المواضيع الأخيرة
» 09 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية .شرح داود القيصرى فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyاليوم في 7:36 من طرف عبدالله المسافر

» 09 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية .شرح القاشاني كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyاليوم في 0:59 من طرف عبدالله المسافر

» 09 - فصّ حكمة نورية في كلمة يوسفية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالثلاثاء 18 يونيو 2019 - 15:07 من طرف عبدالله المسافر

» السفر التاسع فص حكمة نورية في كلمة يوسفية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالثلاثاء 18 يونيو 2019 - 6:17 من طرف عبدالله المسافر

» القصائد من 41 إلى 50 الأبيات 490 إلى 661 ‏.مختارات من ديوان شمس الدين التبريزي الجزء الاول مولانا جلال الدين الرومي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 16 يونيو 2019 - 9:52 من طرف عبدالله المسافر

» القصائد من 31 إلى 40 الأبيات من 375 إلى 489 ‏.مختارات من ديوان شمس الدين التبريزي الجزء الاول مولانا جلال الدين الرومي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 16 يونيو 2019 - 9:51 من طرف عبدالله المسافر

» القصائد من 51 إلى 60 ‏.مختارات من ديوان شمس الدين التبريزي الجزء الاول مولانا جلال الدين الرومي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 16 يونيو 2019 - 9:26 من طرف عبدالله المسافر

» شرح التجلي 42 تجلي القدرة .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 15 يونيو 2019 - 14:08 من طرف عبدالله المسافر

» شرح التجلي 41 تجلي المراقبة .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 15 يونيو 2019 - 13:56 من طرف عبدالله المسافر

» شرح التجلي 40 تجلي الظنون .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 15 يونيو 2019 - 13:42 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الثامنة والعشرون سماء بهرام المريخ .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 15 يونيو 2019 - 9:48 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة السابعة والعشرون سماء المشتري .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 15 يونيو 2019 - 9:37 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة السادسة والعشرون سماء زحل .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 15 يونيو 2019 - 9:30 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثاني عشر في السفراء والرسل الموجهين إلى الثائرين بمدينة البدن .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 14 يونيو 2019 - 18:31 من طرف عبدالله المسافر

»  الباب الحادي عشر في رفع الجبايات إلى الحضرة الإلهية ووقوف الإمام القدسي عليها ورفعها إلى الملك الحق سبحانه .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 14 يونيو 2019 - 18:21 من طرف عبدالله المسافر

» الباب العاشر في المسددين والعاملين أصحاب الجبايات والخراج .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 14 يونيو 2019 - 18:09 من طرف عبدالله المسافر

» مطلب في من يريد العروج إلى الجناب الأقدس .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 2 يونيو 2019 - 6:34 من طرف عبدالله المسافر

» مطلب في أن التكاليف الشرعية مطابقة لحقيقة الإنسان مطابقة النعل بالنعل .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 2 يونيو 2019 - 6:20 من طرف عبدالله المسافر

» مطلب في بيان أن صفة العلم غير صفة البصر .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 2 يونيو 2019 - 3:33 من طرف عبدالله المسافر

» تفسيرآلآيات من "38 - 94 " من سورة المائدة .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 2 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 1 يونيو 2019 - 16:10 من طرف عبدالله المسافر

» تفسيرآلآيات من "01 - 37" من سورة المائدة .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 2 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 1 يونيو 2019 - 15:30 من طرف عبدالله المسافر

» تفسيرآلآيات من "151 - 176" من سورة النساء .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 1 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 1 يونيو 2019 - 13:46 من طرف عبدالله المسافر

» باب ترجمة التقديس .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 31 مايو 2019 - 17:33 من طرف عبدالله المسافر

» باب ترجمة الجمع .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 31 مايو 2019 - 17:04 من طرف عبدالله المسافر

» باب ترجمة الوجود .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 31 مايو 2019 - 16:55 من طرف عبدالله المسافر

» المقالة السابعة عذر الحجلة الأبيات من 846 - 886 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 31 مايو 2019 - 15:12 من طرف عبدالله المسافر

» المقالة السادسة عذر البطة الأبيات من 823 - 845 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 31 مايو 2019 - 14:59 من طرف عبدالله المسافر

» المقالة الخامسة عذر الطاووس الأبيات من 795 - 822 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 31 مايو 2019 - 14:50 من طرف عبدالله المسافر

» المقالة الرابعة عذر الببغاء الأبيات من 778 - 794 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 29 مايو 2019 - 16:16 من طرف عبدالله المسافر

» المقالة الثالثة عذر البلبل الأبيات من 725 - 777 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 29 مايو 2019 - 15:55 من طرف عبدالله المسافر

» المقالة الثانية حديث الهدهد مع الطيور في طلب طائر السيمرغ الأبيات من 658 - 724 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 29 مايو 2019 - 15:21 من طرف عبدالله المسافر

» تفسيرآلآيات من "104 - 150" من سورة النساء .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 1 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 29 مايو 2019 - 12:35 من طرف عبدالله المسافر

» تفسيرآلآيات من "79 - 103" من سورة النساء .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 1 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 29 مايو 2019 - 12:09 من طرف عبدالله المسافر

» تفسيرآلآيات من "47 - 78" من سورة النساء .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 1 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 29 مايو 2019 - 11:46 من طرف عبدالله المسافر

» شرح التجلي 39 تجلي الحد .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالثلاثاء 28 مايو 2019 - 12:49 من طرف عبدالله المسافر

» شرح التجلي 38 تجلي ما تعطيه الشرائع .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالثلاثاء 28 مايو 2019 - 12:33 من طرف عبدالله المسافر

» شرح التجلي 37 تجلي معارج الأرواح .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالثلاثاء 28 مايو 2019 - 12:11 من طرف عبدالله المسافر

» 09 - فك ختم الفص اليوسفى .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالثلاثاء 28 مايو 2019 - 10:35 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الرابع والعشرون في معرفة أسرار غسل اليدين إلى المرفقين .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالإثنين 27 مايو 2019 - 14:56 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثالث والعشرون في معرفة أسرار غسل الوجه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالإثنين 27 مايو 2019 - 14:40 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الحادي والثاني والعشرون في معرفة أسرار المضمضة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 26 مايو 2019 - 15:14 من طرف عبدالله المسافر

» المقالة الأولى في اجتماع الطير الأبيات من 593 - 657 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 26 مايو 2019 - 14:53 من طرف عبدالله المسافر

» قول في شفاعة الرسول عليه السلام من أجل أمته الأبيات من 571 - 592 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 26 مايو 2019 - 14:47 من طرف عبدالله المسافر

» حكاية كن رجل حق كرابعة الأبيات من 549 - 570 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 26 مايو 2019 - 14:37 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 26 مايو 2019 - 13:09 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 26 مايو 2019 - 1:19 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية .شرح الجامي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 25 مايو 2019 - 23:42 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - فصّ حكمة روحيّة في كلمة يعقوبيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 25 مايو 2019 - 20:36 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 25 مايو 2019 - 20:20 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية .شرح داود القيصرى فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 25 مايو 2019 - 20:00 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية .شرح القاشاني كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 24 مايو 2019 - 2:21 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - فصّ حكمة روحية في كلمة يعقوبية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 24 مايو 2019 - 0:49 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - فك ختم الفص اليعقوبي .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 24 مايو 2019 - 0:27 من طرف عبدالله المسافر

» 09 - نقش فص حكمة نورية في كلمة يوسيفية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 24 مايو 2019 - 0:08 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - نقش فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 24 مايو 2019 - 0:01 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الثامن فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 22 مايو 2019 - 8:28 من طرف عبدالله المسافر

» تفسيرآلآيات من "01 - 46" من سورة النساء .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 1 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 22 مايو 2019 - 3:36 من طرف عبدالله المسافر

» تفسيرآلآيات من "162 - 200" من سورة آل عمران .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 1 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 22 مايو 2019 - 2:26 من طرف عبدالله المسافر

» تفسيرآلآيات من "104 - 161" من سورة آل عمران .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 1 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 22 مايو 2019 - 2:09 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الخامسة والعشرون فلك الأفلاك .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالإثنين 20 مايو 2019 - 16:45 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الرابعة والعشرون فلك الجوزاء .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالإثنين 20 مايو 2019 - 16:33 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الثالثة والعشرون الفلك الأطلسي .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالإثنين 20 مايو 2019 - 16:28 من طرف عبدالله المسافر

» حكاية بلال ابن رباح الأبيات من 542 - 548 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالإثنين 20 مايو 2019 - 15:16 من طرف عبدالله المسافر

» حكاية ماذا أصابك يا علي ؟ الأبيات من 539 - 541 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالإثنين 20 مايو 2019 - 15:10 من طرف عبدالله المسافر

» حديث سيدنا محمد المصطفى عليه الصلاة والسلام الأبيات من 523 – 538 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالإثنين 20 مايو 2019 - 15:01 من طرف عبدالله المسافر

» قول في شهادة المرتضى علي رضي الله عنه الأبيات من 512 - 522 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 19 مايو 2019 - 15:48 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الثانية والعشرون المركبات وأقسامها .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 19 مايو 2019 - 15:21 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمود محمود الغراب
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 19 مايو 2019 - 14:38 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - نقش فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 19 مايو 2019 - 14:25 من طرف عبدالله المسافر

» شرح التجلي 36 تجلي نور الايمان .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 18 مايو 2019 - 14:59 من طرف عبدالله المسافر

» حكاية أويس مع الخليفة عمر الأبيات من 503 - 511 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 18 مايو 2019 - 14:21 من طرف عبدالله المسافر

» في تعصب أهل السنة والشيعة الأبيات من 457 – 502 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 18 مايو 2019 - 14:13 من طرف عبدالله المسافر

» القصيدة 17 في العاشق وإخلاصه الأبيات من 182 الى 204 .المثنوى الثاني عشق نامه "كتاب العشق" .من كتاب مثنوي سنائي الغزنوي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 18 مايو 2019 - 11:34 من طرف عبدالله المسافر

» القصيدة "16" حكاية المجنون الأبيات من 166 الى 181 .المثنوى الثاني عشق نامه "كتاب العشق" .من كتاب مثنوي سنائي الغزنوي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 18 مايو 2019 - 11:25 من طرف عبدالله المسافر

» سر الناي وبداية المثنوي المعنوي .كتاب شرح المثنوي المعنوي بالمنهج القوي مولانا جلال الدين الرومي شرح الشيخ يوسف ابن أحمد المولوي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 18 مايو 2019 - 9:28 من طرف عبدالله المسافر

» في مناقب أمير المؤمنين علي المرتضى الأبيات من 444 - 456 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالإثنين 13 مايو 2019 - 19:17 من طرف عبدالله المسافر

» القصيدة 15 في تشبيه العاشق وتنزيهه للمعشوق الأبيات من 162 الى 165 .المثنوى الثاني عشق نامه "كتاب العشق" .من كتاب مثنوي سنائي الغزنوي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 12 مايو 2019 - 7:09 من طرف عبدالله المسافر

» القصيدة 14 في غيرة العشق ولوازمه الأبيات من 150 إلى 161 .المثنوى الثاني عشق نامه "كتاب العشق" .من كتاب مثنوي سنائي الغزنوي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 12 مايو 2019 - 2:21 من طرف عبدالله المسافر

» في مناقب أمير المؤمنين عثمان الأبيات من 431 - 443 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 12 مايو 2019 - 0:56 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الحادية والعشرون الجوهر الفرد .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 12 مايو 2019 - 0:25 من طرف عبدالله المسافر

» السفر السابع فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 11 مايو 2019 - 7:19 من طرف عبدالله المسافر

» في مناقب أمير المؤمنين عمر الأبيات من 419 - 430 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 11 مايو 2019 - 5:54 من طرف عبدالله المسافر

» باب ترجمة الغيرة .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالسبت 11 مايو 2019 - 5:32 من طرف عبدالله المسافر

» فصل ان للوجود الإلهي ظهورا يستلزم أحكاما شتى .كتاب مفتاح غيب الجمع وتفصيله وايضاح سر الوجود وتكميله لأبي المعالي صدر الدين القونوي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 10 مايو 2019 - 13:34 من طرف عبدالله المسافر

» فصل حجاب العزة .كتاب مفتاح غيب الجمع وتفصيله وايضاح سر الوجود وتكميله لأبي المعالي صدر الدين القونوي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 10 مايو 2019 - 12:02 من طرف عبدالله المسافر

» مصطلحات الحضرة – الحضرات – الحضرات الخمس
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 10 مايو 2019 - 6:44 من طرف الشريف المحسي

»  مصطلحات الاصطلام - اصطلم - المصطلم
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالجمعة 10 مايو 2019 - 2:28 من طرف الشريف المحسي

» المصطلح يوح . في موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالخميس 9 مايو 2019 - 16:49 من طرف الشريف المحسي

» الباب التاسع في معرفة الكاتب وصفاته وكتبه .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالخميس 9 مايو 2019 - 15:19 من طرف الشريف المحسي

» الباب الموفي عشرين في معرفة أسرار الاستجمار .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالخميس 9 مايو 2019 - 2:30 من طرف الشريف المحسي

» باب ترجمة المنة .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 8 مايو 2019 - 12:54 من طرف الشريف المحسي

» حضرة الخيال هو عالم الجبروت ومجمع البحرین .كتاب الخيال عالم البرزخ والمثال من كلمات الشيخ الاكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 8 مايو 2019 - 12:08 من طرف الشريف المحسي

» حبه سبحانه وتعالى للمطهرين .كتاب الحب والمحبة الإلهية من كلمات الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 8 مايو 2019 - 11:58 من طرف الشريف المحسي

» شرح التجلي 35 تجلي التسليم .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأربعاء 8 مايو 2019 - 11:09 من طرف الشريف المحسي

» تفسيرآلآيات من "46 - 103" من سورة آل عمران .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 1 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالثلاثاء 7 مايو 2019 - 15:57 من طرف الشريف المحسي

» في مناقب أمير المؤمنين أبي بكر الصديق .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 5 مايو 2019 - 14:48 من طرف الشريف المحسي

» شرح التجلي 34 تجلي الفردانية .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 5 مايو 2019 - 14:03 من طرف الشريف المحسي

» تفسيرآلآيات من "18 - 45" من سورة آل عمران .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 1 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 5 مايو 2019 - 8:34 من طرف الشريف المحسي

» تفسيرآلآيات من "01 - 17" من سورة آل عمران .كتاب تفسير القرآن الكريم رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن ج 1 من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Emptyالأحد 5 مايو 2019 - 7:58 من طرف الشريف المحسي





السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

اذهب الى الأسفل

26082018

مُساهمة 

السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي - صفحة 2 Empty السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي




السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي جامعها عبدالله المسافر فى الله

السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية

الفقرة الأولي :
متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي 638 هـ :
يقول الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي : 1 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية
(لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه: فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرأة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل و لا تجليه له .
و قد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.
و من شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا و يقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، و ما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل و لا يزال.
و ما بقي إلا قابل، و القابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس .
فالأمر كله منه، ابتداؤه و انتهاؤه، «و إليه يرجع الأمر كله»، كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة و روح تلك الصورة، و كانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير».
فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية و الحسية التي في النشأة الإنسانية.
فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، و أن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال و منزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، و إلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه و أسفله .
و هذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه.
فسمي هذا المذكور إنسانا و خليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته و حصره الحقائق كلها.
و هو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، و هو المعبر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم .
فهو الإنسان الحادث الأزلي و النشء الدائم الأبدي، و الكلمة الفاصلة الجامعة ، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، و هو محل النقش و العلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته.
و سماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن.
فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.
ألا تراه إذا زال و فك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها و خرج ما كان فيها و التحق بعضه ببعض، و انتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا ؟
فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة.
فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، سأنظر من أين أتي على من أتي عليه .
فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، و لا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، و ليس للملائكة جمعية آدم، و لا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، و سبحت الحق بها و قدسته، و ما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها و لا قدسته تقديس آدم .
فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أتجعل فيها من يفسد فيها»؟
و ليس إلا النزاع و هو عين ما وقع منهم.
فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق.
فلولا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه و هم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، و لو علموا لعصموا. ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح و التقديس.
و عند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها و لا قدسته عنها تقديس آدم و تسبيحه.
فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده و نتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به و حاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال و لا نحن منه على علم فنفتضح؟
فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء.
ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية و إن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني .
و لها الحكم و الأثر في كل ما له وجود عيني، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، و لم تزل عن كونها معقولة في نفسها.
فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها.
فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، و لا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة.
و سواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت، نسبة المؤقت و غير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة.
غير أن هذا الأمر الكلي يرجع إليه حكم من الموجودات العينية بحسب ما تطلبه حقائق تلك الموجودات العينية، كنسبة العلم إلى العالم، و الحياة إلى الحي. فالحياة حقيقة معقولة و العلم حقيقة معقولة متميزة عن الحياة ، كما أن الحياة متميزة عنه.
ثم نقول في الحق تعالى إن له علما و حياة فهو الحي العالم.
و نقول في الملك إن له حياة و علما فهو العالم و الحي.
و نقول في الإنسان إن له حياة و علما فهو الحي العالم.
و حقيقة العلم واحدة، و حقيقة الحياة واحدة، و نسبتها إلى العالم و الحي نسبة واحدة.
و نقول في علم الحق إنه قديم، و في علم الإنسان إنه محدث.
فانظر ما أحدثته الإضافة من الحكم في هذه الحقيقة المعقولة، و انظر إلى هذا الارتباط بين المعقولات و الموجودات العينية.
فكما حكم العلم على من قام به أن يقال فيه عالم، حكم الموصوف به على العلم أنه حادث في حق الحادث، قديم في حق القديم. فصار كل واحد محكوما به محكوما عليه.
و معلوم أن هذه الأمور الكلية و إن كانت معقولة فإنها معدومة العين موجودة الحكم، كما هي محكوم عليها إذا نسبت إلى الموجود العيني.
فتقبل الحكم في الأعيان الموجودة و لا تقبل التفصيل و لا التجزي فإن ذلك محال عليها، فإنها بذاتها في كل موصوف بها كالإنسانية في كل شخص من هذا النوع الخاص لم تتفصل و لم تتعدد بتعدد الأشخاص و لا برحت معقولة. و إذا كان الارتباط بين من له وجود عيني و بين من ليس له وجود عيني قد ثبت، و هي نسب عدمية، فارتباط الموجودات بعضها ببعض أقرب أن يعقل لأنه على كل حال بينها جامع- و هو الوجود العيني- و هناك فما ثم جامع.
و قد وجد الارتباط بعدم الجامع فبالجامع أقوى و أحق.
و لا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه و افتقاره إلى محدث أحدثه لإمكانه لنفسه. فوجوده من غيره، فهو مرتبط به ارتباط افتقار.
و لا بد أن يكون المستند إليه واجب الوجود لذاته غنيا في وجوده بنفسه غير مفتقر، و هو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث فانتسب إليه.
و لما اقتضاه لذاته كان واجبا به. و لما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شي ء من اسم و صفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث و إن كان واجب الوجود و لكن وجوبه بغيره لا بنفسه.
ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث و ذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه.
فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي .
فلما علمناه بنا و منا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. و بذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا.
فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، و إذا شهدنا شهد نفسه.
و لا نشك أنا كثيرون بالشخص و النوع، و أنا و إن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، و لو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد.
فكذلك أيضا، و إن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، و ليس إلا افتقارنا إليه في الوجود و توقف وجودنا عليه لإمكاننا و غناه عن مثل ما افتقرنا إليه.
فبهذا صح له الأزل و القدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.
فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول. و لهذا قيل فيه الآخر.
فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها.
و إنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، و الأول في عين آخريته .
ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن ، فأوجد العالم عالم غيب و شهادة لندرك الباطن بغيبنا و الظاهر بشهادتنا.
و وصف نفسه بالرضا و الغضب، و أوجد العالم ذا خوف و رجاء فيخاف غضبه و يرجو رضاه.
و وصف نفسه بأنه جميل و ذو جلال فأوجدنا على هيبة و أنس.
و هكذا جميع ما ينسب إليه تعالى و يسمى به.
فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم و مفرداته.
فالعالم شهادة و الخليفة غيب، و لذا تحجب السلطان.
و وصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية و هي الأجسام الطبيعية، و النورية و هي الأرواح اللطيفة.
فالعالم بين كثيف و لطيف، و هو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه .
فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره.
و لكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.
فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق و شهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك.
فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا.
و لهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟
و ما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم و صورة الحق، و هما يدا الحق.
و إبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.
و لهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، و إن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- و إلا فليس بخليفة عليهم. فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم و صوره و أنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.
و لذلك قال فيه «كنت سمعه و بصره» ما قال كنت عينه و أذنه: ففرق بين الصورتين.
و هكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود.
و لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع.
و لو لا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.
و من هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده:
فالكل مفتقر ما الكل مستغن ... هذا هو الحق قد قلناه لا نكني
فإن ذكرت غنيا لا افتقار به ... فقد علمت الذي بقولنا نعني
فالكل بالكل مربوط فليس له ... عنه انفصال خذوا ما قلته عني 
فقد علمت حكمة نشأة آدم أعني صورته الظاهرة.
و قد علمت نشأة روح آدم أعني صورته الباطنة، فهو الحق الخلق. 
و قد علمت نشأة رتبته و هي المجموع الذي به استحق الخلافة.
فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني.
و هو قوله تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء».
فقوله اتقوا ربكم اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، و اجعلوا ما بطن منكم، و هو ربكم،
وقاية لكم: فإن الأمر ذم و حمد: فكونوا وقايته في الذم و اجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين .
ثم إنه سبحانه و تعالى أطلعه على ما أودع فيه و جعل ذلك في قبضتيه:
القبضة الواحدة فيها العالم، و القبضة الأخرى فيها آدم و بنوه. و بين مراتبهم فيه.
قال رضي الله عنه: و لما أطلعني الله سبحانه و تعالى في سري على ما أودع في هذا الإمام الوالد الأكبر.
جعلت في هذا الكتاب منه ما حد لي لا ما وقفت عليه، فإن ذلك لا يسعه كتاب و لا العالم الموجود الآن.
فمما شهدته مما نودعه في هذا الكتاب كما حده لي رسول الله صلى الله عليه و سلم:
موضوعات فصوص الكتاب
حكمة إلهية في كلمة آدمية، و هو هذا الباب. 
ثم حكمة نفثية في كلمة شيئية.
ثم حكمة سبوحية في كلمة نوحية.
ثم حكمة قدوسية في كلمة إدريسية.
ثم حكمة مهيمية في كلمة إبراهيمية.
ثم حكمة حقية في كلمة إسحاقية.
ثم حكمة علية في كلمة إسماعيلية.
ثم حكمة روحية في كلمة يعقوبية.
ثم حكمة نورية في كلمة يوسفية.
ثم حكمة أحدية في كلمة هودية.
ثم حكمة فاتحية في كلمة صالحية.
ثم حكمة قلبية في كلمة شعيبية.
ثم حكمة ملكية في كلمة لوطية.
ثم حكمة قدرية في كلمة عزيرية.
ثم حكمة نبوية في كلمة عيسوية.
ثم حكمة رحمانية في كلمة سليمانية.
ثم حكمة وجودية في كلمة داودية.
ثم حكمة نفسية في كلمة يونسية.
ثم حكمة غيبية في كلمة أيوبية.
ثم حكمة جلالية في كلمة يحياوية.
ثم حكمة مالكية في كلمة زكرياوية.
ثم حكمة إيناسية في كلمة إلياسية.
ثم حكمة إحسانية في كلمة لقمانية.
ثم حكمة إمامية في كلمة هارونية.
ثم حكمة علوية في كلمة موسوية.
ثم حكمة صمدية في كلمة خالدية.
ثم حكمة فردية في كلمة محمدية.
و فص كل حكمة الكلمة التي تنسب إليها. فاقتصرت على ما ذكرته من هذه الحكم في هذا الكتاب على حد ما ثبت في أم الكتاب.
فامتثلت ما رسم لي، و وقفت عند ما حد لي، و لو رمت زيادة على ذلك ما استطعت، فإن الحضرة تمنع من ذلك و الله الموفق لا رب غيره.
و من ذلك:  ).

متن نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي 638 هـ :
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم بارك علي وتممه
1. نقش فص حكمة إلهية في كلمة آدمية :
اعلم أن الأسماء الحسنى تطلب بذواتها وجود العالم .
فأوجد الله العالم جسداً مسوى .
وجعل روحه آدم عليه السلام .
وأعني بآدم وجود العالم الإنساني وعلمه بالأسماء كلها .
فإن الروح هو مدبر البدن بما فيه من القوى.
وكذلك الأسماء للإنسان الكامل بمنزلة القوى .
لهذا يقال في العالم : " إنه الإنسان الكبير " .  ولكن بوجود الإنسان فيه .
وكان الإنسان مختصراً من الحضرة الإلهية .
ولذلك خصه بالصورة فقال : " إن الله خلق آدم على صورته "
وفي رواية : " على صورة الرحمن " .
وجعل الله العين المقصودة من العالم كالنفس الناطقة من الشخص الإنساني . ولهذا تخرب الدنيا بزواله وتنتقل العمارة إلى الآخرة من أجله .
فهو عبد الله ورب بالنسبة للعالم .
ولذلك جعله خليفة وابناءه خلفاء .
ولهذا ما ادعى أحد من العالم الربوبية إلا الإنسان لما فيه من القوة .
وما أحكم أحد من العالم مقام العبودية في نفسها إلا الإنسان .
فعبد الحجارة والجمادات التي هي أنزل الموجودات .
فلا أعز من الإنسان بربوبيته . ولا أذل منه بعبوديته .
فإن فهمت فقد أبنت لك عن المقصود بالإنسان فانظر إلى عزته بالأسماء الحسنى وطلبها إياه تعرف عزته .
ومن ظهوره بها تعرف ذلته . فافهم .
ومن هنا تعلم أنه نسخة من الصورتين : الحق والعالم .
الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص صدر الدين القونوي 673 هـ :
1 -  فك ختم الفص الادمى
1 - واما اختصاص هذه الكلمة الادمية بحضرة الالوهية ، فذلك بسبب الاشتراك من احدية الجمع ، فكما ان الحضرة  الالوهية المعبر عنها بالاسم الله تشتمل على خصائص الأسماء كلها وأحكامها التفصيلية ونسبها المتفرعة عنها اولا والمنتهية الحكم إليها آخرا .
ولا واسطة بينهما وبين الذات من الأسماء - كما هو الامر في شأن غيرها من بيان غير الأسماء بالنسبة إليها اعنى بالنسبة الى الحضرة الإلهية - كذلك الإنسان .
فإنه من حيث حقيقته ومرتبته لا واسطة بينه وبين الحق ، لكون حقيقته عبارة عن البرزخية الجامعة بين احكام الوجوب واحكام الإمكان ، فله الاحاطة بالطرفين .
2 - ولهذا الاعتبار قال رحمه الله فيه : انه الإنسان الحادث الأزلي والنشأة الدائم الأبدي ، فله الاولية والتقدم على الموجودات من هذا الوجه .
3 - واما سر آخريته فمن حيث انتهاء الاحكام والآثار اليه واجتماعها ظاهرا وباطنا فيه ، كانبثاثها  اولا منه وذلك انه لما كان حكم شأن الحق الجامع للشئون كلها وأحكامها دوريا وكان حكم ذلك الشأن ولوازمه من امهات الشئون ايضا كذلك وهي المعبر عنها بمفاتيح الغيب .
ظهر سر الدور في احوال الموجودات وأحكامها وذواتها ، فالعقول والنفوس من حيث حكمها بالأجسام وعلمها ، كافلاك المعنوية ، ولما كانت الأفلاك ناتجة عنها وظاهرة منها ، ظهرت هذا الوصف الاحاطى والدورة صورة ومعنى .
4 - ولما كانت العقول والنفوس متفاوتة المراتب من حضرة الحق بسبب كثرة الوسائط وقلتها وقلة احكام الكثرة في ذواتها وكثرتها ، تفاوتت الأفلاك في الحكم والاحاطة ، فاقربها نسبة الى اشرف العقول أكثرها احاطة وأقلها كثرة والامر بالعكس فيما نزل عن درجة الأقرب - كما ترى لما أشرنا اليه.
5 - ولما كان الامر كذلك في عرصة العقل المنور والشهود المحقق ، اقتضى الامر والسنة الإلهية ان يكون وصول الأمداد الى الموجودات وعود الحكم في الجناب الإلهي المشار اليه في الاخبارات الإلهية والتنبيهات النبوية والمشهود كشفا وتحقيقا ، وصولا وعودا دوريا .
6 - فالمدد الإلهي يتعين من مطلق الفيض الذاتي بالبرزخية المشار إليها ويصل الى الحضرة العقل الأول المكنى عنه بالقلم ثم باللوح ثم العرش ثم الكرسي ثم باقى الأفلاك - فلكا بعد فلك - ثم يسرى في العناصر ثم المولدات وينتهى الى الإنسان منصبغا بجميع خواص كل ما مر عليه .
7 - فان كان الإنسان المنتهى اليه ذلك ممن سلك وعرج واتحد بالنفوس والعقول وتجاوزها بالمناسبة الاصلية الذاتية حتى اتحد ببرزخيته التي هي مرتبة الاصلية ، فان المدد الواصل اليه بعد انتهائه في الكثرة الى اقصى درجات الكثرة وصورتها ، يتصل باحديتها ، اعنى احدية تلك الكثرة الى تلك البرزخية التي من جملة نعوتها الوحدانية التالية الاحدية فيتم الدائرة بالانتهاء الى المقام الذي منه تعين الفيض الواصل الى العقل.
8 - وهذا سر من لم يعرفه ولم يشهده لم يعرف حقيقة قوله تعالى : " وإِلَيْه يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه " 123 سورة هود.
9 - ومن هذا شأنه فهو الذي قيل فيه من حيث صورته العنصرية الاخرية الجامعة : انه خلق في احسن تقويم ، ومن حيث حقيقته : ان اجره غير ممنون ، ومن لم يكن كذلك فهو المنتهى الى اسفل السافلين ، لبعده بكثرته عن أصله الذي هو المقام الوحدانى الإلهي الاولى ، لأنه نزل من اعلى الرتب وهي البرزخية المذكورة الى اقصى درجات الكثرة والانفعال ووقف عندها .
بخلاف الكمل الذين تمت لهم الدائرة ، لأنهم وان انحدروا ، فهم مرتفعون في انحدارهم ، كما قال بعض التراجمة في مدح نبينا صلى الله عليه وسلم :
تخيرك الله من ادم    ..... فما زلت منحدرا ترتقى  
10 - والواقفون في اسفل السافلين ليسوا كذلك ، فإنهم لم يتجاوزوا نصف الدائرة فاعلم ذلك ، فهذا سر اختصاص آدم بالحضرة الإلهية وسبب أوليته من حيث المعنى وآخريته من حيث الصورة وجمعه بين الحقيقة الوحدانية التي هي محتد احكام الوجوب وبين الكثرة التي هي محتد احكام الإمكان ، وانتهاء الامر آخرا الى الوحدانية من حيث انه : ما جاوز الحد انعكس الى الضد .
11 - فتدبر ما سمعت فإنه من لباب المعرفة الإلهية والانسانية ، فإنك ان عرفت ما ذكرنا لك ، عرفت مراتب الأسماء وتفاوت درجاتها وتفاوت درجات الموجودات من حيثها .
وعرفت سر قوله تعالى : " وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها " 31 سورة البقرة .
وان سر الخلافة الجمع بين الوحدة والكثرة ، لكن على الوجه المذكور وعرفت سر الأمداد والاستمداد ، وعرفت سر ظهور المعلولات بصور عللها .
وعرفت سر قوله صلى الله عليه وسلم : ان الله خلق آدم على صورته ، وان تفاوت المدرك في الظهور والحكم لتفاوت الاستعدادات  القابلة ، وعرفت غير ذلك مما يطول ذكره فتدبر ترشد ان شاء الله تعالى.
سر تسمية الأنبياء بالكلمات
12 - واما سر تسمية الأنبياء بالكلمات وكذلك تسمية الحق سبحانه الأرواح بهذا الاسم - بل الموجودات - فموقوف على معرفة كيفية الإيجاد والمادة التي منها وبها وفيها وقع الإيجاد ، وهذا من اعظم العلوم واغمضها وأشرفها وبيانه يحتاج الى فصل بسيط ليس هذا موضعه ، على انه قد ذكرت أصوله في تفسير الفاتحة وفي كتاب النفحات ، وسأذكر هاهنا على سبيل التنبيه ما يحتمل هذا الالماع .
13 -  فأقول : قد كنى الحق سبحانه في الكتب المنزلة عن التأثير الايجادى بالقول ، وهو قوله تعالى : " إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه . . ." 40 سورة  النحل .
14 - فاعلم ان فعل الحق ان كان بذاته بمعنى ان الفعل يليه لما يتوسط بين ذاته وبين المفعول الا نسب معقولة يتميز بتعينها الإطلاق الذاتي عما تعينت به ، كان اسم ذلك الفعل كلاما والظاهر به كلمة ، وان توسط بين الفاعل الحق وبين ما يوجد ، آلة وجودية او صورة مظهرية بعينها ويستدعيها مرتبة المفعول التي هي محل ايقاع الفعل ومنزل نفوذ الاقتدار كان قولا ، لان التأثير الإلهي في
كل مؤثر فيه انما يصدر ويتعين بحسب مرتبة المفعول ، وكذلك الالة والمظهر الذي هو صورة الحيثية التي من جهتها صدر ذلك الموجود .
الحروف الاصلية الإلهية
15 - وإذا عرفت هذا فاعلم ان الحروف الاصلية الإلهية عبارة عن تعقلات الحق الأشياء من حيث كينونتها في وحدانيته ، ونظير ذلك التصور النفساني الإنسان قبل تعينات صورها بعلمه في ذهنه ، وهي تصورات مفردة خالية عن التركيب المعنوي والذهني والحسي ، وهي المفاتيح الأول المعبر عنها بمفاتيح الغيب ، وهي الأسماء الذاتية وامهات الشئون الاصلية التي الماهيات هي من لوازمها ، ونتائج التعقل تعريفاتها.
حضرة الارتسام
16 - والتعقل الثاني تعقل الماهيات في عرصة العلم الذاتي من حيث الامتياز النسبي وهو حضرة الارتسام الذي يشير اليه أكابر المحققين والمتألهين من الحكماء بان الأشياء مرتسمة في نفس الحق .
والفرق بين الحكيم والمحقق في هذه المسألة هو ان الارتسام عند المحقق وصف العلم من حيث امتيازه النسبي عن الذات ، ليس هو وصف الذات من حيث هي ولا من حيث ان علمها عينها .
فتعقل الماهية من حيث افرازها عن لوازمها في حضرة العلم هي حرف غيبى معنوى ، وتعقلها مع لوازمها قبل انبساط الوجود المفاض عليها وعلى لوازمها ، هي كلمة غيبية معنوية .
وباعتبار تعقل تقدم اتصال الوجود بها قبل لوازمها يكون حرفا وجوديا ، وباعتبار انبساط الوجود عليها وعلى لوازمها الكلية تكون كلمة وجودية .
17 - وكما ان تركيب الكلمات في النسخة الانسانية ينشأ من حرفين و ينتهى الى خمسة متصلة ومنفصلة كذلك الامر هناك .
فنظير درجات التركيب هنا الأصول الخمسة المذكورة في ما بعد ، وللنفس الرحمانى السراية في هذه الأصول الخمس وامهات مخارج الحروف الانسانية ايضا خمسة ، وهي :
باطن القلب  - ثم الصدر - ثم الحلق  - ثم الحنك - ثم الشفتان
وهي نظائر مراتب الأصول ، وباقى المخارج يتعين بين كل اثنين من هذه الأمهات . فافهم
العقل الأول
18 - ثم أقول : فابسط الموجودات الذي هو العقل الأول له ضرب واحد من التركيب لا غير وهو ان له ماهية متصفة بالوجود ، فله من احكام الكثرة الامكانية حكم واحد ، وهو انه في نفسه ممكن ، وهو من حيث ما عدا هذا الاعتبار الواحد واجب بسيط ، وكذا شأن بقية العقول من هذا الوجه ، لكن بسبب توسط العقل بينها وبين ذات الحق تزداد حكما واحكاما توجب تعقل كثرة ما في مرتبتها ، لكن ليست كثرة وجودية تفضي بان يحكم عليها بالتركيب .
19 - واما النفوس الفلكية : ففي ثالث مرتبة الوجود الواحد ثم يتنازل الامر في التركيب الى خمس مراتب ، فالذي يلي النفوس الأجسام البسيطة ، ثم المرتبة الخامسة الأجسام المركبة ، فهذا هي الأصول المشار إليها من قبل .
20 - وقد روعي هذا الترتيب الايجادى هذا في كل كلام الهى ينزل : فحرف ثم كلمة ثم آية ثم سورة ، والكتاب جامعها .
21 - واما الكتب ، فهي من حيث الأمهات ايضا أربعة كالاجناس :
التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وجامعها القرآن.
22 - ولما كانت الحيازة للإنسان لجمعيته احكام الوجوب الكلية والاحكام الامكانية سمى كتابا ، وتفاوت حيطة الكتب وما تضمنه يشهد ويوضح سر تفاوت الأمم المنزلة هي عليها ، وسر الرسول المبلغ ما انزل إليهم .
فاعلم ذلك تعرف سر تسمية الأنبياء بالكلمات ، وكذلك سر تسمية الأرواح والموجودات بها ولهذا الأصل فروع كلية :
منها : ما ذكرته في التفسير .
ومنها : ما ذكرته في مفتاح غيب الجمع وتفصيله .
ومنها : ما ذكرته في النفحات فمن أراد الاحاطة بأكثر اصول هذا العلم فليجمع الى هذا الأصل ما تقدم ذكره يستشرف على علوم غزيرة غامضة شريفة جدا .
والله المرشد والهادي .


كلمات و مصطلحات وردت في فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية وفى كتاب فصوص الحكم :
قبل ان نبدأ فى السفر في هذه الأسفار وجب التعرف على الحقائق التي عليها أهل الكشف العارفين بالله فنحن الأن على شاطئ بحر الإحسان والإبحار فى مقام الإحسان من الرسالة المحمدية الخاتمة وقف على ساحله ، المرسلين والأنبياء وتابعيهم بإحسان فيمن كانوا قبلنا.
و مقام الإحسان شرطه أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن "فنيت فى الله بالكلية" تراه فإنه يراك "بسمعه وبصره ولسانه ويده ورجله ...".
فإعلم أن الإحسان ليس هو الإيمان ولكنه يحتويه وكذلك الإحسان ليس هو الإسلام ولكنه يحتويه.
فالإسلام يكفيه شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله و الصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا.
فينجو من النار ويدخل الجنة . والإحسان ليس كذلك لأنه العلم بالله من الله تعالى والنظر به والسمع به والتكلم به السعي به والبطش به "الحديث". والتعليم المباشر من الله تعالى كما علم الخضر عليه السلام فتؤتي رحمة وعلما وحكمة وترى ما لا يراه الناظرون
الإسلام ليس هو الإيمان : "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (15) الحجرات.
والإيمان ليس هو الإحسان يتولاك الله بالتربية فيه  "فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا " (48) الطور ،  "وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)" طه
فالإحسان مقام التحقيق و التمكين والتمليك بحقائق ومعارف قول الله تعالى : "وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) سورة الشورى".

1 - عن الخلق 
تقول الدكتورة سعاد الحكيم عن ملامح ( الخلق ) عند الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:
" أبرز ملامح الخلق عند حكيم مرسيه نلخصها في النقاط التالية :
1. إن الخلق ليس من العدم ، بل من وجود علمي إلى وجود عيني ، فـ ( الله خالق ) في فكر الشيخ ابن العربي  تعني أن الله يظهر أو يخرج الأعيان الثابتة إلى الوجود الظاهر المحسوس الخارجي ، وهذا لله وحده فليس في طاقة مخلوق أن تتعلق إرادته باظهار الأعيان الثابتة .
2. إن الخلق لم يحدث في زمن معين بل هو دائم مع الأنفاس ، فالحق لا يزال دائما أبدا خالقا والعالم لا يزال دائما أبدا فانيا .
3. إن فعل الخلق لا يستدعي اثنينية الخالق والمخلوق ، ومن هنا استبدل الشيخ الشيخ ابن العربي بلفظ ( خلق ) عبارات وتمثيلات حاول ان يشرح فيها تلك العلاقة بين وجهي الحقيقة الواحدة ، فنراه أحيانا يلجأ إلى النور والظلال ، إلى الصور والمرايا ، إلى الظاهر والمظاهر .
كل ذلك ليسكب تلك الأثنينية المشهودة في الحس والمتوهمة في وحدة إيمانية أو شهودية كشفية .
فالخلق هو : تجلي الحق في صور العالم ، فهو الظاهر في كل مظهر .
"فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) سورة البقرة ، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) سورة القصص "

4. نظر الشيخ الشيخ ابن العربي إلى لفظ الخلق من وجوه أربعة :
أ. الخلق = خلق إيجاد : وهو تعلق الإرادة بإظهار عين المراد إظهاره .
ب. الخلق = خلق تقدير : وهو تعيين الوقت لإظهار عين الممكن .
ج. الخلق = فعل الخلق .
د. الخلق = اسم ، بمعنى المخلوق ، وهو أحد وجهي الحقيقة الواحدة : حق خلق ، وهو يمثل كل صفات الانفعال والتأثر والفقر والمعلولية في مقابل كل صفات الفعل والتأثر والغنى والعلية ( حق ) كما أن كل مخلوق له بعد واحد هو بعد الخلق أي المخلوق ما عدا الإنسان فإنه يتميز ببعدين : خلق وحق فهو خلق حق .

يقول الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي عن حقيقة إخراج الخلق:
" الله لم يخرجنا من العدم المحض المطلق ، بل من وجود لم ندركه إلى وجود أدركناه .

تقول الدكتورة سعاد الحكيم الخَلق الجديد عند الشيخ ابن العربي :
" إن تصور الشيخ الأكبر للعالم ، تصور حي حركي يضاهي التصورات العلمية الحديثة بعد استكشاف الذرة وحركتها الدائمة ، فالعالم يفنى ويخلق في كل لحظة خلقا أزليا أبديا . "بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ" (15) سورة ق

أما المقدمات التي ألزمت الشيخ ابن العربي بهذه النتيجة فهي :
أولا : أن لكل ظهور في العالم أصلا إلهيا .
والأصل الإلهي القائل : " كل يوم هو في شأن " يستدعي التغير والتبدل والتحول المستمر في صور الكائنات .
كما أن الأصل الإلهي الثاني : الوسع الإلهي ، يقتضي أن لا يتكرر تجل أصلا ، فكل تحول يحدث نتيجة الأصل الأول يؤدي إلى ( مثل ) نتيجة الأصل الثاني .
وثمة أصل ثالث إلهي يقول : إن الله خالق على الدوام ، وهذا يستدعي مضافا إلى الأصلين السابقين : دوام ، تحول صور الكائنات إلى أمثالها .
ثانيا : أما من ناحية الممكنات فقد ساعدت صفاتها الخاصة على تحقق الأصول الثلاثة المتقدمة وتتلخص هذه الصفات بـ:
أ. إن الممكنات والأعيان الثابتة لا تزال في العدم ما شمت رائحة الوجود ، ودوام ظهورها في الحس يقتضي دوام إيجادها في كل لحظة ؛ لأنها فانية معدومة دائما.
ب. إن الممكنات لها الافتقار الذاتي ، فلو استمرت زمنين لاتصفت بالغنى عن الخالق ، وذلك ينافي التفرقة التي شدد عليها الشيخ ابن العربي بين الصفات الذاتية للحق وللخلق ، فالخلق له دوام الافتقار إلى الإيجاد والظهور .
ثالثا : إن التفرقة بين الحق والخلق هي تفرقة اعتبارية محضة ، فالوجود واحد هو الحق الذي يتجلى في كل لحظة فيما لا يحصى عدده من الصور .
إذن : إن الخلق في تغير دائم مستمر أو هو على الدوام في خلق جديد ، بمعنى أن التجلي الإلهي الدائم لم يزل ولا يزال ، ظاهرا في كل آن في صور الكائنات ، وهذا الظهور مع كثرته ودوامه لا يتكرر أبدا ، فالمخلوقات في كل لحظة تفنى أي تذهب صورتها لتظهر مثليتها في اللحظة التالية ، ويجب ألا نقول بوجود فاصل أو انفصال زمني ، بل زمان ذهاب الصورة هو عين زمان وجودها الجديد ، وهذا الخلق الجديد يلتبس على غالبية المخلوقات فيظنون المثل الظاهر في اللحظة الثانية هو عين الأول ، ولا يخلص من هذا اللبس إلا أهل الكشف .

يقول الشيخ عبد القادر الجزائري في الفرق بين الخلق التقديري والخلق الإيجادي:
" ثم بعد ما أوجد الله تعالى الأرواح العالية إيجادا عينيا شهاديا .
عين الله تعالى مرتبة الطبيعة .
ثم عين بعدها مرتبة الهباء ، وهو المسمى بالهيولى في اصطلاح الحكماء .
ثم عين تعالى بعدها مرتبة الجسم الكل .
ثم عين الشكل الكل .
وهذه الأربعة يطلق عليها اسم : الخلق التقديري ، لا الخلق الإيجادي .
فإنها غير موجودة في أعيانها ، وإنما هي أمور كلية معقولة كالأسماء الإلهية ، ومعنى قولنا في هذه الأربعة أنه تعين كذا ثم كذا : أنه تعالى لو أوجدها في العيان لكانت هذه مراتبها مرتبة كما ذكرناها .

