونها ، فهي سرّه الذي يظهر بها ، وذلك مما لم يمكن أن يظهر له بدون وجود محلّ هو بمنزلة المادّة لهذا الأمر ، وتجلَّيه له هو بمنزلة الصورة .
فالأوّل هو العالم كلَّه ، والثاني هو آدم نفسه ، فاندفع حينئذ ما ذكر .
أمّا الأوّل فظاهر ، لعدم المغايرة هناك .
وأمّا الثاني فلأنّ القلم لكونه صورة العلم الإجمالي - المكنى عنه بـ «نون» يجب مطابقته للعلم التابع للمعلوم ، فالصورة التي فيه ليست ممّا لم يكن بدونه يعطيها ، فإنّ سلطنة الإعطاء مختصّة بأصل القابل وصميم هيولاه ، فلا يكون له منزلة المرآة ذات الخصوصيّات والأسرار - على ما ستطَّلع عليها .
أمّا الأوّل : فهو أنّ الوحدة الحقيقيّة على ما عرفت غير مرّة آبية عن ثنويّة التقابل ، فكلَّما كانت جهات الكثرة في مظهرها أشمل ، كان ظهورها فيه أتمّ ، ووجهها فيه أجمع .
وأمّا الثاني فهو أنّ صورة الجمع بين طرفي الإجمال من النون وتفصيله ، هي النقطة ، كما أنّ القلم هو الألف ، وهذا يناسب ثاني الاحتمالين . 
فقوله : « ولا تجلية له » تفعلة على هذا التقدير ، ويمكن أن يقرء : « تجليه » بالإضافة إلى فاعله ، والأول أوفق لسياق الكلام على ما لا يخفى .
وقوله ( وقد كان الحقّ أوجد العالم كلَّه ) جملة حاليّة ، لا اعتراضيّة فإنها مبيّنة لأمر الكون المذكور بأنّه موجود بمادّته ، فلا بدّ مما يجعله بالفعل ، وهي الصورة ، وهو أوّل الأمرين الموقوف عليهما ظهور السرّ .
والتعبير عنه بالماضي إشارة إلى ما للمادّة من التقدّم الذاتي ، وأنّ الفاعل عند تحصيل هذه الغاية الكماليّة وإظهارها مشغول عن جعل المادّة وإيجادها إلى تصويرها بالفعل ، فلذلك ما نسب الإيجاد بإطلاقه إلى العالم بل خصّصه و من ها هنا اختصّ مباشرة اليد بآدم في قوله : "خمّرت طينة آدم بيدي" .
ثمّ إنّه كما أنّ لآدم كمالا بحسب الإظهار وله منزلة التجلية للمرآة ، له الكمال بحسب الظهور أيضا ، وله منزلة الروح في الشبح . 
فقوله : ( وجود شبح مسوّى لا روح فيه ) إشارة إلى الثاني "آدم".

وقوله : ( فكان كمرآة غير مجلوّة ) إلى الأوّل "العالم كله" تطبيقا لصورة مسألته بالمثال مادّة وصورة .
ثمّ لمّا بيّن وجود المادّة وتقدّمها الذاتي موميا إلى أنّها من حيث هو قابل فارغ عنه الفاعل ، غير محتاج هو إليه كما ستطلع على تحقيقه أشار إلى بيان نسبة الإيجاد من الفاعل ، والقبول من القابل بحيث ينطبق على ما ذهب إليه من التوحيد الذاتي ، ويوافق ما أشار إليه في صدر الفصّ من تسوية العبارتين في مادة الشبح المسوّى ، الغالب عليها قهرمان الكثرة .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
قوله : "فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرأة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له "
أعلم أن رؤية الحق سبحانه أعيان الأسماء في الكون الجامع ينبغي أن يكون غير العلم بها.
فإن العلم بها ثابت أزلاً وأبداً لا احتياج فيه إلى مظهر ولا سبق مشيئة،
فالمراد بها : إما العلم بعد الوجود فيكون التغير في المعلوم لا في العلم ، فالعلم بالشيء قبل وجوده علم وبعد وجوده رؤية وشهود، وليس فيه مزيد فائدة.
وأما الإبصار إما نظراً إلى مقام الجمع على أن يثبت البصر للحق سبحانه مغايراً لنسبة العلم سواء كانت صفة وجودية أو نسبة اعتبارية.
فالشيء قبل وجوده معلوم وبعد وجوده مرئي مبصر،فإن الشيء ما لم يوجد لم يبصر.
وإما نظراً إلى مقام الفرق فتكون الأشياء مرئية للحق سبحانه باعتبار ظهوره فی المظاهر فیکون مرائیاً فی المظاهر، کما آنه مرئی فیها .
فان قلت : آعيان الأسماء أمور معقولة فكيف تتعقل الرؤية لها.
قلت ذلك إنما هو باعتبار اتحاد المظاهر بالمظهر .
فإن قلت: بعض المظاهر أيضاً غير مدركة بالبصر كالمجردات.
قلت : إذا كان البصر مستنداً إلى مقام الجمع فيمكن أن لا يكون مشروطاً بأن يكون المبصر مادياً.
وإذا كان مستنداً إلى مقام الفرق فيمكن أن يكون المراد به قوة العلم والحضور سواء كان بالبصر أو البصيرة .
فإن قلت : أعيان بعض الأسماء وآثارها إنما تدرك بسائر القوى کالسمع واللمس  والذوق والشام والقوى الباطنة ، فما وجه التخصيص بالرزية .
قلت : المراد بالرؤية : إما الإحساس مطلقاً بل الإدراك بعد الوجود أو ترك ما عداها، لأنه يعرف بالمقايسة.
ولما كان القائل أن يقول : إن الحق سبحانه كان يعلم الأسماء وأعيانها ويراها ويشاهدها أزلاً في مجلى التعيين الأوّل والثاني من غير وجود الكون الجامع في الخارج ، فأي حاجة إلى وجوده علل المشيشة.
دفعاً لذلك بقوله: (فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه) من غير توسط ظهوره في المظهر (ما هي) أي تلك الرؤية (مثل رؤية نفسه في أمر آخر يكون) هذا الأمر.
أي كذلك الشيء (كالمرآة) لانطباع صورته فيه (فإنه)، أي ذلك الشیء حین یظهر فی المظهر (تظهر له نفسه فی صورة یعطیها المحل المنظور فیه) بحسب قابليته لتجليه(مما لم يكن)، أي من صورة لم تكن (يظهر) هذه الصورة (له)، أي لذلك "من غير وجود هذا المحل و لا تجليه له."
"و قد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة."
الشيء بنفسه (من غير وجود هذا المحل) المنظور فيه (ولا تجليه)، أي تجلي ذلك الشيء (له) أي لهذا المحلي .
ولما كان الرائي ههنا هو الحق سبحانه عبر عن التقابل بالتجلي .
وقرأ بعضهم : ولا تجلية بالتاء على وزن تفعلة، أي ومن غير تجلية للمحل من الجلاء.
ثم إنه كذلك القائل أن يعود ويقول : كما كان الحق سبحانه يعلم نفسه بدون الكون الجامع كذلك كان تعليمها ما يلحقها عند ظهورها فيه، فأي حاجة إلى وجوده فعلة المشيئة في الحفيقة هي الرؤية المغايرة للعلم على أي وجه كانت لا غير.
لا يقال : يلزم من ذلك استکماله سبحانه بغیره.
لانه یقال : هذا الشيء له کالمرآة من مظاهره التي لیست غیره مطلقاً بل من وجه لا يخفى ما فى هذا الجواب ، فإن مرآئية هذا الشىء إنما هى من جهة المغایرة ، فیلزم الاستکمال به من حیث إنه غیر و يعسر لا المحذور . فالحق في الجواب أن يقال : إن للحق سبحانه كمالين : ذاتياً وإسمياً.
وامتناع استكماله بالغير إنما هو في الکمال ألذاتي لا الأسمائي.
فإن ظهور أيام لأسماء تمتنع بدون ان مظاهر الکونیة، ولما بین رضي اللّه عنه تعلق المشینة بوجود الکون الجامع أردفه بذکر وجود شرائط وجوده بل موجباته بجملة حالية.
فقال : (وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم کله)، أی أفاض علی أعيانه الثابتة وجوداً يماثل (وجود شبح مسوّى) معدل (لا روح فيه)، فإن كلاً من الموجودين  يستتبع وجود أمر آخر فوجوب العالم يستتبع الکون العالم .
ووجود الشبح المسوي يستتبع وجود الروح و نفخه فيه (فکان) ، أي العالم  بلا وجود الکون الجامع الذي هو بمنزلة الروح له (کمرآة غیر مجلوة)،  لأن الروح للشبح المسوى بمنزلة الجلاء للمرأة إذ بهماً كمالهما.  ثم أنه رضي الله عنه بين حال الممثل به ليعلم حال الممثل له .
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 16:00 عدل 9 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأحد 26 أغسطس 2018 - 22:57 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الرابعة السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الرابعة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال.
وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس.)
(ومن شأن)، أي عادة (الحكم الإلهي) الجاري في الخلق (أنه) أي الحكم الإلهي (ما سوی محلا) أي جسدة (إلا ولا بد أن يقبل روحا)، أي إمداد (إلهية)، له على طريق التدبير المستقل (عبر) في الشرع (عنه بالنفخ فيه).
قال تعالى: " ونفخت فيه من روحي" 29 سورة الحجر.
فالروح عامة في الحيوان والنفخ خاص في الإنسان (وما هو)، أي النفخ فيه
(إلا حصول الاستعداد) التام وهو التهيؤ (من تلك الصورة المسواة)، قبل ذلك. (لقبول فيض التجلي)، أي الظهور من الحق تعالى (الدائم) الأبدي في الدنيا والآخرة .
فهو تعالى المتجلي والمتجلى له من حيث إنه معطي الفيض وواضع الاستعداد، والفيض والاستعداد ظهوران له تعالى لا ينقضيان وتجليان لحضرته العلية أبديان.
(الذي) نعت للفيض (لم يزل) من الأزل حيث لم يكن شيء من العوالم غیر القوابل المتجلي هو لها من اسمه الباطن
(ولا يزال) في الأبد أيضا كل شيء ظاهر بما استعد له من اسمه الباطن. والتجلي هو السائق للعالم من الأزل إلى الأبد، وهو وصف فعلي من حيث القوابل، انفعالي من حيث الفيض الدائم.
(وما بقي) مما يسمى روح إلهية (إلا قابل)، أي مستعد للفيض الدائم من التجلي والقابل هو ذلك الجسد المسوي.
فالروح الإلهي هو ذلك الجسد المسوی من حيث إنه قابل لا مطلقا .
والحاصل أن الفرق بين الجسد المسوی والروح الإلهي بوضع القبول لذلك الفيض والاستعداد له. وهو أمر واحد ظهر في عالم الخلق بصورة جسد مسوي.
فإن انجلت الصورة وقويت من حيث تصويرها واستعدت لقبول الكمال الفياض من حضرة الجود الإلهي.
فذلك هو الروح الإلهي المنفوخ في ذلك الجسد المسوي وإن انجلت بعض الإنجلاء بحيث استعدت لإدراك المحسوسات فقط بقوة عرضية سارية في أجزاء الهيكل الجسماني. فهي الروح الحيوانية التي إذا فارقته مات.
ومن التنبيه على ذلك نزول جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي ومجيئه المريم عليها السلام في صورة بشر سوي.
فإن ذلك الجسد البشري هو بعينه حقيقة جبريل عليه السلام وجبريل ما تغير عن حقيقته.
غير أن الله تعالى أعطى حقيقته الملكية لخصوصية فيها أنه متى فعل كذا من فعل مخصوص ظهر في صورة كذا، أو فعل كذا أو هكذا الأرواح الجنية في تشكلها.
(والقابل) المذكور (لا يكون) قابلا بوضع القابلية فيه من الأزل (إلا من فيضه) سبحانه وتعالى (الأقدس) المتنزه عن شائبة الحدوث والنقصان.
والحاصل أن الحق تعالى له تجليان أزليان :
تجلي ذاتي أعطى الاستعدادات  لجميع الكائنات، وتجلي صفاتي أعطى تلك الكائنات ما استعدت له .
وإن شئت قلت : تجلي واحد رسم الكائنات ثم نقشها وأثبتها ثم قواها في ذلك الإثبات فالاستعداد أو الرسم أو الإثبات هو الروح الأمري الإلهي وإعطاء كل مستعد استعداده ونقش الرسم وتقوية الإثبات هو الجسد المسوي .
فإن قلت : يلزم من هذا أن يكون الروح الأمري الإلهي سابقا على الجسد المسوي، وقوله تعالى: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" 29 سورة الحجر.
يقتضي سبق الجسد المسوى على نفخ الروح.
قلت : نعم الروح الأمري الإلهي سابق بدليل قوله عليه السلام: «إن الله خلق الأرواح قبل الأجسام بألفي عام».
وكذلك النفخ متوجه على ذلك الجسد، أي مقبل على تسويته قبل ظهور التسوية ، ولكن ظهور ذلك النفخ فيه بعد تمام تسويته.
فالروح الأمري هو الأول المتقدم على الجسد وهو الآخر عنه.
والجسد هو الأول في التوجه والإقبال على تسويته، وهو الآخر في ظهوره.
كما أن الروح هو الظاهر من حيث الأعمال والباطن من حيث عدم الإحاطة.
وكذلك الجسد هو الظاهر من حيث الصورة والباطن من حيث إنه توجه روحاني من ذلك الروح الأمري، فهو عين النفخ الإلهي، والنفخ الإلهي باطن فهو باطن من هذا الوجه .
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال.
وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس.)
(ومن شأن الحكم الإلهي). أي وقد كان من اقتضاء حكم الحق (أنه ما سوی محلا إلا ولا بد أن يقبل) ذلك المحل روحا إلهية بسبب تسوية الله تعالى (عبر عنه) أي عن الروح الإلهي (بالنفخ فيه) .
وأما القول بإرجاع ضمير عنه إلى القبول فليس بمناسب إذ القبول صفة المحل القابل والنفخ بمعنى إعطائه القابلية والاستعداد صفة لله تعالى .
لا بمعنى إخراج الهواء من جوف النافخ وإدخاله في جوف المنفوخ فيه فإنه محال في حقه تعالى فلا يعبر أحدهما بالآخر (وما هو) أي ليس ذلك القبول (إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المساواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال) فالعالم المسوی بدون الروح الإلهي بمنزلة المرآة الغير الصقيلة وبالروح الإلهي بمنزلة الصقيلة فكما أن المرأة بسبب جلاله تقبل صورة من يحاذيها وتعطيها لصاحبها .
كذلك العالم بسبب قبول الروح الإلهي يقبل التجلي الدائم الذي هو ظهور عينه إليه في ذلك المحل المكمل.
(وما بقي) شيء من المذكور لم يعلم حاله (إلا قابل) فإنه لما ذكر ولم يبين أنه أثر للحق أم الإلزام بيانه حتي پنكشف حقيقة الحال.
فقال (والقابل) في المادة القابلة للتسوية واستعدادها للروح الإلهي وقبولها لها وغير ذلك من لوازمها الذاتية .
كل ذلك (لا يكون) أي لا يحصل (إلا من فيضه) أي من تجليه (الأقدس ) من الكثرة الإسمائية فهذه كلها غير مجعولة إذ كل ما حصل من التجلي الأقدس غير مجعول كالماهيات و استعداداتها الحاصلة منه .
وأما استعدادها لقبول التجلي الدائم الذي من الفيض المقدس فهو مجعول إذ لا يحمل هذا الاستعداد إلا من قبول الروح الإلهي وهر أي نفخ الروح من الفيض المقدس.
والمراد بالفيض كون الجود الإلهي سببا لحدوث أنوار الوجود في كل ماهية قابلة للوجود بلا انفصال من الله تعالى .
واتصال إلى الماهية القابلة كفيضان الصورة على المرآة فإن صورة الإنسان مثلا سبب لحدوث صورة تماثلها في المرآة المقابلة بمحاذاة الصورة فليس فيهما انفصال واتصال.
وكذلك نور الشمس سبب لحدوث شيء يناسبه في النورية على الحائط لا بمعنى أنه ينفصل شعاع من جرم الشمس ويتصل بالحائط ويبسط عليه وهو خطأ.
وأما فيضان الماء من الإناء على اليد فإنه انفصال جزء من الماء عن الإناء واتصاله على اليد هذا ما ذكره الإمام محمد الغزالي قدس سره .

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال. وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس.)
قوله:  "ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوی محلا إلا ولا بد أن يقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال."
قلت: فإن ذلك الشبح المشار إليه هو القلم الأعلى وأنه استعد أن يظهر فيه روح تخصه، وتلك الروح هنا هي اللوح المحفوظ والحكم الذي يتعين في القابل نفس حصوله في تلك الحالة هو بمدد إلهي هو المسمى بالنفخ.
وقوله: "ما هو إلا حصول الاستعداد" معناه ما الشأن والقصة إلا حصول الاستعداد لقبول التجلي المسمى نفخا وذلك هو تجل دائم لم يزل ولا يزال والضمير الذي في قوله: ما هو إلا، يرجع إلى النفخ.
قوله: "وما بقى إلا قابل والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس".
قلت: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: هذا الاستعداد المشار إليه من أين هو؟
فأجاب لسان الحال: أنه من الفيض الإلهي الأقدس فإذا القابل والمقبول والقبول الجميع منه تعالى رحمة إيجادية.
وأقول في بسط حال هذا الشبح المسوي"الصورة":
إن الحق تعالى من الحضرة الذاتية المقدسة قال بلسان حال ذاتي لنور من أنوار قدسه، وأنوار قدسه نور واحد بسيط لا يوصف بالنهاية فقال له: «کن» أولا لآخر، فحصل له من قوله «کن» تعين فقط لا أكثر من ذلك فيتحقق فيه الأولية.
ولو كان فيه أكثر من حقيقة ذلك التعين لكانت الأولية لأحدهما دون الآخر.
أو يكون كل واحد منهما أولا فيكون القول منه تعالی برز لاثنين لا لواحد، فإذن ما حصل لذلك النور إلا تعينه فقط لكن حقيقته الأولية تستدعي آخرا وإلا لم يتحقق الأولية ولا بد منها ليظهر حكم «کن» فحصل لذلك النور بالتعين المذكور أن يتميز عن بقية الأنوار.
وأن يكون فيه قابلية للظهور بصورة ثاني يكون لأوليته ذلك الثاني آخرا كما قلنا، فتعين ذلك النور تعينا آخر فكان كون آخر غيره فسمي النور في مرتبة التعين الأول قلما أعلى . وسمي هو بعينه في مرتبة التعين الثاني لوحا محفوظا.
لكن التعين الأول الذي هو القلم الأعلى شهد في قول الحق تعالی له: «کن» أولا لآخر، يعني تهيئة لظهور اللوح المحفوظ منك. فقالت ذاته بلسان الحال: سمعا وطاعة.
فإن القول في تلك المراتب ليس إلا بلسان الحال فقول الحق تعالی له: تهيئا هو المعنى الذي عبر عنه. بأنه قال له: أقبل فأقبل وأدبر فأدبر.
فقال له تعالى: "وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أكرم علي منك، فبك آخذ وبك أعطي".
هكذا نقل الناقلون، فذلك التهيؤ منه هو قبول صور العالم وسري معنى ذلك التهيؤ المذكور في اللوح المحفوظ، فكان تھیوه تسوية أخرى، فقبل اللوح بهذه التسوية المختصة به روحا هي مادة الجسم قبل ظهور صورته، فسميت كتابة معنوية من ذلك القلم الأعلى في اللوح المحفوظ ثم ظهرت حروف تلك الكتاب جسمان فكانت هي الكرات وهي أكوان حصلت كلها من معنوية قوله: "کن" وبمعنوية "كن" حصل المدد من القلم الأعلى فيضا مستمرا، كان اللوح المحفوظ يقبله في ذاته، ثم يسترسل من ذاته في ذات المادة المذكورة.
فلما حصل لتلك المادة الجمود الذي به صارت أجراما جسمية اقتضى اليبوسة الحاصله لها من جهة الحقيقة الجسمية أن لا تقبل ذلك المدد في ذواتها كله بل مقدار ما يدوم لها وجودها به فقط.
فبقي باقي المدد يطلب النفوذ في حقيقة الجسم، فمنعه الجسم ذلك لجموده فقهره المدد بقوته فأدار الأفلاك ومخضها مخضا، فاندفع منها كل جزء إلى مشابهة فأخذت كل كرة ما ناسبها وبقي الثقل السخيف.
فاندفع إلى الوسط لما استدارت عليه الأفلاك، فکانت منه الأرض لكن الأرض لما اندفعت إلى حقيقة الوسط استصحب بعض اللطائف وهي كثيفة فاقتضى الحال أن ينفصل منها ما لا يلائمها.
فأول ما انفصل منها ما هو أقرب إلى شبهها في الكثافة وكانت البحار فتميزت البحار عنها، إلا أن الماء وجد في ذاته ما هو ألطف منه، فلم يمكن أن يبقى معه فتصعد بخارا وهو الهواء، إلا أنه فيه بعد بعض كثافة الماء، فتميز ذلك البخار فما كان كثيفا يشبه الماء، دفعته الرياح التي هي في الحقيقة هواء، إلا أنها متدافعة فجمعت ذلك الكثيف الذي يشبه الماء، فانضم بعضه إلى بعض، فازداد كثافة ألحقته بالماء في الكثافة.
فنزل أمطارا فالتحق بكرة الماء، وكان قد انكشف من الأرض بعضها، فأصاب ذلك البعض من الأمطار ما رأيتهم واستمر الحال، فكل ما كثف من الهواء بواسطة ما يصعد إليه انعكس أمطارا.
ثم إن ذلك الهواء رقي منه لطيفه إلى سطح المقعر من باطن السماء الدنياء، واحتد لسخافته ورقته وقرب حركة فلك القمر منه، فسمى نارا لذلك الاحتداد الذي حصل له، فحصل في باطن سماء الدنياء أربعة أفلاك سماها الحكماءنارا وهواء وماء وترابا.
هذا ومدد القلم الأعلى متصل وكلما اتصل، اتصل دوران الأفلاك وكانت في الأفلاك أجرام هي أصفى جوهرا في الجسمية من بقية الأجسام الفلكية، فكانت هي الكواكب، و لصفاء جوهرها صارت لها أشعة فوقعت الأشعة على سطح الأرض وسطح الماء.
فأثرت في الماء فصعد البخار من البحار وأثرت في التراب تسخينه فقط، فسرت حرارة ذلك التسخين في باطن الأرض، فوجدت باطنها قابلا للتكوين المودع في ذلك المدد مما أودعه الله في القلم الأعلى فتكون في باطن الأرض أكوان أربعة:
"الكون الأول": أكثفها الجماد المعدني، فتحركت المعادن بالحركة الايجادية في بطن الأرض ومنعتها الكثافة أن تشق الأرض وتخرج منها إلا النادر.
والكون الثاني: النبات فإنه تكون تحت الأرض ولم يكن فيه كثافة المعدن ولا بلغ من اللطافة ما يفصله عن الأرض، فشق الأرض وخرج إلى الهواء، ولكن بقي رأسه في الأرض، فاغتذي برأسه منها وجسمه كله في الهواء.
والكون الثالث: هو الحيوان فإنه تكون في بطن الأرض وتحرك فيه كما تحرك المعدن والنبات بالحركة الإيجادية وزاد على النبات بأنه شق الأرض كما شقها النبات وخرج منها كما خرج النبات، وحصلت له زيادة وهي الانتقال من مكان إلى مكان فوق سطح الأرض، وتخلص رأسه من الأرض لكن ما بعد رأسه عنها، بل بقي مكبوبا منحنيا، فاغتذي من وجه الأرض وشرب من الماء كما شرب النبات.
والكون الرابع: هو آدم، عليه السلام، فإنه تكون أيضا تحت الأرض وتحرك كما تحركت الأكوان الثلاثة، وزاد عليها أنه تخلص رأسه تخلصا كاملا فانتصب وانتهى إليه الإيجاد.
فأعطاه القلم الأعلى معناه وهو العقل، وحقيقة اللوح المحفوظ وهو النفس، لأنها هي التي تقبل الكتابة وهي العلوم، وحقيقة المادة وصورتها الجسمية وهو جسم آدم، عليه السلام، وحقيقة الأركان الأربعة وهي النار والهواء والماء والتراب.
وذلك هو الصفراء التي في جسمه المشابهة للنار في الحرارة واليبوسة، والدم الذي هو مشابه للهواء في حرارته ورطوبته، والبلغم الذي هو مشابه للماء في برودته ورطوبته، والسوداء التي هي مشابهة للتراب في برودته ويبوسته.
وفيه أيضا ما يشابه المولدات منها وهي الثلاثة:
ففيه العظام كالمعادن - والنبات كالشعر - والحيوان كجسمه المحس.
ففيه صور العالم الكبير مجملة وأما ما فيه من المعاني والأسماء فسوف نذكره إن شاء الله تعالی.
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال. وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس.)
يعني رضي الله عنه : ليست تسوية الحقّ للمحلّ لقبول الروح إلَّا حصول الاستعداد ، فـ " هو " في قوله : « وما هو لسان الحكم الإلهي » .
وفي قوله : " عبّر عنه " يعود الضمير إلى الروح ، لا بمعنى أنّ الروح هو النفخ ، بل بمعنى أنّ الله ذكر تعيّن الروح في المحلّ بعد التسوية بهذه العبارة ، فقال :" وَنَفَخْتُ فِيه ِ من رُوحِي " .
ثمّ اعلم : أنّ تسوية الحق للمحلّ أن يعطيه الاستعداد والقابلية ، أي يظهر استعداده الذاتيّ غير المجعول ، فإنّه إن لم يكن له استعداد ذاتي لقبول هذا الاستعداد المجعول هذه الصورة المذكورة هيولى مستعدّة لقبول صورة بعدها إلى أن تنتهي في الصورة الإنسانية الكمالية .. "ثُمَّ الله يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ " 29 سورة العنكبوت.
وكلّ هذه الصور صور مراتب التسوية والإعداد لقبول تجلّ بعدها .
وكذلك صورة الحنطة هيولى مسوّاة لقبول صورة الدقيق ، وهي هيولى لصورة العجين ، وهي أيضا هيولى مسوّاة لصورة الخبز ، وهي هيولى لصورة الكيلوس أو الكيموس.
وكذلك إلى الصورة الدمويّة ، ثم اللحمية والعظمية وغيرها ممّا يطول ذكرها ، كذلك العالم صورة مسوّاة لقبول تجلّ كلَّي فرقاني تفصيلي أسمائي .
وبعده يستعدّ لقبول تجلّ كلَّي إنساني قرآني إلهي ذاتي ، وأسمائي جمعي بين الجمع والتفصيل أحديّ ، وهذا السرّ سار في جميع الصور ، فتدبّرها تدقيقا وتحقيقا ، إن شاء الله .
ثمّ اعلم : أنّ التسوية والتعديل لا يكونان إلَّا بأحدية فيما به الاشتراك بين الأجزاء الكلَّية ، المتميّز بعضها عن البعض بالذات والخصوصيات .
وتوحّد الجميع لسراية الوجود بالوحدة في حقائق المراتب ، وتوحيد تعديداتها وتمييزاتها بالوجود الواحد الظاهر بها والظاهرة هي به وفيه .
فإذا توحّدت الآحاد والأفراد بالوجود الواحد الموحّد بسرّ أحدية الجمع السارية في حقائق القابل والمقبول ، والحامل والمحمول ، والظاهر والمظهر ، والمتجلَّي والمجلى ، اضمحلَّت أحكام ما به المباينة والامتياز والاثنينيّة .
وتلاشت آثار النسب التعديدية حين استعداد القابل لقبول نفخ الروح الإلهي بالتوجّه النفسي الرحماني ، فلمّا ظهر الحق بأسمائه في العالم بصورة الكثرة الفرقانية التفصيلية ، استعدّ لنفخ روح الأحدية الجمعية الإنسانية ، فما بعد التفصيل إلَّا الجمع ، فافهم .
وقول الشيخ رضي الله عنه : ( لقبول الفيض التجلَّي الدائم ) إن كان"الدائم" مجرورا ، فـ "التجلَّي" بدل عن « الفيض » .
بمعنى أنّ التجلَّي الدائم هو الفيض ، أو عطف بيان ، ويسوغ إسقاط لام التعريف من « الفيض » وإضافته إلى « التجلَّي »
فيقال :لقبول فيض التجلَّي ويجوز أيضا إبقاء اللام في « الفيض » بحالها ونصب الياء من
" التجلَّي " ورفع محلّ " الفيض " المجرور بإضافة « قبول » إليه.
يعني أنّ الفيض الأوّل المعدّ لقبول التجلَّي يكون هو القابل للتجلَّي ثانيا .
والفيض بعد تعيّنه في قابلية الماهية القابلة له بحسبها يستعدّ استعدادا ثانيا وجوديا قابلا للتجلَّي ، فيكون حينئذ قابل الحقّ إنّما هو الحقّ .
والفيض الأوّل الذي وجد به القابل أوّل مرّة يقبل التجلَّي الدائم الذي لم يزل ولا يزال لكون الحق المتجلَّي دائم التجلَّي بالاقتضاء الذاتي ، فإنّه فيّاض النور أبدا الآبدين .
وقوله رضي الله عنه : (وما بقي إلَّا قابل ، والقابل من فيضه الأقدس) بعد ذكر ما ذكر وإن أوهم أهل الوهم أنّه كالتكرار ، ولكن ليس كذلك ، ولكن ما ذكر إنّما ذكر بالضمن .
وهذا عطف على قوله : « وكان الحق أوجد العالم » وما بقي إلَّا قابل .
وما ذكر في البين هو حشو اللوزينج لزيادة البيان .
ولمّا كان الفيض دائما والقبول كذلك أيضا ، وجب لقابل الفيض أن يقبل بعد التلبّس بأحكام ماهية العالم وحقيقته ، والانصباغ بأحكام حقائقه تجلَّيات أخر لا تتناهى دائما أبدا الآبدين فإنّ ما دخل في الوجود ، وصار واجب الوجود بالوجود الحق الدائم ، فإنّه لا ينقلب عدما ، ولكنّ التعيّنات والظهورات والنشآت تنقلب عليه .
فإنّ قيل : قوله تعالى : " كُلُّ من عَلَيْها فانٍ "، وانقراض المشهود من الدنيا دليل صريح على انعدام الموجودات .
قلنا : متعلَّق الانعدام والفناء إنّما هو التعيّن الشخصي لا الوجود  المتعيّن في الحقيقة المعيّنة ، فيفنى تعيّن الوجود في مادّة تعيّن ، ويظهر في أخرى برزخيّ وحشريّ وجناني ، أو جهنّمي أو كينيّ ، هكذا إلى الأبد .
فالقابل والمقبول باقيان دائمان بالحق الدائم الباقي ، فافهم إن شاء الله تعالى فها هنا مزلَّة أقدام الكثيرين من الأوّلين والآخرين ، والله يثبّتنا وإيّاك بالقول الثابت الحق إنّه عصمة المعتصم به وهو حسبنا وكفى ، والحمد لله .
وأمّا كون القابل من فيضه الأقدس فهو ، يعني : أنّ الحقائق والأعيان الثابتة في العلم الإلهي الأزلي قوابل الفيض الوجودي العيني ، وهي شؤون ذاتية وتجلَّيات ذاتيات اختصاصيات ، وتعيّنات علميات ، فإنّ مبدأ تعيّنات التجلَّيات الذاتيات .
هذه التعيّنات العلمية بأعيان العالم ، وحقائقها ومعنوياتها معان مجرّدة ونسب علمية متمايزة بالخصوصيات ، كتمايز النصفيّة والثلثية والربعية والخمسية في علم العالم بالواحد في مراتب العدد فتعيّن بهذا التجلَّي العلمي تميّز كلّ عين عين من الأعيان عن غيرها بموجب الخصوصيات الذاتية.
فتعيّن المعلومات في العلم الأزلي أزلا إنّما هو بالفيض الذاتي الأوّل الأقدس أوّلا ، فحصلت بهذا الفيض الأقدس الأوّل على وجود علمي وثبوت أزلي .
أعني تحقّق العلم بالمعلومات المعيّنة ، فتعيّنت الأعيان الثابتة من عين الأعيان بهذا الفيض الأوّل الأقدس ، كما أشرنا إلى ذلك في الغرّاء التائيّة بقولنا شعر :
وإذ عيّن الأعيان في علم ذاته   ..... على صور علمية أزلية
تعيّن بي معنى المعاني بعينه    ..... وعيني حرف الأحرف المعنوية
ثم تعلَّقت النسبة المخصّصة للإيجاد ، وهي المشيّة والإرادة الكليّة الذاتية ، وهي التعرّف والظهور التّام ثم تعلَّقت النسبة الاقتدارية أيضا بمتعلَّقها وهو المقدور بالتدبير والإعداد للتمكَّن عن قبول ما يفيض عليه النسبة الجودية الوهبيّة الذاتية للإيجاد.
ثم تداخلت كلَّيات النسب في أمّهاتها ، واشتكت وانتسبت الصورة الإلهية بأسمائها .
وتمثّلت الصورة المثلية المثالية فرقانية تفصيلية في مثال العالم ، وقرآنية جمعية كمالية في الصورة التي حذي عليها آدم ، فوجدت العوالم في أعيانها ، وشهدت الحقائق ، وزهرت الأنوار والأزهار والشقائق ، في الدرج والدقائق .
وثبتت الحروف في ألواح الوجود ، وارتسمت بحسب ما تعيّنت في صفحة أمّ الكتاب العلمي الأنفس بالفيض النفسي القدسي ، وارتقمت فكتبت الآيات البيّنات ، وسطرت الكلمات التامّات والسور الكاملات ، وملئت الصحف الزاهرات الطاهرات ، بالألسنة الإلهية الوجودية الظاهرات.
فالفيض الأوّلي في أوّل الانبعاث النفسي الرحماني ، تجلّ ذاتي نفسيّ في حضرتي العلم والشهود الذاتيين للحق ، وكما تعلَّقت النسبة العلمية والنسبة الشهودية بالمعلومات والمشهودات ، علم الحق بعضها قابلا للوجود ، وشهده حريّا بالفيض والإحسان والجود .
فأعطاه التمكَّن من القبول ، والتهيّؤ والاستعداد لقبول الوجود العيني الكمالي ، حتى قبل الوجود في عينه لنفسه ، وفي التجلَّي العلمي الأوّل كان وجوده وتحقّقه للحق في الحق لا في عينه ولا لعينه فالفيض الوجودي الأوّل العيني المقبول هو القابل ثانيا للتجلَّي الوجودي العيني الوارد عليه ، فافهم .
فهذا معنى قوله : " والقابل من فيضه الأقدس " فإنّ الأقدسية مبالغة في القدس وهو النزاهة والطهارة والتجليات الأسمائية الموجبة لوجود العالم كلَّها قدسيّة ، ولكنّ التجلَّي الذاتيّ والفيض الغيبيّ من غيوب الشؤون الذاتية وهو الفيض الأقدس ، فافهم .
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال.
وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس.)
(ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ولا بد أن يقبل روحا إليها عبر عنه بالنفخ فيه)
معناه موقوف على معرفة حكمه وهو أن حكم الله تعالى أمره أي إيجاد الأشياء بقوله كن والله عين الوجود المحض المطلق الذي هو أظهر الأشياء ونور الأنوار فهو يتجلى بذاته لذاته دائما فتسويته للمحل ظهوره في صورة اسم .
وذلك الاسم هو عينه مقيدا بصفة من الصفات القابلية فلا يظهر فيه إلا عينه ، وذلك الظهور قبوله للروح وعينه هو الموصوف بكل صفة إلا أنه لا يظهر في ذلك المحل إلا بصفة واحدة من الصفات الفاعلية ، وذلك هو الخلق باليدين فهو روح إلهى ومعنى النفخ فيه هو الظهور فيه بتلك الصفة
ولذلك قال ( وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال )
أي لقبول الفيض الذي هو التجلي الدائم فهو بمعنى اسم الإشارة كما في قول رؤبة :
فيها خطوط من سواد وبلق   .... كأنه في الجلد توليع البهق
أي كان ذلك بمعنى وما ذلك وهو إشارة إلى ما ذكر من قوله ما سوى محلا إلا ولا بد أن يقبل روحا إلهيا ، أي اقتضاء تسوية المحل لقبول الروح الإلهي ، مثاله الشهب وهي الأبخرة المستعدة للاشتعال في حيز النار إذ ولا بد لها من الاشتعال ، ولما ذكر الاستعداد والفيض لزم وجود المستعد الذي هو القابل .
قوله ( وما بقي إلا قابل ) اعتراض منه على نفسه كأنه قيل إذا كان الاستعداد والفيض منه فما المستعد القابل
فقال ( والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس ) وقد فسر الفيض بالتجلى ، فكأنه قال له تجليان ذاتى وهو ظهوره في صورة الأعيان الثابتة القابلة في الحضرة العلمية الأسمائية وهي الحضرة الواحدية ، فذلك الظهور ينزل عن الحضرة الأحدية إلى الحضرة الواحدية وهو فيضه الأقدس أي تجلى الذات بدون الأسماء الذي لا كثرة فيه أصلا فهو الأقدس أي أقدس من التجلي الشهودى الأسمائى الذي هو بحسب استعداد المحل لأن الثاني موقوف على المظاهر الأسمائية التي هي القوابل بخلاف التجلي الذاتي لأنه لا يتوقف على شيء فيكون أقدس ، فمنه الابتداء بالتجلى الذاتي كما ذكر في المقدمة وإليه الانتهاء بالتجلى الشهودى ( فالأمر ) أي الشأن وهو الإيجاد والتصريف والتكميل.
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال.
وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس.)
"ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ولا بد أن يقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال".
إعتراض وقعبين الشرط والجزاء، على أن قوله: (فاقتضى) جواب (لما)(الواو) للحال.
وقوله: (وجود شبح) صفة مصدر محذوف. أي، أعطى وجودا مثل وجود شبح.
ومعناه: أن الحق تعالى قد كان أوجد الأعيان الثابتة التي للعالم الكبيردون الصغير الإنساني بالوجود العيني مفصلا كالموجود الذي لا روح فيه، والمرآة التي لا جلاء لها.
وكان من شأن الحق وحكمة الإلهي وسنته أنه ما أوجد شيئا وسواه إلا ولا بد أن يكون ذلك الموجود قابلا للروح الإلهي، ليكون به حياته ويترتب عليه كمالاته وتظهر به الربوبية فيه، وذلك القبول هو المعبر ب (النفخ) فيه.
قال تعالى، في آدم، عليه السلام: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحيفقعوا له ساجدين). فنفخه تعالى إعطاؤه القابلية والاستعداد.
وقوله: (وما هو) أي، ليس ذلك (النفخ) إلا حصول الاستعداد من الصورة المسواة، أي، من ذلك الموجود لقبول الفيض المقدس الذي هو التجلي الدائم الحاصل عليه وعلى غيره لم يزل ولا يزال، إذ لو فرض انقطاعه آنا واحدا لعدم الأشياء كلها، سواء كانت موجودة بالوجود العلمي أو العيني.
فـ (التجلي) بدل الكل من (الفيض).
وفي بعض النسخ: (لقبول فيض التجلي) بالإضافة. فمعناه: لقبول الفيض الحاصل من التجلي.
ولا يكون ذلك الفيض نفس التجلي حينئذ بل حاصلا منه، ولا ينبغي أن يتوهم أن هذه الأعيان
كانت موجودة زمانا من الأزمنة والإنسان معدوم فيه مطلقا، وإلا يلزم وجودها مع عدم روحها. وأيضا، الإنسان أبدى بحسب النشأة الأخروية، وكل ما هوأبدى فهو أزلي كعكسه.
بل لا بد أن يعلم أنه من حيث النشأة العنصرية بعد كلموجود بعدية زمانية ، لتوقفها على حصول الاستعداد المزاجي الحاصل من الأركان العنصرية بالفعل والانفعال والتربية.
كما أشار إليه بقوله تعالى: "خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا" وإنه من حيث النشأة العلمية قبل جميع الأعيان لأنها تفاصيل الحقيقة الإنسانية، كما مر بيانه في المقدمات.
ومن حيث النشأة الروحانية الكلية أيضا قبل جميع الأرواح، كما أشار إليه النبي، صلىالله عليه وسلم، بقوله: "أول ما خلق الله نوري".
ومن حيث النشأة الروحانية الجزئية التي في العالم المثالي أيضا من قبيل المبدعات، وإن كان متأخرا عن العقول والنفوس الفلكية تأخرا ذاتيا لا زمانيا، فلا يكون معدوما في الخارج مطلقا ،لذلك قيل في حقه قبل نشأته العنصرية: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء".
وأخرج من الجنة بالمخالفة لأمر الله تعالى. هذا مع أن صاحب الشهود والمحقق العارف بمراتب الوجود، يعلم أنه موجود في جميع المظاهر السماوية والعنصرية، ويشاهده فيها بالصور المناسبة لمواطنها ومراتبها عند التنزل من الحضرة العلمية إلى العينية ومن العينية إلى الشهادة المطلقة قبل ظهوره في هذه الصورة الإنسانية الحادثة الزمانية، شهودا محققا.
ولا يحيط بما أشرنا إليه إلا من أحاط بسر قوله تعالى: "وقد خلقكم أطوارا."
قوله: "وما بقى إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس" تتميم لما ذكره.
لأن القابل الذي يقبل الروح الإلهي هو أيضا يستدعى من يستند وجوده إليه، لأنه بالنظر إلى ذاته معدوم.
ولما كان كذلك، بين أنه أيضا مستند إلىالحق تعالى فائض منه، لذلك قال: “والقابل لا يكون" أي، لا يحصل إلا من " فيضه الأقدس” أي، الأقدس من شوائب الكثرة الأسمائية ونقائص الحقائق
الإمكانية.
وقد علمت فيما مر من المقدمات أن الأعيان التي هي القوابلللتجليات الإلهية كلها فائضة من الله بـ "الفيض الأقدس".
وهو عبارة عن التجلي الحبى الذاتي الموجب لوجود الأشياء واستعداداتها في الحضرة العلمية، ثم العينية كما قال: "كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف...". و "الفيض المقدس" عبارة عن التجليات الأسمائية الموجبة لظهور ما يقتضيه استعدادات تلك الأعيان في الخارج.
فـ "الفيض المقدس" مترتب على "الفيض الأقدس".
وإذا علمت هذا، علمت أن لا منافاة بين هذا القول وبين قوله في "الفص العزيري" وغيره:
"إن علم الله في الأشياء على ما أعطته المعلومات بما هي عليه مننفسها".
وقوله: "فلله الحجة البالغة".
وقوله: "فالمحكوم عليه حاكم على الحاكم أن يحكم عليه بذلك".
وقوله، صلى الله عليه وسلم: "من وجد خيرا، فليحمد الله. ومن وجد دون ذلك، فلا يلومن إلا نفسه."

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال. وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس.)
(ومن شأن الحكم الإلهي) وهو القضاء الأزلي الذي أعطى كل شيء خلقه أي: قدر لكل مستحق حقه (أنه ما سوى محلا) أي: ما سوی مزاج شيء من الفلكيات أو العنصريات(إلا ولا بد أن يقبل روحا إلهيا) أي: فائضا من جنابه بحسب ما يليق بذلك المحل كالقوى المعدنية والنباتية والحيوانية، فكذلك العالم إذا تم تسويته لم يكن له بد من قبول الروح المقصود من خلقه.
وهو الإنسان الكامل (عبر عنه) أي: عن ذلك الحكم الإلهي بإفاضة الروح اللائق بالمحل (بالنفخ) أي: بنفخ الإله الروح (فيه)؛ لأن حصل له من النفس الرحماني الذي تنفس به عن آثار الأسماء التي كانت فيها بالقوة.
فكانت تلك الآثار قبل ظهورها المطلوب للأسماء كالكرب لها فأخرجها عن الباطن إخراج الهواء عنه دفعا لذلك الكرب.
وبهذا أول قوله تعالى: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " [الحجر: 29].
وذلك لتعذر النفخ الحقيقي، وهو إخراج الهواء عن جوف النافخ إلى محل الاشتعال، فالمراد إفاضة الروح الموجب اشتعال المحل بنوره المشابه للنار في التأثير والإشراق.
وما هو إلا لحصول الاستعداد من تلك الصورة المساة لقبول الفيض التكلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال، وما بقي ثمة إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه.
ثم أشار إلى تعليل اقتضاء التسوية لقبول الروح الإلهي بقوله: "وما هو" أي: ليس تسوية المحل بمعنی تساوي تقادير الأجزاء، وطبائعها على ما يوهمه اللفظ.
وإلا كان روح كل مثل روح الأخر من كل وجه للاتفاق على أن اختلاف الأرواح بحسب اختلاف الأمزجة .
بل (ما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض) أي: قبول الروح بطريق فيضان نور الشمس على المحل القابل لنورها، وليس بانفصال شيء منها، وانتقاله إلى المحل بل بحدوث ما يناسب نورها في ذلك المحل.
فكذلك فيض الروح أثر (التجلي الدائم الذي لم يزل، ولا يزال) قبل حدوث هذا المحل؛ فليس التجلي حادثا بحدوث المحل بل ظهور أثر التجلي فيه يتوقف على حصوله، وتسويته توقف فيضان الصور على المرآة على تصقیلها وتسوية أجزائها، وإن كانت تلك الصور موجودة قبل المرآة.
وهذه الروح حاصلة في كل صورة فلكية أو عنصرية، إذ لا تخلو عن القوى المحركة بالطبع، أو الإرادة بل كل شيء يسبح بحمده، ولكن لا يفقه غير أهل الكشف تسبيحه، وكما أن لكل جزء من العالم روحا يدبره، فكذا لمجموعة لا بد من روح يدبرها، وهو المقصود بالذات، وهو الإنسان الكامل.
ثم استشعر سؤالا: وهو أنكم قد خصصتم التجلي بفيضان الروح؛ فمن أين فيضان القابل؟
فإن كان من التجلي؛ فلا بد له من تسوية المحل، ولا يحل قبل القابل، وإن كان من غيره بطلت قاعدة التوحيد.
فقال: (وما بقي) أي: بعد البحث عن فيضان الروح (إلا قابل) أي: بحث فيضان القابل للأرواح المذكورة الأجزاء العالم الكبير أو الإنسان.
ثم أجاب عنه فقال: (والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس)، وهو الفيض الحاصل من التجلي الإلهي بالأسماء لا واسطة القوابل الظاهرة، بخلاف فيضان الأرواح بواسطة هذه القوابل فإنه مقدس، وأما القوابل الباطنة أعني: الأعيان الثابتة فلا تعد وسائط لعدميتها، ولا من الفيض إذ لا معنى له سوى إشراق نور الوجود کفیضان نور الشمس على المحل القابل له، ولو كانت من الفيض لكانت مجعولة وحمل القابل عليها في الكتاب مخل بالنظم على ما لا يخفى.
وإنما كان فيض الروح مقدسا مع براءته عن المواد الجسمانية المظلمة باعتبار تعلقه بالجسم المظلم لا في نفسه، فإنه أقدس من فيض القوابل أيضا فافهم، فإنه مزلة للقدم.
""أي: المنزه عن الجعل والتأثير؛ وذلك لأن المراتب كلها إلهية بالأصالة، وظهرت أحكامها باقتضاء ذاتي، فالأمر قبول ذاتي، وحصول استعدادي، وظهور، وبروز له تعالى لذاته بذاته لا غير. وقبول هذا لازم لفهم سريان النور الأزلي والفيض الألهي الساري في الوجود كله، فافهم.
أن هذه المسألة من أساس معارف الشيخ رضى الله عنه  ولا تغفل عنها، ولا تأخذ عنها بدلا فإنها کشف أوسع الكشوف، وإن اعترضوا علينا بذكر هذه المسألة، فليس بأقل منع جرى على طلل، "وأن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم"، والله المستعان، فافهم"".
وإذا كان فيضان الأرواح والقوابل منه.
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال. وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس.)
وهو أنّ من مقتضى الأمر الإيجادي (ومن شأن الحكم الإلهي أنّه ما سوّى) (محلَّا) أي ما عدّل مزاجا (إلَّا ولا بدّ أن يقبل روحا إلهيّا ، عبّر عنه) في العبارة النبويّة المرسل بها ( بالنفخ فيه ) أي خروج نوعيّته الكماليّة من القوّة إلى الفعل .
وهو المعبّر عنه في لسان البرهان العقلي بالاستعداد المستجمع لتمام شرائط الخروج المذكور ، فهو آخر مراتب القابليّة وأنهى درجات القوّة ، المتّصلة بالفعل اتّصالا اتحاديّا لا مجال للتغاير والتفرقة فيه أصلا على ما ستطلع على بيانه  .
والحاصل أنّ الإيجاد من الفاعل هو الذي عبّر عنه لسان السنّة بالنفخ منه في القابل ( وما هو إلَّا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة لقبول الفيض ) قبولا لا ينفكّ عن التسوية ، ويلزمها لزومه للفيض الذي هو عبارة عن ( التجلي الدائم الذي لم يزل ) فيضان الرحمة والجود منه في أوّل الأزل من الآزال ، ( ولا يزال ) كذلك إلى آخر الأبد من الآباد ، فإنّ الزمان بمعزل عن ترتّب الفيض على القبول ، كما هو المتبادر لأوهام العامّة .
وبيان الفيض بالتجلَّى إشارة إلى الكمالين على طبق ما في المثال المذكور، وكذلك قوله: « لم يزل ولا يزال » فإنّ الأزل صورة مبدئية الكمال الظهوري من الزمان ، كما أنّ الأبد صورة معادية الكمال الإظهاري منه . 
وبيان هذه القضيّة وتحقيق هويّتها التي يتوقّف فيها أكثر الأفهام أنّ النفخ في الظاهر عبارة عن إخراج الهواء البخاريّ من الباطن على كيفيّة معيّنة وصورة مخصوصة مستحصلة من القوى الفاعلة والهيئات المنفعلة .
وبيّن أنّه إذا سئل عن الحد الجامع بين تلك الأجزاء التي من شتات المقولات ب «ما هو» لا يصلح للجواب إلَّا حصول الاستعداد من الصورة المسوّاة لقبول الفيض .
الذي هو خروج الوحدة الوجوديّة من الباطن ، فإنّه لا جامع أتمّ من ذلك ، وهو الدالّ على مبادي كلّ ماله دخل في تلك الهويّة الجمعيّة ، فإنّ الصورة المسوّاة قد جمعت من صنوف الكثرة السينيّة ما تمّ به النسبة الكماليّة الوجهيّة غير عائزة إلى الخارج عنه .
وتحقيق هذا الأصل : أنّ تسوية المحلّ وتعديل المزاج عبارة عن تصحيح أمر النسبة الكماليّة والهيئة الاعتداليّة في الكثير الذي هو المحل بحيث يترتّب عليه الخصائص الفاضلة والأوصاف الوجوديّة .
وذلك هو الوحدة الجمعيّة التي هي مبدأ الآثار الوجوديّة ومصدر الشعور والإشعار ، وهي المعبّر عنها بالروح الإلهي ، وبيّن أنّ تصحيح أمر النسبة في الكثير من حيث هو كثير  إنّما يتوقّف على إبانة تمام النسبة الاعتداليّة الأصليّة .
وتعيين موضوعات كلّ منها بما يليق به ويستحقّه من الكميّات المقداريّة والكيفيّات الامتزاجيّة ، فإذا عدّلت الموضوعات بكمّياتها وظهرت الكيفيّات الامتزاجيّة بكمالها فقد قبلت الروح للخروج من الباطن ، وهو المعبّر عنه بالنفخ فيه .
وتمام تحقيق هذا الكلام وبيان لمّيته يحتاج إلى علوم عزيزة ومقدّمات غريبة عن أكثر الطباع والأذهان ، قد بيّن شيء من أصولها في المفاحص فلنكتف منه ها هنا بتلويح .
وهو أنّه وإن كانت الستة هي الفاتحة لأمر تمام النسبة الاعتداليّة الفاضلة ولكن ما لم يظهر في العشرات المشعرة بتفاصيل الأحكام لم يتحقّق الإبانة المذكورة ، ولم يعلم ما لكلّ من موضوعات تلك النسب بخصوصه ، وفي تعبيره عن المراتب الثلاث بما عبّر أعني : سوّى ، ويقبل ، ونفخ ما يطلعك على هذا التلويح
ثمّ إنّه كما عرفت هذه الدقائق فلا تغفل عن أصل التقريب ومقصوده الأوّل من هذا الكلام وتدبّر في بيانه هذا كيف نظَّم أصول فنون التفرقة أعني الفاعل ، والقابل ، وما بينهما من النسبة والزمان في سلك الجمعيّة والوحدة الذاتيّة التي أشار إليها في مطلع كلامه بتسوية العبارتين .
وذلك لأنّه إذا تقرّر أنّ الإيجاد من الفاعل هو عين تام قابليّة القابل ( فما بقي ) حينئذ في حيّز المغايرة ومطمورة السوي ( إلا قابل ) فقط ، ( والقابل لا يكون ) ولا يحصل على أصولهم المؤسسة ( إلَّا من فيضه الأقدس ) ، أي أقدس عن أن يكون الفيض مغايرا للمفيض ، كما في الفيض المقدّس وما يتنزّل عنه ، وذلك في التعيّن الأوّل على ما اطَّلعت عليه .
لا يقال : إنّما يتصوّر القابل حيث يعتبر الفاعل وفعله ،وهذه الحضرة ليس الفعل منها في شيء؟
لأنّ المراد تحقيق ذات القابل من حيث هي هي ومبدأ ظهورها مطلقا قبل ظهور ثنويّة المتقابلين ، ومن أراد زيادة استبصار وتمام استيضاح لهذا المعنى فعليه بالتدبّر في معاني الإمكان المقول عليها في عرف الميزان . 