يقول الباحث محمد غازي عرابي :
" تنازعوا في الخلق :   فقالوا : من عدم . وقالوا : من وجود أولي هيولي .
وقال العارفون المحققون : الأمر أيسر من هذا وذاك ، فكما تعطي الشجرة ثمرها كذلك ينتج الخلق عن الله . فالفصل غير وارد ما دامت الثمار على الشجرة .
و أقول :
قال تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) الأنعام
قال تعالى : قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) سورة طه
قال تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) سورة الفرقان

وقالوا : الخلق فعل إلهي في ديمومة ، فكأنما ذاته تقتضي أن تبرأ وتظهر بلا إيجاد من عدم ولا إيجاد من وجود ، بل تتشكل من مادة تكون هيولي ، ثم تتكون ، ثم تعود هيولي في حلقة ليس لها بداية ولا نهاية "كالدائرة" . هكذا تحقيق الأمر عند الشيخ ابن العربي ...
فالله  يدبر الأمر في دوائر فلا عدم مطلق ولا فناء مطلق ولا خلق ولا إخراج ، إذ في كل هذا فصل دون وصل  . ووصل دون فصل .
إذ ليس في الدائرة ثمة فصل ولا وصل وإن كانت كل نقطة في الدائرة قائمة بذاتها مكتملة المعالم والأركان.

يقول الشيخ الحسين بن منصور الحلاج في أصول خلق الخلق:
" خلق الله تعالى الخلق فاعتد لها على أربعة أصول :
1 - الربع الأعلى إلهية .
2 - والربع الآخر آثار الربوبية .
3 - والربع الآخر النورية بين فيها التدبير والمشيئة والعلم والمعرفة والفهم والفطنة والفراسة والإدراك والتمييز ولغات الكلام.
4 - والربع الآخر الحركة والسكون .

يقول الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي في أنواع الخلق:
" يقول الله : " أفمن يخلق كمن لا يخلق " ، فخلق الناس التقدير ، وهذا الخلق الآخر الإيجاد .

ويقول الشيخ نجم الدين الكبرى في أنواع الخلق:
" ستة أنواع من المخلوقات وهي : الأرواح والأشباح والنفوس والقلوب والأسرار وسر الأسرار .
فلا مخلوق إلا وهو داخل في جملتها .

ويقول الشيخ حسين الحصني في أنواع الخلق:
" الخلق خلقان : خلق تقدير وخلق إيجاد ، والأمر جبروت بينهما برزخ لا يبغيان"

ويقول الشيخ عبد القادر الجزائري في أنواع الخلق:
" قال تعالى : " الله خالق كل شيء " ، الخلق خلقان:
خلق تقدير منفك ، عن الإيجاد ، وهو المشار إليه بقوله : " وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " ، أي : قدرتك في العدم ، ولم تك شيئا مقدرا ثابتا في مرتبة الثبوت ، العارية عن الوجود ...
والخلق الثاني مقرون بإيجاد خارجي ، وهو المشار إليه بقوله : " ما غرك بربك الكريم . الذي خلقك فسواك فعدلك " .

يقول الشيخ نجم الدين الكبرى عن أطوار الخلق:
" الله تعالى خلق الخلق أطوارا :
فخلق طورا منها للقرب والمحبة : وهم أهل الله وخاصته إظهارا للحسن والجمال وكانوا به يسمعون كلامه وبه يبصرون جماله وبه يعرفون كماله .
وخلق طورا منها للجنة ونعيمها ، إظهارا للطف والرحمة ، فجعل لهم قلوبا يفقهون بها دلائل التوحيد والمعرفة وأعينا يبصرون بها آيات الحق .
وخلق طورا منها للنار وجحيمها : وهم أهل النار ، إظهارا للقهر والعزة ، أولئك كالأنعام لا يحبون الله ولا يطلبونه بل هم أضل ، لأنه لم يكن للإنعام استعداد الطلب والمعرفة ، وأنهم كانوا مستعدين للمعرفة والطلب ، فأبطلوا الاستعداد الفطري للمعرفة الطلب : بالركون إلى شهوات الدنيا ، وزينتها ، واتباع الهوى ، فباعوا الآخرة بالأولى ، والدين بالدنيا ، وتركوا طلب المولى ، فصاروا أضل من الأنعام لإفساد الاستعداد ، أولئك هم الغافلون عن الله .

يقول الشيخ عبد الوهاب الشعراني في أقسام الخلق:
" الخلق كلهم قسمان أما أهل نظر واستدلال وأما أهل كشف وعيان ".

ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي في أقسام الخلق:
" الخلق جميعا على قسمين : موجود ومعدوم .
والمعدوم على قسمين : معدوم وجد ثم انعدم ، ومعدوم لم يوجد بعد .
والمعدوم الذي وجد ثم انعدم على قسمين :
معدوم حضر وقت وجوده.
ومعدوم لم يحضر وقت وجوده ، بل هو سابق عليه بأزمان طويلة ، فيعتقد في المعدوم الذي وجد ثم انعدم ولم يحضر وقت وجوده .

والمعدوم الذي لم يوجد بعد : إن مفعول هذين القسمين غيب عنه ، غير محكوم عنده بشيء من أحوالهما إلا ما أخبره به الصادق في القرآن أو حديث ، من إيمان أو كفر ، أو طاعة أو معصية ، أو ضلال أو هداية ، ونحو ذلك كأحوال الأمم الماضين في إيمانهم وتكذيبهم بالمرسلين.
وكأحوال ما سيحدث في الدنيا من أمور الخلق عند خروج الدجال ودابة الأرض.
وأما القسم الموجود من الخلق ، فعلى قسمين : مكلفين ، وغير مكلفين .

يقول الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي عن أجناس الخلق:
" الخلق ... على ثلاثة أجناس :
جنس من الخلق مآلهم إلى أثر الفعل الإلهي : وهو النور ، ومنه الحور والقصور والفرح والسرور ...
وجنس منهم مآلهم إلى الفعل الإلهي ، ومنه معرفة صفات الله تعالى والعلم بالموصوف والمذكور .
وجنس منهم مآلهم إلى الفاعل المختار ، فهم أهل الله وأهل بيته وآله ، فهم أهل النظر إلى وجهه الكريم .
وأهل النظر : أهل السعة الإلهية ، وأهل روح الله وبركاته ، وأهل تحياته وسلامه .

يقول الشيخ نجم الدين الكبرى " إن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أصناف :
صنف منها الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني ، وجعل غذاءهم من جنس الذكر ، وخلقهم للعبادة .
وصنف منها الحيوان الجسماني السفلي الكثيف الظلماني ، وجعل غذاءهم من جنسهم الطعام ، وخلقهم للعبرة والخدمة .
وصنف منها الإنسان المركب من الملكي الروحاني والحيواني الجسماني ، وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيهم الذكر ولجسمانيهم الطعام ، وخلقهم للعبادة والمعرفة .
فمنهم : ظالم لنفسه ، وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته ، فبالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت حيوانيته " أولئك كالأنعام بل هم أضل " ..
ومنهم : مقتصد ، وهو الذي تساوت روحانيته وحيوانيته ، فغذى كل واحدة منهما غذاءها " خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ".
ومنهم : سابق بالخيرات ، وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته ، فبالغ في غذاء روحانيته ، وهو الذكر وقصر في غذاء حيوانيته ، وهو الطعام حتى ماتت نفسه واستوت قوى روحه : " أولئك هم خير البرية " .

يقول الشيخ أبو بكر الكلاباذي في خلق أفعال العباد:
" أجمعوا على أن الله تعالى ، خالق لأفعال العباد كلها ، كما أنه خالق لأعيانهم ، وأن كل ما يفعلونه من خير أو شر فبقضاء الله وقدره ، وإرادته ومشيئته ، ولولا ذلك لم يكونوا عبيدا ولا مربوبين ولا مخلوقين ، وقال جل وعز : " قل الله خالق كل شيء " ...
فلما كانت أفعالهم أشياء ، وجب أن يكون الله خالقها ، ولو كانت أفعال غير مخلوقة لكان الله جل وعز خالق بعض الأشياء دون جميعها ."

يقول الشيخ أبو العباس التجاني :
" ما خلق الله لنفسه إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، والباقي من الوجود كله مخلوق لأجله معلل بوجوده .
لولا أنه خلق سيدنا محمد ما خلق شيئا من العوالم ، فبان لك أن الوجود كله مخلوق لأجله .

يقول الشيخ عبد القادر الجزائري في أن المخلوق مرآة الخالق:
" يقال في العلم الإلهي : المخلوق مرآة الخالق - تعالى - يرى فيها أسماءه ، أو قل : يرى ذاته متعينة ببعض أسمائه . والخالق تعالى النور الوجود مرآة المخلوق ، يرى المخلوق صورته في مرآة الوجود النور- تعالى - فإنه كالمرآة لظهور صورة المخلوق به.


يقول الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي في حكمة خلق الخلق:
" خلق الله الخلق ليكمل مراتب الوجود ، وليكمل المعرفة في الوجود أي ليكمل وجود تقاسيم المعرفة ، فخلق الخلق ليعرفوه ... فبقي من مراتب المعرفة أن يعرفه الكون فتكمل المعرفة ، فأوجد الخلق وأمرهم بالعلم به ، وكذلك الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث ، فلو لم يخلق الكون ما كملت مراتب الوجود .

يقول الشيخ أبو بكر الواسطي في حكمة خلق الدنيا:
" الله تعالى خلق الدنيا إظهارا لقدرته .

يقول الشيخ ابن عطاء الأدمي في حكمة خلق العرش:
" خلق تعالى العرش إظهارا لقدرته لا مكانا لذاته .

يقول الغوث الأعظم عبد القادر الجيلاني في تأويل قوله تعالى : "ثم أنشأناه خلقا آخر ":
" الخلق الأول مشترك . وهذا الخلق مفرد .
يفرده عن إخوانه وأبناء جنسه من بني آدم يغير معناه الأول ويبدله ، يصير عاليه سافله ، يصير ربانيا روحانيا يضيق قلبه عن رؤية الخلق ، وينسد باب سره عن الخلق ، يصور له الدنيا والآخرة والجنة والنار وجميع المخلوقات والأكوان شيئا واحدا ، ثم يسلم ذلك الشيء إلى يد سره فيبتلعه ولا يتبين فيه : يظهر فيه القدرة كما أظهرها في عصا موسى عليه السلام ."

يقول الإمام القشيري :
" وإنما يمتاز العوام عن البهائم بسوية الخَلق ، ويمتاز الخواص عن العوام بسوية الخُلق ."

يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي :
وما الخلق في التمثال إلا كثلجة    ..... وما الثلج في تحقيقنا غير مائه
ولكن يذوب الثلج يرفع حكمه ......     تجمعت الأضداد في واحد إليها
وأنت بها الماء الذي هو تابع ......     وغير أن في حكم دعته الشرائع
ويوضع حكم الماء والأمر واقع  ..... وفيه تلاشت وهو عنهن ساطع

يقول الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي :
" حق الخلق : هي عبوديته ، فنحن عبيد وإن ظهرنا بنعوته ، وهو ربنا وإن ظهر بنعوتنا .

يقول الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي في الفرق بين عالم الخلق وعالم الأمر:
" عالم الأمر ما وجد عن الله لا عند سبب حادث ، وعالم الخلق ما أوجده الله عند سبب حادث ، فالغيب فيه مستور" .

يقول الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي عن الخُلق الإلهي :
" لكل جزء من الأرض روحانية علوية تنظر إليه ، ولتلك الروحانية حقيقة إلهية تمدها ، وتلك الحقيقة هي المسماة : خُلقا إلهيا".

.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الخميس 13 يونيو 2019 - 10:06 عدل 15 مرات
عبدالله المسافر
عبدالله المسافر
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 1918
الموقع : https://almossafer1.blogspot.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

https://almossafer1.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي :: تعاليق

مُساهمة في الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 17:12 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الحادي والعشرون الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الحادي والعشرون :الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه.)
(ولما)، أي حين (اقتضاه)، أي اقتضى واجب الوجود لهذا الإنسان الحادث بمعنی طلبه من الأزل (لذاته)، حتى يصير بسبب ذلك موصوفة عند ذاته بالأوصاف
كان ذلك الإنسان الحادث (واجب) وجوده (به)، أي بمن اقتضاه لذاته وهو واجب الوجود.
(ولما كان استناده)، أي استناد هذا الإنسان الحادث (إلى من ظهر عنه لذاته)، وهو الواجب الوجود (اقتضى) الأمر بالضرورة (أن يكون) هذا الإنسان (على صورته)، أي على صورة واجب الوجود.
ثم بين وجه كونه على صورته بقوله : (فيما)، أي في كل أمر (ينسب إليه تعالى) نسبة صادرة (من) جهة (كل شيء) وكل شيء هو هذا الإنسان الحادث كبيرا كان وهو المسمى بالعالم، فإن الإنسان الكبير كما سبق أو صغيرا وهو الإنسان الصغير وهو آدم وبنوه إلى يوم القيامة .
ثم بين الذي ينسب إليه تعالى من كل شيء بقوله : (من اسم) کالقادر والخالق (وصفة) كالقدرة والتخليق وغير ذلك مما فصلناه في عقائد أهل البداية (ما عدا الوجوب)، أي وجوب الوجود (الذاتي).
أي الذي لله تعالى من ذاته لا من غيره (الخاص) به تعالی (فإن ذلك لا يصح في) الإنسان (الحادث) أبدا.
(وإن كان) الإنسان الحادث (واجب الوجود) أيضا كما ذكرنا (ولكن وجوبه)، أي وجوب وجوده (بغيره لا بنفسه) .
فهو من جهة كون الإنسان وجوده واجبا على صورة الواجب الوجود الذاتي، ومن جهة كون وجوب وجوده بغيره ليس على صورته .
واعلم أن هذا الاقتضاء الذي اقتضاه واجب الوجود الذاتي لهذا الإنسان الحادث الذي هو واجب الوجود بغيره.
إنما هو اقتضاء ذاتي كما ذكر، والاقتضاء الذاتي هو طلب الذات حضورها عندها بطلبه هو عين ذاتها خارج عن أوصافها مثل اقتضائها لأوصافها.
فإن ذلك الاقتضاء ليس من جملة أوصافها بل هو ذاتها، وإلا لكانت أوصافها حادثة لها، لأنها مطلوبة لها حينئذ وليس كذلك بل هي قديمة أزلية .
ثم إن هذا الاقتضاء الذاتي الذي هو طلب الذات حضورها عندها اقتضى انقسام الذات إلى طالب ومطلوب وحاضر ومحضور.
ولا شيء غير الذات المقدسة فانقسمت بالضرورة إلى طالب ومطلوب وحاضر ومحضور.
وكل أمرين متقابلين لا بد أن يكون بينهما أمر ثالث فاصل بينهما ليتميز كل أمر منهما عن الآخر.
فيتم ذلك الاقتضاء المذكور، فظهرت الأوصاف الإلهية والأسماء الذاتية التي لا يبلغها العد والإحصاء من بين هذين الحضرتين القديمتين :
حضرة الطالب وحضرة المطلوب. والحاضر والمحضور.
فوصف بها الطالب باعتبار المطلوب، ووصف بها المطلوب باعتبار الطالب .
فظهر المطلوب على صورة الطالب باعتبار اتصافه بهذه الأوصاف، مع تباين الطالب والمطلوب بالنظر إلى ذات كل واحد منهما. وإن كانا كلاهما ذاتا واحدة في الحقيقة.
ولكن أين الطالب من المطلوب؟ . . وأين الفاعل من المفعول؟
فإن الأوصاف التي هي البرزخ الفاصل بين الحضرتين وإن اتصف بها كل واحد من الطالب والمطلوب حتى كان كل واحد منهما على صورة الآخر.
ولكن هي منسوبة إلى من اتصف بها، فحيث اتصف بها الطالب فهي أوصاف طالبية.
وحيث اتصف المطلوب فهي أوصاف مطلوبية، وهي على كل حال صورة واحدة اقتضتها الذات الواحدة لحضرتيها المذكورتين .
وهذا معنی اقتضاء واجب الوجود لذاته، أن يكون هذا الإنسان الحادث على صورته في كل اسم وصفة له تعالی مطلقا ما عدا الوجوب الذاتي الخاص.
فإن هذه الأوصاف إذا نسبت إلى هذا الطالب من حيث هو طالب بقي المطلوب معدوما.
إذ هو عین ذات الطالب وقد كان طالبا، واشتغل بالطالبية باعتبار اتصافه بالأوصاف المذكورة.
فلا مطلوب حينئذ، فإذا وجد باعتبار اتصافه بالأوصاف مشتقة من أوصاف الطالب المذكورة انقسمت الذات إلى طالب ومطلوب كما ذكرنا.
وانقسمت الأوصاف أيضا كذلك إلى أوصاف الطالب الأصلية وأوصاف المطلوب الفرعية.
بقي الطالب واجب الوجود لذاته والمطلوب واجب الوجود لغيره.
وذلك الغير هو الطالب فافترقا من هذا الوجه فقط واشتركا في جميع الأوصاف المذكورة ما عدا هذا الوجه فقط .
وكانت أوصاف الطالب قديمة وأوصاف المطلوب حادثة.
ولا شك أن صورة الشيء هي مجموع أوصافه وأسمائه فقط إلا ذاته.
فلهذا كان المطلوب على صورة الطالب، والطالب هو الحق تعالی والمطلوب هو الإنسان الحادث .
والظاهر الطالب هو الإنسان الحادث، لأنه المطلوب، والباطن عن المطلوب هو الحق تعالی، لأنه الطالب له، والله أعلم وأحكم.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه.)
(ولما اقتضاه) أي اقتضى الواجب الوجود هذا الحادث.
قوله : (لذاته) متعلق باقتضی (كان) الحادث (واجبة به) أي بالواجب الوجود والاقتضاء ههنا بمعنى الإعطاء لا بمعنى الإيجاب.
كما قال الذي أعطى الوجود أو بمعنى الإيجاب بحسب تعلق الإرادة (ولما كان استناده) .
أي الحادث قوله : (إلا من ظهر عنه) متعلق بالاستناد قوله : (لذاته) متعلق بیان (اقتضى) الحادث اقتضاء ذاتية أن يكون أي أن يتكون ويوجد (على صورته) أي على صفة موجودة (فيما ينسب) الحادث (إليه) إلى موجوده (من كل شيء من اسم وصفه ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح للحادث) .
وإلا لكان واجبة لا حادثة، وإن كان واجب الوجود (ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه) وإلا لم يكن ممكنا بل واجبا بالوجوب الذاتي.


شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شي ء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه.)
فما أرى أن فيه ما يحتاج إلى الشرح لأن عبارة الشيخ فيه وافية بالمقصود وليس هو مما يحتاج إلى الذكر الجلي بل هو من مدركات أفهام الناس


شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه.)
قال رضي الله عنه : " ولمّا كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته ، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة " .
يعني : من حيث اقتضائه أن يكون على صورته بحيث لا يخرج الاسم والصفة من حقيقتها الخاصّة ، وإن أوجبت الإضافة نعتا ، ليس لها بالفعل ، بل بالصلاحية وبشرط الإضافة كما ذكر في حقيقة العلم والحياة .
قال رضي الله عنه : "ما عدا الوجوب الذاتيّ فإنّ ذلك لا يصحّ في الحادث وإن كان واجب الوجود ، ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه ".
يعني رضي الله عنه :
لمّا كان العبد على صورة سيّده ، وجب أن يكون واجبا ، ولكن وجود العبد ووجوبه مستفاد من الواجب بذاته الموجب لوجود هذا الحادث ، فما له قدم في الوجوب الذاتي لكون وجوب وجود العبد لا بذاته لا بذات مطلقة منها ذاته ، أو وجود مطلق منه وجوده .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه.)
معناه ولما اقتضى الواجب لذاته الممكن لذاته كان الممكن لذاته واجبا به معدوما في حد نفسه مستندا إليه في وجوده وعينه لأنه الذي أعطى عينه من ذاته ثم وجوده من اسمه النور .
فاستناده إلى الواجب الذي ظهر عنه لذاته اقتضى أن يكون على صورته في كل ما ينسب إلى ذلك الممكن من اسم وصفة وأي شيء كان لأن أصله العدم .
فاستند إلى الواجب في عينه وكل ما يتبع عينه من صفاته ووجوده وذلك صمديته تعالى أو في كل ما ينسب إلى الواجب والمراد بالممكن كل ما للواجب الصمد إلا الوجوب الذاتي وإنما قيد الوجوب بالذاتي لأنه ما لم  يجب لم يوجد لكنه واجب به لا بنفسه

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه.)
قوله رضي الله عنه : "إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شئ، من اسم وصفة، ما عدا الوجوب الذاتي، فإن ذلك لا يصح للحادث وإن كان واجب الوجود, ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه"
أي، اقتضى هذا الاستناد أن يكون الحادث على صورة الواجب، أي، يكون متصفا بصفاته وجميع ما ينسب إليه من الكمالات ما عدا الوجوب الذاتي، وإلا لزم انقلاب الممكن من حيث هو ممكن واجبا وذلك لأنه اتصف بالوجود والأسماء والصفات لازمة للوجود فوجب أيضا اتصافه بلوازم الوجود وإلا لزم تخلف اللازم عن الملزوم.
ولأن المعلول أثر العلة، والآثار بذواتها وصفاتها دلائل على صفات المؤثر وذاته، ولا بد أن يكون في الدليل شيء من المدلول، لذلك صار الدليل العقلي أيضا مشتملا على النتيجة: فإن إحدى مقدمتيه مشتملة على موضوع النتيجة، والأخرى على محمولها، والأوسط جامع بينهما.
ولأن العلة الغائية من إيجاد الحادث عرفان الموجد، كما قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
والعبادة تستلزم معرفة المعبود ولو بوجه، مع أن عباس، رضى الله عنه، فسرها هنا بالمعرفة. ولا يعرف الشيء إلا بما فيه من غيره، لذلك قال، عليه السلام، حين سئل:" بم عرفت الله؟ عرفت الأشياء بالله." أي، عرفته به أولا، ثم عرفت به غيره.
ولما كان وجوده من غيره،صار أيضا وجوبه بغيره. وغير الإنسان من الموجودات، وإن كان متصفا بالوجود، لكن لا صلاحية له لظهور جميع الكمالات فيه، كما مر في أول الفص.
وقوله: "لذاته" يجوز أن يكون متعلقا ب "الاستناد". أي، ولما كان استناد الحادث إلى من يوجده لذات الحادث، اقتضى أن يكون على صورة موجده.
ويجوز أن يكون متعلقا بـ "ظهر" وعلى هذا ضمير "لذاته" يجوز أن يعود إلى "من" ويجوز أن يعود إلى "الحادث".
وعلى الأول معناه: لما كان استناد الحادث إلى موجد ظهر الحادث عنه لاقتضاء ذات الموجد إياه، اقتضى أن يكون علىصورته، وعلى الثاني، ظهر لاقتضاء ذات الحادث الموجد إياه.
والله أعلم.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شي ء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه.)
ثم أشار إلى وجه ارتباط الواجب بالمحدث بظهوره فيه. فقال رضي الله عنه : (ولما كان استناده) أي: الحادث (إلى من ظهر) الحادث (عنه لذاته) بلا واسطة أمر آخر حتى يقال : يحتمل أخذ صورة الواسطة المغايرة لصورة الأصل (اقتضى) استناده إليه لذاته (أن يكون) هذا الحادث (على صورته)؛ لأن صورة الفرع تابعة لصورة الأصل على ما هو العادة المشهورة.
فالحادث شارك الحق في الصورة الوجودية، ولوازمها مشاركة صورة الإنسان الظاهرة في المرأة للإنسان المجازي لها.
وليس المراد الاشتراك في الصورة الحسية بل المراد في الصورة المعنوية، وهو الاشتراك بينهما (فيما ينسب إليه) أي: إلى من ظهر عنه (من كل شيء من اسم) دال على الذات وحده، ومع صفة (وصفة ماعدا) الوصف الذي هو
(الوجوب الذاتي؛ فإن) ظهور (ذلك لا يصح في الحادث)؛ لأن لازمه هو الافتقار الذاتي ينافي هذا الوصف، (وإن كان) الحادث، إنما (واجب الوجود) من حيث إن موجده أوجب له الوجود، وإن وجوده ضروري حال كونه موجودا، وهي الضرورة المسماة بالضرورة لشرط المحمود (لكن وجوبه بغيره لا بنفسه)، فليس هذا الوجوب لوجود الحادث صورة للوجوب الذاتي الذي هو وصف الحق، بل غايته أنه صورة للوجوب من حيث أنه وجوب في الجملة.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شي ء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه.)
فأشار إلى هذا بقوله رضي الله عنه : ( ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به ) .
ومنها : إنّ استناد الممكن في الافتقار والاستفاضة لما كان إلى الواجب الظاهر هو عنه لذاته ، اقتضى أن يكون الممكن مثله في جميع ما نسب إليه إلَّا الوجوب الذاتي ، وذلك لأنّ ما ظهر عن المبدء لذاته لا بدّ وأن يظهر المبدء به بذاته ، ويكون مظهرا لها بجميع مقتضياتها ، وإلَّا ما كان ظاهرا عن المبدء لذاته ، بل بواسطة ما ظهر به من المقتضيات .
كما يطلعك على ذلك ظهور الكلام الجامع للكل عن الإنسان من حيث الجمعيّة الكماليّة التي له وإلى ذلك أشار بقوله : ( ولمّا كان استناده إلى ما ظهر عنه لذاته اقتضى أن يكون على صورته ، فيما ينسب إليه من كلّ شيء من اسم وصفه ، ما عدا الوجوب الذاتي ، فإنّ ذلك لا يصحّ في الحادث ) للمنافاة الضروريّة بين الضرورة الذاتيّة والإمكان الذاتي ، فالحادث بحسب وجوده الموجود به ( وإن كان واجب الوجود ، ولكن وجوبه بغيره ، لا بنفسه ) .
فلئن قيل : سائر ما في الحادث من الصفات كذلك ليست عين ما في الواجب - كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها - ضرورة أنّ الحادث حاكم عليها بالحدوث كما مرّ ، فما وجه تخصيص الوجوب بذلك ؟
قلنا: هو أنّ الحادث يمكن اتّصافه بسائر تلك الصفات بالذات ، دون الوجوب ، فإنّه لا يتّصف به إلَّا بملاحظة نسبته إلى الواجب ، وذلك لأنّ الوجوب طرف ظاهريّة الوجود ، وليس للممكن منها نصيب كما عرفت .
ثمّ لمّا مهّد هذا الأصل ، يشير إلى ما يتفرّع عليه من الأحكام ، مؤيّدا بما في التنزيل من الآيات الدالَّة عليها ، تأسيسا لذلك الأصل وتشييدا لما يبتنى عليه من أمر امّهات الأسماء التي هي بمنزلة المبادئ للمسائل المبحوث عنها في هذه الحكمة على ما عرفت .
أعني الإضافيات الأربع التي لها الإحاطة بجميع الأسماء الإلهيّة منها والكونيّة والدلالة على سائر الطرق التنزيهيّة منها والتشبيهيّة .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد المتوفي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شي ء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه.)
قوله : "و لما اقتضاه لذاته كان واجباً به. "
(ولما اقتضاه) أي الواجب الحادث لذاته.
أي التجلي ذاته المتجلية السارية فيه (كان واجبة به) في وجوب المعلول بعلته .
فكما أعطاه الوجود أعطاه وجوب الوجود أيضا .
فكل واحد من الوجود ووجوبه أثر في الواجب الممكن فلكل من الواجب والممكن حكم على الآخر .
كما كان لكل من الأمور الكلية والأعيان الخارجية حكم على الآخر.
ثم لما فرغ من بيان الارتباط بين الحق والعالم وكان ذلك الارتباط على وجه يقتضي أن يكون العالم على صورته سبحانه نبه عليه.
قوله : "و لما كان استنادُه إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شئ من اسم و صفة ما عدا الوجوبَ الذاتيَّ فإن ذلك لا يصح في الحادث و إن كان واجب الوجود و لكن وجوبه بغيره لا بنفسه."
بقوله : (ولما كان استناده)، أي استناد الحادث (إلى من ظهر)، أي الحادث (عنه لذاته) المتجلية بأحدية جمعه الأسماء في كل ما ظهر عنه.
(يقتضي) ذلك الاستناد (أن يكون) الحادث الظاهر عنه (على صورته) وصفته (فيما ينسب إليه) تعالى (من كل شيء) بیان لما (من اسم وصفة) بيان لشيء.
فحاصله أن يكون على صفته تعالى في كل اسم.
وصفة تنسب إليه تعالى كما أنه ينسب كل اسم وصفة إليه تعالى. كذلك إلى الحادث.
فإنه بأحدية جمعه الأسماء متجلي وصار فيه .
ولذا قيل : كل موجود متصف بالصفات السبع الكمالية لكن ظهورها فيه بحسب استعداده وقابليته (ما عدا الوجوب الذاتي) الخاص .
(فإن ذلك)، أي الوجوب الذاتي (لا بصع للحادث) ولا ينسب إليه (وإن كان)، أي الحادث (واجب الوجود) بالمعنى الأعم.
فإنه أعم من أن يكون وجوبه بالذات أو بالغير، والحادث وإن لم يكن واجبا بذاته لكنه واجب بغيره كما قال (ولكن وجوبه)، أي وجوب الحادث (بغيره) الذي هو موجده (لا بنفسه) وإلا انقلب الممكن واجبا .
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 11:58 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُساهمة في الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 11:39 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الحادي والعشرون الجزء الثاني .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الحادية والعشرون :الجزء الثاني 
كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ ناصر بن الحسن السبتي الكيلاني 940 هـ:
قال الشيخ رضي الله عنه : (ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به. ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه. )
قال المصنف رضي الله عنه : [و لما اقتضاه بذاته كان واجبا به ]
قال الشارح رضي الله عنه :
أي واجبا بواجب الوجود لأن الذاتيات لا تتخلف عن ذواتها، و الأشياء إذا اقتضت الأمور لذواتها لا للوازمها و إعراضها لم يصح أن تتبدل ما دامت ذواتها .
و الذوات لها الدوام في نفسها لنفسها فالمقتضى الذاتي كذلك، فإني أدرجت لك في هذه العبارة إشارات لم يسعها أواني الألفاظ و ظروف الحروف، و أدرجت فيها معان غير واهية، و تعيها أذن واعية، فافهم .

قال المصنف رضي الله عنه : [ و لما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم و صفة، ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح للحادث و إن كان واجب الوجود و لكن وجوبه بغيره لا بنفسه .]

قال الشارح رضي الله عنه :
( و لما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته) لا لأمر عرضي اقتضى أن يكون على صورته .
قال الله تعالى: "قلْ كُلٌّ  يعْملُ على شاكلتهِ " [ الإسراء: 84] .
ورد في الخبر الصحيح : "إن الله خلق آدم على صورته". رواه الشيخان البخاري و مسلم رضي الله عنهما .
أي لما كان استناد المحدث إلى المحدث من اقتضاء ذاتي من المحدث الفاعل، و ذلك لأنه متصوّر الحق تعالى لما جاء في الحديث ذكر الصورة، فعلمنا أن الله تعالى إنما أراد خلقه على الصورة من حيث أنه يتصوّر إلا من حيث ما يعلمه من غير تصور.
فكل ما يتصوّره المتصورون فهو عينه لا غيره كان من كان لأنه ليس بخارج عنه.
ولا بد للعالم أن يكون متصوّرا له على ما تظهر عينه إذ لم يبق في الإمكان معنى إلا و قد ظهر في العالم متصور، ولا خفاء أن الشكل و الصورة يألف شكله و صورته و هو الإنسان الكامل الذي لا يماثل في "ليس كمثله  شيء"، و هو محل الجمع لصورة الحضرة الإلهية و لصورة العالم الكبير، و انفصل من جميع المولدات لأن جميع المولدات ما عدا الإنسان الكامل موجود عن العالم، فهو أم بغير أب كوجود عيسى عليه السلام من حيث الطبيعية، بخلاف الإنسان الكامل فإنه بين أب و أم، فافهم .

قال رضي الله عنه في الباب الثامن و الثمانين و مائتين من الفتوحات بعد ذكر هذه المسألة:
و إنما نبهتك على هذا لئلّا تقول أن جميع المولدات وجدت بين الله و العالم و ما كان الأمر كذلك، و إلا فلا فائدة لقوله صلى الله عليه و سلم : "خلق آدم على صورته".
ولا كما يتوهمه بعض أصحابنا بل شيوخنا من كونه ذاتا و سبع صفات، فإن ذلك غير صحيح .
فإن الإنسان الحيواني معلوم أن له الذات و الصفات، بل لكل حيوان كما للإنسان الكامل، و إن كان التفاوت بالنقصان و الزيادة و ليس الأمر في نفس الأمر كذلك، بل كان يبطل اختصاص الإنسان الكامل بالصورة، فابحث على هذا الكنز حتى يفتح الله عليك كما فتح به على من يشاء من عباده، انتهى كلامه رضي الله عنه .
و إنما خلقت على صورته حتى تطلع منك على ما أخفاه فيك من قرة أعين، بل حتى تطلع على ما في نفسه تعالى .
قال رضي الله عنه: العلم الذي يعطي السعادة للعبد هو العلم الذي يعلم ما في نفس الحق و لا يعلم ذلك أحد من خلق الله إلا بإعلام الله .
قال تعالى: "و لا يحِيطون بشيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلّا  بما شاء " [ البقرة: 255] .
قال الله تعالى عن الكامل عليه السلام: إنه قال اعترافا أو تأدبا بأدب النبوّات: "تعلمُ ما في نفْسِي" أي من حيث أنه عينها .
"ولا أعْلمُ ما فِي نفْسِك" [ المائدة: 117] من حيث أني غيرك في هذا الموطن .

يقول: المحمّدي الذي يغبطه النبيون يوم الفزع الأكبر بلا خوف و لا فزع، وأعلم ما في نفسك، وذلك إمّا من مقام من عرف نفسه فقد عرف ربه لأن نفسه استهلكت و فنيت.
و ما قال ما قال إلا بلسان الذات هذا كمالهم عند البقاء، فلا يعلم ما في نفسه سواه لأن هذا لسان الولاية، و الله الولي الحميد و على ما نقول شهيد، فافهم .
وإن خرجنا عن المقصود و لكن ما خرجنا بالكلية، بل نحن ندندن حواليه، و أردت أن أظهر لك هذه الإشارة لتكون لك بشارة إن كنت من المحمّديين حتى تعرف قدر سيدك صلى اللّ ه عليه و سلم، و قدر وارثيه لتعلم معنى قوله صلى الله عليه و سلم : "أوتيت جوامع الكلم".
و قوله صلى الله عليه و سلم : "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل".
كما قال القطب الوارث في هذا المقام: أوتيتم اللقب، و أوتينا ما لم تؤتوا، فافهم .
فإن قيل: إذا كان ظهوره على الصورة، فما هذا التغير الذي يطرأ على الإنسان في نفسه، وصورة الحق لا تقبل التغير الذي يطرأ على الإنسان في نفسه؟
قلنا: إن الله تبارك وتعالى قال في هذا المقام: "سنفْرغُ لكُمْ أيُّه الثّقلانِ" [ الرحمن: 31] .
و قال صلى الله عليه و سلم : "إن الحق يتجلى في أدنى صورة". رواه البخاري ومسلم  
لم يتحول عند إنكارهم إلى الصورة التي عرفوها فيها بالعلامة التي يعرفونها، فقد أضاف إلى نفسه هذا المقام وهو العلي عن مقام التغير بذاته، ولكن التجليات الإلهية في المظاهر على قدر العقائد، فيختلف باختلافها.
وبهذا الاعتبار ارتفع الاعتراض الوهمي تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا .

"" قال سيدي عبد الوهاب الشعراني: يا أخي : (أن للحق تبارك وتعالى تجليين تجلي في رتبة الإطلاق حيث لا خلق، وتجلي في رتبة التقييد بعد خلق الخلق، ولكل من هذين التجليين جاءت الشرائع والأخبار الإلهية، فمن قال بتنزل الحق تعالى في مرتبة التقييد على الدوام أزلا وأبدا کالمجسمة والحلولية والقائلين بالاتحاد أخطأوا، ومن قال بعدم التنزل من مرتبة الإطلاق على الدوام أبدا كالمنزهة فقد أخطأوا، فرجع يا أخي كل كلام يعطي التنزيه إلى مرتبة الإطلاق، وكل كلام يعطي ظاهره التشبيه إلى مرتبة التقيد،  يرتفع الخلاف عندك والتعارض من جميع الآيات والأخبار) انتهى . ""

"" أضاف المحقق: أعلم يا أخي أن تجلى الإطلاق هو: كل ما أشعر بعدم وجود العالم المشار إليه بس كان الله ولا شيء معه.
وتجلي التقييد هو: كل ما أشعر بعدم وجود العالم المشار إليه بـ «كان الله ولا شيء معه.
و تجلي التقييد هو: كل ما أشعر بوجود العبد مع الرب من سائر حضرات الأسماء الإلهية .
فتجلى الإطلاق هو: تجليه تعالى في ذاته لذاته على الدوام، وذلك لا يكون إلا في حضرة الاسم (الله) ، والاسم (الأحد)
و تجلي التقييد هو: تجليه تعالى لعباده في بقية الأسماء التي تطلبهم: كالرب، والخالق، والرازق، والرحمن، والمعز، والمذل، والمنتقم، وغيرها من سائر ما علمناه، وما استأثر الله بعلمه؛ فإن الرب يطلب المربوب و جودا وتقديرا في العلم الإلهين، ولا يعقل إلا معه، وكذلك الخالق وما بعدها
وأما حضرة الذات التي هي تجليه تعالى في الاسم الله أو الاسم الأحد فلا تطلب شيئا من العالم، "ومن جاهد فإنما يجاهد نفسه إن الله لغني عن العالمين" [العنكبوت:6].
ولذلك كان لا يعقل لحضرها أحكام، ولا يصح أن يؤخذ عنها بشرائع ولا أحكام؛ اذ ليس معها سواها.
وتأمل يا أخي لو يقع التجلي في رتبة التقييد ، كان التحلي في رتبة الإطلاق كما كان قبل حلق الخلق المشار إليه ب «كان الله ولا شيء معه» من كان معه حتى بتلقي عنه شرائع، ومن كان هناك يعمل بما أو لا يعمل من أهل القبضتين.
وأنشدوا:
قد كان ربك موجودا ولا معه     …. شيء سواه ولا ماض ولا ات
فلما خلق الله تعالى الخلق وتجلى في رتبة التقيد التي هي كناية على المرآة المنطبع فيها صور الموجودات أجمع وسمي لنا نفسه بالأسماء الطالبة لأهل حضراتها.
ولا بد لك أيضا من إثبات من تحكم فيه حضرات الأسماء الإلهية: کـ المعز، والمنتقم، والغفور، فإن أثر هذه الأسماء في حق الحق محال .
فقد بان لك أنه تعالى من حين أظهر الخلق ما تجلى لهم قط في رتبة الإطلاق؛ لأن هذه الرتبة تنفي بذاتها وجود غيرها معها، وما تجلى بعد إظهار هم إلا في رتبة التقييد.
ومن لازم شهود أهل العقول أنفسهم معه التحييز والتحديد والحصر؛ إذ المقيد لا يشهد إلا مقيدا، وأما الإطلاق فإنما يعلم فقط بالإعلام الإلهي لا بالعقل.
ولذلك قررنا غير ما مرة أن أعلى مشاهدة العبد أن يرى إطلاق الحق تعالى وتقييد الكون، فهذا إذا حقيقة وحدته تقيدا.
فإن أصل التقييد وسيبه إنما هو التمييز ، حتى لا تختلط الحقائق، وقد صار الحق تعالى في قلب هذا الشاهد مقيدا بالإطلاق؛ لأن الإطلاق بلا مقابل لا يعقل، ولو كان التجلي في كل صورة في العالم.
وبلغنا عن الشيخ محيي الدين ابن العربي رحمه الله :
أنه كان يقول بإدراك نجلى الإطلاق ذوقا، وهذا لا يصح إلا عند من يقول أن الحق تعالى يقبل حكم كل ممكن من حيث أنه عين الوجود.
بل ولو قيل بذلك لا يتخلص له إلا عند فنائه، لا في حال بقائه مع الحق، وحينئذ فما رأى إطلاق الحق إلا الحق، فافهم.
وإياك والغلط؛ فإنه لا حلول ولا اتحاد ولا يلحق عبد رتبة ربه أبدا، ولو صار الحق تعالی سمعه وبصره وجميع قواه فإن الحق تعالى قد أثبت عين العبد معه بالضمير في قوله في الحديث القدسي: «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به»، إلى أخر النسق.
فإن قيل: إن كلام الحق تعالى قديم، وقد قال الله تعالى: "هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش" [الحديد: 4].
وهذا يشعر بأنا معه في الأزل، كما يقول بذلك الفلاسفة.
قلنا: التحقيق أن العالم كله قدم في العلم الإلهي حادث في الظهور .
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كان الله ولا شيء معه»،
وأجمع المحققون على أن المراد بـ (كان) الوجود، لا أنها على صورة (كان) التي هي من الأفعال الماضية، فهو حرف وجودي، لا فعل يطلب الزمان، كما يتوهمه بعضهم.
حتى أنهم أدرجوا في الحديث: (وهو الآن على ما عليه كان لتخيلهم أن تصريفها كتصريف الأفعال.
کـ کان ويكون وكائن ومكون، فمعنى الحديث: الله موجود ولا شيء معه في حضرة ذاته: أي ما ثم من وجوده واجب لذاته، إلا هو وحده. ""
فلمّا كان الإنسان على الصورة اقتضى أن يكون سريع التغيير كثير الخواطر، فلا يزال يتقلب في كل نفس لو ظهرت لرأيت عجبا لكونه على صورة الأصل .
و هو كل يوم هو في شأن، فمن المحال ثبوت العالم زمانين على حالة واحدة، فلا يزال يتقلب في كل آن، يسمّي الخواطر بحكم الأصل الذي كل يوم هو في شأن، فأصل التغيير من تغيير الأصل الذي يمدّه، و ذلك لما علمنا أنه الدهر، و أن صفة الدهر الحول القلب .

و في الحديث الصحيح : "إنه تعالى يتحوّل في الصور فيعرف و ينكر". ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب والمباركفوري في التحفة.
قال الشيخ رضي الله عنه: لما رأيت اختلاف عيني و لم يستقر لي أصل، فطلبت الإقالة من وجودي .
فقال: أما ترضى أن تكون مثلي و ليس كمثله شيء، انتهى كلامه .
فأثر الانتقالات في الأحوال من أثر كونه تعالى كل يوم هو في شأن .

قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه: و لا يشهدها كشفا إلا أصحاب الأحوال، و لا يشهدها حالا إلا أهل السياحات، و لا يشهدها علما إلا القائلون بتحدد الأعراض في كل زمان و هم طائفة من أهل الكلام القائلون بأن الأعراض لا تبقي زمانين، فافهم .
( فيما ينسب إليه تعالى من كل شي ء ): أي فيما يجوز أن ينسب إليه إمّا في أول الأمر كالاسم فإن له الأسماء، و إمّا ثانيا  كالصفة فإن له بعد نسبتها إلينا .
فلهذا قال رضي الله عنه: (من اسم )، قال الله تعالى: "لهُ الْأسْماءُ الحُسْنى يسبِّحُ لهُ ما في السّماواتِ والْأرضِ و هُو العزيزُ الحكِيمُ" [ الحشر: 24] أثبت لنفسه الأسماء .

قال رضي الله عنه في الباب الثامن و الثلاثين و ثلاثمائة من "الفتوحات":
أعلم الخلق بالله صلى الله عليه و سلم من هذا المقام : "لا أحصي ثناء عليك". الحديث لأن الثناء بالأسماء و أسماؤه الحسنى لا تحصى، فالثناء عليه لا يحصى، و الألسنة تكلّ فيها و تعيي .
وأمّا الثناء من حيث التسبيح تنحصر، و تحصى، و لا تكلّ به الألسنة و لا تعني لأنه نفي عن كل وصف لا إثبات فيه .
( و صفة) و هي من النسب التي لا يجوز أن ينسب إليه تعالى في أول الأمر، بل تنسب إليه بعد نسبة ذلك إلينا .
قال الله تعالى: "سُبْحان ربِّك رب العِزِّة عمّا يصِفُون" [ الصافات: 180] أطلق و لم يقيد بصفة دون صفة، و العزة المنع من الوصول إليه  شيء من الثناء عليه .
قال الإمام الغزالي رحمه الله في بعض تصانيفه إشارة إلى هذا المقام .
والمعنى: إن الناس ينزهونه عن نقائض الصفات، و أنا أنزهه عن كمالها .
أما ترى أن بعض العلماء تنبهوا لهذا المعنى، و إن لم يلم مرضى علماء الرسوم و لكن هو حق من وجه، و ذلك أنهم لما رأوا أن المشاركة بين الحق و الخلق ما يصح حتى في إطلاق الألفاظ عليه .
فإذا قيل لهم: إنه موجود.
قالوا: ليس بمعدوم.
و إذا قيل: إنه عالم.
قالوا: ليس بجاهل .
و هكذا جمع الصفات الثبوتية، فإن الحادث موصوف به و لا مشاركة، فافهم .

قال رضي الله عنه في حضرة الحضرات من "الفتوحات":
فإن الأصل التعري و التنزيه و التبري عن الصفات مطلقا و لا سيما في الله .
إذا كان أبو يزيد رضي الله عنه يقول: لا صفة لي فالحق أولى أن يطلق عن التقييد بالصفات لغنائه عن العالم لأن الصفات إنما تطلب الأكوان، فلو كان في الحق ما يطلب العالم لم يصح كونه غنيا عمّا هو طالب، فافهم .

و ذكر رضي الله عنه في الباب الثامن و الثلاثين و ثلاثمائة من "الفتوحات" : 
فانظر حكمة الله تعالى في كونه لم يحصل له صفة في كتبه، بل نزه نفسه عن الوصف .
فقال: "وللّهِ الْأسْماءُ الحُسْنى" [ الأعراف: 180] فجعلها اسما، ولم يجعلها نعوتا وصفاتا ولكن هي لنا نعوت و صفات يثني علينا بها .
قال تعالى: "بالمُؤْمِنين رؤُفٌ رحِيمٌ" [ التوبة: 128] و أذن لنا بالتخلق في الأسماء الحسنى و هو عين ما قلنا، ثم أثنينا به عليه لأنه حميد و له عواقب الثناء، فأثنى الله على نفسه بها .
و قال : "إن الكبرياء ردائي" .وهي صفة عبده و هو رداؤه، فإنه من منزل ثناء الحق على نفسه بغناه عن خلقه بخلقه، فافهم .
إن هذا عين ما سيقوله رضي الله عنه في المتن بعد سطرين .

و هو قوله: فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف، و هكذا الأمر لما كان استناد المستند إلى المستند لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من الأسماء.
و هو التخلق بأخلاق الله تعالى و إحصاء الأسماء الحسنى، و فيما لا ينسب إليه كالصفات لأنه تعالى جمع له التقييد و الإطلاق، كما جمع لنفسه بين التنزيه و التشبيه، فقال تعالى: "ليس كمِثلهِ شيْءٌ" [ الشورى: 12] .
و من هذا المقام قال أبو يزيد قدّس سره لما قيل له كيف أصبحت؟
فقال: لا صباح لي و لا مساء، إنما الصباح و المساء لمن تقيد بالصفة و أنا لا صفة لي، فوصف نفسه بعدم التقيد بالصفات، فإذا كانت الصفة قيدا لا يقبله العبد المقيد، فكيف تطلق على المطلق الحقيقي، و هو رضي الله عنه أشار بهذا إلى التجرد الحقيقي، فافهم .
( غير الوجوب الذاتي) ما استفاده من أحد فإنه وصف ذاتي لا يفارقه أبدا .

قال رضي الله عنه في الفتوحات الباب التاسع و الستين و ثلاثمائة:
إن كل حكم في العالم لا بد أن يستند إلى نعت إلهيّ، إلا النعت الذاتي التي يستحقه الحق الذاتي و به كان غنيا، و النعت للعالم بالاستحقاق و به كان فقيرا، بل عبدا .
و من هذا الذوق قيل: الفقير لا يحتاج فافهم، فإن المحل ما يحتمل البسط فإن ذلك: أي اقتضاؤه لذاته لا يصح في الحادث، و إن كان واجب الوجود: أي من كونه حادثا لا يصح له هذا، و إن كان يصح له وجوب الوجود من وجه آخر .
( و لكن وجوبه بغيره لا بنفسه ): أي من حيث أنه حادث بخلاف ما نحن بصدد بيانه، فإنه من اقتضاء ذاتي من الوجه الحق، فهو واجب بوجوبه لإيجابه، فإن الذاتيات لا تفارق الذات بوجه من الوجوه و إلا يلزم خلاف المفروض، فافهم .
قال رضي الله عنه في "الفتوحات" في الاسم الحق:
إن للحق وجوب الوجود بنفسه، و للخلق وجوب الوجود لا أقول بغيره، فإن الغير ما له عين و إن كان له حكم كالنسب لا عين لها و لها الحكم .
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 12:03 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُساهمة في الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 11:49 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الثانية والعشرون الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثانية والعشرون :الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.)
(ثم لنعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره)، أي ظهور واجب الوجود لذاته الذي هو الحق تعالى لنا (بصورته) التي هي مجموع صفاته وأسمائه كما ذكرنا لا بذاته العارية عن جميع ذلك من حيث الغيب المطلق.
فإن الظهور لا يكون إلا باسمه الظاهر كما أن البطون باسمه الباطن .
وذاته من حيث هي غنية عن الظهور والبطون لأنهما من الأوصاف والأسماء هي الحضرة البرزخية الفارقة بين الطالب والمطلوب كما ذكرنا .
ثم إن صورته تعالى المذكورة التي ظهر بها من حيث حضرة الطالب ظهرت له أيضا من حيث حضرة المطلوب.
فكانت هي هذا الإنسان الحادث كما مر، فكان الإنسان الحادث على صورة الحق تعالى من أنه هو المطلوب، والمطلوب على صورة الطالب.
لأنه هو الطالب والذات واحدة ، لكنها الما اقتضت حضورها عندها انقسمت إلى طالب ومطلوب كما بيناه فيما مر.
(أحالنا) الحق (تعالى في العلم به على النظر في) هذا الإنسان (الحادث) الكبير الذي هو مجموع العالم كله .
حيث قال تعالى: "قل انظروا ماذا في السموات والأرض" 101 سورة يونس.
وقال: " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48)" النحل .
وفي هذا الإنسان الحادث الصغير الذي هو ابن آدم
قال تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون " 21 سورة الذاريات.
(وذكر) تعالى في القرآن العظيم (أنه أرانا آیاته)، أي علاماته المظهرة له (فيه)، أي في هذا الإنسان الكبير والصغير حيث قال تعالى :
" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)" سورة فصلت. وقد أرانا ذلك بفضله ومنه، وتبين لنا.
وقال تعالى في غيرنا : " مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) " سورة الكهف.
(فاستدللنا)، أي أقمنا الدليل (بنا)، أي بأنفسنا (عليه تعالی)، كما قال سبحانه : "من اهتدى" ، أي وصل إلينا "فإنما يهتدى لنفسه" ، أي يصل إليها .
"ومن ضل فإنما يضل عليها" 15 سورة الإسراء.أي على نفسه فلا يهتدي إليها .
وقال النبي عليه السلام : "من عرف نفسه فقد عرف ربه".

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.)
(ثم ليعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره) أي الحادث (بصورته) أي بصفة الحق (احالنا تعالى في العلم به) أي بالحق (على النظر) أي على طريق الاستدلال(في الحادث) من الآفاق والأنفس لامتناع العلم به إلا بالنظر إليه.
(وذكر أنه أرانا آياته) وهي آثار أسمائه وصفاته (فيه) أي في الحادث فكان الاستدلال واجبا علينا بالأمر الإلهي فأطعنا أمره لتحصیل معرفه (فاستدلنا) استدلالا من الأثر إلى المؤثر (بنا) بسبب نظرنا فينا (عليه) أي على الحق فحينئذ لا بد لنا أن نحكم عليه بوصف على ما يقتضيه طريق الاستدلال قوله عليه يتعلق بالاستدلال.
(فما وصفناه) أي فما حكمنا عليه (بوصف) من الأوصاف (إلا كنا نحن) وجدنا فينا ووصفنا أنفسنا.
(ذلك الوصف إلا الوجوب الذاتي الخاص) بالحق فإنه لا يوجد فينا ولا نومف أنفسنا به فإذا استدللنا عليه على هذا الطريق علمناه بنا وما.


شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.)
قلت: هو، رضي الله عنه، قد قصد التوطئة لأن يجعل صفات الخليفة هي صفات المستخلف ليرد الأمر كله إلى عين واحدة هي وجوده تعالى وكأنه استشهد بقوله تعالی: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" (فصلت: 53).
ثم ستر ذلك بذكر الوجوب الخاص الذاتي وهذه مصانعة منه، رضي الله عنه، للمحجوبين حتى لا ينفروا من قوله: "نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا"
وزاد ذلك بيانا بقوله: "فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا هو شهد نفسه".
ولا سيما قوله: "ولا بد من فارق".
ثم قال: وليس إلا افتقارنا إليه. وبالجملة فهذا كله مبني على أن الوجود واحد والأعيان متمايزة وتسميها الأعيان الثابتة.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.)
يعني رضي الله عنه :
لمّا قرّر أنّ الخليفة ظاهر بصورة المستخلف فيما استنابه فيه ، ونسبه إليه ، وملَّكه إيّاه ، لا جرم أنّه تعالى أحاله في العلم به على النظر في الحادث في كل ما نسب إليه من صورة على صورة القديم.
فإذا عرفنا المخلوق على الصورة بنسبه ولوازمه الثبوتية كماليّها وغير كماليّها استدللنا بكمالاتنا الثبوتية التي أعطانا الكامل بالذات على ثبوت الكمالات له على الوجه الأكمل .
واستدللنا أيضا بنقائصنا ونسبنا غير الكمالية على أنّها منتفية عن موجدنا وثابتة له نقائض تلك
النقائص من الكمالات ، وفي الحقيقة ما وصفناه بوصف إلَّا كنّا نحن ذلك الوصف .
والتحقيق يقتضي أنّه ليس لنا من الأمر شيء ، بل كل ما لنا فمنه ، كما قال : "وَما بِكُمْ من نِعْمَةٍ فَمِنَ الله " فما وصفناه بنا إلَّا من حيث كوننا به فيه منه له.
يعني رضي الله عنه : من حيث إنّ نسبة نسبة الشيء نسبة لذلك الشيء ولازم لازمه بالوسط .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.)
معناه لما ظهر الحادث بصورته أحالنا في معرفته على النظر في الحادث
فقال :" سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه الْحَقُّ ".
- فبسبب ما أحالنا استدللنا بنا عليه أي طلبنا الدليل بأنفسنا عليه ، فما وصفناه بوصف إلا وجدنا ذلك الوصف فينا إذ لو لم يكن فينا ولم نتصف به لم يمكنا أن نصفه به .
وهو معنى قوله إلا كنا نحن ذلك الوصف أي لو لم نكن نحن ذلك الوصف لم نصف به إلا الوجوب الذاتي .

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.)
وقوله: (ثم ليعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته) أي، ظهور هذا الحادث، وهو الإنسان الكامل، بصورة الحق.
وضمير "أنه" للشأن. و"من" بيان "ما".
وقوله: (أحالنا تعالى في العلم به) أي بالحق.
وقوله: (على النظر في الحادثات) بقول نبيه، صلى الله عليه وسلم: "من عرف نفسه فقد عرف ربه.".
وقوله: (وذكر أنه أرانا آياته فيه) أي، في الحادث بقوله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفيأنفسهم".
وقوله: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون."
وإنما قدم (إراءة الآيات في الآفاق) لأنها تفصيل مرتبة الإنسان، وفي الوجود العيني مقدم عليه. وأيضا رؤية الآيات مفصلا في العالم الكبير للمحجوب أهون من رؤيتها في نفسه وإن كان بالعكس أهون للعارف
وقوله: (فاستدللنا بنا عليه) كالاستدلال من الأثر إلى المؤثر.
(فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف) أي، كنا نحن متصفا بذلك الوصف.
ولما كانت الصفات الحقيقية عين هذه الأعيان الحادثة، على ما قررنا من أنالذات مع صفة تصير اسما وعينا ثابتة والعالم من حيث الكثرة ليس إلا مجموع الأعراض، وقوله: (كنا نحن ذلك الوصف) وفي بعض النسخ: (إلا كنا ذلك الوصف).
وقوله: (إلا الوجوب الذاتي الخاص) أي بالحق.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.)
(ثم) أي: بعد العلم بالارتباط بين الحق والخلق من الجانبين أعني: افتقار الحادث إلى المحدث، وظهور المحدث بصورته المعنوية في الحادث؛ (ليعلم أنه لما كان الأمر) أي: أمر الارتباط من جانب الحق (علی ما قلناه من ظهوره) أي: الحق (بصورته المعنوية في الحادث.
(أحالنا تعالى في العلم به) أي: بذاته وصفاته (على النظر في الحادث)، فإنه يدل بذاته من حيث افتقاره إلى الواجب على ذات الواجب، وعلى صفاته التي بها تعلقه بالعالم.
ويدل أيضا بصفاته بحيث إنها مظاهر صفات الحق على صفاته كما دل بوجوده من حيث صورة وجوده الحق على وجوده، وذلك أنه (ذكر) في كتابه الكريم (أنه أرانا آیاته)أي: دلائل ذاته وصفاته (فيه) أي: في الحادث حيث قال: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم" [فصلت: 53].
(فاستند بنا) أي: بذواتنا وصفاتنا من حيث حدوثنا، وكوننا على صورته (عليه) أي: على كل واحد من ذاته وصفاته، (وما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف) أي: مظاهره (إلا الوجوب الذاتي) فإنا وإن وصفنا الحق به فلسنا مظاهره لكونه الوصف (الخاص بالحق، وإن علمنا اختصاصه به من افتقارنا إليه مع استحالة التسلسل اللازم على تقدير عدم كونه واجبا بالذات.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.)
فقال رضي الله عنه : ( ثمّ لتعلم أنّه لمّا كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته ) أي ظهور الحادث بصورة الواجب ( أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث ) نظر تدبّر وتفكَّر ( وذكر أنّه أرانا آياته فيه ) آفاقا وأنفسا ( فاستدللنا بنا عليه ) استدلال شهود وتيقّن ، ( فما وصفناه بوصف إلَّا كنّا نحن ذلك الوصف بعينه ، ضرورة أنّ الأوصاف الكليّة موجودة بوجود الحوادث الجزئيّة - كما سبق بيانه (إلَّا الوجوب الخاص الذاتي) لما عرفت أنّه ليس للممكن فيه حظَّ أصلا .
ثمّ هاهنا دقيقة لا بدّ لمستكشفي رموز الكتاب من الوقوف عليها ، وهي أنّ من امّهات الأوصاف المشتركة بين الواجب والحادث - الظاهر بصورته الذي هو مثله السمع والبصر، لقوله تعالى : "لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ". 
فلذلك بعد تحقيق معنى المثليّة أشار إلى ذينك الوصفين على طريق الاستدلال كما هو مسلك هذا الفصّ


شرح الفصوص الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.)
قوله : "ثم لنعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث و ذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. "
ولما فرغ من بیان کرن الحادث على صورته شرع في بيان ما يتفرع عليه من إحالة الحق إبانا في معرفته على النظر في الحادث.
فقال : (ثم لنعلم أنه) الضمير للشأن (لما كان الأمر)، أي الشأن (علی ما قلناه من ظهوره) بيان لما أي ظهوره الحادث (بصورته).
أي الحق سبحانه (احالنا) الحق (تعالى في العلم به)، أي بالحق (على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آیاته) الدالة عليه ذات وصفة (فيه).
أي في الحادث ليستدل به تعالى كما قال تعالى : "سنيرهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم "آيه 53 سورة فصلت .
(فاستدللنا بنا)، أي بأنفسنا والنظر فيها كما قال تعالى: " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " آية 21 سورة الذاريات. "عليه تعالی"
قوله : "فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي. "
"فما وصفناه" تعالى (بوصف) وما عرفناه به "إلا كنا عن ذلك الوصف"، أي متصفين بذلك الوصف أو عينه بناء على ما سبق من أن كل موجود عبارة عن مجموع أعراض اجتمعت في عين واحدة.
وفي بعض النسخ إلا كنا نحن ذلك الوصف ومعناه ظاهر (إلا الوجود الذاتي الخاص) لا العام الذي يعم الوجوب الذاتي والوجوب بالغير فإنه يتصف به الحادث أيضا.
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:28 من طرف الشريف المحسي

الفقرة الثانية والعشرون الجزء الثاني .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثانية والعشرون :الجزء الثاني

كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ ناصر بن الحسن السبتي الكيلاني 940 هـ:

قال الشيخ رضي الله عنه : (ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي.)
قال المصنف رضي الله عنه : [ثم ليعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث و ذكر أنه تعالى أرانا آياته  فيه] .

قال الشارح رحمه الله :
( ثم لتعلم) لما ذكر رضي الله عنه الرابطة التي هي من المناسبة الصورية، و أي مناسبة أعلى و أتم أن يكون على الصورة، فأراد أن يذكر لوازمها . 
( إنه لما كان الأمر على ما قلنا من  ظهوره بصورته) أما ترى الحق تعالى ما تسمّى باسم، و لا وصف نفسه بوصف إلا و الخلق يتصف بهما بحسب ما تعطيه حقيقة الموصوف .
و إنما تقدّمت في الحق بالوجود، و تأخّرت في الخلق لتأخره فيه، فيقال في الحق: إنه ذات توصف بأنه حي عالم قادر، و يقال في العالم: إنه حي عالم قادر بلا خلاف من أحد، و العلم و الحياة و القدرة على حقيقة في العقل .
( أحالنا الله تعالى في العلم به على النظر في الحادث) آخر علمنا به عن علمنا بالحوادث لنعلم أن علمنا بالحوادث أصل للعلم بالأصل، فافهم .
أما ترى قوله صلى الله عليه و سلم : "من عرف نفسه فقد عرف ربه". 
فيه إشارة خفية إلى ذلك و هو لب المعارف الإلهية، حيث جعل الأصل فرعا و الفرع أصلا، فافهم و لا يمكنني إظهاره أكثر من هذا .
قال صلى الله عليه و سلم : "أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه". 
فجعلك دليلا عليه، و جعل معرفتك بك دليلا على معرفتك به إمّا بطريق وصفك بما وصف به نفسه، و إمّا بطريق الافتقار الذي أتت عليه في وجودك، و إمّا بالأمرين لا بد من ذلك، فافهم .

قال الشيخ رضي الله عنه في الفتوحات الباب الخامس و السبعين و ثلاثمائة:
و قد ذكرت هذه المسألة في محل آخر، و لكن أذكرها هنا بضرورة داعية إليها، و هي أن الأصل التقييد لا الإطلاق في محل، فإن الوجود مقيد بالضرورة .
و لذلك كل ما دخل في الوجود مثناة، فالإطلاق الصحيح إنما يرجع لمن في قوته أن يتقيد بكل صورة، و لا يطرأ عليه ضرورة من ذلك التقييد، و ليس هذا إلا لمن تحقق بالمداراة .
و الله يقول: "وهُو معكُمْ أين ما كُنْتُمْ " [ الحديد: 4]، و هو أشرف الحالات لمن عرف ميزانها، و هو واحد فرد، و أين ذلك الواحد الفرد؟ فافهم، انتهى كلامه رضي الله عنه .
ورد في الحديث : "بعثت لمداراة الناس". رواه البيهقي عن جابر رضي الله عنه .
و فيه إشارة إلى ما ذكرناه من المداراة، فلمّا أحالنا في العلم به تعالى على النظر في الحادث، فعلمنا أنا مطلوبون له لا لأنفسنا و أعياننا لأن الدليل مطلوب للمدلول لا لنفسه، و لهذا لا يجتمع الدليل و المدلول أبدا، فلا يجتمع الحق و الخلق أبدا في وجه من الوجوه إذا جاء الحق زهق الباطل، فالعبد عبد لنفسه، و الرب ربّ لنفسه، فالموجود موجود، و المعدوم معدوم .

و ذكر أنه أرانا آياته فيه: أي في الحادث، و هو قوله تعالى: "سنريهِمْ آياتنا فِي الْآفاقِ وفي أنْـفُسِهِمْ حتّى يتبيّن لهُمْ أنّهُ الحق أو لمْ يكْفِ بربِّك أنّهُ على كُل شيْءٍ شهِيدٌ" [ فصلت: 53]، 
فأحالنا على الآفاق وهو ما خرج عنا من الحوادث وعلى أنفسنا، وهو ما نحن عليه وبه من حيث الحدوث .
قال تعالى: "وفي أنْـفُسِكُمْ أفلا تُـبْصِرُون" [ الذاريات: 21]، فإذا وقفنا، وعثرنا على الأمرين معا حينئذ عرفناه، فتبين لنا أنه الحق .
قال صاحب ذوق :
في كلّ شيء له آية    .....   تدلّ على أنه واحد
و العارف يقول في هذا المقام: ففي كل شيء لذاته تدل على أنه عينه، و لكن دلالة الأمرين: أي الآفاق والأنفس مجموعا أتم و أعلى لحكمة سيظهرها لك إن شاء الله تعالى .
و هي: أنا إذا نظرنا في نفوسنا ابتداء لم نعلم هي يعطي النظر فيها ما يعطي النظر في الآفاق علما بالله أم لا يعطيه نفوسنا، فإذا نظرنا في نفوسنا حصل لنا من العلم به ما يحصل للناظر في الآفاق، فإذا نظرنا جميعا ظهرت لنا حقيقة الأمر بلا مراء و شك، فافهم .
و أما الشارع صلى الله عليه و سلم فلما علم أن النفس جامعة لحقائق العلم فإنها مختصّة و منتخبة منه فجمعك عليك حرصا منه على كمال أمته كما شهد الله تعالى .
فقال تعالى: "حريصٌ عليْكُمْ" [ التوبة: 128] حتى تقرب الدلالة فتقول معجلا بالعلم بالله، فتستعد لمعرفته بك .
فقال صلى الله عليه و سلم : "من عرف نفسه فقد عرف ربه وأعرفكم بنفسه أعرفكم بربه".
فإنه عليه السلام أحالك على نفسك لما علم أنك ستكون من المتبعين المحبين المحبوبين فيكون الحق قوّاك، فتعلمه به لا بك .
وهذا السوق من ذوق قوله صلى الله عليه وسلم : "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الخبر عني، فيقول: اتل عليّ به قرآنا إنه والله بمثل القرآن وأكثر" .

ذكره رضي الله عنه في باب تاسع عشر و خمسمائة من الفتوحات :
و قال رضي الله عنه: أو أكثر في رفع المنزلة، و في رواية: "أيحسب أحدكم متكئا على أريكته أن الله تعالى لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن إلا و أني و الله قد أمرت و وعظت و نهيت عن أشياء إنها كمثل القرآن أو أكثر"  الحديث رواه أبو داود، و البيهقي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه .
و أما الحق تعالى فذكر الآفاق حذرا عليك ما ذكرناه أنه قد بقي في الآفاق ما يعطي من العلم باللّه ما لا تعطيه نفسك، فأحالك على الآفاق .
فإذا عرفت عين الدلالة منه على الله تعالى ثم نظرت في نفسك من العلم بالله فلم يبق لك شبهة تدخل عليك فتطابق الأصلين، و تقرأ الكتابين فلا يخرج  شيء من البين، فافهم .

قال الشيخ المصنف رضي الله عنه : [ فاستدللنا بنا عليه فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الذاتي الخاص،]
قال الشارح رحمه الله :
و ليس إلا افتقارنا إليه في الوجود و توقف وجودنا عليه لإمكاننا و غناه عن مثل ما افتقرنا إليه .
فاستدللنا بنا عليه، قال الله تعالى: "وفي أنْـفُسِكُمْ أ فلا تُـبْصِرُون" [ الذاريات : . [21
و قال صلى الله عليه و سلم : "من عرف نفسه فقد عرف ربه".
فاستدللنا بأنفسنا عليه فإنه ما ظهر إلا بنا، و ما بطن إلا بنا، و ما صحّت الأولية إلا بنا، و ما ثبتت الآخرية إلا بنا، فإنا كل شيء وهو بنا عليم.
ذكره رضي الله عنه في الخزائن من "الفتوحات".
إن من أعجب العجاب أن بالإنسان استتر الأمر فلم يشهدوا وبالإنسان ظهر حتى عرف فجمع الإنسان بين حجاب وظهور، فهو المظهر الساتر المعروف المتنكّر.
قال الشيخ عبد الله الأنصاري قدّس سره في بعض مناجاته: إلهي ما فعلت في أوليائك كل من طلبهم وجدك، و من لم يركما عرفهم صيرتني مرآة من يبغيك، من يراني يراك و أرباب الحجاب .
قلت فيهم: "وتراهُمْ ينْظرُون إليْك وهُمْ لا يـبْصِرُون" [ الأعراف: 198] انتهى كلامه قدّس سره.
قال رضي الله عنه: إن أصل وجود العلم بالله العلم بالنفس، فالعلم بالله حكم العلم بالنفس الذي هو أصله، و العلم بالنفس بحر لا ساحل له عند العلماء بالنفس، فلا يتناهى العلم بالله .
أما ترى قوله صلى الله عليه و سلم : "من عرف نفسه فقد عرف ربه" .
إمّا أحال المحال على المحال، و إمّا حقق أنه من عرف الأصل فقد عرف الفرع و هما محتملان من محتملات معاني كلمة جوامع الكلم، فافهم هذا الذي أحلناه يعطيك استعداد الكشف الإلهي .
قال رضي الله عنه: ذهب بعض أصحاب الأفكار إلى أن العلم بالله أصل في العلم بالنفس و لا يصح ذلك أبدا في علم الحق خاصة و هو مقدم، و أصل بالمرتبة لا بالوجود فإنه بالوجود عين علمه بنفسه عين بالعالم إلا بأمر زائد، و إن كان بالرتبة أصل فما هو بالوجود .
كما يقول صاحب النظر العقلي في تقدم العلة على المعلول: إذا تساويا في الوجود كحركة اليد و حركة المفتاح، فمعلوم أن رتبة العلة مقدّم على رتبة المعلول عقلا لا وجودا.

و كذلك المتضايفان من حيث ما هما متضايفان و هو أتم فيما يزيد فإن  كل واحد منهما علة و معلول لمن قامت به الإضافة، فكل واحد علة لمن هو له معلول، و معلول لمن هو له علة، و من حيث أعيانهما لا علة و لا معلول، فافهم .
( فما وصفناه بوصف) و إنما قال رضي الله عنه: بوصف، و ما قال: بصفة للنكتة التي قد ذكرناها سابقا و هي: إن الصفة يعقل منها أمر زائد و عين زائدة، و الوصف ليس كذلك بل هو نسبة خاصة لا عين لها هكذا ذكره رضي الله عنه في »الفتوحات« .
( إلا كنا نحن ذلك الوصف) لأن ذواتنا أوصاف قائمة على عين واحدة .
قال تعالى إشارة إلى ذلك المقام: "هُمْ درجاتٌ عِنْد اللّهِ" [ آل عمران: 163]
و لم يقل: لهم درجات، فجعلهم أعيان الدرجات لأنهم كلمات الكمالات الذاتية و اعيانها .
قال رضي الله عنه: إني رأيت الشيخ أبا أحمد قدّس سره بمرسيه، و سأله إنسان عن اسم الله الأعظم، فرماه بحصاة يشير إليه أنك اسم الله الأعظم.
فإذا رأيت المدّعي يثني على الله بأسمائه التنزيهية و التشبيهية و لا شاهدها و لا حسّ آثار الحق فيه، و من عمي عن نفسه التي هي أقرب إليه، فهو عن غيره أعمى و أضل سبيلا فافهم.
ذكره رضي الله عنه في الباب الثامن و الثلاثين و مائتين من "الفتوحات" .

( إلا الوجوب الخاص الذاتي) لا العام الشامل للوجوب بالصبر، فإنه يتصف الحادث و الصفات فإنه ما  وصفنا به و ما كنا بذلك لأنه ذاتي و للكون و الجعل ليس فيه محال.
فافهم هذا المبهم حتى تفرق بين اليهم و المبهم، أظهر و أخفى، عرا و كسا، حسبنا الله و كفى كما هو عادة الأمناء الأدباء يفهمه من يفهمه، و يجهله من يجهله .
لأننا من حيث عياننا ما نظهر بهذا الوصف، فإنه وصف خاص ذاتي للقديم الذي له الغناء الذاتي و الممكن في كل حال عدمه و وجوده.
مفتقر محتاج احتياج الفرع إلى الأصل، أصل الوجود مرة و افتقار استمراره أخرى، فلا يزال فقيرا محتاجا في حال عدمه و وجوده، بل الإمكان حكم وهمي لا معقول لا في الإلهيات، و لا في المسمّى ممكنا فإنه لا يعقل هذا المسمى أبدا ألا من حجاب حالة اختيار لا يعقل إلا و لا ترجيح .
و هذا غير واقع عقلا لكن يقع وهما و الوهم حكم عدمي فما ثم إلا واجب بذاته و واجب به، فمشيئة الأشياء واحدة و إذا زال الإمكان زال الاختيار، و ما بقى سوى عين واحدة و ما عندها إلا أمر واحد في الأشياء كلمح البصر.
ذكر هذه المسألة في الباب الثامن و الستين و ثلاثمائة من "الفتوحات" فافهم .
فإني أردفت لك أصلا بعد أصل، أرداف رمز بعد رمز، و إشارة بعد إشارة و سوقنا في سوق البيان و على أرض العبارة ممهدة "لا ترى فيها عوجا و لا أمتا" حرجا "فارجع البصر هل ترى من تفاوت، ثم ارجع البصر كرتين هل ترى من فطور" فافهم .
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 13:02 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:28 من طرف الشريف المحسي

الفقرة الثالثة والعشرون الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثالثة والعشرون :الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا. فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه.)
قال الشيخ رضي الله عنه : (فما وصفناه تعالی بوصف) من الأوصاف مطلقا (إلا كنا نحن ذلك الوصف) الذي وصفنا الله تعالى به.
لأننا على صورته، فوصفنا له وصفنا لنا. والصورة واحدة غير أنها إذا نسبت إليه تعالی کانت قديمة.
وإذا نسبت إلينا كانت حادثة. لأنها في نفسها هي تلك الأمور الكلية التي تقدم الكلام عليها.
وأنها واحدة لم تنفصل في ذاتها ولم تتعدد، ولكن لها حكم وارد عليها من جهة الأعيان الموجودة في الخارج فتتفصل وتتعدد باعتبار ذلك على حسب ما سبق بيانه (إلا الوجوب).
أي وجوب وجوده تعالى (الذاتي الخاص) به تعالى فلا حظ لنا فيه كما مر.
(فلما علمناه) تعالى (بنا)، أي بعلمنا بأنفسنا (ومنا)، أي علمنا به تعالی ناشئة منا (نسبنا إليه) تعالى (كل ما نسبناه إلينا) من الأوصاف والأفعال والقوى الباطنة والظاهرة والأعضاء والجوارح.
ولكن على حد ما يليق بحقيقته القديمة وذاته العظيمة، لا على حد ما هو ظاهر لنا من ذلك حسين وعقلا .
(وبذلك)، أي جميع ما هو منسوب إلينا من الوجود والحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحلم والغضب والرضى والرحمة والنقمة والرأفة واللطف والمکر والاستهزاء والسخرية والضحك والفرح واليد والعين والأصابع والقدم والوجه.
وقد استقصينا ما أمكننا استقصائه من ذلك من كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم في كتاب سميناه «قلائد المرجان في عقائد الإيمان».
(وردت الأخبار الإلهية على ألسنة) جمع لسان (التراجم)، وهم الأنبياء والمرسلون صلوات الله تعالی علی نبینا وعليهم أجمعين.
(إلينا) من الله تعالى وذلك في الكتاب والسنة كما شرحناه في كتابنا المذكور .
(فوصف) الحق سبحانه وتعالى (نفسه لنا بنا)، فكنا نحن أوصافه وأسماؤه عندنا على حسب علمنا بنا لا حسب علمه بنفسه.
والوصف كلام الواصف، والفهم على قدر ما يناسب حال الموصوف له ونحن إنما تكونا وځلقنا بكلام الله تعالى كما يشير إليه الحديث القدسي.
قال تعالى : "عطائي کلام و عذابی کلام إنما أمري شيء إذا أردت أن أقول له : كن فيكون".
(فإذا شهدناه تعالى) إنما (شهدنا نفوسنا)، لأننا وصفه تعالی عندنا (وإذا شهدنا) هو جل وعلا فإنما (شهد نفسه) لأنه شهد وصفه الذي وصف به نفسه لنا، فشهودنا له على قدرنا.وشهوده له تعالى على قدره .

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا. 
فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه.)
(فلما عملناه) بنا بسبب علمنا أنفسنا (نسبنا إليه) أي وصفناه لكل (ما نسبناه إلينا) من الأوصاف كالعلم والحياة والقدرة وغيرها لا النقائص إلا ما ينسبه الحق إلى نفسه .
(وبذلك) أي و بوصفنا الحق بكل ما نسبناه إلينا (وردت الإخبارات الإلهية) من الآيات والأحاديث النبوية (على ألسنة التراجم) وهي سنة الأنبياء عليهم السلام فوصف الحق نفسه أي ذاته بكل ما نسبناه إلينا في الإخبارات الإلهية (لنا) لأجل استدلالنا عليه .
فيكون قوله: (بنا) متعلقة بالاستدلال لقوله: (فاستدللنا) بنا عليه أو لأجل هدايتنا إلى طريق العلم والشهود.
فيكون قوله : بنا متعلقة بوصف فإنا خلقنا على صفة الله تعالى فكنا عبارة عنها في التحقيق .
فكان وصفه نفسه بصفة عين وصفه نفسه بنا أو معناه وصف بنفسه بنا أو بصفاتنا فإذا وصلنا بهذا الاستدلال إلى الحق شهدناه (فإذا شهدناه شهدنا فيه نفوسنا) لوجودنا فيه لكونه متصفا بنا وهو رؤية الحد في المحدود .
أو شهدنا نفوسنا في التحقيق لأشهدناه لأنه من حيث اتصافه بنا عین ذواتنا لا غيرنا.
وهو رؤية الحد متحدا بالمحدود .
يعني الشاهد والمشهود واحد في هذه المشاهدة وهو الاستدلال من الأثر إلى المؤثر ومشاهدة الأثر نفسه في المؤثر او لتستره عنا بنا فلا يقع نظرنا إلا علينا .
لا عليه (وإذا شهدنا الحق) بمشاهدتنا إياه (شهد فينا نفسه) .
لذلك قال : إني أشد شوقا إليه لأن هذه المشاهدة له لا نحصل بدون مشاهدتنا إياه لأنه فينا مظهره .
وهو رؤية المحدود في الحد أو شهد نفسه كما مر أو رؤية المحدود متحدة بالحد يعني لا اثنينية من هذا الوجه أيضا .
فانظر إلى المرآة كيف نجد فإنك إذا نظرت إليها وشهدت فيها صورتك فقد شهدت عينك فهو قوله.
وإذا شهدنا شهد نفسه وإذا شهدت صورتك ونظرت إليك فقد شهدت نفسك فهي عينك، وأنت عينها، فهو قوله : وإذا شهدناه شهدنا نفوسنا.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا.
فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه.)
وكأنه استشهد بقوله تعالی: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" (فصلت: 53).
ثم ستر ذلك بذكر الوجوب الخاص الذاتي وهذه مصانعة منه، رضي الله عنه، للمحجوبين حتى لا ينفروا من قوله: "نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا"
وزاد ذلك بيانا بقوله: "فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا هو شهد نفسه".
ولا سيما قوله: "ولا بد من فارق".
ثم قال: وليس إلا افتقارنا إليه. وبالجملة فهذا كله مبني على أن الوجود واحد والأعيان متمايزة وتسميها الأعيان الثابتة.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا.
فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه.)
قال رضي الله عنه : " ، فلمّا علمناه بنا ومنّا ، نسبنا إليه كلّ ما نسبناه إلينا " .
يعني رضي الله عنه : من حيث إنّ نسبة نسبة الشيء نسبة لذلك الشيء ولازم لازمه بالوسط .
قال رضي الله عنه : "وبذلك وردت الأخبار الإلهية على ألسنة التراجم إلينا ، فوصف نفسه لنا بنا  ، فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا ، وإذا شهدنا شهد نفسه".
قال العبد أيّده الله تعالى به : اعلم :
أنّ الله علم نفسه ذات نسب مستهلكة الأعيان في أحدية ذاته وهويّته المطلقة ، وأراد أو أحبّ أن يظهرها في الوجود العيني ، أو يظهر هويّتها فيها بحسبها ، وكانت متمايزة الأعيان في التعين بالعلم الذاتي كعلم الواحد العالم بأنّه ذو نسب ونسب نسب .
فلمّا تعلَّقت المشيّة بإظهار هذه النسب في الوجود ، تجلَّى الله الجواد الرحمن المحسن الوهّاب بإفاضة الوجود من ينبوع الجود ، فأوجدها في أعيانها لها في عرصة الشهود.
وبعد تحقّق هذه النسب الحقيقة ، إنّ الحقائق النسبية فما لها أن تدلّ على الحق المطلق ، أو نشهده إلَّا من خصوصها وبها ، قد ظهر الوجود فيها بحسبها .
فلولا أنّ في الوجود صلاحية الظهور في كل حقيقة أو نسبة منها بحسبها وعلى صورتها ، لما ظهر بذلك كذلك ، ويضاف إذ ذاك إلى الوجود الحق الظاهر في كل حقيقة منها على صورتها ما يضاف إلى تلك الصورة ، فافهم . إذا فهمت ، فهمت .
فاعلم أنّا نحن صور تلك النسب الذاتية والشؤون الغيبية ، اقتضانا بالذات من كونه إلها موصوفا بالموجدية ، منعوتا بالربوبية ، فلمّا وصف نفسه لنا بنا أعني بالنسب والأسماء والصفات التي نحن صورها وأحالنا في المعرفة والعلم به علينا بقوله الحق ، على لسان رسول الصدق :"من عرف نفسه فقد عرف ربّه ".
فعلمنا به أنفسنا ، وعلمنا من علمنا بنا علمنا به ، فما علمناه إلَّا بنا وما علمنا ما علمنا إلَّا به ، فما علمنا إلَّا إيّاه به منه فيه .
وما علمنا أنفسنا إلَّا فيه عينه ، فنحن فيه هو عينه ، وهو فينا نحن أعياننا ، لأنّا فيه شؤونه الذاتية ونسب نسب الإنّيّة الغيبية ، وهي الهوية العينية ، فإذا شهدنا فيه شهد نفسه .
وإذا شهدناه فيه أو فينا شهدنا أنفسنا ، فما نحن إلَّا وجودات تعيّنية وتجلَّيات وجوديّة ، نفسية ، ظاهرة بخصوصيات أعياننا وماهياتنا التي هي شؤونه الذاتية ونسبه أو نسب نسبه الغيبية الوحدانية ، فافهم .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا.
فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه.)
فقال :" سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه الْحَقُّ ".
- فبسبب ما أحالنا استدللنا بنا عليه أي طلبنا الدليل بأنفسنا عليه ، فما وصفناه بوصف إلا وجدنا ذلك الوصف فينا إذ لو لم يكن فينا ولم نتصف به لم يمكنا أن نصفه به .
وهو معنى قوله إلا كنا نحن ذلك الوصف أي لو لم نكن نحن ذلك الوصف لم نصف به إلا الوجوب الذاتي .
فلما علمناه ومنا نسبناه إليه كل ما نسبناه إلينا كالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والكلام وغير ذلك ، والتراجم هم الأنبياء عليهم السلام .
فإنهم أخبروا بهذا المعنى في قوله تعالى :"وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله ".
" وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى ".
" من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله ".
" إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله ".
- وفي الحديث « من عرف نفسه فقد عرف ربه » وأمثالها .
وهذا معنى قوله فوصف نفسه بنا فإذا شهدناه بوصف شهدنا نفوسنا بذلك الوصف ، إذ لو لم يكن ذلك الوصف فينا ما شهدناه به .
وإذا شهدنا بوصف شهد نفسه بذلك الوصف.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا.
فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه.)
وقوله: (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا) من الكمالات،لا النقائص، إلا ما نسبه الحق إلى نفسه منها.
وقوله: (وبذلك وردت الأخبار الإلهية) مثل: "إن الله خلق آدم على صورته." و "لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه"و "مرضت فلم تعدني".
وغير ذلك من "القرض" و "الاستهزاء" و "السخرية" و "الضحك"،
كقوله: "واقرضوا الله قرضا حسنا". و "الله يستهزء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون". و"سخر الله منهم". و "ضحك الله مما فعلتها البارحة".
وقوله: (على ألسنة التراجم) من الأنبياء والأولياء.
وقوله: (إلينا فوصف) أي الحق.
وقوله: (نفسه لنا بنا) أي بصفاتنا، لماكانت عائدة إلى عيننا الثابتة من وجه، كما مر، قال: (بنا).
وقوله: (فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا) لأن ذواتنا عين ذاته لا مغايرة بينهما إلا بالتعين والإطلاق.
أو شهدنا نفوسنا فيه لأنه مرآة ذواتنا.
وقوله: (و إذا شهدنا) أي الحق.
وقوله: (شهد نفسه) أي، ذاته التي تعينت وظهرت في صورتنا. أو شهد نفسه فينا لكوننا مرآة لذاته وصفاته.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا.
فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه.)
(فلما علمناه بنا) أي: بما ظهر فينا من صفاته القابلة للظهور فينا (ومنا) أي: وعلمنا بعض أوصافه كوجوبه الذاتي من افتقارنا للزوم التسلسل على تقدير عدمه (نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا) إما بطريق الحقيقة.
وذلك فيما يليق به مما لا ينافي الوجوب الذاتي كالحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة والسمع والبصر، والكلام أو بطريق المجاز، إما بإرادة الغاية كالرضا والغضب، أو بوجه آخر کالجوع والعطش والمرض، وغير ذلك مما وردت به الأخبار النبوية، كما قال: (وبذلك وردت الأخبار الإلهية على ألسنة التراجم إلينا)، وهم الأنبياء عليهم السلام، مثل: " مرضت فلم تعدني، و جعت فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني"، "الله يستهزئ بهم" [البقرة: 15] "سخر الله منهم" [التوبة: 79]، و"ضحك الله مما فعلنا البارحة"، "وأقروا الله قرضا حسنا" [الحديد: 18].
ولا حاجة إلى تأويلات من لا وقوف له على هذا المشرب مع بعدها.
وفي قوله: (إلينا) أي: الواصلة إلينا بإيصال الرسل إشارة إلى جواز إفشائها، وإن كانت شنيعة بحسب الظاهر، لكن يقال للعامة: إنها من المتشابهات التي يجب الإيمان بها، وتفويض تأويلها إلى الله تعالى، وإذا كانت الأخبار الإلهية واردة بذلك على السنة التراجم.
(فوصف) أي: بين الحق (نفسه لنا بنا) أي: بظهوره فينا بصور أسمائه، أو آثارها، أو ما يتعلق بها إذ لولا ذلك لم يكن للحادث أن يعرف القديم مع بعد ما بينهما من المناسبة، ولما ظهر فينا صرنا مرآته، ولما لم يكن لنا من الوجود سوى صورته الظاهرة في أعياننا، ولا ثبوت لها إلا في علمه.
فهو مرآتنا (فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا) بما فيها من جمعية أسراره؛ لأنه مرآتنا، (وإذا شهدنا) الحق (شهد نفسه) أي: صور أسمائه أو أثارها، أو ما يتعلق بها فينا؛ لأنا مرآته بعد ما كان يشهد نفسه في نفسه.
ثم أشار إلى أن الظاهر في الكل، وإن كان واحد فلا يلزم وحدة تلك الصور الظاهرة لذلك الواحد ولا اتفاقها.
بل يجوز تكثرها واختلافها بحسب تكثر المرايا واختلافها، وقدم لذلك التمثيل بالأمور المعقولة مع الموجودات العينية؛ ليتوسل بذلك إلى بيان افتراق صور ظهور الحق في أنفسها، وفيما بينها وبين الحق.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا. فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه.)
بقوله رضي الله عنه : ( فلمّا علمناه بنا ) أي بوجودنا وحقائقنا ( ومنّا ) أي من أوصافنا ولواحق حقائقنا ( نسبنا إليه كلّ ما نسبناه إلينا ) ، ضرورة أنّ ذلك لو لم يكن مشتركا ما علم به .
ثمّ إنّ الواقفين في مواقف العقائد التقليديّة ، والعاكفين لدى الرسوم الوضعيّة والأصول الاصطلاحيّة إذ لم يتفطَّنوا لذلك الاستدلال ، قاصرين عن الوصول إلى طريقه الموصل إلى الحقّ ، جاهلين به وبحقيّته ، حائرين في ذلك ، أرشدهم إليه بأنّ هذا الاستدلال ليس ممّا اختلقه أهل الذوق ، إذ به نطق الزبر المنزلة السماويّة على قلوب القوابل لنا .
( وبذلك وردت الإخبارات الإلهيّة على ألسنة التراجم إلينا ) فإنّ تلك الألسنة هي صور وجوه العبيد المحدثين ( فوصف نفسه لنا بنا ) حيث تبيّن أنّا نحن عين أوصافه من العلم والحياة وما يتبعهما .
وقد ظهر من ذلك العين ما ورد في التنزيل : " سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه ُ الْحَقُّ ". " وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله ". و " من عرف نفسه فقد عرف ربه " .
( فإذا شهدناه ) في مواقف قرب النوافل ( شهدنا ) في مشاهد سمعنا وبصرنا بما ورد : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » ( نفوسنا وإذا شهدنا ) في مواقف قرب الفرائض ( شهد نفسه ) في مشهد سمعه ، كما ورد : " سمع الله لمن حمده " .
وإذ قد انساق كلامه في الجهة الارتباطيّة بين الواجب والممكن إلى موطن الاتحاد المفصح عن صرف التشبيه ، لا بدّ أن يستردفه بما ينبئ عن التنزيه ، جمعا بينهما وأداء به عن التوحيد الذاتي حقّه ، على ما جرت عليه الكلمة الكماليّة الختميّة ، كما ستقف عليه.