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال.  وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس.)
"و من شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا و يقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، و ما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول"
فقال : (ومن شأن الحکم الإلهي) وإجراء سنته (أنه تعالی ما سوی محلاً)، أي مزاجاً يصلح لفيضان الروح عليه.
وإنما قيدنا بذلك ليصح قوله لا بد وأن يقبل روحاً إلهياً، فإن (روحا إلهيا) يتكون عند التسوية ويتعلق بالمسوّى كالأرواح الجزئية لجمهور الناس.
أو يتخلق به عند التسوية بعلم ما کا موجوداً قبلها كالأرواح الکلیهٔ أی يتکمل من أولياء الله تعالی (عبر عنه)، اي عن ذلك القبول (بالنفخ فيه)، أي في المحل المسوّى، وفيه مسامحة.
لأن قبول الروح لازم للنفخ لا عينه، فاللائق به أن يجعل عبارة عن إفاضة الروح ، لا عن قوله لأن النفخ صفة النافخ لا المنفوخ فيه .
وقال الشيخ مؤيد الدین الجندي رحمه الله فى قوله :
و عبر عنه ، یعود الضمیر إلی الروح لا بمعنى أن الروح هو النفخ بل بمعنى أن الله تعالى ذكر تعين الروح في المحل بعد التسوية بهذه العبارة فقال تعالى : " و نفخت فيه من روجى " 29 سورة الحجر.
(وما هو) أي النفخ ( إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة) وفيه أيضاً مسامحة .
فإن حصول قوله : المسوّاة ، وجعله الشیخ الجنید رحمه الله تعالی لسان الحكم الإلهي .
وفيه بعد اللام في قوله : (لقبول الفيض) متعلق بالاستعداد .
"الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل و لا يزال. و ما بقي إلا قابل، و القابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس."
وقوله : (التجلي الدائم الذي لم یزل)، أي من الأزل (ولا يزال) ، أي الی الأبد بدل من الفیضں بدل الکل .  والفیض مفعول للقبول وفاعله الصورة المسوّاة.
ومعنى قبولها الفيض أعني التجلي المذكور، وإن کانت موجودة إن ذلك المتجلی هيولانی الوصف وإنما ی تعبیر ويتقيد بحسب المتجلی له.
فإذا كان المتجلى له عيناً ثابتة غير موجودة يكون هذا التجلى بالنسبة إليه تجلياً وجودياً.
وإن كان وجوداً خارجاً كالصورة المسواة،  يكون التجلي بالنسبة إليها بالصفات وتفيد صفة غير الوجود كصفة الحياة ههنا .
وفي بعضی النسخ فیضں التجلي بدون اللام فالإضافة بيانية والمعنى ما سبق أولاً منه .
والفیض عبارة عما یفید التجلی المذکور للصور المسؤاة من صفة الحياة ، وع کیں الروح المفاض إليها المتعلق بها.
ونصب التجلي الدائم على أن يكون مفعولاً للقبول، والفیض فاعلا له لا تظاهر صحة معناه إلا بتکلف و تعسف.
ولما کان أمر الوجود دائرا بين الفاعل والقابل والفعل والأثر واستناد كل من الفاعل والفعل والأثر إلى الحق سبحانه ظاهر مما سبق.
فلم يبق غير مستند إليه سبحانه إلا القابل أعني الأعيان الثابتة القابلة من الفاعل الحق وتجليه الدائم الذي هو فعله قبض الوجود.
فلذا قال : (وما بقي) غير مستند إلى الحق سبحانه (إلا قابل) وهو الأعيان الثابتة ألقابلة للتجلى الوجودي الدائم (والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس) من شوائب الكثرة . وهو عبارة عن التجلي الحبى الذاتى الموجب لوجود الأشياء واستعداداتها فى الحضرة العلمية.
والفيض المقدس عبارة عن التجلی الوجودي الموجب لظهور مما تقتضیه تلك الاستعدادات في الخارج.
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 15:51 عدل 10 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأحد 26 أغسطس 2018 - 23:34 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الخامسة السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الخامسة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وإليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.)
قال رضي الله عنه : (فالأمر) الذي هو مجموع هذا الوجود (كله)، روحانية وجسمانية وقابله ومقبوله وأوله وآخره وظاهره وباطنه
(منه) تعالى لأنه تفصيل مجمله وتبيين مشكله (ابتداؤه) في الظهور والبطون (وانتهاؤه) في السعادة والشقاوة .
وقال تعالى: "وأن إلى ربك المنتهى" 42 سورة النجم.
"وأنه هو أضحك " 43 سورة النجم .يعني أهل الجنة وأبكى  یعني أهل النار.
ثم لما انتهى الكل إليه زال الضحك والبكاء ("واليه")، أي إلى ذاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ("يرجع الأمر") المذكور ("كله ") 123 سورة هود.
فلا يخرج عنه شيء منه ولهذا كان: "ليس كمثله شيء " فإن البعض لا يشبه الكل، والكل بعضا فلا يشبه شيء ولا كل شيء، لأنه خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ، فقد فصل كل شيء من مجمله.
وهو بمجمله عليم كما (ابتدأ) الأمر كله (منه) تفصيلا من إجمال، فإنه يرجع إليه مجملا  من تفصيل.
وحيث تقرر لك في هذا الكلام أن الحق تعالى أراد أن يرى ذاته متعينة في أعيان صفاته مسماة بحقائق أسمائه في جميع حضراته، لأن رؤية التفصيل غير رؤية الإجمال.
وإن شئت قلت : أن یری ذاته المجمل في مرآة الإمكان التفصيلية، لأن رؤية النفس ظاهرة بصورة الغير ما هي مثل رؤية النفس من دون ذلك الغير.
وقد كان ابتداء الحق تعالى هذا الأمر من غير إتمام حيث خلق العالم كله روحانية وجسمانية فكان بمنزلة الجسد المحتوى الذي لا روح فيه، أو بمنزلة المرأة الغير المجلوة، وكل جسد مسوی مستعد لروح أمري إلهي وكل مرآة غير مجلوة مستعدة للجلاء.
فاقتضى الأمر الإلهي لأجل إتمام ما أراده تعالى من خلق جسد العالم وإظهار مرآته الغير المجلوة.
(جلاء مرآة العالم) بإزالة الكثافة منها، ومسحها من أوساخ القصور والنقصان، وامدادها بالإشراق والصقالة.
(فكان آدم) عليه السلام من حيث روحه وعقله ونفسه وجسده.
(عين جلاء تلك المرآة)، فروحه جلاء العالم الأرواح، وعقله جلاء لعالم العقول، ونفسه جلاء العالم النفوس، وجسده جلاء العالم الأجساد، فبسبب خلق آدم عليه السلام انجلت مرآة العالم كمال الانجلاء .
فظهر له تعالى وجهه متنوعة بعد تنوعات ما يقتضيه صفاته وأسماؤه
كما قال تعالى : "فأينما تولوا فه وجه الله إن الله واسع عليم" 115 سورة البقرة. ومن وسعه كان جميع ما ظهر من صور وجهه الواحد في مرآة العالم بالنسبة إلى ما لم يظهر کلا شيء بالنسبة إلى شيء لا نهاية له (وكان) آدم عليه السلام (روح تلك الصورة) التي هي جسد العالم المسوي، فقد أمد الله تعالى عالم الروحانيات بروح آدم عليه السلام.
وأمد عالم العقول بعقله، وأمد عالم النفوس بنفسه، وأمد عالم الأجساد بجسده.
فكان روح هذا الجسد المسؤى، وهذا حكمة تأخير خلقه عليه السلام عن خلق جميع أنواع العالم.
وحيث كان آدم عليه السلام حين خلق الله تعالی روح جسد العالم، وقد كانت الملائكة عليهم السلام قبله أجزاء من جسد العالم بمنزلة العروق والأعصاب المتهيئة لسريان القوى الروحانية فيها عند نفخ الروح قال رضي الله عنه :
(وكانت الملائكة) عليهم السلام يعني بعد خلق آدم عليه السلام ونفخه، روح أمرية إلهية في جسد العالم المسوی.
(من بعض قوى تلك الصورة) المسواة (التي هي صورة العالم) كله (المعبر عنه في اصطلاح القوم) الصوفية من أهل الله تعالی (بالإنسان الكبير).
لأن هذا الإنسان الصغير الذي هو آدم عليه السلام مختصر منه واسمه إنسان، وهو على صورته لمقابلة كل روحاني منه روحانية من العالم.
وكل جسماني منه جسمانية من العالم، والروح النفخي الأمري الإلهي قدر زائد في آدم عليه السلام ليس موجودا في شيء من العالم غيره، وبهذا الروح النفخي المذكور انجلت مرآة العالم، وتم ظهور الله تعالى بنفسه لنفسه .
فكانت الملائكة عليهم السلام (له)، أي لهذا الإنسان الكبير (كالقوى الروحانية) العاقلة والمفكرة والمخيلة والوهمية في الدماغ، و الهاضمة والجاذبة والطباخة ونحو ذلك في المعدة.
(و) القوى (الحسية) الباصرة والسامعة والذائقة والشامة واللامسة (التي في النشأة الإنسانية).
فكان العالم قبل خلق آدم عليه السلام بمنزلة القالب المسوى من الطين.
ثم أفرغ آدم عليه السلام فيه بنفخ الله تعالى روحه في جسده المجموع من أجزاء العالم كلها.
فظهر في آدم عليه السلام جميع ما في العالم.
ولكن اختلف الاسم ففي القالب المسوی ملائكة. وفي آدم عليه السلام قوى روحانية وحسية.
وفي القالب عناصر وطبائع. وفي آدم أخلاط وطبائع.
وفي القالب کواکب وأفلاك.  وفي آدم أعضاء وحواس. وهكذا.
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وإليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.)
(فالأمر) أي كل الموجود سوى الله تعالى من الموجودات العلمية والعينية (كله) تأكيد للاستغراق (منه) أي حصل من الله تعالى على الوجه المذكور.
(ابتداؤه وانتهاؤه وإليه يرجع الأمر كله) باستهلاکه بتجلي الحق كل آن أو بتجليه عند القيمة الكبرى فبقي مجردة عن اللواحق العارضة ويتصل إليه تعالى.
(كما ابتدأ منه) يعني على الهيئة التي تكون الابتداء عليها يعني أن ذوات الأشياء وأحوالها من الابتداء والانتهاء والرجوع إليه تعالى.
كل ذلك من الله تعالى، ويلزم على أرباب العقول أن يقال : إذا كان جميع ذوات الأشياء وجميع أحواله من الأوصاف والأفعال والأقوال من الله تعالی يلزم الجبر المحض وهو خلاف ما ذهب إليه أهل السنة.
فنقول: إنما يلزم ذلك أن لو كان القوابل من الفيض المقدس وليس كذلك وقد صرح بقوله: والقابل لا يكون إلا بالفيض الأقدس وإنما لم يقل وما بينهما تحقيقا لما ذهب إليه من أن العالم كله عرض لا يبقى زمانين إذ لا بين حينئذ .
وهو ابتداء وانتهاء بالجهتين ومقصوده رضي الله عنه من هذا الكلام بيان كمال إحاطة الحق للأشياء .
ليزول ما ذهب إليه من العقول الضعيفة من أن الكون إذا كان سببا لرؤية الحق عينه كان محتاجا إليه للحق تعالى في حصول ذلك الكمال له.
تعالى عن الاحتياج إلى ما سواه وليزول الشبهة المعارضة لها من أن ما ذكرتم من القوابل ليس بأثر للحق تعالى لأن القوابل هي الماهيات والماهيات ليست بمجعولة فلم يجز في استكمال بعض کمالاته أن يتخذ أسبابة مغايرة لذاته تعالى خارجة عن صنعه.
فلما قال : وما بقي إلا قابل إلى قوله : فاقتضى الأمر زالت الشبهتان معا لثبوت أن كونه محتاجا إليه من الله تعالى .
وأن القوابل فائضة منه بالفيض الأقدس فالله تعالى قادر بذاته على إيجاد الكمالات التي توجد بسبب الغير لكن وجودها به أكمل من وجودها بدونه.ولذلك وقعت به ولم تقع بدونه .
فلا نقص في حق الله تعالى في استكمال ذلك الكمال بالعالم بل هو من أكمل کمالانه إذ كله صنيع الحق سواء كان فائضا بالفيض الأقدس أو المقدس .
فسبحان الله دبر العالم بالعالم كما لا نقص في احتياجه إلى صفاته في إيجاد الخلق إذ كلها ليس غير ذاته تعالى .
والتعبير بلفظ الاحتياج في حقه تعالى وإن كان سوء الأدب لكن يقتضي بيان المحل لتلك العبارة والله أعلم.
واعلم أن الله تعالى حزم على الإنسان بعض الأفعال وأحل بعضها فإذا فعلت فعلا شرعا وجد منه شيء وجود شبح مسوي لا روح فيه وهو بمنزلة .
قوله : وقد كان أوجد العالم كله وجود شبح مسوی لا روح فيه فاقتضى الأمر جلاء ذلك الموجود وهو بمنزلة.
قوله : فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم فكان جلاوه ونور الاسم الذي يحكم عليك في صدور هذا الفعل منك .
وهو بمنزلة قوله : فكل آدم عين جلاء تلك المرآة فحينئذ رأيت نفسك في فعلك فإذا رأيت نفسك رأيت ربك لأنك تعريفه الرسمي .
فإذا رأيت ربك فقد رأى ربك نفسه في مرآة فعلك كما رأى في مرآة العالم، فعلى هذا يجري فعلك على طريق فعل الله تعالى وينتج نتيجة فعله وإذا تحققت بأخلاقه وفعلت ما أمره وأعطيته ما طلبه منك وهو المرأة على نوع مخصوص بحسب الفعل المخصوص والوقت المعين .
فقد وجدت سعادة بسبب إطاعتك الشرع لا غير لأجل هذا أمر منها ما أمر بخلاف ما إذا
ارتكب المعاصي فإنه وإن كان يوجد شيء منها لكن لا يمكن به السلوك بهذا المسلك فلا يكون مرآة لصاحبها وربه .
والمقصود منك ليس إلا هو لذلك نهي منها ما نهى فتحفظ.
فإن هذه المسألة روح الشريعة وركن الطريقة فمن عرفها على وجه اليقين بريء عن شبهات المباحین.
(فكان آدم) أي الروح الكلي (عين جلاء تلك المرأة وروح تلك الصورة) ليحصل المطلوب من تلك الصورة وهو رؤية الله تعالى ذاته بها.
فإنه بدون الجلاء لا يحصل هذا المطلوب (وكانت الملائكة) أي كل ما يطلق عليه اسم الملك فيتناول الملائكة المهيمون وغيرها من الأملاك .
وقد أنجز الكلام إلى بيان القوى ليكون توطئة تذكر ما جرى بين الملائكة وآدم حتى نتعلم الأدب مع الله تعالى .
لذلك خص ذكر القوى بالملائكة لعدم هذه الفائدة في غيرها وعدم انضباطها لكثرتها لذلك قال : (من بعض القوي) يعني أن الملائكة مع كثرتهم بعض قوى (تلك الصورة) إلى حد يقبل التبعيض و التنصيف .
وهو كناية عن عدم الإحصاء (التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم) أي الصوفية (بالإنسان الكبير) فتكون الملائكة تابعة لآدم في المعنى ذلك أمرت بالسجود ليطابق الصورة بالمعنى.
(فكان الملائكة له) بالنسبة إلى الإنسان الكبير وهو صورة العالم (كالقوى الروحانية والحسية التي هي في النشأة الإنسانية) العنصرية فلا مجاز في إسناد الزعم إلى النشأة في قوله فيما تزعم حتی احتاج الكلام إلى تقدير المضاف من الأمل أو الأفراد تكون المراد النشأة الموجودة في الخارج لأن النشأة الكلية الموجودة في العقل .

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وإليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.)
قوله رضي الله عنه :  "والأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه "وإليه يرجع الأمر كله" (هود: 123) كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة."
إن الحق تعالى من الحضرة الذاتية المقدسة قال بلسان حال ذاتي لنور من أنوار قدسه، وأنوار قدسه نور واحد بسيط لا يوصف بالنهاية فقال له: «کن» أولا لآخر، فحصل له من قوله «کن» تعين فقط لا أكثر من ذلك فيتحقق فيه الأولية.
ولو كان فيه أكثر من حقيقة ذلك التعين لكانت الأولية لأحدهما دون الآخر.
أو يكون كل واحد منهما أولا فيكون القول منه تعالی برز لاثنين لا لواحد، فإذن ما حصل لذلك النور إلا تعينه فقط لكن حقيقته الأولية تستدعي آخرا وإلا لم يتحقق الأولية ولا بد منها ليظهر حكم «کن» فحصل لذلك النور بالتعين المذكور أن يتميز عن بقية الأنوار.
وأن يكون فيه قابلية للظهور بصورة ثاني يكون لأوليته ذلك الثاني آخرا كما قلنا، فتعين ذلك النور تعينا آخر فكان كون آخر غيره فسمي النور في مرتبة التعين الأول قلما أعلى .
وسمي هو بعينه في مرتبة التعين الثاني لوحا محفوظا.
لكن التعين الأول الذي هو القلم الأعلى شهد في قول الحق تعالی له: «کن» أولا لآخر، يعني تهيئة لظهور اللوح المحفوظ منك. فقالت ذاته بلسان الحال: سمعا وطاعة.
فإن القول في تلك المراتب ليس إلا بلسان الحال فقول الحق تعالی له: تهيئا هو المعنى الذي عبر عنه. بأنه قال له: أقبل فأقبل وأدبر فأدبر.
فقال له تعالى"وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أكرم علي منك، فبك آخذ وبك أعطي".
قلت: يعني أن آدم هو الناطق المخبر عن العالم الكبير، علوه وسفله، وكذلك بنوه أخبروا عن العقل الأول وهو القلم.
وأخبروا عن النفس الكلية وهي اللوح.
وأخبروا عن الهيولى والصورة وهي الجسم.
وأخبروا عن الأركان الأربعة والمولدات ومما في العالم من الكميات والكيفيات والإضافات والمكان والزمان والملكات والانفعالات والأفعال.
ووصفوا هيئات الأفلاك وكواكبها وحركاتها وتداخلها، وعرفوا منافعها ومضارها وخواصها وأعراضها.
وعطفوا على أجسامهم، فعلموا تشريحها وعدد عروقها وأنواع ما فيها كما فعل جالینوس وشيعته إلى غير ذلك.
وأشرف من هذا كله ما وهبه الله تعالى أولياءه من شهود حضرته القدسية وما خص به محمدا رسول الله، عليه السلام، من إحاطة الخلافة بسائر مراتب خلفاء الله تعالى مما لا ينحصر في مقال ولا يسع ذكره الأيام والليالي.
قوله: "وروح تلك الصورة".
قلت: يعني بالصورة الأفلاك من محدب التاسع إلى نقطة مركز الأرض وهو العالم الكبير وهذا العالم جسم و آدم روحه في التمثيل والتشبيه وجعله روحا مجازا.
قوله:  "وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير، فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية " 
قلت: يعني أن قوى العالم تسمى ملائكة أيضا وهي له كالقوى التي في الإنسان الروحانية والجسمانية الحسية ، وباقي هذا الفصل ظاهر في كلام الشيخ لا يحتاج إلى شرح.
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وإليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.)
قال رضي الله عنه : ( فالأمر كلَّه منه ، ابتداؤه وانتهاؤه " وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ " ، كما ابتدأ منه ) .
يعني رضي الله عنه : مبدأ أمر الوجود ومنتهاه من الحق ، وهذا غير مناف لكون المنتهى إليه فإنّه منه بدأ وإليه يعود ، وما ثمّ إلَّا هو ، فهو القابل من حيث ظاهريته ومظهريته ، وهو المقبول من حيث باطنه وعينه ، فالوجود المقبول المتعيّن ، والمرتبة القابلة المتعيّنة  له للمتبيّن.
والأمر محصور بين الوجود والمرتبة ، والمرتبة المظهر ، والمتعيّن بها الظاهر الوجود الحقّ الباطن ، والظاهر مجلى للباطن ، والباطن عين الظاهر بالمظاهر وفيها ، والكلّ من العين الغيبيّة .
ثم دائما من الغيب إلى الشهادة ، ومن الشهادة إلى الغيب ، ومن العلم إلى العين ومن العين إلى العين ، وما ثمّ إلَّا هو ، هو هو ، إليه المصير .
قال الشيخ رضي الله عنه : ( فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة ) .
قال العبد : ولمّا كان المراد بالإيجاد هو كمال الجلاء والاستجلاء ولم يحصل إلَّا بالإنسان وفي الصورة الإنسانية المثلية الكمالية الإلهية التي حذاها الله حذو صورته المقدّسة.
كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : " خلق الله آدم على صورته ".
وفي رواية " على صورة الرحمن ".
وجاء في أوّل التوراة كما ذكرنا أوّلا : " نريد أن نخلق إنسانا على مثالنا وشكلنا وصورتنا ".
كما قال الله تبارك وتعالى ، وكما أنّ صورة الرحمن مستوية على عرش الوجود .
كذلك صورة الله مستوية على عرش قلب العبد المؤمن ، كشفا وشهودا وإيمانا وصدقا وحقّا موجودا . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حكاية عن الله تعالى : "ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن ".
فالعبد المؤمن هو القابل للكلّ ، والكون الجامع الإلَّيّ الذي يظهر به الأسماء والصفات والذات على ما هي عليها من الكمال يؤمن بقابليّته الكلَّية المحيطة .
ويعطي الأمان صور الذات والأسماء والصفات الظاهرة في مظهريته عن التغيّر والتحريف ، فيظهر صورها في مرآته الكاملة كاملة ومؤمن أيضا ، أي معطي الأمان صور النسب وحقائقها أيضا من عدم ظهور آثارها من خفاء حكم الغيب والعدم .
بإظهارها في محالّ أحكامها وأسرارها في حقائق مظهرياته المعنوية والروحانية والطبيعية والعنصرية والمثالية .
فالإنسان هو المظهر الكلَّي والمقصد الغائي الأصلي ، حامل الأمانة الإلهية ، وصاحب الصورة المثلية المنزّهة عن المثلية .
فقبوله للتجلَّي الإلهي أكمل القبول ، لأنّه ما من قابل من القوابل يقبل الفيض على نحو من القبول وتعيّن الصورة الإلهية بمظهريته إلَّا وفي الإنسان الكامل مثال ذلك على الوجه الأكمل والأتمّ فروحانيته أتمّ الروحانيات وأكملها ، وطبيعته العنصرية أجمع الأمزجة وأعدلها .
ونشأته أوسع النشآت وأفضلها وأشملها ، واستعداده لظهور الحق وتجلَّيه أعمّ المظهريات والاستعدادات وأقبلها .
وتعيّن صورة الحق والخلق في مظهريته أكمل التعيّنات وأجلَّها ، وبه حصل كمال الجلاء والاستجلاء ، وبه اتّصل كمال الذات بكمال الأسماء .
وكان آدم عليه السّلام أوّل الصورة الإنسانية العنصرية ، فهو عين جلاء تلك المرآة المسوّاة شبحا لا روح فيه قبل وجود هذه النشأة الإنسانية الكمالية ، وجلى الحقّ هذا المجلى الأتمّ والمظهر الأعمّ ، وجلا به الصدأ الذي كان في شخص العالم .
وتجلَّى له فيه تجلَّيا كاملا ، فرأى نفسه فيه ، كما تقتضيه ذاته الكمالية ، وظهر لنفسه فيه ظهورا جامعا بين الكمال الأسمائي والكمال الذاتي ، وكمل به العالم أيضا .
فظهر الحق به على أكمل صورة لأنّه على صورة آدم الذي هو على صورة الحق ، فكان آدم عين قابلية العالم وإنسان عينه وعين جلاء قلبه القابل للتجلَّي الكمالي الجمعي الإلهي.
فالصورة الإلهية الظاهرة في مرآتيته هي روح العالم ، والمظهرية الإنسانية هو القلب القابل المؤمن لصورة الحق الظاهر فيه وبه عن التغيّر والتحريف عمّا هي عليه في نفسها ، فافهم .
قال الشيخ رضي الله عنه : (وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبّر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير ).
قال العبد أيّده الله به : اعلم : أنّ الملائكة هي أرواح القوى القائمة بالصورة الحسّيّة الجسمية ، والأرواح النفسية والعقلية القدسية ، وتسميتها ملائكة لكونها روابط وموصلات للأحكام الربانية والآثار الإلهيّة إلى العوالم الجسمانية فإنّ الملك في اللغة هو القوّة والشدّة ، فلمّا قويت هذه الأرواح بالأنوار الربانية ، وتأيّدت واشتدّت بها ، وقويت النسب الربانية والأسماء أيضا بها وعلى إيقاع أحكامها وآثارها وإيصال أنوارها وإظهارها ، سمّيت ملائكة .
وهم ينقسمون إلى:
علويّ روحاني . -  وسفلي طبيعي . - وعنصري . ومثالي نوراني .
فمنهم: المهيّمون ، ومنهم المسخّرون ، ومنهم المولَّدة من الأعمال والأقوال والأنفاس ، والصافّون والحافّون والعالمون . 
ثم العلوي الروحاني :
إمّا مجرّد عن المادّة والطبيعة وهم عالم العقول والمهيّمة ، وإمّا متعلَّقة بالمادّة ، والمتعلَّق بالمادّة إمّا متعلَّق بمادّة معيّنة ،أو بمادّة غير معيّنة وللمحقّق المكاشف.
هاهنا بحث مع غير المكاشف منهم وذلك أنّ مشرب التحقيق الأتمّ يقضي أن لا تخلو الأرواح عن مادة ما فإنّ الصور لا تستغني في الوجود عن المادّة.
فكذلك الصور الروحية والصور العقلية المتمايز بعضها عن بعض والمتغاير بعضها بعضها لا بدّ لها من مادّة صالحة لتصوّر تلك الصورة.
ولكن لا يلزم أن تكون مادتها طبيعية أو عنصرية ، بل تكون مادّتها من نور النفس الرحماني ، أو تكون مادتها من نور التجلَّي الوجودي ، أو نفس النفس ، أو من العماء الآتي حديثه فيما بعد وغيره والمقدّم أيضا ذكره فيما سلف في أسرار حروف الاسم" الله " فتذكَّر .
فالعقول والأرواح العالية المجرّدة عند الحكيم المكاشف إنّما هي وجودات متعيّنة في الماهيات والحقائق البسيطة ، صوّرها الله من العماء.
وهو النفس المتضاعف المتكاثف بتوالي الفيض النفسي الرحماني المنفّس عن القابل ، والقابل من تأثير القابل المتعيّن والانفعال والانعقاد صورا نورية .
فمادّة هذه الصور العقلية والأرواح العليّة الإلَّيّة هي العماء ، حقيقة الحقائق وجوهر الجواهر وهويّة الكلّ وأصلها وهيولاها الحاملة لصور وجوبها وإمكانها ، وهي الهيولى السابقة .
ولقد استقصينا القول فيه في هذا الكتاب ،وسنعيد الكلام عليه ، فلا تظنّها تكرارا ، لعلّ الله يجود بلائحة من علمها لأهل الاستعداد ، والله الموفّق للرشاد .
فإنّ العلم بها لا يحصل إلَّا بتعليم الحق وتجلَّيه وتعريفه بما يخصّ به بعض عبيده الصالحين ، ولا يعرفه العقلاء بالفكر النظري والقانون الفكري من تركيب المقدّمات وترتيب المفردات.
بل بالتخلَّي عن الشواغل والعلائق ، والتوجّه التامّ بأحدية العزيمة ، وصمود القلب إلى الموجد المتجلَّي بالعلم الحقيقي والبرهان الكشفي والاطَّلاع الشهودي والتعريف الإلهي الوجودي بعد المناسبة الذاتية والمرتبية .
ثم الملائكة العالية الموجودة من المادّة العمائيّة هم الأرواح العالية المهيّمة .
ومنهم العقل الأوّل أبو العقول وهو القلم الأعلى ، وفي مرتبته النفس الكلَّيّة من وجه ، وهي اللوح المحفوظ في العرف الشرعي ، والمادّة العمائية التي قبلت هذه الصور النورية الروحية هي النون أعني الدواة التي أقسم الله بها في القرآن العزيز بقوله : " ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ".
ودون هذه المرتبة الأرواح التي مادّتها مثاليّة نورانية مطلقة ، وطبيعية نورانية ، وعنصرية غير نورانية ، ومثالية مقيّدة خيالية .
يوجدها الله من الأعمال والأنفاس والأخلاق وهي الملائكة المولَّدة .
فعلى هذا لا يخلو روح عن مادّة يفعل فيها ما يشاء من الصور ، فإمّا أنفسيّة حقيقية ، وإمّا ربّانية إلهية حقانية وذلك في عماء الربّ وإمّا عمائيّة كيانية .
إمّا نفسية رحمانية ، أو مثالية نورانية ، أو طبيعية كلَّية عرشية محيطة وفلكية كذلك ، أو عنصرية سماوية أو كوكبيّة أسطقسّيّة مائية وهوائية ونارية وأرضية ، والموادّ من الأرضية ما يغلب على نشأته الأرضية وكذلك غيرها .
ثم اعلم : أنّ الملائكة لا تنحصر عددا إلَّا بسدنة الأسماء الإلهيّة التي لا تنحصر ، والكلمات والآيات التي لا تنفد ولا تتناهى .
وهي أرواح القوى المنبثّة في العوالم العلوية والسفلية ، والخواصّ المنتشرة اللازمة للأعيان الوجودية المتصوّرة المتعيّنة بحسب الخصوصيات ، وبمقتضى القوابل غير مجعولة الاستعداد ، لكل قوّة من هذه القوى روح من الأرواح له صورة نورية طبيعية وعنصرية على اختلافها وكثرتها ، وقد يتوسّع في إطلاق بعض صورها روحا للبعض الآخر بالأشرفية والأفضلية المرتبية .
كما أنّ الروح الملكي الذي هو روح درجة الطالع أفضل وأشرف وأصفى وأنور وأقرب إلى الوحدة والبساطة من الروح المدبّر لهذا الهيكل العنصري من وجه لأنّ علَّته وسببه أفضل وأعلى وأقدم وأبقى ، والأرواح المدبّرة للأجسام العنصرية فائضة من الأرواح العلوية السماوية .
وإن كان بعض الأرواح المدبّرة لبعض الأجسام البشرية أكمل من سائر الأرواح العلوية والسفلية ، فإنّ ذلك لا ينافي ما ذكرنا لكون ذلك باعتبار حصول التجلَّي الكمالي الإلهيّ الأحدي الجمعي .
وأمّا الأرواح المدبّرة للأجسام البشرية من نوع الإنسان الحيوان فلا خلاف في قصورها مطلقا عن درجة أيّ روح فرضنا من الأرواح الملكية والفلكية ، فاعلم ذلك .
ولمّا كانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم ، تبيّن فيما سلف أن ليس فيها قوّة القيام بمرآتية الذات من حيث هي هي ولا من حيث أحدية جمع الذات ، ولا بمظهرية الأسماء جمعا وفرادى .
وأنّ المظهر الكامل الجامع لمظهريات التجلَّيات الذاتية الكمالية الكلَّية هو الإنسان الكامل الجامع بين مظهرية الذات المطلقة بإطلاق قابليته الكلَّية ، وبين مظهرية الأسماء والصفات والأفعال.
بما في نشأته الكلَّية من الجمعية والاعتدال ، وبما في مظهريته من الحيطة والسعة والكمال ، وهو كذلك جامع أيضا بين الحقائق الحقيّة الوجوبية ونسب الأسماء الإلهيّة الربوبية ، وبين الحقائق الإمكانية والأعيان الكيانية.
وأمّا كماله فلإحاطته بين الحقيقتين ، وشموله لجميع ما في العالمين ولجمعه كذلك بين البحرين ، فهو المظهر الأتمّ ، والمنشأ الجامع الأعمّ ، والبحر المحيط الزاخر الخضمّ ، والطود الراسخ الأشمخ الأشمّ.
فكانت الملائكة صور قواه الروحانية لأنّ فيها قوى كثيرة غير القوى التي للملائكة المنبثّة في العالم صورها التفصيلية .
فإنّ الأرواح الخبيثة والشياطين والعفاريت والمردة أيضا من صور بعض قواها ، وكذلك جميع الحيوانات الماشية الساعية والسابحة والطائرة .
وكذلك الأسماء الإلهية صور قوى هذا الإنسان ، وكذلك الدوابّ والبهائم والحشرات والسباع وغير ذلك ممّا لا نذكره اعتمادا على فهمك " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ".
قال الشيخ رضي الله عنه : ( فكانت الملائكة له كالقوّة الحسيّة والروحانية التي في النشأة الإنسانية .
قال العبد أيّده الله به : القوى الحسّية التي في نشأة الإنسان هي التي متعلَّقاتها المحسوسات كالإبصار والسماع والشّم والذوق واللمس وما تحت هذه الكلَّيات من الأنواع والشخصيات .
وأمّا القوى الروحانية فكالمتخيّلة والمفكَّرة والحافظة والذاكرة والعاقلة والناطقة .
وهذه القوى الكلَّية وشخصياتها في حيطة الروح النفساني ، ومنشؤها ومجاري تصرّفاتها وأحكامها وآثارها الدماغ ، فكالقوى الطبيعية مثل الجاذبة والماسكة والهاضمة والغاذية والمنمية والمربيّة والمولَّدة والمصوّرة والدافعة وشخصياتها راجعة إلى الروح الطبيعي .
وكالعلم والحلم والوقار والإناءة والشجاعة والعدالة والسياسة والنخوة والرئاسة وغيرها ممّا تحتها من المشخّصات والأنواع بالمماثلة والمشاكلة والمباينة والمنافرة عائدة إلى الروح الحقيقي الحيواني والنفساني .
وكما أنّ هذه القوى منبثّة في أقطار نشأة الإنسان وإن كان لكل جنس وصنف ونوع من هذه القوى محلّ خصيص بها .
هو محلّ ظهور أحكامه وآثاره ومنشأ حقائقه وأسراره ، ولكن حكم جمعيّة الإنسان سار في الكلّ بالكل فكذلك العالم الذي هو الإنسان الكبير في زعمهم .
كلَّيات هذه القوى وأمّهاتها بجزئياتها وأنواعها وشخصياتها منتشرة ومنبثّة في فضاء السماوات والأرضين وما بينهما وما فوقهما من العوالم ، وتعيّنات هذه القوى والأرواح في كلّ حال بما يناسبه ويوافقه على الوجه الذي يلائمه ويطابقه .
وبها ملاك الأمر النازل من حضرات الربوبية ، وهي في الحقيقة صور متعلَّقات للنسب الربانية ، وبها يقوى الوجود النفسي على التعيّنات وتنوّعات الظهور والتجلَّيات ، فافهم .
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وإليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.)
( كله منه ابتداؤه وانتهاؤه وإليه يرجع الأمر كله كما ابتدأ منه ) .
قوله ( فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ) جواب لما ، ولما وسط بين لما وجوابه علة المشيئة وانجر الكلام إلى اقتضاء أسمائه تعالى وجود العالم المحتاج إلى الجلاء وجب إيراد فاء السببية في جوابه ، لأن تعليل المشيئة المخصوصة تسبب للجلاء وإن كان لما لم يقتض ذلك لأنها تقتضي مقارنة الشرط والجزاء فحسب فجمع بين السببية والمقارنة ( فكان آدم ) أي حقيقة الإنسان
كما ذكر ( عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة ) بمناسبة أحدية الجمع فإن الحضرة
الإلهية جامعة الأسماء كلها لا واسطة بينها وبين الذات فكذلك الحضرة الإنسانية جامعة لها ، إذ الوجود ينزل من أحدية جمع الذات إلى الحضرة الإلهية وفاض في مراتب الممكنات على الصورة الانتشارية .
حتى انتهى إلى الإنسان منصبغا بصبغ جميع المراتب فصار الإنسان برزخا جامعا لأحكام الوجوب والإمكان كما كانت الحضرة الإلهية جامعة للذات والأسماء كلها .
فظهر فيه ما في الحضرة الإلهية فكان العالم بوجوده مرآة مجلوة ولم تبق واسطة بين الحضرة الإنسانية والذات الأحدية ، وإذا كان جلاء مرآة العالم كان روح صورته
وكانت ( الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير ،فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية)
فكانت القوى الروحانية والنفسانية ملائكة وجود الإنسان ، لأن قوى العالم اجتمعت فيه بأسرها فالإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير لوجود الإنسان فيه ، إلا أن أحدية جمع الوجود التي ناسب بها العالم الحضرة الإلهية لم توجد في جميع أجزائه إلا في الإنسان فكان الإنسان مختصرا من الحضرة الإلهية ولهذا قال “ خلق آدم على صورته “ .
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وإليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.)
قوله: (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، وإليه يرجع الأمر كله، كما ابتدأ منه) جواب شرط مقدر.
أي، إذا كان القابل ما يترتب عليه من الاستعدادات والكمالات والعلوم والمعارف وغيرها فائضا من الحق تعالى حاصلا منه، فالأمر،أي الشأن بحسب الإيجاد والتكميل، كله منه ابتداء وانتهاء. والمراد بـ (الأمر) المأمور بالوجود بقول (كن).
كما قال: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون).
وكما كان هو (أولا) ومبدء لكل شئ، كذلك كان (آخرا) ومرجعا لكل شئ.
قال تعالى: (وإليه يرجع الأمر كله). أي، ما حصل بالأمر.
وهذا الرجوع إنما يتحقق عند القيامة الكبرى بفناء الأفعال والصفات والذات فيأفعاله وصفاته وذاته الموجب لرفع الإثنينية وظهور حكم الأحدية.
هذا إنجعلنا (وإليه يرجع الأمر كله) تكرارا مؤكدا للأول.
وإن حملناه على التجليات الفائضة بالفيض المقدس كل حين، فنقول أن الحق يتجلى بحكم (كل يوم هو في شأن).
كل لحظة، بل عند كل آن، لعباده، فينزل الأمر الإلهي من الحضرة الأحدية، ثم الواحدية إلى المرتبة العقلية الروحية، ثم اللوحية، ثم الطبيعة الكلية، ثم الهيولى الجسمية، ثم العرش، ثم الكرسي والسماوات السبع منحدرا من المراتب الكلية إلى الجزئية، إلى أن ينتهى إلى الإنسان منصبغا بأحكام جميع ما مر عليه، في آن واحد من غير تخلل زمان، كذلك إذا انتهى إليه وانصبغ بأحكام الغالبة عليه، ينسلخ منه انسلاخا معنويا ويرجع إلى الحضرة الإلهية.
فإن كان المنتهى إليه من الكمل، فالنازل يكون قد تم دائرته وصارت آخريته عين أوليته لأنه مظهر المرتبة الجامعة الإلهية.
وإن كان من السائرين الذين قطعوا بعض المنازل والمقامات، أو الباقين في أسفل السافلين والظلمات، فيكون قطع نصف الدائرة أو أكثر، ثم انسلخ ورجع إلى الحضرة بالحركة المعنوية. فمعنى قوله: (وإليه يرجع الأمر كله) أي، إلى الله يرجع الأمر التجلي الإلهي النازل كللحظة إلى العالم الإنساني، كما ابتدأ منه.
قوله: (فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة). رجوع إلى ما كان بصدد بيانه، أو جواب (لما) والفاء للسببية.
أي، بسبب أن الحق أوجد العالم وجود شبح لا روح فيه وكان كمرآة غير مجلوة، اقتضى الأمر الإلهي جلاء مرآة العالم ليحصل ما هو المقصود منها، وهوظهور الأسرار الإلهية المودعة في الأسماء والصفات التي مظهر جميعا الإنسان إجمالا وتفصيلا.
وكان آدم، أي الإنسان الكامل، عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، إذ بوجوده تم العالم وظهر أسراره وحقائقه.
فإن ما في العالم موجود ظهر له حقيقته وحقيقة غيره بحيث إنه علم أن عين الأحدية هي التي ظهرت وصارت عين هذه الحقائق إلا الإنسان.
وإليه الإشارة بقوله: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض) أي، على أهل السماوات والأرض من ملكوتها وجبروتها.
(فأبين أن يحملنها) حيث ما أعطيت استعداداتهم تحملها.
(وحملهاالإنسان) لما في استعداده ذلك. (إنه كان ظلوما جهولا). أي، ظلوما على نفسه مميتا إياها مفنيا ذاته في ذاته تعالى، جهولا لغيره.
ناسيا لما سواه نافيا لما عداه بقوله: (لا اله إلا الله) فالأرواح المجردة وغيرهم وإن كانوا عالمين بالأشياء المنتقشة فيهم الصادرة عن الحق بواسطتهم، لكنهم لم يعلموا حقائقها وأعيانها الثابتة كما هي، بل صورها ولوازمها، ولذلك أنبأهم آدم بأسمائهم عند عجزهم عن الإنباء واعترافهم بقولهم: (لا علم لنا إلا ما علمتنا).
وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم). أي، لا نتعدى طورنا.
كما قال جبرئيل،عليه السلام: (لو دنوت أنملة لاحترقت.)
قوله: (وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير) عطف على قوله: (فكان آدم).
والمراد بـ (الملائكة) هنا غير أهل الجبروت والنفوس المجردة.
لذلك قال: (من بعض قوى تلك الصورة) إذ أنواع الروحانيات متكثرة: منهم أهل الجبروت،كالعقل الأول والملائكة المهيمة والعقول السماوية والعنصرية البسيطة والمركبةالتي هي المولدات الثلاث على اختلاف طبقاتها وصنوفها ودرجاتها، ومنهم أهل الملكوت، كالنفس الكلية والنفوس المجردة السماوية والعنصرية البسيطة والمركبة.
على أن ما في الوجود شئ إلا وله من الجبروت والملكوت عقل ونفس، ومنهم النفوس المنطبعة في الأجرام العلوية والسفلية.
ومنهم القوى الجسمانية التي هي سدنة النفوس المنطبعة، ومنهم الجن والشياطين.
ولا يطلق القوى إلا على التوابع من القوى الروحانية والنفوس المنطبعة وتوابعها كما يقال: قوى الروح وقوى القلب.
ولا يجعل (القلب) و (الروح) قوة من القوى، لأنهما سيدا جميع المظاهر.
وإنما عبر عن (العالم) في الاصطلاح القوم، أي أهل التصوف، بـ (الإنسان الكبير) لأن جميع ما في العالم عبارة عن مجموع ما اندرج في النشأة الإنسانية.
كما مر التنبيه عليه من أن أعيان العالم هو تفصيل النشأة الإنسانية، فالإنسان عالم صغير مجمل صورة، والعالم إنسان كبير مفصل.
وإنما قيد (صورة)لأن الإنسان هو العالم الكبير مرتبة، والعالم هو الإنسان الصغير درجة، لأن الخليفة مستعلية على ما استخلف عليه.
فقوله: (فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي هي في النشأة الإنسانية) نتيجة لما ذكره.
أي، لما كانت الملائكة من بعض قوى صورة العالم والعالم هو الإنسان الكبير، صارت نسبة الملائكة إلى العالم كنسبة القوى الروحانية والحسية إلى الإنسان.
فكما أن النفس الناطقة المدبرة للبدن مدبر بالقوى الروحانية التي هي العقل النظري والعملي والوهم والخيال وما شابهها والحيوانية والنباتية كالحواس الخمس الظاهرة والغاذية والنامية والمولدة للمثل وغيرها، كذلك النفس الكلية مدبرة للعالم كله بواسطة الملائكة المدبرة.
كما قال تعالى: (فالمدبرات أمرا)وهي روحانيات الكواكب السبعة وغيرها من الثوابت وأجرامها.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وإليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.)
وإذا كان فيضان الأرواح والقوابل منه (فالأمر) أي: أمر الفيض (كله منه ابتداؤه) بفيضان القوابل الظاهرة.
(وانتهاؤه) بفيضان الأرواح المكملة لتلك القوابل، ( وإليه يرجع الأمر كله) أي: إلى تجليه يرجع فيضان الوجود على الأرواح، وقوابلها حال البقاء.
(كما ابتدأ ) الفيضان أول زمان حدوثها (منه)، وإذا كان العالم كالشبح المسوى بلا روح فكان كمرآة غير مجلوة، وكل شبح مسوي کمرآة غير قابل للروح بالجلاء. (فاقتضى الأمر) الإلهي، وهو الجود المفيض على كل مستحق حقه، وقد استحق العالم الروح المدبر فيه الذي يحصل به جلاؤه (جلاء مرآة العالم) بفيضان الروح المدير لمجموعه، وهو الإنسان الكامل النازل من العالم منزلة المصقل للمرآة.
(فكان آدم عين جلاء تلك المرآة) بتدبيره إياها تدبير المصقل للمرأة في تكميل نظامها، (وروح تلك الصورة) الحافظ لها.
ولذلك إذا خرج الإنسان الكامل من الدنيا خربت خراب الميت على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، كيف وهو المقصود من وجودها كالروح من وجود البدن لما فيه من الجمعية المطلوبة للحق تعالى في الظهور.
ثم استشعر سؤالا: وهو أنه لم لا تكون الملائكة هي الأرواح المدبرة لكل العالم، مع أن روحانيتها أعظم وأقوى من روحانية الإنسان فلا يكون العالم قبل آدم کشبح مسوي بلا روح، ولا کمرآة غير مجلوة مع وجودها؟
فأجاب بقوله: (وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة)، يعني أن الملائكة ليست هي الأرواح المدبرة لكل العالم من كل الوجوه.
بل لكل منهم مقام معلوم أي: تصرف خاص في جزء من أجزاء العالم أو في كله على وجه خاص فأشبهوا القوى الحيوانية في الاختصاص بالمقام المعلوم، فهم بعض قوى تلك الصورة الكلية للعالم، وإن كانت أرواحا لبعض أجزائه ثم بين الصورة بقوله: (التي هي صورة العالم) لئلا يتوهم أن المراد: صورة آدم، وأن الملائكة بعض قواها.
"" کشبح مسوي بلا روح أي: المنزه عن الجعل والتأثير؛ وذلك لأن المراتب كلها إلهية بالأصالة، وظهرت أحكامها باقتضاء ذاتي، فالأمر قبول ذاتي، وحصول استعدادي، وظهور، وبروز له تعالى لذاته بذاته لا غير. وقبول هذا لازم لفهم سريان النور الأزلي والفيض الألهي الساري في الوجود كله، فافهم.
أن هذه المسألة من أساس معارف الشيخ رضى الله عنه  ولا تغفل عنها، ولا تأخذ عنها بدلا فإنها کشف أوسع الكشوف، وإن اعترضوا علينا بذكر هذه المسألة، فليس بأقل منع جرى على طلل، "وأن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم"، والله المستعان، فافهم.""
ثم أشار إلى أن الصورة الكلية للعالم أيضا تحتاج إلى القوى كالإنسان بقوله: (المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير) ؛ لشموله على ما في الإنسان مع التفصيل والإنسان عالم صغير؛ لشموله على ما في العالم الإجمال، والمفصل أكبر من المجمل لاعتبار الكثرة في أجزائه.
وفيه إشارة إلى أن الإنسان الكامل يتصرف في كل العالم كأنه بدنه كما يتصرف كل إنسان في بدنه الخاص لكن تصرفه في بدنه بقوی بدنه، وتصرفه في العالم بواسطة الملائكة.
فلذلك قال: (فكانت الملائكة) التي هي قوى العالم له أي: للإنسان الكامل المتصرف في كل العالم (كالقوى الروحانية)، وهي القوى العقلية المدركة للكليات، و كالقوى (الحسية التي هي النشأة الإنسانية) عند تصرف روحه في بدنه.
فأخذ الأنبياء العلوم من الملائكة كأخذها من قوى أبدانهم.
ويدل على أن تصرفهم في العالم بالملائكة انتصار نبينا صلى الله عليه وسلم بهم يوم بدر.
ثم أشار إلى أن الملائكة، وإن كانت كالقوى؛ فإنها تتوهم أنها كالأرواح الكلية مع الرد عليهم بأن دعوتهم الكمال لأنفسهم مثل دعوى القوى الإنسانية إياه لأنفسها.
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وإليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.)
قال رضي الله عنه : (فالأمر كلَّه منه ، ابتداؤه وانتهاؤه ، وإليه يرجع الأمر كلَّه كما ابتدأ منه) هذا القول منه إفصاح بالمقصود الأوّل بما يدلّ على ذلك بتفصيل لطيف ، حيث عبّر عنه بكلّ من الأمرين المشار بهما إلى قوسي النزول والرجوع ، المنبّه فيهما بطرفيهما ، تحقيقا للتوحيد الذاتي ، على ما هو المستفاد من جوامع الكلم الختميّة من الجمع بين الأوّل والآخر ، وإبانة أحدهما في عين الآخر ، كما قد اطَّلعت عليه .
وبيّن أنّ الغالب على قوس النزول منهما هو الإجمال، فإنّ انتظام المراتب فيه إنّما ابتنى على ظهور الوحدة وغلبة سلطانها على الكثير، متدرجا في أطوارها، إلى أن يتمّ أمرها.
كما أن الغالب على قوس الرجوع التفصيل، إذ نظام المراتب فيه إنّما هو على اتّساق ظهور الكثرة وانتزاع وجوهها من الواحد إلى أن يتمّ الوجوه الإظهاريّة بكنهها . 
فلذلك أجمل في الأوّل حيث جعل الابتداء والانتهاء متعلَّقهما واحدا ، وأتي بصورة الاسم ذي الثبات والاستقرار دون الثاني ، فإنّه قد فصّل بين المتعلَّقين بـ « من » و « إلى » وبين متعلَّقيهما بما لا تقابل بينهما ظاهرا وهو أيضا ضرب من التفرقة والتفصيل وأتى بالجملة الفعليّة الدالة على التجدد والتدرّج التفصيلي .
تقابل الوجود العلمىّ والعينيّ اعلم أنّ القابل للتعيّنات - من العين الشامل إلى الكون الكامل إذا انضمّ إليه من نقط النطق ما به يخرج من مكامن الثنويّة التقابليّة الإمكانيّة إلى مجالي الاتّحاد الوجودي الوجوبي ، يصير قائلا بتلك الكلمات من الحروف العاليات ، إلى ما اندرج في السطور السافلات ، كما أنّ العالم الجامع لتلك التعيّنات إذا انقلب ما انفتح به أبواب تفاصيلها وتبطن ذلك يصير عالما بتلك المعلومات . 
ثمّ إنّ قوله : ( فاقتضى الأمر ) جواب « لمّا » وهو الثاني من الأمرين الموقوف عليهما ظهور السرّ .
أي لما شاء الحقّ الظهور المذكور ، وكان هناك ما يقبل ذلك ، أي ما هو بمنزلة الجرم الصلب والسطح الكثيف للمرآة - وهو العالم - اقتضى الأمر بالمعنى المذكور - وهو الرقيقة الامتداديّة الأوّل إلى الآخر - إتمام ذلك الجرم وجلائه أعني ( جلاء مرآة العالم ) حتّى يتصوّر فيه الظهور ويتمكَّن حينئذ من الإظهار .
وأورد عليه « الفاء » إشعارا بالترتّب الواقع فيها ، كما للصورة بالنسبة إلى المادّة ، وكرر ذلك في قوله : ( فكان آدم ) تنبيها على أنّ آدم نفسه مترتّب على ذلك الاقتضاء ، لا جعله وتكوينه وقوله : ( عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة ) إشارة إلى ما له من كمالية بحسب الظهور والإظهار على ما نبّه عليه .
واعلم إنّ روح كلّ شيء ما يقوّم به هيئته الوحدانيّة الجمعيّة ، فروح العالم عبارة عمّا تقوّم به الكلّ ، من العين الأوّل إلى الكون الآخر ، ويصير تلك التعيّنات المتنوّعة المتفرقة بذلك شخصا واحدا ، وهو الذي يسمّى بـ « الإنسان الكبير » باعتبار انس بعض الأجزاء منه بالآخر كما في الإنسان الصغير بعينه . 
ثمّ إنّه بعد تبيين معنى آدم إجمالا أخذ في تفصيل جمعيّته الكليّة الكماليّة ظهورا وإظهارا ، وتحقيق إحاطة صورته التامّة بسائر جزئيّات العالم وقهرمان خلافته على الكلّ ، وغلبته شعورا وإشعارا ، وإبانة مراتب كلّ من تلك الجزئيّات عنده ، وتفاوت درجاتهم فيما نسب له ، ووسم به ، من المنصب العالي والمنزلة الرفيعة .
وإذ كان للأوّل من الكمالين تقدّم على الثاني منهما - تقدّم المادّة على الصورة - قدّمه قائلا : ( وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة ، التي هي صورة العالم ، المعبّر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير ) ، وإذ كان الإنسان عبارة عن جمعيّة مشتملة على أعضاء وأجرام هيولانيّة وعوارض جسمانيّة ، ومشاعر حسّية وروحانيّة ، فله جمعيّة كليّة كما للعالم بعينه ، إلَّا أنّ أجزاء الكلّ في الإنسان لها ارتباط إدراكي به ، يأنس بعضها للبعض ، وبذلك الاعتبار يسمّى إنسانا .
ثمّ إنّ العالم أيضا قد حصل له بروحه الذي هو آدم هذا الربط الإنسى، وفي تحقيق اصطلاح القوم هاهنا تنبيه إلى هذه الدقيقة فلا تغفل .
ثمّ إنّ الملائكة منها الجبروتيّة أعني : العقول المجرّدة والأنوار القاهرة  
ومنها الملكوتيّة أعني : النفوس المتعلَّقة والبرازخ النورانيّة ( فكانت الملائكة له كالقوى الروحانيّة والحسّية التي هي في النشأة الإنسانيّة ) .
وإذ كان عالم الأمر ومرتبة الأرواح أوّل مراتب التعيّنات الاستجلائيّة ومبادي طلائع غلبات الأحكام الكونيّة والحجب العدميّة الإمكانيّة ، قد قوي سلطانها فيه .
فلذلك ولما في نشأتها النورانيّة من التقدّس والتحقّق بالصفات التنزيهيّة قد انغلب أعيان المرتبة تحت اقتضاء نشأتها وأحكام تعيّناتها وحجبها القدسيّة النوريّة ، وشرفها العلوي البهي ، بحيث أنّ كلّ عين منها في تلك الصورة الكليّة يدّعي استيهال روحيّتها واستحقاق خلافتها .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وإليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.)
قوله : "فالأمر كله منه، ابتداؤه و انتهاؤه، "و إليه يرجع الأمر كله" 123 سورة هود ، كما ابتدأ منه ."
(فالأمر)، أي من أمر الوجود (کله منه) ، أي من الحق سبحانه (ابتداؤه) بحسب فيضه الأقدس وتجلية تصور الأعيان الثابتة في العلم (و) منه (انتهاؤه) أيضا بحسب فيضه المقدس وتجلية تصوّر الأعيان الموجودة في العين (وإليه يرجع الأمر كله) بالفناء فيه آخر (كما ابتدأ منه) عند الوجود عن عدم أولا
قوله : "اقتضى الأمر جلاء مرأة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة."
(فاقتضى الأمر) جواب تما وإلقاء تبعد العهد، أي اقتضى الأمر المذكور من المشبه والتسوية وكون شأن الحكم الإلهي ما ذكر (جلاء مرآة العالم) ونفخ الروح في صورته المسواة (فکان آدم) بوجوده العيني (جلاء تلك المرأة وروح تلك الصورة)، ولما انجر كلامه رضي الله عنه إلى أن آدم روح صورة العالم أراد أن يبين نسبة الملائكة القادحين في خلافته إلى صورة العالم ومنشأ محجوبيتهم عن إدراك كماله ليكون توطئة للتنبيه على خطابهم في ذلك القدح كما سيجيء عن قريب.
قوله : "وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم بـ : الإنسان الكبير."
قال : (وكانت الملائكة ) القادحون في خلافة آدم وهي ما عدا الجبروت والنفوس المجردة (من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم)الصوفية المحققين (بالإنسان الكبير) صورة كما يعبرون عن الإنسان بالعالم الصغير صورة، وذلك لأن النشأة الواحدة تفصيلها العالم وإجمالها الإنسان ، وإنما قلنا صورة لأن الأمر بحسب المرتبة بالعكس، فإن للخليفة استعلاء على المستخلف عليه
"فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والجنسية التي هي النشأة الإنسانية . "
وإنما فال رضي الله عنه :
من بعض قوى تلك الصورة، لأن لها قوی أخر : كالجن والشياطين (فكانت الملائكة القوى الروحانية من المتخيلة والمتفكرة والحافظة والذاكرة والعاقلة (والحسبة) كالباصرة والسامعة و الشامة والذائقة واللامسة
التي هي (النشأة الإنسانية) فكما أن النفس الناطقة تدبر البدن بواسطة هذه القوى كذلك النفس الكلية تدبر العالم كله بواسطة الملائكة
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 15:42 عدل 11 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الخميس 30 أغسطس 2018 - 15:46 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة السادسة السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة السادسة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، وأن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله.)
قال رضي الله عنه : (وكل قوة) في جسد هذا العالم (منها)، أي من تلك القوى الروحانية والحسية التي هي حقائق الملائكة (محجوبة) عن إدراك حقيقة غيرها (بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها )لاشتغالها بكمالها عن معرفة كمال غيرها من بقية القوى.
(و) ترى (أن فيها فيما تزعم) لا في حقيقة الأمر (الأهلية)، أي الاستعداد التام (لكل منصب عالي) من مراتب القرب الإلهي.
(و) کل (منزلة رفيعة عند الله) تعالى (لما عندها)، أي عند كل قوة من تلك القوى (من الجمعية) لكل وصف إلهي واسم رباني (الإلهية) المنسوبة إلى الإله الذي توجه على خلق تلك القوة بكله.
ولكن ما أودع فيها إلا ما أراد من حضرته.
وكل حضرة من حضراته جامعة لجميع الحضرات، لكن لا من حيث تلك الحضرة المتعينة.
بل من حيث ذلك الحاضر بها في رتبة الذات، ورتبة الموجود الأول قبل كل شيء، ولهذا قال : (دائرة بين ما يرجع من ذلك)، أي من تلك القوة المذكورة.
(إلى الجناب الإلهي) الجامع المتجلی بذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه.
(إلى جناب حقيقة الحقائق)، كلها الجامعة وهي نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أول مخلوق، وقد خلق الله تعالى منه كل شيء، فهو حقيقة كل حقيقة .
والحاصل أن كل قوة من قوى العالم، بل كل ذرة منه جامعة لكل قوة وكل ذرة، والعلم بشيء من العالم بكل شيء منه.
وكل كمال في العالم جامع لكل كمال منه، ولكن هذا كله بالنظر إلى حقيقة تلك القوة وحقيقة تلك الذرة.
فإن حقيقة الحق تعالى هي حقيقة ذلك في عالم الأمر، وحقيقة النور المحمدي هي حقيقة ذلك في عالم الخلق.
ولا شك أن الحقيقة الإلهية والحقيقة المحمدية جامعة لكل كمال.
فما دامت كل قوة وكل ذرة محجوبة بنفسها من غيرها لا جمعية فيها عند نفسها، فإذا ادعت الجمعية والاستعداد التام ادعت ما ليس عندها.
وحقائق الملائكة بل حقيقة كل شيء محجوبة بنفسه تزعم الجمعية والجمعية فيها وهي منحجبة عنها بنفسها ، فلو زال انحجابها صحت دعواها .
(وفي النشأة) الإنسانية (الحاملة) بإمدادها (لهذه الأوصاف) المذكورة من القوى الروحانية والحسية.
(إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية) التي هي أصل الطبائع الأربع الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.
وليست واحدة منها والذي تقتضيه الطبيعة الكل هو جميع العناصر الأربعة المتكاثفة عن تلك الطبائع، وهي: النار والهواء والماء والتراب.
والمواليد الأربعة المتكاثفة عن تلك العناصر، وهي: الجماد والنبات والحيوان والإنسان.
ولهذا قال: (التي حصرت قوابل) جمع قابل وهو: الجسد المستوى المستعد للروح الطبيعي أو العنصري أو الجمادي أو النباتي أو الحيواني أو الإنساني العالم الطبيعي.
(کله أعلاه) وهم الملائكة وكلهم طبيعيون (وأسفله) وهم العالم الجسماني العنصري.
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، وأن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله.)
(وكل قوة منها) أي من القوى الروحانية والجسمانية التي في النشأة الإنسانية ولا حاجة لتعميم القوي إلى ما خرج من النشأة الإنسانية لأن المراد بيان المشبه به.
وهو القوى الإنسانية ليعرف منه أحوال المشبه وهو القرى الخارجة عن النشأة الإنسانية كالملائكة التي نازعت في آدم (محجوبة بنفسها) .
لذلك لا ترى أي لا تعلم (أفضل من ذاتها)، بل تعلم أن ذاتها أفضل من غيرها وترجع بذلك نفسها على غيرها وليس ذلك العلم صوابا منها.
(وإن فيها) أي في النشأة (فيما تزعم) أى في زعمها وهو بدل الاشتمال من قوله فيها وهو خبر إن كما في زعمها (الأهلية) منصوبة على أنها إسم إن.
(لكل منصب عال ومنزلة رفيعة لما عندها من الجمعية الإلهية) فلا ترى أفضل من ذاتها فادعت أنها مستحقة بها بالفعل لاحتجابها بالجمعية الإلهية كما احتجبت قواها بنفسها .
لكن هذه الدعوى والزعم ليس بصواب منها فإن الأنبياء وأهل التحقيق إذا أدعوا لا يدعون إلا ما يتحققون به .
فلم يكن الإنسان أهلا بالفعل بمنزلة رفيعة إلا بالتحقق بها وبعد تحصيلها بمباشرة الأسباب لا بسبب الجمعية الإلهية إذ ما من موجود إلا وعنده من الجمعية الإلهية في التحقيق .
وإنما اختصت بالذكر بالنشأة لظهورها فيها دون غيرها (بين ما يرجع من ذلك) أي هذه الجمعية حاصلة لها ودائرة بين شيء يرجع ذلك فمن زائدة في الموجب على مذهب أبي الحسن وإنما اختاره مع أن سيبويه لم يجز ذلك لمشابهة هذا الكلام صورة بالنفي أو ليجانس ما قبله (إلى الجانب الإلهي) وهو الحضرة الواحدية.
(وبين شيء) يرجع ذلك الشيء (إلى جانب حقيقة الحقائق) وهي الحضرة الإمكانية وفي قوله : (وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية) تقديم وتأخير وتقدير الكلام هكذا وبين شيء يرجع ذلك الشيء إلى ما يقتضيه الطبيعة الكلية في النشأة العنصرية الحاملة لهذه الأوصاف أي القوى الروحانية والجسمانية جميعا.
(التي) أي الطبيعة الكلية (حصرت قوابل العالم) أي صورة القابلة لأرواحه (كله) تأكيد (أعلاه) رهر العالم الروحاني (وأسفله) وهو العالم الجسماني وهو مبدأ الفعل والانفعال والقابلة بجميع التأثيرات الأسمائية والمراد بمقتضى الطبيعة الكمالات الحاصلة لمن عنده هذه الجمعية.
وإنما اختار التقديم والتأخير لئلا يتوهم في أول التوجه أن تكون الصفة صفة لغير موصوفها.
ولما كانت هذه المسألة محل دقة وأشد صعوبة وأهم مهم من مسائل الكتاب أعلم للطالبين من أهل العقل الطريق الموصل إليها ونفي الطريق الغير الموصل حتى ترکوا نظرهم العقلي وتمسكوا بأسباب الفن .