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا.
فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه.)
قال الشيخ رضي الله عنه : "فلما علمناه بنا و منا نَسَبْنَا إليه كل ما نسبناه إلينا."
(فلما علمناه بنا) باعتبار معنى الإلية أو السببية (ومنا) باعتبار معنى المنشئية (نسبنا إليه تعالي كلما نسبناه إلينا) من الأوصاف الكمالية لا ما فيه توهم نقص إلا ما نسبه الحق تعالى إلى نفسه كالمرض والقرض والاستهزاء والسخرية و غيرها
"و بذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا. "
(وبذلك)، أي بتوصيفه سبحانه كما نسبناه إلينا (وردت الأخبار الإلهية على ألسنة التراجم) من الأنبياء والأولياء وانتهت "إلينا".
"فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، و إذا شَهِدَنَا شهد نفسه. "
"فوصف" الحق سبحانه (نفسه لنا بنا)، أي بصفاتنا من أتا عين الأوصاف ،
(فإذا شهدناه تعالی) بصفاته (شهدنا نفوسنا)، لأن نفوسنا عين تلك الصفات ظهرت في مرتبة أخرى (وإذا شهدنا بالحق) سبحانه (شهد نفسه)، أي ذاته التي تعينت وظهرت بصورتنا.
وفي بعض النسخ: وإذا شهدنا نفوسنا شهدنا نفسه فكلاهما صحيح ثم اتساق كلامه رضي الله عنه في بيان جهة الارتباط بين الواجب والممكن إلى سائرهم الإيجاد.
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 12:52 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:28 من طرف الشريف المحسي

الفقرة الثالثة والعشرون الجزء الثاني .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثالثة والعشرون : الجزء الثاني

كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ ناصر بن الحسن السبتي الكيلاني 940 هـ:

قال الشيخ رضي الله عنه : (فلما علمناه بنا ومنا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا. وبذلك وردت الإخبارات الإلهية على ألسنة التراجم إلينا. فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه. )
قال الشيخ المصنف رضي الله عنه : [ فلمّا علمناه بنا و منا نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا، و بذلك وردت الأخبار الإلهية على ألسنة التراجم إلينا، فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا و إذا شهدنا شهد نفسه .]

قال الشارح رحمة الله :
( فلما علمناه بنا ): أي بأنفسنا لأنه عيننا اعلم أولا أنه بالتحقيق الأتم و الكشف الأوسع الأعم أنه تعالى كما ترى يعلم، و  كيف لا؟
إن الله تعالى خلق المعرفة المحدّثة به لكمال مرتبة العرفان و مرتبة الوجود .
و قال تعالى: "وما خلقْتُ الجِنّ والِإنس إلّا ليعْبدُونِ" [ الذاريات: 56] .
قال الراسخ في العلم: أي إلا ليعرفون، و قال: أعلم الخلق بالله صلى الله عليه و سلم "من عرف نفسه فقد عرف ربه".
أثبت مكان هذه المعرفة، و لم تكمل تلك المرتبة، تلك المرتبة الكمالية العرفانية إلا بتعلق العلم الحادث بالله على صورة ما تعلق به العلم المحدث به، ما تعلق إلا بما هو المعلوم عليه في نفسه، و الذي هو عين كل صورة فهو عالم بكل صورة من علمه بنفسه.
و لا يتصف بالعجز عن العلم به إلا من أخذ العلم عن دليل، و إمّا من أخذ العلم به عنه تعالى لا عن دليله، فهو لا يعجز عن حصول العلم بالله، فإنه ما حاول أمر العجز عنه، بل أنه علم موهوب من لدن حكيم عليم .

قال تعالى: "وعلّم آدم الْأسْماء كُلّها" [ البقرة: 31] و من اسم الذات فقد علم بشهادة الله تعالى لأنه عين الذات مثل الواحد و الأحد و الله عند أهل الظاهر، و قد بسطنا هذا المعنى في شرح آية الكرسي بسطا يعني للمتعند الكنود، فإني جعلته بمنزلة الكشف و الشهود .
ثم اعلم ثانيا أنه لا يصح العلم لأحد إلا لمن عرف الأشياء بذاته لا بأمر زائد و كل من عرف شيئا بأمر زائد على ذاته هو مقلد لعلوم النظر يعني: هو يعلم بذلك الوجه المخصوص الذي يعطيه الأمر الزائد لذلك الزائد فيما أعطاه، و ما في الوجود من علم الأشياء بذاته إلا واحد و كل ما سوى ذلك الواحد فعلمه بالأشياء تقليد، فلنقلد الله و لا سيما في العلم بالله .
ينبغي للعاقل الناصح نفسه إذا أراد أن يعرف الله ، أن يقلد الله فيما أخبر به عن نفسه في كتبه على السنة، تراجمه صلوات الله عليهم بالوقوف على الآداب الشرعية المشروعة عسى أن يحبه، و إذا أحبه يكون سمعه و بصره و جميع قواه.

فيعرف الأمور كلها بالله، و يعرف الله بالله فلا يدخل في علمه شبهة و لا ريب، و أنت قد عرفت أنه لا مزيل لهذا الداء العضال إلا أن يكون الحق عين قواه و هو سبحانه عالم بذاته و أنه لعالم بذاته لا بأمر زائد .فافهم .
فقد نبهتك على أمر ما أطرق سمعك، فإن العلماء من أهل النظر يتخيلون أنهم علماء بما أعطاهم النظر و الحس و العقل، و ليس كذلك لما فهمته إن كنت فاهما من مقدمة كتابنا أن هذا النوع من العلم خارج عن طور العقل، فلا يدركه مستقلا فافهم .
فقوله رضي الله عنه:
(علمناه به) لأنه ظاهر بنا فعلمناه بعلمنا بأنفسنا، كما ورد في الخبر: "من عرف نفسه فقد عرف ربه". 
( ومنا ): أي من صفات أنفسنا لا من خارج عنا، فعلمنا المورد و المصدر و الأصل و الفرع .
( منا نسبنا إليه) ذاتا و اسما من الأسماء التنزيهية و التشبيهية إلينا مما قبله العقل و مما لا يقبله العقل إلا بضرب من التأويل .
اعلم أن الأسماء الكونية قد وسم الحق بها نفسه كالاستهزاء و النسيان و التعجب و الضحك و الخدعة و الغضب، والأسماء الإلهية قد سمّاها تعالى الكون بها كالرؤف الرحيم، فأسماء الكون إذا نسبتها إلى الحق هل هي خلق أو استحقاق؟
فاعلم أن العبد من حيث أنه عبد لا يستحق شيئا لأنه من حيث عينه باطل ليس بحق أصلا، و الحق هو الذي يستحق بالحق، فجميع الأسماء في العالم و متخيل أنه حق للعبد هي حق الله تعالى، و أنه ليس للعبد سوى عينه، و عينه عدم فلا حق له و لا استحقاق، فافهم .
فإنه ما ثم مسمّى وجودي إلا الله و الأعيان معدومة في عين ما ظهر فيها، فقد اندرج في هذا الوصل إن فهمت جميع المعارف على تقاسيمها، فافهم فإنه عظيم الجدوى عزيز المثال جدا .

و بذلك وردت الإخبارات الإلهية على السنة التراجم إلينا، فإنه تعالى وصف نفسه في كتابه و على السنة رسله بما وصف به المخلوقات المحدثات من المجيء والنزول والإتيان والوجه والعين و السمع و البصر و اليد و القدم و الأصابع و الذراع و البشيش و التعجب و الضحك و الرضى و الكراهة و التردد مما لا يقبلها العقل إلا بضرب من التأويل .
إمّا أن تكون هذه النسب في جنابه تعالى حقا ثم نعتنا به، و إمّا أن يكون لنا حقا، و نعت نفسه بها توصيلا لنا بها و خبره بها صدق و لا كذب، فإن كنا نحن فيه الأصل فهو مكتسب، و إن كان هو الأصل فقد كسبنا أباها، و هذا من أغمض نتائج العلم بالله فإنه أضاف نعوت المحدثات كلها بإخباره إخبارا قديما أزليا .
و منها قوله تعالى: "ولنبْـلوّنكُمْ حتّى نعْلم المُجاهِدِين مِنْكُمْ والصّابرين ونبْـلوا أخْبارُكمْ" [ محمد: 31] .

قال رضي الله عنه في منصات الأعراس من "الفتوحات" في المنصة الثالثة :
تجلي العبد في أسماء الكون، و تجلى له في أسمائه الحسنى، فيتخيل في تجليه بأسماء الكون أنه نزول من الحق في حقّه و لم يكن ذلك في أفقه، بل أن الكل أسماؤه الحسنى و أن العبد لا اسم له، حتى أن اسم العبد ليس له، و أنه متخلق به كسائر الأسماء الحسنى.
قال رضي الله عنه: إن هذا نهاية الكشف لربه و غايتها و كانت غاية أبي يزيد قدّس سره دونها .
فإن غايته ما قاله عن نفسه أنه قال لربه: يا رب بماذا أتقرب إليك؟
قال: بما ليس لي، قال: يا رب ما ليس لك و كل  شيء لك؟
فقال: الذلة و الافتقار .
فهذا خطه قدّس سره من ربه، ورآه غاية فإنه غايته لا الغاية و هذه طريقة أخرى ما رأيتها لأحد من الأولياء ذوقا إلا الأنبياء و الرسل خاصة صلوات الله عليهم أجمعين، و قليل من صفوة .
قال تعالى: " قليلٌ مِنْ عِبادِي الشّكُورُ" [ سبأ: 13] .

قال رضي الله عنه في الفتوحات الباب التاسع و أربعمائة: 
إن الله تعالى أطلعني على أن جميع ما يتسمّى به العبد و يحق له النعت به و إطلاق الاسم عليه لا فرق بينه و بين ما ينعت به من الأسماء الحسنى فالكل أسماء إلهية، و هذا علم أمنّ الله به علينا مع مشاركتنا لهم قدّس سرهم فيما ذهبوا إليه، انتهى كلامه رضي الله عنه .
أي بإلحاق سفاسفها بها فتكون كلها مكارم لأنه ما ثم مسمّى وجود إلا الله فهو المسمّى بكل اسم، والموصوف بكل وصف، و المنعوت بكل نعت .
قال تعالى: " سُبْحان ربِّك رب العِزِّة عمّا يصِفُون" [ الصافات: 180] من أن يكون له شريك في الأسماء و الصفات كلها، فالكل أسماء الله الحسنى و لا غير حتى يكون له اسم أو وصف أو صفة، و الأعيان ما شمّت رائحة الوجود، فافهم .
فإن ما فوق هذه المعرفة معرفة ولا يعلم ذلك إلا العلماء الأمناء، وأن الأسماء والصفات كلها  والتنبيه على ذلك قوله تعالى: "ليس لك مِن الْأمْرِ شيْءٌ" [ آل عمران: 128] فوصف نفسه لنا بنا و نحن له صفاته النفسية .
قال تعالى على لسان عباده:" إّنك كُنْت بنا بصِيرًاً" [ طه: 35] و هو البصير بنا .
قد ورد في الخبر بهم أراد بعض الأولياء : "تنصرون و هو الناصر، و بهم ترزقون و هو الرازق" .
فتعرف إلينا بنا، و أحالنا في المعرفة به علينا فإذا علمناه بنا عرفنا نفوسنا ونحن له صفات، فلتعلم أنك ما حكمت على معروفك إلا بك، فما عرفت سواك فافهم .
وفيه سرا آخر أخفي منه وهو أن الصفات النفسية إذا رفعتها ارتفع الموصوف بها، و لم يبق له عين لا في الوجود العيني ولا في الوجود العقلي حيث ما رفعتها فافهم، فإنك ما تسمع مثال هذا أبدا إلا من شخص سبل نفسه وعرضه .

كان صلى الله عليه و سلم يقول : "أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا أصبح يقول:
اللهم إني قد وهبت نفسي و عرضي لك فلا يشتم من شتمه، ولا يظلم من ظلمه ولا يضرب من ضربه" رواه أنس رضي الله عنه . رواه أبو داود والبيهقي في الشعب.
( فإذا شهدناه ): أي الحق تعالى من حيث أنه مرآة العالم، (شهدنا نفوسنا فيها) لأننا ظاهرون في الوجود .
( وإذ شهدنا) من أن تكون له كالمرايا، (شهد نفسه فينا) لأنه الطاهر فينا فالكل مراء والكل مشهود .
قال تعالى: "و شاهِدٍ و مشْهُودٍ" [ البروج: 3] .
هذا هو شهود الخلق في الحق و شهود الحق في الخلق .
أو نقول: فإذا شهدناه بوصفه شهدنا نفوسنا، فإنها عين وصفه.
(و إذا شهدنا شهد)  الحق تعالى (نفسه): أي ذاته التي تعينت و ظهرت بصورنا أن الله خلق آدم على صورته. فافهم .
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 12:51 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:28 من طرف الشريف المحسي

الفقرة الرابعة والعشرون الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الرابعة والعشرون : الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد. فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.)
(ولا نشك أنا كثيرون بالشخص) كزيد وعمرو مثلا (والنوع) کالعجمي والعربي والشاب والشيخ ونحو ذلك.
(وإنا وإن کنا) في نفوسنا (على حقيقة واحدة تجمعنا) وهي الإنسانية (فنعلم قطعا) من غير شبهة (أن ثمة فارقة به تميزت الأشخاص) والأنواع (بعضها عن بعض) بحيث صار كل شخص منا متشخصا بحقيقة على حدة مستقلة بانفرادها من تلك الحقيقة الواحدة التي تجمعنا كلنا.
وهذا الاختصاص نوع من أنواع الظهور وليس هو للنوع الآخر منه (ولولا ذلك) الفارق الذي تميزت به الأشخاص (ما كانت الكثرة) للجزيئات (في) الكلي (الواحد) كما قال تعالى : "يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)" سورة النساء.
فالنفس الواحدة آدم عليه السلام وزوجها المجعولة منها حواء والناس المخلقون من هذه النفس الواحدة وزوجها هم بنو آدم إلى يوم القيامة .
(فكذلك أيضا) في جناب الحق تعالى (وإن وصفنا بما وصف به نفسه من جميع الوجوه)، كما ذكرنا ليدلنا عليه تعالی بنا.
(فلا بد من فارق)، موجود بيننا وبينه تعالى (وليس) ذلك الفارق (إلا افتقارنا إليه)، سبحانه وتعالى (في الوجود) وافتقاره هو جل وعلا إلينا في الأوصاف والأسماء على حد ما بيناه فيما سبق.
(و) إلا (توقف وجودنا عليه) سبحانه وتعالى، فإن وجوب وجوده تعالى بذاته ووجوب وجودنا نحن به تعالى.
(لإمكاننا)، أي قبولنا للوجود والعدم على السوية من غير ترجيح إلا بمرجح من جهة الغير (وغناه) عز وجل (عن مثل ما افتقرنا إليه) من الوجود فإنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره، وأما في أوصافه وأسمائه فهو متوقف علينا و مفتقر إلينا.
فكما أنه تعالى أعطانا الوجود فنحن أعطيناه الأوصاف والأسماء.
وربما يتلاعب بعقلك خاطر تشکل به علينا توقف الحق تعالى في الأوصاف والأسماء على غيره وافتقاره إلينا في ذلك.
فترد الحق المبين بوسواس عقلك المتمسك في دينك، فنقول لك أولم تؤمن بتعلقات أوصافه تعالى وأسمائه بآثاره.
وأن هذه التعلقات كلها أزلية، وأنها نفسية للصفات كما ذكروه في عقائد أهل البداية، والصفة النفسية، وتفارق الموصوف بها إذ لولاها لما كان الموصوف بها.
وهذا القدر كافي لك في نصرتك على وسواسك وعقلك إن كنت من أهل التوفيق في هذا الطريق.
(فبهذا)، أي بغناه تعالى على مثل ما افتقرنا إليه وهو الوجود الذاتي (صح له) تعالى دون غيره الاتصاف بوصف (الأزل والقدم) وهما بمعنى واحد، ولهذا نعتهما بطريق الإفراد .
فقال : (الذي انتفت عنه الأولية)، فإن الأزل والقدم لا أول له ثم نعت الأولية بقوله (التي لها افتتاح الوجود عن عدم) قبلها
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد. فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.)
ولما بين "النور الذاتي والسر الساري" الاتحاد بين العبد والرب من هذين الوجهين شرع في بيان الافتراق فقال : (ولا شك أنا كثيرون بالشخص) باعتبار انضمام تشخصاتنا إلى حقيقتنا النوعية (و) كثيرون (بالنوع) باعتبار انضمام فصولنا المميزة إلى حقيقتنا الجنسية.
(وإنا وإن كنا على حقيقة) واحدة نوعية (هي تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم) أي في حقيقة واحدة (فارقا به) أي بذلك الفارق (تميزت الأشخاص بعضها من بعض ولولا ذلك)الفارق (ما كانت) ما وجدت (الكثرة في الواحد) .
فإذا حصل الفراق بين الممكنات بعد اتحادها في حقيقة واحدة (فكذلك أيضا) حصل الفارق بيننا وبين الحق (وان وصفنا) الحق (بما وصف به نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق وليس) .
ذلك (الفارق إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وفناه عن مثل ما افتقرنا إليه) وهو افتقارنا في الوجود (فبهذا) الأستغناء  (صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم).

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد. فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.)
وأما قوله رضي الله عنه : "فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية".
قلنا: معناه أنه لا أولية لغناه عن خلقه ولا أولية له في افتتاح الوجود أي وجوده ليس عن عدم سابق فيتحقق له الأولية في اتصافه بالوجود بعد أن لم يكن متصفا به. قوله: "مع كونه الأول" .
قلت: قوله، رضي الله عنه، مع كونه الأول في قوله تعالى: "هو الأول والآخر" (الحديد: 3). إلا أن الشيخ هنا لم يذكر بأي معنى قيل فيه تعالى: أنه الأول مع ما ذكره من انتفاء تلك الأولية المذكورة عنه.
قوله: ولهذا قيل له الآخر. قلت: يعني لنفي تلك الأولية المذكورة.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد. فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.)
قال الشيخ رضي الله عنه : " ولا نشكّ أنّا كثيرون بالشخص والنوع ، وأنّا وإن كنّا على حقيقة واحدة تجمعنا ، فنعلم قطعا أنّ ثمّ فارقا ، به تميّزت الأشخاص بعضها عن بعض ، ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد " .
يعني : رضي الله عنه :
أنّ هذه الشؤون وإن اشتركت في أنّ كلَّا منها شأن ذاتي له أو نسبة من نسب الألوهية ،ولكنّه لا بدّ أن تكون لكلّ شأن منها خصوصية ، بها يتميّز عن غيره.
فتلك الخصوصيات هي التي أوجبت تعدّد الأشخاص وتمايزها بشخصياتها عند وجودها العيني بموجب وجودها العلمي ، فالوجود وإن كان موجودا للكلّ ، ولكنّ الخصوصيات الذاتية تعيّن الوجود الواحد بحسبها .
فيختلف ظهور الوجود الحق الواحد الأحد في جميع مراتب العدد ، ويتكثّر بحسب القوابل المختلفة المتكثّرة .
ولولا هذا السرّ ، لم تظهر الكثرة المتعقّلة في الواحد ظهورا وجوديا ، ولا الكثرة الوجودية في أحدية الجمع ، كما نقول : " مدينة واحدة " مع اشتمالها على البيوت والدور الكثيرة ، وكقولنا : « كتاب واحد » مع أنّه ذو حروف وكلمات كثيرة ، و « شخص واحد » مع أنّه ذو أجزاء وأعضاء كثيرة .
قال الشيخ رضي الله عنه : " فكذلك أيضا ، وإن وصفنا بما وصف به نفسه من جميع الوجوه ، فلا بدّ من فارق  وهو افتقارنا إليه في وجودنا ، وتوقّف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه . فبهذا صحّ له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأوّلية التي لها افتتاح الوجود عن عدم"
قال العبد أيّده الله :
كما أنّا وإن كنّا مشتركين في الاستناد إلى الحق والدلالة عليه وفي القيام بوجوده الواحد ، ولكنّا كثيرون بالأشخاص والخصوصيات الذاتية ، والتفرقة فيما بيننا ظاهرة .
فكذلك إذا دللنا عليه فإنّ دلالة كلّ منّا بخصوصية ليست في الآخر .
وكذلك وإن وصفنا بما وصف به نفسه وأعطانا الاتّصاف بأوصافه جميعا والتسمّي بأسمائه طرّا ، فلا بدّ من فارق بيننا وبينه لا نشاركه فيه أصلا ، وهو وجوبه الذاتي الذي انفرد به من ذاته دوننا ، وأمّا الفارق من قبلنا الذي خصّصنا به دونه فهو افتقارنا جميعا إليه على التعين في الوجود وذلك لإمكاننا الذاتي ، كما مرّ ، فتذكَّر .
واعلم : أنّ في الإمكان سرّا شريفا ذكرنا في موضعه ، فاطلبه من هناك ، إن لم تعثر عليه من هاهنا ، فقد أومأنا إليه في مواضع ممّا سلف وفيما خلف .
وقوله رضي الله عنه : " عن مثل ما افتقرنا إليه " يدلّ على شمول الافتقار ومرتبتي الوجود أعني مرتبتي الحق والخلق لكون الوجود يشملهما ، والحق من حيث ذاته ووجوده الذاتي غنيّ عنّا ونحن مفتقرون إليه بذواتنا في وجودنا .
ولكنّ الربوبية من كونها تقتضي المربوب بحقيقتها ، والخالقية لا تتعقّل بدون المخلوق وجودا وتقديرا فثبت الافتقار للنسب الإلهية في تعيّنها الوجودي والتعقلي إلى متعلَّقاتها ضرورة توقّف الأمور الإضافية والنسبية على طرفيها وافتقارها إليها .
ولا يقدح ذلك في الغنى الذاتي فإنّ الله غنيّ بذاته في وجوده أزلا وأبدا .
وهذا الافتقار المذكور ليس إلَّا في النسب الأسمائية فإنّ الألوهية والربوبية والخالقية والرازقية وغيرها حقائق يتحقّق وجودها بالمألوه والمربوب والمخلوق والمرزوق ، والغنى لله في ذاته لكون وجوده من ذاته ، وعين ذاته .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد. فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.)
فلما علمناه ومنا نسبناه إليه كل ما نسبناه إلينا كالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والكلام وغير ذلك ، والتراجم هم الأنبياء عليهم السلام .
فإنهم أخبروا بهذا المعنى في قوله تعالى :"وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله ". و " وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى ".
و " من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله ". و " إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايعُونَ الله ".
- وفي الحديث « من عرف نفسه فقد عرف ربه » وأمثالها .
وهذا معنى قوله فوصف نفسه بنا فإذا شهدناه بوصف شهدنا نفوسنا بذلك الوصف ، إذ لو لم يكن ذلك الوصف فينا ما شهدناه به .
وإذا شهدنا بوصف شهد نفسه بذلك الوصف ، فإن ذلك الوصف وصفه تجلى به لنا بحسب استعدادنا وإلا من أين حصل لنا ذلك ونحن عدم محض ، ومن ثمة يعلم أن وجودنا وجوده تعين بصورتنا وانتسب إلينا فتقيد وتذكر صمديته لكل شيء حتى تراه في كل شيء.
" أَولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ".
- ولما بين هذا الاتحاد أراد أن يبين الفرق بين الحق والخلق .
فمثل بتعدد أشخاص النوع وأنواع الجنس .
أي فبالغنى الذاتي الصمدى القيومى لكل ممكن وكونه سند مقوم لكل مقيد صح له الأزل والقدم ، وانتفت عنه الأولية بمعنى افتتاح الوجود عن العدم ، فإنه محال في حقه مع كونه الأول

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد. فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.)
وقوله: (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع) ويجوز أن يكون (أنا) عبارة عن لسان أهل العالم، أي، أهل العالم أي، إنا كثيرون.
بالأشخاص والأنواع التي فيه، ويجوز أن يكون عن لسان الأفراد الإنسانية، أي، إنا كثيرون بالشخص وبحسب الأنواع التي فينا لتركبنا من العالمين الروحاني والجسماني. ويؤيد الثاني مابعده .
وهو قوله: (وإنا وإن كنا على حقيقة واحدة) أي، وإن كنا مشتملة على حقيقة نوعية هي
قوله: (تجمعنا، فنعلم قطعا أن ثمة فارقا به) أي، بذلك الفارق.
قوله: (تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك) أي الفارق.
قوله: (ما كانت الكثرة في الواحد) أي، حاصلة ومتصورة في الواحد.
قوله: (فكذلك أيضا وإن وصفناه) أيالحق.
قوله: (بما وصف به نفسه من جميع الوجوه، فلا بد من فارق.)
لما شبه في الأول، أراد أن ينزه هنا ليجمع بين (التنزيه) و (التشبيه) على ما هو طريقة الأنبياء.
(وليس) ذلك الفارق.
قوله: (إلا افتقارنا إليه في الوجود، وتوقف وجودنا عليه، لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه) وإنما حصر الفارق في افتقارنا وغناه، لأن غيرهما أيضا عائد إليهما، سواء كان وجوديا أو عدميا.
قوله: "فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم"
أي، بسبب هذا الغناء صح له أن يكون أزليا وأبديا وقديما في ذاته وصفاته.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد. فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.)
فقال الشيخ رضي الله عنه : (ولا نشك أنا) أي: المحدثات (كثيرون بالتشخيص) أي: المحدثات (وإن كنا على حقيقة واحدة) نوعية أو جنسية (فنعلم قطعا أن ثمة) أي: في الواقع بين كل فرد فرد، ونوع نوع (فارقا) من الأعراض المشخصة، أو الفصول المميزة (به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض) و الأنواع بعضها عن بعض لكن لم يتعرض لتميز الأنواع لا يستلزم تميز الأشخاص إياه.
وإنما قال : بعضها عن بعض لئلا يتوهم أن المراد تميز أشخاص نوع عن أشخاص نوع آخر، (ولولا ذلك) الفارق بين الأفراد والأنواع (ما كانت) أي: حصلت (الكثرة في الواحد) النوعي أو الجنسي.
فهذا استدلال بالكثرة في الحقيقة الواحدة على وجود الفارق، وإذا عرفت هذا فيما بين الأشخاص والأنواع التي هي صور حقيقة الواحدة النوعية أو الجنسية مع أنها حقيقة معقولة.
(فكذلك أيضا وإن وصفناه) نحن الحق بسبب ظهوره فينا (بما وصف به نفسه) بحيث يطابق وصفنا إياه، وصفة نفسه (من جميع الوجوه فلا بد من فارق) بين أوصافنا وأوصافه.
(وليس) ذلك الفارق بالنسبة إلى الكل (إلا افتقارنا إليه) أي: (في الوجود)، وذلك الافتقار (توقف وجود)، الماهية من توقف صورة المرأة على محاذاة ذي الصورة إياها.
وذلك التوقف (لإمكاننا، وغناه) أي: الحق (عن مثل ما افتقرنا إليه) أي: في الوجود وإلا كان ظهوره في المظاهر يتوقف، وهي ثبوت المظاهر في نفسها أي: بالفناء الذاتي(صح) أنه لا يجتمع هو، واستمرار الوجود في الماضي بحيث لا ينقطع فيه أصلا؟ لأنه لما لا يفتقر في وجوده إلى غيره فوجوده مقتضى ذاته، فاستمر باستمراره الثابت، وصح له (القدم)، وهي هكذا استمرار الوجود في الماضي بحيث لا ينقطع فيه أصلا بل
(الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم)؛ لأنها بهذا المعنى ماهية للفناء الذاتي ؛ لأن ما افتتح وجوده عن عدم فمقتضي وجوده إما ذاته، ولا يتغير مقتضى الذات أو غيره فيفتقر إلى الغير.
وإنما قيد انتفاء الأولية بهذا المعنى لثبوت الأولية له بمعنی سبق وجوده على الكل، وبمعنی كونه يستند إليه الكل في الابتداء إلا أن الشيخ رضي الله عنه لم يعتبر الأول من المعنيين. لأن الأول بذلك المعنى لا يقابل الأخر، بل اعتبر المعنى الثاني.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد.
فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. 
فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.)

فإليه أشار بقوله  رضي الله عنه : ( ولا شكّ أنّا ) أي الحوادث الإمكانيّة ( كثيرون بالشخص والنوع ، وأنّا ) أي الأفراد الإنسانيّة منها ( وإن كنّا على حقيقة واحدة تجمعنا ) بوحدتها العينيّة التي لا تقبل التفصيل ولا التكثّر  بالذات كما بيّن ، ( فنعلم قطعا أنّ ثمّ فارقا به تميّزت الأشخاص بعضها عن بعض ، ولولا ذلك ) الفارق ( ما كانت الكثرة في الواحد ) .
( فكذلك أيضا ) فيما نحن فيه ، فإنّه ( وإن وصفناه ) أي الحقّ في الموطنين المذكورين ( بما وصف به نفسه من جميع الوجوه ، فلا بدّ من فارق ) به يتميّز الوصفان ،( وليس ) ذلك الفارق (إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقّف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه) .أي انحصر الفارق في الافتقار في الوجود ، والغناء عنه .
فإنّ الغناء المطلق لا يصح فيما اعتبر فيه نسبة من النسب أصلا ، فما اختصّ به ذات الممكن هو الافتقار الذي به افترق عن الواجب وتكثّر ، ومنه بعد عنه وسمّي عبدا . 
كما أنّ ما اختصّ به الواجب هو الغناء عن مثل ذلك ، وهو الذي به يتقدّم ذاتا ورتبة ، ويتّصف بالوحدة الحقيقية الذاتية ، لا العدديّة الإضافيّة
 .وفي هذا الكلام تلويح غير خفيّ .
( فبهذا ) الفارق (صحّ له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأوّليّة التي لها افتتاح الوجود عن عدم) على ما يلزم أرباب العقائد التقليديّة فيما اعتقدوه في الواجب من الصورة المحصورة المقيّدة ، والوجه الجزئي الجعلي تعالى عن ذلك علوّا كبيرا وذلك لأنّ الأوّليّة في تلك الصور إنّما يتصوّر إذا كان لها افتتاح الوجود عن عدم .


شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد. فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.)
قال الشيخ رضي الله عنه : "و لا نشك أنّا كثيرون بالشخص و النوع، و أنا و إن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعاً أن ثَمَّ فارقاً به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، و لو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد."
دفعه بقوله : (ولا تشك أنا) يعني أهل العالم (كثيرون) متفاوتون (بالشخص والنوع)، فإن في العالم أنواعا مختلفة .
ولكل نوع أشخاصا متعددة (وإنا) يعني الأفراد الإنسانية (وأن کنا) مشتملة على حقيقة واحدة) نوعيه (يجمعنا ليعلم قطعا أن ثمة).
أي أشخاص تلك الحقيقة (فارقا به)، أي بذلك الغارق (تميزت الأشخاص بعضها عن بعض)، وإذا لم يجمعنا يعني أهل العلم حقيقة واحدة نوعية فوجود الفارق أظهر ولهذا ما وقع التعريض له.
(ولولا ذلك) الفراق (ما كانت الكثرة) بحسب الأفراد متحققة (في) النوع (الواحد) ، وإذا عرفت أن بين أفراد العالم بل الأفراد الإنسانية فارقة يميز بعضها عن بعض .
"فكذلك أيضاً، و إن وَصَفَنَا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، و ليس إلا افتقارنا إليه في الوجود و توقف وجودنا عليه لإمكاننا و غناه عن مثل ما افتقرنا إليه."
(فكذلك) الحال بيننا وبين الحق (أيضا)، فإنه (وإن وصفنا).
أي الحق سبحانه وأعطانا الاتصاف (بما وصف به نفسه من جميع الوجوه)، أي وجوه الصفات وأنواعها أو وجوه الأوصاف القولية والفعلية (فلا بد من فارق) بيننا وبينه لا نشاركه ولا يشاركنا فيه أصلا (وليس) الفارق من قبلنا الذي خصصنا به دونه (إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه الإمكاننا).
وتساوي نسبتي الوجود وانعدم إلى ذواتنا فلا بد من مرجح.
وأما الفارق الذي انفرد به سبحانه ، فهو وجوبه الذاتي وغناه عن مثل ما افتقر إليه من الموجد
"فبهذا صح له الأزل و القدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم. "
(فبهذا) الوجوب الذاتي والمعنى :
(صح له الأزل)، أي الأزلية (والقدم) الذاتي (الذي انتفت به عنه الأولية التي) ثبت (بها)، أي تلك الأولية (افتتاح الوجود عن عدم).
قال صلى الله عليه وسلم : "أول ما خلق الله العقل" ، أي الذي افتتح الوجود بعدم العدم من الموجودات هو العقل.
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 12:42 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:28 من طرف الشريف المحسي

الفقرة الرابعة والعشرون الجزء الثاني .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الرابعة والعشرون : الجزء الثاني

كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ ناصر بن الحسن السبتي الكيلاني 940 هـ:

قال الشيخ رضي الله عنه : (ولا نشك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد. فكذلك أيضا، وإن وصفنا بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.)

قال الشيخ المصنف رضي الله عنه : [ و لا نشك أنا كثيرون بالشخص و النوع و أنا و إن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثمة فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، و لو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد .  فكذلك أيضا، و إن وصفناه بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق ] .

قال الشارح رحمة الله :
( و لا تشك أنا ): أي أهل العالم كثيرون بالشخص و النوع لأنك أشخاص غير متناهية تحت أنواع متناهية .
( و إن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا) تلك الحقيقة الواحدة في الواحدية لأن أفراد الجنس مثلا على كثرتها و عدم تناهيها يجمعنا النوع الكلي و هو الإنسانية و لكن لو لم يكن في كل فرد فرد معنى آخر زائد عن الأصل الكلي لما اختلفت الأفراد و الأشخاص باللوازم الشخصية و الخواص.
( فتعلم قطعا أن ثمة فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض) كما تميزت الأنواع بعضها عن بعض، و لو لا ذلك التمييز ما كانت الكثرة في الوحدة: أي ما ظهرت الكثرة موجودا في العالم مع أن الأصل واحد، فعرفنا به أن التمييز الفارق ظهور العالم و صوره المتكثرة المتنوعة مع أن الأصل واحد، فكذلك أيضا: أي الحال في الإلهيات كثرة مع الفرقان في عين واحدة .

( و إن وصفناه ): أي الحق تعالى (بما وصف به نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق) لما شبه، أو لا .
حيث قال رضي الله عنه: فوصف نفسه لنا بنا، فأراد أن ينزهه هنا ليجمع بين الحسنين التنزيه و التشبيه كما هو عادة الأولياء و سنن الأنبياء عليهم السلام، فأثبت الفارق .
و ذلك أنه لما قيل في الإنسان الكامل أنه على الصورة فما نقصه من الكمال  شيء، و بقي حكم وجوب الوجود للتمييز بين الحق و العالم إذ لا يرتفع ذلك: أي التمييز بين الحق و الإنسان بوجوب الوجود من حيث أنه إنسان و لا يصح له فيه قدم، فافهم .

و له تمييز آخر ذكره رضي الله عنه في "الفتوحات ": 
و ذلك أن الحق يتقلب في الأحوال و لا تتقلب عليه الأحوال لأنه يستحيل أن يكون للمحال عليه .
و أمّا تقلب الحق في الأحوال فمعلوم بالاستواء و النزول و المعية و الضحك و الفرح و الرضا، و كل حال وصف به نفسه فهو يتقلب فيها بالحكم و هو التحول في الصور، فهذا الفرق بيننا و بين الحق تعالى و هو أوضح الفروق و أعلاها أن يكون الفروق بالحدود الذاتية التي بها يتميز الحق و الخلق و حدود الكون بأسره هو الحد الذاتي بواجب الوجود، هذا المشهد غاية العارفين و أهل الرؤية .

قال تعالى: "و فوق  كُل ذِي عِلْمٍ عليمٌ" [ يوسف: 76] فالعلماء بالله فوق هذا الكشف و المشهد، فإنهم في هذا المقام على حكم الحق فيه كما يرى المحجوب فينكرون النكرة، و يعرفون المعرفة و الحدود الذاتية عندهم للأشياء كالعامة، فافهم . 
فإنهم أهل تمييز و صحو، و أمّا أهل الرؤية قدّس سرهم يحافظون على هذا المقام لسرعة نقلته من قلوبهم، فإن من لم يستصحب الرؤية دائما مع الأنفاس لا يكون من هؤلاء الرجال . 
و هذا مقام من يقول غير الله قط، و أمّا من عرف الحق، و الحق سمعه و بصره و جميع قواه عليه هذه الرؤية لأنه بقواه يرى الأشياء كما هي، و يعلم الأمر كما هو فعرف بالحق و الخلق، و يرى الحدود الذاتية الفارقة للذوات حقا و خلقا . 
قال رضي الله عنه في الفتوحات الباب الحادي والخمسين وثلاثمائة:
إن من لهذا المقام فلا يحاد به أحد في علمه بالله، فهذا هو العالم المميز بالحد الذاتي و العالم الفارق الذي لا نقال عنه، فافهم.

قال المصنف رضي الله عنه : [وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه.]
قال الشارح رحمة الله : ( و ليس إلا افتقارنا إليه في الوجود، و توقف وجودنا عليه لا مكاننا) . 
قال الله تعالى: "يا أيُّها النّاسُ أنْـتمُ الفُقراءُ إلى اللّهِ" [ فاطر: 15] فافهم.
أنه وصفنا بما وصف به نفسه، توهم الاشتراك وهو لا اشتراك فيه، فإن الرتبة قد ميزته فيقبل كل واحد ذلك الإطلاق على تعطيه الرتبة التي يتميز بها فإنا نعلم قطعا أن الأسماء الإلهية التي بأيدينا تطلق علينا . 
كما قال تعالى في حق النبي صلى الله عليه و سلم:" بالمُؤْمِنين رؤُفٌ رحِيمٌ" [ التوبة: 128] كما تطلق على الحق تعالى أن نسبة تلك الأسماء التي وقع الاشتراك في اللفظ بها إلى الله غير نسبتها إلينا، فما انفصل عنا إلا بربوبيته، و ما انفصلنا عنه إلا بعبوديتنا فمن لزم منا رتبته فما جني على نفسه، بل أعطي الأمر حقه فقد بان لك الحق تعالى و بان لك الخلق، فتل ما شئت . 
فالفارق من جهة الحق الوجوب الذاتي ومن جهة العبد الافتقار، وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه.
قال تعالى: "و اللّهُ هُو الغني الحمِيدُ" [ فاطر: 15] .
و قال تعالى: "و اعْلمُوا أنّ اللّه غني حمِيدٌ" [ البقرة: 267] .
و قال تعالى: "فِإنّ اللّه غني عنِ العالمِين" [ آل عمران: 97] . للدلالة عليه لظهوره بنفسه للعالم، فاستغنى أن يعرف بالعالم ولا يدل عليه الغير، بل هو الدليل على نفسه بظهوره لخلقه، فمنهم من عرفه و ميزه من خلقه، و منهم من معارفيه فلم يدر ما هو؟.
 كأبي يزيد قدّس سره : فإنه علم أن ثمة تميزا و لكن ما عرف ما هو حتى سأل .
وقال: يا ربّ بماذا أتقرب إليك؟ 
فقال تعالى: بما ليس لي، فقال: يا رب وما ليس لك وكل شيء لك؟ .
فقال تعالى: الذلة والافتقار حتى سكن ما عنده قدّس سره وهذه المحتملات الثلاثة من محتملات كلمة جمع جوامع الكلم صلى الله عليه و سلم .
فإنه قال : "من عرف نفسه فقد عرف ربه"  .
أمّا تعليق محال على محال هذا من مقام الحيرة، و أمّا من مقام العلم بصحو و تميز كالمحققين من الكمّل .
وأمّا من مقام العرفان أنه ما يرى الغير، فإذا عرف نفسه بهذا الاعتبار فهو عين معرفة الرب، فافهم .
وهنا لسان آخر و ذوق غير ذلك الذوق من أذواقه رضي الله عنه، قال تعالى: "وذ كرْ فِإنّ الذكْرى تنفعُ المُؤْمِنين" [ الذاريات: 55] .
فاعلم أن الله تعالى غنيّ عن العالمين بالعالمين كما يقال في صاحب المال: إن الله غني عن المال بالمال، فهو الموجب له الغنى .

وهي مسألة دقيقة لطيفة الكشف فإن  الشيء لا يفتقر إلى نفسه فهو الغني عن نفسه بنفسه .
قال تعالى: " يا أيُّها النّاسُ أنْـتمُ الفُقراءُ إلى اللّهِ و اللّهُ هُو الغنِي الحمِيدُ" [ فاطر: 15] .
الذي يرجع إليه عواقب الثناء، و ما يثني الأبناء من وجودنا، و أمّا تنزيهه عما يجوز علينا، فما وقع إلينا عليه تعالى إلا بنا، فهو غنيّ عنا فلا بد منا بثبوت هذا الغنى له بقاء، و من أراد أن يقرب عليه تصور هذه المسألة فلينظر إلى ما سمّي به نفسه سبحانه من كل اسم يطلبنا فلا بد منا.
فلهذا لم يمكن الغنى إلا بنا إذا حكم الألوهية بالمألوه، وحكم الربوبية بالمربوب والمريد بالمراد، والقادر بالمقدور، والقول بالمقول وهكذا الأمر.

قال المصنف رضي الله عنه : [ فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.]
قال الشارح رحمة الله
(فبهذا ): أي بهذا الغنى الذاتي، و عدم الاحتياج بالوجود لأن الوجود عينه و الشي ء لا يكون مفتقر إلى نفسه، فإنه غني عن نفسه بنفسه، فلو كان فقيرا يلزم أن يكون  الشيء الواحد من حيث ما هو غني و هو محال، و إن كان الاسم الإلهي المغني، هو معطي الغنى للعبد، فهو الغني بالله عنه .
أخبر تعالى أنه:" كُلّ يوْم هُو فِي شأنٍ" [ الرحمن: 29] و العالم شؤونه، و هو متحول فيه و به، و أخبر أنه يوم القيامة يوم عموم الكشف و العيان .
قال تعالى: " لكل امْرئٍ مِنْـهُمْ يوْمئذٍ شأنٌ يُـغنيهِ " [ عبس: 37] فالكل يحمد الله مستغني به عنه كالحق أنه الغني عن العالمين، و لكنّ العلم بالله داهية دهماء و فتنة عمياء صماء فإنه يعطي، الزهو على عباد الله، و يورث الجهل بالعالم و بنفسه.
كما قال صاحب جنيد قدّس سره حين عطس.
و قال: الحمد لله، فقال له حينئذ: أكمل بقول رب العالمين .
قال: ما العالم حتى نقرنه مع الله؟
وإن كان هذا القول قول صاحب حال و لكن ناقص العيار لأن الله تعالى قد قارن معه، وقارن رب العالمين وهو تعالى حكيم عليم ما خاطب العالم إلا بالقول الأتم، فبتنوع خطابه ليتسع الأمر ويعم .
فالفقر ذاتي، و الغنى أمر عرضّي و من لا علم له يغيب عن الأمر الذاتي لشهود الأمر العرضي، فافهم .
وأسند الغني إلى الغنى عن العالمين لتكون أديبا فإن العبد عبد فقير تحت أمر سيده، و الله هو الغني الحميد، فافهم .