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وإليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.)
قوله رضي الله عنه : "والأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه "وإليه يرجع الأمر كله" (هود: 123) كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة."
إن الحق تعالى من الحضرة الذاتية المقدسة قال بلسان حال ذاتي لنور من أنوار قدسه، وأنوار قدسه نور واحد بسيط لا يوصف بالنهاية فقال له: «کن» أولا لآخر، فحصل له من قوله «کن» تعين فقط لا أكثر من ذلك فيتحقق فيه الأولية.
ولو كان فيه أكثر من حقيقة ذلك التعين لكانت الأولية لأحدهما دون الآخر.
أو يكون كل واحد منهما أولا فيكون القول منه تعالی برز لاثنين لا لواحد، فإذن ما حصل لذلك النور إلا تعينه فقط لكن حقيقته الأولية تستدعي آخرا وإلا لم يتحقق الأولية ولا بد منها ليظهر حكم «کن» فحصل لذلك النور بالتعين المذكور أن يتميز عن بقية الأنوار.
وأن يكون فيه قابلية للظهور بصورة ثاني يكون لأوليته ذلك الثاني آخرا كما قلنا، فتعين ذلك النور تعينا آخر فكان كون آخر غيره فسمي النور في مرتبة التعين الأول قلما أعلى .
وسمي هو بعينه في مرتبة التعين الثاني لوحا محفوظا.
لكن التعين الأول الذي هو القلم الأعلى شهد في قول الحق تعالی له: «کن» أولا لآخر، يعني تهيئة لظهور اللوح المحفوظ منك. فقالت ذاته بلسان الحال: سمعا وطاعة.
فإن القول في تلك المراتب ليس إلا بلسان الحال فقول الحق تعالی له: تهيئا هو المعنى الذي عبر عنه. بأنه قال له: أقبل فأقبل وأدبر فأدبر.
فقال له تعالى: "وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أكرم علي منك، فبك آخذ وبك أعطي".
قلت: يعني أن آدم هو الناطق المخبر عن العالم الكبير، علوه وسفله، وكذلك بنوه أخبروا عن العقل الأول وهو القلم.
وأخبروا عن النفس الكلية وهي اللوح.
وأخبروا عن الهيولى والصورة وهي الجسم.
وأخبروا عن الأركان الأربعة والمولدات ومما في العالم من الكميات والكيفيات والإضافات والمكان والزمان والملكات والانفعالات والأفعال.
ووصفوا هيئات الأفلاك وكواكبها وحركاتها وتداخلها، وعرفوا منافعها ومضارها وخواصها وأعراضها.
وعطفوا على أجسامهم، فعلموا تشريحها وعدد عروقها وأنواع ما فيها كما فعل جالینوس وشيعته إلى غير ذلك.
وأشرف من هذا كله ما وهبه الله تعالى أولياءه من شهود حضرته القدسية وما خص به محمدا رسول الله، عليه السلام، من إحاطة الخلافة بسائر مراتب خلفاء الله تعالى مما لا ينحصر في مقال ولا يسع ذكره الأيام والليالي.
قوله: "وروح تلك الصورة".
قلت: يعني بالصورة الأفلاك من محدب التاسع إلى نقطة مركز الأرض وهو العالم الكبير وهذا العالم جسم و آدم روحه في التمثيل والتشبيه وجعله روحا مجازا.
قوله:  "وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير، فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية " 
قلت: يعني أن قوى العالم تسمى ملائكة أيضا وهي له كالقوى التي في الإنسان الروحانية والجسمانية الحسية ، وباقي هذا الفصل ظاهر في كلام الشيخ لا يحتاج إلى شرح.
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، وأن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله.)
قال رضي الله عنه : "وكلّ قوّة منها محجوبة بنفسها ، لا ترى أفضل من ذاتها " .
ولأنّ كلّ قوّة منها مجلى لتجلَّي الأحدية الجمعية ، ولكن تعيّن سرّ الجمع والأحدية فيه ليس إلَّا بحسبه ، وظهور التجلَّي فيه يقتضي خصوصيّته ، فكانت كل قوّة منها لهذا محجوبة بنفسها .
لا ترى أفضل من ذاتها ، وذلك كذلك ، لكون الكلّ في الكلّ ولكنّها غابت عن أشياء كثيرة بمحبّتها لنفسها ، كما قال : « حبّك الشيء يعمي ويصمّ » فإنّ كون الكلّ في كل منها بحسبه لا بحسب الكلّ ، وظهور الكلّ بحسب الكلّ لا يكون إلَّا في الكلّ .
ولكنّ الكلّ له ثلاث مراتب :
الأولى  : مرتبة جمع الجمع والأحدية ، وهي الحقيقة الإنسانية الإلهية التي حذي آدم عليها .
والثانية : صورة التفصيل الإنساني الإلهيّ ، أعني العالم بشرط وجود الإنسان الكامل في العالم .
والثالثة صورة أحدية جمع الجمع الإنساني الكمالي ، فظهور الكلّ في مرتبة جمع الجمع الأحدي لا تفصيل فيه ، وأنّه مرتبة الإجمال.
وظهور الكلّ في مرتبة أحدية جمع الجمع الإنساني ظهور كامل جامع بين الجمع والتفصيل ، والقوّة والفعل ، فإنّ الكلّ في الكلّ إنسان كامل بالقوّة دفعة بالفعل في كل زمان بالتدريج ، كما قال المترجم ، شعر :
تجمّعت في فؤاده همم   .... ملء فؤاد الزمان إحداها
فإن أتى دهره بأزمنة   ..... أوسع من ذا الزمان أبداها
قال الشيخ رضي الله عنه : ( وأنّ فيها ) يعني في كلّ قوّة منها ( فيما تزعم الأهلية لكل منصب عال ، ومنزلة رفيعة عند الله ، لما عندها من الجمعية الإلهية بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي ، وإلى جانب حقيقة الحقائق ) .
قال العبد : يعني رضي الله عنه : أنّ كلّ قوّة من هذه القوى والأرواح الملكية تزعم في نفسها أنّ لها أهلية كلّ منزلة عالية وفضيلة سامية عند الله من القيام بمظهريات الأسماء والصفات والشؤون والتجلَّيات والسمات والسبحات .
لما تحقّق في نفسها أنّ لها مرتبة الجمعية الإلهية بين ما هو راجع من تلك المناصب والمنازل الرفيعة إلى الحضرة الإلهية الوجوبية وحقائق نسب الربوبية ، وبين ما يرجع منها إلى جانب حقيقة الحقائق المظهرية الكيانية .
فإن لحقيقة حقائق العالم وحضرة الإمكان جمعية خصيصة بها ، ولكلّ منها خصوص في جمعية ليس للآخر كما ستعلم . وقد علمت أنّ الكمالات في الجمع والاستيعاب والإحاطة .
فلمّا رأت وظنّت كلّ قوّة منها أنّ فيها الجمعية بين الجمعية الإلهية والجمعية الكيانية ، زعمت أنّ لها أهلية كلّ فضيلة وكمال فحبست بهذا الزعم عن كمال الحق الظاهر في الكلّ بعين الكلّ ، فزكَّت نفسها وجرحت غيرها وخرجت عن الإنصاف .
قال الشيخ رضي الله عنه : ( و في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلَّية التي حصرت قوابل العالم كلَّه أعلاه وأسفله ) .
عطف على قوله : " إلى جانب الحق ، وإلى جانب حقيقة الحقائق " وإلى ما تقتضيه الطبيعة الكليّة في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف . وفيه تقديم وتأخير .
والطبيعة الكلّ هي الطبيعة الكليّة و « الكلّ » في هذه العبارة بدل أو عطف بيان ، بمعنى أنّ الكلّ طبيعة واحدة والطبيعة التي هي الكلّ والطبيعة الكلَّية في مشرب التحقيق إشارة إلى الحقيقة الإلهية الكلَّية الحاصرة لقوابل العالم وموادّها الفعّالة للصور كلَّها .
وهي ظاهرية الألوهية وباطنها الإلهية ، وهذه الحقيقة تفعل الصور الأسمائية بباطنها في المادّة العمائية وهي منها وعينها ، ولا امتياز بينهما إلَّا في التعقّل لا في العين ، فإنّ النشأة واحدة جامعة بحقيقتها للصور الحقّانية الوجوبية والصور الخلقية الكونية .
ثم اعلم أنّ الحقائق ثلاث :
الأولى  : حقيقة مطلقة بالذات ، فعّالة ، مؤثرة ، واحدة ، عالية واجب لها [ الوجود ] بذاتها من ذاتها ، وهي حقيقة الله سبحانه وتعالى .
والثانية : حقيقة مقيّدة ، منفعلة ، متأثّرة ، سافلة ، قابلة للوجود من الحقيقة الواجبة بالفيض والتجلَّى وهي حقيقة العالم .
وحقيقة ثالثة : أحدية جامعة بين الإطلاق والتقييد ، والفعل والانفعال ، والتأثير والتأثّر ، فهي مطلقة من وجه ونسبة ، ومقيّدة من أخرى ، فعّالة من جهة ، منفعلة من أخرى . وهذه الحقيقة أحدية جمع الحقيقتين ، ولها مرتبة الأوليّة الكبرى والآخرية العظمى ، وذلك لأنّ الحقيقة الفعّالة المطلقة في مقابلة الحقيقة المنفعلة المقيّدة ، وكلّ مفترقين فلا بدّ لهما من أصل هما فيه واحد مجمل ، وهو فيهما متعدّد مفصّل ، إذ الواحد أصل العدد والعدد تفصيل الواحد .
وكل واحدة من هذه الحقائق الثلاث حقيقة الحقائق التي تحتها ، ولمّا سرت أحدية جمع الوجود في كل حقيقة من الجزئيات والشخصيات ، انبعثت إنائيّة كلّ تعيّن تعين بأنّ له استحقاق الكمال الكلَّي الأحدي من حيث ما أشرنا إليه وما تحقّقت من أنّ تعيّن الكمال الأحدي الجمعي الأكبر إنّما يكون بحسب القابل واستعداده كما مرّ .
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، وأن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله.)
قوله رضي الله عنه : ( وكل قوة منها محجوبة بنفسها ) إذ لم يكن عندها إلهيته الاجتماعية فلا تدرك ما ليس فيها .
فهي ( لا ترى شيئا أفضل من ذاتها ) لمعرفتها بنفسها وما تحتها واحتجابها عما فوقها .
قوله ( وإن فيها فيما تزعم الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله ) بكسر إن وإن في هذه النشأة على حسب زعمها أي زعم النشأة الأهلية .
لما ذكر بالحقيقة أو بفتحها عطفا على أفضل أي لا ترى أن في هذه النشأة على زعمها الأهلية وفي بعض النسخ وإن فيها ما يزعم الأهلية أي شيئا يزعم الأهلية وهو قلبه لا غير أي نفسه الناطقة وحقيقته لأن القوى محجوبة عنها ولفظة ما على الأول مصدرية وعلى الثاني موصوفة .
قوله ( لما عندها ) تعليل لدعوى الأهلية المذكورة .
أي لما عندها ( من الجمعية الأهلية بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي وإلى جانب حقيقة الحقائق وفي هذه النشأة الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم أعلاه وأسفله )
أي من بين ثلاثة أشياء :
أحدها الجناب الإلهي وهو الحضرة الواحدية .
والثاني : حقيقة الحقائق أي الأحدية وهي الذات التي بتجليها يتحقق الحقائق كلها وهي حقيقة الوجود من حيث هو هو ، فهي بحقيقتها تحقق حقائق العالم العلوي والسفلى ولهذا وسطها بين العالم الروحاني وبين العالم الجسماني .
والثالث : الطبيعة الحاصرة للقوابل كلها ، فهذه الجمعية هي أحدية حقيقة الحقائق في معانى الأسماء وعوالم الروحانيات .
وفي صور الأسماء وعوالم الجسمانيات فلا يخرج من أحدية الجمعية الإنسانية شيء وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره وإلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله في هذه النشأة الحاملة لهذه الأوصاف .
والكل بدل من الطبيعة أو عطف بيان لها ، والمراد الطبيعة الكلية الجسمانية الحاصرة لطبائع أنواع الأجسام الفلكية والعنصرية.
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، وأن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله.)
قوله(وكل قوة منها محجوبة بنفسها، لا ترى أفضل من ذاتها) أي، كلواحدة من هذه القوى الروحانية سواء كانت داخلية في النشأة الإنسانية أو خارجية منها، محجوبة بنفسها، لا ترى أفضل من نفسها، كالملائكة التي نازعت في آدم.
وكالعقل والوهم، فإن كلا منهما يدعى السلطنة على هذا العالم الإنساني ولا ينقاد لغيره، إذ العقل يدعى أنه محيط بإدراك جميع الحقائق والماهيات، على ما هي عليه، بحسب قوته النظرية.
وليس كذلك، ولهذا انحجب أرباب العقول عن إدراك الحق والحقائق لتقليدهم عقولهم.
وغاية عرفانهم العلم الإجمالي بأن لهم موجدا ربا منزها عن الصفات الكونية، ولا يعلمون من الحقائق إلا لوازمها وخواصها.
وأرباب التحقيق وأهل الطريق علموا ذلك مجملا وشاهدوا تجلياته وظهوراته مفصلا، فاهتدوا بنوره وسروا في الحقائق سريان تجليه فيها وكشفوا عنها خواصها ولوازمها، كشفا لا تمازجه شبهة، وعلموا الحقائق علما لا يطرأ عليه ريبة.
فهم عباد الرحمان الذين يمشون في أرض الحقائق هونا وأرباب النظر عباد عقولهم الصادر فيهم: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم).
أي، جهنم البعد والحرمان عن إدراك الحقائق وأنواره، أي، لا يقبلون إلا ما أعطته عقولهم. وهكذا الوهم يدعى السلطنة و يكذبه في كل ما هو خارج عن طوره، لإدراكه المعاني الجزئية دون الكلية. ولكل منهما نصيب من السلطنة.
قوله: (وأن فيها فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية) جملة ابتدائية أو حالية أو عطف على (أفضل).
وعلى الأول (إن) مكسورة، وعلى الثاني والثالث مفتوحة. وضمير
(فيها) على التقادير الثلاثة عائد إلى (النشأة) وفاعل (تزعم) ضمير يرجع إليها أيضا.
و (ما) (فيما تزعم) مصدرية. و (الأهلية) منصوب على أنها اسم (أن).
وضمير (لما عندها) عائد إلى (النشأة). فمعناه، على كسر الهمزة: وإنفي النشأة الإنسانية الأهلية لكل منصب عال، كما في زعمها لما عندها من الجمعية الإلهية.
وعلى فتحها حالا: أي، والحال أن في النشأة الإنسانية الأهلية كما فيزعمها لما عندها من الجمعية الإلهية.
وإسناد (الزعم) إلى (النشأة) مجاز. أي، كما في زعم أهلها. إذ كل فرد من أفراد هذا النوع يزعم أن له الأهلية لكل منصب عال.
وعلى فتحها عطفا، معناه: أن كل قوة محجوبة بنفسها لا ترى أفضل منذاتها ولا ترى أن في النشأة الإنسانية الأهلية لكل منصب عال، كما تزعم هذه النشأة بسبب الجمعية التي عندها، لاحتجابها بنفسها عن إدراك كمال غيرها لزعمها أن لها الأهلية، لا للنشأة.
وفي بعض النسخ: (مايزعم). أي، شيئا يزعم وهو القلب أو العقل أو الوهم:
أما القلب فلكونه سلطانا في هذه النشأة، وأما العقل فلادعائه إدراك الحقائق كلها، وأماالوهم فلسلطانه على العالم الحسى و إدراكه المعاني الجزئية.
فيكون (الأهلية) منصوبة بيزعم، و (ما) اسما. و الظاهر أنه تصرف ممن لا يقدر على حل تركيبه، لأن أكثر النسخ المعتبرة المقروة علىالشيخ وتلاميذه بخلاف ذلك.
قوله: (بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق و، في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف، إلى ما يقتضيه الطبيعة الكلية).
وفي بعض النسخ: (الطبيعة الكل). فـ (الكل) بدل منها أو عطف بيان لها.
قوله: (التي حضرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله) إشارة إلى أن هذهالجمعية حاصلة لها من أمور ثلاثة دائرة بينها:
أولها، راجع إلى الجناب الإلهي. وهو الحضرة الواحدية، حضرة الأسماء والصفات التي لكل موجود منها وجه خاص إليه من غير واسطة. كما مر تقريره.
ثانيها، راجع إلى الحضرة الإمكانية الجامعة لحقائق الممكنات الموجودة والمعدومة.
وهو الوجه الكوني الذي به تميزت عن الربوبية واتصفت بالعبودية وحقيقة الحقائق كلها.
وإذ كانت هي الحضرة الأحدية والواحدية لكن لما جعلها قسيما ومقابلا للجناب الإلهي الشامل للحضرة الأحدية والواحدية وكان المراد منها الحقائق الكونية فقط لا الإلهية، حملناها على حضرة الإمكان.
وقد تطلق ويراد بها حضرة الجمع والوجود، وهي مرتبة الإنسان الكامل، كما ذكره شيخنا، قدس الله روحه، في كتاب المفتاح.
وقد يطلق أيضا ويراد بها (الجواهر)، كماصرح به الشيخ في كتاب إنشاء الدوائر. وذكر فيه أنه أصل العالم كله. وهذاالنص يؤكد ما ذهبنا إليه من أن المراد بها ما يجمع حقائق الكونية لا الإلهية، لذلكجعلها قسيما للجناب الإلهي.
وثالثها، راجع إلى الطبيعة الكلية وهي مبدأ الفعل والانفعال في الجواهر كلها، وهي القابلة لجميع التأثيرات الأسمائية.
وذلك إشارة إلى (ما) فيقوله: (ما يرجع). و (من) زائدة. أي، تلك الجمعية دائرة بين شئ يرجع ذلك الشئ إلى الجناب الإلهي، وبين شئ يرجع إلى جناب حقيقة الحقائق، وبين شئ يرجع إلى ما يقتضيه الطبيعة الكلية.
والمراد بقوله: (وإلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية) الاستعداد الخاص الحاصل لصاحب هذه الجمعية وقابليته فيهذه النشأة الطبيعية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله.
ففي قوله: "وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف، إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية" تقديم وتأخير. تقديره: وإلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية في هذه النشأة الحاملة لهذه الأوصاف.
والمراد بـ (النشأة) هنا النشأة العنصرية، إذ للإنسان ثلاث نشآت:
روحية، وطبيعية عنصرية، ومرتبية، وهي مقام الجمع بينهما.
والمراد ب (الأوصاف) الكمالات الإنسانية. ويجوز أن يكون المراد بها القوى الروحانية والجسمانية، لذلك قال: (في النشأة الحاصلة لهذه الأوصاف) أي،النشأة التي تحمل هذه القوى جميعا لتضاهي به مقام الجمع الإلهي والكمالات لا توصف بالمحمولية.
وإنما سماها (أوصافا) مجازا، لأنها لا يقوم بنفسها، كما لا يقوم الصفات إلا بموصوفها، ولأنها مبدأ الأوصاف، فأطلق اسم الأثر على المؤثر مجازا.
وكل من المعنيين يستلزم الآخر، إذ بين الأثر والمؤثر ملازمة من الطرفين.
والمراد بـ (العالم) يجوز أن يكون عالم الملك السماوي والعلوي والعنصري السفلى، ويجوز أن يراد به العالم كله، الروحاني والجسماني.
لان مرتبة الطبيعة الكلية محيطة بالعالم الروحاني والجسماني وحاصرة لقوابلهما، والعلو والسفل يكونان فيهما بحسب المرتبة، فالعلو للعالم الروحاني والسفل للعالم الجسماني.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، وأن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله.)
فقال:(وكل قوة) منها أي: من قوى العالم والإنسان (محجوبة بنفسها) ترى الكمال لأنفسها وأفعالها من الإدراكات، وغيرها (لا ترى أفضل من ذاتها).
ولذلك اعترضت الملائكة على آدم، ولا ينقاد الوهم للعقل، ولا العقل للوهم، و«إن» بالكسر على أن الجملة حالية، وبالفتح على أنه عطف على قوله: "بنفسها"
أي: ومحجوبة (بأن فيها) أي: في تلك القوى فيما تزعم «ما» مصدرية، والجار والمجرور متعلق بقوله: «فیها».
(الأهلية لكل منصب عال) کالخلافة، والتصرف في كل العالم.
(ومنزلة رفيعة عند الله) من تحصيل المعارف الإلهية على الكمال مع العبادة التامة (لما) هو متعلق بقوله: «محجوبة» أي: بقوله لا ترى أي: بقوله تزعم (عندها) أي: في أنفسها أو قوابلها (من الجمعية الإلهية) أي: من جمع الله تعالی فيها.
(بين ما يرجع من ذلك) أي: مما عندها (إلى الجناب الإلهي) أي: عالم الأسماء باعتبار ظهورها في ذلك، وبين ما يرجع (إلى جانب حقيقة الحقائق) عالم الإمكان المشتمل على حقائق الممکنات، وهذا يعم كل قوة في العالم أو الإنسان.
ثم أشار إلى ما يختص بالقوى الإنسانية؛ فقال: وبين ما يرجع (في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف) أي: في نشأة الإنسان الحاملة الأهلية كل منصب عال، ومنزلة رفيعة، ذكر ذلك مبالغة في التعجب من احتجاجها بأنفسها مع كونها في هذه النشأة (إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية)؛ فإن هذه القوى الروحانية في الإنسان، إنما حصلت من امتزاج الطبائعالعنصرية، وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والفلكية فيه.
فلذلك قيد الطبيعة بالكلية، ثم صرح بقوله: (التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله)، وهذا هو الذي أكد احتجابها إذ بذلك نظرت أنها جامعة للأسرار الإلهية والكونية لكنه غلط إذا لو تم جمعها التم تصرفها في العالم كتصرف روح الإنسان الكامل فيه.
"" قال الشيخ رضي الله عنه في الفتوحات المكية باب السادس والمائتين  : أما أنوار الطبيعة فهي أنوار يكشف بها صاحبها ما تعطيه الطبيعة من الصور في الهباء وما تعطيه من الصور في الصورة العامة التي هي صورة الجسم الكل وهذه الأنوار إذا حصلت على الكمال تعلق علم صاحبها بما لا يتناهى وهو عزيز الوقوع عندنا وأما عند غيرنا فهو ممنوع الوقوع عقلا حتى إن ذلك في الإله مختلف فيه عندهم وما رأينا أحدا حصل له على الكمال ولا سمعنا عنه ولا حصل لنا وإن ادعاها إنسان فهي دعوى لا يقوم عليها دليل أصلا مع إمكان حصول ذلك وأنوار الطبيعة مندرجة في كل ما سوى الحق وهي نفس الرحمن الذي نفس الله به عن الأسماء الإلهية وأدرجها الله في الأفلاك والأركان وما يتولد من الأشخاص إلى ما لا يتناهى.""

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، وأن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله.)
قال رضي الله عنه : ( وكلّ  قوّة منها محجوبة بنفسها ، لا ترى أفضل من ذاتها ، وأنّ فيها فيما تزعم) أي لا ترى أنّ في تلك الصورة فيما تزعمه كل قوّة منها من الشرف والعلو ( الأهليّة لكلّ منصب عال ) علوّ ظهور وغلبة ( ومنزلة رفيعة ) رفعة معرفة وعلم ، قدسيّا كان ذلك المنصب أو ما يقابله ، أو مقدّسا منهما .
ويمكن أن يجعل هذا جملة حاليّة بكسر إنّ لكن الأول أدقّ ، وعلى التقادير فالضمير في «فيها» عائد إلى « الصورة » ، لا إلى النشأة ، لعروّ الكلام حينئذ عن ملابس الانتظام و «ما» في « فيما تزعم » موصولة لا مصدريّة ، وفاعل « تزعم » ضمير ما يرجع إليه فاعل ترى ، لا ما يرجع إليه « فيها » على ما لا يخفى على الفطن ، إذ أهليّة آدم ليست ادعائيّة وفي زعمه ، كغيره من القوى. وكان قوله : ( عند الله ) لرفع هذا الوهم .
ثمّ هاهنا دقيقة لا بدّ للمستكشف من تذكَّرها ، وهي أنّه قد ظهر لك ممّا مرّ أنّ الوحدة الحقيقيّة الذاتيّة التي قد أشير إليها  في طيّ تسوية العبارتين إنّما يظهر صور سرّها في المحلّ المنظور فيه ، الذي هو القابل المقابل ، الذي هو قبل كل قبل .
وليس ذلك غير حصول الاستعداد من القابل ، الذي هو عين النفخ من الفاعل ، فتبيّن أنّه قد انخلع في طيّ طوى جلال القابل نعلا ثنويّة التقابليّة .
ثمّ إذا تذكرت هذا فاعلم أنّه ليس بين الصيغ المتداولة عند الناس بدلالاتها الوضعيّة ما يدلّ على ذلك الواحد دلالة المصدر وما يجري مجراه من الأوصاف المنسوبة ، ومن هاهنا ترى أئمّة العربيّة يجعلون دلالته على متقابلي التذكير والتأنيث والواحد والكثير متساوية النسب .
وأيضا فإنّ الأمور الدالَّة على النسبة وجه دلالتها على ذلك الواحد أظهر ، ضرورة انطوائها على الثلاثة مع الجهة الجمعيّة الوحدانيّة ، فهي أتمّ بيان عنه ، ومن ثمّة ترى العبارات المعربة القرآنيّة كثيرا ما تدلّ عندما يفصح عنه على القرب والمعيّة وما يحذو حذوها .
فلا يخفى على من وقف على هذه الدقيقة وجه اختياره لفظ «الأهليّة» دون «الأهل» في قوله : «أنّ فيها فيما تزعم الأهليّة» ولفظ «عندها» دون «فيها» في قوله : "لما عندها" .
فقوله ( لما عندها من الجمعيّة الإلهيّة ) تعليل لما ادّعاه في تلك الصورة مما لا يراه قواها الجزئية من الأهلية لسائر المناصب العلية والمنازل الرفيعة .
وذلك لما عند تلك الصورة التي روحها آدم من الأحدية الجمعية الإلهية و الإحاطة التامة الإطلاقية التي لايشذ منها شيء .
من عاليات الأعيان إلى سافلات الأكوان مع ما في النشأة الحاملة لمقتضى الطبيعة الكل ، الحاصرة قوابل العالم ، حصر امتزاج واتحاد ، بحيث تتعاكس فيه خصائص الكل ، وتتبين فيه رقائق الارتباط والاتحاد من الكل بالكل .
منها أوائل غلب عليها أحكام الوجود ، وظهر منها آثار الوجوب ، بها نسبت إلى الجناب الإلهي ، لأن مرجع تلك الأحكام إنما هو إليه ، فلها أهلية التجرد والتنزه وشرف الاستغناء والتفرد .
ومنها أواخر غلب عليها الأحكام العدمية الكونية وظهر منها آثار الإمكان ، بها نسبت إلى جانب حقيقة الحقائق ، ضرورة أن للآخر تقدما ذاتيا في أزل الآزال.
الذي فيه يتحقق الحقائق كما سبق التنبيه عليه فهى المنتسب إلى حقيقة الحقائق ، ولها أهلية التعلق والتشبه ، وختة الاحتياج والتكثر .
ومنها النشأة الجامعة بينهما ، الطبيعة الكل ، الحاصرة للقوابل كلها حصرا جميعا اتحادیا .
فعلم على ذلك أن صورة آدم هي التي عندها هذه الجمعية المستجمعة ( بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي ، و ) بين ما يرجع منها ( إلى جانب 
حقيقة الحقائق  وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف ) أي القابلة لها ، المستعدّة لأن يتولَّد منها ويظهر عنها بالفعل .

وهي أهليّة كلّ المناصب العليّة والمنازل الرفيعة ، وقد نبّهت آنفا على ما يدلّ على اختياره الأوصاف هاهنا .
فظهر أنّ الجمعيّة التي عند الصورة المذكورة ، المسمّاة بالإنسان الكبير ، منطوية على ثلاث جمل : ثنتان منها اللذان بالفعل ، مرجعهما إلى الجناب الإلهي وجانب حقيقة الحقائق .
وثالثها الذي بالقوّة وهو المكمّل  مرجعه ( إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلّ ، التي حصرت قوابل العالم كلَّه ، أعلاه ) أي الأعيان الوجوديّة المسمّاة بالعقول والنفوس.
( وأسفله ) أي الأكوان العدميّة المسماة بالأجسام والأعراض ضرورة أنّ الثالث هذا برزخ بين ما يرجع إلى الجناب والجانب .
فإنّ الشيخ قد صرح في غير موضع من كتبه أنّ الكلّ طبيعيّة على ما عليه مذهب الأقدمين - كما سيجيء تحقيقه .
وأمّا ما تقتضيه تلك الطبيعة فهو النسب المستحصلة عند تعاكس أعيان العالم في قوابلها.
وظهور خواصّ بعضها للبعض ولأنفسها جمعا وفرادى كما قد اطَّلعت عليه فلا يزال يتربّى أجنّة تلك الأوصاف المشخّصة بآثار خواص النسب المذكورة في بطون طبيعة الكلّ ومشيمة نشآتها الحاصرة .
إلى أن يتولَّد ويظهر شخص كمالها بصورة إحدى الجمعيّتين اللتين بمنزلة الأبوين له ، من أعلى درجات الربوبيّة إلى أقصى دركات العبوديّة.
وإليه أشار الشيخ في نقش الفصوص بقوله : « ولهذا ما ادّعى أحد من العالم الربوبيّة إلا الإنسان لما فيه من القوّة .
وما أحكم أحد من العالم مقام العبوديّة في نفسها إلَّا الإنسان ، فعبد الحجارة والجمادات التي هي أخزل الموجودات .
فلا أعزّ من الإنسان بربوبيّته ، ولا أذلّ منه بعبوديّته ، فإن فهمت فقد أبنت لك من المقصود بالإنسان . 
فانظر إلى عزّته بالأسماء الحسنى وطلبها إيّاه ، فمن طلبها إيّاه تعرف عزّته ، ومن ظهوره بها تعرف ذاته ، فافهم من
 هاهنا تعلم أنّه نسخة من الصورتين : "الحقّ والعالم " إلى هنا كلامه بعبارته .

فقوله : « وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه الطبيعة » عطف على قوله : «من ذلك إلى  الجناب» ، من قبيل العطف على معمولي عاملين مختلفين ، ولكن بإعادتهما .
ولما كان ما في هذا القسم مستجنّا في بطون قابليّة النشأة ، وهي غير مشتملة عليه بالفعل كما في القسمين الأوّلين أورد « في » هاهنا بإزاء « من » تنبيها إلى ذلك .
وفي بعض النسخ « الطبيعة الكلَّية » ، فالكلَّي فيها ليس الكلَّي المنطقي ، بل المنسوب إلى الكلّ ، فإنّه الحاصر لأجزائه على ما قصد هاهنا .
التعبير ب « حواء » عن النشأة الإنسانية : إذ قد ظهر لك أنّ النشأة العنصريّة الإنسانيّة هي امّ الأوصاف المشخّصة والأعراض المحصّلة لأفراد الإنسان وجزئيّاته ، لا يبعد أن يجعل «حوّا » المستخرجة من الجنب الأيسر لصورة آدم إشارة إلى تلك النشأة الحاملة لها كلّ البعد لأنّ استخراجها من مكامن القوّة إلى الفعل واقع في الطرف الشمالي من الصورة ، مائل إليه ، وإن كان لآدم وحوّا بحسب كلّ طور لهما معنى يناسبه كما نبّهت عليه في المقدّمة من أكمل الأطوار وأشملها .
وإذ قد عرفت أنّ كلّ قوّة من القوى الجزئيّة التي في هذه الصورة محجوبة بنفسها ، واقفة لديها ، لا يمكن أن يكون لها من تلك الحيثيّة وقوف على الحقيقة الإطلاقيّة ، التي هي أصل صور العالم أعني الطبيعة الحاصرة للقوابل التي هي مورد المتقابلات ومعتنقها ، فالعقل بقوّته النظريّة  لا يتمكَّن من إدراكها  أصلا بدون ذوق إليّ وكشف إلهي ، فلذلك ترى أهل النظر من المتكلَّمين والحكماء المشّاءين يحصرون الطبيعة في العنصريّات فقط .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، وأن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله.)
"وكل قوة محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها. "
(وكل قوة) من تلك القوى الملكية (محجوبة بنفسها) عن معرفة فضيلة الجمعية الإنسانية الكمالية (لا تری) ذاتا (أفضل من ذاتها ) بل ترى ذاتها أفضل مما عداها (وإن فيها) بالهمزة المكسورة عطف على جملة كل قوة، ومشعر بتعليل مضمونها ، والضمائر كلها راجعة إلى القوة.
وصححها القيصري بفتح الهمزة وجعلها معطوفة على أفضل من ذاتها والضمير للنشأة الإنسانية
"وأن فيها فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عالي ومرتبة رفيعة عند الله ما عندها من الجمعية الإلهية ."
ولكن يأبى عنه قوله :  (فيما تزعم)، أي أن كل قوة في زعمها لا في الواقع (الأهلية لكل منصب عالي ومنزلة رفيعة) كالخلافة (لما) تحتق (عندها)، أي عند كل فترة (من الجمعية الإلهية) أحدية جميع الأسماء والصفات الوجوبية والحقائق المظهرية الإمكان دائرة
بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف - إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حضرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله ."
بين (ما يرجع من ذلك)، أي مما عندها (إلى الجمع الإلهي) أحدية جمع الأسماء الوجوبية الغالبة الفعالة المؤثرة (و) بین ما يرجع منها (إلى جانب حقيقة الحقائق) الإنسانية السافلة المنفعلة المتأثرة (و) بين ما يرجع منه (في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف)، أي القرى التابعة لها تبعية الأوصاف لموصوفاتها إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية من الصورة الروحانية والمثالية والجسمانية وتوابعها، وفي بعض النسخ الطبيعة الكل، فالكل بدل منها أو عطف بيان لها، ولما كانت الطبيعة في عرف أهل النظر مختصة بالجسمانيات، وأراد تعميمها كما يقتضيه الكشف وصفها بقوله : (التي حصرت قوابل العالم كله) و مواده (أعلاه) الروحاني (وأسفله) الجسمانين
اعلم أن الحقائق ثلاث:
الأولى :حقيقة مطلقة فعالة واحدة عالية واجبة وجودها بذاتها وهي حقيقة الله تعالى.
والثانية : حقيقة مقيدة منفعلة سافلة قابلة للوجود من الحقيقة الواجبة بالفيض والتجلي وهو حقيقة العالم.
وحقيقة ثالثة : أحدية جامعة بين الإطلاق والتقييد والفعل والانفعال والتأثير والتأثر فهي مطلقة من وجه مقيدة من آخر فعالة من جهة منفعلة من أخرى.
وهذه الحقيقة أحدية جمع الحقيقتين ولها مرتبة الأولية الكبرى والآخرية العظمى. وذلك لأن الحقيقة الفعالة المطلقة في مقابلة الحقيقة المنفعلة المقيدة وكل مفترقين فلا بد لهما من أصل هما فيه واحد مجمل وهو فيهما متعدد مفصل، إذ الواحد أصل العدد والعدد تفصيل الواحد، وظاهرية هذه الحقيقة هي الطبيعة الكلية الفعالة من وجه، والمنفعلة من آخر .
فإنها تتأثر من الأسماء الإلهية وتؤثر في موادها وكل واحدة من هذه الحقائق الثلاث حقيقة الحقائق التي تحتها.
ولما سرت أحدية جمع الموجود في كل حقيقة من الجزئيات انبعثت إنابة كل تعين تعين بأن نه استحقاق الكمال الكني الأحدي وما تحققت أن تعين الكمال الأحدي الجمعي إنما يكون بحسب القابل واستعداده
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 15:27 عدل 8 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الخميس 30 أغسطس 2018 - 15:56 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة السابعة السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة السابعة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها. وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم.)
(وهذا) يعني جمع الإنسانية الكبرى والصغرى لجميع ما تقتضيه الطبيعة الكل من قوابل العالم كله أعلاه وأسفله. وكذا كل ما كان من هذا القبيل من علوم المعرفة
(لا يعرفه) معرفة تامة لما هو عليه في حقيقة ثبوته (عقل) کامل (بطریق نظر فکري) .
إذ النظر الفكري يثبت في العقل حقيقة الشيء تابعة لما يقتضيه ذلك العقل من القوة الخيالية , لا تابعة لما عليه ذلك الشيء في نفسه.
ولم يقل لا يعرفه عقل مطلقا، إذ العقل في إدراكه للعلوم له طريقان:
طريق النظر الفكري وهو طريق خطئه في الغالب.
وطريق قبوله ما يلقى إليه بالفيض الرباني بعد وزنه بالميزان الشرعي ونقده بمحك الكتاب والسنة إذا كان مؤيدة بها معرفة وإتقانه .وهذا طريق صوابه دائما.
وقد أشار إلى الثاني بقوله :
(بل هذا الفن) الذي هو فن المعارف الإلهية والعلوم الربانية بالحقائق الغيبية والشهودية (من الإدراك) الإنساني (لا يكون)، أي لا يوجد دائما (إلا عن كشف) بتکمیل قصور الإدراك حتى يجد الأمر ظاهرة على ما هو عليه، غير أن الإدراك كان قاصرة عنه فقوي في معرفته .
(إلهي)، أي منسوب إلى الإله، وهو الكشف الصحيح المؤيد بالكتاب والسنة كما ذكرنا.
(منه)، أي من ذلك الكشف الإلهي (يعرف ما)، أي: أي شيء
(أصل صور العالم) المعقولة والمحسوسة (القابلة لأرواحه) المختلفة الملكية والحيوانية والنباتية وغير ذلك.
فإن الأرواح كلها متعينة أولا في حقيقة القلم الأعلى الذي هو النور الأول.
مثل تعيين الحروف الحاملة للمعاني في المداد المحمول في رأس القلم.
ثم تفصلت منه بكتابتها في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض.
مثل تفصيل الحروف المكتوبة في قرطاس بماء البصل، حيث لا يستبين على القرطاس من كتابتها شيء منها .
وهذه الحروف هي صور المعاني والمعاني أرواحها المخلوقة قبلها.
أي المعينة لها وتلك المعاني موجودة في هذه الحروف، ولكن وجود دلالة وتدبير لهذه
الحروف لا وجود حلول واتحاد، وهي لم تبرح من قلب المتوجه على كتابة الحروف .
ثم إن تلك الحروف المكتوبة بماء البصل إذا مسها حرارة النار تبينت حروف مرسومة يخالف لونها لون القرطاس فتظهر للقارىء فيقرأها فيفهم معانيها الظاهرة فيها.
وههنا تتوجه تلك الأرواح المتعينة في حقيقة القلم الأعلى التي رسمت في اللوح المحفوظ صورة وأشكالا غیر متبينة على تلك الصور والأشكال بسبب التوجه الأصلي من همة الكاتب الحامل لأرواح هذه الصور والأشكال :
فتنبعث الحرارة الغريزية والحركة الشرقية الروحانية، فتتبين بذلك تلك الصور والأشكال في عالمها المخصوص الذي هو عالم الطبائع والعناصر.
فإذا تم تبينها وهو المراد بتسوية الجسد قوي التوجه المذكور.
فسرت الروح النباتية النامية بعد الروح الجمادية المظهرة لصورة الجسد فقط،.
ثم تسري الروح الحيوانية المحركة.
ثم الروح الإنسانية المكملة للظهور الإلهي على أتم الوجوه الممكنة.
فتتحقق صورة الإنسان وتتميز عن غيرها في هذه الأكوان.
(فسمي هذا المذكور) الجامع لقوابل العالم كله أعلاه وأسفله كما ذكرنا (إنسانا) وهو الاسم الأصلي (وخليفة) وهو الاسم اللقبي.
(فأما إنسانيته) التي سمي بها أولا (فلعموم نشأته)، أي سريانها في كل نشأة روحانية أو طبيعية أو عنصرية وحصره الحقائق العلوية والسفلية.
(كلها) بحيث لا تبقى حقيقة في العالم إلا وفيه منها رقيقة متصلة يمدها بروحه الأمري الإلهي.
وتمده هي بروحها الجمادي والنباتي والحيواني ولهذا لا غناء له عن الغذاء المحسوس.
فهو لعموم نشأته يمدها وبذلك شرف عليها وصار مكرمة.
قال تعالى : "ولقد كرمنا بني آدم "70 سورة الإسراء.
و بحصره الحقائق كلها فيه تمده هي لسبقها عليه ولكبرها بالنسبة إليه .
كما قال تعالى: "لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس" 57 سورة غافر . (وهو)، أي هذا الإنسان المذكور (للحق) تعالى النافخ فيه من روحه الأمري الإلهي النوري الذي هو المخلوق الأول من جهة إمداده تعالی کل حقيقة كونية من حقيقة هذا الإنسان كما ذكرنا.
(بمنزلة إنسان العين)، وهو نورها الذي يظهر سوادا تبصر به بحيث لو زال أو قل زال أبصارها (من العين) الإنسانية أو الحيوانية (الذي به یکون)، أي يوجد (النظر)والإدراك للأشياء على وجه التمييز بين حسنها وقبيحها.
(وهو المعبر عنه بالبصر)، وإنما يظهر سوادة وهو نور مشرق، لأن جميع ما يقابله ظلمة بالنسبة إليه.
لأنه الروح الأمري المنفوخ وهو روح کل جماد ونبات وحيوان وإنسان وملك وجن.
ولكن ما قبل كمال الظهور إلا في الإنسان الكامل فقط دون غيره فنسب إليه، وسمي في غيره باسم أنزل منه، كما أن الآدمي ظهر في هذا العالم بالعصيان والمخالفة لأمر الله تعالى.
ولا عصيان ولا مخالفة في الحقيقة غير عدم قبول بقية العالم لكمال ظهور الروح الأمري.
ظهر ذلك ظلمة وسواد في نور مرآة الروح الأمري فكان سوادة في إدراك كل رائي.
قال تعالى : " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها" 27 سورة الأحزاب.
وهذا حقيقة العصيان والمخالفة الظاهرة في آدم عليه السلام وبنيه إلى يوم القيامة ، والمراد بالجبال كل منجبل من العناصر الأربعة والطبائع الأربع وإنما عوقب بذلك من عوقب من بني آدم لغلبة حيوانيته على إنسانيته .
(فلهذا)، أي لأنه من الحق بمنزلة إنسان العين من العين (سمي إنسانا فإن به)، أي بهذا الإنسان الكامل (نظر الحق) تعالى (إلى خلقه) جميعهم (فرحمهم) بإمدادهم منه، فلا إمداد لشيء إلا منه ، لأنه محل نظر الله تعالى لخلقه.
وقلبه محل الوسع الإلهي الذي ضاقت عنه السموات والأرض مع كبرها بالنسبة إليه.
كما ورد في الحديث القدسي: "ما وسعني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن التقى" وهو العبد الكامل في رتبة العبودية.
هو واحد في كل زمان إلى يوم القيامة، وإن تعدد من حيث الظهور الجسماني .
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها. وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم.)
وأشار إليها فقال : (وهذا) المذكور أمر (لا يعرفه) على ما هو عليه (عقل بطريق فكري بل هذا الفن) بجميع مسائله (من الإدراك لا يكون) أي لا يحصل للعقل.
(إلا عن كشف إلهي) فهذا المذكور لا يعرفه العمل إلا بالكشف الإلهي لأنه مسألة من مسائله بل هو أم الفصوص وأصل جميع مسائل الفن.
فيحتاج إلى الكشف كمال الاحتياج (منه) أي من الكشف (یعرف) على الوجه اليقين (ما أصل) يعني أن شيء حقيقة (صور العالم) المساواة القابلة لأرواحه وهي حقيقة الحقائق كلها وهي الذات الإلهية من حيث أسمائه الحسنى منه متعلق بيعرف قدم للحصر .
فإن قلت : إن كان الطالب من أهل النظر فلا حظ له من الفن لأنه قال في حقه لا يعرفه عقل .
وإن كان من أهل الكشف فلا يحتاج إلى إبراز الكتاب لأنه قال في حقه إلا عن کشف.
فما معنى قوله : وأخرج به إلى الناس ينتفعون به حكاية عن الرسول عليه السلام .
وقوله : ثم منوه على طالبيه بإسناده إلى نفسه.
قلت : أما أهل النظر فيحصل له في قراءة ذلك الكتاب من أهل الكشف واليقين منافع كثيرة وإن لم يحصل له كمال المنفعة فيدخل تحت قوله تعالی : "أو ألقى السمع وهو شهيد"37 سورة ق . بسبب قراءته كما لا يخفى .
وأما أهل الكشف فيحتاج إلى مطالعة الكتاب في إدراك المعاني المعتبرة بألفاظ منتظمة فيه فلا يكفي مجرد کشفه بل مع مطالعته إن كان من أهل
المطالعة أو القراءة إن كان من أهله فإن مفردات القرآن الكريم وأجزائه معروفة للعرب قبل نزول القرآن العظيم .
وأما المعاني المبينة بالقرآن الحكيم فيحتاج في إدراكها إلى الكلام القديم.
فهذا الكتاب كرامة قوليه له: لا يأتي مثله في هذا الفن أحد من المصنفين لا قبله ولا بعده .
فلا يتصور إدراك هذه المعاني بالكشف إلا من جهته كما لا يصل العلم إلى معاني القرآن إلا من الجهة القرآنية .
فمن لم يصل إليه بعد إبرازه مع القدرة فلا نصيب له من معانيه ولو كان أهل کشف فاجتهد.
فإن المراد بإبراز الكتاب منفعتنا به فهو مأمور بالإبراز بصيغة الأمر الحضوره فيه بقوله : خذه واخرج به إلى الناس ونحن مأمورون بصيغة الغيبة لغيبتنا فيه.
بقوله ينتفعون به فوجب به علينا الانتفاع.
فالكامل والناقص بعد إبراز الكتاب سواء في احتياج الانتفاع فلا يليق لنا ترك أمر الرسول عليه الصلاة والسلام.
(فسمي هذا المذكور)، وهو الكون الجامع (إنسانا وخليفة فأما إنسانيته فلعموم نشانه) وهي المرتبة الجامعة بين النشأة الروحانية وهي على صورة الحق والجسمانية وهي من حقائق العالم وصوره.
(وحصره الحقائق كلها) من الإلهيات والكونيات، فإنه حينئذ يونس جميع الحقائق فهو من الإنس (وهو) بيان لوجه تسمية أخرى (للحق بمنزلة إنسان العين) بفتح الهمزة (من العين الذي به يكون النظر وهو المعبر عنه بالبصر فلهذا) أي فلأجل أنه للحق بمنزلة إنسان العين من العين .
(سمي إنسانا) بكسر الهمزة للفرق (فإنه) تعليل لقوله وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين أي أن الشأن (به) أي بالمذكور لا بغيره (نظر الحق إلى خلقه) أي إلى موجوداته الخارجية بعد إيجادها به .
فالمقصود الأصل بإيجاد الإنسان الكامل النظر به وهو النظر بالغير في النظر بالذات لا كالنظر بالواسطة إلى خلقه فأحب النظر إليهم بالحب الذاتي (فرحمهم) بسبب نظره الحبي إليهم وأعطى حوائجهم على حسب استعدادهم .
وإنما قال : فرحمهم مع أن المقصود يتم بدونه وهر بيان لوجه التسمية إشارة إلى أن نظر الحق إلى عباده نظر عناية أزلية .
فإن الله تبارك وتعالى أحب أن ينظر إليهم على الدوام بحسب العوالم ومن لا يحبه شيئا لم ينظر إليه .
فنظر إليهم بعد إيجادهم بسبب حبه فرحمهم بسبب نظره ففيه بشارة للمذنبين حتى لا يقنطوا من رحمة الله .
وإنما فسرنا الخلق بالموجودات فإن النظر بالغير لا يتعلق بالمعدوم كالصورة الحاصلة في المرأة.
فإنه لا يتعلق النظر بها إلا بعد وجودها في المرآة فإن مآل النظر ونتيجته الرحمة والشفقة للمنظور إليه الذي يمسه العذاب ولو مغضوبا للناظر فضلا عن أن يكون محبوبا له .
بخلاف العلم الخالي عن النظر فهو نظر الرحمة والشفقة لا نظر الوجود ولو کان نظر الوجود .
كما قال الشيخ رضى الله عنه في التدبيرات الإلهية القطب معلوم غير معين وهو خليفة الزمان ومحال النظر والتجلي ومنه يصدر الآثار على ظاهر العالم وباطنه وبه يرحم ويعذب من يعذب.


شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها. وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم.)
و قوله رضي الله عنه : "وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فکری بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه، فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها، وهو للحق تعالی بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر وهو المعبر عنه بالبصر فلهذا سمي إنسانا فإنه به نظر الحق تعالى إلى خلقه فرحمهم"
قلت: يريد بالنظر استعمال المقدمات والنتائج لكن يعرفه العقل من حيث ما هو قابل للتجلي الإلهي .
فإذن العقل له اعتباران:
أحدهما من جهة ما هو فاعل بالفكر ومن هذه الجهة لا يدرك هذه الأمور.
والآخر من جهة ما هو قابل وهذه هي جهة الكشف.
فالأولى طريقة الفكر وهذه الثانية طريقة الذكر.
والأولى طريقة الفلاسفة والمتكلمين
وهذه الثانية طريقة طالبي الحق تعالى من المتشرعين ..
قوله: وسمي إنسانا إلى آخر المعنى. قلت: والشيخ قد ذكر لأي شيء قد سمي إنسانا وهو التشبيه بإنسان العين.
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها. وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم.)
قال الشيخ رضي الله عنه : ( وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكريّ بل هذا الفنّ من الإدراك لا يكون إلَّا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه ).
قال العبد أيّده الله به : هذا إشارة إلى علم الطبيعة الكلّ التي حصرت قوابل العالم أعلاه وأسفله ، والطبيعة الكلَّية إشارة إلى ظاهرية الحقيقة الفعّالة للصور ، كما ذكرنا .
واعلم : أنّ الصور أعمّ ممّا عرفت عرفا في تعريف العرف الفلسفي الظاهر والنظر الرسمي ، والكشف والتحقيق يقضيان بأنّها اعمّ ممّا عرفوا وعرّفوا ، ولا تختصّ بالجسمانية ، بل قد تكون الصور عقلية وخيالية وذهنية ونورية وروحانية وإلهية.
كما جاء في الصحيح : « إنّ الله خلق آدم على صورته » فللَّه تعالى صورة إلهية نورية لائقة بجنابه تعالى.
ويقال : صورة المسألة وصورة الحال .
وقال : " رأيت ربّي في أحسن صورة ".
وكان الروح الأمين يأتي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في صورة " دحية " وغيره .
وقد تمثّل لمريم " بَشَراً سَوِيًّا " مع تحقّق أنّ الأرواح غير متحيّزة .
فكان  ظهور روحانيّ في صورة مثالية ، وحقيقة الصورة هيئة اجتماعية من أوضاع شكلية في أي مادّة فرضت في أيّ أجزاء قدّرت ومثّلت ، فافهم .
وإذا تحقّقت حقيقة الصورة ، علمت أنّها أعمّ ممّا قيل ، والصور في طور التحقيق الكشفي علوية وسفلية :
والعلوية حقيقية وهي صور أسماء الربوبية والحقائق الوجوبية ، ومادّة هذه الصور وهيولاها عماء الربّ ، والحقيقة الفعّالة ، لها أحدية جمع ذات الألوهة ، وظاهرها الطبيعة الكلية . والعلوية الإضافية هي حقائق الأرواح العقلية والأرواح المهيّمة والأرواح النفسية والملكية المهيّميّة ، ومادّة هذه الصور الروحانية في مشرب التحقيق والكشف النور .
وأمّا الصور السفلية الإمكانية من الحقائق الكيانية مطلقة فهي صور الحقائق الإمكانية والنسب المظهرية الكيانية .
وهذه الصور أيضا منقسمة إلى علوية وسفلية ، فالعلوية منها ما ذكرنا من عالم الأمر أنّها علوية إضافية ، فإنّها علوية بالنسبة إلى الحقائق الجسمانية ، وموادّها وهيولاها عماء المربوب والكون من النفس الرحماني ، ويسمّى هذا العماء عماء ، لكونه مشوبا بالظلمة .
ومن الصور العلوية الكونية صور عالم المثال المطلق والمقيّد وعالم البرازخ ، ومادّة هذه الصور وهيولاها الأنفاس والأعمال والأخلاق والملكات والنعوت والصفات .
وأمّا السفلية الكونية فهي صور عالم الأجسام ، وهي أيضا علوية وسفلية :
فالعلويات هي العرش والكرسي والأفلاك والكواكب والسماوات ، ومادّتها الجسم الكلَّي .
والسفلية الجسمانية منها فهي العناصر والعنصريات ، وهي أيضا علوية وسفلية :
فالعلوية منها هي صور الأرواح الهوائية والنارية والمارجية ، ومادّة هذه الصور الهواء والنار وما اختلط منهما مع باقي الثقلين من الأركان المغلوبين في الخفيفين كما ذكرنا في الموضع الأنسب بذلك.
والسفلية الحقيقية هي ما غلب في نشأته الثقيلان وهما الأرض والماء على الخفيفين وهما النار والهواء
وهي ثلاث :
صور معدنية . -  وصور نباتية . - وصور حيوانية .
وكل عالم من هذه العوالم يشتمل على صور شخصيات لا تتناهى ولا يحصيها إلَّا الله تعالى .
والطبيعة هي الحقيقة الحاملة لهذه الصور كلَّها من كونها عين المادّة من وجه ، ومن وجه أخرى الفعّالة لهذه الصور كلَّها ، وحقيقتها هي الأحدية الجمعية الذاتية الفعّالة لصورتها في نفسها بنفسها . فالطبيعة الكلّ وإن كانت مظهر الفعل الذاتي الإلهي .
ولكن حقيقتها حقيقة أحدية جمع الصور الفعلية والانفعالية في العوالم الربانية والعوالم الكيانية ، والصورة الكلية المطلقة منفعلة على الإطلاق في المادّة العمائية الكلَّية الكبرى عن هذه الحقيقة الفعلية الذاتية للحقيقة الإلهية الكامنة في التعيّن الأوّل ، وهي منه وفيه ، والفاعل هو الله .
والطبيعة باعتبار آخر من قوى النفس الكليّة سارية في الأجسام الطبيعية السفلية والأجرام العلوية ، فاعلة لصورها المنطبعة في موادّها الهيولانية المعلومة لحكماء الرسوم .
وبالاعتبار الأوّل قوّة كلَّية من قوى النفس الإلهية الفعّالة للصور كلَّها معنويّها العلمية الإلهية الأزلية والعقلية والروحانية والنفسانية والمثالية والنورية والطبيعية والعنصرية والخيالية والذهنية والتصوريّة واللفظية النفسية الإنسانية من صور الحروف والكلمات ، والرقية كذلك ، فافهم .
وما أظنّك تفهم فادرج ، فليس نفسك إن كنت مقيّدا للحق .
وقد أشار الله تعالى إلى نفسه التي من قوّتها هذه الطبيعة الكلَّية بقوله :" وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَه " , " وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي " .
فالطبيعة الكلية بهذا الاعتبار قوّة من قوى النفس الإلهية الذاتية الكلية التي لا يعلم ولا يحيط بما فيها إلَّا الله .
كما قال الله تعالى إخبارا وحكاية عن العبد الصالح : " تَعْلَمُ ما في نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ ". وكما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : " أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك لا أبلغ كلّ ما فيك " .
فلمّا كانت أحدية الجمعية الإلهية ، وأحدية الجمعية التي بحقيقة الحقائق ، وأحدية الجمع التي للطبيعة الكلية في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف كلَّها من الحقيّة والخلقية وما تحتهما سارية بالنفس الرحماني إلى الحقائق والقوى كلَّها بالكمالات والمناصب الراجعة إلى هذه الجمعيات وفي كل ملك ملك.
وقوّة قوّة وصورة صورة ، زعمت أنّ لها أهلية هذه الكمالات كلَّها ، وأنّى لها ذلك ؟
وما لكلّ منها إلَّا مقام معلوم ، فافهم .
فإنّ هذا الكشف من أصعب العلوم الخصيصة بكشف مرتبة الكمال المحمدي الختمي ، ولا يناله إلَّا من ورث خاتم النبيين ومشكاة خاتم الأولياء المحمديين .
حقّقنا الله والإخوان والأودّاء الإلهيين بعلومه ومقاماته وأحواله ومشاهده ومنازلاته ومعاريجه ، إنّه عليم قدير حكيم خبير .
ثم اعلم : أنّ الكشف عبارة عن رفع الحجب الظلمانية والنورية التي بين الحقيقة وبين المدرك منّا ، فإن كان المدرك النفس أو العقل ، والمدارك قواهما النفسانية النظرية والفكرية بطريق ترتيب المقدّمات وترتيب المبادئ والمفردات على الوجه المؤدّي إلى الغايات.
فهو طريق البرهان والاستدلال باللوازم القريبة والبعيدة على الملزومات ، فهي وإن كانت في زعم أهلها موصلة إلى إدراك الحقائق ، فليست موصلة إلى الحقائق من حيث هي هي في العلم الأزلي مجرّدة عن النسب والإضافات .
بل من كونها موجودات وملزومات ومعروضات للعوارض ولوازم ، لا من حيث هي حقائق مطلقة فإنّ ذلك لا يكون إلَّا بكشف حجب هذه اللوازم والعوارض من حيث هي حجب.
كذلك فإنّ الملزومية والعارضية والمعروضية نسب عارضة على الحقائق عند تلبّسها بالوجود العيني ، فإنّها في علم الله حقائق غيبيّة معنوية عريّة عن الوجود العيني .
أو قل : هي نسب علمية أزليّة ، أو صور معلوميّات الأشياء ، أو حروف الكلمات النفسية الرحمانية ، أو شؤون ذات اللاهوت ، أو الأعيان الثابتة في العلم الذاتي ، أو الماهيات ، أو هويات الموجودات من شأنها أنّها إذا وجدت لأعيانها ، كان بعضها ملزومات ومعروضات ، وبعضها لوازم وعوارض ولواحق .
كلّ هذه الاعتبارات والعبارات صادقة ، ويتداولها طائفة من المحقّقين في عرفهم الخاصّ بهم ، وهي في عرصة العلم الذاتي متمايزة بخصوصياتها الذاتية يدركها المكاشف عند رفع الأستار ، والتجلَّي والشهود متمايزة الحقائق لخصوصياتها ، ولا يدركها المفكَّر كذلك .
بل إنّما يدرك هذه الحقائق متلبّسة بالوجود العيني الموجب للتوحيد ، والرافع للتمييز والتعديد ، ونظنّ أنّها لم تزل على هذا ، وليس ذلك كذلك .
فإذا انشرحت العقول عن حجابيّات قيود العادات ، وانطلقت عن عقال ضمنيات الكائنات ، ويخلص السرّ الإلهيّ من أحكام التعيّن وآثار القيود الحجابية ، وانكشفت عن بصائرها وأبصارها الأستار ، حينئذ تأتّى للمدرك أن يدرك الحقائق على ما هي عليها في عالم الحقائق والمعاني .
وقد يظنّ العامّة من ظاهرية المتفلسفة ، أنّ علم الحقائق على ما هي عليها عبارة عن إدراكها في هذه اللوازم والعوارض واللواحق وأنّها لا تحقّق لحقائق بدونها في الخارج .
وهذا المتفلسف المدّعي للحكمة ما عرف الفرق بين حقائق الأشياء وبين أعيانها فإنّه ما أدرك إلَّا أعيان الموجودات ولم يدرك الحقائق من حيث إطلاقها وباطنها الحقيقية مجرّدة عن هذه العوارض واللوازم واللواحق ، وهو معذور لكون هذا العلم والشهود فوق طور العقل ، وراء طور الفكر ، والفرق بين المقامين بيّن ، فانظر ما ذا ترى ؟
وإذا تحقّقت ما ذكرنا ، علمت أنّ من الكشف ما هو عقلي وهو الذي يدركه العقل بجوهره النوري المطلق عن قيود الفكر والمزاج .
ومنه ما هو نفسانيّ وهو ما يحصل للنفوس المطلقة عن قيودها المزاجية بإدمان الرياضات والمجاهدات من النفوس الكلَّية العالية ، بكشف حجاب ما به المباينة والممايزة .
ومن الكشف ما هو روحاني ، وذلك بعد كشف الحجب النفسانية والعقلية ومطالعة الروح الإنساني لمطالع الأنفاس الرحمانية .
ومن الكشف ما هو رباني بطريق التجلَّي ، إمّا بالتنزّل والتدلَّي ، أو بالمعراج والتسلَّي ، أو بالمنازلات بأسرار التولَّي والتجلَّي ، أو بالجمع والتجلَّي بعد التخلَّي من الربّ المتولَّي .
وهو متعدّد بحسب تعدّدات الحضرات الأسمائية فإنّ للحق تجلَّيا من كل حضرة ، ومن الحضرات.
وأعلى التجلَّيات الأسمائية هو التجلَّي الإلهيّ الجمعيّ الأحديّ الذي يعطي المكاشفات الكلَّية الأحدية الجمعية ، وليس كلّ كشف كذلك.
وفوقها التجلَّي الذاتيّ الاختصاصيّ الذي يعطي الكشف بحقيقة الحقائق ومراتبها ، وبحقيقة النفس والعلماء ، وبالحقيقة الإلهية ، وبحقيقة الطبيعة الكلَّية ، فافهم واعرف قدر ما دسّيت لك من الأسرار ، والله وليّ التوفيق والتحقيق .
ثمّ أعلم : أنّ « الحقيقة » يصدق إطلاقها على كل ما له تحقّق في الجملة بالإطلاق العامّ ، فثمّ حقيقة تحقّقها بذاتها وهي حقيقة الحق ، وقد تكون حقيقة تحقّقها لا بذاتها .
بل تحقّقها بما هو متحقّق بذاته من ذاته ، إمّا في العلم أو في العين أو في بعض مراتب الوجود أو في جميعها دائما أو لا دائما ، بل في وقت دون وقت .
وعلى هذا يصدق إطلاق الحقيقة على الحق والخلق وعلى النسب والإضافات والجواهر والأعراض ، إن قلنا إنّ الخلق له تحقّق ، وقد تكون الحقيقة واحدة وكثيرة ، ومطلقة ومقيّدة ، فاعلم ذلك .
قال الشيخ رضي الله عنه : ( فسمّي هذا المذكور إنسانا وخليفة . فأمّا إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلَّها .
وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر وهو المعبّر عنه بالبصر ، فلهذا سمّي إنسانا فإنّه به ينظر الحقّ إلى خلقه ، فيرحمهم ) .
يعني رضي الله عنه : أنّ اعتبار الحقيقة الإنسانية على وجه يكون الاشتقاق اللفظي محفوظا فيه ، إن كان بمعنى الأنس من كونها مؤنسة للحقائق ومأنوسة.
وليس سائر الحقائق كذلك لكون كلّ حقيقة غيرها ممتازة عن غيرها بخصوصها المباين الموجب للغيرية بخلاف الحقيقة الإنسانية فإنّها أحدية جمع جميع الحقائق الحقيّة والخلقية والبرزخية .
فما امتازت الحقيقة الإنسانية عنها إلَّا بأحدية جمع الجمع والإحاطة ، وبها أنست بالكلّ ، وأنس بها الكلّ بعضه بالبعض .
ولهذا لم يكن مثله شيئا لعموم نشأته جميع النشئات ، وعدم عموم غيرها لأنّها ما من نشأة من النشآت إلَّا وفي نشأته نظيرتها .
وما من حقيقة  من الحقائق إلَّا وفي الحقيقة الإنسانية محتدها وأصلها لأنّ العوالم كلَّها على صورة الإنسان .
كما أنّ الإنسان على صورة الله فما من عرش ولا كرسي ولا فلك ولا روحاني ولا كوكب ولا منازل ولا بروج ولا سماوات ولا أرضين ولا نار ولا هواء ولا تراب ولا ماء ولا مولَّد من معدن ونبات وحيوان ماش أو ساع أو سائح أو طائر أو ناش إلَّا وفي النشأة الإنسانية أمثالها ونظائرها .
ولهذا قيل : الإنسان هو العالم الصغير .
وقالوا : العالم الإنسان الكبير .
وفيه نظر على ما سنبيّنه في موضعه ، فهو بصورته الطبيعية وبروحه جامع لخصائص عالم الأرواح من المهيّمة ومن العقول والنفوس والملائكة والجنّ ، وكذلك يجمع بحقيقته الإنسانية البرزخية بين بحريّ الوجوب والإمكان  وبين الإطلاق والتعيّن .
وقابليته أجمع القابليات ، ومظهريته أكمل المظهريات ، وما يخصّه من الفيض والتجلَّي أتمّ وأكمل وأعمّ وأشمل .
وبهذا استحقّ الخلافة وسجود الملائكة فإنّ السجود هو الدخول في الطاعة والتذلَّل والانقياد والخضوع.
فلمّا جمعت النشأة الإنسانية الكمالية بسعة قابليته وحيطة دائرة استعداده جميع الحقائق والقوى القائمة بصور العالم ، والمنتشرة والمطويّة منها في أعلاه وأسفله ، سجدت الملائكة التي هي عبارة عن صور أرواحها لآدم هو أوّل مظهر إنساني لافتقار العالم في كماله إلى وجوده واستغناء الإنسان بنشأته الكاملة عن العالم وما فيه .
فهو على حدته مغن عن العالم ، أو كان في مظهرية التجلَّي الذاتي الأحدي الجمعي والأسماء التفصيلية الفرعية .
والعالم بلا إنسان كامل غير كامل ولا كاف فيما ذكر .
ولهذا ما عرفته الملائكة إلَّا أسماء حين سألهم الحق عنها بقوله : " أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ " ، أي هؤلاء النسب والحقائق الإلهية الزمانية ، إشارة إلى حقائق الأسماء متجلَّية في صورها النورية وحقائق الموجودات القابلة لتلك التجليات .
فلمّا لم يعرف الملائكة أسماء تلك الصورة النورانية والحقائق المعنوية من حيث التمايز والخصوصيات التي تقوّمت بها نشأتهم .
قال الله تعالى : " يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ " أي أعلمهم وأخبرهم بأسمائهم .
أي بيّن المظاهر وأسماء الحق ، التي هم مستندون إليها في وجودهم فإنّ كلّ واحد منهم مظهر لحقيقة مخصوصة من حقائق أسماء الواجب الوجود ، وخادم لاسم معيّن ، وسادن لنسبة ربانية من النسب الإلهية ، فكلّ منهم لا يعرف الحقّ إلَّا من حيث مظهريته المعيّنة وقابليته الجزئية واستعداداته الخصوصية.
فالحق المسمّى بفتح الميم وآدم المسمّى بكسر الميم والملائكة لا يعرفون الحق ولا أنفسهم ولا ما يستند إليه من الأسماء إلَّا من وجه جزئي تعيّنيّ .
ولهذا لمّا أنبأهم آدم بأسمائهم في الحضرات الأسمائية ، وأظهر خصوصيات عبدانيات كلّ واحد منهم لاسم هو ربّه ، وأنبأهم بأسماء الحق ، التي هم مستندون إليها التي لها السلطان والحكم عليها.
قالوا : " سبحانك لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ".
فلهذا أنس بهذه الحقيقة الإنسانية الكلّ ، وأنس بالكلّ ، فسمّي الوجود الحق المتعيّن في هذه الحقيقة الكلَّية المطلقة إنسانا .
وهو « فعلان » من الأنس على صيغة المبالغة .
وسمّي أيضا إنسان العين إنسانا بهذا الاعتبار لأنّ العين تأنس بكلّ ما تقع عليه ولا يناسبه أيضا نور الحق المتعيّن بالجمع في نار الفرق .
وإيناس النور في النور مؤنس يعطي الأنس لناظر الناظر ، ولأنّ الإنسان من عين الإنسان آلة النظر ، وإدراك ظاهرية المبصرات وإبصار كلّ ذي بصر إنّما هو بحسبه .
وكان نظر الله أحديا جمعيا بأحدية جمع العلم والشهود لظاهرية أحدية جمعيات الحقائق والأشياء ، ولم يكن في الموجودات والحقائق حقيقة جمعية أحدية جامعة لجميع الجمعيات إلَّا هذا المظهر الأعمّ الأكمل ، والمنظر الأتمّ الأجمع الأوسع الأشمل ، به نظر الله في إبصاره لظاهريات الحقائق كلَّها ، فهو مجلى النظر الإلهي وإنسان العين المنزّهة ، فسمّاه بهذه الاعتبارات إنسانا .
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها. وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم.)
( وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكرى )
فإن العقل من الجناب الإلهي التي هي الحضرة الواحدية فلا يدرك إلا الحقائق المتعينة الكلية مع لوازمها في عالمها الروحاني .
وأما الجزئيات الجسمانية التي هي ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم فلا يعرفها وكذلك لا يعرف الحقيقة التي تحقق الحقائق الكلية والجزئية أي الذات التي تحقق بفيضها الأقدس أي تجلى الذاتي حقائق الروحانيات والجسمانيات وبتجليها الشهودى واسمها النور يظهر الكل .
فإنها لا يعرفها إلا عينها ، قوله وفي هذه النشأة الحاملة لهذه الأوصاف من القوى الروحانية ولوازمها من الحياة والقدرة والعلم والإرادة وأمثالها .
يشعر بأن الأوصاف المحمولة من النشأة المعنوية الروحانية المعبر عن عالمها بالجناب الإلهي .
قوله ( بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهى منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه )
إشارة إلى أن صورة العالم أيضا حقائق وأعيان وأصل الحقائق هو الذات الأحدية فحقيقة الحقائق كما تحقق الحقائق الروحانية في العالم الذي سماه الجناب الإلهي لتحقق أسماء الألوهية فيه فهي تحقق الحقائق الجسمانية في العالم السفلى بتجل واحد ذاتى .
فأصل الجميع أي الجناب الإلهي وما تقتضيه الطبيعة الكلية الحاصرة للقوابل واحد ، وهو الذات الأحدية السارية في الكل ولهذا قال عليه الصلاة والسلام « لو دلى أحدكم دلوه لهبط على الله وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله » .
وكيف يدرك العقل هذا المعنى فإنه لا يدركه إلا هو نفسه ، ولا يكشف إلا على من يأخذه من نفسه بنفسه.
( فسمى هذا المذكور إنسانا وخليفة ، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها ) أي لأن نشأته تحوى الحقائق كلها ، وجميع مراتب الوجود العلوية والسفلية بأحدية الجمع التي ناسب لها حقيقة الحقائق.
وهي الجمعية المذكورة إذ لا شيء في النشأتين إلا وهو موجود فيه أي لا مرتبة في الوجود إلا وشيء منها فيه فناسب وجود الكل مؤانسا به ، فسمى إنسانا لأنه عالم صغير ، والعالم يسمى إنسانا كبيرا ، أو باعتبار آخر ( وهو ) أنه ( للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر وهو المعبر عنه بالبصر )
لأن الله تعالى نظر به إلى الخلق فرحمهم ( فلهذا سمى إنسانا ) أيضا .
والمعنى أنه المقصود من خلق العالم لأنه الحامل للسر الإلهي وأمانته أي معرفته والمقصود من الكل معرفته ،.
كما قال « فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق »
فلو لا محبة المعرفة لم يخلق الخلق فلا يعرفه من العالم إلا الإنسان فلو لا الإنسان العارف باللَّه لم يخلق العالم فالعالم تابع لوجوده
( فإنه به نظر الحق إلى خلقه فرحمهم ) أي فهو الذي نظر به إلى الخلق الموقوف هو عليهم فرحمهم بالإيجاد.
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها. وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم.)
قوله: (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه) .
أي، هذا الأمر المذكور وتحقيقه، على ما هو عليه، طور وراء أطوار العقل، أي النظري، فإن إدراكه يحتاج إلى نور رباني يرفع الحجب عن عين القلب ويحدبصره فيراه القلب بذلك النور، بل يكشف جمع الحقائق الكونية والإلهية.
وأما العقل بطريق النظر الفكري وترتيب المقدمات والأشكال القياسية، فلا يمكن أن يعرف من هذه الحقائق شيئا، لأنها لا تفيد إلا إثبات الأمور الخارجية عنها اللازمة إياها لزوما غير بين. والأقوال الشارحة لا بد وأن يكون أجزاؤها معلومة قبلها إنكان المحدود مركبا، والكلام فيها كالكلام في الأول.
وإن كان بسيطا لا جزء له في العقل ولا في الخارج، فلا يمكن تعريفه إلا باللوازم البينة، فالحقائق على حالها مجهولة.
فمتى توجه العقل النظري إلى معرفتها من غير تطهير المحل من الريون الحاجبة إياه عن إدراكها، كما هي، يقع في تيه الحيرة وبيداء الظلمة ويخبط خبطةعشواء.
وأكثر من أخذت الفطانة بيده وأدرك المعقولات من وراء الحجاب لغاية الذكاء وقوة الفطنة من الحكماء زعم أنه أدركها على ما هي عليه، ولما تنبه في آخر أمره، إعترف بالعجز والقصور. كما قال أبو على عند وفاته عن نفسه:
يموت وليس له حاصل * سوى علمه أنه ما علم وقال أيضا:
إعتصام الورى بمغفرتك  .... عجز الواصفون عن صفتك
تب علينا فإننا بشر   ..... ما عرفناك حق معرفتك
وقال الإمام:
نهاية إدراك العقول عقال  ..... وغاية سعى العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا  ..... سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
وأما الذات الإلهية فحار فيها جميع الأنبياء والأولياء، كما قال، صلى الله عليه وسلم: "ما عرفناك حق معرفتك" و "ما عبدناك حق عبادتك".
وقال أبو بكر،رضى الله عنه: "العجز عن درك الإدراك إدراك"
وقال آخر:
قد تحيرت فيك خذ بيدي   ..... يا دليلا لمن تحير فيكا
وقال الشيخ:
ولست أدرك من شئ حقيقته  .... وكيف أدركه وأنتم فيه
وإنما قيد قوله: (بطريق نظري فكري) لأن القلب إذا تنور بالنور الإلهي، يتنور العقل أيضا بنوره ويتبع القلب، لأنه قوة من قواه، فيدرك الحقائق بالتبعية إدراكا مجردا من التصرف فيها، ويسلم أمره إلى الله المتصرف بالحقيقة في كل شئ.
ويعترف اعترافه الأول بقوله: "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم."
قوله: (منه يعرف)... أي، من الكشف الإلهي يعرف ما الذي ظهر على صور العالم التي قبلت لأرواحه.
وضمير (أرواحه) عائد إلى (العالم). وإنما قيد (الكشف) بـ (الإلهي) لخروج الصوري والملكي والجني، وكشف الخواطر والضمائر وأمثالها، فإنها لا تعطى ذلك.
بل كشف الحقائق الأسمائية والتجليات الصفاتية تعد القلوب للتجليات الذاتية المفنية لما سواها الجاعلة لجبال الإنيات دكا، فتفنى فيها فناء يوجب البقاء الأبدي، فتطلع بحقيقتها وحقيقةغيرها بالحق، وتعلم أن الذات الإلهية هي التي تظهر بصور العالم، وأن أصل تلك الحقائق وصورها، تلك الذات، وأنها هي التي ظهرت في الصورة الجوهرية المطلقة التي قبلت هذه الصور كلها من حيث قيوميتها.
والمراد بـ (الصور) يجوز أن يكون الأجسام القابلة للأرواح، ويجوز أن يكون الأجسام والأجساد المثالية والهياكل النورية، فيكون مشتملا على جميع العقول والنفوس المجردة وغير المجردة والجن وغيرها، لأن لكل منها صورة في عالم الأرواح حسب ما يليق بكمالاته، كما مر بيانه في المقدمات.
(فسمى هذا المذكور إنسانا وخليفة. فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها.
وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر، وهوالمعبر عنه بالبصر، فلهذا سمى إنسانا) أي، سمى هذا الكون الجامع إنسانا وخليفة.
أما تسميته (إنسانا) فلوجهين:
أحدهما، عموم نشأته. أي، اشتمال نشأته المرتبية على مراتب العالم وحصره الحقائق، أي المفصلة في العالم.
وذلك لأن (الإنسان) إما مأخوذ من (الأنس) أو من (النسيان).
فإن كان من (الأنس)، وهو ما يؤنس به، فهو حاصل للإنسان لكونه مجمع الأسماء ومظاهرها وتؤنس به الحقائق وتحصر في نشئاته الجسمانية والروحانية والمثالية لإحاطة النشأة إياها.
وإن كان من (النسيان)، وهو الذهول عن بعض الأشياء بعد التوجه إليه بالاشتغال إلى غيره، فالإنسان
بحكم اتصافه بـ (كل يوم هو في شأن) لا يمكن وقوفه بشأن واحد. وهذا، أيضا يقتضى العموم والإحاطة، إذ لو لم تكن نشأته محيطة بها، لكانت على منوال واحد ونسق معين كغيره من الموجودات.
وأيا ما كان سمى الإنسان إنسانا، لهذه المناسبة الجامعة بين الاسم والمسمى.
وثانيهما، أنه للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يحصل به النظر،
وهو الذي يعبر عنه بالبصر وكما أن إنسان العين هو المقصود والأصل من العين، إذ به يكون النظر ومشاهدة عالم الظاهر الذي هو صورة الحق، كذلك الإنسان هو المقصود الأول من العالم كله، إذ به يظهر الأسرار الإلهية والمعارف الحقيقية المقصودة من الخلق، وبه يحصل اتصال الأول بالآخر، وبمرتبته يكمل مراتب عالم الباطن والظاهر.
ففي قوله: (وهو للحق) أي، الإنسان للحق.
(بمنزلة إنسان العين) إشارة إلى نتيجة قرب الفرائض، وهو كون العبدسمع الحق وبصره ويده، الحاصلة للإنسان الكامل عند فناء الذات وبقائها به فيمقام الفرق بعد الجمع. وهذا أعلى رتبة من نتيجة قرب النوافل، وهو كون الحق سمع العبد وبصره، لأنه عند فناء الصفات فالإنسان الذي للحقبمنزلة إنسان العين من العين هو الإنسان الكامل لا غير.
وأيضا، الكامل لكونه واسطة بين الحق والعالم باعتبار، صار بمنزلة إنسان العين من العين، لأنه أيضا واسطةبين الرائي الحقيقي وبين المرئي.
قوله: (فإنه به نظر الحق إلى الخلق فرحمهم)
تعليل لقوله: (وهوللحق بمنزلة إنسان العين من العين)
وإشارة إلى أن الكامل هو سبب إيجاد العالم وبقائه وكمالاته أزلا وأبدا دنيا وآخرة.
وذلك إما في العلم: فلأن الحق تعالى لما تجلى لذاته بذاته وشاهد جميع صفاته وكمالاته في ذاته وأراد أن يشاهدها في حقيقة تكون له كالمرآة .
كما ذكره في أول الفص - أوجد (الحقيقة المحمدية) التي هي حقيقة هذا النوع الإنساني في الحضرة العلمية.
فوجدت حقائق العالم كلها بوجودها، وجودا إجماليا، لاشتمالها عليها من حيث مضاهاتها للمرتبة الإلهية الجامعة للأسماء كلها، ثم أوجدهم فيها وجودا تفصيليا، فصارت أعيانا ثابتة،كما تقرر في موضعها.
وإما في العين بحسب وجوداتهم: فلأنه جعل الوجودالخارجي مطابقا للوجود العلمي بإيجاد العقل الأول الذي هو النور المحمدي .
المعرب عنه: (أول ما خلق الله نوري) أولا، ثم غيره من الموجودات التي تضمنها العقل الأول وعلمها ثانيا.
وإما بحسب كمالاتهم: فلأنه جعل قلب الإنسان الكامل مرآة التجليات الذاتية والأسمائية ليتجلى له أولا، ثم بواسطته تجلى للعالم، كانعكاس النور من المرآة المقابلة للشعاع إلى ما يقابلها، فأعيانهم في العلم والعين وكمالاتهم إنما حصلت بواسطة الإنسان الكامل .
وأيضا، لما كان الإنسان مقصودا أوليا ووجوده الخارجي يستدعى وجود حقائق العالم، أوجد أجزاء العالم أولا ليوجد الإنسان آخرا، لذلك جاء في الخبر: "لولاك لما خلقت الأفلاك".
وهذا الشهود الأزلي، والإيجاد العلمي والعيني عبارة عن النظر إليهم وإفاضة الرحمة الرحمانية المجملة والرحيمية المفصلة عليهم، إذ جميع الكمالات مترتبة على الوجود لازمة له.
فالوجود هو الرحمة الأصلية التي يتبعها جميع أنواع الرحمة والسعادة الدنيوية والأخروية.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها. وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم.)
ثم أشار إلى أنه لا يمكن إقامة البرهان العقلي على رجوع بعض ما عندها إلى الجناب الإلهي، وبعضه إلى جانب حقيقة الحقائق، وبعضه إلى الطبيعة الكلية.
فقال: (وهذا لا يعرفه عقل)، وإن كان لا ينكره أيضا (بطریق نظر فكري) بترتيب المقدمات (بل هذا الفن من الإدراك) أي: إدراك مرجع الموجودات من الحضرات المذكورة(لا يكون إلا عن كشف إلهي) بأن ترفع حجب القلب بتصقيله، فيجاري به المبادئ العالية المنتقشة بالعلوم بل العلم الأزلي .
(منه يعرف ما أصل صور العالم) أي: مرجعها من الحضرات المذكورة (القابلة) تلك الصور (لأرواحه) أي: أرواح العالم الكبير والصغير من النفوس السماوية والمعدنيةوالنباتية والحيوانية والإنسانية وقواها.
ووصف الصور بذلك يشير إلى أنه كان الواجب على القوى أن تنظر في الصور القابلة أن لها أيضا هذه الجمعية مع أنها ليست مقصودة بذاتها بل بأرواحها، فلا يكون لها فضل بل هذه القوى باعتبار هذه الجمعية غايتها أن تساوي تلك الصور، فافهم؛ فإنه مزلة للقدم.
وإذا كان جمعية ما سوى آدم وأولاده قاصرة، وإن بلغوا من العظمة ما بلغوا، ولا بد من الجمعية الكاملة فكانت لآدم وأولاده، (فسمي هذا المذكور) أي: آدم
(إنسانا وخليفة فأما إنسانيته) أي: كونه مسمى بالإنسان (فلعموم نشأته) أي: شمول خلقته ظهورات الأسماء والصفات الإلهية، (وحصره الحقائق) أي: أسرار سائر الموجودات فهو مؤنس لهما، ولما تم فيه معنى الأنس اشتق منه صيغة المبالغة، وهي الإنسان.
وأيضا لتسميته إنسانا وجه آخر، (وهو) أنه (للحق بمنزلة إنسان العين من العين) أي: بمنزلة البصر للحق، فإن إنسان العين: هو (الذي يكون به النظر) أي: إدراك المبصرات للعين (وهو) أي: الذي يكون به للعين النظر، (والمعبر عنه بالبصر) الذي هو القوة المدركة للمبصرات، وهو إنسان العين.
فلهذا أي: فلوجود هذا المعنى في الإنسان من حيث إنه مقصود بالذات من خلق العالم.
"" اعلم أنه ليس المراد أن الواجب في حقه تعالی جسم له عين، وأن آدم إنسانها، فإنه لا يقوله عاقل فضلا عن عارف، وإنما أراد الله بحكمته عبدا إنسانا كاملا يكون خليفة له سبحانه لتصريف وإدارة بعض أمور الكون التي سوف يستخلفه عليها,وأما كونه سبحانه وتعالى في عالم القدم يرى الأشياء قبل  ظهورها؛ فهذا منه؛ لأنه من عالم القدم حيث هذا يكون لآدم حال كونه صورة مخزونة في العلم الإلهي، وليس هذا له حال كونه جسما عنصريا.""
وفي تقديم الجار والمجرور، وإعادة لفظ «سمي» إشارة إلى أن هذا الوجه الكامل الذي لا ينبغي أن يعتبر معه غيره سمي إنسائا كأنه هو بصر الحق بعينه، (فإنه به نظر الحق إلى خلقه)؛ لأن خلقه من مقدماته أو متمماته (فرحمهم) ليوقف ذاته أو كماله عليهم . فالإنسان: هو العلة الغائية من إيجادهم.

يتبع الجزء الثاني من الفقرة السابعة 
.
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 9:57 عدل 9 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الخميس 30 أغسطس 2018 - 18:44 من طرف عبدالله المسافر

تابع الفقرة السابعة الجزء الثاني السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