( صحّ له الأزل) و هو نفي الأولية بمعنى: افتتاح الوجود عن عدم، و نسبة الأزل إلى الله تعالى كنسبة الزمان إلينا و هو نعت سلبي لا عين له، فيكون  كالزمان نسبة متوهمة الوجود لا موجودة لأن كلّ شيء تفرضه يصحّ عنه السؤال بمتى، و متى سؤال عن زمان فلا بد أن يكون الزمان أمرا متوهما لا موجودا و لهذا أطلقه الحق على نفسه .
قال تعالى: " و كان اللّهُ بكُل شيْءٍ عليماً " [ الأحزاب: 40] .
ورد في الخبر عن صاحبي :  "أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق و أمثالهما". 
فعرفنا أن هذه الصيغ ما تحتها أمر وجودي و إلا ما صحّ تنزيه الحق عن التقييد الزماني إذا كان حكم الزمان بقيده .
أما ترى تذيل الحديث المشهور :  "كان الله و لم يكن معه  شيء". 
فذيله عارف بقوله: و الآن كما  كان، فتوهم في الحديث زمانا، و قال: و الآن كما كان .
(و القدم الذاتي) و إنما قلنا: الذاتي لأن الأرواح القاهرة و الأعيان لها القدم و لكن بالزمان لا بالذات الذي: أي القدم .
( انتفت الأولية التي افتتاح الوجود عن عدم فلا ينسب إليه ): أي الأولية بهذا المعنى فهو افتتاح الوجود عن العدم مع كونه الأول و لكن بمعنى آخر، و هو كونه مبدأ لما سواه، كما أنّ آخريته عبارة عن  كونه يرجع إليه عواقب الأمور .
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 12:40 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:29 من طرف الشريف المحسي

الفقرة الخامسة والعشرون الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الخامسة والعشرون : الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته.)
قال الشيخ رضي الله عنه : (فلا) يصح أن (تنسب إليه) تعالى (الأولية)لأنه تعالى لا افتتاح لوجوده (مع كونه) تعالى هو (الأول) فهذا الاسم له تعالى لا يدل على افتتاح الوجود، (ولهذا قيل فيه) تعالی أيضا أنه هو (الآخر)، فإن الأول بمعنى المفتتح وجوده قبل كل موجود لا يكون أيضا هو الآخر إلا بعد اختتام جميع الموجودات والله تعالى هو الأول والآخر من الأزل قبل افتتاح الوجود واختتامه .
(ولو كانت أوليته) سبحانه وتعالى المشتقة له من اسم الأول (أولية وجود) عالم (التقييد) على معنى أنه أول كل موجود حادث (لم يصح) له تعالى (أن يكون) مع ذلك هو(الآخر) أيضا .
(للمقيد) الذي هو هذا العالم الحادث (لأنه لا آخر للممكن) الحادث (لأن الممكنات) الحادثة (غير متناهية).
فإن أمر الدنيا إذا انتقل إلى الآخرة كان أهل الجنة مخلدين في الجنة إلى ما لا نهاية له وأهل النار كذلك مخلدون في النار بلا نهاية (فلا آخر لها)، أي الممکنات الحادثة.
فلا تتحقق حينئذ آخرية الحق تعالی و آخريته متحققة ثابتة له تعالى في الأزل كما ذكرنا من اسمه وإنما كان سبحانه وتعالى (آخرا لرجوع الأمر) في هذا الوجود الحادث والوجود القديم.
(كله) روحانية وجسمانية (إليه) تعالى لا يشاركه فيه غيره.
كما قال تعالى لأفضل خلقه محمد عليه السلام : "ليس لك من الأمر شيء" 128 سورة آل عمران. وقال: "لله الأمر جميعا " 31 سورة الرعد.
وقال :"وإلى الله ترجع الأمور" 210 سورة البقرة.
(بعد نسبة ذلك) الأمر (إلينا)، في قوله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" 105 سورة التوبة.
وقوله :" بما كنتم تعملون" 105 سورة المائدة.
و تسميتنا أولي الأمر في قوله " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم" 83 سورة النساء.
وقوله: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" 59 سورة النساء.
وقوله عليه السلام: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع" الحديث.
فهو تعالى (الأول) قبل نسبة ذلك إلينا. وهو الآخر أيضا بعد سلب تلك النسبة عنا.
وتلك النسبة مسلوبة عنا في حال نسبتها إلينا (فهو) تعالى (الآخر في عين أوليته و) هو أيضا (الأول في عين آخريته) لأن أسماءه تعالى كلها قديمة أزلية.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته.)
قال الشيخ رضي الله عنه : (فلا ينسب إليه هذه الأولية مع کونه الأول) . بمعني مبدأ كل شيء كما ينسب إليه الآخرية بمعني منتهي كل شيء ومرجعه .
(ولهذا) أي ولأجل انتفاء الأولية عنه بمعني افتتاح الوجود عن العدم (قیل فيه الآخر) فلما قيل فيه الآخر لم يكن له الأولية بهذا المعنى .
(فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد) أي افتتاح الوجود من العدم.
(لم يصح أن يكون آخرا للمقيد) أي للممكن بمعني رجوع الكل إليه لأنه حينئذ يكون من الممكنات والممكن لا يرجع إليه شيء فكانت آخريته حينئذ بمعني الانتهاء والانقطاع وهذا لا يصح أيضا (لأنه لا آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية) أي غیر منعدم بانتفاء لعينه بحيث تفوته تعالى .
قال الشيخ رضي الله عنه في آخر نص يونسية وإليه برجع الأمر كله ، فإذا أخذه إليه سوى له مركبة غير هذا المركب من جنس الدار التي ينتقل إليها .فالكل في قبضته فلا فقدان في حقه.
تم كلامه فكانت الممكنات غير متناهية بهذا المعنى وهو المراد منا فلا ينافيه الانتهاء بحسب الدار الدنيا فإذا كانت غير متناهية (فلا آخر لها) فلا يتصف بالآخرية للمنافاة بينها وبين الآخرية فكان الحق آخرا ومنتهى لها.
(وإنما كان) الحق (آخرا لرجوع كل الأمر إليه بعد نسبة ذلك) الأمر إلينا، فإذا كان الرجوع بعد النسبة إلينا فكنا نحن نتصف بالرجوع إليه تعالی في کل آن بحسب كل يوم هو في شأن وإذا كان الأمر كذلك.
(فهو الآخر في عين أوليته والأول في عين آخريته) بحيث لا يسبق ولا العالم لنا به شرع في بيان الارتباط الذي احتجب الحق عنا به.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته.)
قوله: "فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر المقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها.
وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، "فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته."
قلت: يعني لو كانت له أولية اتصفت بها بالوجود بعد اتصافه بالعدم إذ كانت هذه الأولية هي أولية خاصة مقيدة.
فكأنه يقول: إن هناك أولية أخرى يصح معها أن تكون أولا مع کونه آخرا وأما تلك الأولية المذكورة فلا يصح أن يسمى من كان بها أولا أن يكون آخرا أيضا وإلا اجتمع الضدان لشيء واحد .
لكن الشيخ ما علل باجتماع الضدين بل علل بإن من كان له الأولية بافتتاح الوجود كان کالممکنات في وجودها، فإن لها الأولية بافتتاح الوجود لكن مع هذا القيد لا يصح أن يكون لها الآخرية إذ الممكنات لا نهاية لها وفي قوة كلامه في قوله: لأن الممكنات لا نهاية لها، أنها ستوجد إلى غير نهاية وصرح بأن هذه الأولية ليست للحق تعالی.
فلا جرم صح مع أوليته تعالى أن يكون له آخرية في عين أوليته و أوليته في عين آخريته .
بخلاف الممكن وأما كيف ذلك؟ ولم ذلك؟
فما ذكره ولعمري أن الحاجة داعية إلى بيانه فإنه مهم
وأما قوله: وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه، فذلك غير واضح في تسميته بالآخرية، فإنه إن كانت أوليته بابتداء إيجاد العالم فكان الحال يقتضي أن يكون آخرا باعتبار انتهاء ایجاد العالم .
وقد قال: إن العالم لا آخر لإيجاده، فكيف يكون هو آخرا بهذا التقدير، فإذن له معنى آخر نحتاج نحن أن يعرفنا إياه.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته.)
قال رضي الله عنه : "فلا تنسب إليه الأوّلية مع كونه الأوّل . ولهذا قيل فيه :
الآخر ، فلو كانت أوّليته أوّلية وجود التقييد ، لم يصحّ أن يكون الآخر للمقيّد لأنّه لا آخر للممكن لأنّ الممكنات غير متناهية ، فلا آخر لها .
وإنّما كان آخرا لرجوع الأمر كلَّه إليه بعد نسبة ذلك إلينا " .
ولهذا السرّ صحّ له الأزل والقدم ، يعني نفي الأوّلية والمسبوقية عن وجوده الذاتي ، فلا أوّل له سابقا عليه ، بل هو الأوّل السابق بوجوده المطلق الذاتي على التعينات الوجودية التقييدية .
وليس متعلَّق الحدوث والقدم حقيقة الوجود ، بل تعيّنه بحسب الأزمان والأوقات والمواطن والمراتب لا غير ، والتعيّن نسبة عدمية أيضا مع قطع النظر عن المتعيّن .
فسبحان الذي وسع بجوده ورحمته وعلمه وحكمته كلّ شيء حتى النسب العدمية ، أحدثها وأعطاها ضربا من الوجود ، وأظهرها موجودة للشهود المعهود .
فلو كانت أوّلية الحق من حيث الوجود العيني المقيّد ، لم يصحّ أن يكون هو الآخر لأنّه لا آخر للممكنات لأنّها غير متناهية ، فلو كانت متناهية ، صحّ أن يكون لها آخر .
فليست أوّليّته تعالى بمعنى أوّلية وجود التقييد ، ولا آخريّته بمعنى أنّه إذا انتهت الممكنات غير المتناهية ، كان هو آخرها .
فكان آخر وجود التقييد ، بل أوّليّته وآخريته بمعنى أنّه لا موجود إلَّا هو ، فالكلّ منه إليه " لا إِله َ إِلَّا هُوَ إِلَيْه ِ الْمَصِيرُ " .
بمعنى أنّه المطلق غير المتعيّن في عين كونه عين الكلّ أوّلا بداية ، والمتعيّن في عين لا تعيّنه وإطلاقه بتجلَّيات غير متناهية آخرا لا إلى غاية ونهاية .
قال رضي الله عنه : " فهو الآخر في عين أوّليّته ، والأوّل في عين آخريّته " .
يعني رضي الله عنه :
أنّ الوجود المطلق هو الأوّل على الإطلاق ، ثم إن تعيّن وتقيّد الوجود بتنوّع التجلَّي في مراتب تعيّناته فهو في حقيقته على أوّل الإطلاق الأصلي .
لأنّ التعين والتقيد نسبتان لا تقدحان في إطلاقه الحقيقي الذي ليس في مقابلة التقييد ، بل هو معنى ذاتيّ للذات .
نعم ، الإطلاق والتعيّن يستلزم تعقّلهما انتفاء البداية والنهاية ، والافتتاح والاختتام ، شمل بنور هويّته وإنّيّته المطلق والمقيّد .
فإنّ العين المطلق عين المطلق اللامتعيّن وعين المتعيّن غير المتناهي في تعيّنه ، لا إلى أبد أبدا الأبد ، فهي هي في اللاتعيّن الأوّل الباطن وفي التعيّن الآخر الظاهر .
فما ثمّ إلَّا هو هو ، فهو الأوّل في عين آخريته والآخر في عين أوّليته .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته.)
فقال (ولا شك أنا أي المحدثات كثيرون بالشخص كأشخاص الإنسان مع اتحادهم في حقيقة الإنسان من حيث هو إنسان ، فإنه حقيقة واحدة ، وبالنوع كالإنسان والفرس المتحدين في حقيقة الحيوان ، التي هي حقيقة واحدة وبالجملة أشخاص الموجودات المحدثة والموجودات المتعينة فإنها متميزة متعينة متشخصة ومتنوعة "الآخر في عين أوليته"، مع اتحادها في حقيقة الوجود ، ولو لا ذلك لما كان الكثرة في الواحد ، فكذلك ، وإن وصفنا الحق بما وصف به نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق وليس إلا افتقارنا إليه وغناه عنا ، فإن الوجود المشخص مطلق الوجود مع قيد ، فذلك القيد الذي هو به غير المقيد الآخر ، وهو افتقار المقيد إلى المطلق وغنى المطلق عن المقيد " فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم فلا تنسب إليه مع كونه الأول " أي فبالغنى الذاتي الصمدى القيومى لكل ممكن وكونه سند مقوم لكل مقيد صح له الأزل والقدم ، وانتفت عنه الأولية بمعنى افتتاح الوجود عن العدم ، فإنه محال في حقه مع كونه الأول
( ولهذا قيل فيه الآخر ) أي ولأن أوليته بالغنى الذاتي وعدم الاحتياج في وجوده إلى الغير قيل فيه الآخر ، لا بمعنى أنه آخر كل ممكن إذ الممكنات غير متناهية فلا آخر لها.
فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد لأنه لا آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها ، وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا فهو الآخر في عين أوليته والأول في عين آخريته "
أي فلو كانت أوليته بأن يكون وجودا مقيدا واحدا من الموجودات المقيدة فابتدأ منه المقيدات لزم أن يكون آخريته بأن يكون آخرا للمقيدات لكنه لا آخر لها ولو كان لها آخرية ينتهى به الوجود لم يصح أن يكون الآخر عين الأول فآخريته برجوع الأمر كله إليه بعد نسبته إلينا كما ذكر في دائرة الوجود .
فكذلك أوليته بابتداء الكل منه بنسبته إلينا فالنسب والإضافات ممكنة والحقيقة من حيث هي هي واجبة وذلك معنى قولهم التوحيد إسقاط الإضافات ولا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته.)
قوله : "فلاتنسب إليه الأولية مع كونه الأول" أي، بسبب هذا الغناء صح له أن يكون أزليا وأبديا وقديما في ذاته وصفاته.
(فبهذا صح له الأزل و القدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم.
فلا تنسب إليه الأولية  مع كونه الأول. و لهذا قيل فيه الآخر.)
وإنما وصف (الأزل) و (القدم) بقوله: "انتفت عنه الأولية" بمعنى "افتتاح الوجود عن العدم" لأن الأعيان والأرواح أيضا أزلية، لكن أزليتها وقدمها زمانية لا ذاتية، وأزلية الحق ذاتية، لغنائه في وجوده عن غيره.
فانتفت (الأولية) منه بمعنى افتتاح الوجود عن عدم، فلا تنسب إليه الأولية بهذا المعنى، كما تنسب به إلى الأرواح والأعيان.
كما قال، صلى الله عليه وسلم: "أول ما خلق الله العقل"أي، أول ما افتتح من العدم إلى الوجود العقل، لكونه مسبوقا بالعدم الذاتي، وإن كان غير مسبوق بالعدم الزماني.
بل ينسب "الأولية" إليه بمعنى آخر وهو كونه "مبدأ" كل شئ، كما أن آخريته عبارة عن كونه منتهى كل شئ ومرجعه، أو كونه في مقام أحديته بحيث لا شئ معه.
كما قال عليه السلام: "كان الله ولم يكن معه شئ".
وهذا المعنى يجتمع مع الآخرية. لذلك قال الجنيد، قدس الله روحه،عند سماعه لهذا الحديث: "والآن كما كان". أي، لم يتغير هذا المقام عن حاله، وإن كان في المرتبة الواحدية معه أسماء وصفات وأعيان ثابتة للأكوان.
ويظهر هذا المقام للعارف عند التجلي الذاتي له، لتقوم قيامته الكبرى فيفنى ويفنى الخلق عند نظره، ثم يبقى ويشاهد ربه بربه. رزقنا الله وإياكم.
قوله : (ولهذا قيل فيه الآخر).
قوله : (فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد، لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها.)
قوله : (وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا. فهو الآخر في عين أوليته والأول في عين آخريته).
أي، ولأجل أن أوليته ليست عبارة عن افتتاح الوجود عن عدم، قيل فيه الآخر، كما قال الله تعالى: (هو الأول والآخر.)...
فلو كانت أولية الحق تعالى مثل أولية الموجود المقيد، بمعنى افتتاح الوجود عن العدم، لم يصح أن يكون آخرا، لأن الآخرية عبارة حينئذ عن انتهاء الموجودات المقيدة والممكنات غير متناهية، فلا آخر لها.
وهذا الكلام إنما هو بحسب الدار الآخرة. وأما بحسب الدنيا فهي متناهية فلا ينبغي أن يتوهم أنه رضي الله عنه قائل بقدم الدنيا،
لذلك قال: "إذا زال وفك" أي الخاتم.
قوله : "وينتقل الأمر إلى الآخرة، فيكون ختما أبديا على خزانة الآخرة".
وقال في نقش الفصوص"تخرب الدنيا بزواله وتنتقل العمارة إلى الآخرة من أجله".
وفي جميع كتبه إشارة إلى هذا المعنى. ولولا مخافة التطويل، لأوردت ذلك بألفاظه. بل آخريته عبارة عن فناء الموجودات ذاتا وصفة وفعلا في ذاته وصفاته وأفعاله بظهور القيامة الكبرى ورجوع الأمر إليه كله.
وإنما قال: (بعد نسبته إلينا) لأن هذه الأشياء كانت لله تعالى أولا، ثم نسبت إلينا، فعند الرجوع إلى أصلها تفنى فيه.
كفناء القطرة في البحر وذوبان الجليد في الماء، فلا ينعدم أصلا، بل ينعدم تعينها وتستهلك في التعين الذاتي الذي منه تفرعت التعينات، لأن أصله كان عدما، فيرجع إلى أصله. لذلك قيل: "التوحيد إسقاط الإضافات."
وقد يحصل رجوع الأمر إليه قبل القيامة الكبرى بالقيامة الدائمة المشاهدة للعارفين. وهو نوع من أنواع القيامات.
وذلك لأن الحق تعالى في كل آن يخلق خلقا جديدا، كما قال: (بل هم في لبس من خلق جديد). ويمد الأكوان بأنواع التجليات الذاتية والصفاتية، ويصل ذلك الفيض إلى الإنسان الذي هو آخرالموجودات، ثم يرجع منه بالانسلاخ المعنوي إلى ربه.
وقد جاء في الحديث أيضا: "إن ملائكة النهار ترجع إلى الحضرة عند الليل، وملائكة الليل ترجعإليها عند النهار، ويخبرون الحق بأفعال العباد وهو أعلم بها منهم".
وإذا كان الأمر كذلك، فهو أول في عين آخريته وآخر في عين أوليته.
وهما دائمتان أزلا وأبدا.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته.)
فقال: (فلا تنسب إليه الأولية) بمعنی: افتتاح الوجود عن عدم (مع كونه الأول) بمعنی: استناد الكل إليه في البداية، أو يعني سبق وجوده على الكل .
إلا أن الشيخ لم یعنی ما ذكرت، لكنه لم يصرح بمنعه لصحته، وقد صرح بمنع كونه أول بمعنی افتتاح الوجود لبطلانه من كل وجه؛ فافهم، فإنه مزلة للقدم.
(وهذا) أي: ويكون أوليته ليست افتتاح الوجود عن عدم (قيل: فيه الآخر) وآخريته حينئذ ليست بمعنى انتهاء وجوده بعد انتهاء وجود الممکنات بل آخريته بمعنی: بقاء وجوده بعدما فني ما فني إلى الأبد.
ولكن هذا المعنى ليس على الإطلاق، فلذا لم يعتبره الشيخ رضي الله عنه و بمعنى: أنه يستند إليه الكل في النهاية أي: في البقاء ثم استدل على أن أوليته و آخريته ليست بمعنی افتتاح الوجود عن عدم واختنامه به .
بقوله: (فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد) أي: بمعنى أن وجوده في الماضي مقيد بزمان مخصوص سابق على زمان افتتاح وجود سائر الموجودات كانت آخريته أيضا أخرية وجود التقييد، وهو أن وجوده في المستقبل مقيد بزمان مخصوص ينتهي عنده، ويأتي ذلك الزمان بعد زمان انقطاع وجود سائر الموجودات لكن كونه آخر بهذا المعنى باطل.
لأنه (لم يصح أن يكون الحق هو الآخر المقيد) أي: للممكن الذي تقيد وجوده بزمان مخصوص ينقطع بانقطاعه؛ لأنه إنما يتحقق عند انقطاع زمان جميع الممكنات لكنه محال؛(لأنه لا آخر للمكن؛ لأن الممكنات غير متناهية) لاتفاق أهل التحقيق على أن الأمور الأخروية لا تتناهى.
وقد دلت الأدلة العقلية والنقلية على بقاء الأرواح الإنسانية على الأبد، وإذا كانت الممكنات غير متناهية كان زمانا غير منقطع حتى يأتي بعد انقطاعه زمان ينقطع فيه زمان الحق.
وإنما استدل بهذا الدليل؛ ليشير إلى إن الحق على تقدير كونه ممكنا لا يصح في شأنه هذا المعنى؛ فكيف عند كونه واجب الوجود؛ فافهم فإنه مزلة للقدم.
(وإنما كان آخرا لرجوع الأمر) أي: أمر الوجود (كله إليه) أما وجوده، فلأنه لذاته، وأما وجودنا؛ فلأنه ظله وصورته، ولا قيام له بذاته فهو بالحقيقة منسوب إليه (بعد نسبته إلينا)، والظاهر، واعتبر رضي الله عنه في الآخر معنى البقاء بعد فناء ما فني؛ لأنه ليس على الإطلاق، ولا هو مخصوص بالفناء الذاتي على نسب.
وإذا كان أوليته وأخريته بمعنی کونه مستند إليه لكل في الماضي والمستقبل مع أنه لا يجرى عليه الزمان، ولا ماض في حقه، ولا مستقبل؛ (فهو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته) فاتحد فيه الأبد بالأزل، وصدق في حقه السرمد، وهو اتصال الأزل بالأبد.
والحاصل أن الوجوب الذاتي أوجب له الفناء الذاتي، والأزل والقدم، والأزلية بمعنی: کونه مستند إليه للكل في البداية والأخروية بمعنی: كونه مستند إليه في النهاية.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته.)
لا يقال : "الأوّليّة إنّما تقتضي السابقيّة على الكل ، لا المسبوقيّة" .
لأنّ الأوّليّة مفهومها مركب من نسبة وجوديّة هي السابقيّة المذكورة ، ومن أخرى عدميّة ، هي اللامسبوقيّة بآخر ، وبيّن أنّ الأوّل على ما اعتقدوه في تلك الصور إذا لم يكن بحسب الزمان على ما اتّفقوا عليه - لا بدّ وأن يكون بحسب الذات والوجود ، وهو معنى الافتتاح المذكور . هذا ما يلزم أرباب العقائد العقليّة المحصورة.
بخلاف ما انكشف لأولي الألباب من الانشراح الصدريّ العلميّ ، فإنّه يتصوّر فيه الأوّليّة بالمعنى الذي يستلزمه الغناء والوحدة الذاتيّة ، من استناد افتقار الممكنات في الوجود إليه وتقدّم الواجب في انتساب الوجود له . 
فقال رضي الله عنه : ( فلا ينسب إليه ) الافتتاح المذكور ، ( مع كونه الأوّل ) ضرورة أنّ الغناء المطلق يأبى اعتبار النسبة فيه مطلقا
 .
( ولهذا قيل فيه : الآخر ) جمع بين المتقابلين بوحدته الإطلاقيّة ( فلو كانت أوّليّته أوّليّة وجود التقييد ) بأن يكون افتتاح سلسلة الأعيان الممكنة في الوجود منه على ما عليه مسلك أرباب العقائد العقليّة مطلقا تقليديّة أو برهانيّة نظريّة .
( لم يصح أن يكون الآخر للمقيّد ، لأنّه لا آخر للممكن ، لأنّ الممكنات غير متناهية فلا آخر لها ) أصلا ، لا دنيا ولا آخرة ، إذ الحوادث اليوميّة غير متناهية اتفاقا ، وظاهر أنّه لا يستلزم ذلك قدم الدنيا - كما توهّمه البعض - فإنّ نسبة الزمان بمعزل عن هذه الأوليّة والآخريّة كما لا يخفى .
( وإنّما كان آخرا لرجوع الأمر كلَّه إليه بعد نسبة ذلك إلينا ) ، كما أنّه إنّما كان أوّلا لبدء ذلك الأمر منه قبل نسبته إلينا ، ( فهو الآخر في عين أوّليّته ، والأوّل في عين آخريّته ) ضرورة أنّ بدء الأمر في الافتقار المذكور منه إنّما هو عين رجوع الأمر كلَّه إليه كما أنّ رجوع أمر الانتساب إليه هو عين البدء منه ، ومن هاهنا تبيّن ظهور الكثرة في الواحد ببدئها منه ورجوعها إليه .
وصورة ذلك هي الدائرة الكاملة ، المبتدأ فيها بالنقطة المنتهية إليها ، ولذلك إذا استقصيت الحروف وجدت ما اشتمل منها على تلك الصورة رقما هو الهاء ، ولفظا هو الواو ، والمركب منهما « هو » المحمول عليه الاسمان تنبّه .
ثمّ إذ قد بيّن من الأسماء الأربعة المذكورة الأولين منها الدالين على التنزيه حان أن يبيّن الآخرين، الدالَّين منها على التشبيه، إتماما لما هو بصدد بيانه .
ولمّا كان مبنى أمر التشبيه على الجهة الارتباطيّة كما عرفت، وهي على ضروب :
منها ما هو بنفسه مشترك اشتراك اتحاد وذلك إنّما يكون في الأسماء الأول الذاتيّة - كما سبق في العلم والحياة وهما اللذان مؤدّاهما في هذا السياق الباطن والظاهر، وذلك إنّما يكون على ما تقرّر بصدقه على أفراده وجزئيّاته العينيّة ب « هو هو » ، كالغيب والشهادة من العالم بالنسبة إلى الباطن والظاهر منه .
ومنها ما هو بآثاره المترتّبة وأحكامه التابعة هي الرابطة ، كالخوف والرجاء من العالم بالنسبة إلى الغضب والرضا منه ، وذلك إنّما يكون في الأوصاف والأسماء الأخيرة .
ومنها ما هو بصورة وأمثلته التي هي أنهى غايات تلك الآثار رابطة ، كالهيبة والانس من العالم بالنسبة إلى الجلال والجمال منه . وذلك إنّما يكون في الأسماء الجامعة الإلهيّة .

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته.)
قوله : "فلا تُنسَبُ إليه الأوليّة مع كونه الأول." (فلا تنسب إليه تعالى الأولية) بهذا المعنى. فإنها من سمات الحديث "مع كونه الأول" بالأولية التي هي عبارة عن كونه مبدأ لما سواه كما أن آخريته عبارة عن كونه مرجع كل شيء ومنتهاه قوله : "و لهذا قيل فيه الآخِر."
(ولهذا). أي لأن أوليته لیست، بمعنى افتتاح الوجود عن العدم (قيل فيه الآخر) المقابل للأول
قوله : "فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخِرَ للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. "
(فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد) وافتتاح وجود المقيد عن عدم (لم يصح أن يكون آخرا للمقيد) بأن ينتهي إليه وجود المقبلات الممكنة ولا يوجد بعده ممكن لا آخر (لأنه آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية) .
وإن كان بحسب النشأة الأخروية (فلا آخر لها) وإذا لم يكن لها آخر فكيف يكون سبحانه آخرا لها
قوله : "وإنما كان آخراً لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوّليته، و الأول في عين آخريّته."
(وإنما كان سبحانه آخرا لرجوع الأمر كله). أي أمر الموجود وتوابعه (إليه سبحانه) بفناء الموجودات ذات وصفة وفعالا في ذاته وصفاته وأفعاله بظهور القيامة الكبرى أو القيامة الدائمة المشاهدة للعارفين.
(بعد نسبة ذلك) الأمر (إلينا). لأن الوجود وتوابعه كان لله اولا ثم نسب إلينا ئم بعد هذه النسبة مرجع الكل إليه (فهو الآخر في عين أوليته الأول في عين آخريته) بهويته بين الأضداد وهو ظاهر بها أزل الآزال و أبد الآباد.
وكما أشار رضي الله عنه فيما تقدم إلى الأوصاف المشتركة بيننا وبين الحق سبحانه خص بالذكر منها الأوصاف المتقابلة ههنا ليفرع عليها بيان المراد من اليدين اللتين توجهتا من الحق على خلق آدم و بنيه على أن في جميع الیدین تشريفا له و ليس لإبليس هذه الجمعية.
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 12:30 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:29 من طرف الشريف المحسي

الفقرة الخامسة والعشرون الجزء الثاني .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الخامسة والعشرون : الجزء الثاني

كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ ناصر بن الحسن السبتي الكيلاني 940 هـ:
قال الشيخ رضي الله عنه : (فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر.
فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها.
وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته. )
قال المصنف رضي الله عنه : [فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ولهذا قيل فيه الآخر.]

قال الشارح رضي الله عنه :
(فلا ينسب إليه ): أي الأولية بهذا المعنى فهو افتتاح الوجود عن العدم مع كونه الأول و لكن بمعنى آخر، و هو كونه مبدأ لما سواه، كما أنّ آخريته عبارة عن  كونه يرجع إليه عواقب الأمور .
قال تعالى: "إنّ إلى ربِّك ُّالرجْعى"  [ العلق: 8] . و قال: "وأنّ إلى ربِّك المُنْتهى"  [ النجم: 42] .
اعلم أنّ معقولية الأولية للواجب المطلق نسبة وصفية لا يعقل لها العقل سوى استناد الممكن إليه، فيكون أولا بهذا الاعتبار، و لو قدّر عدم وجود الممكن قوة و فعلا لانتفت هذه النسبة الأولية إذ لا تجد متعلقا .
و أمّا معقولية الأولية للواجب الوجود بالغير نسبة سلبية عن وجود كون الوجوب المطلق، فهو أوّل بكل مقيد إذ يستحيل أن يكون هناك قدم لأحد فافهم .
( و لهذا ): أي لأن أوليته ليست أولية افتتاح الوجود من العدم .
قال المصنف رضي الله عنه : [فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها.  وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوليته، والأول في عين آخريته. ]

قال الشارح رحمه الله :
( قيل فيه: الآخر فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد لا أنه لا آخر للممكن لأنّ الممكنات غير متناهية) لعدم تناهي الحقائق، و عدم تناهيها لعدم تناهي أعيانها الثابتة، وهي المعلومات الإلهية، والتناهي في المعلومات محال .
قال رضي الله عنه في الباب الثالث و الثمانين و ثلاثمائة من "الفتوحات ":
إني علمت أنّ في العالم من  يقول بانتهاء علم الله تعالى في خلقه، و إنّ الممكنات متناهية وأنّ الأمر لا بد أن يلحق بالعدم و الدّثور، و يبقى الحق حقّا لنفسه ولا عالم.
و رأيت بهذا قائلا بمكة المشرفة معتقدا له من أهل السوس من بلاد المغرب، حجّ معنا و خدمنا، و كان يصر على هذا المذهب حتى صرّح عندنا و لا قدرت على ردّه و لا أدري بعد فراقه هل رجع أو مات عليه؟
و كان لديه علوم جمة و فضل إلا أنه لم يكن له دين، و إنما كان يقيمه صورة عصمة لدمه و ليس في الجهل أعظم من هذا الجهل، عصمنا الله و إياكم منه .


"" إضافة الجامع : قال الشيخ رضي الله عنه  في الفتوحات باب في فهرست أبواب الكتاب وليس معدودا في الأبواب:
أعلم الممكنات لا يعلم موجده إلا من حيث هو. فنفسه علم ومن هو موجود عنه غير ذلك لا يصح .
لأن العلم بالشيء يؤذن بالإحاطة به والفراغ منه.  وهذا في ذلك الجناب محال.
فالعلم به محال ولا يصح أن يعلم منه لأنه لا يتبعض فلم يبق العلم إلا بما يكون منه وما يكون منه هو أنت . فأنت المعلوم
فإن قيل علمنا بليس هو ، كذا علم به ، قلنا نعوتك جردته عنها لما يقتضيه الدليل من نفي المشاركة .
فتميزت أنت عندك عن ذات مجهولة لك من حيث ما هي معلومة لنفسها.
ما هي تميزت لك لعدم الصفات الثبوتية التي لها في نفسها .فافهم.
ما علمت وقل رب زدني علما ، لو علمته لم يكن هو .
ولو جهلك لم تكن أنت .
فبعلمه أوجدك وبعجزك عبدته .
فهو هو لهو لا لك وأنت أنت لأنت وله .
فأنت مرتبط به ما هو مرتبط بك .
الدائرة مطلقة مرتبطة بالنقطة .
النقطة مطلقة ليست مرتبطة بالدائرة .
نقطة الدائرة مرتبطة بالدائرة .
كذلك الذات مطلقة ليست مرتبطة بك .
الوهية الذات مرتبطة بالمألوه كنقطة الدائرة. ""

( فلا آخر لها ): أي دنيا و أخرى، إنما قلنا ذلك حتى لا يلزم الفساد المتوهم علينا فافهم .
و إنما كان آخر الرجوع الأمر كله إليه) قال تعالى: "ألا إلى اللّهِ تصِيرُ الْأمُورُ" [ الشورى: 53] "و إليْهِ تُـرجعون" [ البقرة: 245] عمّ هذا النص الشريف ما حمد، و ما ذمّ و ما ثمّة إلا محمود، قال تعالى: "للّهِ الْأمْرُ مِنْ قبْلُ و مِنْ بعْدُ" [ الروم: 4] و هكذا الأمر، فافهم .
( بعد نسبة ذلك ): أي الأمر كالصفات على ما قررناه أنها تؤخذ بعد نسبة تلك الصفات (إلينا )، و بهذا يتحقق معنى الرجوع لأن الوجود و توابعه له تعالى بالأصالة .
( فهو الآخر في عين أوليته و الأول في عين آخريته ): أي إذا كان الأول و الآخر لهذين الاعتبارين المذكورين صحّ عند العقل أن يقول: إنه الأول في عين آخريته، و الآخر في عين أوليته، و لا جمع للأضداد التي لم تجتمع فإنّ له شروطا حتى يحكم العقل عليه بعدم الاجتماع منها: وحدة العين و  وحدة النسبة و الاعتبار من جميع الوجوه، و في مسألتنا هذه أنه أوّل بمعنى: إنه مبدأ كل  شيء و آخر كلّ شيء بمعنى رجوع كلّ شيء إليه، فجمع الأولية في عين الآخرية بالاعتبارين و لا ضد فافهم، فإذا عرفت هذا اعلم أنه .

قال الشارح الجامي قدّس سره في بيان هذا المتن:
جمع بإطلاق هويته بين الأضداد، و هو ظاهر بها أزل الآزال و أبد الآباد، انتهى كلامه .
كأنه أعطي هذا القول حكم النص حيث قال: هو الأول و الآخر و الظاهر الباطن أنه الأول في عين الأول، في عين الآخرية، في عين الأولية، من جميع الأضداد التي يرميها العقل، و يراها صاحب الكشف بالشهود .

و من هذا المذاق ما نقل عن الخراز قدّس سره:
عرفت الله بجمع الأضداد لأنه لو كانت معقولية الأولية و الآخرية إلى الحق تعالى كمعقولية نسبتهما إلينا، لما كان ذلك مدحا في الجناب الإلهي و لا استعظمه العارف بالله و بحقائق الأسماء حتى قال: عرفت الله به ثم تلا: "هُو الْأوّلُ والْآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهُو بكُل شيْءٍ عليمٌ" [ الحديد: 3] .
فإنّ العبد يصل إذا تحقق بالحق إلى أن ينسب الأضداد من عين واحدة و نسبة واحدة كالحق تعالى و لا يختلف النسب، و هذا المدرك عزيز المنال، صعب الارتقاء، يتعذّر تصوّره على من لا أنس له بالعلوم الإلهية التي يعطيها الكشف و التجلي، ولا يخفي أنّ هذا ذوق غير الذوق الذي نحن في معرض بيانه .
فإنّ الأولية في عين الآخرية اللتين نحن بصدد بيانهما ليس من عين واحدة و نسبة واحدة، حتى يكون من محالات العقل بل إنما ذكرها رضي الله عنه لتأنيس العاقل وصاحب النظر والفكر، فإنه ما يخالف ذوقهم وأصلهم .


"" أضافة الجامع :  يقول أ. نهاد خياط :
" هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ " فالأولية التي يتصف بها الحق تعالى ليست بمعنى أنه أول الممكنات .
إذ لو كان كذلك لم يكن هو الآخر ، لكنه الآخر لا بمعنى آخر الممكنات بل بمعنى رجوع الأمر إليه كله .ي
يقول الشيخ الأكبر في هذا المعنى :
فبهذا صح له الأزل والقدم ، وانتفت عنه الأولية التي لها اتتاح الوجود عن العدم ، فلا تنسب إليه مع كونه الأول . ولهذا قيل في الآخر .
فلو كانت أوليته أولية وجود التقيد ( باعتبار الموجودات مقيدة بشروط وجودها ) ، لم يصح أن يكون الآخر للمقيد ، لأنه لا آخر للممكن ، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها .
وإنما كان آخراً لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا ، فهو الآخر في عين أوليته ، والأول في عين آخريته .
" وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ " . كل خلق فله ظاهر وباطن ، وبما هو انعكاس لتجلياته الأسمائية تعالى : فللقرآن الكريم ظاهر وباطن ، كما مرّ معنا قبل قليل .
وكذلك للإنسان ظاهرٌ وباطن . وكذلك كل شيء .
فالإنسان ظاهره خلق وباطنهُ حق .
لكن ظاهره هو صورة اسمه تعالى " الظاهر " ، والحق هو باطن هذه الصورة .
وفي هذا المعنى يقول الشيخ الأكبر :
فالحق هو الظاهر في كل مفهومٍ ( مدرك ) وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال أن العالم صورته وهويته ، وهو الاسم الظاهر . كما أنه بالمعنى روح ما ظهر ، فهو الباطن . فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبر للصورة ويقول أيضاً : فأنت له ( للحق ) كالصورة الجسمية لك ، وهو ( الحق ) لك كالروح المدبر لصورتك بعبارة أخرى ، إن الحق تعالى من العالم بمنزلة الروح من الجسد .
والشيخ عندما قال :" أن العالم صورة الحق وهويته "إنما عُرف العالم بالحق .
وعندما قال أن الحق روح ما ظهر قد عرف الحق بالعالم . ولكن باطن العالم لا يتناهى ،
ولذلك لا يتناهى الحق . " أهـ ""
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 12:27 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:29 من طرف الشريف المحسي

الفقرة السادسة والعشرين الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة السادسة والعشرين :الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه. ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس. 
وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به. فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته.)
(ثم لنعلم أن الحق) تعالى (وصف نفسه بعد ذلك أيضا بأنه ظاهر باطن) حيث قال تعالى: "هو الأول والأخر والظهر والباطن وهو بكل شيء عليم " 3 سورة الحديد.
(فأوجد العالم) كله (عالم غیب) عنا (و) عالم (شهادة) لنا. فغيبنا الأرواح وشهادتنا الأجسام.
(لندرك الباطن) من العالم (بغيبنا) وهو الروح (و) ندرك (الظاهر) من ذلك (بشهادتنا) وهي الجسم ولا غيب ولا شهادة بالنسبة إليه تعالى.
لأنه أخبر عن نفسه تعالى أنه عالم الغيب والشهادة، فهما عنده سواء.
وإذا استویا فلا فرق بينهما، وإذا لم يكن بينهما فرق ارتفع الأمران لارتفاع المميز لكل منهما عن الآخر.
وثبت علمه تعالى بكل شيء وإحاطته بالجميع إحاطة واحدة، ومع ذلك فهو تعالی الظاهر الباطن.
فهو الظاهر لغيره والباطن عن غيره، فلا ظاهر إلا هو ولا باطن إلا هو، ولا هو ظاهر لغيره ولا هو باطن عن نفسه.
ولما نسب سبحانه أمره إلينا كان باطنا عنا ثم لما سلب أمره عنا كان ظاهرة لنا وأمره مسلوب عنا في حال نسبته إلينا كما سبق، فهو الظاهر في عين باطنيته والباطن في عين ظاهريته .
وقوله بعد ذلك "وهو بكل شيء عليم" 29 سورة البقرة.
تنبیه منه تعالى على أن اسمه الباطن نسبة إضافية بالنظر إلينا، وأما بالنظر إليه تعالى فهو عليم بكل شيء فضلا عن علمه بذاته وصفاته فكيف يكون باطنا عنه.
ثم لما كانت هذه النسبة وهذا السلب يتعاقبان على الإنسان في كل آن في الدنيا والبرزخ في الآخرة تسمى الإنسان بما تسمى به الحق تعالى.
فكان الإنسان في حال نسبة ذلك الأمر إليه أولا، وفي حال سلب تلك النسبة عنه ثم عودها إليه آخر.
مع أنها منسوبة إليه أيضا في حال سلبها عنه، لأن هذه النسبة حكم إلهي وأحكام الله تعالى لا تتغير لكنها تنسخ ويؤتي بعدها بمثلها.
كما قال تعالى : " ما ننسخ من آية أو ننسها " 106 سورة البقرة.نأت بخير منها.
يعني من جهة رفعة المقام، أو مثلها من جهة المساواة، فالإنسان حينئذ هو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته.
وكذلك هو الظاهر في حال تلك النسبة إليه، والباطن في حال سلبها عنه، وسلبها عنه كائن معها على كل حال، فهو الظاهر في عين باطنيته، والباطن في عین ظاهريته.
فتقابلت الحضرتان: حضرة الحق وحضرة الإنسان.
(ووصف الحق) تعالى (نفسه بالرضى) في قوله : "رضي الله عنهم" آية 119 سورة المائدة و آية 22 سورة المجادلة و آية 8 سورة البينة و آية 100 سورة التوبة.
(والغضب) في قوله : "غضب الله عليهم " 6 سورة الفتح.
(وأوجد العالم الإنساني) وغيره (ذا خوف) من ضر أو فوات نفع (ورجاء) لنفع أو فوات ضر (فنخاف غضبه)، أن يظهر فينا أثره وهو الانتقام. (ونرجو رضاه)، أن يظهر فينا أثره وهو الإنعام.
كما جعل فينا غضبا ورضى ليخافنا غيرنا ويرجونا غيرنا أن يظهر فيه أثر غضبنا ورضانا من انتقام أو إنعام.
(ووصف) الحق تعالی أيضا (نفسه بأنه جميل)، كما ورد في الحديث : "إن الله جميل يحب الجمال".
(وذو جلال) كما قال تعالى: " ذو الجلال والإكرام " 27 سورة الرحمن.
(فأوجدنا الحق تعالى على هيبة) تجدها في قلوبنا عند ظهور جلاله لنا (وأنس) نجده في قلوبنا عند ظهور جماله لنا، وكذلك جعلنا ذا جلال و جمال ليها بنا غيرنا ويأنس بنا غيرنا.
واعلم أن الغضب والرضی حضرتان لله تعالى يظهران لأهل البداية، فيظهر بظهورهما من أهل البداية الخوف والرجاء.
والجلال والجمال حضرتان لله تعالی أيضا في مقابلة ذلك يظهران لأهل التوسط في الطريق، فيظهر لظهورهما من أهل التوسط الهيبة والأنس والقبض والبسط.
وكذلك التجلي والاستتار حضرتان لله تعالى يظهران لأهل النهاية، فيظهر لظهورهما من أهل النهاية الفناء والبقاء .
فالغضب والرضى لأهل البداية
يسمى جلالا وجمالا لأهل التوسط.
ويسمى استتارة وتجلية لأهل النهاية .
وكذلك الخوف والرجاء للمبتدئين، والهيبة والأنس والقبض والبسط للمتوسطين، والفناء والبقاء للمنتهين.
(وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى) من الإعزاز والإذلال والخفض والرفع والضر والنفع والعطاء والمنع والإحياء والإماتة، فنعز بإعزازه، ونذل بإذلاله، ونخفض بخفضه، ونرتفع برفعه، ونتضرر بضره، وننتفع بنفعه، ونفوز بعطائه ، ونحرم بمنعه، ونحيا بإحيائه، ونموت بإماتته، إلى غير ذلك من باقي أوصافه تعالى المتقابلة.
(و) كذلك جميع ما (يسمى به) تعالى من المعز، والمذل، والخافض، والرافع، والضار، والنافع، والمعطي، والمانع، والمحيي، والمميت إلى آخره من المتقابلات.
(فعبر)، أي عبر الله تعالی بمعنی کنا (عن هاتين الصفتين) المتقابلتين والاسمين المتقابلين في القرآن العظيم (باليدين اللتين توجهتا منه) سبحانه وتعالى (على خلق) هذا(الإنسان الكامل) الذي هو آدم وبنوه إلى يوم القيامة.
فاليد اليمنى: هي ما يلائمه من ذلك كالإعزاز والمعز، والرفع والرافع، و النفع و النافع، والعطاء والمعطي، والإحياء والمحيي.
واليد الشمال : ما لا يلائمه من ذلك كالإذلال والمذل والخفض والخافض والضر والضار والمنع والمانع والإماتة والمميت إلى آخره.
فالمؤمنون غلبت عليهم اليد اليمنى فهم أهل اليمين .
والكافرون غلبت عليهم اليد الشمال فهم أهل الشمال.
والمنافقون تذبذبوا بين اليدين ولم يتمسكوا بواحدة منهما فسقطوا منهما فوقعوا تحت المؤمنين وتحت الكافرين فكانوا في الدرك الأسفل من النار.
ثم إن آدم عليه السلام لما خلقه الله تعالى باليدين معا كما قال تعالى في عتاب إبليس عن امتناعه عن السجود:"ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي 75 سورة ص.
جمع في ذريته لهذه الأنواع الثلاثة : المؤمنين والكافرين والمنافقين
(لكونه)، أي الإنسان الكامل (الجامع) دون غيره من بقية العالم ما عدا جملة العالم، فإنه جامع كذلك (لحقائق العالم) الروحاني الجسماني (و) جميع (مفرداته) من الأشخاص الجزئية .