تابع الفقرة السابعة الجزء الثاني:
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه.  فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها.  وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر.  فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم.)
ولذلك قال تعريضا بهم : ( وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكريّ ، بل هذا الفنّ من الإدراك لا يكون إلَّا عن كشف إلهيّ ، منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه ) فإنّك قد عرفت أنّ القابل وأصله راجع إلى الفيض الأقدس عن ثنويّة القابل والفاعل والكاسب والمكتسب منه ، فهو إذن بمعزل عن أن تقتنص شوارد حقائقه بمخالب قوى العقل وجوارحه .
أو يصل إليه أحد بسلاليم الأقيسة الفكريّة ومدارج مقدّماتها ، ضرورة أنّ الثنويّة التقابليّة غالبة في نشأة العقل وجبلَّته القدسيّة العالميّة على ما يظهر من تلويحه أيضا سيما فيما يدركه باستعانة من قواه وتوسّل إليها . 
نعم ، يمكن له الوصول إليه عند انطواء الأسباب والآلات التعمّليّة والاكتسابيّة ، وانطفاء مشاعل مشاعره الجزئيّة ، عند سطوع تباشير إصباح المكاشفات الإلهيّة ، وشروق أنوار شمس الحقيقة من مطلع الوهب والامتنان ، وافق اليقين ، الخالص عن شوائب الحجج والبرهان  .
ثمّ إنّه بعد تحقيق الحقيقة الآدميّة وتفصيل جمعيّتها التامّة شرع في تبيين أساميها ، كشفا عن كنه أحكامها ولوازمها المعربة عن تمام ذلك التفصيل ، وما له من كماليّة في الظهور والإظهار ، فإنّك قد عرفت أنّ حقيقة كلّ شيء بخواصّها ولوازمها إنّما تستعلم من أساميها وألفاظها المختصّة بها ، بقوله : ( فسمّي هذا المذكور « إنسانا » و « خليفة » ) بحسب كمالية الأوّل والآخر (فأمّا إنسانيّته : فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلَّها ) حصرا جميعا امتزاجيّا يتعاكس فيه النسب من الكلّ على الكلّ ، ويأنس بها الكلّ إلى  الكل.
( وهو للحقّ بمنزلة إنسان العين من العين ) أي كما أنّ إنسان العين من العين الشخصي فيه مثال الشخص بعينه حاصر الجميع أجزائه بأوضاعها وأشكالها ، كذلك الإنسان مثله من العين الوجودي ، وليس كمثله شيء ، أو كما أن بإنسان العين ينظر على الشيء ، فكذلك بحقيقته الأصليّة السابقة على الكلّ نظر الحقّ إلى العالم بعينه ، حسبما سمعه من ألسنة قابليّاتهم ، فرحمهم بوجوده .
فالإنسان بحقيقته هو ( الذي يكون به النظر ، وهو المعبّر عنه بالبصر ) في قوله : " وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ "  ( فلهذا سمّي إنسانا ، فإنّه به نظر الحقّ إلى الخلق ) .
ورآهم بصورهم التي صوّرهم بها ألسنة قابليّاتهم في صيغ صبغ تعيّناتهم ( فرحمهم ) بالوجود التامّ المترتّب على ما حصل من المشعرين من العلم الكامل وكأنّك قد نبّهت على سبب طيّ أحد المشعرين في عبارته .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد المتوفي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها. وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم.)
قوله رضي الله عنه : "وهذا لا يعرفه عقل بطریق نظر فکري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه ."
(وهذا)، أي حصر الطبيعة قوابل العالم كله (لا بعرفه عقل بطریق نظر فكري)، بأن تتحرك من الطالب المشعور بها توجه إلى مباديها المعلومة ومنها إلى تلك المطالب.
وذلك لأن معرفة هذا الحصر لا تحصل إلا بمعرفة الطبيعة، ومعرفتها على ما يؤدي إليه النظر الفكري لا يتجاوز عما هو معلوم لعلماء الرسوم من اختصاصها بالأجسام السفلية والأجرام العلوية (بل هذا الفن)، أي النور (من الإدراك) و المعرفة (لا يكون إلا عن كشف إلهي) حاصل بالتوجيه والافتقار التام إلى الله سبحانه وتفريغ القلب.
وتعريته بالكلية من جميع التعلقات الملكوتية والعلوم والقوانين الرسمية (منه)، أي من ذلك الكشف الإلهي (يعرف ما أصل صورة العالم) المنطبعة في مواده بفعل تأثير من ذلك الأصل (القابلة) لتلك الصورة (لأرواحه) المنفوخة فيها إن كانت من الصور المجردة.
فالمراد بأرواحها الأسماء التي هي مظاهر لها فإن نسبة الظاهر إلى المظهر نسبة الروح إلى الصورة المساواة له.
اعلم أن الطبيعة في عرف علماء الرسوم قوة بين قوى النفس الكلية سارية في الأجسام الطبيعية السفلية والأجرام العلوية فاعلة تصورها المنطبعة في موادها الهيولانية.
وفي سر من مشرب الكشف والتحقيق إشارة إلى حقيقة إلهية فعالة للصور كلها . وهذه الحقيقة بفعل الصورة الاسمانية بباطنها في المادة العلمية فإن النشأة واحدة جامعة تحقيقها للصور الحقانية الوجوبية والصور الخلقية الكونية روحانية كانت أو مادية أو جسمانية بسيطة أو مركبة.
والصور في صور التحقيق الكشفي علوية وسفلية ؛ فالعلوية حقيقة وهي صور الأسماء الربوبية والحقائق الوجوبية ومادة هذه الصور الروحانية هي النور.
وأما الصور السفلية في صور الحقائق الإمكانية .
وهي أيضا منقسمة إلى علوية وسفلية ؛ فمن العلوية ما سبق من الصور الروحانية، ومنها صور عالم المثال المطلق والمقيد.
وأما السفلية فمنها صور عالم الأجسام للغير العنصرية كالعرش والكرسي ومادتها الجسم الكل ومنها صور العناصر والعنصريات.
ومن العنصريات الصور الهوائية والنارية والمازجية.
مادة هذه الصور الهواء والنار وما اختلط معهما من الثقيلين الباقين من الأركان المغلوبين في الخفيفين.
ومنها الصور السفلية حقيقة وهي ما غلب في نشأته
الثقيلان وهما : الأرض والماء .
على الخفيفين وهما النار والهواء.
وهي ثلاث صور معدنية وصور نباتية وصور حيوانية وكل عالم من هذه العوالم تستعمل على صور شخصية لا تتناهى ولا يحصيها إلا الله سبحانه. والحقيقة الفعالة الإلهية فاعلة بباطنها الصور الأسمائية وظاهرها الذي هو الطبيعة الكلية تفعل ما عداها من الصور.
فالحقيقة الإلهية أصل جميع الصور والطبيعة الكلية التي هي مظهرها أصل صور العالم كله
قوله رضي الله عنه : "فسمي هذا المذكور إنسانا و خليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحضرة الحقائق كلها وهو يلحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر وهو المعبر عنه بالبصر . فإنه به نظر الحق تعالى إلى خلقه فرحمهم ."
(تسمى هذه) الكون الجامع (المذكور إنسانا وخليفة فأما إنسانيته فلعموم نشأته) المرآتية .
فإن له ثلاث نشأت :
نشأة روحية  -   ونشأة عنصرية  - ونشأة مرآتية هي أحدية جمعهما
والعموم أهل المرآتية (وحصره الحقائق كلها) إلهية كانت أو كونية (وهو)، أي الكون الجامع (للحق سبحانه بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر وهو)، أي إنسان العين (هو المعبر عنه بالبصر) الذي به يبصر الشيء ويؤنس (فلهذا)، أي لمعنى الإبصار المتضمن للإنسان (سمي) إنسان العين (إنسانا) وهو فعلان من الأنس للمبالغة فيه (فإنه) الضمير للشأن أو للكون الجامع (به)، أي بالكون الجامع المذكور (نظر الحق سبحانه إلى خلقه فرحمهم).
قوله : فلعموم نشأته مقدمة تقوله :
فإنه به نظر الحق فإنه لو لم تكن نشأته عامة حاصرة للحقائق كلها لم يمكن به النظر إلى خلفه كله.
وتوصيف إنسان العين بقوله :  الذي يكون النظر واردة فالوصف بقوله : وهو المعبر عنه بالبصر إشارة إلى وجه تسمية إنسان العين بالإنسان وهو كونه بحيث يبصر ويؤنس به.
ولهذا فرع عليه قوله : فلهذا سمي إنسانا.
وقوله : وهو للحق بمنزلة إنسان العين إشارة إلى أن وجه التسمية كما أنه متحقق في إنسان العين كذلك متحقق في الكون الجامع.
وقوله : فإنه به نظر الحق تعليل له.
ولو حمل قوله : فلهذا سمي إنسانا على أن معناه فلكون الكون الجامع بمنزلة إنسان العين للحق سبحانه . سمي ذلك الكون الجامع إنسانا .
و جعل قوله : فإنه نظر الحق علة له لا لما ذكر في الوجه الأول كان علة للعلية كما لا يخفى.
وإذا تحقق وجه تسمية إنسان العين بالإنسان الكون الجامع فكما يناسب تسمية إنسان العين به كذلك يناسب تسمية الكون الجامع بالإنسان بواسطة تسمية إنسان العين به ، فإن العكس أولى كما لا يخفى وعلى هذا التقدير هذا الكلام وجه واحد للتسمية لا رجحان.
ويمكن أن يجعل وجهين :
أحدهما : قوله لعموم النشأة، فإن عموم النشأة وحضرة الحقائق كلها تقتضي أن يكون له مع كل حفيفة نسبة مخصوصة بها أنس بالکل وأنس الكل به ، فيتحقق معنى الأنس فيه .
وثانيها : قوله: وهو للحق بمنزلة إنسان العين لأنه يفهم منه وجه تسمية إنسان العين به وهو متحقق بعينه في الكون الجامع کما عرفت.
ثم اعلم أن الشيخ الكبير رضي الله عنه أورد في كتاب "الفكوك" أن الإنسان الكامل الحقيقي هو البرزخ بين الوجوب والإمكان والمرأة الجامعة بين صفات القدم وأحكامه و بين صفات الحدثان .
وهو الواسطة بين الحق والخلق وبه ومن مرتبته يصل فیض الحق والعدد الذي هو سبب بقائه ما سوى الحق إلى العالم كله علوا وسفلا.
ولولاه من حيث برزخيته التي تغاير الطرفين لم يقبل شيء من العالم المدد الإلهي الوحداني لعدم المناسبة والارتباط ولم يصل إليه . انتهى كلامه.
وكان الشيخ رضي الله عنه ما أراد بنظر الحق به إلى خلقه ورحمته عليهم إلا وصول الفيض من مرتبته إليهم
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 15:20 عدل 9 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الخميس 30 أغسطس 2018 - 18:52 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الثامنة السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثامنة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشيء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن.
فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.)
(فهو الإنسان) من حيث جمعيته المذكورة (الحادث) من حيث ظهوره في هذا العالم بجميع ما تشتمل عليه حقائق هذا العالم (الأزلی) من حيث انمحاقه في الحقيقة الإلهية الممدة له باطنا وظاهرا بالروح الأمري المنفوخ فيه زيادة على أرواح جميع العالم.
(والنشء الدائم) من الدنيا إلى الآخرة ومن الآخرة إلى ما لا نهاية له (الأبدي) بتأييد الله تعالى وجميع من هو دونه من العوالم، معدوم زائل لا يبقى غير من قاربه من الحيوان.
ولم يظهر فيه الروح الأمري بكماله، فإنه محبوس في جنسهم إلى أمد مخصوص إن تقارب كماله.
أو محبوس دائما إن ضعف تقارب كماله .
(والكلمة) الإلهية (الفاصلة) بين الحق والباطل (الجامعة)، لمعاني جميع الكلم كما قال عليه السلام : «أوتيت جوامع الكلم» وغيره من بقية العالم كلمات الله غير التامات.
كما قال تعالى : "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة " 24 سورة إبراهيم.
وقال: "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيئة " 26 سورة إبراهيم: 26.
ثم قال : "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت " 27 سورة إبراهيم.
وهو راجع إلى الكلمة الطبية وقال: " ويضل الله الظالمين" 27 سورة إبراهيم.
وهو راجع إلى الكلمة الخبيثة (فتم)، أي كمل (العالم كله) أعلاه وأسفله (بوجوده)، أي هذا الإنسان الكامل .
(فهو من العالم) كله (کفص الخاتم من الخاتم)وهو وجه آخر في تسميته فصوص الحكم غير ما ذكرنا فيما سبق.
(وهو)، أي الإنسان الكامل الذي هو من العالم كفص الخاتم من الخاتم (محل)، أي موضع (النقش)، أي الكتابة المقصودة من وضع الخاتم وصياغته، ومعلوم أن المنقوش في فص الخاتم اسم صاحب الخاتم.
وهنا الله هو صاحب الخاتم، فاسمه الأعظم هو المنقوش على هذا الفص .
كما قال تعالى : " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" 49 سورة العنكبوت.  وهو خاتم سليمان عليه السلام الذي ملك به ما ملك.
(و) هو محل (العلامة التي بها يختم الملك)، أي السلطان وهو الحق تعالی (علی خزائنه)، التي هي كل شيء.
كما قال تعالى: "وإن ممن شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم" 21 سورة الحجر.
والختم هو منع الإمداد لشيء من العالم إلا من حقيقة هذا الإنسان الكامل وتنزيله بقدر معلوم هو الإمداد الحاصل للأشياء من هذا الكامل كما ذكرنا .
(وسماه)، أي سمي الحق تعالى هذا الإنسان الكامل (خليفة)
في قوله تعالى : "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" 30 سورة البقرة.
وقوله : "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض " 26 سورة ص .
وقوله :" جعلكم خلائف الأرض" 165 سورة الأنعام.
"وأنفقوا مما جعل مستخلفين فيه" 7 سورة الحديد. والخطاب كله للإنسان الكامل.
(من أجعل هذا)، المعنى المذكور وهو كونه ختم به على خزائنه (لأنه)، أي الإنسان الكامل هو (الحافظ خلقه)، أي خلق الله تعالى بظهور اسم الله تعالى الحفيظ فيه.
(كما يحفظ الختم الخزائن)، إذا طبع به على الشمع الموضوع فوق القفل ونحوه فلا يجسر أحد أن يحتال لفتح ذلك القفل خوفا من تغير صورة ذلك الطبع في الشمع فيشعر الملك بذلك .
(فما دام ختم الملك عليها)، أي على تلك الخزائن (لا يجسر أحد على فتحها)، بفك ختمها (إلا بإذنه) وكذا هذا .
(فاستخلفه في حفظ العالم) جسمانیه بجسمانیه روحانيه بروحانيه .
(فلا يزال العالم محفوظا) لا يقدر أحد على فتح خزائنه شيء من الأشياء واستخراج ما فيها من الأسرار إلا باستئذان الملك .
وفك هذا الختم وهو مفتاح كل خزانة مقفلة والمفتاح لا يفتح بغیر ید محركة.
واليد المحركة إنما تتحرك بالله تعالى، فالفاتح هو الله لا غيره.
(ما دام فيه)، أي في هذه العالم (هذا الإنسان الكامل) المذكور.
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشيء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن.
فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.)
(فهو الإنسان)، لكونه سببا النظر الحق به إلى خلفه (الحادث) بالحدوث الذاتي لعدم اقتضاء ذاته الوجود (الأزلی) لكونه غير مسبوق بالعدم الزماني.
(والنشأ الدائم الأبدي فلا انتهاء له) بحسب المستقبل كما لا ابتداء له بحسب الماضي هذا باعتبار النشأة الروحانية وإما باعتبار النشأة الجسمانية لا أزلي ولا أبدي.
(والكلمة) لكونه مركبا من الحروف العاليات بالنشأت الروحانيات (الفاصلة) الحافظة من التلاشي بین حضرتي الوجود والإمكان (الجامعة) بجميع الحقائق الإلهية والكونية(فتم العالم بوجوده) أي بالإنسان لكونه آخر العمل منه يدل عليه قوله الذي هو محل النقش.
(فهو من العالم کفص الخاتم من الخاتم الذي هو محل النقش والعلامة التي بها)
لا بغيرها (يختم الملك على خزائنه وسماه) الله تعالى (خليفة) بقوله تعالى : " إني جاعل في الأرض خليفة " 30 سورة البقرة.
(من أجل هذا) أي من أجل كونه من العالم كفص الخاتم من الخاتم أو من أجل كونه منصفا بالصفات المذكورة (لأنه) تعليل لقوله فهو من العالم کفص الخاتم من الخاتم.(الحافظ خلقه كما يحفظ الختم الخزائن فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ العالم)
وكان هو الحافظ قبله (فلا يزال العالم) أي عالم الدنيا محمولة ما دام فيه (هذا الإنسان الكامل) لأنه من أكمل کمالاته تدبير العالم بالمعالم.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشيء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن. فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.)
و قوله رضي الله عنه: "فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشاء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، فتم العالم بوجوده، فهو من العالم کفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم الملك على خزائنه وسماه خليفة لأجل هذا، لأنه الحافظ خلقه كما يحفظ الختم الخزائن. فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ العالم فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل."
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشيء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن.
فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.)
قال الشيخ رضي الله عنه : ( فهو الإنسان الحادث الأزلي ، والنشء الدائم الأبدي ) .
قال العبد أيّده الله به : أمّا حدوثه فهو من جهة صورته العنصرية خاصّة فإنّ له صورا علويّة فيما فوق العنصريات فقديمة ، علمية ونورية ، نفسية وروحية ، عقلية ونفسية ، ومثالية وطبيعية ، عرشية وملكية .
فالعلمية أزلية قائمة بقيام العلم ودائمة بدوام العالم الحق المشاهد الناظر بهذا الإنسان .
معنى قولهم : " الإنسان أزلي " وأمّا أزليّته فلأنّه العلَّة الغائيّة من التجلَّي الإيجادي.
وبه كمال الجلاء والاستجلاء ، والظهور الكلي المطلق بالإظهار والإنباء .
فهو أزليّ بأزليّة علم العالم ، كما أنّ العلم عين العالم ، فيصدق عليه أنّه أزليّ نسبة إلى الأزل ، وهو الضيق والضنك الذي كان لحقائق المعلومات حين استهلاكها في عين الذات العالم بها .
وأمّا كونه نشئا دائما أبدا فلأنّ الحقيقة الإنسانية هي المرآة الكلَّية الإلهية الأحدية ، والنشأة الدائمة الأبدية . وكما أنّه أحدية الجمع الأوّل الأزليّ .
فكذلك هو تفصيل ذلك الجمع وأحدية جمع جمع التفصيل والجمع ، وما ثمّ إلَّا هو ، فهو النشء الدائم الذي لا أوّل له إذ هو الأوّل والأبدي الذي لا آخر له إذ هو الآخر بعين ما هو الأوّل ، فهو الدائم . والنشء الذي هو الارتفاع في النموّ ، والازدياد والربوّ باعتبار أنّ العين الواحدة بتعيّنها في جميع مراتبها فرع زاد على اعتبار الأصل .
الذي هو عين الذات الواحدة التي اندمجت وتوحّدت فيها التعيّنات غير المتناهية لعدم تناهي التجلَّيات ، فبظهور ما كان كامنا في العين من أعيان النسب غير المتناهية تتحقّق حقيقة البشر لتلك العين الواحدة المنفصلة ، في مراتب الأعداد ، وكمال نشئها بكمال النشأة الإنسانية .
بل جميع مراتب النشء له فهو النشء الدائم ، وأوّل مراتب النشء الذاتيّ الدائم مرتبة النفس الرحماني بالنور الوجودي والفيض الجودي المنبعث من باطن قلب التعيّن الأوّل ، حاويا محيطا بجميع ما ينطوي عليه التعيّن الأوّل .
وينفعل انبعاث النفس الأحدي الجمعي وامتداده وتعاليه إلى الغاية المطلوبة التي تعلَّق بها التعيّن الأوّل الذي هو تاء الكناية في قوله :
" أردت " أو " أحببت " ، وهو كمال الجمع بين كمال الظهور وكمال البطون ، والكمال الذاتي والأسمائي ينشئ مراتب الوجود وذلك لأنّ النفس بخار هوائي أو هواء بخاري خارج من بطن المتنفّس إلى ظاهر الهواء .
هذا في الأنفاس المعهودة الجسمانية ، فاعلم في النفس الرحماني مثل ذلك فإنّ القلب الذي هو التعيّن الأوّل منطو على حقائق المظهرية والظاهرية والانفعالية التي هي الأجزاء الأرضية نظائرها .
وعلى خصائص النسب الوجودية وحقائق أسماء الربوبية التي بها ومنها حياة الحقائق المظهرية ولبنها ، وهي ضرب مثل للأجزاء الماديّة في نشء النفس والبخار لكون كل بخار أحدية جمع الأجزاء :
الهوائية ، والمائية ، وما تشبّث بهما من الأجزاء الأرضية المحلولة ، والنارية المذيبة الحلَّالة لتلك الأجزاء .
فامتدّ النفس الرحماني جامعا لحقائق الفعل والانفعال في حق حضرة الإمكان مقيّدة ، عقده برودة القوابل الأرضية المظهرية التي في عين الجوهر النفسي فإنّ فيها الفاعل والقابل .
فانعقدت الصور العمائية في هذا البخار المعنوي النوري ، فظهر النشء العمائي الأكبر ، فامتدّ النشء بسبب حقائقة الثلاث الذاتية على أنحاء ثلاثة في جهات ثلاث معنوية ، علوا وسفلا ووسطا ، جميعا أحديا برزخيا .
وتعيّن في عين النفس جميع الحقائق الفعلية والانفعالية ، فتعيّنت في النفس المتعالي الحقائق الإلهية المؤثّرة الفعّالة المنوّرة الشريفة صورا إلهية ربانية وتعيّنات وجوبية حقّانية ، وامتدّ النشء النفسي الممتدّ المنطوي على الحقائق المظهرية الأرضية الانفعالية إلى التحت والسفل بالطبيعة لما تقتضيه مرتبة الانفعال والتأثّر المظهري الكياني .
فملأ العماء بصورة المذكورة محيط فلك الإشارة ، وعقدها برودة جوّ الإمكان ، وانعقدت صور كيانية ، وتعيّنات وجودية إمكانية ، وتنوّعات تجلَّيات تقييدية روحانية ، وجسمانية ملكية وملكوتية ، غيبية وعينية وجبروتية .
فانتشأ النشء الكوني والعالم الخلقي ، وأوّل هذا النشء الكوني العقل والقلم واللوح والعرش والكرسي ، ثم طبقات السماوات ، ثم الأرضيّات على الترتيب المذكور.
حتى حصلت النشأة البشرية الإنسانية ، وجميع هذه النشآت نشأة هذا المسمّى إنسانا ومع قطع النظر عن الإنسان ، فإنّ الذات المطلقة مع تجلّ عن النشء والانتشاء 
فالإنسان الحقيقي هو النشء الدائم الأزلي الأبدي ، فما ثمّ إلَّا نشأة الإنسان في عالم الفرقان ، وفي مقام الجمع والقرآن .
قال الشيخ رضي الله عنه : ( والكلمة الفاصلة الجامعة ) .
يشير رضي الله عنه إلى ما بيّنّا فيما تقدّم أنّ الكلام  ثلاث :
كلمة جامعة لحروف الفعل والتأثير وأخرى جامعة لحروف الانفعال والتأثّر
وكلمة جامعة لحروف الجمع البرزخي الرابط بين الأعلى والأسفل ، والظاهر والباطن .
وهذه الحقائق والحروف والكلمات البرزخية جامعة بين حقائق الوجوب وحقائق الإمكان من وجه ، وفاصلة بينها أيضا باعتبار .
ومع كونها جامعة وفاصلة ليست لها عين زائدة ممتازة عن الطرفين امتيازا خارجا مخرجا عن كونها أحدية جمعها ، فهو الجامع الفاصل بهذا الاعتبار .
قال الشيخ رضي الله عنه : ( فتمّ العالم بوجوده ، فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم وهو محلّ النقش والعلامة ) .
يشير رضي الله عنه إلى ما سلف آنفا أنّه لولا الإنسان في العالم ، لم يحصل كمال الجلاء والاستجلاء ، الذي هو العلَّة الغائية من الإيجاد .
وأمّا قوله : « تمّ العالم بوجوده » ولم يقل «به» فلأنّ الإنسان له تعيّن أزلي علمي وبانسحاب الفيض الجودي العيني عليه تكمل مراتب ظهوره ونشره.
وأمّا كونه فصّ الخاتم فلأنّه محلّ نقش الحكمة الكلية المنقوشة بأحدية جمع نقوش الفصوص الحكمية كلَّها ، كما سبق ، فتذكَّر .

قال الشيخ رضي الله عنه : ( هو محلّ النقش ، والعلامة التي بها يختم الملك على خزانته وسمّاه خليفة من أجل هذا لأنّه تعالى الحافظ خلقه كما يحفظ الختم الخزائن ، فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلَّا بإذنه ، فاستخلفه في حفظ العالم ، فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ) .
قال العبد أيّده الله به : « نقش الفصّ » هو الكلام المحتوي على الحكمة التي اقتضت وجود العالم على الترتيب المشهود والنظام الموجود .
و « العلامة » هي خصوص المقام المحمدي من تلك الحضرة التي منها بحسبها تنزل الحكمة الخاصّة بذلك الفصّ فإنّ قلب كل نبيّ كامل هو محلّ نقش الحكمة والعلامة هي خصوص الحكمة المحمدية الإلهية من ذلك الاسم الذي تستند إليه حكمته المنزلة عليه ، وعلامة هذه الحكمة الإلهية أحدية جمع جميع التجلَّيات الأسمائية .
وبها يختم الملك بقوّته وشدّته ، فما يسدّ الخلل الذي تقتضيه التفرقة المباينة التي في حقائق العالم من الخصوصيات التي بها يتميّز بعضها عن بعض إلَّا بأحدية الجمع الجامع لصدعها ، والموجود لتفرقة جمعها .
وبها يقوى على حفظ خزائن العالم فيها ، وبها سرى سرّ أحدية الجمع النفسي الرحماني بالتجلَّي الوجودي الإحساني ، وجمع بين الحقائق المتبوعة وتوابعها .
والنسب الملزومة ولوازمها وعوارضها ولواحقها بعد التمييزات الذاتية التي لها في عالم المعاني من حضرة العلم الذاتي ، فإذا جمعها الوجود الواحد في هذه المثاني والمعاني ، وراب صدعها ، وشعب شعثها وجمعها .
انحفظت العوالم كلَّها ما دامت الخزائن مختومة بختم علامة أحدية الجمع الخصيص بالحكمة التي هي معنوية النقش المحيط بجميع النقوش الحكمية التفصيلية فتلك العلامة عبارة عن الإنسان الكامل الذي هي أحدية جمع جميع الجمعيات لأنّه الاسم الأعظم .
والاسم الأعظم هو العلامة على مسمّاه ، فهو ظاهرية الإنّيّة الإلهية ، والله هويّته وباطنه ، ولهذا سمّاه خليفة إذ الخليفة ظاهر بصورة مستخلفه في حفظ خزائنه.
والله تعالى هو الحافظ لخلقه بختمه على خزائنه ، فما دام هذا الختم الأحدي الجمعي عليها لا تتسلَّط على فتحها الحقائق المباينة والمتمايزة التي في حقائق خزائن العالم إلَّا بإذن الله .
فإذا أذن لهذا الخاتم الإنساني الكمالي الأحدي الجمعي بالخروج عن الدنيا ، وأمره بالانفكاك عن جزئيتها إلى الأخرى ، انتهت الجزئية وخرجت عنها السكينة .
وأمّا تسمية العالم بالجزئية فلما ذكرنا في شرح الخطبة أنّ حقائق العالم القابلة لتعيّنات التجلَّيات الوجودية بخصوصياتها هي التي تحقّقت بها حقائق الأسماء والصفات التي هي خزائن الآلاء والهبات ، ومنها ومن حضراتها تتنزّل البركات .
فحقائق العالم خزائن هذه الخزائن الأسمائية ، فلا تزال خزائن العالم محفوظة ما دام فيها الإنسان الكامل ، فافهم .
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشيء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن.
فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.)
( فهو الإنسان الحادث ) بجسده ( الأزلى ) بروحه ( والنشء الدائم الأبدى ) بحقيقته الجامعة بجسمانيته وروحانيته لأنه إذا انتقل من هذا العالم إلى الآخرة يعمر الآخرة في النشأة الثانية
( والكلمة الفاصلة ) أي المميزة للحقائق ( الجامعة ) لعموم نشأته كما ذكر ( فتم العالم بوجوده ) لمظهريته أسماءه كلها .
قوله ( فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم الملك على خزائنه ) معلوم من المقدمة الثالثة
( وسماه خليفة لأجل هذا ) أي لأن نقش اسمه الأعظم وهو الذات مع الأسماء كلها منقوش في قلبه ، الذي هو فص الخاتم فيحفظ به خزانة العالم بجميع ما فيه على النظام المعلوم والفسق المضبوط
( لأنه الحافظ خلقه كما يحفظ بالختم الخزائن ) أي لأن الإنسان الكامل هو الحافظ خلق الله بالحكمة الأحدية والواحدية الأسمائية البالغة التي هي نقش قلبه وهي العدالة أعنى صورة الواحدة في عالم الكثرة الذي هو خزانة القوابل والآلاء كلها كما يحفظ الختم الخزائن
( فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه ) لأن الختم صورة الجمعية الإلهية والعلامة التي هي نقش الفص هو الاسم الأعظم فلا يجسر أحد من خصوصيات طبائع العالم التي هي الأسماء الفاصلة على فتحها إلا بإذن خاص من الله على مقتضى حكمته
( فاستخلفه في حفظ العالم ) لأنه مظهر الأحق الأعظم والله باطنه فيحفظ بإذنه وما جعل في يده من المفاتيح الأسمائية صورة العالم
( فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ) لأن الخليفة ظاهر بصورة مستخلفه في حفظ خزائنه والله يحفظ صور خلقه في العالم بصورته فإنها طلسم الحفظ من حيث مظهريته لأسمائه وواسطة تدبيره بظهور تأثيرات أسمائه فيها.
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشيء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن.
فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.)
قوله: (فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشيء الدائم الأبدي والكلمة الفاصلة الجامعة) نتيجة لما ذكر.
أي، إذا كان به نظر الحق إلى خلقه فرحمهم بإعطاء الوجود، فهو الحادث الأزلي: أما حدوثه الذاتي فلعدم اقتضاء ذاته من حيث هي هي الوجود.
وإلا لكان واجب الوجود، وأما حدوثه الزماني فلكون نشأته العنصرية مسبوقة بالعدم الزماني، وأما أزليته فبالوجود العلمي، لأن العلم نسبة بين العالم والمعلوم وهو أزلي، فعينه الثابتة أزلية، وبالوجود العيني الروحاني، فلأنه غير زماني متعال عنه وعن أحكامه مطلقا.
وإليه أشار النبي، صلى الله عليه وسلم، بقوله: (نحن الآخرون السابقون).
والفرق بين أزلية المبدع إياها أن أزلية الحق تعالى نعت سلبي ينفى الأولية بمعنى افتتاح الوجود
عن العدم لأنه عين الوجود، وأزليتها دوام وجودها بدوام الحق مع افتتاح الوجودعن العدم لكونه من غيرها.
وأما دوامه وأبديته، فلبقائه ببقاء موجده دنيا وآخرة وأيضا، كل ما هو أزلي فهو أبدى وبالعكس.
وإلا يلزم تخلف المعلول عن العلة، أو التسلسل في العلل، لأن علته إن كانت أزلية لزم التخلف، وإن لم يكن كذلك، لزم استنادها أيضا إلى علة حادثة بالزمان.
وحينئذ إن كان للزمانفيها مدخل، يجب أن يكون معلولها غير أبدى لكون أجزاء الزمان متجددة متصرمة بالضرورة والفرض بخلافه، وإن لم يكن له فيها مدخل، فالكلام فيها كالكلام في الأول، فيتسلسل.
والتسلسل في العلل التي لا مدخل للزمان فيها باطل، وإلا يلزم نفى الواجب.
فالأبديات مستندة إلى علل أزلية أبدية، كما أن الحوادث الزمانية مستندة إلى علل متجددة متصرمة.
والنفوس الناطقة الإنسانية حدوثها بحسب التعلق إلى الأبدان لا بحسب ذواتها.
والصور الأخراوية كما أنها أبدية، كذلك أزلية حاصلة في الحضرة العلمية والكتب العقلية والصحف النورية وإن كانت ظهورها بالنسبة إلينا حادثا بالحدوث الزماني فلا تردد وأماكونه كلمة فاصلة، فلتميزه بين المراتب الموجبة للتكثر والتعدد في الحقائق، بل هو المفصل لما تحويه ذاته بظهوره بحسب غلبة كل صفة عليه في صورة تناسبهاعلما وعينا، وإليه الإشارة بكونه، عليه السلام: (قاسما بين الجنة والنار).
إذ هذه القسمة واقعة أزلا، والآخر مطابق للأول. وأما كونه كلمة جامعة، فلإحاطة حقيقته بالحقائق الإلهية والكونية كلها علما وعينا.
وأيضا، هو الذي يفصل بين الأرواح وصورها في الحقيقة، وإن كان الفاصل ملكا معينا لأنه بحكمه يفصل، وكذلك هو الجامع بينهما، لأنه الخليفة الجامعة للأسماء ومظاهرها.
قوله: (فتم العالم بوجوده) أي، لما وجد هذا الكون الجامع، تم العالمبوجوده الخارجي لأنه روح العالم المدبر له والمتصرف فيه.
ولا شك أن الجسد لا يتم كماله إلا بروحه التي تدبره وتحفظه من الآفات.
وإنما تأخر نشأته العنصرية في الوجود العيني لأنه لما جعلت حقيقته متصفة بجميع الكمالات جامعة لحقائقها، وجب أن يوجد الحقائق كلها في الخارج قبل وجوده حتى تمر عند تنزلاته عليها فيتصف بمعانيها طورا بعد طور من أطوار الروحانيات والسماويات والعنصريات، إلى أن يظهر في صورته النوعية الحسية.
والمعاني النازلة عليه من الحضرات الأسمائية لا بد أن تمر على هذه الوسائط أيضا، إلى أن يصل إليه وتكمله.
وذلك المرور إنما هو لتهيئة استعداده للكمالات اللائقة به، ولاجتماعما فصل من مقام جمعه من الحقائق والخصائص فيه، وللإشهاد والاطلاع على ماأريد أن يكون خليفة عليه، ولهذا لا تجعل خليفة وقطبا إلا عند انتهاء السفر الثالث، ولولا هذا المرور لما أمكن العروج للكمل، إذ الخاتمة مضاهية للسابقة وبه تتم الحركة الدورية المعنوية.
وما يقال: (إن علم الأولياء تذكري لا تفكري).
وقوله، عليه السلام: "الحكمة ضالة المؤمن" . إشارة إلى هذا المعنى، لا إلى أنه وجد في النشأة العنصرية مرة أخرى، ثم عرض له النسيان بواسطة التعلق بنطفة أخرى ومرور الزمان عليه إلى أوان تذكره، كما على رأى أهل التناسخ.
وأيضا، لما كان عينه في الخارج مركبا من العناصر المتأخر عن الأفلاك وأرواحها وعقولها، وجب أن توجد قبله لتقدم الجزء على الكل بالطبع.
قوله: (فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم الذي هو محل النقش والعلامة التي بها يختم الملك على خزائنه وسماه (خليفة) من أجل هذا) شروع في بيان تسميته بـ(الخليفة).
شبه حال الإنسان باعتبارية:
إعتبار كونه من العالم، واعتبار كونه عالما آخر برأسه، له شأن آخر بالفص، لأن الفص أيضا قد يكون جزء من الخاتم وهو محل النقش، وقد يكون مركبا عليه.
وإنما يركب في الخاتم ليكون جزء منه عند الفراغ من عمله فهو آخر العمل، كذلك الإنسان نوع من الحيوان وآخر ما ينتهى به دائرة وجود العيني.
وكما أن الفص له شأن آخر وهو كونه محل النقوش التي بها يختم ويحفظ الخزائن، كذلك الإنسان هو محل جميع نقوش الأسماء الإلهية والحقائق الكونية التي يتمكن بها من (الخلافة). وبهذاالاعتبار سماه الحق (خليفة) بقوله: "إني جاعل في الأرض خليفة"
قوله: (لأنه الحافظ خلقه كما يحفظ بالختم الخزائن، فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه.
فاستخلفه في حفظ العالم ، فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل) تعليل لتسميته بالخليفة .
وذلك لأن الملك إذاأراد أن يحفظ خزائنه عند غيبته عنها، يختم عليها لئلا يتصرف فيها أحد فيبقى محفوظة، فالختم حافظ لها بالخلافة لا بالأصالة.
فكذلك الحق يحفظ خلقه بالإنسان الكامل عند استتاره بمظاهر أسمائه وصفات عزه، وكان هو الحافظ لها قبل الاستتار والاختفاء وإظهار الخلق، فحفظ الإنسان لها بالخلافة، فسمى بـ (الخليفة) لذلك.
وحفظه للعالم عبارة عن إبقاء صور أنواع الموجودات على ما خلقت عليها الموجب لإبقاء كمالاتها وآثارها باستمداده من الحق التجليات الذاتية والرحمة الرحمانية والرحيمية بالأسماء والصفات التي هذه الموجودات صارت مظاهرها ومحل استوائها.
إذ الحق إنما يتجلى لمرآة قلب هذا الكامل، فينعكس الأنوار منقلبه إلى العالم، فيكون باقيا بوصول ذلك الفيض إليها، فما دام هذا الإنسان موجودا في العالم يكون محفوظا بوجوده وتصرفه في عوالمه العلوية والسفلية.
فلا يجسر أحد من حقائق العالم وأرواحها على فتح الخزائن الإلهية والتصرف فيها إلا بإذن هذا الكامل، لأنه هو صاحب الاسم الأعظم الذي به يرب العالم كله.
فلا يخرج من الباطن إلى الظاهر معنى من المعاني إلا بحكمه، ولا يدخل من الظاهر في الباطن شئ إلا بأمره، وإن كان يجهله عند غلبة البشرية عليه، فهو البرزخ بين البحرين والحاجز بين العالمين.
وإليه الإشارة بقوله: "مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ".

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن.
فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.)
فالإنسان: هو العلة الغائية من إيجادهم، وإذا كان هو العلة الغائية (فهو الإنسان الحادث الأزلي) إذ العلة الغائية متأخرة في الواقع عن سائر العلل متقدمة عليها في ذهن الفاعل کالجلوس على السرير متقدم في ذهن النجار على سائر علل السرير، ومتأخر عن تمامه في الواقع.
فالإنسان من حيث تأخره في الواقع عن سائر الموجودات حادث قريب الحدوث، ومن حيث تقدمه في العلم الإلهي رتبة عليها أقدم منها. "اعلم أنه لا إشكال في هذا ولا كفر، ولا زلل ولا خلل.
أما أزلية هذا الإنسان : فباعتبار صورة حقيقته العلمية فى أراده الله خلقه وإيجاده ليكون خليفته ويدير ما يوكله اليه  .
وأما حدوثه : فباعتبار وقت خلقه وإظهاره إلى العالم المحسوس عالم الشهود .
فلا زلل ولا خلل في قوله: الحادث الأزل فهو الحادث بخلقه وإظهاره الأزل فى علم الله سبحانه."
(والنشؤ الدائم الأبدي)؛ لأن الحكيم إذا ظفر بمطلوبه بعد ترتیب مقدمات كثيرة لا يعدمه بالكلية.
بل غاية ما يفعل به أن ينقله من مقام إلى آخر، (والكلمة الفاصلة الجامعة)، فإنه من حيث جمعيته الأسرار الإلهية والكونية أشبه الكلمة في جمعها للحروف.
ومن حيث إنه مقصود بالذات انفصل عما عداه مع أنه جمع مقاصد كل ما عداه فصارت فاصلة جامعة.
وإذا كان هو المقصود من خلق العالم وروحه، (فتم العالم لوجوده)، إذ ما ليس بمقصود بالذات لا يتم بدونه، وكذا الجسم لا يتم بدون الروح.
وإذا كان تمام العالم به (فهو من العالم کفص الخاتم من الخاتم) به يتم الخاتم، وإذا كان كفص الخاتم، وفص الخاتم محل النقش (الذي) به يعلم الملك ما يختم من خزائنه.
(فهو) أي: الإنسان (محل النقش والعلامة) أي: محل النقش صورة الجمعية الإلهية التي يعلم بها ما يختم من خزائن العالم المملوء بصور أسمائه الحسنى كما أن فص الخاتم الملك محل العلامة (التي بها يختم الملك على خزائنه) ليحفظها.
وكذلك الحق حفظ بعلامة نقش جمعيته خزائن العالم.
(وسماه) أي: المذكور وهو آدم (خليفة من أجل هذا) أي: من أجل حفظه الخزائن العالم مع احتجاب الحق عنها كحفظ الحق إياها بدون الحجاب، وهذا هو فعل الخليفة في حفظ المدينة عند غيبة الملك عنها.
وإليه الإشارة بقوله: (لأنه) أي: المذكور، وهو آدم (الحافظ به خلقه) الذي هو صدر تجليات أسمائه بكونه مقصودا منها، وهو يحتاج إليها من حيث إنها مقدماته أو متمماته .
(كما يحفظ الختم) أي: ختم الملك بنقش فص خاتمه (الخزائن) لا من حيث إنه ختم بل من حيث إنه قائم مقام حضور الملك .
(فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها)، لإخراج ما فيها من المخزونات (إلا بإذنه).
فكذلك ما دام ختم الحق على خزائن العالم لا يجسر أحد من الأسماء القهرية، ومظاهرها على فتح خزائن العالم لإخراج ما فيه إلا بإذن الاسم الأعظم الذي هو رب الإنسان الكامل.
فلما كان له استعداد الختم على خزائن العالم (فاستخلفه في حفظ العالم) بتدبيره إياه بما تحقق به من حقائق الأسماء الإلهية اللطيفة.
(فلا يزال العالم) الدنيوي (محفوظا) عن الهلاك الكلى، (ما دام فيه هذا الإنسان) الذي هو ختم على خزائن عالم الدنيا.
""فكما أن الفص محل النقش، كذلك الإنسان الكامل محل ظهور صور الأسماء الإلهية، وكما أن في الفص علامة تدل على صاحب الخاتم، كذلك العالم بمنزلة الخاتم، وفصه الإنسان الكامل، وفيه علامة تدل على الحق تعالی؛ لظهور جميع أسمائه فيه الدالة عليه.""
وقد ورد"لا تقوم الساعة ما دام يقال في الأرض: الله الله" وهو اسم الذات المستجمع جميع الصفات فلا ينطق به على ما هو عليه إلا الإنسان (الكامل) بقدر الطاقة البشرية.
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشيء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته.  وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن.
فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.)

ثمّ إنّ المثلية والتماميّة في المظهريّة إنّما تستدعي استيعاب الأوصاف المتقابلة والأحكام المتناقضة من أوّل الأزل إلى آخر الأبد ، مع الكليّة الجمعيّة التي هي الفاصلة بين الكلّ في جمعه ، فأشار إلى ذلك
قائلا رضي الله عنه : ( فهو الإنسان الحادث الأزلي ) بحسب أوّليّته بالحقيقة ، وسابقيّته بها ، ومسبوقيّته بالظهور ، وتحقّقه بتمامه ( والنشء الدائم الأبديّ ) بحسب آخريّته في قبول تمام الكمال وانتهائه في أمد الإظهار ، وترتيبه الامتزاجيّ الجمعيّ ، فإنّ « الإنشاء » لغة هو الإيجاد مع الترتيب
.
واعلم أنّ الآخريّة ذلك ليست آخريّة انقطاع وانتهاء انصرام ، كما أنّ الأوّليّة المذكورة ليست أوليّة إحداث وإبداء .
( والكلمة الفاصلة ) بين الأوّل والآخر ( الجامعة ) بين الظاهر والباطن بحسب كليّة أمره وأحديّة جمع نشأتيه الفاصلة في عين الجمع ، الجامعة في عين الفصل .
واعلم أنّ هذه ثلاثة أسامي له بحسب ما اشتمل عليه من الأجزاء المذكورة آنفا على الترتيب ، إلَّا أنّ الاسم لكونه كاشفا عن كنه المسمّى قد انطوى كلّ منه على ثلاث مراتب من الأوصاف إعرابا عن السعة التماميّة الإطلاقيّة ، فلذلك حمل الكلّ على "هو".
وهو أنّ السعة الإطلاقيّة التسعيّة المنطوي عليها آدم ، قد فصّلت في الإنسان بمثليّته المظهرة ثلاث جمل تامّات ، كلّ منها إشارة إلى نشأة من تلك النشآت التي له .
وأنّ البرزخ الواقع بمنزلة كلمته الكاملة ورتبته الجامعة ، تفرقته عين الجمع ، وكثرته عين الوحدة ، حيث أنّ اسمه عين مسمّاه ، فلهذا قد اختصّ بين الحروف بأنّه قلب القرآن  .
وإذ قد ظهر من احتواء الإنسان للأطراف بحسب أطواره ونشآته ما يتبيّن به.
أنّه الواصل من الجمعيّة إلى أقصى مراتبها وهو المراد بالتمام ( فتمّ العالم بوجوده ) .
هذا كلَّه بحسب كماله الأوّل ، الذي به يسمّى « إنسانا » وأمّا بحسب كماله الآخر الذي به يسمّى « خليفة » : ( فهو ) أنّه وقع ( من ) دائرة ( العالم كفصّ الخاتم من الخاتم) ، حيث أنّه المتمّم لأمره ، المخصّص له بين الدوائر والحلق بالخاتميّة ، وحيث أنّه به يتّصل قوس الظاهر بالباطن ويجمع به الفرق ويتّحد الكلّ ، فأصبح به مراتب تنزّلات الوجود دائرة واحدة كاملة على ما سبق تحقيقه في المقدّمة .
ثمّ إنّ من أجلّ وجوه المناسبات وأجلاها ، أنّ الفصّ محلّ نقش الملك وعلامته الخاصّة التي بها يختم الخزائن ، ويكتم نفائسها عن نظر العامّة واحتظائهم منها ، فإنّه ممّا يوجب الفساد في الملك والاختلال في نظام أمره .
إذ الحكمة البالغة حاكمة بأنّ الاطلاع على خصائص خزائن الملك وذخائر جواهره العزيزة محرّمة ، الَّا للندر من خلَّص أخصّائه المأذونين في ذلك من المؤتمنين  .
وكذلك الإنسان محلّ نقوش الحروف المنزلة والعلامة العلميّة الخاصّة بالحقّ وهي التي بها يحفظ نظام خلقه عن تطرّق الاخترام وطريان الفساد والانصرام .
فإنّ لتلك النقوش ظاهرا وهي المفهومات الوضعيّة والحقائق العرفيّة التي عليها مباني أصول الشرايع وبها تستفاد من تلك النقوش والعلامات الأحكام الظاهرة من العقائد الأصليّة والأحكام الفرعيّة التي بها تنضبط صور العالم وتنحفظ عن تطرّق الاختلال ، فهي الختم على خزانة صورة الدنيا ، التي في صدد الزوال ، وهذا للإنسان بحسب كماله الأوّل .
وباطنا وهي اللطائف الذوقيّة والحقائق الكشفيّة التي تستفاد من تلك النقوش والعلائم بدون توسّط تلك النسب الوضعيّة والامتزاجات التركيبيّة الجعليّة ، وبها تنضبط حقائق المعاني والحكم في سلك التبيان ، وتنطبق أصول الإجمال والجمع منها على فروع التفرقة والتفصيل .
ومنها ينحفظ نظام استقامته عن طروّ الفساد وانحراف الميزان ، وهي الختم على خزانة معاني الآخرة التي لا تقبل الفناء ، وهذا له بحسب كماله الآخر .
فكما أنّ الإنسان جزء من العالم ، وهو محل النقش والعلامة اللتين هما الختمان لملك الملوك على الخزانتين .
كذلك الفصّ جزء من الخاتم ( وهو محلّ النقش والعلامة التي بها يختم الملك على خزانته وسمّاه خليفة من أجل هذا ، لأنّه الحافظ خلقه به ، كما يحفظ الختم الخزائن ، فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها ) أي فتح خزائن تلك الصور الوضعيّة ورفع أقفالها الرسميّة الجعليّة ، والاستكشاف عن وجوه اللطائف الذوقيّة المخزونة تحت أراضي تلك
الصور في خباياها - ( إلَّا بإذنه ) المختصّ بخلَّص أخصّائه فعلم أنّ من تلك اللطائف والنفائس ما يمكن أن يحتظي به المأذونون من المؤتمنين والمحارم .
( فاستخلفه في حفظ العالم فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ) بكماليه ، الذي بيديه أمر الختم على الخزانتين .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشيء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن.
فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.)
"هو الإنسان الحادث الأزلي و النشؤ الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعه . تم العالم بوجوده ."
(فهو)، أي (الإنسان) هو (الحادث) بوجوده العيني العنصري بالذات والزمان.
أما حدوثه الذاتي فلعدم اقتضاء ذاته الوجود.
وأما حدوثه الزماني فلكون نشأته العنصرية مسبوقة بالعدم الزماني (الأزلي) المتقدم على سائر الأعيان باعتبار وجوده العلمي في عينه الذاتية .
وأما بحسب وجوده الغيبي الروحي فإن كان من الكمل فهو أيضا أزلي فإن نفوس الكمل كلية أزلية مساوية في الوجود للعقل الأولى.
وأما من كان نفسه جزئية يستحيل عليه ذلك، لأن النفوس الجزئية لا تتعين إلا بعد حصول المزاج وبحسبه، ولا وجود لها قبل ذلك.  كذا قال الشيخ الكبير في بعض رسائله .
والفرق بين أزلية الأعيان الثابتة وبين بعض الأرواح المجردة وبين أزلية المبدع إياها أن أزلية المبدع تعالی نعت سلبي ينفي الأولية بمعنى افتتاح الوجود من العدم، لأنه عين الوجود وأزلية الأعيان والأرواح دوام وجودها مع دوام مبدعها مع افتتاح الوجود من العدم لكونه من غير ما (والنشاء الدائم الأبدي) النشاء النمو والارتفاع والازدياد والمراد به ذو النشاء.
أي الذي ينمو ويزداد دائما ابدا في المراتب هو الإنسان الكامل فإن أول مراتبه :
التعيين الأول الذي هو الحقيقة المحمدية
ثم التعيين الثاني الذي هو صورته التفصيلية
ثم العقل الأول
ثم النفس الكلي
وهكذا إلى آخر المراد الذي هو نشأته العنصري لا يزال يزداد وينمو بحسب التجليات الإلهية والشؤونات الربانية دائما أبدأ دنيا وآخرة.
(والكلمة الفاصلة الجامعة)، الكلم ثلاث:
كلمة جامعة لحروف الفعل والتأثير التي هي حقائق الوجوب .
و كلمة جامعة لحروف الانفعال التي هي حقائق الإمكان .
وكلمة برزخية جامعة بين حروف حقائق الوجوب وبين حروف حقائق الإمكان فاصلة متوسطة بينهما .
وهي حقيقة الإنسان (بوجوده) العنصري ووصوله إلى الكمالي الجدعي فإنه لو لم يوجد هذا الإنسان في العالم لم يحصل كمال الجلاء والاستجلاء الذي هو العلة الغائية من اتحاد العالم .
وإنما قال بوجوده ولم يقل به لأن وجوده منفي نفيا أزليا علما وظهورات في المراتب و بانسحاب القبض الوجودي العين عليه بحسب نشأته العنصرية يتم العالم ويكمل كما عرفت.
"هو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، الذي هو محل النقش والعلامة التي بها يختم الملك على خزانته، وسماه خليفة من أجل هذا."
(فهو)، أي الإنسان (من العالم كفص الخاتم من الخاتم) وكما يكون تمامية الخاتم وكماله بالفص ونقصانه بعده .
كذلك تمامية العالم وكماله بالإنسان ونقصانه بعدمه (وهو)، أي الفص (محل النقش) أي نقش اسم صاحب الخاتم وغيره مما ينقش على الفصوص (والعلامة التي بها) يتميز بعض عن بعض وبها (يختم الملك على خزائنه) لئلا يتصرف فيها أحد فيبقى محفوظة .
وكذلك الإنسان الكامل هو محل نفوس الأسماء الإلهية وعلامة أحدية جمعها التي بها تستحق أن يختم به على خزائنه الدنيا والآخرة
(وسماه) الحق سبحانه (خليفة) حيث قال تعالى : "إني جاعل في الأرض خليفه" آية 30 سورة البقرة.
(من أجل هذا)، المعنى الذي هو الختم (لأنه) أي الإنسان الكامل لكونه ختمة أو الحق سبحانه بالإنسان الكامل الختم
"لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن فما دام ثم المليك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه ، فاستخلفه في حفظ العالم لا يزال العالم محفوظة ما دام فيه هذا الإنسان الكامل."
(هو الحافظ خلقه) وإلى الأول ينظر قوله : (كما يحفظ الختم الخزائن) من التصرف فيها (فما دام ختم الملك عليها لا يجسر)، أي لا يجترئ (أحد على فتحها)، أي فتح تلك الخزائن والتصرف فيها (إلا بإذنه) أي الملك.
وكذلك ما دام الإنسان الكامل في العالم لا يتسلط حقائق المباينة التي في حقائق خزائن العالم على فتحها والتصرف فيها إلا بإذن الحق سبحانه (فاستخلفه) أي الحق سبحانه الإنسان الكامل (في حفظ العالم) من الخلل الذي تقتضيه التفرقة والمباينة التي في حقائق العالم من الخصوصيات التي بها يتميز بعضها عن البعض (فلا يزال العالم محفوظة)من هذا الخلل (ما دام فيه هذا الإنسان الكامل) وكان قائما بخلافة الحق سبحانه في حفظ العالم .
فإذا أذن لهذا الإنسان الكامل بالخروج عن الدنيا وأمره الانفكاك عن خزينتها إلى الأخرى خربت الخزينة وانتهب ما فيها.
وحفظ العالم عبارة عن بقاء صون أنواع الموجودات على ما خلفت عليها الموجب لبقاء كمالاتها وآثارها باستمداده من الحق التجليات الذاتية و الرحمة الرحمانية والرحيمية بالأسماء والصفات التي هي الموجودات صارت مظاهرها و محل استوائها.
اعلم أن النشأة الدنيوية الحسية بمنزلة خزانة إختزن الحق سبحانه فيها الحقائق الإمكانية المظهرية والحقائق الأسمائية الإلهية الظاهرة بها .
ولا شك أن كل واحدة من تلك الحقائق الإمكانية عبارة عن أحدية جمع حقائق بسيطة متباينة متمايزة.
مقتضية بذاتها الافتراق في الامتياز كما كانت في الرتب العلمية متحدة بالوجود الواحد الذي يقتضي بذاته الوحدة وزوال الكثرة .
وباعتبار هذا الوجود الواحد ظهر بعضها متبوعة وبعضها تابعة، وبعد اتحادها بالوجود الواحد صارت حقيقة مظهرية تظهر فيها الأسماء الإلهية بحسب قابليتها واستعدادها وجمعيتها، ولما كان الكون الجامع والإنسان الكامل أحدية جمع جميع الحقائق الإمكانية المظهرية.
وكان المقصود الأصلي والغاية القصوى من إيجادها وجوده العنصري.
الذي هو مظهر أحدية جميع الحقائق الإلهية كان وصول الإمداد الإلهي والتجلي الوجودي إلى الحقائق المظهرية كلها قبل وجوده العنصري بواسطته ومن مرتبته.
وبعد وجوده العنصري فوض ذلك الإمداد إليه بأن وقع التجلي الأحدي الوجودي الجمعي أولا على حقيقته الأحدية الجمعية وبرقيقة المناسبة التي بينه وبين حقيقة سري إليها ثانية.
فما دام كان ذلك الكامل مقصودة إيجاده أو بقاؤه في النشآت الدنيوية ووصل قبض التجلي من مرتبنه أو وجوده إليها.
بقيت تلك الحقائق محفوظة من الخلل الذي تقتضيه التفرقة والمباينة التي كانت عنها قبل إيجادها بالوجود الواحد .
والوحدة الذاتية لذلك التجلي وكان كالختم عليها لئلا يفتحها تسلط تلك التفرقة والمباينة عليها واقتضى التجلي التقلص والانسلاخ عنها
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 15:11 عدل 9 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الخميس 30 أغسطس 2018 - 19:22 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة التاسعة السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة التاسعة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا؟ . فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة. فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه. )
(ألا تراه إذا زال)، بالانتقال إلى عالم الآخرة (و ) ختمه (من خزانة الدنيا) قامت الساعة وخربت الدنيا (ولم يبق فيها)، أي في الدنيا (ما اختزنه) (الحق تعالی فيها)، من الحكم الإلهية والأسرار الربانية الظاهرة في صور السموات والأرض وما بينهما.
(وخرج ما كان) موجودة (فيها) من المواليد الأربعة:
الجماد والنبات والحيوان والإنسان.
وكذلك الملك والجني إلى عالم الآخرة فحشرت إلى ربها كما قال تعالى: "وإذا الوحوش حشرت" 5 سورة التكوير.
وفي الحديث يشهد للمؤذن مد صوته من رطب ويابس وقال تعالى:"ويوم يقوم الأشهاد" 51 سورة غافر .
فالحشر عام في كل شيء (والتحق بعضه)، أي بعض ما كان فيها من ذلك (ببعضه)، فالتحق الجماد والنبات والحيوان بالتراب حتى يقول الكافر يومئذ : "يا ليتني كنت ترابا"40 سورة النبأ.
والتحق الإنسان والجني حيث غلب فيهما الجزء الناري بالنار.
وحيث غلب فيهما الجزء النوري بالنور وهو الملك.
ثم التحق النور بالإنسان الكامل وظهرت حقيقة ختمه للعالم النوراني.
(وانتقل الأمر إلى الآخرة وكان ختمة على خزانة الآخرة)، فبنوره على خزانة العالم النوري وبناره على خزانة العالم الناري والنار نور متراکم وهو شوق الإنسان الكامل إلى ربه في وقت زیادة قربه.
والشوق شيئان لذة وألم فاللذة في الجنة والألم في النار (ختمة أبدية) لا نهاية له وقد ظهر سر هذا الختم على خزانة الآخرة في الدنيا .
كما قال تعالى : "كان الناس " 213 سورة البقرة . أي المكلفون وغيرهم "أمة واحدة " 213 سورة البقرة .
لا يوصفون بإيمان ولا كفر ولا طاعة ولا معصية لأن ذلك معروف شرعا الا عقلا.
فبعث الله النبيين يفرقون ویمیزون بنفس تبليغهم عن ربهم. فمن صدقهم آمن ومن كذبهم كفر.
والمصدق لهم إن تبعهم أطاع وإن خالفهم عصی، وليس لهم من الأمر شيء.
وإنما كانوا مبشرين من صدقهم واتبعهم بالدرجات النورية، ومنذرين من كذبهم وخالفهم بالدركات النارية.
وعلى قدمهم جميع الورثة لهم إلى يوم القيامة، فقد ظهر في الدنيا کيفية ختمهم على جميع الخزائن في الآخرة.
ثم لما علمت وتقرر عندك أن الإنسان الكامل مخصوص بظهور الروح الأمري فيه دون غيره من العالم.
فاعلم أن هذا الروح الأمري هو ظهور الصورة الإلهية التي هي ليست بكيفية ولا هيئة ، وإنما هي مجموع صفات قدسية وأسماء غيبية تنزيهية .
ولهذا قال : (فظهر جميع ما في الصورة الإلهية) المنزهة عما نفهم أو نعقل من جميع التصورات (من الأسماء) الغيبية بيان لما في الصورة الإلهية.
(في هذه النشآت الإنسانية) الكاملة (فحازت) هذه النشآت المذكورة (رتبة الإحاطة والجمع لهذا الوجود)، کله أعلاه وأسفله .
فجمع بروحه الأمري المنفوخ فيه حضرة التجلي الذاتي الإلهي، وأحاط بجميع التجليات الصفاتية والاسمائية من حيث إمداده الأبدي.
وجمع بنفسه وجسمه بين جميع النفوس الفلكية والحيوانية وأحاط بجميع ذلك علما فهو المضاهي بباطنه للحضرة الإلهية.
وبظاهره للحضرة الكونية فيستمد من الله تعالى ويمد الكون.
فهو البرزخ بين الحق والخلق (وبه)، أي بهذا الإنسان الكامل (قامت الحجة الله تعالى على الملائكة).
لما قال لهم: "إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك و نستغفر لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون" 30 سورة البقرة .
ثم إنه تعالى أظهر لهم ما لا يعلمون.
فخلق آدم عليه السلام ونفخ فيه من روحه الأمري وعلمه الأسماء كلها وأقام عليهم الحجة بذلك.
فاعترفوا بعد ذلك بالحق و و"قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا " 32 سورة البقرة.
وكان ينبغي لهم أن يقولوا ذلك من أول الأمر قبل طعنهم ومدح أنفسهم لمن يعلم ما لا يعلمون.
ولكن إنما ظهر منهم ما هم فيه من القصور عن المرتبة الآدمية الكاملة.
كما سبق أنهم بمنزلة قوى جسد العالم وكل قوة منها محجوبة بنفسها ألا ترى أفضل من ذاتها إلى آخره .
ولولا عصمة الله تعالى وحفظه للملائكة لجحدوا وعاندوا كما جحد إبليس.
وعاند وجحدت أولاده وعاندت إلى يوم القيامة.
(فتحفظ) يا أيها السالك في طريق الله تعالى واحترز من الوقوع في مثل ذلك من الطعن في غيرك ولو بقلبك .
حيث أمرك الله تعالى بالسجود التعظيمي الاحترامي الأحد من الكاملين وإن كنت في التقوى والديانة مثل الملائكة المعصومین.
فلا تغتر بذلك واحترز من مدح نفسك بالنظر إلى أكمل منك.
وإن وقعت في شيء من ذلك فتدارك نفسك بالتوبة منه والسجود في الحال لما أنت مأمور بالسجود له من أهل عصرك سجود الإنصاف والاعتراف بالحق.
ولا تجحد وتعاند كما جحد إبليس وعاند فيطردك الله عن حضرته ويلعنك كما لعن غيرك قبلك .
واعلم أن الملائكة ما طعنت في آدم عليه السلام كما طعن فيه إبليس ولا مدحت نفسها كما مدح إبليس نفسه.
وإلا لما وفقت الملائكة للسجود لآدم وانجبر بذلك نقصانهم عند الله تعالى.
وبيان ذلك أن الملائكة طعنت في آدم عليه السلام قبل أن يخلقه الله تعالى ويظهره في هذا العالم وقبل أن يعلمه الأسماء ويفضله عليهم.
فطعنهم في الحقيقة ليس في شخص معين موجود في الخارج، وإنما كان طعنهم في شخص مفروض وجوده على حسب ما استعدوا له من إدراكه.
ثم لما خلقه الله تعالى و أنبأهم بالأسماء أذعنوا للحق و انقادوا له فجبر السجود ما وقعوا فيه من الذلة ولم يصروا وبادروا بالمطلوب .
وأما إبليس فقد طعن في آدم عليه السلام بعد أن خلقه الله تعالى وأظهر فضيلته بین الملأ الأعلى بالإنباء بالأسماء ومدح نفسه.
فقال : "أنا خير منه"  فقد وصلته فضيلة عن الله تعالى وكذب فلم ينلها .
كما قال عليه السلام: "من بلغه عن الله فضيلة فلم يصدق بها لم ينلها" أخرجه السيوطي في الجامع الصغير ، فاحذر أن يكون طعنك كطعن إبليس فإنك تشقى شقاء الأبد.
وإذا كان طعنك كطعن الملائكة نقصت درجتك عن درجة من طعنت فيه.
فقط إن انقادت له ظاهرا وباطنا استمطرت سماء إلهاماته ، فتأمل قبل الموت على الباطل.
فقد وعظك الله تعالى (بغيرك)، في واقعة آدم والملائكة وإبليس التي قصها الله عليك في القرآن العظيم فاعتبر بها.
(وانظر من أين أتى) بالبناء للمفعول (على من أتى)، بالبناء للمفعول أيضا (عليه)، وهم الملائكة وإبليس فإنهم تداركوا أمرهم فنجوا، وفرط إبليس فهلك.
وكان سبب ذلك القياس العقلي:
فقاست الملائكة آدم عليه السلام على من كان قبله في الأرض فأخطأوا.
وقاس إبليس أيضا آدم عليه السلام على مقتضى ما يظهر من الطين الكثيف بفكره ونظره فأخطأ .

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا؟ . فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة. فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه. )
(ألا تراه) وهو إتيانه الدليل للمحجوبين يكون العالم محفوظا بالإنسان الكامل وخرابة بدونه (إذا زال وفك) هذا الختم (من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها) بأسرها دفعة واحدة إلى الشهادة الدنيوية (والتحق بعضه) أي جزء ما خرج من الخزينة أو جزء العالم
(ببعض) أي بجزء منه أي لا يمازجان فمارت السماء وسارت الجبال وخربت الدنيا لعدم الامتزاج الاعتدالي بين أجزائها .
(وانتقل)، الأمر الإلهي والموجود بالوجود الدنيوي بسلب هذا الوجود عنه (إلى الآخرة) بنقل الخليفة إليها فيكون كل ما كان موجودا بالوجود الدنيوي موجودا بالوجود الأخروي.
(فكان ختما على خزانة الآخرة ختمة أبدية فظهر) إليه تعالی (جميع) ما حصل في (الصبور الإلهية) بحيث يكون كل فرد من أفراد العالم مظهر الاسم من أسماء الله تعالى وهي العالم بأسره (من الأسماء) وهي سره كما قال.
ويظهر إليه سر بيان لما (في هذه النشأة الإنسانية فجازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود) الجامع بين حقائق العالم وبين الأسماء الإلهية .
فشاهد عينه من حيث أسماء الحسني في هذه النشأة على ما اقتضاه ذاته وهو رؤية ذاته من حيث أسمائه في كون جامع .
فهذه هي الكلمة الآدمية والكون الجامع الذي اقتضى ذاته أن يرى عينه من حيث أسمائه الحسنى على ما ذكره.
(وبه) أي وبهذا الوجود الجامع وهو وجود آدم دون غيره (قامت الحجة على الملائكة) لاقتضاء ذواتهم إقامتها عليهم الاحتجابهم بأنفسهم فبعد إقامة الحجة عليهم زال حجابهم فعرفوا مرتبتهم .
و علموا أن لله تعالى أسماء ما وصل علمها إليهم فاعترفوا بقصورهم وعجزهم بأن "قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا" 32 سورة البقرة .
(فتحفظ) واعمل فإنه كفاك واعظا (فقد وعظك الله تعالى بغيرك) وهو الملائكة (وانظر) بنظر العبرة إلى قصة الملائكة مع آدم الذي سنذكره وازجر نفسك عن مذمة الغير والدعاوى التي ما أنت متحقق بها وسوء الأدب مع الله حتى لا تكون عبرة لغيرك كما يكون غيرك عبرة لك .
هذا معنى قوله : (من أين أتي على من اني) وأتي وجاء تستعملان بمعنی الفعل يعني من أين فعل على من يقع (عليه) الفعل على وجه التوبيخ والملائكة فإنه قد هلك من هلك وبوخ من يوبخ بأمثال هذه الصفات التي تصدر من عدم العلم بأنفسهم ومرتبة غيرهم.
ولما كانت هذه القصة أعظم القصص موعظة وهدى للناس وأهم للطالبين أوصى أولا بالحفظ والنظر .
شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا؟ . فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة. فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه. )
قوله رضي الله عنه : "ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا."
قلت: معناه إذا انقرض نسل آدم فإنما يكون بانحراف مزاج هذا العالم وذلك هو موت الإنسان الكبير وفيه جسم الإنسان الصغير فيموت بموته وذلك هو القيامة الكبرى
قوله: "فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية، فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود وبه قامت الحجة الله تعالى على الملائكة. فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتى على من أتى عليه" .
قلت: يعني بالصورة الإلهية، الأسماء التي جمعت لأدم من قوله تعالى: "علم آدم الأسماء كلها" (البقرة: 31).
قوله: وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة، قلت: يعني قوله تعالى: " قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم" إلى آخر الآية (البقرة: 33).
قوله: وتحفظ فقد وعظك الله تعالى بغيرك، قلت: يعني وعظك الله بحال الملائكة حيث اعترضوا على ربهم تعالى في قوله: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"في الآية (البقرة:30).

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه : (ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا؟ . فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة. فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه. )
قال الشيخ رضي الله عنه : ( ألا تراه إذا زال وفكّ الختم عن خزانة الدنيا ، لم يبق فيها ما أخزنه الحق ، وخرج ما كان فيها ، والتحق بعضه ببعضه ، وانتقل الأمر إلى الآخرة ، وكان  ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا ) .
قال العبد : اعلم : أنّ دار الوجود واحدة ، وانقسامها إلى الدنيا والآخرة بالنسبة إليك لأنّهما صفتان للنشأة الإنسانية ، فأدنى نشأته الوجودية العينية النشأة العنصرية ، فهي الدنيا لدناءتها بالنسبة إلى نشأتها النورية الإلهية ، أو لدنوّها من فهم الإنسان الحيوان .
ولمّا كانت النشأة الإنسانية الكليّة في الدنيا نشأتين : نشأة فرقانية تفصيلية ، ونشأة أحدية جمعية قرآنية ، وهذه النشأة الدنياوية كثيفة ، وصورتها مقيّدة سخيفة من مادّة جامعة بين الظلمة والنور ، مشوبة فيها بأكدار الغصص والمحن نوريّة السرور .
وهي أيضا من قبيل النفس الناطقة ، والنفس الناطقة من بعض قواها القوّة العملية ، وهي ذاتية لها ، وبها يعمل الله لأجلها في كلّ نشأة وموطن صورة هيكلية ينزّل معانيها فيها ، ويظهر قواها وخصائصها وحقائقها بها ، ويحفظها ، ويقيها .
وكانت هذه النشأة الجامعة بين النور والظلمة لا تقتضي الدوام على هذه النظام والقوام ، ولا بدّ لها من الانخزام والانصرام ، لأنّ قوى مزاجه العنصرية غير وافية ، ولا لجميع ما في النفس من الحقائق والدقائق بكافية .
وهذه الحقيقة على العقول المنوّرة الصافية غير خافية فإنّ في النفس من الحقائق ما لا يظهر بهذه النشأة العنصرية الثقيلة ، مثل كون صورته روحانية نورانية لطيفة ملائمة للروح ، وخصائصه بحسب الروح لا بحسب المزاج ، بخلاف هذه النشأة العنصرية السفلية الثقيلة فإنّ الروح والنفس فيها بحسبها ، وكذلك خواصّهما وحقائقهما .
فلمّا لم تف هذه النشأة بذلك لكونها من مادّة متنافرة متضادّة وهيولى متباينة متحادّة ، وقد حصل لها بحمد الله في مدّة عمرها التي كانت تعمر فيها أرض جسدها من الأخلاق الفاضلة ، والملكات الكاملة والعلوم والأعمال الصالحة الحاصلة كمال فعلي لما صار لها جميع ما كان بالقوّة بالفعل .
فينشئ الله تعالى من ذلك بالقوّة العملية الذاتية للنفس ما إذا فكّ عن خزانة الدنيا ، وقبض الله إليه أنوار أسمائه التي هي حقائق خزائن النعم والآلاء الإلهية ، وأسرار خزائن خزائنه المذكورة قبضا يسيرا ، فتقلَّصت أنوار التجلَّيات إلى الحضرات .
والأرواح الجزئية المدبّرة إلى كلَّيات أرواح السماوات ، والتحق كلّ فرع في هذه النشأة إلى أصله الذي منه انبعث ، ولم يبق فيها مخزونات نعم الأسرار والأنوار ، وأرزاق الأحكام والآثار لاختلال القابل ، وزوال المظهر الزائل كما ذكرنا صورة أخراوية روحانية ملائمة للنفس الناطقة في جميع أفاعيلها وخصائصها بحسبها من مادّة روحانية حاصلة للنفس من تلك الأخلاق والأعمال والقوى والملكات الصالحة .
فتظهر بحقائقها وخصائصها وآثارها في تلك الصورة ظهورا يقتضي الدوام إلى الأبد غير مقيّدة بأجل معيّن وأمد معين واحد لأنّ مادّتها روحانية وحدانية نورية ، بخلاف هذه النشأة العنصرية الثقيلة المظلمة الحاصلة للنفس من عناصر مختلفة متباينة متضادّة تقتضي لحقائقها الانفكاك لولا جمع أحدية الجمع  النفسي النفسي لها بحياته الروحية النورية الباقية .
فاقتضت تلك النشأة الروحانية البقاء والدوام لرسوخ حقائقها وأصولها الروحانية في جوهر الروح أعني الأخلاق والنعوت والصفات والعلوم ودوام التجلَّي النفسي الإلهي فيها فإذا انتقل الأمر إلى الآخرة ، وظهرت النفوس والأرواح الإنسانية في صورها الروحانية البرزخية والمثالية والحشرية ، وغلبت الروحية على الصورية ، والنورية على الظلمة ، واختزن الحق الأسرار والأنوار والحقائق في تلك الصور الأخراوية ، " وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ".
كان الإنسان بأحدية جمعه ختما على تلك النشأة الأخراوية إلى الأبد ، فافهم .
قال رضي الله عنه : ( فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية ) .
يعني رضي الله عنه على الوجه الأفضل الأكمل ، فإنّ ظهور الحقائق الأسمائية في الصور الكليّة الأحدية الجمعية الكمالية ظهور جمعي أحدي كمالي ، بخلاف ظهورها في الصور التفصيلية الفرقانية فإنّ ظهورها فيها متفرّق تفصيليّ .
بمعنى أنّ ظهور الحقائق الأسمائية الإلهية في كل كامل كامل جمعي أحدي كلي بحسب المظهر الأجمع الأكمل ، وظهورها في كل جزء من العالم جزئي بحسبه كذلك.
وقد لا يظهر في أكثر أجزاء العالم أكثر الأسماء فضلا عن أن تظهر تماما بكمالها ، وذلك في أسماء مخصوصة بالإنسان ، وظهورها في الإنسان تماما على الوجه الأكمل .
قال رضي الله عنه : ( فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود ، وبه قامت الحجّة لله تعالى على الملائكة ) .
يعني رضي الله عنه : في قوله تعالى : " أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " .
قال رضي الله عنه : ( فتحفّظ بما وعظك الله بغيرك ، وانظر من أين أتي على من أتي عليه ) .
يريد إتيان المعاتبة وتوجّه المطالبة من قبل الحقّ على الملائكة في اعتراضهم على الحق وجرحهم لآدم وتزكيتهم أنفسهم .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا؟
فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة. فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه. )
( ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما ابديا سرمديا ) أي زال لأن النشأة العنصرية الدنيوية لا تحتمل دوام الحفظ .
فلم يبق فيها ما اختزنه من العلوم والمعارف الكلية والجزئية والأخلاق الإلهية .
وفارقتها نشأته الروحانية أي فطرته الأولى بخراب دنياه أي نشأته الصورية والتحق الجزء الروحاني بالروحانيات في الحضرات أي البرازخ العلوية وما فوقها والجسماني كل جزء بكله من الجسمانيات .
وانتقل العمارة إلى الآخرة أي العوالم الروحانية أو النشأة الثانية في القيامة .
قوله ( فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية ، فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة فتحفظ ، فقد وعظك الله بغيرك وانظر من أين أتى على من أتى عليه ) أي حج من حج وبكت من بكت ظاهر وأصل أتى عليه أي أهلكه ، ويستعمل في كل مكروه .

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا؟ . فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة. فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه. )
قوله: (ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم تبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها، والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة، فكانختما على خزانة الآخرة ختما أبديا) تعليل واستشهاد لقوله: (فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل).
(ألا تراه) أي، ألا ترى الإنسان الكامل. (إذا زال وفك) أي، فارق وانتقل من الدنيا إلى الآخرة ولم يبق في الأفراد الإنساني من يكون متصفا بكماله ليقوم مقامه، ينتقل معه الخزائن الإلهية إلى الآخرة، إذ الكمالات كلها ما كانت قائمة مجموعة ومنحصرة محفوظة إلا به، فلما انتقل، انتقلت معه ولم يبق في خزانة الدنيا ما اختزنه الحق فيها من الكمالات.
فان قلت: الكامل ختم حافظ للخزائن، ولا يلزم من انتقال الختم الحافظ انتقال الخزائن، فكيف قال: (ولم يبق فيها ما اختزنه الحق)؟
قلت: الكامل ختم للخزائن وحافظ لوجودها، إذ الأسرار الإلهية مفصلة في العالم ومجموعة في الكامل، كما قال الشاعر:
كل الجمال غدا لوجهك مجملا  ... لكنه في العالمين مفصلا
ولا يتجلى الحق على العالم الدنيوي إلا بواسطته، كما مر، فعند انتقاله ينقطع عنه الإمداد الموجب لبقاء وجوده وكمالاته، فينتقل الدنيا عند انتقاله ويخرج ما كان فيها من المعاني والكمالات إلى الآخرة.
قال، رضى الله عنه، في التسمية الإلهي بالاسم الرباني: (ألا ترى الدنيا باقية ما دام هذا الشخص الإنسان فيها) والكائنات يتكون والمسخرات تتسخر، فإذا انتقل إلى الدار الآخرة، مارت
هذه السماء مورا وسارت الجبال سيرا ودكت الأرض دكا، وانتشرت الكواكب وكورت الشمس وذهبت الدنيا وقامت العمارة في الدار الآخرة بنقل الخليفة إليها.
قوله(والتحق بعضه ببعض) أي، التحق بعض ما اختزنه الحق في الدنيا ببعض ما اختزنه في الآخرة.
وذلك لأن كل ما هو موجود في الظاهر من الحقائق والمعاني موجودة في عالم الباطن الذي بظهوره يحصل الآخرة على صورة يقتضيهاعالمها، وهو أصل بالنسبة إلى ما في الظاهر.
فإذا انتقل هذا البعض منها، التحق ببعضه الذي هو أصله في الآخرة، وانتقل الأمر الإلهي إليها.
(فكان ختما) أي، هذا الكامل كان ختما حافظا على خزانة الآخرة ختما أبديا.
وهذا معنى ما يقال: إن القرآن يرفع إلى السماء، لأنه خلق الكامل، كما قالت عائشة: (وكان خلقه القرآن).
بل هو القرآن والكتاب المبين الإلهي. كما قال، رضى الله عنه:
أنا القرآن والسبع المثاني  ..... وروح الروح لا روح الأواني
فؤادي عند مشهودى مقيم  ..... يشاهده وعندكم لساني
قال أمير المؤمنين على، كرم الله وجهه:
وأنت الكتاب المبين الذي  .... بأحرفه يظهر المضمر
وجاء في الخبر أيضا: "أن الحق تعالى ينزع العلم بانتزاع العلماء حتى لم يبقعلى وجه الأرض من يعلم مسألة علمية ومن يقول: الله الله، ثم عليهم تقوم القيامة" وكون الكامل ختما على خزانة الآخرة، دليل على أن التجليات الإلهية لأهل الآخرة.
إنما هي بواسطة الكامل كما في الدنيا، والمعاني المفصلة لأهلها متفرعة عن مرتبته ومقام جمعه أبدا، كما تفرع منها أزلا، فما للكامل من الكمالات في الآخرة لا يقال بما له من الكمالات في الدنيا، إذ لا قياس لنعم الآخرة بنعم الدنيا.
وقد جاء في الخبر الصحيح: "إن الرحمة مأة جزء. جزء منهالأهل الدنيا، وتسعة وتسعون لأهل الآخرة"  ومن يتحقق بهذا المقام ويمعن النظر فيه، يظهر له عظمة الإنسان الكامل وقدره.
قوله: (فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية، فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة) أي، لما استخلف الإنسان وجعله ختما على خزائن الدنيا والآخرة، ظهر جميع مافي الصورة الإلهية من الأسماء في النشأة الإنسانية الجامعة بين النشأة العنصرية والروحانية، أي صارت جميع هذه الكمالات فيها بالفعل.
وقد صرح شيخنا، رضى الله عنه، في كتاب المفتاح: "إن من علامات الكامل أن يقدر على الإحياء والإماتة وأمثالهما" . وإطلاق (الصورة) على الله مجاز، إذ لا يستعمل في الحقيقة إلا في المحسوسات وفي المعقولات مجازا.
هذا باعتبار أهل الظاهر. وأما عند المحقق فحقيقة، لأن العالم بأسره صورة الحضرة الإلهية تفصيلا، والإنسان الكامل صورته جمعا.
قال النبي، صلى الله عليه وآله: "إن الله خلق آدم على صورته".
فالنشأة الإنسانية حازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، أي بالوجود العيني، وذلك لأنه حاز بجسمه رتبة الأجسام وبروحه رتبة الأرواح، وبه، أي بهذا الجمع، قامت الحجة على الملائكة لإحاطتهبما لم يحيطوا به.
قوله: (فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، وانظر من أين أتى على من أتىعليه) تنبيه للسالك بالتأدب بين يدي الله تعالى وخلفائه والمشايخ والعلماء والمؤمنين، لئلا يظهر بالأنانية وإظهار العلم والكمال عندهم، لأنه يسلك للفناء.
وذلك لا يحصل إلا برؤية ما لغيره من الكمال وعدم رؤية ما لنفسه لابالعكس. وفيه أقول:
تعلم من العينين إن كنت عاقلا    .... شهود جمال الغير عند التواصل
ولا تك كالطاووس يعشق نفسه   .... ويبقى ملوما عند كل الكوامل
أي، وعظك الله بزجره للملائكة بقوله: (إني أعلم مالا تعلمون)
و
(أتى) مبنى للمفعول. يقال: أتاه وأتى به وأتى عليه. وإنما جاء هنا ب (على) لأنه في معرض التوبيخ والزجر، كأنه قال: وانظر من أين هلك من هلك.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا؟ . فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة. فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه. )
ثم استدل على أن حفظ العالم بسببه بقوله: (ألا تراه) أي: الإنسان الكامل (إذا زال) عن عالم الدنيا (وفك) ختمه (من خزانة الدنيا، لم يبق فيها ما اختزنه الحق تعالی فيها)؛ التجاسر الأسماء القهرية ومظاهرها على فتحها (وإخراج ما فيها) إلى العدم، أو إلى البرزخ، أو الأخرة .
(والتحق بعضه ببعضه) في الخروج فانشقت السماء، وطمست الكواكب، وسجرت البحار، وبست الجبال، ودكت الأرض، وصعقت، الحيوانات، (وانتقل الأمر) أي: أمر التجلي الإلهي على سبيل الجمعية والتفرقة جميعا (إلى الآخرة)؛ بسبب انتقال الإنسان الكامل إليها، فكان الإنسان هو (ختما على خزانة الآخرة) ليحفظها (ختما أبدا) لعدم انتقاله إلى عالم وراءها.
ولما كان الإنسان محل نقش الجمعية الإلهية (فظهر جميع ما في الصورة الإلهية) من ظهوره (بأسمائه) في العالم على سبيل التفرقة اجتمعت (في هذه النشأة الإنسانية فحازت) هذه النشأة (رتبة الإحاطة) بأسرار الكائنات، (والجمع) لما تفرق من الأسماء الإلهية في العالم (بهذا الوجود) الذي هو صورة وجود الحق والخلق جميعا.
(وبه) أي: بكونه محيطا جامعا (قامت الحجة) أي: حجة (الحق على الملائكة) ، القائلين على نهج الاعتراض: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" البقرة :30.
"وعلم آدم الأسماء لها ثم عرضهم على الملائكة" البقرة: 31.
فألزمهم الحجة بجمعيته للأسماء الإلهية، والكونية بالوقوف على أسرارها وخواصها بعد تحققه بها.
ثم قال لهم بعد إلزام الحجة:" إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون" [البقرة : 33].
وإذا كانت حجة الحق قائمة على كل من نازعه، وإن بلغ كالملائكة (فتحفظ) عن منازعته (فقد وعظك الله بغيرك) بإقامة الحجة على غيرك، وتوبيخه إياه.
وكذا تحفظ عن مخالفته، فقد وعظك الله بما فعل بغيرك، وهو إبليس وأتباعه، (وانظر من أين أتي) بالهلاك الكلي (على من أتي عليه)، وهو إبليس حيث خالف أمرا من أوامرهفأحبط عليه عمل ثمانين ألف سنة لحق به بالملائكة فأخرج عن الملائكة إلى حيث صار مقدم الأشقياء وقدوتهم.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا؟ 
فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة. فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه. )

قال رضي الله عنه : ( ألا تراه إذا زال وفكّ الختم من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحقّ فيها ) من المعاني الوضعيّة والأحكام الشرعيّة الأصليّة منها والفرعيّة ( وخرج ) - أي طلع وظهر ( ما كان فيها ) مقصودا من اللطائف المكمونة فيها والنفائس المخزونة تحتها ( والتحق بعضه ببعضه) الذي استخرجه المأذونون .
فإنّهم منذ ما وصل أفنان شجرة الوقت إلى بلوغ أوان ثمرتها على طبق ما وعد به العبارات المعربة للخاتم العربي صلَّى الله عليه وسلَّم .
لذلك الوقت قد أخذوا في إظهار شيء من لطائف تلك الخزانة وفتح أقفال مرموزاتها التي على أبواب دلالاتها المغلقة على حصون قلاع العقائد التقليديّة والرسوم العاديّة بحسب احتمال مزاج الزمان وقوّة هضمه لذلك الغذاء القوي ، متدرّجا من الأضعف إلى الأقوى .
والتحق اللاحق منه بالسابق ، إلى أن بلغ ميعاد فتح قسطنطنيّة العظمى ، فإنّه حينئذ ظهر تمام المراد ، وكمل أمر الإظهار وكفي الخلائق عن الموت والفساد والتكرار والترداد .
( وانتقل الأمر إلى الآخرة ، فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديّا ) .
وذلك لما عرفت أنّ من تلك اللطائف والنفائس ما كانت صورته في صدد الزوال والانتقال ، ومنها ما كانت معنويّة غير قابلة له ، والإنسان بطرفيه وما له من الكمالين هو الختم على الخزانتين ، وفيه إشارة إلى الختمين فلا تغفل .
ثمّ إنّه بعد تحقيق معنى آدم واستخراج ما في أساميه من الحقائق والأحكام المتطابقة بين الاسم والمسمّى ، أراد أن ينساق كلامه هذا إلى ما يتبيّن به ما هو بصدد تحقيقه ممّا ادعاه في صدر الكلام ، من « أنّ الملائكة من بعض جزئيّات قوى هذه الصورة الآدميّة ، وأنّها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل منها » لئلا تعتري لطائف تحقيقاته عن ملابس الانتظام قائلا : ( فظهر جميع ما في الصورة الإلهيّة من الأسماء ) وهو عطف على قوله :
" فتمّ"  أي إذا تقرّر أنّه بوجوده تمّ دائرة خاتم العالم ، وبنقوش حقيقته انختم خزائن صور المعاني دنيا وآخرة ، يكون جميع الأسماء ظاهرة بالضرورة (في هذه النشأة الإنسانيّة فحازت) الصورة الإلهيّة ( رتبة الإحاطة ) بالحدوث والقدم.
( والجمع ) بين التفرقة والجمع ( بهذا الوجود ) الكوني ( وبه ) أي بهذا الوجود الكوني ، وترتيب مقدّمات نشأته الواقعة على صورة الشكل الأوّل البيّن المنتج لسائر المتقابلات والنقائض.
( قامت الحجة لله تعالى على الملائكة) فيما ادّعوا من استحقاقهم الخلافة وعدم استيهال آدم لها.
ثمّ بعد تحقيقه هذا أخذ في موعظة منه للطالبين من العاكفين على ما أعطاهم أفهامهم وأحوالهم من العلوم والمعارف ، موروثة كانت من أعمالهم أو مكتسبة لأفكارهم وأنظارهم ، تنبيها على أنّه ما من رتبة في العلم باللَّه إلَّا فوقها مراتب ، وتشويقا لهم بأنّه ما من منقبة يتوقّف عندها أهل العلم ويفتخر بها ، مطمئنّا لديها ، إلَّا وفوقها مناقب .
بقوله : ( فتحفّظ ، فقد وعظك الله بغيرك ، وانظر من أين اتي على من اتي ) على صيغة المجهول ، إنما يستعمل في المكاره .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا؟ . فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة. فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه. )
قوله : "ألا تراه إذا زال و فك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اخترنه الحق تعالى فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعضه،وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبدا."
وكان كالختم عليها لئلا يفتحها تسلط تلك التفرقة والمباينة عليها واقتضى التجلي التقلص والانسلاخ عنها (ألا تراه)، أي الإنسان الكامل (إذا زال) بأن يرتحل خاتم الولاية المطلقة .
فلا يظهر بعده إنسان كامل (وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق سبحانه) من الحقائق المظهرية والأسماء الإلهية الظاهرة بها (وخرج ما كان فيها) من الحقائق المظهرية والأسماء الإلهية.
(والتحق بعضه)، أي التحق في النشأة الدنيا بعض ما اختزنه الذي له مرتبة الفرعية والجزئية (بعض) آخر له مرتبة الأصلية الكلية.
أي الفروع بأصولها والجزئيات بكلياتها كالتحاق المواليد بالعناصر.
أو التحق بعض الفروع ببعض آخر لرجوعهما إلى الأصل الجامع لهما.
أو التحق في النشاءة الآخرة بعض ببعض لمناسبة بينهما إما في درجات الجنان أو دركات النيران.
أو التحق بعض ما اختزنه الحق في الدنيا ببعض ما اختزنه في الآخرة بانتقاله من الصورة الدنيوية إلى الصورة الأخروية.
فكأن الصورة الدنيوية التحقت بالصورة الأخروية واندر جت فيها
(وانتقل الأمر)، أي أمر الظهور والإظهار من النشأة الدنيا العنصرية الكثيفة الزائلة (إلى) النشأة (الآخرة) النورية اللطيفة البافية واختزن الحق الأسماء ومظاهرها في خزانة الآخرة.
(وكان ذلك الإنسان الكامل (ختمة على خزانة الآخرة ختمة أبدية) كما كان ختمة على خزانة الدنيا ختمة مفكوكا عنها، ولما استخلف الحق سبحانه الإنسان الكامل ومن شرط الخليفة أن يكون على صورة المستخلف.
قوله : "فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة الله تعالى على الملائكة ."
فرع: رضي الله عنه قوله : ( فظهر جميع ما في الصورة الإلهية) يعني أحدية جمع الأسماء الإلهية وصورة اجتماعها (من الأسماء) بيان لما في الصورة في هذه النشأة الإنسانية الجامعة بين النشأة الروحانية والعنصرية التي هي أحدية جمع مظهريات تلك الأسماء (فحازت)، أي جمعت هذه النشأة (رتبة الإحاطة) بجميع الأسماء (والجمع)، أي ورتبة جمعية مظاهرها.
(بهذا الوجود)، أي الوجود العيني العنصري (وبه)، أي بكونه حائز رتبة الإحاطة والجمع
(قامت الحجة)، أي حجة الحق سبحانه في ادعاء استحقاقه الخلافة.
حيث قال: "إني جاعل في الأرض خليفة" (على الملائكة) القادحين في ذلك الاستحقاق.
بقوله : "أتجعل فيها من يفسڈ فيها ويسفك الدماء"آية 30 سورة البقرة .
قوله : "فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، وانظر من أين أبي على من أتي عليه ."
(فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك) يعني الملائكة (وانظر من این اني على من أتي عليه) مبني للمفعول .
يقال : أتاه وأتى به وأتى عليه ولا يستعمل مبنيا للمفعول إلا في المكاره يريد رضي الله عنه إتيان المعاتبة وتوجه المطالبة من قبل الحق سبحانه على الملائكة في اعتراضهم على الحق وجرحهم لأدم وتزكيتهم أنفسهم .
ثم اعلم أن ههنا أمور ثلاثة :
أحدها: نشأة هذا الخليفة.
وثانيها: حضرة الحق الذي أراد أن يجعله خليفة .
وثالثها: نشأة الملائكة الذين شاورهم في هذا الجعل.
والوقوف مع كل واحد من هذه الأمور والعمل بما يقتضيه منع من الاعتراض على جعله خليفة .
فأراد الشيخ رضي الله عنه أن ينبه على أن منشأ اعتراض الملائكة المفضي إلى هذه المعاتبة والمطالبة هو عدم وقوفهم من هذه الأمور والعمل بمقتضاه.

.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 15:07 عدل 8 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الخميس 30 أغسطس 2018 - 19:29 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة العاشرة السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة العاشرة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق بها وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته تقديس آدم. )
(فإن الملائكة لم تقف)، أي تطلع فتتأدب (مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة) من جمعية الكمال الذي عنده .
فإن الخليفة يحتاج أن يكون جميع حاجات من جعل مستخلفة عليهم.
وقول الله تعالى : "إني جاعل في الأرض خليفة " 30 سورة البقر.
يؤذن بذلك الهم الكمال (ولا وقفت)، أي الملائكة.
(مع ما تقتضيه حضرة الحق) سبحانه (من العبادة الذاتية) التي أشارت إليها الملائكة بعد أن تعلمتها من آدم عليه السلام بقولها : "سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، سبحانك ما عرفناك حق معرفتك". حديث الطبراني.
(فإنه ما يعرف أحد من الحق) تعالى (إلا ما تعطيه ذاته)، من المعرفة، بالله تعالى عند خلقه ظهورات مختلفة بعدد استعدادات الخلق.
وكلها ظهورات الحق تعالى، وكلها تنزه الحق تعالى عنها.
فهو الغيب المطلق من حيث هو على ما هو عليه، وهو الحاضر المشهود على كل حال من حيث استعدادات الخلق لمعرفته.
فكل استعداد فيه معرفة خاصة بشهود لله تعالى مخصوص، والأمر أن جاء بهما الشرع التنزيه والتشبيه معا لا أحدهما كما سيأتي إن شاء الله .
وليس للملائكة جمعية آدم عليه السلام لجميع الأسماء الإلهية بحقيقته الإنسانية فإن كل ملك من حضرة اسم إلهي خاص.
وإن جمع كل اسم لجميع الأسماء في اطلاع الكامل لكن لا يلزم من ذلك الاطلاع من القاصر عليه.
فإن الكامل يرى في القاصر من الكمال ما لا يراه القاصر من نفسه ولهذا كان قاصرا، وكان صاحب الاطلاع کاملا .
قال تعالى: "هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب " 9 سورة الزمر.
وقال تعالى : "ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت" 3 سورة الملك.
فإن كل ذرة من ذرات العالم على الكمال المطلق والجمعية الكبرى، ولكن اطلاع كل ذرة على نفسها وعلى باقي الذرات يتفاوت ويختلف بالكشف والاستتار.
وهذا مفتاح باب معرفة الكمال والنقصان في العالم (ولا وقفت الملائكة مع) جميع (الأسماء الإلهية).
التي كشف عنها لآدم عليه السلام (إلا) الأسماء (التي تخصها) مما هي من آثار تجلياتها (وسبحت الحق) تعالى (بها وقدسته) عن مشابهة الأغيار.
فإن كل اسم إلهي يقتضي تسبیح الله تعالی خاصة صادرة من حضرة ذلك الاسم بلسان أثر تجليه الخاص.
واختلفت الأسماء فاختلفت التجليات فاختلفت الآثار فاختلف التسبيح والتقديس، فأظهر كل أثر ما استعد له من ذلك .
كما قال تعالى : "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم" 44 الإسراء.
(وما علمت)، أي الملائكة (أن الله تعالی أسماء) أخر غير الأسماء التي سبحت الله تعالى بها وقدسته.
(ما وصل علمها إليها) لعدم جمعها لها (فما سبحته) تعالی (بها ولا قدسته) .
وتلك الأسماء الأخر التي ما وصل علم الملائكة إليها هي التي وصل علمها إليها على معنى ما وصل علم كل الملائكة إلى كلها.
وإلا فإن جميع أسماء الله تعالی ظهرت بظهور الملائكة، وسبحت بها ربها وقدسته، ولم يتعطل اسم من الأسماء.
و يحال ذلك، ولكن من قبيل مقابلة الجمع بالجمع، و انقسام الآحاد على الآحاد، فكل ملك يسبح باسم إلهي خاص لا يعرف التسبيح بغيره.
مع أن كل اسم جامع لكل اسم كما مر ولكن جمعة خفية لا يتنبه له إلا الكامل دون القاصر.
فكل ملك يعلم اسما واحدا إلهيا فهو محجوب به عن غيره من الأسماء.
حتى أن الاسم الغفور والعفو والتواب ونحوها من الأسماء كانت للملائكة قبل آدم أيضا.
لأن القصور في التسبيح ببعض الأسماء دون بعض غير لائق بالله تعالى.
فهو معصية مغفورة معفو عنها وصاحبها معترف بقصوره عن إدراك حقيقة التسبيح.
فهو تائب وإن لم تشعر الملائكة بذلك لخفائه فيها حتى تفصل بآدم عليه السلام وتبين واتضح فزال عنه الخفاء.
ولهذا كان آدم عليه السلام جلاء مرآة العالم كما سبق.
ثم إن آدم عليه السلام جمع لكل الأسماء المتفرقة في الملائكة.
ولهذا قال تعالى : " يا آدم أنبئهم بأسمائهم" 33 سورة البقرة.
أي بأسمائهم التي يسبحون الله تعالى بها ويقدسون، وقد كان كل واحد منهم يجهل الكل فعلم ما لم يعلم

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق بها وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته تقديس آدم.)
ثم شرع إلى بيانها بقوله: (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه) ما تظهره للحق من جميع أسمائه (نشأة هذه الخليفة ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية)التي لا تحصل إلا في نشأة الخليفة وهي العبادة بجميع الأسماء والصفات أي لم تطلع عليهما .
فالوقوف ههنا بمعنى الشعور والاطلاع وكذلك المذكور بعده لأن تجريحهم ودعواهم التسبيح والتقديس مسبب عن عدم علمهم بما ذكر فقد عدى مع أعتبار تضمينه معنى الثبوت.
(فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته) تعليل للمعطوف والمعطوف عليه مع أي لا يعرف احد الحق إلا بحسب معرفته بنفسه ولا يعبده إلا بحسب علمه.
(و) الحال أن (ليس للملائكة جمعية آدم) حتى يحصل فيها ما يحصل فيه من العبادة الذاتية .
فاستغنى بوجودها عن وجود آدم فلا بد من وجود آدم ليحصل مقتضى الذات الإلهية فلا مانع لحصول مقتضى الذات .
فهم أرادوا أن يمنعوه بقولهم: "أتجعل فيها من يفسد فيها" 30 سورة البقرة .
لعدم علمهم بما ذكر و ظنهم أنفسهم كفاية لمصلحة العبادة حيث قالوا: " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " 30 سورة البقرة .
(ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها) تخص الملائكة بها (وسبحت الحق به وقدسته) أي لا تطلع باختصاصهم بأسمائهم واختصاص تسبيحهم بها
(وما علمت أن الله تعالى أسماء ما وصل علمها إليها فما سبحته ولا قدسته) لحصرهم الأسماء والتسبيح والتقديس فيما هم عليه .
(فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقدیس آدم وتسبيحه) مع أنهم ظهروا عليه بدعوى التسبيح والتقديس بقولهم : "ونحن نسبح" 30 سورة البقرة.
فادعوا ما لم يتحققوا به ولم يكونوا بحال ولا على علم منه وتركوا الأدب مع الله فوقعوا في الخجالة بعد انکشاف أحوالهم إليهم لذلك :"قالوا سبحانك لا علم لنا" 32 سورة البقرة.


شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق بها وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته تقديس آدم. )
قوله رضي الله عنه:  "فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق تعالى من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق تعالى إلا ما تعطيه ذاته.
وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق بها وقدسته."

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق بها وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته تقديس آدم. )
قال رضي الله عنه : " فإنّ الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذه الخليفة ، ولا وقفت مع ما تعطيه حضرة الحق من العبادة الذاتية ، فإنّه ما يعرف أحد من الحق إلَّا ما تعطيه ذاته  وليس للملائكة جمعية آدم ".
يريد رضي الله عنه عدم وقوف الملائكة مع الأدب الذي تقتضي مرتبة خليفة الله تعالى بعد إخباره تعالى لهم : أنّه " جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً " .
وتعطيه نشأته الأحدية الجمعية من الكمال والإحاطة ، وعدم وقوفهم أيضا على ما توجب مرتبة الألوهية من الأدب والوقوف عند الأمر الإلهي ، فاعترضوا على الحق تعالى .
كما قال جلّ وعلا حكاية عنهم :  "قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"
فجمعوا بين الاعتراض على الله والجرح والطعن فيمن عدّله الله وزكَّاه عندهم ، وبين تزكيتهم أنفسهم ، وكلّ هذه الأمور منافية لنشأتهم المقتضية أن لا يعصوا ما أمرهم الله به ، ويفعلوا ما يأمرهم به .
والذي يقتضيه الأدب والتحقيق من العبيد بالنسبة إلى الحق أن لا يعترضوا عليه في أوامره ونواهيه ويمتثلوها .
والذي تقتضي نشأة الخليفة هو النزول إليه والدخول تحت حكم خلافته وجمعيّته ، لا الجرح والطعن فيه ، ولا سيّما ونشأتهم على ما ادّعوا من التسبيح والتقديس تقتضي عدم الاعتراض وحسن القبول والتلقّي لما يلقى إليه ويلقى .
فإن نشأتهم وحدانية بسيطة روحانية نورانية ، لا تقتضي الاعتراض ، فإنّه نزاع والنزاع من مقتضى التضاد والتباين والتنافر ، بل مقتضى نشأتهم الإيمان والطاعة والعبادة الذاتية والتنزيه والتقديس والخير لا غير .
إذ ليس لهم ولا لغيرهم أن يعرفوا كلّ ما في نفس الحقّ ، بل ما فيه من الحق ، ويعرفون الحق من حيث ما هم عليه "وليس للملائكة جمعيّة آدم" كما مرّ .
فكان الأوجب والأولى والأوجه والأحرى أن يتّصفوا بالإنصاف ، وينصفوا له بالاعتراف ، لا الاستنكاف والاعتساف لإحاطته وجمعيّته وسعته ، دونهم .
قال رضي الله عنه : ( ولا وقفت إلَّا مع الأسماء الإلهيّة التي تخصّها وسبّحت الحقّ بها وقدّسته) .
يعني أسماء التنزيه والتقديس :
كالسبّوح ، والقدّوس ، والطيّب ، والطاهر ، والنور ، والواحد ، والأحد ، والعليّ ، وأخواتهم « وما علمت أنّ لله أسماء ما وصل علمها إليها .
كالخالق ، والرازق ، والمصوّر ، والسميع ، والبصير ، والمطعم ، وغير ذلك ممّا يتعلَّق بالتدبير والتسخير والملك والسلطان والنعيم والعذاب والموت والهلاك والسقم والشفاء ، وسائر الأسماء التي تخصّ عالم الأجسام والطبيعة " فما سبّحت الحقّ بها ولا قدّسته ، فغلب عليها ما ذكرناه  .
يعني رضي الله عنه ما عندها من الجمعية السارية في نشأتها بالنفس الرحماني الأحدي الجمعي  وحكم عليها هذا الحال ، فقالت من حيث النشأة .
يعني : بلسان التنافي والتنافر الذي بين الوحدة والبساطة الملكيّتين وبين الكثرة والتركيب الجسمانيّين . "أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها " وليس إلَّا النزاع .
يعني موجب الفساد وسفك الدماء وما شاكلهما وهو النزاع .
" وهو عين ما وقع منهم " في الاعتراض " فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق " والاعتراض على الله عين النزاع مع من لا منازع له ، وجرح آدم عين سفك دمه لأنّه طلب عدم خلقه وإيجاده .
(وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته تقديس آدم.

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق بها وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته تقديس آدم. )
قوله رضي الله عنه : "فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية ، فإنه ما يعرف احد من الحق إلا ما تعطيه ذاته ، وليس للملائكة جمعية آدم ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها وسبحت الحق بها وقدسته ، وما علمت أن لله اسماء ما وصل علمها إليها فما سبحت الحق بها ولا قدسته"
أي لم تطلع على ما تقتضيه نشأة آدم من الجمعية الإلهية وظهوره بصورة الحق وهويته لكونه مطلوبا بجميع الأسماء ولا على ما تقتضيه الحضرة الإلهية من أن يعبد بعبادة ذاتية أي يطلب عابدا يعبد ذاته بجميع أسمائه فهو من حيث أنه مطلوب جميع الأسماء أعز الموجودات ومن حيث أنه عابد ربه بجميع الأسماء أذل الأشياء إذ لا يعبد الله العبادة الذاتية التامة بجميع الأسماء إلا الإنسان الكامل .
ولهذا عبدوا الحجارة والجمادات فإنه لا يعبد أحد معبودا إلا إذا عرفه ولا يعرف إلا ما تقتضيه ذاته بأن يكون فيه فيدركه بالذوق ، وليس للملائكة جمعية آدم فلم تطلع على الأسماء التي تخص جمعية آدم .
وسبحت الحق وقدسته جمعية آدم بها ولم تعرف أن لله أسماء لم يصل علمها إليها فما سبحت بها ولا قدسته فغلب عليها مقتضى نشأتها .
فقوله : ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها وسبحت الحق بها وقدسته ، معناه بالقياس إلى قوله لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذه الخليفة على ما ذكرته من رجوع الضمير في تخصها وسبحته وقدسته إلى جمعية آدم ظاهر . ووجه آخر وهو أن يكون الوقوف بمعنى الثبات لا بمعنى الاطلاع ، والضمائر الثلاثة ترجع إلى الملائكة .
أي لم يثبت الملائكة مع الأسماء التي تخصها ولم تقف بحكمها حتى شرعت في تجريح آدم وقدحت فيه ، إذ ما عرفت ما في آدم من الأسماء التي لم تعرفها ، فحكم عليها حالها التي هي النقص حتى نسبوا النقص الذي هو مقتضى نشأتها إلى آدم

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق بها وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته تقديس آدم. )
قوله: (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذه الخليفة ولا وقفت مع ماتقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية) بيان سبب وقوع الملائكة في التوبيخ.
وليس (الوقوف) هنا بمعنى الشعور والاطلاع وإلا كان الواجب أن يقول: على مايعطيه. فإنه تعدى بـ (على). بل بمعنى الثبوت.
فمعناه: أن الملائكة ما قنعت ولا وقفت مع ما أعطته مرتبة هذه الخليفة أزلا، بحسب نشأته الروحانية، مما هي عليه من التسبيح والتهليل والكمال اللائق بها، بل تعدت عنه وطلبت الزيادة على ما وهبت.
يقال: فلان وقف مع فلان وواقف معه. إذا لم يتعد عنه في السير.
ولم يقف معه. إذا تعدى عنه. وهذا الكلام إشارة إلى ما مر من أن جميع الموجودات ما يأخذون كمالهم إلا من مرتبة الإنسان الكامل، ولا يحصل لهم المدد في كل آن إلا منها، لأن الأسماء كلها مستمدون من اسم (الله) الذي هذا الكامل مظهره.
ويجوز إن يراد بـ (النشأة) ههنا نشأة رتبته الجامعة للنشأتين، ويجوز أن يراد النشأة الروحانية وحدها.
قوله: (ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية) بيان سبب آخر، لذلك أعاد قوله: (ولا وقفت). وقوله: (من العبادة) بيان (ما.) وصلة (تقتضيه) محذوفة. تقديره: مع ما تقتضيه حضرة الحق ويطلبه منهم من العبادة.
ومعناه: أنهم ما وقفوا على ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة التي تقتضيها ذواتهم أن يعبد الحق بحسب الأسماء التي صارت مظاهر لها بالانقياد والطاعة لأمره، أو العبادة التي يقتضيها الذات الإلهية أن يعبد بها. وحضرة الحق حضرة الذات، إذ (الحق) اسم من أسماءها.
قوله: (فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته) تعليل لعدم الوقوف مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة.
أي، لأنه لا يعرف أحد من العباد شيئا من أسماء الحق وصفاته إلا ما تعطى ذات ذلك العبد بحسب استعداده، ولا يعبده أحد إلا بمقدار علمه ومعرفته بالحق، لأن العبادة مسبوقة بمعرفة المعبود من كونه ربا مالكا يستحق العبادة.
وبمعرفة العبد من كونه مربوبا مملوكا يستحق العبودية، فمن لا يعطى استعداد ذاته العلم والمعرفة بجميع الأسماء والصفات،لا يمكنه أن يعبد الحق بجميع الأسماء، لذلك لا يعبد الحق عبادة تامة إلا الإنسانالكامل، فهو العبد التام.
ولاستلزام العبادة المعرفة قال: (فإنه لا يعرف أحد) كما فسر العبادة بالمعرفة في قوله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"
قوله: (وليس للملائكة جمعية آدم) . (الواو) للحال. أي، والحال أن الملائكة ليس لهم جمعية الأسماء التي لآدم، لكونهم يعبدون الله من حيث اسم خاص معين لا يتعدونه عنه، وآدم يعبده بجميع أسمائه.
قوله: (ولا وقفت مع الأسماء الإلهية إلا التي تخصها) أي، تخص الملائكة.
وضمير الفاعل يرجع إلى (الأسماء). (وسبحت الحق بها) أي،بتلك الأسماء.
(وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها) أي، علم الملائكة إلى تلك الأسماء. (فما سبحته بها) أي، بتلك الأسماء. (ولا قدسته).

 خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق بها وقدسته،وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته تقديس آدم.)
ثم أشار إلى إن نزاع الحق و مخالفته إنما ينشأن عن الجهل بأسراره في أفعاله وأحكامه؛ فقال: (وإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة) من إحاطته بأسرار الخلق وجمعه ما تفرق من ظهورات أسماء الحق.
(ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية) التي تقتضيها جمعية الذات للأسماء، وهي لا تتأتى إلا من المظهر الجامع الأسرارها، وكيف تقف الملائكة على ذلك؟!
(فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته) أي: مسلم أدرك مثاله من ذاته أي: ما تمثل من الغير في ذاته.
(وليس للملائكة جمعية آدم) فتدركها من ذواتهم، (ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها) أي: نشأة آدم إذ لم توجد تلك الأسماء قبل آدم في غيره حتى تتمثل في إدراكات الملائكة، وما عبدت الملائكة الحق بتلك الأسماء المخصوصة فضلا عن العبادة الذاتية، إذ ما (سبحت الحق بها، وقدسته) .
""أي ما وقفت مع الأسماء التنزيهية المخصوصة بهم أيضا؛ لأنها لو وقفت ما اعترضت. أنهم وقفوا مع مقتضى ذواتهم، ولم يقفوا مع مقتضى ذات الخليفة، ولا مقتضى عبادتهم الذاتية إلإلهية؛ لعدم وقوفهم، واطلاعهم بالذاتیات وذلك لعدم علمهم بذات الحق تعالى، فافهم.""
ثم أشار إلى أن جهلهم كان مركبا فقال(وما علمت) الملائكة (أن الله أسماء ما وصل علمها إليها) أي: إلى تلك الأسماء (فما سبحته) أي: الملائكة الحق (بها) أي: بذكر تلك الأسماء (ولا قدسته) بل كانوا يظنون أنهم أحاطوا علما بأسمائه، وسبحوه بكل اسم وقدسوه به، ولذلك أطلقوا في دعوى التسبيح والتقديس.


شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق بها وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته تقديس آدم. )
وقوله رضي الله عنه : ( فإنّ الملائكة ) تعليل لقيام الحجّة بالإنسان على الملائكة وبيان لما اتي عليهم ، وأنّه من أين اتي عليهم . 
وذلك أنّ الملائكة لمّا لم يكن لها قدم في النشأة الإطلاقيّة الجمعيّة التي إنّما تترتّب عليها الخلافة الإلهيّة ، وإنّما يؤسّس عليها أركان العبادة الذاتيّة ما أمكن لها الوقوف على أحكام تلك الخلافة ، ولا على
 لوازم تلك العبادة فلذلك (لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذه الخليفة ، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحقّ من العبادة الذاتيّة ) التي لا موقف لأحد فيها غير الإنسان ( فإنّه ما يعرف أحد من الحقّ ) وما يصل بمساعي أقدام العبادة إلى حضرات قربه ( إلَّا ما تعطيه ذاته ) بحسب القابليّة الأولى والفيض الأقدس .
( وليس للملائكة جمعيّة آدم ) بحسب تلك القابليّة على ما بيّن ، ( ولا وقفت مع الأسماء الإلهيّة ، إلَّا التي تخصّها ) من الأوصاف العدميّة والأسماء التنزيهيّة التي عليها مواقف استقرارها ومواطن معرفتها ، ( وسبّحت الحقّ بها وقدّسته ، وما علمت أنّ لله أسماء ما وصل علمها إليها فما سبّحته بها ولا قدّسته) ضرورة أنّ تسبيح العبد للحقّ بحسب معرفته له فأكملهم معرفة أتمّهم تسبيحا وعبادة ، ومن هاهنا ترى العبادة الواردة في التنزيل مفسرة بالعرفان .
وإذ لا يخفى على من تصفّح كلام القوم أنّهم يشيرون إلى منتهى مقام العبد وآخر مراتب عروجه بـ « الموقف » و « الموطن » كما يشيرون ب « القدم » إلى خصوصيّة منهجه ومواطئ طريقه ومسلكه حيث يقولون : « فلان على قدم آدم » ، و « فلان على قدم إبراهيم » لا احتياج في تبيين معنى الوقوف هاهنا إلى تعسّف واضطراب  .
وإذا كان مقتضى جبلَّة الملائكة وما أعطته ذاتها إيّاها إنّما هو الأوصاف العدميّة والأسماء التنزيهيّة ، استولى عليها قهرمان هذا الاقتضاء.