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه. ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس.
وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به. فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته.)
(ثم لنعلم أن الحق وصف نفسه) في الآية الكريمة (بأنه ظاهر و باطن فأوجد العالم) أي الإنسان لأن المراد بيان الارتباط وكيفية الدليل منا عليه.
(عالم غيب) وهو بواطتنا وأرواحنا (و) عالم (شهادة) وهي ظواهرنا وقوانا الظاهرة فكنا مجمع العالمين فليس المراد من إيجادنا على هذا
الوجه إلا (لندرك) الاسم (الباطن بغیبنا) بسبب إدراكنا غيبنا.
(والظاهر بشهادتنا) فنعلم قطعة على طريق الاستدلال من الأثر إلى المؤثر بأن الحق تعالی هو الظاهر والباطن.
(ووصف نفسه بالرضا) بقوله تعالی رضي الله عنهم :" ورضوا عنه " (والغضب) سبقت رحمتي على غضبي .
فأوجدنا ذا رضا وغضب لندرك الرضا برضائنا والغضب بغضبنا وإنما لم يذكر هذا الوجه لظهوره مما سبق .
(وأوجد العالم) أي أوجدنا (ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه ونرجو رضاه) لأن الخوف لازم الغضب والرجاء لازم الرضا فينا فنتصف بهما فنستدل على غضبه ورضائه مع كونه منزها عن الخوف والرجاء .
(ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فاوجدنا على هيبة) تحصل من جلال الله تعالى في قلوبنا (وأنس) حاصل
لنا من جماله فنتصف بهما فنستدل على جمال الله تعالى وجلاله مع أنهما لا ينسبان إليه تعالى ولا يسمى بهما لكنه يسمى بمبدئهما.
أي مبدأ الخوف وهو العضب ومبدأ الرجاء وهو الرضاء وكفى بذلك دليلا على حصول الارتباط.
(وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به) سواء كان انتسابا حقيقيا أو في الجملة .
(نعبر عن هاتين الصفتين) الجمال والجلال (باليدين اللتين توجهتا منه) من الحق (علی خلق الإنسان الكامل) لا على خلق غير الإنسان الكامل فإن المتوجه من الله تعالى على خلق غير الإنسان الكامل بد واحدة وإنما خلق الله تعالى الإنسان بيديه اللتين تجمعان جميع الصفات اللطيفة والقهرية.
(لكونه) أي الإنسان الكامل (الجامع)، بحسب الحقيقة الكلية التي هي عينه الثابتة (لحقائق العالم) أي لحقائقه الكليات التي هي أعيانه الثابتة.
(ومفرداته) لكونه جامعة لجميع ما يصدق عليه العالم من الجزئيات فإذا وجد الإنسان في الخارج بخلق الله تعالی بيديه ظهر جميع ما
في العالم في هذه النسخة الشريفة فاقتضى شأن الإنسان توجه اليدين مع الحق تعالی بخلقه فخلقه الله تعالی بيديه فإنه أعطى كل ذي حق حقه.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه. ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس. وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به. فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته.)
قوله رضي الله عنه : "ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر وباطن، فأوجد العالم: عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا."
قلت: معناه أن الحق تعالی فعل ذلك بنا لنعلم ظاهره بما فينا من الظهور ونعلم الباطن من وصفه نفسه بالباطن بما فينا من معنى الغيب، فإن أحدا ما يعلم شيئا إلا بما فيه من ذلك الشيء أو بما في ذلك الشيء منه.
قوله: "ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه ونرجوا رضاهووصف نفسه بأنه تعالى جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس. وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به. فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع بحقائق العالم ومفرداته."
قلت: معناه حتى نقابل نحن غضبه بالخوف، ورضاه بالرجاء فيتحقق الرضا والغضب استدلالا على كل واحد منهما بما يقابله منا وكذلك ما بعد هذا مما وصف به نفسه.
قوله: "فعبر عن هاتين الصفتين باليدين".
قلت: يعني بالصفتين التقابل الذي بين كل صفتين مما ذكره ومما لم يذكر مما خلق الإنسان فيها على وفق صفتين متقابلتين منه تعالى على حد ما شرحناه.
كأنه قال: وهاتان الصفتان المتقابلتان هما اللتان عبر عنهما باليدين في قوله تعالى: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بیدی أستكبرت" سورة ص 75.
فاليدان هنا الصفتان المذكورتان والتعبير عنهما باليدين مجاز حسن في لغة العرب.
فإن اليدين هما سبب فيما يصنع بهما وهاتان الصفتان هما السبب في خلق العالم على وفقهما في جمعه بين المتقابلات، فهذه علاقة سوغت استعمال المجاز.
واقتصر من ذكر العالم على ذكر خلق الإنسان الكامل لكونه فيه جميع ما في العالم الكبير وجعل العالم الكبير كالمفردات التي يتركب المركب منها.
ثم جعل العالم شهادة لأنه هو عين ما يراه وأما الإنسان فما ترى منه إلا جسده لكن جسده هو من العالم الكبير وليس هو جامعا باعتبار جسمه إلا بما تخص القوى الطبيعية فقط وأما المعتبر منه.
فما هو إلا جمعه لصفات الأسماء الحسنى ومعانی الكليات التي تفاصيلها لا تتناهي وهذه معان كلها غيبية فالإنسان غيب والعالم شهادة.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه. ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس.
وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به. فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته.)
قال رضي الله عنه : " ثمّ لتعلم أنّ الحق وصف نفسه بأنّه ظاهر باطن وأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا
. ووصف نفسه بالرضا والغضب ، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء ، فنخاف غضبه ونرجو رضاه.
ووصف نفسه بأنّه جميل وذو جلال ، فأوجدنا على هيبة وأنس ، وهكذا جميع ما ينسب إليه ويسمّى به . ثم عبّر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجّهنا على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته ".
قال العبد أيّده الله به : اعلم :
أنّه لمّا كان الإطلاق الذاتي الذي تستحقّه الذات ليس في مقابلة التقييد والتحديد ، بل إطلاق عن التقييد بالإطلاق الذي في مقابلة التقييد .
فهو إطلاق عن التقييد وعن الإطلاق بجمعه الذاتي بينهما جمعا ، غير متقيّد أيضا بالجمع ، بل مطلقا عن كل اعتبار ، ولا لسان في هذا المقام ولا حكم ولا اسم ولا صفة ، بل بهت بحت ، وخرس صرف .
وبتحقّق التعيّن الأوّل مفتاح مفاتيح الغيب يتعيّن للعين المطلقة تعيّن ولا تعيّن ، وإطلاق وتقييد ، ووحدة وكثرة ، وفعل وانفعال ، فتعيّن بالتعيّن الأوّل النسب الذاتية.
وهي : الأوّلية والآخرية ، والباطنية والظاهرية .
وهو من حيث التعيّن بلا اعتبار التعين واللا تعين لا أوّل ولا آخر ، ولا باطن ولا ظاهر ، ولا نسبة هذه النسب ولا لا نسبتها أحقّ وأولى .
ولكنّه تعالى من حيث إطلاقه باطن ، وقد جعل الباطن بحجاب عزّ غيبه عن أن يحاط به أو يتناهى ، أو يكون له بداية ، فله الجلال .
وهو من حيث تعيّنه ظاهر جميل بجمل القصد إليه والاستناد من كونه مبدأ للتعينات الشؤونية الكلَّية مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلَّا هو .
يعني ليس علمها إلَّا للهوية المطلقة الكبرى التي للمعيّن ، وهي فيه هو ، وهو فيها هي فظهرت الاثنينية بالتعين الأوّل للعين الواحدة بالوحدة الحقيقية.
وهي من حيث حضرتها الجلالية تقهر أعيان الأغيار ، وتغضب عليها غيرة أحدية ، ولكنّها من حيث التعين ترضى عن كلّ معيّن قابل ومتعيّن مقبول رضى خصيصا بخصوصيته لكونه جهده واستطاعته ، كما قال :
مالي سوى الروح خذه   ..... جهد الفقير المقلّ
وقد ورد الوارد في هذا البيت عليّ بمعنى مخترعا في المحتد والمشرب عند المبصر المستبصر ، فقال :
مالي سوى أنت خذ بي    ..... جهد الفقير المذلّ
فتأمّل أيّها المتأمّل .
وبموجب هاتين اليدين اللتين لهما القبض والبسط ، والعطاء والمنع ، والرفع والوضع ، أوجدنا ذوي خوف ورجاء ، وقبض وبسط ، وهيبة وأنس ، فنهاب جلاله ، ونأنس بجماله ، ونخاف غضبه ، ونرجو رضاه . فظهرت فينا أحكام الاثنينية ، المذكورة في اليدين .
كما أشار إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله : " وخلق آدم بيديه " الحديث .
وقال الله تعالى لإبليس " ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ".
وكما أظهر الله من هاتين اليدين المباركتى لآدم عند تجلَّيه .
فقال له : اختر أيّتها شئت .
فقال آدم : اخترت يمين ربّي ، وكلتا يدي ربّي يمين مباركة .
ففتح سبحانه يمينه ، فإذا فيه آدم وذرّيّته ، ولذلك خمّر الله بيديه طينة آدم أربعين صباحا .
فكان ربّنا تبارك وتعالى يتجلَّى على صورته التي خلق آدم عليها ويخمّر طينته بيديه المباركتين حتى تخمّر فيها ببركة توجّهه الكلي الجمعي الإلهي سرّ أحدية الجمع الذاتي الإلهي بين يديه .
حتى بدت فظهرت في طينته ، صورته المباركة على أحسن تقويم ، وأكمل تعديل وترسيم ، فظهرت فيه جميع الحقائق الجلالية القهرية والجمالية اللطفية ، وكمل به .
وفيه سرّ الإطلاق والتقييد ، والتعيّن واللاتعيّن ، فكان أكمل كون وأجمعه وأتمّه ، وأفضل مظهره وأوسعه وأعمّه .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه. ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس.
وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به. فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته.)
( ثم ليعلم أن الحق ) أي بعد العلم بما ذكر .
ليعلم أنه تعالى لما أرانا آيات أسمائه وصفاته في العالم جعل فينا ما نعرف به ذلك فشركنا مع العالم في صفاته لنعرف بما فينا ما فيه وما أمكن العالم قبول جميع أسماء الحق وصفاته ، لأن الفارق بينه وبين الحق الوجوب الذاتي والإمكان وما يلزمهما من الغنى والفقر لازم فيقبل بعضها وهو الذي لا يختص بالوجوب كالوجود والظهور والبطون .
وأما البعض الآخر فلا يقبل إلا آثارها التي يليق بفقره ونقصه ،وجمع فينا بأحدية الجمع الأمرين.
فلذلك قسمها قسمين :
وجعل القسم الأول مشتركا بين الكل أي بين الحق تعالى وبيننا وبين العالم فقال ( وصف نفسه بأنه ظاهر وباطن فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا )
لكنه فرق بين وصف العالم ووصف الحق بهما بأن جعل العالم عالمين عالم غيب وعالم شهادة إذ ليس في العالم إلا أحدية الجمع ولم يفرق بين وصف الحق ووصفنا فأضاف الغيب والشهادة إلينا بحكم أحدية جمعنا المخصوص فنحن على معناه وصورته دون العالم .
وأما القسم الآخر فسوانا فيه مع العالم وجعل في مقابلة كل صفة فعلية محضة لله تعالى صفة انفعالية مشتركة بيننا وبين العالم
فقال ( ووصف نفسه بالرضا والغضب وأوجد العالم ذا خوف ورجاء ) فإن الخوف انفعال وتأثر من تأثير الغضب نعرف به غضبه ، وكذا الرجاء في مقابلة الرضا ولهذا قال ( فنخاف غضبه ونرجو رضاه )
وقال ( ووصف نفسه بأنه جميل ذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس ) فإن الهيبة انفعال من صفة الجلال ونعرف به عظمته وجلاله .
وكذا الأنس في مقابلة الجمال فجعلنا على صفته بوجه وعلى صفة العالم بوجه كما سيجيء
( وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به فعبر عن هاتين الصفتين ) أي المتقابلتين اللتين له تعالى كالظهور والبطون والرضا والغضب والجمال والجلال.
( باليدين اللتين توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل ) .
قوله ( لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته ) فيه إشعار بأنه مع مساواته العالم في حقائقه ومفرداته يختص بالجامعية الأحدية دونه .
وبهذه الجمعية التي اتحدت بها مفردات العالم كاتحاد العناصر بالتركيب واتحاد كيفياتها بالمزاج واتحاد صورته بقوى العالم المسماة بالتسوية ليستعد لقبول روحه المنفوخ فيه .
فاستحق به الخلافة لأن الخليفة يجب أن يناسب المستخلف ليعرفه بصفاته وأسمائه وينفذ حكمه في المستخلف فيه .
ويناسب المستخلف فيه ليعرفه بصفاته وأسمائه فيجري كل حكم على ما يستحقه من مفرداته.
فيناسب بروحه وأحدية جمعية الحق وشارك بصورته وأجزاء وجوده ومفرداته العالم فهو عبد الله رب العالم وصورته التي هي من العالم شهادة وروحه غيب وربوبيته من جهة غيبه.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه. ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس. وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به. فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته.)
قوله: "ثم ليعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر وباطن" مزيد بيان لما مرمن أن الحق تعالى خلق آدم على صورته وكمالاته، ليستدل بها عليه ويتمكنالسالك من الوصول إليه.
"فأوجد العالم" أي، العالم الإنساني. وإن شئت قلت العالم الكبير لأنه أيضا صورة الإنسان، لذلك يسمى بالإنسان الكبير.
والأول أنسب بالمقام، إذ المقصود أن الإنسان مخلوق على صورته لا العالم.
قوله: (عالم غيب وشهادة) أي، عالم الأرواح والأجسام.
قوله: (لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا).
هذا دليل على أن المراد بـ "العالم" هو العالم الإنساني.
أي، لندرك عالم الباطن، وهو عالم الجبروت والملكوت، بروحنا وقلبنا وقوانا الروحانية، وندرك عالم الظاهر بأبداننا ومشاعرنا وقوانا المنطبعة فيها.
أو ندرك غيب الحق من حيث أسمائه وصفاته لا من حيث ذاته، فإنه لا يمكن لأحد معرفتها.
إذ لا نسبة بينها وبين غيرها من العالمين بغيبنا، أي بأعياننا لغيبته.
وندرك ظاهره وهو مظاهر تلك الأسماء الغيبية من العقول والنفوس وغيرهم من الملائكة.
فإنهم وإن كانوا غيبا باطنا بالنسبة إلى الشهادة المطلقة، لكنهم ظاهر بالنسبة إلى الأسماء والصفات التي هي أربابهم لظهورهم في العين بعد بطونهم فيالعلم.
وقد مر تحقيقه في بيان العوالم في المقدمات.  
"بشهادتنا" أي، بروحنا وقلبنا وقوانا وأبداننا الموجودة في الخارج.
قوله: (ووصف نفسه بالرضا والغضب) حيث قال: "رضى الله عنهم ورضوا عنه".
وقال: (سبقت رحمتي غضبي).
قوله: (فأوجد العالم ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه ونرجو رضاه).
وإنما جاء بلازم الرضا والغضب، وهو الخوف والرجاء،ولم يقل: فأوجدنا ذا رضاء وغضب. وإن كنا متصفين بهما، ليؤكد المقصود الأول أيضا، وهو بيان الارتباط بين الحق والعالم، إذ كل من الصفات الأفعالية والانفعالية يستدعى الآخر، لذلك أعاد الارتباط في الأبيات الثلاثة المذكورة بعد.
وقوله: (فأوجد العالم ذا خوف ورجاء) دليل على ما ذهبنا إليه من أن المراد بالعالم هو العالم الإنساني، لأن الخوف والرجاء من شأن الإنسان لا العالم الكبير،إذ الخوف إنما هو بسبب الخروج عن الأمر، والرجاء إنما يحصل لمن يطمع في الترقي، وهما للإنسان فقط.
وكذلك قوله: (فنخاف غضبه ونرجو رضاه) يدل على ذلك،
وكذلك قوله: (ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال، فأوجدنا على هيبة وأنس، وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به) ينبئ عن ذلك.
والمراد بـ (الجميل) الصفات الجمالية، وهي ما يتعلق باللطف والرحمة، وبـ (الجلال)، ما يتعلق بالقهر والعزة والعظمة والستر.
قوله: (فأوجدنا على هيبة وأنس) مثال يجمع بين المقصودين، وهما بيان الارتباط وكون الإنسان مخلوقا على صورته تعالى.
وذلك لأن (الهيبة) قد يكون من الصفات الفعلية كما يقول: هذا السلطان مهيب. أي له عظمة في قلوب الناس.
وقد يكون من الصفات الانفعالية كما يقول: حصل في قلبي هيبة من السلطان.
أي دهشة وحيرة من عظمته وكذلك (الأنس) بالنسبة إلى من هو أعظم مرتبة منك وإلى من هو دونك في المرتبة.
فإن الأول يوجب الانفعال، والثاني يوجب الفعل، لأن الأنس رفع الدهشة والهيبة.
ففي الصورة الأولى صاحب المرتبة الأعلى يرفع منك الدهشة، وفي الثانية أنت رافعها من غيرك. والهيبة من (الجلال) والأنس من (الجمال.)
(فعبر عن هاتين الصفتين) أي، الجمال والجلال. "باليدين" مجازا. 
إذ بهما يتم الأفعال الإلهية وبهما تظهر الربوبية، كما باليدين يتمكن الإنسان من الأخذ والعطاء، وبهما تتم أفعاله.
"اللتين توجهتا منه" أي، من الحق.
"على خلق الإنسان الكامل" كقوله تعالى: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟" وخلقه بيديه عبارة عن الاستتار بالصورة الإنسانية وجعله متصفا بالصفات الجمالية والجلالية.
قوله: "لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته" أي، لكون الإنسان جامعا لحقائق العالم التي هي مظاهر للصفات الجمالية والجلالية كلها، وهي الأعيان الثابتة التي للعالم.  والمراد بالمفردات الموجودات الخارجية.
فكأنه يقول: لكون الإنسان جامعا لجميع الأعيان الثابتة بعينه الثابتة ولجميع الموجودات الخارجية بعينه الخارجية، فله أحدية الجمع علما وعينا وقد مر، في المقدمات، من أن أعيان العالم إنما حصلت في العلم من تفصيل العين الثابتة الإنسانية.
واعلم، أن للعالم اعتبارين: إعتبار أحديته، واعتبار كثرته. فباعتبار أحديته الجامعة يسمى بالإنسان الكبير، وباعتبار كثرةأفراده ليس له الأحدية الجامعة كأحدية الإنسان، إذ لكل منها مقام معين.
فلا يصح أن يقال، ليس للعالم أحدية الجمع مطلقا. كيف لا؟ 
وهو من حيث المجموع صورة الاسم الإلهي كما للإنسان، لذلك يسمى 
بالإنسان الكبير، إلا أن يراد به أفراده.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه. ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس. وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به. فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته.)
(ثم) أي: بعدما علمت أنه ظهر فينا بصفات لا تختص بالوجوب الذاتي إما بصورها، أو آثارها، أو ما يتعلق بها (ليعلم أن الحق وصف نفسه) أي: بين من أوصافه في كتابة الكريم (أنه ظاهر و باطن) حيث قال: "هو الأول والأخر والظاهر والباطن" [الحديد: 3].
ولما لم يكن لهما اختصاص بالوجوب الذاتي لم يكن بد من ظهورهما في العالم، وإن كان يتوهم أن ظهور الظاهر كتحصيل الحاصل، وأن ظهور الباطن کالجمع بين النقيضين(فأوجد العالم) الكبير والصغير (عالم غيب) الأرواح الإنسانية والملائكة، (وعالم شهادة) الأجسام الفلكية والعنصرية، وأعراضها.
(فندرك الباطن) أي: باطن الحق ( بغيبنا، وندرك الظاهر بشهادتنا)، وهذا هو لظهورها بالصورة، ولتعلم أيضا أنه (وصف نفسه بالرضا والغضب) بحيث قال: "رضي الله عنهم ورضوا عنه" [المجادلة:22].
"لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة" [الفتح: 18].
وقال: "وغضب الله عليه ولعنه" [النساء: 93]، وقال: "فعليهم غضب من الله" [النحل: 16].
ولما لم يكن لهما اختصاص بالوجوب الذاتي لم يكن لهما بد من الظهور وبصورهما وآثارهما أو ما يتعلق بآثارهما (فأوجد العالم) لظهور ما يتعلق بآثارهما (ذا خوف ورجاء فنخاف) أثار (غضبه، ونرجو) أثر (رضاه) ولم يتعرض لظهور صورهما وآثارهما لوضوحه، ولتعلم أيضا أنه (وصف نفسه بأنه جميل ذو جلال) والجمال من صفات اللطف، والجلال من صفات القهر ولما لم يكن لهما اختصاص بالوجوب الذاتي لم يكن بد من ظهورهما بصورهما وآثارهما أو متعلقهما، (فأوجدنا) لظهور آثارهما (على هيبة)من الحلال (وأنس) من الجمال قدم الجميل أولا؛ لأنه أقرب إلينا؛ لأن دنو الحق من الخلق به، ثم عكس في مثال يشعر بأصالة الجلال.
(وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالی) أي: يوصف به من الأوصاف التي تتضمن النسب، (و یسمی به) من الأسماء التي لا تتضمن النسب، لكن ما لا يكون من خواص الوجوب الذاتي لا بد وأن يظهر فينا بصورته أو أثره ، أو ما يتعلق به ولما كانت هذه الأسماء والصفات متعلقة بالعوالم التي لا بد من التقابل فيها لتكون أزواجا، ويبقى الحق فردا بلا زوج.
كما أشار إليه ولك بقوله: "سبحان الذي خلق الأزواج كلها" [يس: 36]، لم يكن من التقابل في الأسماء والصفات، وكان الحق هو الموجد لها بواسطة تلك الأسماء والصفات، فهي له کالأيدي.
(فعبر عن هاتين الصفتين) المتقابلتين كالظهور، والبطون، والرضا، والغضب، والجمال، والجلال وغير ذلك مما لا يختص بالوجوب الذاتي )باليدين( استعارة من يدي الإنسان اللتين هما فعله مع تخالفهما في الوضع، والتأثير كتخالف الأسماء الإلهية في المفهوم، والتأثر.
ووصفهما بقوله: (اللتين توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل) ليشير إلى أن ذلك تفسير لقوله تعالى: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي" [ص: 75].
وفيه على القول من فسرهما بالإرادة والقدرة إذ لا اختصاص لهما على ذلك التقدير بأدم؛ فلا يكون حجة على إبليس؛ لأنه تعالى إنما احتج بذلك عليه (لكونه الجامع لحقائق العالم) أي: كلياته (ومفرداته) أي: جزئياته وحقائق العالم ومفرداته متقابلة في الأسماء المتوجهة إليه أيضا متقابلة، ولكنها مع تقابلها اجتمعت فيه فصارت كالمتحدة بخلافها في العالم الكبير.
""الكلام تعليل المتوجه باليدين؛ لأن الإنسان الكامل يجمع حقائق العالم، وهي الأمور الكلية المعقولة التي لها الآثار، والأحكام على مفردات الأعيان الخارجية؛ لأن أحدية جمع الجميع علما وعينا.
قال رضي الله عنه في «الفتوحات»:  لما كان المقصود من العالم الإنسان الكامل كان من العالم أيضا الإنسان الحيوان المشبه للكامل في النشأة الطبيعية وكانت الحقائق التي جمعها الإنسان متبددة في العالم فناداها الحق من جميع العالم فاجتمعت فكان من جمعيتها الإنسان فهو خزانتها فوجوه العالم مصروفة إلى هذه الخزانة الإنسانية لترى ما ظهر عن نداء الحق بجميع هذه الحقائق فرأت صورة منتصبة القامة مستقيمة الحركة معينة الجهات وما رأى أحد من العالم مثل هذه الصورة الإنسانية ومن ذلك الوقت تصورت الأرواح النارية والملائكة في صورة الإنسان وهو قوله تعالى :"فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا"وقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم "وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا" أهـ.""

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه. ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس. وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به. فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته.)
وأشار إلى ذلك بقوله رضي الله عنه : ( ثمّ ليعلم أنّ الحقّ وصف نفسه بأنّه ظاهر ، باطن ، وأوجد العالم عالم غيب وشهادة ) وإذ قد تقرّر أنّ الجهة الارتباطيّة والرقيقة الجمعيّة الاتحاديّة ما سرت بين أمرين إلَّا وتولَّد منهما نتيجة .
وهو الذي عبّر عنه لسان الاصطلاح بـ « النكاح الساري في جميع الذراري » .
قال : ( لندرك الباطن بغيبنا ، والظاهر بشهادتنا ) إشارة إلى نتيجة سريان هذه الجهة الارتباطيّة ، ولأنّها بنفس طبايعها وجزئيّاتها هي الرابطة ، أنتج الإدراك الذي هو الاتّصال والاتّحاد .
( ووصف نفسه بالرضا والغضب ، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء ، فنخاف غضبه ونرجو رضاه ) هذه الجهة دون الأوّل في الربط ، ولذلك ما أنتج غير النسبة والإضافة .
( ووصف نفسه بأنّه جميل وذو جلال ، فأوجدنا على هيبة وانس ) هذا آخر مراتب تنزلات الجهة المتّصل بالأول بحكم الأمر الدوري ، فلذلك ما صرّح بالعالم هاهنا ، بل أدرج النتيجة في أحد المرتبطين .
واعلم أنّ من لطائف ما يشعر به هذا التفصيل وبدايع دقائقه بيان درجات رتبة المستكملين إجمالا ، والإشارة إلى تفاوت ما يستحصل كلّ منهم بحسب استعداداته وطرق مناسباته : 
فإنّ منهم من سلك التروح والتقدّس ، وهو
 الذي رابطة مناسبته بالمبدأ ووسيلة استفاضته منه محض التجرّد والتبتّل ، ومحافظة غيب روحه عن مخالطة التعلَّق والتكدّر ، وغايته الاتّصال بالملكوت الأعلى  والتحقّق بالحقائق التنزيهيّة .
ومنهم من انغمس منه تلك الجهة في العلائق الهيولانيّة ، واستهلكت لطيفته الروحانيّة تحت الكثائف الجسمانيّة وانحصر رقائق مناسبته في ارتكاب ما يرتجى به رضاء الحقّ من الأوامر ، واجتناب ما يخاف به عن غضبه من المناهي وغايته نيل ما يستعقب الرضاء من دخول الجنّات والاحتظاء بالمستلذّات والسلامة عمّا يستتبع الغضب من ورود الجحيم ومكارهها من العذاب الأليم .
ومنهم من امتزج بين التروح والتعلَّق واعتدل غاية الاعتدال ، وتناسب بتلك الجمعيّة المبدء الحقّ ، فيطوي مسافة الروابط والرقائق بجواذب الجذبات الإلهيّة ، ومطايا الواردات العشقيّة ، وهذا هو الطريق المختصّ بالإنسان ، وفي عبارة الشيخ إشارة إليه فلا تغفل.
قال رضي الله عنه : (وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى) من الأوصاف (ويسمّى به) من الأسماء لا يخلو عمّا يشعر بالتقابل ، وذلك لما في الإطلاق من لزوم الاعتبارين المتضادّين له وفيه كما عرفت في المقدّمة فيلزم أن يكون كلّ صفة للحقّ لها مقابل يتّصف بهما معا .
(فعبّر عن هاتين الصفتين بـ « اليدين » اللتين توجّهتا منه على خلق الإنسان الكامل) لما فيهما من التقابل ، واختصاص كلّ منهما بجهة من المؤثر عند توجّهه نحو التأثير والفعل ، واحاطتهما جملة على كلّ ذلك المتوجّه إليه ، وفي استعمال التوجّه بـ « على » استشعار معنى الإحاطة والعلوّ .
ووجه اختصاص الإنسان الكامل بالتوجّه المذكور ( لكونه الجامع لحقائق العالم ) يعني رقائق نسبه المعنويّة ولطائف روابطه الامتزاجيّة ( ومفرداته ) أي أعيان جزئيّات العالم وذوات أفراده كما سلف لك بيانه .
وهاهنا تلويح يطلعك على استكشاف ما في هذا الموضع من التحقيق :
وهو أنّ الظاهر والباطن الَّذين عليهما ابتنى مباني حقائق التشبيه قد كمل ظهورهما في الإنسان الكامل بما لا مزيد عليه أصلا ، وذلك لأنّ الصورة والمعنى قد انختم أبواب تمامهما فيه بالختمين ، فهما اليدان ، فلا تغفل عن تحليله  .
ثمّ إذ قد تقرّر أنّ الإنسان الكامل صاحب أحديّة جمع الظاهر والباطن ، وهي لبطونها بمنزلة الروح في خلافة التأثير وإنفاذ الأمر , لما مرّ غير مرّة.

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه. ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس. وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به. فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته.)
قوله : "ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن ، فأوجد العالم عالم غيب و شهادة لندرك الباطنَ بغيبنا و الظاهر بشهادتنا. "
فقال: (لتعلم أن الحق سبحانه وصف نفسه)، أي ذاته المطلقة (بأنه ظاهر) بظهوره في عالم الشهادة المطلقة التي هي مرتبة الحس.
(وباطن) ببطونه عنه . فالباطن بهذا الاعتبار يشتمل ما عدا مرتبة الحس من المراتب الإلهية والكونية (فأوجد العالم).
أي كل واحد من عالمي الكبير والصغير عالمین (عالم غيب) لا يدرك بالحواس الظاهرة (وعالم شهادة) يدرك بها (لندرك) اسمه (الباطن بغيبنا) الذي هو روحه و مدارکه الغيبية.
أو ندرك باطنه وغيبه بالقياس على غيبنا وباطننا (و) كذلك ندرك أسمه (الظاهر بشهادتنا)، أي بمشاعرنا الشاهدية .
أو بأن يدرك شهادتنا فإن شهادتنا شهادة ، أو بالمقايسة
قوله : "و وصف نفسه بالرضا و الغضب، و أوجد العالم ذا خوف و رجاء فيخاف غضبه و يرجو رضاه."
(ووصف نفسه بالرضى والغضب) حيث قال تعالى :"رضي الله عنهم ورضوا عنه" آية 119 سورة المائدة.
وسبقت رحمتي غضبي (فإذا وجد العالم) ذا خوف ورجاء (فنخاف غضبه ونرجو رضاه) وإنما جاء بأثر الرضى والغضب وهو الخوف والرجاء ولم يقل ذا رضی وغضب مع أنه صحيح أيضا.
تنبيها على أن ظهور الصفات في العالم كما تكون ظهور أعيانها كالظهور والبطون فيما تقدم .
وكذلك يكون ظهور آثارها كالخوف والرجاء فإنهما من آثار الغضب والرضی لا عينهما.
قوله : "ووصف نفسه بأنه جميل و ذو جلال فأوجَدَنَا على هيبة و أُنْسٍ. "
(ووصف نفسه بأنه جميل)، أي متصف بالصفات الجمالية، وهي ما تتعلق باللطف والرحمة.
(وذو جلال)، أي متصف بالصفات الجلالية وهي ما تتعلق بالقهر والغلبة.
(فأوجدنا على هيبة)، أي دهشة وحيرة من مشاهدة أسمائه الجلالية .
فتكون تلك الهيئة من آثاره فينا أو على هيئة مدهشة محيرة لمن يشاهدها فينا فتكون الأسماء الجلالية ظاهرة فيها بأعيانها لا بآثارها.
وعلى هذا القياس قوله : (وأنس) فإن الأنس رفع الدهشة والوحشة فتارة ترتفع الدهشة عنا وتارة ترفعها عن غيرنا.
فيحتمل أن تكون الهيئة والأنس من قبيل ظهور أعيان الأسماء فينا أو من قبيل ظهور أثارها فينا
قوله : "و هكذا جميع ما ينسب إليه تعالى و يُسَمّى به. "
(وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى و یسمی به) من الأسماء المتقابلة كالهداية والضلالة والإعزاز والإذلال وغيرها .
فإنه سبحانه أوجدنا بحيث نتصف بها تارة وتظهر فينا أثارها تارة،
قوله : "فعبّر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامعَ لحقائق العالم و مفرداته."
(فعبر عن هاتين الصفتين باليدين)، أي عن هذين النوعين من الصفات المتقابلين الشاملين كلها (باليدين) لتقابلها .
وتصرف الحق سبحانه بهما في الأشياء (اللتين توجها منه)، أي من الحق سبحانه (على خلق الإنسان الكامل) وإنما توجهت هاتان اليدان على خلته (لكونه).
أي الإنسان الكامل (الجامع الحقائق العالم ومفرداته) التي هي مظاهر لجميع الأسماء التي يعبر عنها لملاحظة شمول معنيين متقابلين لها باليدين.
وهذه الأسماء الظاهرة فيها المرتبة لها ويجوز أن تكون اللام في لكونه متعلقة بالكامل الذي هو صفة للإنسان تعلية لكماله وأن تكون متعلقة بالخلق.
واعلم أن المراد بكل واحد من حقائق العالم ومفرداته أنها الأعيان الثبوتية أو الوجودية أو المراد بواحد منهما الأعيان الثبوتية والآخر الأعيان الوجودية .
ولا شك أن الإنسان الكامل بحسب حقيقته وعينه الثابتة أحدية جمع جميع الأعيان الثابتة التي للعالم.
وبحسب وجوده العيني أحدية جمع جميع الأعيان الخارجية.
وبحسب عينه الثابتة والوجودية مع أحذية جمع أعيانه الثبوتية والخارجية جميعا .
فالأعيان الثابتة للعالم تفصيل لعينه الثابتة .
والأعيان الخارجية تفصيل لعينه الخارجية .
والمجموع تفصیل للمجموع. وكل تفصيل صورة الإجمال.
وكل صورة فهي شهادة بالنسبة إلى ذي الصورة، وذو الصورة غيب لها .
وكذلك كل موجود عيني، فهو شهادة بالنسبة إلى وجوده العلمي ووجوده العلمي غيب له .

.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 11:53 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:29 من طرف الشريف المحسي

الفقرة السادسة والعشرون الجزء الثاني .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي


الفقرة السادسة والعشرون : الجزء الثاني

كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ ناصر بن الحسن السبتي الكيلاني 940 هـ:

قال الشيخ رضي الله عنه : (ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا.
ووصف نفسه بالرضا والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه.
ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس. وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به.  فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته. )
قال المصنف رضي الله عنه : [ ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا.]

قال الشارح رحمه الله :
(ثمّ لتعلم ) بعد ما علمت فيما تقدّم أنّ الأوصاف مشتركة، أراد رضي الله عنه أن ينبه بكيفية الاستدلال، فإنه تعالى أرانا آيات أسمائه وصفاته في العالم وفينا، و جعل فينا ما نعرفه به لنستدل بناءا عليه، و يتمكّن السالك من الوصول إليه فلو لم يصف نفسه بنعوتنا ما عرفناه، فهو المعروف في الحالين و الموصوف بالنعتين، و بهذا من كل شيء زوجين ليكون لأحد
الزوجين العلو و التأثير و هو الذكر، و للآخر السفالة و الانفعال والتأثير وهو الأنثي ليظهر ما بينهما إذا اجتمعا وجود أعيان ذلك النوع على صورتهما .
(إنّ الحق وصف نفسه بأنه ظاهر و باطن فأوجد العالم عالم غيب و شهادة) .
قال الله تعالى: "هُو اللّهُ الّذِي لا إله إلّا هُو عالمُ الغيْبِ والشّهادةِ هُو الرّحْمنُ الرّحِيمُ" [ الحشر: 22] .
و قال تعالى: "هُو الْأوّلُ والْآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهُو بكُل شيْءٍ عليمٌ" [ الحديد: 3] فعلم المحقّقون من خاصته، و المعتني بهم من أهل قربه و كرامته بما كشف لهم، و أطلعهم عليه من  أسرار وجوده أولا.

وبما أخبر ثانيا: إنّ المراتب و إن كثرت فإنها ترجع إلى هاتين المرتبتين و هما الغيب والشهادة والحقيقة جامعة بينهما، فكل شيء له ظاهر، فهو صورته و شهادته وباطن، وهو روحه وغيبه.
فنسبته جميع الصور على اختلاف أنواعها الخفية و الجلية إلى الاسم الظاهر المنعوت بالشهادة، ونسبة جميع المعاني و الحقائق المجردة التي هي أصول لما ظهر من الصور الجزئية المتعينة، أو أسباب و شروط كيف شئت؟
قلت: إلى الغيب و الاسم الباطن، فإذا عرفت هذا .
فنسبته جميع الصور على اختلاف أنواعها الخفية والجلية إلى الاسم الظاهر المنعوت بالشهادة، و نسبة جميع المعاني و الحقائق المجردة التي هي أصول لما ظهر من الصور الجزئية المتعينة، أو أسباب و شروط كيف شئت؟ قلت: إلى الغيب والاسم الباطن، فإذا عرفت هذا.
فاعلم أنّ العالم عالمان ما ثم ثالث عالم يدركه الحس وهو: المعبر عنه بالشهادة، وعالم لا يدركه الحس وهو: المعبر عنه بعالم الغيب المطلق.
فإن كان مغيبا في وقت للحسّ فلا يسمّى ذلك غيبا، و إنما الغيب ما لا يمكن أن يدركه الحس أصلا لكن يعقل بالعقل إمّا بالدليل القاطع، و إمّا بالخبر الصادق و هو إدراك الإيمان، فالشهادة مدركها الحس و هو طريق العلم ما هو عين العلم، و ذلك يختص بكل ما سوى الله ممن له إدراك حسّي، و الغيب مدرك العلم عينه فافهم .

فهذا الغيب الذي أثبتناه: هو الغيب المطلق الحقيقي الذي لا يظهر لأحد أصلا و لا لمن ارتضى من رسول لأنه حضرة ذاته و هويته تعالت و تقدّست عن أن يحاط و أن يتعلق بها بها الإدراك أصلا من حيث هي هي، فإنه من المتفق عليه أن حقيقته لا تحاط بالعلم ولا تتقيد بالوصف، سبحانك! ما عرفناك حق معرفتك.
و هذا القدر من المعرفة المتعلقة بهذا الغيب المطلق إنما هي معرفة إجمالية حاصلة بالكشف الأجليّ و التعريف الإلهيّ الأعلى الذي لا واسطة فيه غير نفس التجلي المتعين من هذه الحضرة الغيبية المطلقة الغير متعينة فالغيب المتعلق صار دليلا على الغيب المطلق لأنه الأصل، فالمتعين منه دليل عليه من حيث غير متعين، فكان هو الدليل و المدلول .

قال تعالى إشارة إلى هذا المقام: أي الغيب المتعين المقيد عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا .
قال تعالى: عالمُ الغيْبِ فلا يظهِرُ على  غيْبهِ أحداً إلّا منِ ارتضى مِنْ رسُولٍ فِإنّهُ يسْلكُ مِنْ بيْنِ يديهِ ومِنْ خلْفِهِ رصداً "[ الجن: 26، 27] .
و إنما قلنا بالغيب الحقيقي المطلق لأنه رضي الله عنه ذكره في الباب السابع و الأربعين و أربعمائة من "الفتوحات ": إن له في نفسه ما لا يصح أن يعلم أصلا هو الذي له بنفسه المشار إليه بقوله: "اللّه غني عنِ العالمِين" [ آل عمران: 97] .
فقوله تعالى: "عالمُ الغيْبِ والشّهادةِ " [ الحشر: 22] أراد الغيب بالنسبة إلينا و إلا لا غيب له، و الذي هو غيب بالنسبة إلينا بحلم الشهادة له تعالى.
أو نقول: إنه عالم الغيب أو عالم بأنه غيب لا يصح أن يعلم أصلا .
قال رضي الله عنه: و هذا الذي نبهناك عليه من العلم بالله ما أظهرناه اختبارا و لكن حكم الخبر علينا، فتحفّظ و لا تغفل عنه فإنه يعلمك الأدب مع الله، انتهى كلامه رضي الله عنه .
هذا هو الغيب الحقيقي و بقية الغيوب كلها إضافي، فافهم .
فإن الإنسان إذا أراد إدراك الغيب و الشهادة الإضافيين اللذين نحن بصدد بيانهما، و أراد أن يتميز في علميهما، فينبغي ألا يقيد نفسه إلا بالله وحده و هو التقييد الذاتي الذي لا يصح له الإنفكاك عنه جملة واحدة و هي عبودية صرفة محضة لا تقبل الحرية أبدا .
فإذا قيده بالله الذي "خلقهُ فقدّرُه ثمّ  السّبيل يسّرُه" [ عبس: 19، 20] .

فلا يقف إلا في البرزخ و هو المقام المتوهّم بين عالم الشهادة و الغيب مطلعا على الطرفين كأصحاب الأعراف فلا يخرج منها شيء إلا و هو مطلع عليه، فإذا وقف في هذا المقام و هو محل العثور على الطرفين.
استشرف على الغيبين الغيب الذي يوجد منه، واستشرف على عالم الشهادة لأنه إذا وقف في المقام المتوهّم على أنه معتنى به حيث شغله الله تعالى بمطالعة الانفعالات عنه تعالى.
و إيجاد الأعيان من قدرته تعالى، و اتصافها بالوجود في حضرة إمكانها، و ما أخرجها منها، و لا حال بينها و بين موطنها، و لكنه كساها خلقة الوجود و حلة الظهور، فاتصفت بهما بعد أن كانت موصوفة بالعدم مع ثبوت العين في الحالتين.
و بقي الكلام في ذلك الوجود الذي كساه الحقّ فيك الآمر و هو كالصورة التي في المرآة ما هي عين الرائي و لا غير عينه، و لكنه المحلّ المرئي مع الرائي، والمواجهة أعطت هذا الحكم الذي تراه، فعلمت المرآة والرائي والصورة الحادثة بينهما، فأدركت بالغيب الباطن و بالشهادة الظاهر، وحصل المقصود .
و هنا مبحث آخر و هو من لطائف العلم بالله، فأذكره لك :
لا يفوتك علما فإنه ورد في الخبر : "إن أفضل الهدية و أكمل العطية الكلمة من كلام الحكمة يسمعها العبد ثم يعلمها أخاه خير له من عبادة سنة على نيتها"  رواه تمام، و ابن عساكر رضي الله عنه، ذكره في جمع الجوامع .
فاعلم أيدك الله و إيانا بروح منه أن العالم ينقسم إلى: ظاهر و إلى باطن .
فـ (الظاهر) هو عالم الشهادة، و (الباطن) هو عالم الغيب، وقد سمّى الله تعالى الباطن بالأمر والظاهر بالخلق، و قال: "ألا لهُ الخلْقُ والْأمْرُ" [ الأعراف: 54] .  و قال تعالى: " قلِ ُّالروحُ مِنْ أمْرِ ربِّي" [ الإسراء: 85] .
فـ (عالم الأمر) هو عالم الغيب الذي هو الأسماء الذاتية، و يليها أمهات أسماء الألوهية و توابعها، و كل واحد منها حجاب عن الآخر، وصف نفسه تعالى باعتبار هاتين العالمين: أي الظاهر و الباطن، أو الغيب و الشهادة .

بأن له الحجب النورية التي هي الأرواح، و الظلمانية التي هي الأجسام، فكل واحد منهما حجاب عن الآخر، فإذا اعتبرتهما خلقا و أمرا، و لطيفا و كثيفا إنما اعتبرتهما من حيث الأسماء، و هي سلسلة الترتيب و الوسائط المتكثرة .
فبهذا الوجه يكثر الوجود و هو ظاهر الخلافة التي منه تكثر، و أمّا إذا اعتبرتهما أي العالمين الخلق الأمر، و إن شئت قلت:
عالم الغيب و الشهادة حقّا أعني من الوجه الخاص زالت الكثرة و ارتفعت الوسائط، و ذلك باعتبار أن (الاسم) عين المسمّى، و (الذات) هي السارية في الكل كتعين الأسماء من حيث عدم التغاير، فاتحدّ الكل من حيث أن الساري في الكل هو الذات، فهذا باطن الخلافة، و التجلي منه تجلّ أقدس .
و على هذا صحّ أن القرآن غير مخلوق من حيث ارتفاع الوسائط، و من حيث الإضافة إلى الاسم الذي عين المسمّى، فصحّ له الوحدة مع تكثر الألفاظ و الحروف و الآيات و السور، و بذلك تكثر في وحدته و لم يوصف بالمخلوقية مع التكثر لأنه ظهور الذات في المراتب بلا كيف.
فالعالمان الغيب و الشهادة أو الخلق و الأمر إذا أضيفا إلى الذات بلا واسطة بطريق الوجه الخاص فهما واحد.
و إذا أضيفا إلى الأسماء فالشهادة: الخلق، و الغيب: الأمر، فبهذا الاعتبار قلنا:

إن الإنسان الكامل له الأخذ من الله تعالى بواسطة باعتبار الإضافة إلى الاسم، و بلا واسطة باعتبار الأخذ من الوجه الخاص.
و إنما قلنا: الوجه الخاص لأنه مخصوص بالإنسان الكامل من دون الموجودات كالملك وغيره، فإن له الإطلاق في الأخذ و غيره لكل منهم مقام معلوم لا يتعدّون مقاماتهم و ذلك لأن الإنسان الكامل كل الوجود، فافهم .
( لندرك الباطن بغيبنا، و الظاهر بشهادتنا) فلمّا أراد تعالى ظهورنا بالصورة: أي بصورة الحق و لها الغيب و الشهادة، فأوجدنا ذا غيب و شهادة ذا جسم و روح فعالم الجسوم شهادتنا، و عالم الأرواح غيبنا فالكون كله جسم و روح و بهما قامت نشأة الوجود، فالعالم للحق كالجسم للروح فلا يعرف الحق إلا من العالم كما لا تعرف الروح إلا من الجسم .