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت الحق بها وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته تقديس آدم. )
قوله : "فإن الملائكة، لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية . "
فقال : (فإن الملائكة لم تقف)، أي لم تتوقف (مع ما تعطيه)، أي تقتضيه (نشأة هذا الخليفة) وتجاوزت عن مقتضاه.
(ولا وقفت) الملائكة أيضا (مع ما تقتضيه حضرة الحق سبحانه) ويستحقه من العبادة الذاتية التي هي من مقتضيات ذاته وذوات عبيده سبحانه .
وهي الانقياد لأمره والخضوع تحت حكمه .
وإنما لم يقفوا مع ما تقتضيه نشأة هذه الخليفة ولا مع ما يقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية.
قوله : "فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تغطيه ذاته.  وليس الملائكة جمعية آدم . "
(فإنه ما يعرف أحد من الحق سبحانه إلا ما تعط ذاته) من الأسماء التي هو مظهرها (وليس للملائكة جمعية آدم)، أي جامعيته للأسماء كلها .
فما عرفوا من الحق الأسماء التي تخص آدم وهي الأسماء الثبوتية التشبيهية.
فما عرفوا من آدم الجمعية الأحدية الكاملية المقتضية لرعاية الأدب معه والنزول إليه والدخول تحت حكمه لا الجرح والطعن فيه.
وانبعث بهم معنى الحسد والتعصب وصار غشاوة بصر بصيرتهم "الذي" تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية.
فلا جرم تجاوزوا عن مقتضى شأنه ولم ينقادوا لأمر الحق خلافته.
قوله : "ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها وسبحت الحق بها وقدسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها ولا قدسته "
(ولا وقفت) أيضا (مع الأسماء الإلهية التي تخصها) وهي الأسماء السلبية التنزيهية وتجاوزت عن مقتضاها.
فإن مقتضاها وهي شطر من الأسماء الإلهية الانقياد لمن نشأته تعمها .
وغيرها من تلك الأسماء (وسبحت" الملائكة"  "الحق" سبحانه (بها)، أي بتلك الأسماء عطف على تخصها (وقدسته) أيضا بها .
ولما كان منشأ عدم وقوفهم مع مقتضى تلك الأسماء عدم علمهم بما عداها مما هو في نشأة الخليفة .
صرح الشيخ رضي الله عنه بها عاطفا على قوله : ولا وقفت
فقال : (وما علمت) ، أي الملائكة (أن الله سبحانه أسماء) أخرى غير ما سبحوه بها (ما وصل علمها)، أي علم الملائكة (بها)، أي بتلك الأسماء الأخرى كالخالق والرازق والمصور والسميع والبصير والمعظم.
وغير ذلك مما يتعلق بالنعيم والعذاب والموت والهلاك والسقم والشفاء وسائر الأسماء التي تخص عالم الأجسام والطبيعة (فما سبحته) أي الملائكة الحق سبحانه بها)، أي بتلك الأسماء. "ولا قدسته" كما يسبحه آدم ويقدسه .
فإن قلت: ما معنى التقديس والتنزيه في الأسماء المنبئة عن التشبيه؟
قلنا : فيها تقديس وتنزيه عن الانحصار في التنزيه .
فحال التقديس التنزيه عن الانحصار في التنزيه أو التشبيه أو الجمع بينهما
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 14:58 عدل 8 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الخميس 30 أغسطس 2018 - 19:35 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الحادية عشرة السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الحادية عشرة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا. )
قال رضي الله عنه : (فغلب عليها)، أي على الملائكة. (ما ذكرناه) من عدم وقوفها مع ما تعطيه النشأة الخليفة وما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية وعدم جمعيتها للأسماء الإلهية التي في آدم عليه السلام غير ما يخصها منها.
(وحكم عليها هذا الحال) المفهوم من جملة ما ذکر فحملها على ما ظهر منها.
(فقالت : من حيث النشأة)، أي قولا يقتضيه وجودها المخصوص وتشخيصها المعين فشرحت حالها بمقالها الظهور المقول فيه لها في مرآتها على حسب استعدادها والذي قالت هو (أتجعل فيها ) 30 سورة البقرة. أي في الأرض ("من يفسد فيها") فاستفهمت بطريق النهي عما طلب الله تعالى منها التكلم فيه بحسب ما عندها . (وليس) هذا الفساد الذي قالته (إلا النزاع) مع الله تعالى.
(وهو)، أي ذلك النزاع (عين ما وقع منهم) بقولهم: ذلك اقتضته حقیقتهم القاصرة عن كمال من قالوا ذلك في حقه.
(فما)، أي الذي قالوه في حق آدم عليه السلام من نسبة الفساد في الأرض إليه (هو عين ما هم فيه) حين قولهم ذلك (مع الحق) تعالی بعد سماعهم أن ذلك المجعول في الأرض خليفة له تعالى فقد نازعوا الله سبحانه بما قالوه فيه .
(فلولا أن نشأتهم) التي خلقوا عليها من قصورها عن درجة الخليفة (تعطی ذلك) القول منهم (ما قالوا في حق آدم ) عليه السلام .
(ما قالوه وهم لا يشعرون ) بأنه فيهم لا في آدم عليه السلام .
لأنه مقتضى نشأتهم القاصرة عن نشأة آدم عليه السلام الجامعة، ولا شك أن كل من قال في غيره شيئا إنما تصور ذلك الغير أولا في مرآة استعداده ثم أخبر عنه على حسب ما وجده فيها .
فما أخبر إلا عن استعداده فالقاصر يخبر بالقصور والكامل بالكمال (فلو عرفوا نفوسهم) من حيث ما هي ناشئة في تلك النشأة المخصوصة القائمة بتجلي اسم خاص وأنها قاصرة عن النشأة الجامعة التي للخليفة.
(لعلموا ما فيهم) من القصور عن نشأة الخليفة (ولو علموا) ذلك (لعصموا)، أي لحفظوا باعترافهم بالقصور عما وقعوا فيه من الطعن فيمن هو أعلى منهم.
فإن قلت هذا الكلام يشعر بعدم عصمة الملائكة للجمع عليها.
قلت : المراد بعصمتهم المجمع عليها عصمتهم من المخالفات والمعاصي.
وكلامهم ذلك في شأن هذه الخليفة الذي لم يكن موجودة حينئذ ليس بمخالفة ولا معصية.
وإنما هو بحسب ما عندهم من العلم بمن سئلوا عنه ممن لم يعرفوا مثله قبله أبدا.
فتكلموا فيه على مقتضى ما أعطاهم استعدادهم فأخطؤوه ولو علموه لحفظوا من ذلك.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا. )
قال رضي الله عنه : (فغلب عليها ما ذكرناه وحكم عليها هذا الحال) فأخرجهم عن حد الاعتدال (فقالت من حيث النشأة) الخاصة بهم (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) ما قالوا في حق آدم من الإفساد وسفك الدماء.
(وليس إلا النزاع) أي نزاع آدم عليه السلام مع الحق (وهو) أي هذا النزاع (عين ما وقع منهم فما قالوه في حق آدم) من المخالفة والمنازعة لأمر الحق (هو عين ما هم فيه مع الحق) وهذا من إعطاء نشأتهم.
(فلولا أن نشأتهم تعطى لهم ذلك) المذكور (لما قالوا في حق آدم ما قالوه) وفيه اعتذار من جانبهم (ولكن لا يشعرون) أنهم كانوا أصحاب النزاع بقولهم أتجعل وذكر الشعور دون العلم يدل على أن نزاعهم مع الحق تعالى.
قد بلغ غاية الظهور فكان كالمحسوس المشاهد فإذا لم يشعروا مخالفة أنفسهم مع الحق لم يعرفوا نفوسهم وأحوالهم.
(فلو عرفوا نفوسهم لعلموا) ربهم ولم يعلموا (ولو علموا) ربهم (لعصموا) عن قولهم في حق آدم كما عصموا بعد العلم بإظهار الحجة عليهم

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا. )
قوله:  "وما علمت أن الله أسماء ما وصل علمها إليها، فما تغلب عليها ما ذكرناه، وحكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: "أتجعل فيها من يفسد فيها" (البقرة: 30). وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق.
فلو لا أن نشأتهم تعطى ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا."

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا. )
"فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال".
فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم.
فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق.
ثم قال رضي الله عنه : " فلولا أنّ نشأتهم تعطي ذلك ، ما قالوا في حق آدم ما قالوه " .
يعني رضي الله عنه : النزاع والاعتراض من حيث ما ذكرنا من سراية أحدية جمع النشأة الطبيعية الكليّة ، « وهم لا يشعرون » بذلك لغلبة الحال وحكم البساطة والوحدة بالفعل ظاهرا ، وأعطى ذلك هذا الاعتراض والسعي في الجرح ، فقالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون .
قال رضي الله عنه : ( فلو عرفوا نفوسهم ، لعلموا ولو علموا لعصموا ) .
أي إنّ مقتضى ذاتهم ونوريّتهم وبساطتهم هو عدم الاعتراض والاعتساف ، والاتّصاف بحقائق الإنصاف . لعصموا عن وقوع المنازعة .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا. )
قال رضي الله عنه : "فغلب عليها ما ذكرنا وحكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة " أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها ".
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم .
فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق ،
فلو لا أن نشأتهم تعطى ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون .
فلو عرفوا نفوسهم لعلموا ولو علموا لعصموا"
شرعت في تجريح آدم وقدحت فيه ، إذ ما عرفت ما في آدم من الأسماء التي لم تعرفها ، فحكم عليها حالها التي هي النقص حتى نسبوا النقص الذي هو مقتضى نشأتها إلى آدم
، فقالت :" أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ".
- لأنها أدركت بنقصها نقص آدم وما تحت حيطتها ومرتبتها من خواص القوة الشهوانية والغضبية واحتجبت عما فوق نشأتها من الأسماء التي ليست لها فأظهرت النزاع الذي هو حالها ومقتضى نشأتها لأن إدراك النقص والاحتجاب عن الكمال عين الإنكار والنزاع.
فكان ما قالوا في حق آدم عين ما هم فيه مع الله

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا. )
قوله رضي الله عنه : "فغلب عليها ما ذكرناه، وحكم عليها هذا الحال."
فقالت من حيث النشأة: (أتجعل فيها من يفسد فيها)  أي، ما وقفت الملائكة مع الأسماء التي تخص الملائكة وسبحت الحق بها وقدسته. (فغلب عليها) أي، على الملائكة.
(ما ذكرناه) من عدم الوقوف مع ما أعطته مرتبة الإنسان الكامل ومع ما اقتضته حضرة الحق منهامن العبادة والانقياد لكل ما أمر الله به. (وحكم عليها) أي، على الملائكة.
(هذا الحال) أي، عدم الوقوف (فقالت من حيث النشأة) أي، من حيث نشأتهم الخاصة بهم: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟)
ولا ينبغي أن تحمل (النشأة) على النشأة العنصرية الإنسانية ليكون معناه: فقالت هذا القول من حيث النشأة الجسمية التي هي لآدم، مع غفلتهم عن النشأة الروحية والمرتبية.
لأن قوله: (فلولا نشأتهم تعطى ذلك، ما قالوا في حق آدم ما قالوا) تصريح على أن المراد بالنشأة هنا هي النشأة التي تخصهم.
أي، قالت الملائكة من حيث نشأتهم التي هم عليها: (أتجعل فيها من يفسد فيها؟)و(التسبيح) أعم من (التقديس) لأنه تنزيه الحق عن نقائص الإمكان والحدوث.
و (التقديس) تنزيهه عنها وعن الكمالات اللازمة للأكوان، لأنهامن حيث إضافتها إلى الأكوان يخرج عن إطلاقها ويقع في نقائص التقييد.
قوله : (وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم، فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق) أي، ليس هذا المعنى الذي غلب وحكم عليهم، وهو القول فيحق آدم، إلا المنازعة والمخالفة لأمر الحق، وهو، أي النزاع، عين ما وقع منهم مع الحق، فما قالوه في حق آدم من النقص والمخالفة هو عين ما هم فيه مع الحق، إذ ليس ذلك النقصان المنسوب إلى آدم إلا المنازعة والمخالفة للحق. وهو، أي ذلك النقصان، عين ما وقع منهم حالة الطعن فيه.
قوله : (فلو لا أن نشأتهم تعطى ذلك، ما قالوا في حق آدم ما قالوه، وهم لا يشعرون) أي، فلو لا أن نشأتهم التي حجبتهم عن معرفة مرتبة آدم تعطى ذلك النزاع.
ماقالوا في حق آدم ما قالوه، وهم لا يشعرون إن استعداداتهم وذواتهم يقتضى ذلك الذي نسبوا إلى آدم، كما قيل: "كل إناء يترشح بما فيه."
وهذا تنبيه على أن الملائكة التي نازعوا في آدم ليسوا من أهل الجبروت، ولامن أهل الملكوت السماوية، فإنهم لغلبة النورية عليهم وإحاطتهم بالمراتب يعرفون شرف الإنسان الكامل ورتبته عند الله وإن لم يعرفوا حقيقته كما هي، بل الملائكة الأرض والجن والشياطين الذين غلبت عليهم الظلمة والنشأة الموجبة للحجاب وفي قوله: "إني جاعل في الأرض خليفة".
بتخصيص (الأرض) بالذكر، و إن كان الكامل خليفة في العالم كله في الحقيقة، إيماء أيضا بأن ملائكة الأرض هم الطاعنون، إذ الطعن لا يصدر إلا ممن هو في معرض ذلك المنصب، وأهل السماوات مدبرات للعالم العلوي بالقصد الأولى، وللسفلى بالقصد الثاني.
وإذا حققت الأمر وأمعنت النظر، تجدهم في هذه النشأة الإنسانية أيضا أنهم هم المفسدون - كما قال الله: "ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون".
ألا ترى أن القوة الشهوية والغضبية هما ملكان من ملائكة الأرض، هما اللتان تغلبان على النفس الناطقة ويجعلان لها أسيرا منقادا لأفاعيلهما وأغراضهما.
وعند ذلك تصير النفس (أمارة بالسوء) فهم المفسدون في الحقيقة.
وكون السفك والفساد صادرا من القوى الجسمانية لا الروحانية القلبية، دليل واضح على ما ذهبنا إليه من أن أهل الجبروت والملكوت السماوية لا يتنازعون مع الحق ولا يخالفون أمره ونهيه، إذ القوى الروحانية والقلبية لا يتأتى منهم ما يخالف أمر الله، فافهم
تنبيه
اعلم، أن هذه المقاولة يختلف باختلاف العوالم التي يقع التقاول فيها: فإن كان واقعا في العالم المثالي فهو شبيه المكالمة الحسية.
وذلك بأن يتجلى لهم الحق تجليا مثاليا كتجليه لأهل الآخرة بالصور المختلفة  كما نطق به حديث
(التحول)، وإن كان واقعا في عالم الأرواح من حيث تجردها فهو كالكلام النفسي.
فيكون قول الله لهم إلقاؤه في قلوبهم المعنى المراد، وهو جعله خليفة في الأرض من غيرهم. وقولهم عدم رضاهم بذلك وإنكارهم له، الناشئين من احتجابهم برؤية أنفسهم وتسبيحهم عن مرتبة من هو أكمل منهم، واطلاعهم على نقائصه دون كمالاته.
ومن هذا التنبيه يتنبه الفطن على كلام الله ومراتبه:
فإنه عين المتكلم في مرتبة، ومعنى قائم به في أخرى كالكلام النفسي وإنه مركب من الحروف و معبر بها في عالمي المثالي والحسي بحسبهما.
كما بينا في رسالتنا المسمى بكشف الحجاب عن كلام رب الأرباب. والله أعلم.
قوله : (فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا) أي، لو عرفوا ذواتهم وحقائقهم، لعلموا لوازمها من كمالاتها ونقائصها وعدم علمها بمرتبة الإنسان الكامل، وبأن لله تعالى أسماء ما يحققوا بها.
ولو علموا ذلك، لعصموا من نقائص الجرح لغيرهم وتزكية أنفسهم.
ولما كان العلم اليقيني موجبا لخلاص النفس عن الوقوع في المهالك غالبا،
قال، رضى الله عنه: (ولوعلموا لعصموا.)

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟ 
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون.  فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا. )

قال رضي الله عنه : (فغلب عليها) أي: على الملائكة (ما ذكرناه) أي: لا من كون كل منهم محجوبا بنفسه.
(وحكم عليها هذا الحال) أي: الجهل المركب الموجب لظن احاطتهم بالأسماء الإلهية، وبما في الأكوان من أسراره مع جهلهم لجمعية آدم، واختصاصه ببعض الأسماء الإلهية.

وهي التي لم يصل علمهم إليها بل رأوه قاصرا عن تجلي الأسماء الإلهية التي تجلت فيهم، فقالت: (من حيث النشأة ) الجسمانية لأدم المشتملة على العناصر المتقابلة الطبائع التي بها الكون، والفساد المشتملة على الشهوة والغضب بما فيها من الهواء والنار ("أتجعل فيها") أي: في الأرض ("من يفسد فيها") بطلب شهواته، ويسفك الدماء بثوران غضبه.
ثم زاد عليهم الشيخ فه بقوله: (وليس) أي: فساد آدم وأولاده (إلا النزاع) مع الحق بالاعتراض عليه فيما لا تبلغه عقولهم، والسخط بقضائه فيما لا يوافق طباعهم، ومخالفة أوامره ونواهيه.
(وهو) أي: النزاع المعبر عنه بالفساد فيه قول الملائكة الذين طعنوا به في حق آدم (عين) أي: مثل (ما وقع منهم) مع الحق حيث اعترضوا عليه، وإذا كان طعنهم في آدم نزاعا مع الحق، وهم سابقون على أدم في ذلك.
(فما قالوه في حق آدم) من الفساد (هو عين ما هم فيه) الآن من النزاع (مع الحق) سابقون على أدم فيه، فهم أولى بذلك الطعن.
ثم إنهم لما طعنوا في أدم بما رأوا فيه من مبدأ الفساد، وقد سبقوه في استحقاق ذلك الطعن، وهو حادث لا بد له من سبب هو مبدؤه فلا بد فيهم من مبدأ الفساد أيضا، وهو الجهل المركب والحجاب المذكوران.
(فلولا أن نشأتهم تعطي ذلك) النزاع مع الحق (ما قالوا في آدم ما قالوه) ، من نسبة الفساد إليه مع أن النزاع مع الحق أعظم أنواعه (وهم لا يشعرون).
أن ما طعنوا في حق آدم نزاع مع الحق، ولا أنه فساد ناشئ من نشأتهم؛ فهذا جهل آخر مركب فيهم (فلو عرفوا نفوسهم لعلموا) ما في نشأتها من الجهل، والحجاب اللذين هما من مبادئ الفساد؛ فلذلك وقع منهم النزاع مع الحق، والدليل على ذلك: أنهم (لو علموا) أن الفساد الذي طعنوا به في حق آدم غير ما هم فيه "ما هم عليه وفيه الآن بالطعن والنزاع مع الحق سبحانه في آدم " (لعصموا) عن هذا الطعن، وسلموا عن النزاع مع الحق الذي هو أعظم أنواع الفساد.


شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟ 
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا. )

قال رضي الله عنه :  ( فغلب عليها ما ذكرناه ) من عدم الجمعيّة التي لآدم .
وعدم وقوفها مع الأسماء كلَّها وعدم العلم بأنّ للحقّ أسماء وراء ما عندها ( وحكم عليها هذا الحال ) ، أي غلبها أحكام هذا السلوب والأوصاف العدميّة ( فقالت من حيث النشأة ) أي نطقت لسان نشأتها هذه بقولها : ( "أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها " ) مستنكرة للحق فيه .
ساعية لآدم بعدّ قبائح أوصافه العدميّة مثنية على أنفسها بعدّ محامد أوصافها السلبيّة كلّ ذلك من مقتضى نشأتها التي على محض التجرّد والتقدّس العدمي .
والدليل على أنّ ذلك القول إنّما صدر منها من حيث نشأتها أنّ ما نسبوه لآدم إنّما هو الفساد (وليس ذلك إلَّا النزاع ، وهو عين ما وقع منهم فما قالوه في حقّ آدم ) من الفساد ( هو عين ما هم فيه مع الحقّ . فلو لا أنّ نشأتهم تعطي ذلك ، ما قالوا في حقّ آدم ما قالوه ، وهم لا يشعرون ) .
أنّ ذلك القول هو عين ما نسبوه إلى آدم ، ضرورة أنّ صدور الآثار إذا كان من المبادي من غير شعور بها ولا رويّة ، دليل على أنّها من محض الجبلَّة ونفس الطبيعة .
( فلو عرفوا نفوسهم ) الجزئيّة بحقائقها وخصوصيّاتها ( لعلموا ) أن ذلك القول عين الإفساد ، وأنّ تجريح آدم به تجريح لأنفسهم ، ( ولو علموا ) ذلك ( لعصموا منه ) .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟
وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا. )
قوله رضي الله عنه : "فغلب عليها ما ذكرناه، وحكم عليها هذا الحال."
(فغلب عليها)، أي على الملائكة (ما ذكرناه) من عدم وقوفهم مع الأمور الثلاثة (وحكم عليها)، أي على الملائكة (هذا الحال) أي غلبة ما ذكرناه عليهم أو ما ذكرناه وهو عدم وقوفهم معها .
"فقالت من حيث النشأة : "أتجعل فيها من يفسد فيها" آية 30 سورة البقرة."
(فقالت) أي الملائكة (من حيث النشأة) التي تخصهم بلسان التنافي والتنافر الذي بين الوحدة والبساطة الملكيتين، وبين الكثرة و التركيب الإنسانيين.
"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " آية 30 سورة البقرة .
"وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق."
(وليس) ما ينسبونه إلى آدم من الإفساد وسفك الدماء (إلا النزاع) و المخالفة لا من الحق (وهو)، أي ذلك النزاع (غير ما وقع منهم) مع الحق من اعتراضهم عليه في جعله آدم خليفة.
(فما قالوه في حق آدم) مع الحق من النزاع والمخالفة (هو عين ما هم فيه مع الحق) منهما حال اعتراضهم على الحق والطعن في آدم
"فلولا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعون. "
(فلولا أن نشأتهم تعطي ذلك) النزاع مع الحق سبحانه ويقتضي ذلك الاعتراض (ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون) مع الحق سبحانه.
"فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا."
(فلو عرفوا نفوسهم)ونشأتهم التي تخصهم لعلموا أن ما قالوه هو النزاع مع الحق سبحانه الذي هو من لوازم نشأتهم وأحكام نفوسهم (ولو علموا) ذلك(  لعصموا) من الإقدام على النزاع فإنهم من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم، فلو علموا أن ما قالوه نزاع مع الله سبحانه و عصيان لأمره ما وقع منهم ذلك القول.
وإنما وقع منهم الذهول عن هذا المعنى.
وأيضا ليس من مقتضى الإنصاف إذا أطلع أحد على أمر مذموم في نفسه أن يطعن به في غيره ويجرحه
 .


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 14:52 عدل 6 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 8 سبتمبر 2018 - 17:28 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الثانية عشر السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثانية عشر :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه. فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح؟ )
(ثم لم يقفوا مع التجريح)، أي الطعن والقدح المذكور (حتى زادوا) على ذلك (في الدعوى بما)، أي بالذي (هم عليه من التقديس) لله تعالى.
(والتسبيح) له حيث قالوا: "ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" 30 سورة البقرة.
وإنما تسبيحهم وتقديسهم بما توجه على نشأة كل واحد منهم من الأسماء كما ذكرنا (وعند آدم) عليه السلام (من الأسماء الإلهية) بطريق ظهور نشأته ، مجموعة من كل شيء وكل شيء صورة ملك سماوي.
وكل شيء أثر من تجلي اسم خاص يسبح ربه بذلك الاسم ويقدس له (ما)، أي أسماء إلهية (لم تكن الملائكة)، من حيث كل واحد منهم منفردة كما ذكرنا (مطلعين عليها) في أنفسهم ولا في غيرهم.
فإن آدم عليه السلام جمع لأثر كل اسم إلهي في نشأته المخصوصة فهو يسبح الله ويقدس له بجميع تلك الأسماء.
(فما سبحت) الملائكة (ربها بها)، أي بتلك الأسماء كلها التي في آدم من حيث كل ملك منها (ولا قدسته)، أي طهرته تقديسا صادرا (عنها) عن تلك الأسماء كلها.
مثل (تقديس آدم) عليه السلام (وتسبيحه) فإن عبادة الكامل كاملة وعبادة القاصر قاصرة.
ولهذا قال عليه السلام: «ركعة من عالم بالله خير من ألف ركعة من جاهل بالله»، والعلم بالله يتفاوت ففضيلة الركعات تتفاوت، وكذلك كل عبادة .
(فوصف)، أي حکي (الحق) تعالى (لنا) في القرآن العظيم (ما جرى) بين آدم عليه السلام والملائكة عليهم السلام وإبليس عليه اللعنة (لنقف عنده).
أي عند ما جرى فلا تتعداه بتبرئة الملائكة عما صدر منهم مما تقتضيه حقائقهم ونعترف لآدم عليه السلام بما وصفه الله تعالى من الكمال .
ونصف إبليس بما صدر منه من الكفر والعناد والجحود للفضيلة الظاهرة.
(و نتعلم الأدب مع الله تعالى) في كل مقام أقامنا فيه لا نتعداه (فلا ندعی) أبدا بألسنتنا ولا بقلوبنا (ما)، أي الكمال الذي (أنا متحققون به).
فضلا عن عدم تحققنا بذلك بأصحاب العلوم القاصرة عن مرتبة التحقيق.
(وحاوون عليه) بالاطلاع المحقق من الكتاب والسنة (بالتقييد) متعلق بالدعاوى، أي بتقييد دعوانا بذلك الذي فينا فقط.
(فكيف أن نطلق في الدعوى)، أي إطلاقا (فنعم بها ما ليس لنا) من الكمال (بحال) من الأحوال.
(وما أنا)، أي نحن (منه على علم) فنفتري بذلك على الله تعالى أنه وضع ذلك فينا ، ولم يكن وضعه على نفوسنا أن ذلك فيها وليس فيها .
والمراد بدعوى ما فينا المذمومة فضلا عما ليس فينا الدعوى الصادرة من قبل النفس الزكية لها كما.
قال تعالى : " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" 32 سورة النجم.
وأما التكلم بالله تعالى لا بالنفس في إظهار ما انطوى عليه العبد من الكمال بنية شكر نعمة الله تعالى فليس ذلك بمذموم .
كما قال تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدث" 11 سورة الضحى.
وليس ذلك مراد الشيخ قدس الله سره، لأنه سمي ذلك دعوى والدعوى لا تكون إلا بالنفس للتزكية، وغير ذلك شكر لا دعوى.
ولهذا قال : (فنفتضح)، أي بظهور عجزنا وقصورنا في الدنيا ومؤاخذتنا بذلك في الآخرة ولا افتضاح في الشكر بل فيه المزيد من النعمة .
كما قال تعالى: "لئن شكرتم لأزيدنكم" 7 سورة إبراهيم.


شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه. فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح؟ )
(ثم لم يقفوا مع التجريع حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التقديس والتسبيح) وثم لبعد مرتبة دعوى التزكية عن التجريح لأن فيه ارتکاب النهي ظاهرا كقوله تعالى: "فلا  تزكوا أنفسكم " 32 سورة النجم. بخلاف قولهم : أتجعل فيها وحتى للتجاوز عن الحد وفيه نوع من التشنيع والتوبيخ (و) الحال أن (عند آدم) كان (من الأسماء الإلهية) بيان لقوله ما وهو أي ما فاعل للظرف (ما لم تكن الملائكة) مشتملة (عليها)، ولم يكن تلك الأسماء عند الملائكة يعني ما علمت الملائكة هذه الأسماء التي علمها آدم.
(وما علمت أن الله تعالى أسماء ما وصل علمها إليها فما سبحته ولا قدسته) لحصرهم الأسماء والتسبيح والتقديس فيما هم عليه .
(فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقدیس آدم وتسبيحه) مع أنهم ظهروا عليه بدعوى التسبيح والتقديس بقولهم : "ونحن نسبح" 30 سورة البقرة.
فادعوا ما لم يتحققوا به ولم يكونوا بحال ولا على علم منه وتركوا الأدب مع الله فوقعوا في الخجالة بعد انکشاف أحوالهم إليهم لذلك :"قالوا سبحانك لا علم لنا" 32 سورة البقرة
(فوصف الحق) فحكي (لنا) الحق في القرآن الكريم (ما جرى) من أحوال الملائكة وآدم (لنقف عنده ونتعلم الأدب) مع الله تعالى کیف، نقف عند الحق تعالى نتأدب معه ونهتدي ولا نتجاوز الحد.
(فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون) أي و مشتملون (عليه) مع صدقنا في دعوانا قوله (بالتقييد) متعلق بلا ندعي (فكيف أن نطلق في الدعوى ننعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح) الظهور عيوبنا عند انکشاف أحوالنا (فهذا التعريف الإلهي) وهو قصة آدم عليه السلام مع الملائكة ومن في قوله : (مما) للتبعيض أو للتبيين أي بعض ما (ادب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء) فإن غيرهم لا يتأدب بمثل هذه التعريفات الإلهية وفي إيراده قدس سره هذه القصة في كتابه دلالة على كمال علمه وأدبه مع الله عز وجل وحسن خلقه مع الناس .
وهي أن المؤمنين الذين نازعوا وطعنوا في إظهار المعاني التي لا يعرفها عقل بطریق نظر فکري بمنزلة الملائكة الذين نازعوا وطعنوا في آدم فنفسه قدس سره بمنزلة آدم .
فكما كان آدم لا يغضب على الملائكة بسبب قولهم في حقه "أتجعل فيها" 30 سور البقرة .
فكذلك الشيخ لا يغضب على الذين يظنون السوء في حقه لتحققه بقوله تعالى: "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس " 139 سورة آل عمران.
فكما أن ما قالوه في حق آدم عین مخالفتهم لأمر الحق فكذلك المؤمنون الذين قالوا في حقه من الذم والطعن عين مخالفتهم الأمر الحق لأن إبراز الكتاب لا يكون إلا عن أمر الله .
فمن ظن السوء في حقه و نسب إليه ما لا يليق للمؤمنين أن يتصفوا به يخشى عليه الافتضاح في وقت المعاينة يخبر عنه قوله : "فنقتضح" .
ولما فرغ عما وجبة تقديمه من حكاية الملائكة وغيرها .

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه. فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح؟ )
قوله:  "ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقدس آدم وتسبيحه."
فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى فلا يدعى ما أنا محقق به و حاوى عليه بالتقييد.
فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لی بحال ولا أنا منه على علم فنفتضح؟ "
فلم تعلم الملائكة أن جمعية آدم على الأسماء لم يعرفوها فما سبحوه بها ولا قدسته الملائكة بمعاني مراتبها.
وقالت من حيث نشأة آدم"أتجعل فيها من يفسد فيها " (البقرة: 30) لما رأت جسمه مرکبا من أركان متضادة. فعلمت أن بنيانه منهم:
منهممن يغلب عليه الركن الناري وهو الصفراء، فيكون طیاشا خفيفا يتسرع إلى الأقوال والأفعال التي لا يتثبت فيها فيقع منه الفساد، يفعل ما لا ينبغي في الوقت الذي لا ينبغي.
منهم: من يغلب عليه الركن الهوائي وهو الدم، فيجد في جسده قوة تأمره بالانتقام ممن لا يستحق أن ينتقم منه.
ومنهم: من يغلب عليه الجزء المائي وهو البلغم، فيكون قاصرا عن الحركة فيما يجب أن يتحرك فيه، فيفوته ما يجب في الوقت الذي يجب، ويستبرده من غلب عليه الركن الهوائي الدموي فينشط إلى إفساد حاله، لأنه يطمع فيه لرخاوته هذا في طبع البشر.
ومنهم: من يغلب عليه الركن الترابي، فيكون السوداء غالبة عليه فيكون صاحب توهم ووسواس وأفكار ردية، فيفعل بمقتضاها ما لا يجب ويفوته ليبس مزاجه ما يجب.
وهذه أحوال كلها تقتضي الفساد فأشارت الملائكة إلى ذلك بقولهم: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " (البقرة: 30).
وما علمت أن آدم والخواص من بنيه ممن ذكر في هذه الفصوص، لهم الاعتدال الذي يقتضي لهم قول ما يجب، وفعل ما يجب في الوقت الذي يجب، وأن ذلك الاعتدال يقتضي لهم أن يكون نشأتهم جامعة الأسماء إلهية ليست عند الملائكة.
و قوله: ثم نرجع إلى الحكمة فتقول: أعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة لا تزال عن الوجود العینی.
ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عینی، بل هو عينها لا غيرها أعنی أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها.
فاستناد کل موجود عینی لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة.
وسواء كان ذلك الوجود العینی مؤقتا أو غير موقت، نسبة المؤقت وغير المؤقت إلى هذا الأمر الكلى المعقول نسبة واحدة.
غير أن هذا الأمر الكلی يرجع إليه حكم من الموجودات العينية بحسب ما تطلبه حقائق تلك الموجودات العينية، کنسبة العلم إلى العالم، والحياة إلى الحي.
فالحياة حقيقة معقولة والعلم حقيقة معقولة متميزة عن الحياة، كما أن الحياة متميزة عنه.
ثم نقول في الحق تعالى: إن له علما وحياة فهو الحى العالم.
ونقول في حق الملك: إن له علما وحياة فهو الحي والعالم.
ونقول في الإنسان: إن له علما وحياة فهو الحي والعالم.
وحقيقة العلم واحدة، وحقيقة الحياة واحدة، ونسبتها إلى العالم والحي نسبة واحدة.
ونقول في علم الحق: إنه قدیم، وفي علم الإنسان إنه محدث.
فانظر ما أحدثته الإضافة من الحكم في هذه الحقيقة المعقولة، وانظر إلى هذا الارتباط بين المعقولات والموجودات العينية.
فكما حكم العلم على من قام به أن يقال فيه: عالم، حكم الموصوف به على العلم بأنه حادث في حق الحادث، قديم في حق القديم.
فصار كل واحد محكوما به محكوما عليه.
ومعلوم أن هذه الأمور الكلية وإن كانت معقولة فإنها معدومة العين موجودة الحكم، كما هي محكوم عليها إذا نسبت إلى الوجود العيني. فتقبل الحكم في الأعيان الموجودة ولا تقبل التفصيل والتجزيء.
فإن ذلك محال عليها، فإنها بذاتها في كل موصوف بها كالإنسانية في كل شخص شخص من هذا النوع الخاص لم تتفصل ولم تتعدد بتعدد الأشخاص ولا برحت معقولة.
وإذا كان الارتباط بين من له وجود عيني وبين من ليس له وجود عینی قد ثبت، وهي نسب عدمية، فارتباط الموجودات بعضها ببعض أقرب أن يعقل لأنه على كل حال بينها جامع وهو الوجود العينى وهناك فما ثم جامع وقد وجد الارتباط بعدم الجامعة فبالجامع أحق.
ولا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه وافتقاره إلى محدث أحدثه ولإمكانه بنفسه. فوجوده من غيره، فهو مرتبط به ارتباط افتقار.
ولا بد أن يكون المستند إليه واجب الوجود بذاته غنيا في وجوده بنفسه غیر مفتقر، وهو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث فانتسب إليه.
ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود لكن وجوبه بغيره لا بنفسه.
ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالی في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه "وفينا" فاستدللنا بنا عليه.
" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)" سورة فصلت
فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.
فلما علمناه بنا ومنا نسينا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا. فوصف نفسه لنا بنا، فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه.
ولا شك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تمیزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد.
فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه الإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه.
فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم. فلا تنسب إليه مع كونه الأول. ولهذا قيل فيه الآخر.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه. فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح؟ )
قال رضي الله عنه : " ثمّ لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التقديس والتسبيح .
وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة تقف عليها فما سبّحته بها ، ولا قدّسته عنها تقديس آدم وتسبيحه" .
قال العبد : اعلم : أنّ التسبيح تعريف الحق والثناء عليه بأسماء السلب والتنزيه ، ولمّا كان في نشأة آدم من حقائق الكمال ونقائضها من النقائص التي ليست في نشآت الملكية .
فما أثبت الملائكة على الحق أي وما عرفته من حيث تلك الكمالات الخصيصة بالجمعية الإنسانية ، ولا نزّهت الحقّ ولا قدّسته ولا سبّحته عن نقائض تلك الكمالات من النقائص تسبيح ذوق وتقديس حال .
تقديس آدم وتسبيحة لكونه جامعا لحقائق الكمالات ونقائضها وعدم جمعية الملائكة ، فافهم .
قال الشيخ رضي الله عنه : ( فوصف الحقّ لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلَّم الأدب مع الله تعالى ، فلا ندّعي ما أنا متحقّق به وحاو عليه بالتقيّد فكيف أن نطلق في الدعوى ، فنعمّ بها ما ليس لي بحال ، ولا أنا  منه على علم . فنفتضح ؟ !) .
يعني رضي الله عنه : كما ادّعت الملائكة مطلقا في التسبيح . " فنفتضح ؟ ! " عند المطالبة ، ونتعرّض المعاتبة .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه. فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح؟ )
"ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التقديس والتسبيح وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه"
شرعت في تجريح آدم وقدحت فيه ، إذ ما عرفت ما في آدم من الأسماء التي لم تعرفها ، فحكم عليها حالها التي هي النقص حتى نسبوا النقص الذي هو مقتضى نشأتها إلى آدم
، فقالت :" أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ".
- لأنها أدركت بنقصها نقص آدم وما تحت حيطتها ومرتبتها من خواص القوة الشهوانية والغضبية واحتجبت عما فوق نشأتها من الأسماء التي ليست لها فأظهرت النزاع الذي هو حالها ومقتضى نشأتها لأن إدراك النقص والاحتجاب عن الكمال عين الإنكار والنزاع.
فكان ما قالوا في حق آدم عين ما هم فيه مع الله
( فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى ، فلا ندعى ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد ) أي ما أن كل واحد منا محقق به وحاو عليه والمحقق لا يلتفت لفت العبارة فلا حرج في أن تختلف الضمائر بالجمع والتوحيد ، والمراد أن الحق تعالى قص لنا القصة لنتعلم الأدب معه ، فلا نعترض ولا ندعى فيما تحقق عندنا ولا نشك فيه أنه علمنا أو حالنا على التعيين والتقييد لأنه علم الله
( فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لي بحال ولا أنا منه على علم, فنفتضح) أي فكيف ندعى ما ليس بعلمنا وحالنا ، أو لا ندعى أنه هو الحق على التعيين والتقييد وليس وراءه علم. والافتضاح يشير الى حال الملائكة امام الله وآدم عليه السلام.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه. فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح؟ )
قوله : (ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التقديس والتسبيح) أي، ما اكتفوا بالطعن والجرح في آدم، بل زكوا أنفسهم وظهروا بدعوى التقديس والتسبيح، ولو علموا حقيقتهم، لعلموا أن الحق هو المسبح والمقدس لنفسه في مظاهرهم، وأن هذه الدعوى توجب الشرك الخفي.
قوله: (وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة تقف عليها، فما سبحتربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه) .
"الملائكة" هنا هم الطاعنون في آدم، أو الملائكة مطلقا، ليكون (اللام) للعهد في الأول والجنس في الثاني، وكلاهما حق.
فإن كلا منها له مقام معين، لا يمكن له التجاوز عنه ولا تسبيح له إلابحسب ذلك المقام، بخلاف الإنسان فان مقامه يشتمل على جميع المقامات،علوا وسفلا، وهو مسبح فيها كلها، يعلم ذلك من أحاط علمه بمطلع قوله تعالى: و "إن من شئ إلا يسبح بحمده".
وشاهد كيفية تسبيحهم الحسى والمثالي والمعنوي بلسان حالهم واستعدادهم في كل حين، وعرف أنه مسبح في مراتب نقصانه، كما أنه مسبح في مراتب كماله، فنقصانه أيضا من وجه كماله ألا ترى أن (التواب) و (الغفار) و (العفو) و (الرؤف) و (الرحيم) و (المنتقم) و (القهار) .
وأمثالها يقتضى المخالفة والذنب، كاقتضاء (الرب) المربوب و (الرزاق) المرزوق.
فالحكمة الإلهية اقتضت ظهور المخالفة من الإنسان ليظهر منه الرحمة والغفران، كما جاء في الحديث القدسي: "لو لم تذنبوا، لذهبت بكم وخلقت خلقا يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم."
وأيضا، المخالفة للأمر في الظاهر إنما هي للإنقياد بمقتضى الإرادة في الباطن، إذ كل يعمل بمقتضى الاسم الذي هو ربه، فهو في عين الطاعة لربه عند الإتيان بالمعصية وإن كان مخالفا للأمر في الصورة.
وأيضا، الذنب يقتضى الانكسار والافتقار إلى الرحمة والرجاء في المغفرة، و عدمه غالبا يقتضى العجب والأنانية، وهو أشد من الذنب كقوله، عليه السلام:
(... لو لم تذنبوا، لخشيت عليكم ما هو أشد من الذنب: ألا، وهو العجب العجب العجب).
ولهذه الحكمة خلق آدم بيديه، أي بصفاته الجلالية و الجمالية.
ولذلك ظهر في ابني آدم، قابيل وهابيل، ما كان مستورا فيه من الطاعة والمخالفة، فظهر أن الطاعة في أحدهما والمخالفة في آخر.
(فوصف الحق لنا ما جرى) أي، في العلم بين أعيانهم، أو في العالم الروحاني بين أرواحهم. قوله : "لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى، فلا ندعي مانحن متحققون به، وحاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى، فنعم بها ماليس لنا بحال، ولا نحن عنه على علم فنفتضح"
"فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء" ظاهر  .


خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه. فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح؟ )
قالرضي الله عنه : (ثم) أي: بعدما ذكرنا ما فيهم من الجهل المركب والحجاب والنزاع مع الحق؛ ففيهم جهل آخر مركب أشد منه، وفساد آخر: وهو أنهم (لم يقفوا) أي: لم يقتصروا (مع التجريح) أي: تجريح آدم بنسبة الفساد إليه مع أنه عين ما هم فيه (حتى زادوا في الدعوى) أي: دعوى الكمال المطلق لأنفسهم (بما هم) أي: بسبب ما هم (عليه من التسبيح والتقديس)، فقالوا: "ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" [البقرة:30].
فأطلقوا كأنهم يحيطون بوجوه التسبيح والتقديس.
ولم تتم لهم هذه الدعوى إذ (عند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة تقف عليها فما سبحت ربها) أي: بذكرها والعمل بمقتضاها، (ولا قدسته) تقديسا صادرا عنها أي: عن معرفتها (تقدیس آدم وتسبيحه)؛ فهو المسبح المقدس على الكمال والإطلاق دونهم، وإذا كان حال المعترض على الحق والمنازع له هكذا.
(فوصف) أي: بين (الحق لنا) أي: لوعظنا واعتبرنا (ما جرى) بينه وبين ملائكته مع إلزامه إياهم حجته البالغة (لنقف عنده) بالتأمل فيه، ونعتبر بذلك نزاعنا مع الحق في مخالفة أوامره ونواهيه "والجدل مع الحق بما نعلمه"، (ونتعلم الأدب مع الله تعالی)؛ فلا نعترض عليه في شيء من أفعاله وأحكامه، ولا نجرح أحدا من عباده بذكر نقصه مع دعوى الكمال لأنفسنا.
(فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه) دعوى مقرونة (بالتقييد) بمقدار ما تحققنا به وحوينا عليه مخافة تعدي الدعوى إلى ما وراءه .
(فكيف) يسوغ لنا (أن نطلق في الدعوى فنعم بها) أي: بتلك الدعوى إثبات (ما ليس لنا بحال) من الكمال، (ولا نحن منه على علم) فضلا عن الحال (فنفتضح؟) كما افتضحت الملائكة بتلك الدعوى بذكرها في الكتاب الذي لا يزال الجمهور يتلوه في الأمصار والأغوار إلى يوم القيامة.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه. فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح؟ )
قال رضي الله عنه : ( ثمّ لم يقفوا بالتجريح) لآدم وعدّ مثالبه ، ( حتّى زادوا في الدعوى بما هم  عليه من التقديس والتسبيح - وعند آدم من الأسماء الإلهيّة ما لم تكن الملائكة عليها ) كالأسماء الوجوديّة والأوصاف الثبوتيّة التي هي مقتضى طرف التشبيه ( فما سبّحت ربّها بها ، ولا قدّسته عنها تقديس آدم وتسبيحه ) ضرورة أنّ تقديسه في عين التشبيه ، الذي هو حقيقة التقديس كما أنّ تسبيحه في نفس الحمد ، الذي هو حقيقة التسبيح .
والفرق بين « التقديس » و « التسبيح » أنّ التسبيح تنزيه الحقّ عن طروّ الأوصاف ، والتقديس تطهيره عن شوائب النسب مطلقا ، فالأوّل له طرف الظهور ، كما أنّ للثاني طرف البطون ويؤيّد ذلك قوله تعالى : " إِنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا " ، وما يقال : «" سبحات الوجه وقدس الذات ".
ويلوّح عليه ظهور سين «السر» في «سبّح» ببيان حاء «الحمد » ، وفي « قدّس » قاف قابليّته دائر منه ظاهر به ، فله الحكم عليه ، ولذلك تراه مستقلَّا متفرّدا فيه وفي عدده ، وأمّا سبح : فله عقد العين الظاهرة  .
ويمكن أن يجعل قوله : «حتّى زادوا في الدعوى» إشارة إلى ما ادّعوا في تسبيحهم أنّه بالحمد ، فإنّه زيادة في الدعوى على ما هم عليه من التسبيح البحت الذي يقابله الحمد .
ثمّ إنّه قد ظهر ممّا بيّن أنّ منشأ مقابلة الملائكة لآدم ومعارضتها له ، إنّما هو نشأتها المجرّدة المقدّسة المائلة إلى طرف الإطلاق العدمي المقابل للتقييد من الجمعيّة الاعتداليّة القابلة لظهور الإطلاق الحقيقي التي لآدم ، فسقط ما قيل هناك : "إنّ الملائكة التي نازعوا آدم هي ملائكة الأرض والجنّ والشياطين لا غير" .
كيف ، وهم مسخّرون تحت قهرمان أمره وضبطه الجامع ، لقوله تعالى :" وَسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه ".
فلو خصّص نوع منها بتلك المقابلة لكان أهل الجبروت أولى بذلك من غيره على ما لا يخفى .
ثمّ ها هنا نكتة حكميّة تنطوي على أصل : وهي أنّ للعدم نسبة إلى الذات اختصاصيّة ، وللوجود إلى الوجه كذلك كما لا يخفى على الواقفين بالرموز الحرفيّة ألا ترى أنّ الأسماء التنزيهيّة أظهر دلالة على الذات ، كما أنّ الأوصاف الثبوتيّة أبين لزوما للوجه ، وهي مقتضية للخفاء والكمون ، كما أنّه يقتضي الظهور والبروز .
وهذا الحكم له سريان في جميع المراتب ، ففي مرتبة الأفعال يظهر بصورة الأمر والنهي ، وفي مرتبة صورتها وأحكامها الشرعيّة المشعرة يسمّى بالطاعة والذنب ومما علم من هذه النكتة : سرّ العبادة الذاتيّة ووجه اختصاصها بالإنسان.
الغرض من ذكر القصص في القرآن
ثمّ اعلم أنّ القصص الواردة في التنزيل مؤدّاها ليست مقصورة على حكاية أمم وأشخاص في الأزمنة السالفة قد انقرضت بانقراضها كما هو مبلغ أفهام محابيس مطمورة الزمان من أرباب العقائد التقليديّة والرسوم الراسخة العادية .
حيث يقولون بألسنة اعتقاداتهم : « إنّها أساطير الأوّلين » جلّ عن ذلك بل إنّما هي حكاية أحوال الحقائق على ما هي عليه ، وبيان مراتب كمالها ، على ما نطقت به ألسنة استعداداتها المتشخّصة في الأفراد من الأزل إلى الأبد منطوية على جلائل الحكم ولطائف النكت ، كما يطلعك على شيء منها ما في قصّة مقابلة الملائكة المقدّسة مع الحقيقة الجمعيّة الآدميّة .
فإنّ من أفرادها من اكتنف بالخصائص الروحانيّة ، وتشخّص بالملكات الملكيّة ، حيث اعتزل عن الامتزاج مع بني نوعها والاختلاط بهم ، وترهّب عن تناول المستلذات وقضاء الشهوات فانفتح به عليه أبواب اللطائف القدسيّة ، وانكشف له من الحكم الإلهيّة والمعارف التنزيهيّة .
فهو الذي يقابل المحمّديين أرباب العدالة الحقيقيّة والملكات الإنسانيّة - من الواصلين إلى الأمر الوسط الجامع بين التجرّد والتعلَّق ، الحائز للتنزيه والتشبيه ، الذي عليه حقيقة التوحيد ، على ما هو موطن بلوغ الكمال الإنساني والخلافة الآدميّة .
فالمجرّد المترهّب لم يزل ينازعهم في استيهال تلك الخلافة ، ولذلك ترى ألسنة أحواله يفصح دائما عن مؤدى قوله تعالى : " أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ".
فأشار إلى ذلك بقوله رضي الله عنه : ( فوصف الحقّ لنا ما جرى لنقف عنده ) أي عند ادعاء الكمال ( ونتعلَّم الأدب مع الله تعالى ) في مواقف مخاطبته ( فلا ندّعي ما نحن محقّقون به ) بحسب القابليّة الأصليّة ( وحاوون عليه ) بالعلم الشهودي ( بالتقييد ) كما نقول في مشهدهم هذا مثلا : « نحن نسبّحك بتوفيقك ومشيّتك » أو «نسبّحك تسبيح تنزيه» (فكيف أن نطلق في الدعوى). 
ونقول : « نحن نسبّحك » مطلقا عن أن نقيّد بالتوفيق من الله ومشيّته أو « نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ » ( فنعمّ بها ) أي بالدعوى ( ما ليس لنا بحال ) من إضافة الفعل مطلقا إلى أنفسنا ، وحالنا - نحن معاشر العبيد - على ما كان في العدم الأصلي ، فمصدريّتنا للأفعال إنّما يكون بتوفيق الله ومشيّته ( ولا نحن منه على علم ) من الجمع بين التسبيح والحمد وأدائه به (فنفتضح) لدى الاختبار
 .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه. فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح؟ )
قوله : "ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التقديس والتسبيح ."
(ثم لم يقفوا مع التجريح) في آدم (حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح والتقديس) حيث أطلقوا في دعوى التسبيح والتقديس ولم يتقيدوا بما هم عليه منهما .
فتبادر منه أنهم يسبحونه ويقدسونه كل التسبيحات والتقديسات وليس الأمر كذلك کیف .
قوله : "وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة تقف عليها ؛ فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه."
(وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة مطلعين عليها فما سبحت) الملائكة (ربها بها)، أي بتلك الأسماء (ولا قدسته)، أي الملائكة الحق (عنها)، أي عن نقائصها على حذف المضاف.
فإن التقديس بالأسماء ليس عن أنفسها بل في كل تقديس باسم تقدیس عن نقيصة (تقدیس آدم و تسبیحه) تقدیس ذوق و تسبیح وجدان
قوله :  "فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده ونعم الأدب مع الله تعالى."
(فوصف الحق سبحانه لنا ما جرى) بينه سبحانه وبين الملائكة في حق آدم (لنقف عنده)  أي عند ما جرى .    
ولا يتجاوز عما اقتضاه من التأدب بين يدي الحق أو عند الحق.
أي أمره وحكمه ونتعلم الأدب مع الله سبحانه وتعامل معه بحسب ما تقتضيه مرتبته.
قوله : "فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه بالتقييد ."
(فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عليه) من الكمالات (بالتقييد) فإن الكمالات كلها.
إنما هي لله سبحانه ظهرت فينا وتقيدت بحسب استعداداتنا وفابلياتنا والظهور بادعائها.
إنما هو من العجب والأنانية.
قوله : "فكيف أن نطلق في الدعوى , فنعم بها ما ليس لنا بحال, ولا نحن منه على علم فنفتضح؟ "
(فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها)، أي بالدعوى.
(ما ليس لنا بحال) من الكمالات (ولا نحن معه على علم فنفتضح ) عند الله سبحانه وعند عباده العارفين بالأمور على ما هي عليه.