"" أضاف المحقق : قال سيدي محمد وفا في المعاريج:
 وأما
الأرواح فإنها مخلوقة من النور الإفاضي العرشي، ولها التقدم في الخلق على الأجساد بألفي عام ما شهد به الخبر النبوي.
وأما الأرواح النورانية السعيدة فإنها تعرج إلى مقامها العلى، ومحلها البهی، ضمنها لطيفي الجسم النوراني، والهيكل الإنسان.
فأرواح السعداء ظاهرة أنوارها، باطنة نفوسها، مستهلكة الأجسام ضمن الأرواح، فالأجسام باطن الأرواح في دار البرزخ، ودار المحشر.
وفي دار الدنيا جسم ظاهر ، والروح باطن.
فالأرواح النورانية في داري الدنيا والبرزخ، يكشف بعضها بعضا، ويشهد بعضها البعض لما بينهن من المناسبة والتعارف.
وقد نبه رسول الله على ذلك بقوله: «خلق الله الأرواح أجناد مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».
وكذلك النفوس في مجانستها و مناسبتها، فالأرواح أنوار للسعداء، وظلم للأشقياء، وأجسام السعداء منعمة بتنعيم نفوسها، وأجسام الأشقياء والعذاب مشترك بين النفوس والأجسام، وهذا ظهر لهذا، وهذا بطن هذا.
فإنتشار البشرية ظهور صفات النفس الطبيعية، التي لا انفكاك للصفة الآدمية الإنسانية منها، ولا خروج لها منها، وهذا أمر الله تبارك وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول : " قل إنما أنا بشر مثلكم فامتثل أمر ربه عز وجل وقال: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنا إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشتركين" (فصلت: 6).
كما أمر "من الله عز وجل" قال صلى الله عليه وسلم  ولم يقل: (إنما أنا بشر مثلكم).
فهو مأمور ببلاغ ما ينزل إليه من ربه كما أنزل، من غير زيادة ولا نقصان.
قال الله تبارك وتعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا تهدي القوم الكافرين" [المائدة: 67] .
فأجسام الأصفياء و المرسلين والأنبياء والصديقين والصالحين نورانية.
و نفوس الأشقياء و أرواحهم وأجسامهم مظلمة، فإنها هابطة في الدركات إلى أسفل سافلين. عکس نفوس السعداء؛ فإنها عارجة إلى عليين. فالطبيعة أثر الترابية، والبشرية أثر الطبيعة.
فهي سماء الطبيعة، ولها النشور من الحشر بالخروج إلى فضاء البسط.
فالحشر صفة قبض، والنشر صفة بسط.
والله يقبض ويبسط فالنفوس بالتزكية تخرج من حشرها إلى نشرها البسطي النوري، والنفس الشقية ترد على عقبها، فتدس من نشرها، وتحشر في عوالم طبيعتها.
قال الله تعالى: "قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها" [لشمس: 9، 10] . ""

فإنا لما نظرنا فيه، و رأينا صورته مع بقائها تزول عنها أحكام كنا نشاهدها من الجسم و صورته من إدراك المحسوسات و المعاني، فعلمنا أن وراء هذا الظاهر معنى آخر هو الذي أعطى أحكام الإدراكات معرفتنا غيبنا بشهادتنا، و سمّيناه روحا لهذا الجسم الظاهر، و كذلك ما علمنا أن لنا أمرا يحرّك أرواحنا كما كانت الأرواح تحرّك أجسامنا و هو روح الأرواح يحكم فيها بما يشاء حتى نظرنا في أنفسنا، و عرفنا منها و بها ربنا .

و بهذا أخبر الوحي النبوي : “من عرف نفسه فقد عرف ربه”.
و قال تعالى: "سنريهِمْ آياتنا في الْآفاقِ وفي أنْـفُسِهِمْ حتّى يتبيّن لهُمْ أنّهُ الحق أولمْ يكْفِ بربِّك أنّهُ على كُل شيْءٍ شهِيدٌ" [ فصلت: 53] .
حتى عرفنا الغيب بالغيب، و الشهادة بالشهادة، فمن جمع هذين العلمين فظهر بالصورتين، و علم علم الغيب و الشهادة قال تعالى: "وهُو بكُل شيْءٍ عليمٌ" [ الحديد: 3] .
قال تعالى: "عالمُ الغيْبِ فلا يظهِرُ على غيْبهِ أحداً * إلّا منِ ارتضى مِنْ رسُولٍ فِإنّهُ يسْلكُ مِنْ بيْنِ يديهِ ومِنْ خلْفِهِ رصداً " [ الجن: 26، 27] .
لتعلم أنه تعالى بالحكم الذي صحّت به  الربوبية الموجبة للمكاسبة الرابطة بينه و بين خلقه أثر في العالم من الأحوال، فيتصف تعالى عند ذلك بالرضا و السخط .

قال الشيخ المصنف رضي الله عنه : [ ووصف نفسه بالرضاء والغضب . فأوجد العالم ذا خوف و رجاء فنخاف غضبه ونرجو رضاه . ووصف نفسه بأنه جميل و ذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس، وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به . فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم و مفرداته .  ]

قال الشيخ الشارح رضي اللّه عنه :
( ووصف نفسه بالرضا و الغضب) و هما من الصفات التشبيهية لأن للعالم مع الحقّ أحكاما لو لا تعريفه إيانا ما عرفنا، و ذلك إذا اتبعنا رسوله فيما جاءنا به من الطاعة أحبنا و أرضيناه فرضي عنا .
قال تعالى: "رضِي اللّهُ عنْـهُمْ ورضُوا عنْهُ وأعدّ لهُمْ جنّاتٍ تجْري تحتها الْأنهارُ خالدِين فيها أبداً ذلك الفوْزُ العظِيمُ" [ التوبة:  . [100
و إذا خالفوه و لم يمتثل أمره أخبر أنهم أسخطوه و أغضبوه، فغضب الله عليهم، فالرضى أثر الطاعة، و الغضب أثر العصيان، فافهم .

( وأوجد العالم ذا خوف و رجاء) بسبب المناسبة التي بينه و بين الحق و بها كان خلفا له و منسوبا إليه، فارتبط به تعالى ارتباط منفعل عن فاعل، فخرج العالم على صورته، فيتحوّل بتحولها فإذا تحوّلت بصورة الرضا أثرت فيه، فتحوّل بصورة النعيم، و إذا تحوّلت بصورة الغضب أثّ رت فيه فتحوّل بصورة العذاب .
وهكذا الأمر في الوجود إنما غير الأسلوب المطلوب ههنا، وما قال: ذا رضا وغضب تنبيها على المقصود الأولى الذي هو بيان الارتباط من الجانبين حتى لا تنسى، أما ترى الأبيات الثلاث الآتية بعد هذا؟ فإنه ذكر فيها الارتباط، فافهم مع أن المقصود حاصل بهذا فيما نحن بصدد بيانه الآن و هو العلم به تعالى بالمقايسة لأن الرضا و الغضب لو لم يكن ذوق الراجي و الخائف فما خاف و ما ارتجى، فأثبت باللازم مع ملاحظة أخرى، فافهم .

( فأوجدنا على هيبة و أنس الهيبة) من أثر الجمال، و الأنس من أثر الجلال، و لما  كان الجمال مهوبا، فأوجدنا قابلا للهيبة حتى نهاب منه، و لما وصف نفسه بالحياء من عبده إذا لقيه، فقام الحياء لله مقام الهيبة في مخلوق، فأوجدنا قابلا للأنس، و أرسل حجاب الجلال بيننا و بينه ليرتفع عنا أثر هيبة الجمال، و تكون النشأة جامعة للصفتين .
هذا البيان بطريق اللف والنشر المرتبين على ذوق الشيخ رضي الله عنه، فإنه قال في بعض رسائله: إن أكثر هذا التصرف جعلوا الأنس بالجمال مربوطا، والهيبة بالجلال منوطا، وليس كما قالوه.
وهو أيضا كما قالوه بوجه، وما ذلك إلا أن الجلال والجمال وصفان لله تعالى، والهيبة والأنس وصفان للإنسان، فإذا شاهدت حقائق العارفين الجلال هبت وانقبضت، وإذا شاهدت الجمال أنست وانبسطت فجعلوا الجلال للقهر، والجمال للرحمة، وحكموا في ذلك بما وجدوه في أنفسهم.
و أريد إن شاء الله تعالى أن أبين هاتين الحقيقتين على قدر ما يساعدني به في العبارة، فأقول أولا: إن (الجدال لله تعالى) معنى يرجع إليه، و هو الذي يمنعنا من المعرفة به تعالى .
و (الجمال) معنى يرجع منه إلينا، وهو الذي أعطانا هذه المعرفة وزنا "لنزن بها المعاني في" و التنزلات و المشاهدات و الأحوال .
و له فينا أمران: الهيبة و الأنس، و ذلك أن لهذا الجمال علوّا و دنوّا فـ (العلوّ ) يسمّيه جلال الجمال، و فيه يتكلم العارفون، و هو الذي يتجلى لهم، و يتخيلون أنهم يتكلمون في الجلال الأوّل الذي ذكرناه، و هذا جلال الجمال قد اقترن معه منا الأنس .
و الجمال الذي هو الدنو قد اقترنت معه منا الهيبة، فإذا تجلى لنا جلال الجمال أنسنا، و لو لا ذلك لهلكنا، فإن الجلال و الهيبة لا يبقى لسلطانهما  شيء، فقابل ذلك
الجلال منه بالأنس منا لتكون في المشاهدة على الاعتدال حتى نفعل ما نرى، و لا نذهل، و إذا تجلى لنا الجمال متنا فإن الجمال مباسطة الحق لنا، و الجلال عزته عنا، فيقابل بسطه معنا في جماله بالهيبة، فإن البسط مع البسط يؤدي إلى سوء الأدب، و سوء الأدب في الحضرة سبب الطرد و البعد .
و لهذا قال المحققون ممن عرف هذا المعنى و حضره: قف على البساط و إياك و الانبساط! فكشف أصحابنا صحيح، و حكمهم بأن الجلال يقبضهم و الجمال يبسطهم غلط، و إذا كان الكشف صحيحا فلا نبالي فهذا هو الجلال و الجمال  كما تعطيه الحقائق، انتهى كلامه رضي الله عنه .

أو نقول بعكس الأول أنه أوجدنا على هيبة حتى نرى عظمة الجلال تدركنا الهيبة لما نرى أنفسنا عليها من الافتقاد و البعد عن إلتفات ما يعطيه مقام العظمة، و من هذه الحضرة كانت الألوهية، فيعلم سرنا لما فينا من نسبة الباطن، و جهرنا لما فينا من نسبة الظاهر، فعظم ذلك في نفس الرائي .
أما الأنس فلأن السامع إذا أخذ الجلال على العظمة أدركه القنوط عن اللحوق لما يرى في نفسه الافتقار و البعد، فيزيل الله هذا القنوط عن وهمه بظهور الجمال، فإنه جميل يحب الجمال، فجامل و وهب و أعطى و جاد و امتنّ به من جزيل الهبات و المنح، و آنسه فاستأنس به فأزال الله حكم القابض و نسخه بحكم الباسط و ظهر بصورة كل شي ء إلى عباده في طلب الكرم منهم إلى الظهور بصفة الحاجة و أيّ أنس أكبر من هذا! فافهم .

و الجميل يتبع الجليل و يلازمه، قال تعالى: "و يبقى وجْهُ ربِّك ذو الجلالِ والِإكْراِم" [الرحمن: 27] .
قال تعالى: "تبارك اسْمُ ربِّك ذِي الجلالِ والِإكْراِم" [ الرحمن: 78] ربما يجدون في نفوسهم حرجا، و هيبة من عظمة الجليل، فإن الله أحرجهم بإقران الجميل و الأنس و الإكرام بالجلال اعتناءا بهم فلهذا قارن رضي الله عنه بين الجمال و الجلال و أحكامهما، و قدّم الهيبة و أخرّ الأنس لأن الاعتبار بالخواتيم، فافهم .
( و هكذا جميع ما ينسب إليه تعالى) و يسمّى به من الأسماء المتقابلة، و أوجد فينا مثلها، و بين لنا أن في أرض العالم نجدين نجد التنزيه، و نجد التشبيه و هما عالمان متقابلان في العلوّ، و إن لكل سرّ في العالم وجهين بحكم القبضين من اليدين، و لا بد من الدارين، و لا بد من برزخ بين كل اثنتين .

قال تعالى: "ومِنْ كُل شيْءٍ خلقنا  زوْجيْنِ" [ الذاريات: 49] لأنه مخلوق عن صفتين إرادة و قول و هما اللذان شهدهما كلّ مخلوق من الحقّ، فإن العالم نتيجة، و النتيجة لا تكون إلا عن مقدمتين و هذا هو التناسل كوجود الابن بين الأبوين على صورة الأبوين، فافهم .
و هذا كله حتميّ بنا لا بأمر خارج عنا لأن  الشيء لا يعرف إلا بما به الاشتراك إلا بما به الامتياز، فافهم .
( فعبر عن هاتين الصفتين و النسبتين المتقابلتين) تقابل تنزيه و تشبيه باليدين، و ما هو إلا عين جمعه بين الصورتين صورة العالم، و صورة الحق و هما يد الحق إذ بهما يتمّ الوجود و تكمل الأفعال و الآثار للربوبية، كما باليدين يتمكّن الإنسان من الأخذ و المنع.

قال تعالى: "يداهُ مبْسُوطتانِ" [ المائدة: 64]: أي في العطاء و المنع .
و في الحديث : "الصدقة تقع في يد الرحمن" . كناية عن الأخذ و القبول اللتين توجهتا منه أي: من الحق تعالى . ( على خلق الإنسان الكامل) .
قال تعالى: "ما منعك أنْ تسْجُد لما خلقْتُ بيديّ  أسْتكْبرْت أمْ كُنْت مِن العالين" [ ص: 75] .
و إنما خصّ الإنسان الكامل لأن غيره ما خلق إلا بقول (كن فكان) كالملائكة عليهم السلام .

ورد في الحديث الصحيح : " إنّ الملائكة عليهم السلام قالوا: ربنا خلقتنا و ما خلقت بني آدم فجعلتهم يأكلون الطعام و يشربون الشراب و يلبسون الثياب و يأتون النساء و يركبون الدواب و ينامون و يستريحون و لم تجعل لنا من ذلك شيئا، فاجعل لهم الدنيا و لنا الآخرة.
فقال تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي و نفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان"  رواه ابن عساكر .
اعلم أن للحق في مشاهدة عباده إياه نسبتين: نسبة تنزيه، و نسبة تشبيه فنسبة التنزيه تجليه في: " ليس كمِثلهِ شيْءٌ" [ الشورى: 11].
و النسبة الأخرى تجليه في قوله صلى الله عليه و سلم : "إن تعبد الله كأنك تراه".
و قوله صلى الله عليه و سلم : "إن الله في قبلة المصلي".
و قوله تعالى:" فأينما تولُّوا فثمّ وجْهُ اللّهِ" [ البقرة: 115] ذاته .
و الأحاديث الواردة لو لم تستصحب بمعانيها الموضوعة لها المفهومة من الاصطلاح، فما معنى قوله تعالى: " و ما أرسلْنا مِنْ رسُولٍ إلّا بلِسانِ قوْمِهِ" [ إبراهيم: 4].
فما وقعت الفائدة بذلك عند المخاطب لها خصوص العموم من الناس، فإذا تقرّر عندك هاتين النسبتين للحق المشروعتين و أنت المطلوب بالتوجّه بقلبك و بعبادتك إلى هاتين النسبتين، فلا تعدل عنهما إن كنت ناصحا نفسك.
فإن الإنسان ما جمع الحقائق المذكورة إلا بهاتين النسبتين، فلمّا توجّهت هاتان النسبتان فخرج بنو آدم لهذا على ثلاث مراتب :
( كامل) و هو الجامع للنسبتين.
أو (واقف) مع دليل عقله و نظره و فكره و هو المنزه خاصة.
أو (مشبه) بما أعطاه اللفظ الوارد، و لا رابع لهم .
فـ (الاعتدال و الكمال) هو القول بالأمرين و الاتصاف بالوجهين أعني الظهور بحقائق الأسماء الإلهية الوجوبية في حقائق الصفات الكونية على الكشف و العيان، فلا تزال حقيته في خليقته حاكمة على خليقته شهودا و كشفا بل ذوقا محقّقا .
و أما (الانحراف) فإمّا تنزيه، و إمّا تشبيه فهو لا جهلوا و هو لا جهلوا، حيث فاز بالحق أهل الاعتدال، فافهم أمة وسط بين غنى و فقر لا يتركه الفقر أن يطغى، و لا يتركه الغنى أن يغنى فقد تعرى بهذين الحكمين عن هاتين الصفتين، أما ترى أنه تعالى جعل له عينين لينظر بالواحدة إلى الغنى الذاتي من كونه غنيا عن العالمين فلا يراه في  شيء لأنه لا يرى شيئا، بل و لا يرى نفسه كما في التجلي في لا شيء، فإن المقام مقام فناء كل شيء كان ما كان، و هذا هو الغنى الذاتي، و هو نهاية الكامل، و حظه في الاتصاف بالصفات التنزيهية، و ينظر بالعين الأخرى افتقاره الذاتي إلى كلّ شيء من حيث ما هي الأشياء، أسماء الحق تعالى لا من حيث أعيانها، فلا يرى أفقر من نفسه إلى العالم لأنه مسخرته، ولو لا افتقاره إليه لما سخر له لأن المسخر حكيم عليم، و هو نهاية الكامل، وحظه في الاتصاف بالصفات التشبيهية فإذا اتصفت فقلدت ربك منزها مشبها و كل ذلك أنت لأنهما تجليان إلهيان وأنت جامعهما .

( لكونه الجامع لحقائق العالم و مفرداته) اللام تعليل المتوجّه باليدين لأن الإنسان الكامل بجميع حقائق العالم، وهي الأمور الكلية المعقولة التي لها الآثار، و الأحكام على مفردات الأعيان الخارجية لأن أحدية جمع الجميع علما و عينا .
قال رضي الله عنه في "الفتوحات": 
إن الحقائق التي جمعها الإنسان فكان من جمعيتها الإنسان انتهى كلامه رضي الله عنه.
فجمع له بين يديه، و أعطاه جميع نسبته و تجلى له في الأسماء كلها جماليا، و لكن لا يعلم ذلك إلا الراسخون، إن الراسخ في العلم والكشف يرى و يعلم أن العلم بأنواعه و أفراده أجزاؤه و مع هذا واحد في نفسه و أحديته، ولم يحكم عليه النسب بالتعداد الانقسام في ذاته من حيث حقيقته و لطيفته، و يقابل بذاته الحق من حيث نسبته التنزيهية، وبذلك الوجه يقابل الحق تعالى من حيث التشبيه و لا له وجهان متغايران كالحق سبحانه أنه الموصوف بهاتين الصفتين، و هو واحد في نفسه و أحديته و هذا الكمال المطلق متفاوت بين الأنبياء الأولياء من الأناسي صلوات الله عليهم أجمعين المستغرق له في كل عصر بالذات، والمرتبة و العلم، والحال و الفعل في جميع الأسماء و الصفات الإلهية، و الحقائق الكونية، و الأحكام الكلية و الجزئية .

فجمع له بين يديه، و أعطاه جميع نسبته و تجلى له في الأسماء كلها جماليا، و لكن لا يعلم ذلك إلا الراسخون، إن الراسخ في العلم و الكشف يرى و يعلم أن العلم بأنواعه و أفراده أجزاؤه و مع هذا واحد في نفسه و أحديته، و لم يحكم عليه النسب بالتعداد الانقسام في ذاته من حيث حقيقته و لطيفته، و يقابل بذاته الحق من حيث نسبته التنزيهية.
و بذلك الوجه يقابل الحق تعالى من حيث التشبيه و لا له وجهان متغايران كالحق سبحانه أنه الموصوف بهاتين الصفتين، و هو واحد في نفسه و أحديته و هذا الكمال المطلق متفاوت بين الأنبياء الأولياء من الأناسي صلوات الله عليهم أجمعين المستغرق له في كل عصر بالذات، و المرتبة و العلم، و الحال و الفعل في جميع الأسماء و الصفات الإلهية، و الحقائق الكونية، و الأحكام الكلية و الجزئية .
و هو من حيث أنه برزخ البرازخ الجامع بين الغيب الذاتي المطلق الواجب و بين أحكام الألوهية و الكونية و الإمكانية هو خليفة الله و خليفة الخليفة المسمّى بـ (القطب) و لمن دونه تكون الخلافة على قدره و يشير إليه قوله صلى الله عليه و سلم : "كلكم راع"  الحديث فافهم .
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 11:37 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:29 من طرف الشريف المحسي

الفقرة السابع والعشرون الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة السابع والعشرين :الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولذا تحجب السلطان. ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة. فالعالم بين كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه. فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره. ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.)
قال الشيخ رضي الله عنه : (فالعالم) الذي هو الإنسان الكبير كله (شهادة) بالنسبة إلى جميع ما فيه. (والخليفة) وحده الذي هو هذا الإنسان الصغير (غيب ) عن أهل الشهادة الذين هم جميع العالم.
فلا يعرفه أحد من جملة العالم إلا بما هو عليه ذلك الأحد من الكمال أو النقصان، وأما هو فيعرف نفسه ويعرف ربه ويعرف غيره من أهل الكمال ومن أهل النقصان وليس معه في رتبته غيره. لأن الخليفة واحد غير متعدد في هذا العالم.
والمراد الخليفة الكامل على جميع العالم الذي على قدم آدم عليه السلام، وإلا فكل واحد من بني آدم مستخلف في الأرض على طرف من الأشياء ولو ثوبه الذي يلبسه وداره التي يسكنها كما قال تعالى: "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه " 7 سورة الحديد.
وغير الكامل من الخلفاء قاصرون عنه ولو بشيء واحد من العالم يمسك عنه مفتاح ذلك الشيء، فلا يملكونه لتحفظ على ذلك الكامل رتبته.
وهو واحد في كل زمان إلى يوم القيامة، وجميع الخلفاء في مشارق الأرض ومغاربها عاملون على ما تحت يديهم مما هم مستخلفون فيه من جهة هذا الخليفة الواحد الكامل.
فإذا مات تولی بعد مرتبته من قاربه في المقام، وله العزل لجميع عماله، وله التولية على كل حال.
وذكره الله قالا وحالا، ولا يخرج عن التبعية له إلا الأفراد من أهل الله، لأن ذكرهم هو، فهم المستغرقون في الهوية الإلهية.
فإذا رجعوا إلى حسهم وصحوا من جمعهم دخلوا تحت حكمه وتصرف فيهم بحسب ما استعدوا له من كمال أو نقصان كباقي الخلق.
ولا يعرفه من جميع الخلق أحد، وإنما يستمدون منه من غير معرفة له على حسب مراتبهم الكمالية والنقصية.
وفي ظنهم أنهم يستمدون من الحق تعالی بلا واسطة، وهو جهل منهم بما الأمر عليه، وربما عرف استمداده منه بعض أهل الله تعالى أصحاب المقامات، وربما جهل ذلك بعضهم وإن كان في مقام القرب.
ولو شئنا لشرحنا کيفية إمداده لجميع العالم، وبنيا ما به الإمداد منه، وفرقنا بينه وبين سائر أهل الله تعالی أصحاب المناصب:
کالأقطاب والأئمة والأوتاد والأبدال والنجباء والنقباء، وذكرنا رقائقهم المتصلة به اتصال الشعاعات في أقطار الأرض بقرص الشمس.
إلى غير ذلك من أحواله ومقاماته ومكانه وزمانه، واسمه ورسمه، ولكن نخرج بذلك عن صدد ما نحن بصدده من هذا الشرح المختصر.
وإن فسح الله في الأجل ويسر في العمل جعلت ذلك في كتاب حافل و ببيان أكثر مما ذكرت كافل.
(ولهذا)، أي لكون الخليفة الكامل في رتبة الخلافة غيب عمن سواه (يحجب السلطان) من سلاطين الدنيا بالوزراء والعمال والأعوان والجنود والعساكر (ووصف الحق) تعالى(نفسه بالحجب الظلمانية) على أهل الغفلة .
(وهي)، أي الحجب الظلمانية (الأجسام الطبيعية الكثيفة) المركبة من الطبائع الأربع المتكاثفة إلى
العناصر الأربعة (و) بالحجب (النورية) أيضا ف عن أهل اليقظة .
(وهي)، أي الحجب النورية (الأرواح اللطيفة والعقول والنفوس وعالم الأمر والإبداع) المنبعثة عن النور الأول بلا واسطة.
وهذه الحجب وردت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات نور وجهه ما أدركه بصره من خلقه».
وورد في حديث آخر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سألت جبرائیل: هل ترى ربك قال : إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور لو رأيت أدناها لاحترقت».
وفي حديث آخر: «إن دون يوم القيامة سبعين ألف حجاب».
وحقيقة الحجاب في حق الله تعالى كمال النور الحقيقي فإن الخفافيش إذا نظرت إلى نور الشمس لم تدرك منها غير الظلمة في بصرها فتحجب عنها الشمس بما أدركته من الظلمة.
والشمس غير محجبة عنها في الحقيقة بل هي منحجبة عن الشمس بضعف بصرها كما قال تعالى : "إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" 15 سورة المطففين .
وانقسمت الحجب إلى ظلمانية ونورانية باعتبار قرب الحجب إلى الله تعالی وبعدها عنه .
فعالم الأنوار الذي هو عالم الأرواح حجبه قريبة إلى الله تعالى لظهوره عنه تعالی بلا واسطة بينه وبينها سوى الأمر الأقدس.
كما قال تعالى : "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " 85 سورة الإسراء.
و عالم الظلمات الذي هو عالم الأجسام بعيد عن الله تعالى لظهوره عنه تعالی بواسطة عالم الأنوار .
(و) قد خلق الله تعالى (العالم)، أي الإنسان الكبير (بین کثیف) جسمانی (و لطيف) روحانی واللطيف حجاب الكثيف.
(وهو)، أي العالم الجامع الكثيف واللطيف (عين الحجاب على نفسه) التي هي من ورائه كثيفة ولطيفة وهي حقيقة الحضرة من حضرات ربه المتجلي بها عليها (فلا يدرك الحق) تعالی أبدا مثل (إدراكه نفسه) إن أدرك نفسه.
لأن ربه محجوب عنه بنفسه، فلو زال الحجاب زالت نفسه، ولو زالت نفسه زال المذرك ، فلا مدرك فمن يدرك الحق غير الحق.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولذا تحجب السلطان. ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة. فالعالم بين كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه. فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره. ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.)
قال الشيخ رضي الله عنه : (فالعالم) بجميع حقائقه ومفرداته (شهادة) أي ظاهر الخليفة وصورته (والخليفة) أي الإنسان الكامل (غيب) أي باطن العالم وروحه المدبر له وهي أي الخليفة وإن كان موجودة في الخارج لكنه بحسب الحقيقة يكون غيبة وروحا مدبرة للعالم الكبير الروحاني والجسماني فالعقل الأول أول ما يربه الخليفة من عالم الأرواح فالخليفة سلطان العالم كله .
(ولهذا) أي ولأجل كون الخليفة غيبة (بحجب السلطان) عن الخلائق لوجود نوع من معنى الخلافة فيه، لما فرغ عن بيان الارتباط
الذي يحصل العالم لنا به شرع في بيان الارتباط الذي احتجب الحق عنا به.
فقال : (ووصف) أي وستر (الحق نفسه) وإنما فسرنا الوصف بالستر لأنه لا يقال في كل لسان من الأنبياء والأولياء الله جسم طبيعي أو جسم نوري.
بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "إن الله سبعين ألف حجاب" ولم يقل ألف صفات فلا حظ للوجوب الذاتي في هذه الأشياء على الوصفية كما لا حظ لنا في الوجوب الذاتي .
فظهر أن مراد الشيخ بالوصف الستر أو غير ذلك من المعنى المناسب الحضرة الحق واللائق به لا ما اصطلح عليه القوم .
وإنما اختار لفظ الوصف ليجانس ما قبله وينظم كلامه في مسألة الارتباط في سلك واحد وهو نوع من البلاغة أو المعنى وصف نفسه (بالحجب الظلمانية) أي وصف نفسه بالأسماء التي هي مظاهر لها أو المعنى وصف نفسه بصفات الحجب الظلمانية.
كما قال : "جعت ومرضت" وغير ذلك مما ورد به الإخبارات الإلهية (وهي الأجسام الطبيعية و ) وصف نفسه بالحجب (النورية وهي الأرواح اللطيفة فالعالم) دائر (بين کثیف) طبيعي (ولطيف) روحاني ولما وصف نفسه بالحجب الظلمانية والنورية وكنا بين كثيف ولطيف احتجب ذاته تعالى عنا بنا .
فحجابنا علينا في الحلق عين وجودنا وهو معنى قوله : (وهو) أي العالم (عین الحجاب على نفسه) أي على العلم فإذا كان وجود العالم عين الحجاب على نفسه.
(فلا يدرك) العالم (الحق إدراكه) أي العالم نفسه، فإنه لما اتصف بالعالمية فلا يقع نظره على ذوق وشهود إلا إلى العالم لا إليه تعالى.
(فلا يزال) العالم (في حجاب لا يرفع) وإلا لانعدم العالم .
كما قال : "إن الله تعالی سبعین ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
(مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره) يعني أن هذا الحجاب لا يمنع علمه بأن الله واجب بالذات وغني عن العالم والعالم بذاته مفتقر إليه تعالى.
قوله : (ولكن لا حظ له) أي لا علم للعالم علم ذوق (في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق) استدراك عن قوله مع علمه فإذا لم يكن له حظ في الوجوب الذاتي (فلا يدركه أبدا) .
أي فلا يدرك العالم الحق تعالی أبدأ . علم ذوق من هذا الوجه. فإن ذوق الشيء شيئا في غيره فرع ذوقه ذلك الشيء في نفسه . فإذا لا يدرکه من هذه الحيثية.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولذا تحجب السلطان. ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة. فالعالم بين كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه. فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره. ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.)
قوله رضي الله عنه : "ووصف الحق نفسه الكريمة بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة، فالعالم بين لطيف وكثيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق أحد إدراكه نفسه.
فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره. ولكن لا حظ له في وجوب الوجود الذاتي الذي لوجود الحق تعالی، فلا يدركه أبدا."
قلت: يعني ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم وعليه السلام: "إن الله تعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما انتهى إليه بصره من خلقه " فذكر تعالى أن حجبه من نور وظلمة وهي الأرواح والأجسام وحقيقتهما أنهما كثيف ولطيف.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولذا تحجب السلطان. ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة. فالعالم بين كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه. فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره. ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.)
قال الشيخ رضي الله عنه : " فعالم شهادة والخليفة غيب ، ولهذا احتجب السلطان ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام العنصرية الكثيفة والنورانية وهي الأرواح والعقول والنفوس وعالم الأمر والإبداع ، والعالم بين لطيف وكثيف ، فهو عين الحجاب على نفسه فلا يدرك الحق إدراكه نفسه ولا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنّه متميّز عن موجده بافتقاره و لكن لا حظَّ له في وجوب الوجود الذاتي الذي للحق ، فلا يدركه أبدا ".
قال العبد أيّده الله به :
خلق الله آدم على صورة الرحمن ، كما نطق به الصادق الذي ما ينطق عن الهوى لأنّ الخليفة على صورة مستخلفه فيما استخلف فيه واستنيب ، وإن لم يظهر بصورة مستخلفه فما هو بخليفة .
ثم خلق الله العالم على صورة آدم لما ذكرنا أنّ العالم صورة تفصيل النشأة الإنسانية ، والإنسان صورة جمعها الأحدية فهو غيب العالم .
والعالم شهادته وظاهره لكون الكثرة والتفرقة حجابا ظاهرا ، والجمعية الأحدية غيبا باطنا ، فالإنسان روح العالم وقلبه وسرّه الباطن ولبّه .
ولهذا السرّ وجد احتجاب السلاطين والخلائف ضرب مثال للأمر ، حتى يكون غيبا ، كما أنّ اللبّ غيب في القشر ، وذلك أليق بعزّة الخليفة وعظمته ، كما أنّ الله تعالى وصف نفسه على لسان رسولنا بالحجب .
فقال صلَّى الله عليه وسلَّم : " إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة " ، فالاحتجاب بالحجب من مقتضيات السلطنة والخلافة .
ولمّا كان العالم بين لطيف وكثيف ، جسم وروح ، قد تعيّن الوجود الحق عامرا لعوالمهما وكثراتهما غير المتناهية ، وكلّ من العالمين حجاب على الآخر ، فتحجّب اللطيف بالكثيف ، والكثيف باللطيف ، واللطيف باللطيف والكثيف .
فالعالم عين حجابه على نفسه ، فلا يدرك الحق أبدا إلَّا من وراء هذه الحجب الكثيفة واللطيفة وذلك لأنّه لا حظَّ له في الوجوب الذاتي ولأنّه مفتقر في الوجود إلى من يتوهّم أنّه غيره ، فلا يزال في حجاب الغيرية ما بين كثيف نسمّيه جسما ، ولطيف نسمّيه روحا أو عقلا أو نفسا أو معنى ، وهي فيما بينها أغيار لوجود المغايرة بين التعيّنات الحقيقية والخصوصيات الذاتية ، فلو شهد العالم العين المحتجبة بحجب الغيرية عن أعين أعيان الأغيار أنّها بالحقيقة عين هذه الأغيار ، لزال عن عينها الغين والحجاب ، ولكنّ العزّة والغيرة أوجبتا الغيرية ، ولا بدّ ،" وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ من ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ "..

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولذا تحجب السلطان. ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة. فالعالم بين كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه. فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره. ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.)
ولهذا قال ( فالعالم شهادة والخليفة غيب ) لأنه من حيث الصورة داخل في العالم ، ومن حيث معناه خليفة الله ورب وسلطان للعالم
( ولهذا المعنى يحجب السلطان كما ذكر ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية والنورية وهي الأرواح اللطيفة ، فالعالم بين كثيف ولطيف وهو عين الحجاب على نفسه ) فالظلمانية أجساد العالم والنورانية أرواحه .
وليس العالم إلا هذه الأجسام الكثيفة والأرواح اللطيفة فهو حجاب على نفسه
( فلا يدرك الحق إدراكه نفسه ) لأن الشيء لا يدرك إلا ما فيه وليس في العالم إلا الحجب ، فلا يدرك إلا الحجاب دون المحجوب.
( فلا يزال في حجاب لا يرفع ) من هذا الوجه ( مع علمه ) أي مع أنه محجوب بحجاب آخر وهو علمه .
( بأنه متميز عن موجده بافتقاره ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق فلا يدركه أبدا ) أي ولكن لا يعلم من علمه بافتقاره الوجوب الذاتي الذي للحق إذ لا حظ له منه بوجه ، وما ليس فيه شيء منه لم يدركه إدراك ذوق وشهود.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولذا تحجب السلطان. ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة. فالعالم بين كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه. فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره. ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.)
(فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولهذا تحجب السلطان) أي، العالم ظاهر والخليفة باطن.
وإنما أطلق (الشهادة) عليه، مع أن بعضه غيب كعالم الأرواح المجردة، مجازا بإطلاق اسم البعض على الكل.
فالمراد بـ (العالم) هنا العالم الكبير الروحاني والجسماني، لأنه صورة الحقيقة الإنسانية وهي غيبه. ولما كان الإنسان الكامل مظهرا لكمالات هذه الحقيقة وخليفة ومدبرا للعالم، جعله غيبا باعتبار حقيقته التي لا تزال في الغيب وإن كان الخليفة موجودا في الخارج.
وكون الخليفة غيبا أيضا اتصاف بصفة إلهية، فإن هويته لا تزال في الغيب. وإنما جعلنا الخليفة غيب الأرواح أيضا، لأن ما يفيض على العقل الأول وغيره من الأرواح أيضا إنما هو بواسطة الحقيقة الإنسانية لأنه أول مظاهرها.
كما قال صلى الله عليه وسلم: "أول ما خلق الله نوري". أي، نور تعيني وحقيقتي الذي هو العقل الأول الذي ظهر في عالم الأرواح أولا.
ولا شك أن المظهر مربوب لما ظهر فيه، وإن كان باعتبار آخر هو يرب ما دونه من الأرواح وغيرها، لذلك يبايع القطب هو ومندونه ويستفيد منه.
الظلمانية والنورية، كما قال: "إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة، لوكشفها، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
ولما كانت الأجسام الطبيعية مظاهر لصفات تستر الذات سترا لا تكاد تظهر بها، جعلها حجبا ظلمانية للذات بقوله: (وهي الأجسام الطبيعية).
وكذلك جعل الأرواح حجبا نورانية مع أنها حجب هي مظاهر للصفات المظهرة للذات
بوجه، كما أنها ساتره لها بوجه. ألا ترى أن الشعاع وإن كان يستر الشمس لكن يدل عليها ويظهرها أيضا.
(فالعالم بين لطيف وكثيف) أي، كما أن الحق موصوف بالحجب الظلمانية والنورانية، كذلك العالم موصوف بالكثافة واللطافة، فهو دائر بين الكثيف واللطيف.
(وهو عين الحجاب على نفسه) أي، العالم هو عين الحجاب على نفسه، أي، تعينه وإنيته التي بها تميز عن الحق وتسمى بالعالم هو عين حجابه، فلو رفعت الإنية ينعدم العالم.
وإليه أشار الحلاج (رض) بقوله:
بيني وبينك إني ينازعني  ... فارفع بلطفك إنيي من البين.
ويجوز أن يعود الضمير إلى الحق. أي، الحق من حيث أنواره عين الحجاب على نفسه كما قيل: "وليس حجابه إلا النور ولا خفاؤه إلا الظهور."
(فلا يدرك الحق إدراكه لنفسه) أي، فلا يدرك العالم الحق كما يدرك نفسه ذوقا ووجدانا، لأن الشئ لا يدرك غيره بالذوق إلا بحسب ما فيه منه، وليس في العالم، من حيث إنه عالم وسوى، إلا الحجب النورانية والظلمانية، فلا يدرك بالذوق إلا إياها.
فضمير (إدراكه) و (نفسه) عائد إلى (العالم). ويجوز أن يعود الضمير إلى (الحق). أي لا يدرك العالم الحق كما يدرك الحق نفسه. فإن العالم من حيث إنه مظهر للحق مشتمل عليه، فيدركه في الجملة، لكن لا يمكن أن يدركه على الحقيقة كما هي.
(فلا يزال في حجاب لا يرفع) أي، فلا يزال العالم في حجاب لا يرفع، بمعنى أنه محجوب عن الحق بإنيته، ولا يقدر على حق معرفته ولا على معرفة نفسه، فإنه لو عرف نفسه لعرف ربه، لأن ذاته عين الذات الإلهية وما فاز بهذه المعرفة إلا الإنسان الكامل، لذلك صار سيد العالم و
خليفة عليه.
(مع علمه بأنه متميز عن موجده بسبب افتقاره إليه) أي، لا يزال العالم في الحجاب، مع علم العالم بأنه متميز عن موجده بسبب افتقاره إليه.
والعلم بامتيازالشئ عن غيره يوجب العلم بهما، فالعالم عالم بالحق من حيث إنه غنى وواجب بالذات. ولما كان العالم مفتقرا إليه ومتصفا بالإمكان، وإن كان متصفا بالصفات الإلهية.
استدرك بقوله: (ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق) أو استدراك من قوله: (فأوجد العالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهربشهادتنا).
أي، العالم متصف بصفاته، إلا بالوجوب الذاتي الذي لوجود الحق.
(فلايدركه أبدا) أي، فلا يدرك العالم الحق أبدا من حيث وجوبه الذاتي، لأن المدرك ما يدرك شيئا بالذوق والوجدان إلا بما فيه منه، وليس له حظ في الوجوب الذاتي، فلا نسبة بينهما.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولذا تحجب السلطان. ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة. فالعالم بين كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه. فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره. ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.)
فلذلك قال: (فالعالم) أي: الكبير من حيث اشتماله على صور الأسماء المتقابلة متفرقة منفصلة (شهادة)؛ لأن العلم التفصيلي يشاهد فيه أجزاء المعلوم، وصفاته واحدة بعد واحدة .
والخليفة من حيث اشتماله على صور الأسماء المتقابلة مجتمعة محملة غيب إذ لا يشاهد في العالم الإجمالي أجزاء المعلوم، ولا صفاته واحدة بعد واحدة؛ ولهذا أي: هو لأجل أن(و الخليفة) الحقيقي (غيب يحجب) عن نظر العامة (السلطان) الذي هو: الخليفة الظاهر لتكون الصورة على نهج الأصل، ولهذا لا يعرف الخليفة الحقيقي من لم يبلغ مرتبته إلا باعتبار ظاهر صورته.
وإنما كان الخليفة غيبا ليناسب به الحق، إذ (وصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية، وهي الأجسام العنصرية)، قيد الأجسام بها لكمال معنى الحجابية فيها؛ لأن تبدل الصور فيها يدل دلالة واضحة على أن لها مادة استترت بصورتها، فلما صار بعضها حجابا على بعضها فهي أولى بكونها حجابا على غيرها والسماوات السبع عنده من الأجسام العنصرية بخلاف تلك المنازل وتلك البروج والعرش والكرسي.
ثم وصفها بقوله: (الكثيفة)؛ لأن الكثافة تدل على الظلمة ووصف نفسه أيضا بالحجب النورانية: (وهي الأرواح اللطيفة) فإنها لما كانت أنوارا قريبة منا حجبت ما وراءها من الأنوار عن العقل واللطافة تدل على نورانیتها.
وهذا إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" .
فجعل رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم بمنزلة قول الله تعالى؛ لأنه لا "ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" [النجم: 3، 4].
ومعنی احتجاب حق بها أنه تعالى أظهر صورها وآثارها، وأخفى من ورائها أفعاله وصفاته وأسماءه، وهذه الحجب لا بد من تحققها في حق الخليفة أيضا؛ فإنه يتصرف أيضا بهذه الأجسام والأرواح كأنها جسمه وقواه؛ فهو محتجب وراءها احتجاب روح الإنسان وراء أعضائه وقواه؛ فافهم، فإنه مزلة للقدم.
(فالعالم بين كثيف ولطيف) وإذا كانت الكثافة ظلمة واللطافة نورا، وهما حجابان فالعالم كله حجاب لا متردد بطريق الحصر بين كثيف هي أجسام العالم كله عنصرا أو غيره، وإن كان بعضه اللطف من بعض ولطيف هي أرواحه.
وهذا الحجاب ليس بالنسبة إلى الحق يمنعه من إدراك ما في العالم أو ما وراءه، لو فرض بل )وهو عين الحجاب على نفسه( يمنعه من إدراك الحق الإدراك الكامل، ولا ينبغي أن يعرض بينه وبين الحق حجاب آخر، كما هو المتعارف في الحجب الظاهرة من الأجسام، )فلا يدرك العالم الحق مثل إدراك نفسه(؛ لأنه إنما يتم إدراکه برفع الحجاب، وهو نفسه فإذا رفع نفسه فمن يدرك الحق منه.
(فلا يزال) العالم في (حجاب) عن الحق (لا يرفع) عنه؛ لأنه ما بقي فهو في حجاب نفسه، وإذا رفع فهو في حجاب العدم هذا (مع) حجاب آخر لمن يعلم منه هو حجاب(علمه بأنه متميز عن موجده)، والتمييز مباينة توجب البعد الموجب للجهل، مع أن ذلك التميز (بافتقاره إليه)، فلا يدركه ما لم يرتفع عنه حجاب افتقاره إليه بالوجوب الذاتي.
(ولكن لاحظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق)، وإن فني وجوده في وجود الحق، وبقي به (فلا يدركه أبدا) لا حال الفناء والبقاء، ولا بدونهما.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولذا تحجب السلطان. ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة. فالعالم بين كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه. فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره. ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.)
قال رضي الله عنه : ( فالعالم شهادة ) بالنسبة إليه (والخليفة غيب ولهذا يحجب السلطان) ليظهر قهرمان حكمه بنفوذ الأمر .
( ولهذا وصف الحقّ نفسه بالحجب الظلمانيّة ، وهي الأجسام الطبيعيّة والنوريّة ، وهي الأرواح اللطيفة ) .
فيما روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : "إنّ لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" .
( فالعالم بين كثيف ولطيف ) لا يخلو أمره عنهما ( وهو عين الحجاب على نفسه ) ضرورة أنّه هو الحاجب ، ولا محجوب به غيره (فلا يدرك) العالم حينئذ (الحقّ إدراكه نفسه) ضرورة أنّه إنّما يدركه من وراء الحجاب ، وذلك هو الأوصاف المشتركة بين الحقّ والعالم ، التي هي عين العالم كما سبق بيانه .
(فلا يزال في حجاب لا يرفع) لامتناع رفع الشيء عن نفسه، فالعالم أبدا في حجاب نفسه (مع علمه بأنّه متميّز عن موجده بافتقاره) إليه واستغنائه عنه .
وهذا معنى تسبيح الأشياء للحقّ، فهو إنّما يعلم الموجد بصفة الاستغناء من وراء حجاب الكبرياء، فعلمه به من حيث الأوصاف العدميّة، لا غير .
( لكن لا حظَّ له في وجوب الوجود الذاتي الذي ) هو من الأوصاف الثبوتيّة ( لوجود الحقّ ) لما نبّهت عليه أن علمه إنّما يتعلَّق بالأوصاف التنزيهيّة ، ولا دخل له في الأوصاف الثبوتيّة أصلا (فلا يدركه أبدا ) .