.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 14:28 عدل 7 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 8 سبتمبر 2018 - 17:58 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الثالثة عشر السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثالثة عشر :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء.
ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني. ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها.)
(فهذا التعريف الإلهي) لنا بما وقع بين الملائكة وآدم وإبليس (مما)، أي من جملة الأدب الذي (أدب الحق) تعالى (به عباده الأدباء)، أي الكاملين في أدب المعاملة معه تعالی سرا وجهرا.
(الأمناء) على أسراره ومعارفه (الخلفاء) في أرضه على كافة خلقه، ولهذا ينتفعون به دون غيرهم ممن لم يكن بهذه الصفة .
وحيث فرغ من الكلام في سر إيجاد آدم عليه السلام في هذا العالم شرع في بيان حكمة إنشاء روحه وجسده فقال:
(ثم نرجع إلى الحكمة) الإلهية في الكلمة الآدمية (فنقول) في بيان ذلك .
(اعلم) أولا أيها الطالب للتحقيق والسالك في مسالك أهل العناية والتوفيق.
(أن الأمور الكلية) لهذه الأشخاص الجزئية المحسوسة لنا والمعقولة كالألوان والصور الجسمانية في البصر إذا تشخص الإنسان شيئا من ذلك في الخارج، والأصوات على اختلافها في السمع إذا تشخص شيئا منها بعينه وهكذا سائر المحسوسات ومثلها المعقولات.
فإن كل شخص من ذلك جزئی مشهود بحاسة من الحواس أو بالعقل له أمر كلي كان ينطبق عليه وعلى كل جزئي مثله.
فجميع الجزئيات الموجودات من ذلك متشخصات في الخارج بالوجود العيني لا شبهة في ذلك .
وأما كلياتها المنطبقة عليها كاللون الأبيض مثلا العام الكلي والصورة الفلانية العامة الكلية ونحو ذلك فإنها (وإن لم يكن لها الوجود) في الخارج.
(في عينها)، أي ذاتها الوجود العيني (فهي معقولة)، أي موجودة بالوجود الذهني (معلومة) متحققة (بلا شك في الذهن) لكن علمها في الذهن وتعلقها إنما هو في ضمن تعقل جزئي من جزئياتها على وجه عام وهذا معنى وجودها في الذهن لا في الخارج.
فيبقى تعقل ذلك الجزئي له طرفان :
طرف يسمى فيه تعقل الجزئي.
وطرف آخر يسمى فيه تعقل الكلي.
وليس تعقل تلك الكليات في الذهن تعق عاريا عن تعقل جزئي ما من تلك الجزئيات.
وإلا لكان للكليات وجود خاص في الخارج بغير الوجود الجزئي، لأن الخارج أصل للإدراك وليس كذلك.
بل الكلي موجود في ضمن الجزئي ذهنا وخارجا وجودا محکوما به لا وجود له عين زائدة عن الجزئي.
فيتلخص من هذا أن الكليات في الذهن عبارة عن جزئیات متشخصة على وجه عام محکوم من طرف الذهن بعمومها وليس لها في الخارج وجود إلا بالوجود الجزئي فقط من غير حكم بالعموم بل بالخصوص.
(فهي)، أي الأمور الكلية التي لا وجود لها في غير الذهن (باطنة لا تزال) أبدا (عن الوجود العيني) كمن تعقل الإنسان الكلي العام في ذهنه ، فإنه يتعقل شخصا جزئية محكوم عليه من طرف الذهن بالعموم وعدم الخصوص.
على معنى عدم إرادة شخص معين في الخارج، وإلا لكان هذا هو التعقل الإنسان الجزئي .
ثم إن هذا الإنسان الكلي المتعقل في الذهن على الوجه المذكور لا وجود له في الخارج أبدا.
وإنما هو موجود في الذهن فقط لا يزال باطنا عن الوجود الخارجي غير ظاهر له (ولها)، أي لتلك الأمور الكلية الباطنة عن الوجود العيني (الحكم)، أي التحكم والإلزام بالمطابقة (والأثر)، أي التأثير الخاص (في كل ما)، أي شيء من الجزئيات التي في الخارج.
(له)، أي لذلك الشيء الجزئي (وجود عيني) خارجي كالإنسان المتشخص في الخارج.
فإنه فرع من فروع الإنسان الكلي الذهني.
محكوم عليه من طرف ذلك الكلي بالإنسانية عند ظهوره للذهن.
وقد أثر فيه ذلك الكلي المتشخص الجزئي في الذهن (بل هو)، أي ذلك الجزئي الذي له وجود عيني في الخارج (عينها)، أي عين تلك الأمور الكلية (لا غيرها)، إذ تلك الأمور الكلية هي جزئيات متشخصة في الذهن محكوم عليها بالعموم كما ذكرنا.
فهي عين تلك الجزئيات المتشخصة في الخارج ما عدا الحكم فيها بالعموم المذكور، ثم فسر الضمير المفرد لقوله (أعني)، أي اقصد
بقوله : هو بصيغة الإفراد (أعيان الموجودات) بالوجود الخارجي (العينية) الموجودة في عينها التي هي جزيئات لتلك الكليات.
فإنها عينها في حقيقة الأمر لولا الحكم بالعموم في الكليات وبالخصوص في الجزئيات (و) مع ذلك فالكليات الذهنية (لم تزل عن كونها) أمورا (معقولة في نفسها).
وإن كانت عين الجزئيات الخارجية باعتبار وجود التشخص الذهني المحكوم بعمومه ذهنا كما مر.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء. ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني. ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها.)
شرع في المقصود فقال : (ثم نرجع) من القصة (إلى) بيان الحكمة الإلهية (فنقول اعلم) قال مولانا قرمي في شرح مفتاح الغيب للشيخ صدر الدين القونوي أعلم تنبيه وإيقاظ لأمل الطلب والترقي على التوجه الكامل والإقبال التام على إصغاء ما يرد بعده بقلب حاضر وإيماء إلى جلالة قدره.
(أن الأمور الكلية) أي الصفات المشتركة بين الحق والعبد التي يتحقق الارتباط بينهما (وإن لم يكن لها وجود في عينها) أي وجود خارجي في نفسها (فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن) فكانت موجودة بالوجود الذهني (فهي باطنة) ممتنعة الوجود في الخارج من حيث كونها معقولة لكنها (لا تزول) لا تنفك (عن الوجود العيني لها) أي للأمور الكلية (الحكم والأثر)، لأنها صورة الأسماء الإلهية فكانت علة (في كل ما له وجود عيني بل هو) بل الأمر الكلي باعتبار الوجود الخارجي.
(عينها لا غيرهما) ترق في الارتباط فإن كمال الارتباط ونهايته الاتحاد وفيه بشارة عظيمة اللهم ارزقنا بها فكان قوله: (أعني أعيان الموجودات العينية) تفسير لضمير عينها(ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها) مع كونها عين الأعيان الموجودة في الخارج كما لم تزل عن كونها عينها مع كونها معقولة في حد ذاتها.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء.  ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني. ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها.)
قوله رضي الله عنه :  "فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء"
قلت: قد ترکت ما قبل هذا الكلام لأنه لا يحتاج إلى شرح وأما هذا ففيه ذكر الكليات فنحن الآن نتكلم في معنى ما قاله سيدنا، رضي الله عنه.
فيها فنقول: إن الأمور الكلية التي ذكرها، رضي الله عنه، قد تكلم فيها المنطقيون وقد تنزل شيخنا، رضي الله عنه، إلى مبالغ عقولهم في حقيقتها.
فالذي قاله فيها مقول لكني رأيت أن أتكلم بما عندي فيها مما يوافق ما سكت شيخنا، رضي الله عنه، فلم يذكره ههنا وإن كان يعرفه لأنه، رضي الله عنه، أراد أن يؤنس الحكماء والمتكلمين بتنزله إلى مبلغهم.
فأقول: إن كلام الشيخ هاهنا وإن فهم منه تارة أن وجود هذه الكليات ذهني وتارة أن وجودها هو الذي في الأعيان الخارجية فهو في الأمرين قد تنزل إلى مخاطبة المحجوبين عنها في مراتبهم ولا شك أن هذه الكليات معان في قوة النور الأزلي فنذكرها في ثلاثة أقسام:
أحدها: ما هي؟
والثاني: ما خاصتها؟
والثالث: ما الذي يعرض لها؟
فأما القسم الأول: فإن حقيقتها معانی معلومات الحق، تبارك وتعالى، وهي لا تتناهي كما أن العلم بها لا يتناهى وفي وجود العلم الذاتي الإلهي هي أعيان متمايزة وليس كل معنى منها كليا , بل كل معنى منها صور جزئیاته متمايزة وليس هو إلا صور جزئياته .
ولما كان كل معنى منها ينفصل جزئیاته إلى غير نهاية بقيت تلك المعاني كأنها في التمثيل سلاسل وكل كعب من السلسلة مثلا هو صورة مسئلة من صور العلم الإلهي فوجودها في العلم الإلهي متميز ولا شيء منها يسبق شيئا.
فإن العلم الإلهي لا يدخل تحت الزمان بل الزمان ودقائق أجزاء الجميع هو من صور العلم الإلهي.
فالماضي والمستقبل كلاهما للعلم الإلهي حاضرة، والتجدد من جملة صور علمه تعالی مفصلا باز منته أزلا وأبدا وهذا أمر مشهود عند من كمل له السفر الثاني من أهل الشهود الذاتي، فما يتجدد لعلم الله تعالی
وقد ورد علي في الخلوة خطاب في هذه الحقيقة وهو قوله تعالى:
لم يتجدد له التجدد فأين التجدد؟
ما ثم إثنان يضاف أحدهما إلى الآخر فأين التعدد؟
ينظر الضد إلى ضده في الأحدية بعين الملائمة والتودد
فنعود ونقول: إذا كانت هذه الكليات لا وجود لها إلا صور جزئیات في العلم الإلهي فإذن كل كلي ليس هو معنی مفردا يطابق كل فرد فرد كما يقوله الحكماء.
بل هو الأعيان المتمايزة أنفسها، لكن جزئیات کل کلي تكون متشابهة في صورة ما يسميها الحكماء الفصل المميز.
لكن الأوائل من الحكماء تخيلوا في ضبط جزئیات کل کلي تخيلة هي حسية في كونها تضبط ما لا يتناهى، فأخذوا يقولون: إن الكلی مفرد تسهيلا على عقول الضعفاء فصيروا الكلي ضابطا واحدا يشمل ما لا يتناهى.
فلما جاء المتأخرون ظنوا أن الأوائل نصوا على أن كل كلي هو معنی مفرد يحمل على ما تحته وليس في وجود الحق، تبارك وتعالى، شيء واحد يكون هو حقيقة أشياء كثيرة حتى المركز بالنسبة إلى نقط المحيط.
فإن المركز وإن كانت نقطة واحدة متوهمة وكل نقطة في المحيط لها إليه مواجهة وهو واحد وفيه قوي مواجهة النقط الكثيرة .
فإن ذلك أيضا ليس كما يتوهمه القائلون بذلك بل كل نقطة في المحيط تواجهه مواجهة تلقى نقطة المركز كلها لكن من جهة غير الجهة التي تواجهها النقطة الأخرى وإن وقعت كل مواجهة من نقطة المركز على عينه ما وقعت عليه النقطة الأخرى.
فإن قالوا: إن الكلي الطبيعي هو في الخارج.
قلنا: هو حصص متمايزة فليس بمفرد.
فإن قالوا: إن الكلي المنطقي هو في الذهن واحد.
قلنا: ما فهمتم، لان كل ذهن يتشكل فيه صورة لذلك الكلي مثلا هي غير الشكل الذي يتشكل في ذهن.
فإن قالوا: فاعتبر ذلك في ذهن واحد تجد الكلي واحدا.
قلنا: وليس كذلك أيضا بل كل ما تصوره الذهن الواحد كليا ما ثم ذهل عنه أو نسيه، ثم يتشکل بعد ذلك في ذلك الذهن بعينه، فذلك المتشکل هو صورة أخرى مغاير للأولى بالعدد وأنتم تقولون: إن الكلي واحد، فإذن هو واحد لا واحد وهو جمع بين النقيضين والصحيح أن الكلي إنما جعلناه واحدا تقريبا للأفهام وضابطا ينضبط لنا به الكثرة في الواحد.
فنرجع فنقول: إن المعاني التي سميت كلية، وجودها الذي لا يتغير إنما هو في العلم الأزلي الذي لا يتغير، وجزئيات ذلك الكلي هي مفصلة في العلم الأزلي أيضا كما قدمنا فهذا هو الكلي.
وقد قال ثامسطيوس : إن الكلي مأخوذ من تشبيه خفي في الأشخاص وهو إما أن لا يكون شيئا ألبتة أو يتأخر تأخرا كثيرا عن الأشخاص.
والصحيح أنه كما ذكره ثامیسطيوس في قوله: إنه مأخوذ من تشبيه خفي في الأشخاص.
وأما قوله: إنه ليس بشيء فهو أيضا حق لأنه ما له ذات غير اعتبار ذهني والاعتبارات نسب لا وجود لذواتها بل الوجود للذهن لا لها وإذا لم يكن له ذات.
فقولنا: إنه متأخر تأخرا كثيرا عن الأشخاص ما له معنى لكنا إذا قررنا في الذهن ضابطا فهو ضابط حسن.
وأما خاصة هذا الكلي، فإنه لا يتحقق حقيقة إلا إذا اعتبرته في علم الله تعالى الذي لا يتغير وأما في الأذهان فكل من نسيه ثم ذكره فالمنسي غير المذكور، فهو المختص بعلم الله تعالى وأما غيره من المعلومات فقد يحس ويعقل ويعلم.
وأما ما يعرض له ولغيره، فمدده في وجوده من النور الذي اقتطعه الحق تعالى وأودع فيه ما أودع من مخلوقاته.
وأما ما بعد قوله: "ثم نرجع إلى الحكمة،" فما أرى أن فيه ما يحتاج إلى الشرح لأن عبارة الشيخ فيه وافية بالمقصود وليس هو مما يحتاج إلى الذكر الجلي بل هو من مدركات أفهام الناس.
إلى قوله: "ومعلوم أن هذه الأمور الكلية وإن كانت معقولة فإنها معدومة العين موجودة الحكم."

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء. ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني. ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها.)
قال رضي الله عنه : ( فهذا التعريف الإلهي ممّا أدّب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء . ثم نرجع إلى الحكمة فنقول ) .
مقام الأدب
قال العبد : اعلم : أنّ مقام الأدب أعلى المقامات ، ويقتضي المعاملة مع الحق والخلق بحسب ما تقتضي مراتبهما ، ولا يتحقّق به إلَّا أهل الأمانة  الإلهية .
وهي صورة الله تعالى التي حذي آدم عليها حين عرضها على سماوات الروحانية وأرض الجسمانيات " فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها " أي لم يطقن ذلك .
ولم يستطعن لعدم أحدية جمع الجمع عند منها " وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإِنْسانُ ".
الكامل الحامل لواء الحمد ، وأحدية جمع جميع حقائق السيد والعبد ، " إِنَّه ُ كانَ ظَلُوماً " ، لعدوله عن العدل في استهلاك استعداده الكمال الكلَّيّ في أمور جزئية وأحوال ناقصة .
" جَهُولًا " برتبته أنّه هو المظهر الأتمّ الأشمل ، والخليفة الأكبر الأكمل فتعيّن اتّصافه بهذا الظلم والجهل بسبح الحقّ عنهما ولحمده بنقائضهما ، من الكمال على الوجه الأكمل .
فالأمناء هم الأدباء أهل الأمانة الإلهية وهم الخلفاء الذين استخلفهم الله في حفظ خزائنة وخزائن خزائنه ، فتذكَّر .
قال الشيخ رضي الله عنه : ( اعلم أنّ الأمور الكلَّية وإن لم يكن لها وجود في عينها ، فهي معقولة معلومة بلا شكّ في الذهن فهي باطنة لا تزال عن الوجود العيني ، ولها الحكم والأثر في كلّ ماله وجود عيني ، بل هو عينها لا غيرها ، أعني أعيان الموجودات العينية ) .
قال العبد : اختلفت النسخ وفي البعض  منها : " لا تزول " .
فإن قلنا : « لا تزال » فـ « باطنة » منصوب ، وفيه تقديم وتأخير ، والتقدير : " فهي لا تزال باطنة عن الوجود العيني " ، أي لا تظهر أعيانها . وإن كانت موجودة في العلم الإلهي وبالنسبة إلى الحق . وإن قلنا « لا تزول » فظاهر .
يعني : أنّ الأمور الكليّة وإن لم تكن موجودة في أعيانها لكونها إذ ذاك مشخّصة ، وإذا تشخّصت لم تكن كلَّية ، فهي لا تزول عن الوجود العيني لظهور أحكامها وآثارها في كل ماله وجود عيني .
فإنّ الأمور العامّة كالوجود والعلم والحياة التي تعمّ الحق والخلق وإن لم توجد في الأعيان لكونها كلَّيات لا يمنع نفس تصوّر معناها عن وقوع الشركة فيها .
فإنّها من حيث هي هي مع قطع النظر عن إضافتها إلى الحق أو الخلق حقائق كلَّية تطلق على كل من اتّصف بها ، وقامت به من حق أو خلق ، فهي من كونها كلَّية مطلقة عن الإضافة لا تزال باطنة إذ لا توجد في الأعيان .
ومع كونها كذلك باطنة ، فإنّها لا تزول عن الوجود العيني لوجود آثارها وأحكامها في أعيان الموجودات ، بل هي تحقيقها في كل ماله وجود عيني .
فإنّها لا تبطن ولا تزال باطنة من كونها كلَّية ، وكونها كلَّية اعتبار ثان مسبوق باعتبار حقائقها مجرّدة عن كونها موصوفة بالكلَّية أو غيرها ، فهي بحقائقها في كل من قامت به لا بكلَّيتها فإنّ الوجود في القديم والمحدث هو هو ، والعلم في كل عالم عالم علم.
وكذلك الحياة فهي في كل موجود عيني عينها غير زائدة عليها وجودا وشهودا ، لا عقلا فإنّ العقل ينتزع عن الموجود وجوده ويتعقّله زائدا على الموجود ، وليس ذلك إلَّا في التعقّل لا في العين ، فأمعن النظر وأنعم .
قال رضي الله عنه : ( ولم تزل ) تلك الحقائق الكليّة ( عن كونها معقولة في نفسها).

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء.
ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني. ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها.)
"فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء " أي تعريف حال الملائكة في ادعاء مطلق التسبيح والتقديس فإنه تأديب لعباده من الأناسى
" ثم نرجع إلى الحكمة " أي الحكمة الإلهية المذكورة ، فإن قصة الملائكة اعتراض وقع في أثنائها على سبيل الاستطراد .
ليعلم أن ما قالوا إنما قالوه لنقصان نشأتهم بالنسبة إلى نشأة آدم ولم يعلموا أن تجرحهم أيضا كمال له ، فإن العبادة الذاتية إنما تتحقق بتجلى جميع الأسماء فيه .
وتجلى اسم التواب والعفو والغفور والعدل والمنتقم لا يمكن إلا إذا اقتضت المشيئة الإلهية جريان الذنب على العبد.
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه « أنين المذنبين أحب إلىّ من زجل المسبحين » واعتبر بخطيئة آدم وداود عليهما السلام فإن بعض كمالات العبد وقبول تجلى بعض الأسماء الإلهية موقوف على انكساره بالذنب والاعتذار والتوبة .
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام « لو لم تذنبوا لخشيت عليكم أشد من الذنب العجب العجب العجب ».
ألا ترى أن عصمتهم حملتهم على قولهم :" ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ".
- ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام « لو لا أنكم تذنبون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم » .
فضم بنى آدم المعصية إلى الطاعة عبادة توجب تجلى الحق بأسماء كثيرة ، وذلك مما لم تقف الملائكة عليه أيضا لقصور نشأتهم .
وإذا رجع إلى الحكمة ومهد قاعدة يبتنى عليها ارتباط الحق بالخلق وتتبين منها الحكمة في إيجاد العالم وهو ظهور معنى الإلهية
فقال " فنقول : اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن فهي باطنة لا تزال عن الوجود الغيبى " يعنى أن الأمور الكلية أي المطلقة كالحياة والعلم مثلا لها وجود عينى في العقل ووجود غيبى في الخارج .
فإن الوجود الخارجي عين المطلق العقلي مقيدا بقيد الجزئية لكن الكلية المطلقة لا تزال معقولة مندرجة تحت اسم الباطن ، ولا توجد من حيث كليته  في الخارج بل من حيث هي مقيدة وهي من تلك الحيثية تندرج تحت اسم الظاهر .
وفي بعض النسخ لا تزول فمعناه ومعنى لا تزال بضم التاء مبنيا للمفعول من أزال واحد ، والغيبى بالغين المعجمة والباء بمعنى المعقول .
وعند بعض الشارحين عن الوجود العيني بالعين المهملة والنون ، أي لا تزال من حيث هي طبائع مطلقة لا مقيدة بقيد الكلية عن الوجود العيني .
فإن الكل الطبيعي موجود في الخارج .
وقرئ لا تزال بفتح التاء على أنه من الأفعال الناقصة ، فهي باطنة عن الوجود العيني الشخصي لا تزال كذلك بحذف الخبر لدلالة باطنه عليه أو باطنة بالنصب على تقديم الخبر .
أي فهي لا تزال باطنة عن الوجود العيني ، والأول أظهر وأوفق لما بعده من قوله ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها
" ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عينى " أي للأمور الكلية الحكم والأثر في كل ما له وجود عينى ، كتأثير العلم والحياة في الموصوف بهما فيحكم عليه بأنه حى عالم ولا يحكم عليه إلا إذا كان فيه عين الحياة والعلم
وهذا معنى قوله " بل هو عينها لا غيرها " يعنى أن الأمر الكلى كالعلم والحياة عين الوصفين الموجودين في ذلك الموصوف لا غيرهما .
والمراد بقوله " أعنى أعيان الموجودات العينية " أعيان الأوصاف لا أعيان الموصوفات ، فإن الموصوفات أيضا معنى كلى وهو الإنسان المطلق فإنه عين هذا الإنسان مع قيد الجزئية ، فهذه نسبة الحياة والعلم المطلقين إلى الوصفين المقيدين " ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها".

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء. ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني. ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها.)
"فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء" ظاهر  
"ثم نرجع إلى الحكمة فنقول، اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود فيعينها، فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة لا تزول عن الوجود العيني".
أي، نعرض عن حكاية الملائكة ونرجع إلى تقرير الحكمة الإلهية.
ومراده، رضى الله عنه، بيان الارتباط بين الحق والعالم، وأن الإنسان مخلوق على صورته، فبنى أصلا يتفرع عليه المقصود بقوله: (اعلم، أن الأمور الكلية) أي الحقائق اللازمة للطبائع الموجودة في الخارج، كالحياة والعلم والقدرة والإرادة وغيرها، مما هي أمور عقلية ولا أعيان لها في الخارج.
و (إن لم يكن لها وجود في عينها) أي، وإن لم يكن لها ذات موجودة في الخارج، فهي موجودة في العقل بلا شك، فهي باطنة من حيث إنها معقولة ومع ذلك لا تزول عن الوجود العيني ولا ينفك منه، إذ هي من جملة لوازم الأعيان الموجودة في الخارج.
وفي بعض النسخ: (لا تزال عن الوجود الغيبي) على أن (لا تزال) مبنى للمفعول من "أزال، يزيل".
و (الغيبي) بالغين المعجمة والباء. ومعناه: هي باطنة لا يمكن أن يزال عن كونها أمورا عقلية.
(ولها الحكم والأثر في كل ماله وجود عيني) أي، ولهذه الأمور الكلية، التي لا أعيان لها في الخارج منفكة عن التقيد المشخص إياها والمعروضات التي تعرض لها حكم وأثر في الأعيان الكونية والحقائق الخارجية بحسب وجودها وكمالاتها  
أما الأول، فلأن الأعيان معلولة للأسماء، والاسم ذات مع صفة معينة، فالأعيان من حيث تكثرها لا يتحصل إلا بالصفات، وهي هذه الأمور الكلية التي لا أعيان لها في الخارج. ولهذا ذهب الحكماء أيضا إلى أن علم الواجب فعلى وسبب لوجود الموجودات، وهكذا القدرة والإرادة المعبرة عنها بالعناية الإلهية.
وأما الثاني، فلأن العين الموجودة إن لم يكن لها الحياة، لا توصف بأنها حية ولا يتصف بأنواع الكمالات، إذ العلم والقدرة والإرادة كلها مشروطة بالحياة، وكذلك العلم إن لم يكن حاصلا، لم يكن لها إرادة وقدرة، لأنهما لا يتعلقان إلابالمعلوم. وهكذا جميع الصفات.
فهذه الأمور الكلية حاكمة على الطبائع التي تعرض لها بأن يقال عليها أنها حية ذات علم وإرادة وقدرة، ويترتب عليها ما يلزمها من الأفعال والآثار، إذ لا شك أن الطبيعة الموجودة بالعلم تميز بين الأشياء وبالإرادة تخصص وبالقدرة يتمكن من الأفعال.
قوله: (بل هو عينها لا غيرها، أعني أعيان الموجودات العينية)  
إضراب عن قوله: (ولها الحكم والأثر) بأن الذي له وجود عيني هو عين هذه الأمور المعقولة المنعوتة بالعوارض واللوازم، لأن الحقيقة الواحدة التي هي حقيقة الحقائق كلها هي الذات الإلهية، وباعتبار تعيناتها وتجلياتها في مراتبها المتكثرة تتكثر وتصير حقائق مختلفة: جوهرية متبوعة وعرضية تابعة.
فالأعيان من حيث تعددها وكونها أعيانا ليست إلا عين أعراض شتى اجتمعت فصارت حقيقة جوهرية خاصة، كما ذكره في آخر (الفص الشعيبي).
ألا ترى أن الحيوان هو الجسم الحساس المتحرك بالإرادة، والجسم ماله طول وعرض وعمق،
فالحيوان ذات لها هذه الأعراض مع الحس والحركة الإرادية، وكما اجتمعت هذه الأعراض في هذه الذات المعينة وصارت حيوانا.
كذلك إذا انضمت إليها أعراض أخر، كالنطق والصهيل، يسمى بالإنسان والفرس.
فالذات الواحدة باعتبار الصفات المتكثرة صارت جواهر متكثرة، وأصل الكل هو الذات الإلهية التي صفاتها عينها .
فقوله: (أعني أعيان الموجودات) تفسير (هو) العائد إلى ماله وجود عيني.
وضمير (عينها) راجع إلى (الأمور الكلية) ولا يجوز أن يكون تفسيرالضمير (عينها) لفساد المعنى.
إذ معناه حينئذ: بل ماله وجود عيني هو عين الموجودات العينية. إلا أن يقال، هو عائد إلى (الأمور الكلية) وتذكيره باعتبار(الأمر).
وحينئذ يكون معناه: بل هذه الأمور الكلية عين أعيان الموجودات العينية لا غيرها.
وهذا عين المعنى الأول.
وقيل: معناه: بل الأمر الكلى، كالعلم والحياة، عين الوصفين الموجود ينفي ذلك الموصوف لا غيرهما، والمراد بقوله: (أعني أعيان الموجودات) أعيانالأوصاف، لا أعيان الموصوفات، لأن للموصوفات أيضا أمورا كلية وهو الكلى الطبيعي وفيه نظر.
لأن المراد أن هذه الأمور الكلية التي ليست لها ذات موجودة في الخارج لها حكم وأثر في الموجودات الخارجية، بل هي عين هذه الموجودات الخارجية.
فإن الظاهر والمظهر متحد في الوجود الخارجي وإن كان متعددا في العقل، لأن الكلام في الأمور الكلية التي لا أعيان لها في الخارج غير هذه الموجودات العينية.
وفائدة الإضراب لا يظهر إلا بحسب هذا المعنى والتفسير بقوله: (أعني أعيان الموجودات). وقوله: "فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات، كما هي الباطنة من حيث معقوليتها" يؤيد ما ذهبنا إليه.
قوله: "لم تزل عن كونها معقولة في نفسها "أي، مع أنها في الخارج عين الأعيان الموجودة،
هي في نفسها أمور معقولة (لم تزل) عن معقوليتها، بضم الزاء، من "زال، يزول"، أو بفتحها وضم التاء، من "تزال" المبنى للمفعول.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء.
ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني. ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها.)

(فهذا) أي: بيان ما جرى بينه وبين الملائكة: هو (التعريف الإلهي) لما تقتضيه حضرة الحق من الأدب (مما أدب الحق به عباده العلماء) لئلا يدعوا ما وراء علمهم.
(الأمناء) لئلا يخونوا في أوامره ونواهيه وسائر أحكامه (الخلفاء) لئلا ينقضوا عهوده ومواثيقه في إقامة حدوده وأحكامه.
فإن قيل: هذا يشعر بعدم عصمة الملائكة، وقد دلت النصوص مثل: "لا يسبقونه بالقول وهم بأمره  يعملون" [الأنبياء: 27]، "لا يعون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون "[التحريم: 6]، ولولا عصمتهم فلا ثقة بهم فيما يأتون به من الوحي.
قلنا: النصوص العامة قابلة للتخصيص، فيجوز أن يخصص بما ورد منهم في حق آدم عليه السلام ، ولا يدل على عصمتهم عن ذنب لا يعلمون أنه ذنب، والوثوق إنما يزول إذا صدر عنهم ذنب بعد علمهم بكونه ذنبا، ولكنهم يعاتبون على ذلك لئلا يتجاسروا في الأمور، وقد جوز المحققون السهو على الأنبياء مع أنهم يعاتبون عليها؛ فلنجوز مثل ذلك على الملائكة؛ فافهم.
(ثم) أي: بعد بيان ما جرى بين الله تعالى، وبين الملائكة من شأن آدم عليه السلام (نرجع إلى الحكمة) أي: بيان العلم اليقيني المتعلق بكيفية ظهور الحق بأسمائه وصفاته في العالم الكبير والصغير بعد تقديم مقدمة البيان ارتباط كل منهما بالآخر بعد بيان ارتباط الأمور الموجودة بالمعقولة، وكون كل منهما ظاهرا في الآخر.
(فنقول: اعلم أن الأمور الكلية) كالإنسان والحياة والعلم، (وإن لم يكن لها) باعتبار تقيدها بالكلية (وجود في عينها) أي: في الواقع (فهي معقولة) أي: موجودة في العقل؛ لأنها (معلومة بلا شك في الذهن)، وإن تشكك نفاة الوجود الذهني في ذلك بناء على أن العلم إضافة للعالم إلى المعلوم عندهم لا حصول صورة الشيء في العقل؛ فهي من حيث(هي) كلية معقولة (باطنه لا تزل عن الوجود الغيبي) بالغين المعجمة، والباء الموحدة.
ثم أشار إلى أنها وإن كانت معقولات صرفة وباطنة؛ فلها جهة ظهور وارتباط بالموجودات العينية، فقال: (ولها الحكم) على كل ما له وجود عيني كزيد وعلمه وحياته.
فيقال: إنه إنسان وعلم وحياة، ولها (الأثر) أيضا (في كل ما له وجود عيني) كأن يقال: زيد عالم؛ لأن علمه جعله عالما، فقد ظهر الأمر الكلي لا بقيد الكلية في الوجود العيني، وأثر فيه أيضا، ثم بالغ في بيان ذلك الظهور.
فقال: (بل هو) الأمر الكلي لا بقيد الكلية بل باعتبار أنه طبيعة من الطبائع أي: حقيقة من الحقائق (عينها لا غيرها)، فإن الإنسانية عين زيد، وإن العلم عين علم زيد، وإن لم يكن زيد وعلمه عين الإنسانية الكلية، والعلم الکلی.
فلذا قال: (أعني أعيان الموجودات الغيبية) لئلا يتوهم أن المرادات الموجود الغيبي عين الأمور الكلية هذا وجه ظهورها مع أن لها بطونا أيضا.
وذلك أنها مع ظهورها (لم تزل عن كونها مصقولة في نفسها) من حيث هي كلية فاجتمع فيها الظهور والبطون باعتبارین :
اعتبار قيد الكليةواعتبار أنها طبيعة من الطبائع. 

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء. ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني. ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها.)
قال الله رضي الله عنه : (فهذا التعريف الإلهي) لآدم في هذه القصّة (ممّا أدّب الحقّ به عباده الأدباء ، الأمناء ،الخلفاء) حتّى يقفوا عندما قال الله تعالى ولا يجاوزوا عن مقتضاه . ولا يشيّعوا ما اطَّلعوا عليه من قبائح أعمال العباد وفواحشها. ولا ينزّهوا أنفسهم عنها كلّ التنزيه ، وإن علوا على البريّة علوّ شرف ورفعة .
على الترتيب المشار إليه يعني الأدب والأمانة والخلافة.
فهذه ثلاث مراتب للعبد هي امّهات مواطن كماله ، قد أفصح التعريف الإلهي هذا عن آدابها كلَّها ، وأنت عرفت ما للثلاثة من النسبة الخصيصة بالكلمة الآدميّة ، فلا نعيد وجه تطبيقه هاهنا فلا تغفل .
ثمّ إنّ بعض المقصّرين من أفراد الإنسان لمّا اعتكفوا عند مرتبة القاصرين من الملائكة في التحقيق أعني الحكماء حيث قصّروا طريق العرفان على محض التنزيه .
وبنوا الأمر في ذلك على مجرّد التجرّد وصرف التقدّس ، أراد أن يكون الكلام في هذه الحكمة منساقا إلى ما ينبّههم على ذلك التقصير ويحرّضهم إلى العروج على مراقي الكمال الإنساني.
متنزّلا في ذلك إلى مسلمات قواعدهم وموضوعات أصولهم ، تأنيسا بهم في ذلك وتسليكا لهم إلى مدارج كمالهم تدريجا ، مؤميا فيها مع ذلك كلَّه إلى ما يتبيّن به حقيقة آدم وماهيّته العقليّة ، بعد تحقيق هويّته الخارجيّة .
فقال : ( ثمّ نرجع ) من بيان القصّة ولطائف إشاراتها ( إلى الحكمة ) الإلهيّة المبحوث عنها هاهنا ، وهي الكاشفة عن بيان ارتباط الأسماء الإلهيّة التي هي محلّ الاختبار والامتحان ، بين المتنازعين في الخلافة بالأعيان الكيانيّة ، وسريان حكم كلّ منهما في الآخر ، بتحقيق رقيقة الجمع بين الباطن والظاهر ، والأوّل والآخر .
قال رضي الله عنه : ( فنقول : اعلم أنّ الأمور الكلَّيّة ) الواقعة من حيث هي كذلك في الدرجة الثانية من التعقّل ، كالأوصاف المجرّدة عن الحقائق مثل الحياة والعلم وما يتبعهما أو المستندة إليها مثل الحيّ والعالم ( وإن لم يكن لها وجود في عينها ) .
فإنّه ليس للأمور الواقعة في تلك الدرجة وجود مستقلّ في عينها ، وهو المسمّى بالوجود الخارجي والعيني ( فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن ) وبيّن أنّ الكليّات لها طرف التنزّه المحض وهو الذي لها لذاتها به تعقل ، وطرف التعلَّق وهو باعتبار مدلوليّتها للفظ به تتخيّل ، وطرف الجامعيّة بينهما به تعلم وهو الواسطة .
فأشار إلى تلك الأطراف بترتيبها ، وحيث أنّ الذهن هو « الفهم » - لغة - يناسب إطلاقه على طرف مدلوليّتها وعلى سائر تقاديرها وأطرافها .
( فهي باطنة لا تزال عن الوجود العيني ) أي الأمور الكليّة التي هي المعقولات الثانية باطنة عن الوجود العيني أبدا لا تزال كذلك ، حيث لا يكون لها محاذى في العين البتة .
ثمّ إنّ هاهنا نسخا كثيرة متخالفة، والظاهر أنّها منتحلة من المستكشفين له، فطوينا الفحص عنها لظهور المقصود بهذه النسخة وتشوّش الأذهان بها .
ثمّ إنّ هاهنا نكتة حكميّة لا بدّ من التنبيه إليها، وهي أنّك عرفت أنّ الأسماء الإلهيّة عند توجهّها إلى كمال الظهور والإظهار لها حركة من فضاء اللطف منبع الإطلاق والعموم إلى مضيق الكثافة معدن القيد والخصوص إلى أن يتمّ الكمال بنوعيها
ومن ذلك ، التنزّل من الجنس العالي يعني الجوهر متدرّجا فيه إلى النوع السافل ، يعني الإنسان الذي بنقطة نطقة تتمّ الدائرة بقوسيها الكماليّين .
ثمّ إذا تذكَّرت هذا فاعلم أنّ كلا من تلك المراتب عالية كانت أو متوسّطة أو سافلة لها أوصاف كلَّية محصّلة بالذات ، هي مبادئ آثارها الخاصّة بها ، الفاصلة لها عمّا سواها ، وهو سبب تحصّل تلك المرتبة في الخارج بالوجود العيني بلحوقه لها ، مقوّمة إيّاها على ما بيّن في صناعة الحكمة ثمّ إذا ظهرت بالوجود العيني ، حصل من تلك المرتبة التي بمنزلة المادّة - حكم فيه ، ومن ذلك الوصف الذي بمنزلة الصورة أثر .
وإليه أشار بقوله : ( ولها الحكم والأثر في كلّ ما له وجود عيني ) .ويمكن أن يحمل « الحكم » على مقتضى الذاتيّات منها و « الأثر » على مقتضى الأعراض ، لكن الأوّل أتقن .
ثمّ إنّ المتبادر إلى الأفهام من هذه العبارة أنّه ليس من تلك الكليّات في الخارج إلَّا آثارها وأحكامها فقط ، فأضرب عن ذلك بقوله : ( بل هو عينها ) أي ما له وجود عيني ، عين تلك الأمور الكلَّية ، فإنّها هي الظاهرة بصورة الأثر حسبما اقتضاه الوجود العيني ( لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينيّة ) . 
ثمّ إنّ تلك الأمور الكليّة عندما تتحصّل ماهيّتها النوعيّة لها ثلاثة مدارج
 :
الأول منها تفصيل الأحكام والآثار التي هي بمنزلة المادّة والصورة، وهو حقيقة النوع وحده. والثاني الهيئة الجمعيّة بينهما، الرافعة للمغايرة، وهي النوع عينه .
والثالث تفصيل الأشخاص الخارجيّة، فأشار في طيّ عبارته إلى هذه المراتب، مضربا عن الأوّل بالثاني، مفسّرا إيّاه بالثالث.
تنبيها إلى أنّ التفصيل الأوّل اعتباريّ محض لا عبرة به ، وأنّ التفصيل الثاني هو عين الجمع ، وإلى أنّ الموجود العيني له وحدة جمعيّة كذلك ، وإلى غير ذلك من الدقائق فلا تغفل عنها .
فيكون التفسير للضمير المنفصل، لا للمتصل على ما هو الموجب للتوهّمات الباعثة على ارتكاب التمحّلات - كما التزمه البعض وهذا يناسب ما تسمعه من أئمّة النظر.
« إنّ سائر أقسام الكلَّيات موجود بوجود النوع عينه في الخارج كما أنّ النوع مع الشخص كذلك ، وإنّ ذلك التفصيل بين الكليّات وتميّزها إنّما هو في العقل » فهي معقولة (ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها ) أي نظرا إلى نفس حقائقها الكليّة ، بدون اعتبار تعيّنها وكونها ذا وجود عينيّ ، فإنّها بذلك الاعتبار عين الموجود العيني .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء.
ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني. ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها.)
"فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء."
(فهذا التعريف الإلهي مما أدب به الحق عباده الأدباء) المتعاملين مع الحق والحق بما يقتضيه المراتب (الأمناء) الحاملين الأمانة.
التي هي صورة الله سبحانه التي حذى عليها آدم حين عرضها علي سماوات الأرواح وأرض الجسمانيات فأبين أن يحملنها .
إن لم يطعن ذلك ولم يستطعن وأشفقن منها .
لعدم أحدية جمع الجميع عند واحد منها .
وحملها الإنسان لتحقيقه بأحدية الجميع المذكورة "الخلفاء"  الذين استخلفهم الله تعالى في حفظ خزانتي الدنيا والآخرة.
فإن قلت : أي حاجة للمتحققین بهذه الصفات إلى التأديب.
قلنا : المراد تأديب ذواتهم قبل التحقق لتتحقق .
أو قلنا : لكل جواد كبوة فيمكن منهم وقوع الزلات بعد التحقق بها أيضا.
ثم نرجع إلى الحكمة فنقول :
اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن ؛ فهي باطنة لا تزول عن الوجود العيني ."
(ثم نرجع) مما وقع في البين من قصة الملائكة وبيان لطائفها (إلى الحكمة) الإلهية التي كان رضي الله عنه بصدد بيانها.
فابتدأ رضي الله عنه بيان الارتباط بين الأمور الكلية والأعيان الخارجية.
وفرع عليه بيان الارتباط بين الحق والعالم ثم خلق الإنسان على صورته .
ثم بيان ما يتفرع عليه من الحكم والأسرار.
(فنقول اعلم أن الأمور الكلية)، أي الحقائق المشتركة بين الأعيان الخارجة كالحياة والعلم والإرادة والقدرة و غيرها (وإن لم يكن لها) من حيث أنها كلية (الوجود في عينها)وحد ذاتها .
فإنه لا يكون وجوده للكليات إلا في ضمير أفرادها (فهي معقولة معلومة) من مراده (بلا شك في الذهن فهي باطنة) من حيث هي كلية (لاتزول عن الوجود العيني) بالعين المهملة كما هو في بعض النسخ المقروءة على الشيخ رضي الله عنه.
أي هي باطنة باعتبار وجودها العقلي لكن لا يزول عن الموجودات العينية ولا يسلب عنها بل هي ثابتة لها في ضمن ثبوت أفرادها لها.
أو بالغين المعجمة ، أي : لا تزول عن الوجود العيني العقلي ولا تنصف بالموجود العيني الخارجي.
وحاصله أنها لا تخرج من العلم إلى العين .
وفي بعض النسخ لا تزال إما بضم التاء من الإزالة ، فمعناه قريب مما سبق سواء كانت العين مهملة أو معجمة وبما يفتحها والعين مهملة .
فقال الشارح الجندي رحمه الله :
إن قوله باطنة منصوب على هذا الوجه والتقدير فهي لا تزال باطنة عن الوجود العيني.
أي لا تظهر أعيانها في الخارج وإن كانت موجودة في العلم وبالنسبة إلى العالم، وأما فتحها والغين معجمة فلا وجه له ظاهر.
"ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني ."
(و) هذه الأمور الكلية التي لا تتحقق في الخارج من حيث كليتها (لها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني) من الموصوفين بها .
فإن الحياة مثلا حكمها على الموصوف بها بأنه حي وأثر فيه، وهو العلم وتوابعه
"بل هو عها لا غيرها، أعني أعيان الموجودات العينية ."
"بل هو"، أي ما له وجود عيني (عينها)، أي عين الأمور الكلية فعلى هذا يكون قوله : (أعني أعيان الموجودات العينية) تفسير للضمير المرفوع. ويحتمل أن يجعل تفسيرا للضمير المجرور.
وإذا كان المرفوع كناية عن الأمور الكلية مؤولة الأمر الكلي وعلى كل تقدير فالعينية بناء على الحقيقة الواحدة التي هي حقيقة الحقائق كلها هي الذات الإلهية وباعتبار تعيناتها وتجلياتها في
مراتبها المتكثرة تتكثر وتصير حقائق مختلفة جوهرية متبوعة وعرضية تابعة.
فكل عين عين من حيث امتيازها عما سواها ليست إلا عين أعراض شيء اجتمعت في عين واحدة فصارت عينة موجودة خارجية.
كذا ذكره في آخر الفص الشعيبي.
"و لم تزل عن كونها معقولة في نفسها."
(و) هذه الأمور الكلية مع كونها عين أعيان الموجودات  (لم تزل عن كونها معقولة في نفسها) باعتبار كليتها.
فقوله : لم تزل إما مبني للفاعل من الزوال، أو مبني للمفعول من الإزالة.
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 14:24 عدل 6 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 8 سبتمبر 2018 - 18:04 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الرابعة عشرة السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الرابعة عشرة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة. وسواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت، نسبة المؤقت وغير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة.)
(فهی) أي تلك الأمور الكلية المعقولة في الذهن فقط (الظاهرة) للعيان (من حيث) إنها هي (أعيان الموجودات) الظاهرة بالاعتبار المذكور (كما هي الباطنة) أيضا عن العيان (من حيث معقوليتها).
أي كونها معقولة في الذهن أبدا لا تبرز منه مطلقا، إذا علمت هذا (فاستناد)، أي نسبة (كل موجود عینی) جزئی خارجی إنما هو (لهذه الأمور الكلية)، بحيث إن هذه الأمور الكلية منطبقة على هذه الجزئيات الخارجية انطباق لا يتحول أبدا ولا يتغير.
كانطباق الشيء على نفسه من غير شبهة ولا شك، ثم وصف الأمور الكلية بقوله:
(التي لا يمكن رفعها)، أي إزالتها (عن العقل) بحيث تبرز بذاتها إلى الخارج وإن كانت هي بعينها هذه الموجودات العينية التي في الخارج كما سبق.
(ولا يمكن وجودها ) أيضا في العين الخارجية (وجودا تزول به عن أن تكون) في نفسها أمورا (معقولة وسواء كان ذلك الموجود العيني) الخارجي (موقتا) وجوده بوقت کالحادث المخلوق (أو غير موقت) بوقت كالقديم .
(فإن نسبة) الموجود العينى (الموقت) بوقت (وغير الموقت) بوقت (إلى هذا الأمر الكلي) الذهني (المعقول نسبة واحدة)، لا تفاوت فيها على معنى أنه ليس غير الموقت أحق باسم هذا الكلي المنطبق عليه من الموقت، بل هما مشتركان في الانطباق عليهما من غير تفاوت بينهما .


شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة. وسواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت، نسبة المؤقت وغير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة.)
فإذا كان الأمر كذلك كانت هي ذي الجهئین (فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقولبنها) .
فإذا كان كذلك (فاستناد كل موجود عيني) في إظهار کمالاته قوله : (لهذه الأمور) الكلية متعلق بالاستناد فاستناد مبتدأ خبره محذوف لعمومه وهو موجود.
أي استناد کل موجود عيني لهذه الأمور الكلية موجود (التي لا يمكن رفعها عن العقل ولا يمكن وجودها في العين وجودة تزول به).
أي تزول الأمور الكلية بسبب الوجود العيني (عن أن تكون مقولة) بل يمكن وجودها في العين وجودة لا تزول به عن كونها معقولة كوجودها في الأعيان الموجودة .
فإنه لا يخرج عن أن تكون معقولة بخلاف الموجودات العينية فإنها موجودة بوجود نزول به عن كونها معقولة (وسواء كان الموجود العيني مؤقتة أو غير مؤقت) تعميم للاستناد إلى قسمي الموجود العيني (نسبة المؤقت وفير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي نسبة واحدة) بیان لاستواء نسبتي القسمين إلى الكلي.


شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة. وسواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت، نسبة المؤقت وغير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة.)
وأما ما بعد قوله: " ثم نرجع إلى الحكمة،" فما أرى أن فيه ما يحتاج إلى الشرح لأن عبارة الشيخ فيه وافية بالمقصود وليس هو مما يحتاج إلى الذكر الجلي بل هو من مدركات أفهام الناس إلى قوله: "ومعلوم أن هذه الأمور الكلية وإن كانت معقولة فإنها معدومة العين موجودة الحكم."


شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة. وسواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت، نسبة المؤقت وغير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة.)
قال رضي الله عنه : (فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليّتها ) .
قال العبد : أمّا كونها ظاهرة فمن حيث إنّها في كل موجود عينيّ بماهيتها وحقيقتها ، وهي فيه عينه غير زائدة عليه لعدم امتيازها عنه في الوجود .
وأمّا كونها باطنة فلأنّها من حيث تعقّلها الأمور الكلَّية عامّة ينتزعها العقل ويأخذها كلية لا يمنع نفس تصوّرها عن وقوع الشركة فيها .
فهي من كونها كذلك باطنة معقولة لا وجود لها إلَّا في العقل .
قال رضي الله عنه : ( فاستناد كلّ موجود عيني لهذه الأمور الكلَّية ) .
يعني : استناد الموجودات من كونها موجودة ، والعلماء من كونهم علماء ، والإحياء من كونهم إحياء إلى هذه الكلَّيات العامّة .
قال رضي الله عنه : ( التي لا يمكن رفعها عن العقل ) .
أي لا تزال من كونها كلية معقولة .
قال : (ولا يمكن وجودها في العين ) أي لا يتشخّص من كونها كلية ( وجودا تزول به عن أن تكون معقولة ) .
يعني : أنّ هذه الكلَّيات وإن كانت في كل موجود عينيّ عينه ، فذلك لا يخرجها عن كونها معقولة فإنّ كونها معقولة باطنة هو من كونها كلَّية ، وكونها عين كل موجود عينيّ هو بحقائقها لا بكلَّيتها لوجود تميّز تعقّل كلَّيّتها عن تعقّل حقيقتها في العقل .
وعدم تميّز حقيقتها عن الوجود العيني ، ولا يخرجها أيضا كذلك كونها معقولة وكلية عن كونها بحقيقتها في كل موجود عينيّ عينه ، بمعنى أنّها لا تزيد عليه ولا تمتاز عنه .
قال رضي الله عنه : ( وسواء كان ذلك الموجود العيني موقّتا أو غير موقّت إذ نسبة الموقّت وغير الموقّت إلى هذا الأمر الكلَّي واحدة ).
يريد رضي الله عنه بالموقّت الحادث الفاني من العالم ، فظهور هذه الأمور الباطنة المعقولة الكليّة بالأعيان الحادثة التي وجودها موقّت غير مؤبّد يكون موقّتا .
كذلك غير مؤبّد كوجود زيد مثلا وعلمه وحياته ، كهو غير أبدية بل هو موقّته ، وظهورها لمن ليس وجوده موقّتا ولا متناهيا غير موقّت ولا متناه لانضياف هذه الحقائق الكلَّية النسبيّة المعقولة إلى كل موجود عينيّ وظهورها فيه بحسبه وبموجب ما تعطيه ذاته .


شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة. وسواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت، نسبة المؤقت وغير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة.)
" فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات ، كما هي الباطنة من حيث معقوليتها "أي الكليات.
وإن ظهرت في الصورة الجزئية فهي باقية على معقوليتها من حيث كليتها لم تزل عن كونها باطنة مع كونها ظاهرة
" فاستناد كل موجود عينى لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن دفعها عن العقل ولا يمكن وجودها في العين ، وجودا تزول به عن أن تكون معقولة " أي استناد كل عين موجود شخصى يكون إلى هذه الموجودات الكلية أبدا مع بقائها في عالم العقل على كليتها لا تزول عن ذلك الوجود الغيبى أبدا أي العيني موجود به .
فقوله فاستناد مبتدأ خبره لهذه الأمور واللام بمعنى إلى .
قوله " وسواء كان ذلك الموجود العيني موقتا أو غير موقت " أي زمانيا أو غير زمانى وكل منهما إما جسمانى أو غير جسمانى فالجسمانى الموقت كأجسادنا وغير الموقت كالفلك الأعظم .
فإن الزمان مقدار حركته فلا يكون جسمه زمانيا .
والروحاني الموقت كنفوس الحيوانات وغير الموقت كالأرواح العلوية المجردة
" نسبة الموقت وغير الموقت إلى هذا الأمر الكلى المعقول نسبة واحدة " أي كلها في استنادها إلى الأمر الكلى المعقول سواء.


مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة. وسواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت، نسبة المؤقت وغير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة.)
قوله: "فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات، كما هي الباطنة من حيث معقوليتها".
أي، تلك الأمور الكلية ظاهرة باعتبار أنها عين الأعيان الموجودة وباعتبار الآثار الظاهرة منها، وباطنة باعتبار أنها أمور معقولة لا أعيان لها في الخارجبنفسها.
قوله: (فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعهاعن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة) .
نتيجة لقوله: "ولها الحكم والأثر في كل ماله وجود عيني" أي، لما تقرر أن الموجودات العينية إنما تعينت وتكثرت بالصفات، وهي هذه الأمورالكلية، فاستناد كل موجود عيني واجب ثابت لهذه الأمور الكلية التي هي حقائق معقولة.
و (اللام) في "لهذه الأمور" بمعنى (إلى). لأن الطبائع بذواتها تقتضي عروضها واتصافها بها، إذ هي كمالاتها، فهي من حيث كمالاتها مستندة إلى هذه الأمور الكلية.
وهذه الأمور لا يمكن أن ينكر كونها معقولة ولا يمكن أن توجد في الأعيان من غير عروضها في معروضاتها.
وخبر قوله: "فاستناد" متعلق الظرف، وهو (واجب) أو (ثابت). و يجوز أن يكون (اللام) في قوله: "لهذه الأمور الكلية" بمعنى (إلى) متعلقا إلى (الاستناد) وخبره محذوفا. تقديره: فاستناد كل موجود عيني إلى هذه الأمورالكلية واجب.
قوله: "وسواء كان ذلك الموجود العيني موقتا أو غير موقت نسبة الموقت وغيرالموقت إلى هذا الأمر الكلى المعقول نسبة واحدة" أي، لا يختص هذا التأثر ببعض من الموجودات دون البعض، بل الجميع مشترك في كونها محكوما ومتأثرا من هذه الأمور الكلية، سواء كان ذلك الموجود مقترنا بالزمان، كالمخلوقات، أو غير مقترن به، كالمبدعات، روحانيا كان أو جسمانيا.
فإن اقترانه بالزمان وعدم اقترانه لا يخرجه عن استناده إلى هذه الأمور الكلية، إذ نسبة الموقت وغير الموقت في الوجود والكمالات إليها نسبة واحدة.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة. وسواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت، نسبة المؤقت وغير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة.)
(فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات) حيث اعتبر فيها أنها طبيعة من الطبائع (كما هي الباطنة من حيث معقوليتها)، حيث اعتبر فيها قيد الكلية.
فلما جاز البطون والظهور على الأمور التي لا وجود لها في الخارج أصلا أو مستقلا بل جاز اتحادها بالموجودات الخارجية؛ ففي الأمر المحقق المستقل أولى، وإذا كان (لهذه الأمور الكلية) أثر في الموجودات العينية، (فاستناد کل موجود عيني) لا باعتبار تحققها في أنفسها بل باعتبار أنها (التي لا يمكن رفعها عن العقل).
فالوجود العقلي بها صار سبا لاستناد غيرها إليها، وإذا كان الوجود العقلي صالحا لسبية استناد الأمور الموجودة إليها فاستناد بعض الموجودات إلى بعض كان بطريق الأولى.
ثم أشار إلى أن الاستناد إليها في تحقق الموجودات العينية؛ فإن ذلك الاستناد إنما يتصور إلى الموجود الخارجي.
فقال: وهذه الأمور الكلية (لا يمكن وجودها في العين)، وإن كانت عين الموجودات العينية من وجه، ولها الأثر فيها (وجودا تزول به عن أن تكون معقولة) فالاستناد إليها لا يكفي في التحقيق الخارجي، وإنما هو استناد الموجود إلى الوجود.
ثم أشار إلى أن الأمور المعقولة، وإن لم تزل عن كونها معقولة موجودة في العقل أزلا وأبدا فنسبة الحوادث وغيرها إليها سواء.
ليتوسل ذلك إلى أن استناد الحوادث اليومية وغيرها إلى الواجب الأزلي على السوية لا كما يقوله الفلاسفة من استناد الحوادث اليومية إلى الحركات السماوية.
فقال: (وسواء كان ذلك موجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت)، فإنهما لا يتفاوتان بالنسبة إليه بل لكون نسبة غير المؤقت بلا واسطة، ونسبة