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولذا تحجب السلطان. ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة. فالعالم بين كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه. فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره. ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.)
قوله : "فالعالم شهادة و الخليفة غيب، و لذا تحجَّبَ السلطان."
وإذا عرفت هذا (فالعالم) بوجوه كثيرة تظهر بالتأمل شهادة بالنسبة إلى الإنسان الكامل (و) الإنسان الكامل الذي هو (الخليفة غيب) بالنسبة إليه .
(ولا) يخفى أن عالم الملك شهادة مشهودة والخليفة بحسب نشأته العنصرية أيضا غیب .
لكن من حيث خلافته لا مطلقا فإنه لا يعرفه من هذه الحيثية الا بعض الخواص من أولياء الله سبحانه .
(ولهذا)، أي لكونه الخليفة غيبا (تحجب) السلطان، لأنه مظهر الخلافة الغيبية في الملك لذلك وجب الانقياد والمطاوعة له.
ولما انساق الكلام إلى ذكر الحجاب أراد أن ينبه على المراد بالحجب الإلهية الواقعة في الكلمات النبوية.
قوله : "و وصف الحق نفسه بالحُجُب الظلمانية و هي الأجسام الطبيعية، و النورية و هي الأرواح اللطيفة. "
فقال : (ووصف الحق نفسه) شأن نبيه صلى الله عليه وسلم : (بالحجب الظلمانية)، أي بأن له حجبة ظلمانية.
(وعن الأجسام الطبيعية) عنصرية كانت أو غير عنصرية (و) بالحجب (النورية)، أي بأن له حجبة نورية (وهي الأرواح اللطيفة) مثالية كانت أو روحية.
حيث قال صلى الله عليه وسلم:" إن لله تعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة".
"رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، حديث رقم 1957 [2/273] وابن حبان الأصبهاني في العظمة ، حديث رقم 246  [2/668]."
قوله : "فالعالم بين كثيف و لطيف، و هو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحقَّ إدراكَه نَفْسَه."
(فالعالم) الذي هو عين تلك الحجب دائر (بين کثیف) هو الحجب الظلمانية (و) بين (لطيف) هو الحجب النورية .
(وهو)، أي العالم (عبن الحجاب على نفسه)، أي الحاجب إياها عن شهود الحق وإن كان عينه.
لأن الحجاب ليس إلا الأجسام الطبيعية والأرواح النورية التي هي عين العالم أو هو عين الحجاب على نفسه.
أي على نفس الحق وذاته بحجبه عن إدراك الحق ذوقا وشهودا .
وإذا كان العالم عين الحجاب فهو يدرك نفسه بلا حجاب .
ويدرك الحق من وراء حجاب (فلا ندرك) أي العالم (الحق) إدراكا يماثل (إدراك)  أي إدراك العالم (نفسه) .
فإن إدراکه نفسه إدراك ذوقي شهودي من غیر حجاب.
وإدراكه الحق من وراء الحجاب الذي هو عينه أو إدراكا يماثل إدراك الحق نفسه.
فإن إدراك الحق نفسه إنما هو بذاته من غير حجاب.
"فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره."
وإدراك العالم إياه من وراء الحجاب (فلا يزال) العالم (في حجاب).
أي في حجاب تعينه وأنيته عن إدراك الحق (لا يرفع) ذلك الحجاب عنه بحيث لم يصر مانعة عن الشهود ولم يبق له حكم فيه.
فإنه وإن أمكن أن يرتفع تعينه عن نظر شهودي لكن يكون حكمه باقية فيه ويكون شهوده بحسبه لا بحسب ما هو المشهود عليه .
فلا يرفع الحجاب بالكلية (مع علمه)، أي العالم (بأنه متميز عن موجده بافتقاره) إليه وعدم افتقار موجده إليه لغناه ووجوبه الذاتي .
فيعلم موجده بعدم افتقاره ووجوبه الذاتي
قوله : "و لكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا."
(ولكن لا حظ له)، أي للعالم في الوجوب الذاتي الذي الوجود الحق سبحانه (فلا يدرکه).
أي العالم الحق من حيث وجوبه ، أو لوجوب إدراك شيء.
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 11:24 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:29 من طرف الشريف المحسي

الفقرة السابعة والعشرون الجزء الثاني .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة السابعة والعشرون :الجزء الثاني

كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ ناصر بن الحسن السبتي الكيلاني 940 هـ:
قال الشيخ رضي الله عنه : (فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولذا تحجب السلطان.
ووصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية، والنورية وهي الأرواح اللطيفة.
فالعالم بين كثيف ولطيف، وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه.
فلا فلا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره.
ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا. )

قال المصنف رضي الله عنه : [فالعالم  شهادة، والخليفة غيب، ولهذا يحجب السلطان]
قال الشارح رحمه الله :
فالعالم و هو ما سوى الله تعالى على اختلاف أنواعه و أشخاصه روحا و مثالا و جسما شهادة لأنها من أحكام الظاهر، و الخليفة من حيث أنه خليفة لا من حيث أنه إنسان غيب حقيقيّ من أحكام الباطن لأنه سرّ العالم.
والسر من ثنائه أن يكون غيبا. فلو ظهر لم يكن سرا حقيقيا، و قد قلنا أنه سرّ العالم و هو أحدية جمعه و هو روح العالم و مدبره و هويته لا تزال غيبا "فلا يظهِرُ على غيْبهِ أحداً" [ الجن: 26] أبدا .
هذا وهنا إشارات لا يمكن إظهارها، وأسرار لا يقبل إبرازها، ومن هذا المقام ما ورد عن بعض المجاذيب العقلاء: إنه سكر و باح و قال: أما عرفته؟ وأمّا هو ما أعرفه هل عرفني أم لا؟
يشير إلى هذا الغيب المطلق، فافهم .
فهو يعلم غيب ربه، يعلم غيبه بنفسه، فمن عرف نفسه فقد عرف ربه .
قال تعالى: "عالمُ الغيْبِ فلا يظهِرُ على غيْبهِ أحداً . إلّا منِ ارتضى مِنْ رسُولٍ فِإنّهُ يسْلكُ مِنْ بيْنِ يديهِ ومِنْ خلْفِهِ رصداً" [ الجن: 26، 27] .
قال تعالى: "وعلّم آدم الْأسْماء  كُلّها" [ البقرة: 31] و منها (الاسم الباطن)
و هو الغيب، و لهذا: أي لأجل عزة المرتبة بحجب السلطان لأن المرتبة أمر اعتباريّ لا عين لها في الخارج، فهو مستور عن أعين الشهادة لعزة المنصب بالمشاكلة .

"" إضافة الجامع : يقول أ. نهاد خياط  عن االخليفة :
" إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً " والمراد بالخليفة آدم ـ عليه السلام ـ وهو يرمز إلى الإنسان الكامل الذي تجمعت فيه الأسماء الإلهية التي لا يبلغها الإحصاء.
وهو بهذه الصفة قد جمع بين صورة العالم وصورة الحق.
وهما ـ الصورتان ـ يدا الحق تعالى المشار إليهما في مخاطبة الله تعالى لإبليس بقوله " مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ " [ص: 75].
يقول الشيخ الأكبر:
ولهذا كان آدم خليفة، فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها ـ لأن استنادها إليه فلابد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه ـ وإلا فليس بخليفة عليهم.
فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى، ولذلك قال فيه " كنت سمعه ... ، وبصره .. الخ)
(إشارة إلى حديث قرب النوافل الذي سوف نذكره فيما بعد) .
ما قال كنت عينه وأذنه: ففرَّقَ بين الصورتين وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود ولكن ليس لأحدٍ مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع.
لكن ما الغاية من خلق الإنسان الخليفة؟
يجيب الشيخ الأكبر :
هي أن يرى الله تعالى عينه في كونٍ جامع يحصر الأمر كله لكونه متصفاً بالوجود.
ويظهر به سره إليه: فإن رؤية الشيء لنفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمرٍ آخر يكون له كالمرآة.
فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له .أهـ ""

قال الشيخ المصنف رضي الله عنه : [ و وصف الحق نفسه الحجب الظلمانية و هي الأجسام الطبيعية الكثيفة و النورية و هي الأرواح اللطيفة و العقول و النفوس و عالم الأمر و الإبداع . فالعالم بين كثيف و لطيف، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه . فلا يزال في حجاب لا يرفع، مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره إليه، و لكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا].

قال الشارح رحمه الله :
(و وصف الحق نفسه بالحجب) . كما ورد في الخبر الصحيح : "إن لله تعالى سبعين ألف حجاب أو سبعين حجابا من شك الراوي من نور و ظلمة لو كشفها لأحرقت، سبحان وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"  .
اعلم أن الحجب منها: (حجب عناية) مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " إن لله سبعين ألف حجاب  الحديث" .
ومنها (حجب نقمة و عذاب) مثل قوله تعالى : "كلّا إنّـهُمْ عنْ ربِّهِمْ يوْمئذٍ لمحْجُوبون" [ المطففين: 15] .
و إن اللّه تعالى لما خلق الحجب، و لا بد فلو لم يحجب لما كانت حجبا، و خلق الله تعالى هذه الحجب على نوعين معنوية و مادية .
و خلق (الحجب المادية) على نوعين كثيفة و لطيفة .
و (الحجب اللطيفة) على نوعين شفافة و غير شفافة .
فـ (الحجب الكثيفة) لا يدرك البصر سواها ما فيها و ما ورائها، و يحصل له الالتباس إذا أدرك ما فيها و يقول كما قيل :
رقّ القلوب و رقت الخمر   .... فتشاكلا فتشابه الأمر
فكأنما خمر و لا قدح     ..... و كأنما قدح و لا خمر
و أمّا المرئي في الأجسام الصقيلة فلا يدرك موضع الصور منها، و لا يدرك ما ورائها، و يدرك الصور الغائبة عن أعين المدرك بها لا فيها .
فـ (الصور المرتبة) حجاب بين البصر و الصقيل و هو صور لا يقال فيها لطيفة و لا كثيفة، و تشهدها الأبصار كثيفة، و تتغير أشكالها بتغير شكل الصقيل، و يتموج بتموّجه، و يتحرك بتحركه بل بحركته، و يسكن بسكونه فما في الجود إلا حجب مسدلة، و الإدراكات متعلقها الحجب، و لها الأثر في صاحب العين المدرك لها، و أما الحجب المعنوية فأعظم الحجب حجابان حجاب الجهل و حجاب حسيّ، وهو رؤيتك أنانيتك، فما جعل حجابا عليك سواك و هو أكثف الحجب.

فأنت حجاب القلب عن سرّ ....   و لولاك لم يطبع عليه ختامه  
فافهم فإن الأمور كلها أمثال و عبر .
قال تعالى:" فاعْتبرُوا يا أولي الْأ بصارِ" [ الحشر: 2] فافهم .
فـ (الحجب الظلمانية) و هي الأجسام الطبيعية يشير رضي الله عنه إلى بيان الحديث المذكور حيث جعل صلى الله عليه و سلم الحجب من نور و ظلمة،
و (النورية ): أي الحجب النورية و هي الأرواح اللطيفة و الأجساد اللطيفة النورية
أي (الحجب النورية) و هي الأرواح اللطيفة و الأجساد اللطيفة النورية .
فهذه هي الحجب التي وردت في الحديث أنهما من نور و ظلمة.
فمن الظلمة وقع التنزيه، فنفينا عنه صفات المحدثات فلم نره.
فنحن جعلنا الحجب على أعيننا بهذا النظر، ومن النور هو ظهوره لنا حتى نشهده وننكر أنه هو كما وقع التجلي في القيامة. فيشهده العارف في صور الممكنات وينكره المحجوب.
فهو الظاهر للعارف والباطن للمحجوب دنیا وآخره، وكون الحجاب نورا من أعز المعارف؛ إذ لا يتمكّن النور أن يكون حجابا مستورا، فإنه لذاته يخرق الحجب و يهتك الأستار .

فـ (العالم) الذي هو عين السرّ على نفسه بين (حجاب كثيف) و (حجاب لطيف ).
و ليس العالم سوى هذه الأجسام و الأجساد كثيفها و لطيفها و هو عين الحجاب على نفسه، و انحجب بعينه و تقيده عن الأصل المطلق الذي لا يتقيد بالتقييد، كما لا يتقيد بالإطلاق، فافهم .

فلا يدرك الحق سبحانه: أي العالم لا يدركه تعالى من حيث إطلاقه إدراكه تقسه: أي مثل إدراكه تعالى نفسه، وذاته تعالى و هو مطلق لأن المقيد لا يدرك المطلق لعدم المناسبة، فلا يدرك المطلق إلّا المطلق، و العالم مقيد فلا يدرك الحق المطلق، فلا يزال أي العالم في حجاب لا يرفع:
منحتها الصفات و الأسماء  ..... أن ترى دون برقع اسما
قد تسمّت بهم و ليسوا    ...... فالمسمى أولئك الأسماء
و ذلك لتقييد العالم و عدم إطلاقه، و إطلاق الحقّ تعالى و عدم تقيده، و المقيد لا يدرك المطلق أبدا .
قال تعالى: " وما مِنّا إلّا لهُ مقامٌ معْلومٌ" [ الصافات: 164] لأن الإطلاق مشرف على التقييد لا بالعكس، فيعلمنا و لا نعلمه، و يدركنا و لا تدركه.
و أيضا أن ( المطلق) له أن يقيد نفسه إن شاء . ومن هذا المقام أوجب على نفسه الرحمة، فيدرك المقيد بإدراكه لنفسه بخلاف المقيد لا يصح أن يرجع مطلقا بوجه من الوجوه ما دامت عينه، فإن القيد صفة نفسه له فلا يفارقها أبدا .
هذا حكم العالم من حيث أنه عالم لا حكم الإنسان الكامل فإنه مخلوق على الصورة يا أهل يثرب لا مقام لكم، فافهم .

( مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره) فـ (الحجاب) مسدل مع العلم بالتميز لأن علمه ما تعدى نفسه من حيث لوازمه الذاتية، فلا أفاد في إدراك الحق تعالى شيئا، و لكن أي و إن كان له العلم بالتميز عن موجده بافتقاره.
و لكن لا حظّ له في (الوجوب الذاتي لوجود الحق سبحانه ): أي و لو ميزه لم يميزه إلّا بما هو عليه في نفسه لا بما في نفس الحق و هو الوجوب الذاتي .  الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا.
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 11:22 عدل 3 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:29 من طرف الشريف المحسي

 الفقرة الثامنة والعشرون الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

 الفقرة الثامنة والعشرون : الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا.
ولهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟ . وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق. وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.)
(فلا يزال) العالم (في حجاب) عن الحق تعالى (لا يرفع) عنه أبدا ما دام العالم.
فإذا زال العالم زال الحجاب والمدرك معا، وأما مع بقاء المدرك فالحجاب باقي لا يزول أبدا .
(مع علمه)، أي علم العالم (بأنه متميز) في ذاته وصفاته (عن موجوده تعالى بافتقاره) إليه.
وإن وقعت المضاهاة بينه تعالى وبين العالم في جميع ما ذكر (ولكن لا حظ له)، أي للعالم (في وجوب الوجود الذاتي الذي لوجود الحق تعالى) كما سبق ذكره.
(فلا يدرکه)، أي لا يدرك العالم الحق تعالى (أبدا)، لأنه محجوب عنه بنفسه الإلهية فلو أدركه أدرك نفسه التي في علم الحق تعالى الممدة له في هذا العالم وهي ربه .
كما قال عليه السلام: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، ولم يقل : فقد عرف الله. (فلا يزال الحق) تعالى (من هذه الحيثية) التي هي وجوب الوجود الذاتي (غير معلوم)للعالم دائما في الدنيا والآخرة (علم ذوق) کشفي (وشهود).
بل معلوم علم خیال غيبي، لأنه ليس فينا من ذلك ما تعلم به ذوق وشهودة وإنما عندنا تخيل ذلك تخيلا ممحوا بالتسليم للغيب المطلق .
ولهذا قال : (لأنه لا قدم)، أي لا مشاركة (للحادث) مطلقا (في ذلك) الأمر المخصوص بالحق تعالی وهو وجوب الوجود الذاتي.
(فما جمع الله) تعالى (لآدم) عليه السلام (بين يديه) سبحانه وتعالى القديمتين في خلقه له بهما معا (إلا تشریفا) لآدم عليه السلام وتعظيما له.
إذ ورد أنه تعالى خلق جنة عدن بيده اليمنى، وغرس شجرة طوبى بيده اليمنى، ولم يرد في شيء أنه خلقه بیدیه غير آدم عليه السلام، فقط على وجه التشريف والتعظيم له .
(ولهذا قال) جل وعلا في كلامه القديم (إبليس) عليه اللعنة (وما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) 75 سورة ص. بالتشديد تثنية يد .
(وما هو)، أي خلقه له بیدیه معا (إلا عين جمعه) تعالى له حين خلقه (بين الصورتين) اللتين هما في الحقيقة كناية عن تلك الصفتين المتقابلتين على حسب ما سبق بيانه.
(من صورة العالم)، وهي الظاهرة بالحضرتين معا :
حضرة الجلال وحضرة الجمال، وحضرة الغضب وحضرة الرضاء، وحضرة الظاهر وحضرة الباطن، وحضرة الأول وحضرة الآخر، إلى آخره.
ولكن الغالب في هذه الصورة حضرة الجلال على حضرة الجمال، وحضرة الغضب على حضرة الرضى، وحضرة الظاهر على حضرة الباطن، وحضرة الأول على حضرة الآخر.
ولهذا كانت هي اليد الشمال الغلبة ما لا يلائم فيها على ما يلائم.
وقد طرد إبليس عن الحضرة الإلهية إلى هذه الحضرة . فقال له تعالى: "فأخرج منها فإنك رجيم " 34 سورة الحجر.
فخرج على هذه الحضرة فهي محل الرجم وموضع اللعن والطرد، فيها خلق الله النار، ويخلق كفة السيئات من الميزان.
وخروج آدم عليه السلام إليها يسمى هبوطا لا طردا كما قال تعالى له . وفقال له و لحواء: "اهبطا منها جميعا " 123 سورة طه.
وأشار تعالى إلى نوح عليه السلام بالخروج إليها من سفينته فقال له : " يا نوح أهبط بسلام " 48 سورة هود.  وذلك لأن آدم ونوح عليهما السلام لهما عودة إلى حضرتهما الأولى وصعودا إليها بعد هبوطهما منها إلى هذه الحضرة الشمالية، وليس الإبليس عليه اللعنة عود ولا صعود .
وهي محل الغين الذي كان يقول عليه السلام عنها : "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة". وفي رواية : "مائة مرة" وهي أسفل سافلين التي قال تعالى : "ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين في إلا الذين آمنوا" آية 4 - 6 سورة التين.
(وصورة الحق) تعالى وهي الظاهرة بالحضرتين أيضا معا، حضرة الجلال وحضرة الجمال، وحضرة الغضب وحضرة الرضى، وحضرة الظاهر وحضرة الباطن، وحضرة الأول وحضرة الآخر إلى غير ذلك.
ولكن الغالب في هذه الصورة حضرة الجمال على حضرة الجلال، وحضرة الرضاء على حضرة الغضب، وحضرة الباطن على حضرة الظاهر، وحضرة الآخر على حضرة الأول.
ولهذا كانت هذه الصورة هي اليد اليمنى لغلبة ما يلائم فيها على ما لا يلائم، ومنها كان هبوط آدم وحواء وإليها رجوعهما، وفيها خلق الله تعالى الجنة .
وإليها رفع إدريس عليه السلام كما قال تعالى عنه : "ورفعناه مكانا عليا " 57 سورة مريم.
وإليها رفع عيسى ابن مريم عليه السلام وهو حي كما قال تعالى عنه "بل رفعه الله إليه " 158 سورة النساء . وفيها عندية الله تعالى.
كما قال تعالى: «إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته " 206 سورة الأعراف.
ومنها خلق الله تعالى الجنة، وفيها يخلق تعالی كفة الحسنات من الميزان.
(وهما بدا الحق) تعالى، أي هاتان الصورتان هما اليدان الإلهيتان، الأولى صورة العالم، والثانية صورة الحق تعالى.
مع أن صورة العالم هي صورة الحق تعالى، لكن إما أن تكون صورة الحق تعالی بواسطة صورة العالم أو بلا واسطة صورة العالم، ولهذا ورد: «كلتا يديه يمين»، فصورة الحق تعالی بواسطة هي اليد الشمال.
وأهلها المقبوض عليهم بها هم الأشقياء، لأنها بعيدة عن الحق تعالى بسبب الواسطة، وصورة الحق تعالى هي اليد اليمين، وأهلها المقبوض عليهم بها هم السعداء، لأنها قريبا من الحق تعالی لعدم الواسطة .
(وإبليس عليه اللعنة جزء من) أجزاء (العالم)، كما أن الملائكة جزأ من أجزاء العالم أيضا كما تقدم، ومثل ذلك كل شيء ما عدا آدم عليه السلام وبنوه الكاملون.
وحيث كان إبليس جزء من العالم (لم يتحصل له هذه الجمعية) بين اليدين الإلهيتين كما حصلت لآدم عليه السلام.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا.
ولهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟ . وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق.
وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.)
(فلا يزال الحق من هذه الحيثية غير معلوم علم ذوق وشهود لأنه لا قدم) بفتح القاف أي في الاتصاف (للحادث في ذلك) الوجوب الذاتي حتى يعلم الحادث الحق علم ذوق وشهود من هذه الحيثية ولو كان ذلك الحادث من أهل الله تعالى .
فقد لزم من هذا الكلام مسالة مهمة لم تجيء بيانها في الكتاب وهي أنه كما لا حظ له في الوجوب الذاتي .
كذلك لا حظ له في الصفات القديمة إذ لا يتصور قدم الصفات مع حدوث الموصوف فلا يدرك العالم الحق أبدأ فلا يزال الحق من حيث القدم غير معلوم علم ذوق وشهود .
لأنه لا قدم للحادث في القدم فعلم الحادث للقديم من حیث القدم ليس من المعلوم الذوقية بل بمجرد الاطلاع.
فإذا لم يكن للحادث قدما في الوجوب الذاتي لم يكن جامعة لجميع الصفات الإلهية. وقد كان الله جمع لآدم بين يديه.
(فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشریفا) على سائر المخلوقات لا لشرفه في حد ذاته فلو لم يشرفه الله تعالى فهو کسائر الموجودات.
كما أن مكة المشرفة بتشريف الله تعالى . وإلا فهو واد كسائر الأودية فلا يكون جمعية الإنسان الكامل علة تامة الجمعية اليدين بل لابد في التشريف من تشریف الحق.
(ولهذا) أي ولكون الجمع للتشريف (قال الله تعالى : "قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي" 75 سورة ص .
فإنه مستحق أن تسجد له لشرفه عليك لكونك مخلوقة بيد واحدة .
وهذا التشريف أي تشريف جمع اليدين مختص لآدم (وما هو) وليس جمع اليدين لآدم (إلا عين جمعه) أي إلا عين جمع الله لآدم .
(بين الصورتين صورة العالم) وهي مجموع الحقائق الكونية (وصورة الحق) وهو مجموع الحقائق الإلهية من الأسماء والصفات .
فآدم عبارة عن الصورتين واليدين (وهما) أي الصورتين (يد الحق) باعتبار اتحاد" سريان السر الإلهي" الظاهر والمظهر إذ بهما يتصرف الحق فعبر عنهما باليدين كما عبر عن الجلال والجمال .
فما أمر الملائكة إلا لأن يسجدوا لله تعالی . فکانت سجدتهم لله وقبلتهم آدم 
وأبي إبليس عن أمر به لعدم علمه "جهله " بذلك.
(و ابلیس جزء من العالم) فكان جزءا من جزء آدم (لم تحصل له هذه الجمعية) .


شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا. ولهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟ . وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق. وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.)
قوله رضي الله عنه : "فلا يزال الحق تعالى من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا."
ولهذا قال تعالى لإبليس "ما منعك أن تسجد لما خلقت بیدی" (ص: 70) وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق.  وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية"
قلت: يعني ما ورد من قوله، عليه السلام: "إن الله تعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما انتهى إليه بصره من خلقه " فذكر تعالى أن حجبه من نور وظلمة وهي الأرواح والأجسام وحقيقتهما أنهما كثيف ولطيف.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا.
ولهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟ . وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق.
وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.)
قال الشيخ رضي الله عنه : " "فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود لأنّه لا قدم للحادث في ذلك " .
فما جمع الله لآدم بين يديه إلَّا تشريفا ،
"ولهذا قال لإبليس : " ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ".
وما هو إلَّا عين جمعه بين الصورتين : صورة العالم وصورة الخلق ، وهما يدا الحقّ . وإبليس جزء من العالم ، لم تحصل له هذه الجمعية ."
وذلك لأنّ الكمال في أحدية جمع الجمع ، ثم الكمالات كلَّها إنّما تفيض من أحدية جمع هاتين اليدين المباركتين الإلهيتين .
فوجب أن تكون الكمالات المنبعثة من اليدين مجتمعة فيه مع أضعافها إذ الهيئة الجمعية الأحدية تعطي في الجامع أن يظهر فيه كلّ حقيقة من حقائق اليدين بهيئة الجمع .
ولهذا توجّهت المطالبة والمؤاخذة على إبليس الذي هو جزء من العالم في امتناعه عن سجود آدم لكون الواجب على كلّ قوّة من القوى الروحية والقوى الطبيعية جمعا وفرادى .
هو الإذعان والانقياد والطاعة والدخول تحت حكم صاحب الجمعية بين اليدين اللتين في قبضتهما عالم الأرواح اللطيفة وعالم الطبيعة الكثيفة ، وإبليس في إحداهما .
ولكنّ حقيقة إبليس منافية لحقيقة آدم بالحقيقة والطبع لأنّ حقيقة آدم عليه السّلام صورة ظاهرية أحدية جمع الجمعيات الإلهية والجمعيات الكونية .
وإنّما جمع الله له بين اليدين لأنّ الإنسانية التي هي حقيقته تقتضي الاعتدال وكمال الجمع بين التعين والإطلاق ، والكثرة والوحدة ، وعدم الانحصار في تعيّن جزئي .
بخلاف حقيقة إبليس ، فإنّها صورة الانحراف التعيّني الحجابي إلى الأنانية الجزوية المتقيدة بالاستعلاء والاستكبار ، والظهور والعلوّ على حقيقة العين إذ التعيّن يكفر العين ويحجبه ويعلو عليه .
وهذه الحقيقة تقتضي التفرقة النارية المعتلية على باقي العناصر .
فلمّا تباينت الحقيقتان ، وقعت المضادّة والمحادّة والمعاداة في عالم الصورة بسبب المضادّة الحقيقية في الحقيقة وبحسبها .
ولأنّ نشأة كلّ واحد منهما تضادّ نشأة الآخر في الجزء الأعظم فإنّ الجزء الأعظم في نشأة الإنسان الماء ، ثم الأرض ، وهما يعطيان بحقائقهما وصورهما وقواهما وروحانياتهما اللين والإذعان والطاعة والقبول والانقياد والإيمان والثبات والوقار والتّؤدة والسكينة والخشوع والاستكانة والعبودية والتذلَّل والعلم والحلم والإناءة وما شاكل ذلك .
والجزء الأعظم في نشأة إبليس والشياطين النار ، وهي بحقيقتها وصورتها وروحانيتها تعطي الاستعداد والاستكبار والخفّة والطيش والسفوف والكبر والخيلاء والتسلَّط والجبروت والكفر والجحود والحقد والحسد لأنّه صورة الانحراف العنصري التعيّني 
كما قلنا : إنّ التعيّن يعلو على المتعيّن فيه ، ويطغو ويكفره أي يستره وما له ثبات فإنّ نور العين المتعيّنة في حجابية كلّ تعيّن يخرقه ويحرقه ، ومن حق التعيّن أن يلعن ويطرد وينفي عن وجه العين المتعيّنة في ذلك التعين.
لكونه حجابا على من تعيّن به وفيه من وجه وإن كان دالَّا عليه من وجه آخر ، فمن كان مشهوده أنّ وراء التعيّن أمرا هو منه يشاهد الحقيقة في الحجاب .
ومن لم يشاهد إلَّا حجابية التعيّن ، حجب به ، والتعيّن حجاب على نفسه ، فلا يرى العين المحتجبة به أبدا ، كظهر المرآة لا يظهر فيه مثال صورة الرائي المنطبع في باطنه إلَّا أن يلعن حقيقة الحجاب عن وجه المحتجب .
ولهذا كلّ تعيّن يدّعي أنانيّة هو بها محجوب عن غيره وعن عينه وعين الكلّ التي بها قيام الكلّ وهو قيّام الكلّ وقد أشرنا إلى هذا السرّ في الغرّاء الرائية واللامية أيضا بقولنا : شعر :
لا يحجبنّك  أشكال يشاكلها   ..... عمّن يشكَّل فيها فهي أستار
وكن به فطنا في أيّ مظهره   ..... بدء ففي الأمر إظهار وأسرار
كالبحر بحر على ما كان في قدم   ..... ثمّ الحوادث أمواج وأنهار
ومن حجب بالتعيّن ، طلب الاستبداد والتفرّد بتعيّنه الجزئي إذ لا قدم له في الكلَّية والأحدية الجمعية الإلهية.
ولعن الحضرة الإنسانية لإبليس إذ الجزئية التعيّنية حجاب على العين الكلَّية الأصلية ، والتعيّن طار ولا يكون إلَّا من جهة غلبة جزء من أجزاء ظاهرية المتعيّن أو المعيّن ، فافهم .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا.
ولهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟ . وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق.
وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.)
قال الشيخ رضي الله عنه : (فلا يزال الحق من هذه الحيثية ) أي من هذا الوجه ( غير معلوم ) أبدا ( علم ذوق وشهود لأنه لا قدم ) ولا سابقة ( للحادث في ذلك ) أي في الوجوب الذاتي البتة .
قوله ( فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا ، ولهذا قال لإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ ) لما ذكر أن الصفتين المتقابلتين يد الحق اللتان توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل.
وكان قد مثل بصفات الله تعالى متقابلة مشتركة في أنها مؤثرة فكانت أيادى معطية متقابلة ، وقد أومأ إلى صفات العالم متقابلة مشتركة في أنها انفعالية .
فكانت أيادى قابلة آخذة وسوانا فيها مع العالم فأراد أن يثبت لنا التشريف من الله بالجمع بين يديه المتقابلتين في الإعطاء والقبول أيضا ، فإن لله تعالى يدين متقابلات معطية كالرضا والغضب ، ومتقابلات آخذة قابلة ألا ترى إلى قوله تعالى :" أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ".
ولهذا وبخ إبليس وذمه على ترك السجود لآدم ، حيث رأى منه صفات العالم من الانفعالات القابلة كالخوف والرجاء ، ولم ير الصفات الفعلية ولم يعرف أن القابلة أيضا صفات الله فإنها من الاستعداد الفائض عن الفيض الأقدس .
وقال ( وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين صورة العالم وصورة الحق وهما يد الحق ) يعنى كما أن المتقابلات المعطية يد الحق .
فالمعطية والقابلة والآخذة أيضا يدان متقابلتان للحق .
فلو لم يكن لآدم تلك القوابل لم يعرف الحق بجميع الأسماء ولم يعبده بها ( وإبليس ) لم يعرف ذلك لأنه ( جزء من العالم لم يحصل له هذه الجمعية ) فما عرف إلا ما هو من العالم فاستكبر وتعزز لاحتجابه عن معرفة آدم .
إذ لم يكن له جمعية فلم يعرف منه إلا ما هو من جنس نشأته ،فاستوهنه ونقص به وما عرف أن الذي حسبه نقصانا كان عين كماله.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا.
ولهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟ . وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق.
وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.)
قوله رضي الله عنه : "فلا يزال الحق من هذه الحيثية" أي، من حيث الوجوب الذاتي. "غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك".
وإنما قيد بقوله: (علم ذوق وشهود) لأن الذوق والشهود يقتضى اتصاف الذائق بما يذوقه حالا، بخلاف العلم التصوري، فإنه بمجرد الاطلاع على الوجوب الذاتي وماله ذلك، يقدر على الحكم بأنه متصف به.
(فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا) أي، ما جمع الله في خلق آدم بين يديه اللتين يعبر عنهما بالصفات الجمالية والجلالية إلا تشريفا وتكريما.
كما قال: "ولقد كرمنا بنى آدم وحملنا هم في البر والبحر". فصار جامعا لجميع الصفات الإلهية وكانت عينه متصفة بجميع الصفات الكونية، فحصل عنده جميع الأيادي المعطية والأخذية.
قوله رضي الله عنه : (ولهذا قال لإبليس: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟" وما هو) أي، وليس ذلك التشريف أو ليس ذلك الخلق.
(إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم) وهي الحقائق الكونية.
(وصورة الحق) وهي الحقائق الإلهية. (وهما يدا الحق.)
وإنما جعل صورة العالم (يدا الحق) لأنهما مظاهر الصفات والأسماء، لذلكعبر عن الصفات الجمالية والجلالية باليدين كما مر.
وعبر هنا عن الصورتين بـ (اليدين) تنبيها على عدم المغايرة بينهما في الحقيقة إلا في الظاهرية والمظهرية.
وأيضا، لما كان الفاعل والقابل شيئا واحدا في الحقيقة ظاهرا في صورة الفاعلية تارة والقابلية أخرى، عبر عنهما باليدين: فيمنا هما الصورة الفاعلية المتعلقةبحضرة الربوبية، ويسرا هما الصورة القابلية المتعلقة بحضرة العبودية، ويجمع المعنيين تفسيرهما بالصفات المتقابلة.
(وإبليس جزء من العالم، لم تحصل له هذه الجمعية) لأنه مظهر اسم "المضل" وهو من الأسماء الداخلة في الاسم (الله) الذي مظهره آدم، فلا يكون له جمعية الأسماء والحقائق.
قيل: "إبليس هو القوة الوهمية الكلية التي في العالم الكبير، والقوى الوهمية التي في الأشخاص الإنسانية والحيوانية. إفرادها لمعارضتها مع العقل الهادي طريق الحق". وفيه نظر.
لأن (النفس المنطبعة) هي الأمارة بالسوء و (الوهم) من سدنتها وتحت حكمها، لأنها من قواها، فهي أولى بذلك، كما قال تعالى: "ونعلم ما توسوس به نفسه". وقال: "إن النفس لأمارة بالسوء"
وقال، صلى الله عليه وسلم:
 "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك". 
وقال: "إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم". 
وهذا شأن(النفس). ولو كان تكذيبه للعقل موجبا لكونه شيطانا، لكان العقل أيضا كذلك، لأنه يكذب ما وراء طوره مما يدرك بالمكاشفات الحقيقية، كأحوال الآخرة وأيضا، إدراكه للمعاني الجزئية وإظهاره لها حق ونوع من الهداية للاهتداء به في الجزئيات التي هي نهاية المظاهر.
قال الشيخ في "الفص الإلياسي": "فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية وبه جاءت الشرائع المنزلة فشبهت ونزهت، والشيطان مظهر الإضلال والإغواء لا للاهتداء، وفي باقي الحيوانات فهو بمثابة العقل.
ومن أمعن النظر، يعلم أن القوة الوهمية هي التي إذا قويت وتنورت  تصير عقلا مدركا للكليات وذلك لأنه نور من أنوار العقل الكلى المنزل إلى العالم السفلى مع الروح الإنساني، فصغر وضعف نوريته وإدراكه لبعده من منبع الأنوار العقلية فتسمى بـ (الوهم).
فإذا رجع وتنور بحسب اعتدال المزاج الإنساني، قوى إدراكه وصار عقلا من العقول.
كذلك يترقى العقل أيضا ويصيرعقلا مستفادا."

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا.
ولهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟ . وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق.
وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.)
(فلا يزال الحق من هذه الحقيقة)  أي: من هذا الوجه الذي هو الوجوب الذاتي (غير معلوم علم ذوق وشهود) بل غايته أن يعلم بعلم التصور الذي هو حجاب، وإن علم بالذوق والشهود من وجه آخر كان الفناء، والبقاء لكن لا يمكن من هذا الوجه أعني: الوجوب الذاتي.
(لأنه لا قدم للحادث في ذلك) الوجه، ولا يعرف أحد ذوقا وشهودا ما ليس فيه؛ لوجوب اتصاف الذائق بصفة المذوق، وانتفاش محل الشهود من الشاهد بصورة المشهود.
ولما كان العالم حجابا عن الحق يمنع عن ظهوره بأفعاله الدالة على أسمائه ، وصفاته الدالة على ذاته، ولا فاعل غيره فهو يفعل بالعالم أجسامه، وأرواحه في الظاهر كما يفعل بأسمائه وصفاته في الباطن.
فهما أيضا يدان للحق بينهما تقابل مثل التقابل بين الأسماء الإلهية، والحقائق الكونية وليده من الأسماء المتقابلة، لما توجهت على خلقة أدم صار جامعا الحقائق العالم المتقابلة ومفردات.
كذلك فقد اجتمعت فيه هاتان اليدان أيضا، وهما أشل مما تقدم، فحمل القرآن عليه أولى (فما جمع) ابنه (لآدم بين يديه إلا تشریفا) أي: لأعضاء الخلافة التي هي غاية الشرف؛ لأنه ناسب بهما الحق، والخلق فصار مستعدا؛ لأن يستفيض من الأول، ويفيض على الثاني.
ولهذا التشريف فضل آدم على التحمل، وصار مستحقا لسجود الملائكة له حتى الزم حجبة الحق على إبليس حيث قال لإبليس: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي " [ص: 75].

(وما هو) أي: التشريف الملزم حجة الحق على إبليس (إلا عين جمعه بين الصورتين صورة العالم، وصورة الحق)؛ ليناسبهما فيستحق خلافة الحق على الخلق.
(وهما) أي: الصورتان (يدا الحق)، إما صورة الحق: وهي أسماؤه فهي المؤثرة في الباطن، وإما صورة العالم؛ فهي المؤثرة في الظاهر حتى أن المنفعل منه فاعل للقبول، وهو نوع من التأثير والتقابل بینهما أتم؛ لشمولهما تقابل الأسماء الإلهية، والحقائق الكونية مع اعتبار تقابل آخر بين تلك الأسماء والحقائق.
(وإبليس جزء من العالم) فليس له من الفضيلة ما يتمسك بها من الإباءة عن السجود، ولم يطلع على هذه الجمعية.
إذ (لم تحصل له هذه الجمعية)، فاعتبر نفسه جزءا من العالم وهو النار، وآخر لأدم، وهو التراب؛ فقال: "خلقتني من نار وخلقته من طين» [ص: 76].

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا. ولهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟
وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق. وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.)
قال رضي الله عنه : (فلا يزال الحقّ من هذه الحقيقة) يعني الوجوب الذاتي وما يستتبعه من الأوصاف الثبوتيّة المختصّة بالحق (غير معلوم) للعالمين ، (علم ذوق وشهود) فإنّه إنّما يعلم إذا علمه علم تقليد واستدلال ، ومن ثمّة يرى العقل من حيث هو هو لا يجاوزهما ، فإنّ العالم من حيث هو عالم لا يمكن له استحصال العلم الذوقي (لأنّه لا قدم للحادث في ذلك) ، فمن علم منهم تلك الحقيقة فإنّما يعلمها بالحق من نوره الفائض من صورته ، لا من صورة العالم .
وإذ قد ظهر معنى اليدين وشمولهما لصنوف المتقابلين ( فما جمع الله لآدم بين يديه إلَّا تشريفا ) له بكمال خلقته وترشيحا لشجرة رتبته ببلوغها لاستجماع الثمرة معها ، ( ولهذا قال لإبليس ) توبيخا له وتعريضا بنقصان خلقته منه : (" ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ").
 عند ظهور الإباء ، الذي هو مقتضى نشأته الناقصة عن إدراك كمال جمعيّة آدم والانخراط في سلك كليته والانقهار تحت قهرمان سلطانه .
فقال رضي الله عنه : ( وما هو إلَّا عين جمعه بين الصورتين : صورة العالم ) المشتمل عليها نشأة تفرقته الظاهرة (وصورة الحق ) المشتمل عليها نشأة جمعيّته الباطنة ( وهما يدا الحق . وإبليس جزء من العالم لم يحصل له هذه الجمعيّة ) يعني جمعيّة اشتمال اليدين ، إذ ليس له نصيب إلَّا من أحد اليدين ، أعني صورة العالم ولهذا غلب عليه الأوصاف العدميّة ، كالإباء والإغواء ، والقسم بالعزّة ، والاستغناء . وأمّا آدم فهو مشتمل على الصورتين.

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا.
ولهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟ . وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق.
وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.)
قال الشيخ رضي الله عنه : "فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق و شهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك.
فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا." (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة).
أي الوجوب الذاتي أو من أجل هذا الحكم الحقيقي الذي هو أن العالم لا حظ له في الوجوب الذاتي (غير معلوم علم ذوق وشهود لأنه لا قدم للحادث في ذلك)
يعني الوجوب فلا يدركه إدراك ذوق وشهود نعم يدرکه إدراكا تصورية يكفي في الحكم به على الحق سبحانه .
وإذ قد عرفت المعنى المراد من اليدين وجمعهما في خلق آدم (فما جمع الله سبحانه لآدم) حين خلقه (بين يديه إلا تشريفا) وتكريما له من بين سائر الموجودات . "و لهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟"
(ولهذا) أي لأن هذه الجمعية ليست إلا للتشريف.
(قال سبحانه لإبليس) توبيخا له: " قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) " سورة ص .
وجعل رضي الله عنه اليدين فيما سبق عبارة عن نوعين متقابلين من الصفات الوجوبية الفعلية كما هو الظاهر وجعلهما هنا إشارة إلى معنى آخر.
"و ما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم و صورة الحق، و هما يدا الحق."
بقوله: (وما هو)، أي الجمع بين يديه لآدم (إلا) عين (جمعه)، أي الله تعالی أو آدم (بين الصورتين صورة العالم)، وهي أحدية جمع الحقائق الكونية القابلة.
(وصورة الحق)، وهي أحدية جمع الحقائق الإلهية الوجوبية الفاعلة.
(وهما)، أي هاتان الصورتان : (يدا الحق) إحداهما اليد القابلة الآخذة وهي اليسرى،
وثانيهما اليد الفاعلة المعطية، وهي اليمنى وكلتا يديه يمين مباركة.
وإنما جعلهما يدي الحق لأن كل واحد منهما صورة من صورة تجلياته بها يتم أمر الوجود.
لأنه الذي يتجلى بصورة القابل بأمره والفاعل أحرى، والفرق بين المعنيين أن الصفات المتقابلة لو خصت هناك بالصفات الفعلية الوجوب كما هو الظاهر يكون المراد بمجموع الیدین هناك بما أراده بالیمنی ههنا.
ولو عمت الصفات الإمكانية أيضا يكون المعنى فإن من جزئيات المعنى الأول خص بالذكر دونها لما يرد بعده .
"وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية."
أعني قوله : (و إبليس هو جزء من العالم) الذي هو جزء من أدم.
لأنه حقيقة مظهرية للاسم المضل الداخل تحت الاسم الجامع "الله"  للأسماء الظاهرة في مظاهر العالم كلها ظهورا قرآنيا وفي آدم ظهورا جميعا.
ولهذا قال : (لم يتحصل له)، أي إبليس (هذه الجمعية)، أي جمعية أدم.
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 11:13 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:30 من طرف الشريف المحسي

 الفقرة الثامنة والعشرون الجزء الثاني .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثامنة والعشرون : الجزء الثاني

كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ ناصر بن الحسن السبتي الكيلاني 940 هـ:
قال الشيخ رضي الله عنه : (فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك.
فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا.  ولهذا قال لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»؟
وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق.
وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية. )
قال المصنف رضي الله عنه : [فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك. ].
ذكر الشارح رحمه الله  :
فلا يدرك الحق سبحانه: أي العالم لا يدركه تعالى من حيث إطلاقه إدراكه تقسه.
أي مثل إدراكه تعالى نفسه، وذاته تعالى و هو مطلق لأن المقيد لا يدرك المطلق لعدم المناسبة، فلا يدرك المطلق إلّا المطلق، و العالم مقيد فلا يدرك الحق المطلق، فلا يزال أي العالم في حجاب لا يرفع:
منحتها الصفات و الأسماء  ..... أن ترى دون برقع اسما
قد تسمّت بهم و ليسوا    ...... فالمسمى أولئك الأسماء
و ذلك لتقييد العالم و عدم إطلاقه، و إطلاق الحقّ تعالى و عدم تقيده، و المقيد لا يدرك المطلق أبدا .
قال تعالى: " وما مِنّا إلّا لهُ مقامٌ معْلومٌ" [ الصافات: 164] لأن الإطلاق مشرف على التقييد لا بالعكس، فيعلمنا و لا نعلمه، و يدركنا و لا تدركه.

"" إضافة الجامع : ذكر الشيخ عبد الكريم الجيلي في الباب الثاني والستون في كتاب الإنسان الكامل عن تجلي القديم للحادث:
" فطلبت البقاء في مقام اللقاء، ومحال أن يثبت المحدث الظهور القديم، فنادى لسان سري مترجما عن ذلك الأمر العظيم.
فقلت: ربي "أرني أنظر إليك" آية 143 سورة الأعراف.
فأدخل بأنيتي في حضرة القدس عليك، فسمعت الجواب من ذلك الجناب و"لن تراني" ولكن انظر إلى الجبل وهي ذاتك المخلوقة من نوري في الأزل.
"فإن استقر مكانه "بعد أن أظهر القديم سلطانه.
"فسوف تراني. فلما تجلى ربه للجبل" وجذبتني حقيقة الأزل وظهر القديم على المحدث "جعله دكا" فخر موسى لذلك صعقا، فلم يبق في القديم إلا القديم.   ولم يتجلى بالعظمة إلا العظيم، هذا على أن استيفاؤه غير ممكن وحصره غير جائز." أهـ ""

"" إضافة الجامع : قال الشيخ أبو المعالي صدر الدين القنوي في إعجاز البيان في تأويل ام القرآن :
فان ادعي احد معرفة هذا الاسم بطريق الشهود من حيث احدية التجلي والخطاب؟!
فنقول الذوق الصحيح التام افاد ان مشاهدة الحق تقتضي الفناء الذي لا يبقي للمشاهد فضلة يضبط بها ما ادرك.
وفي التحقيق إلاتم انه متي شهد احدا الحق فانما يشهد بما فيه من الحق وما فيه من الحق عبارة عن تجليه الغيبي الذي قبله المتجلي له باحدية عينه الثابتة المتعينة في العلم التي يمتاز بها عن غيره من الوجه الخاص دون واسطة فاستعد به لقبول ما يبدو له من التجليات الظاهرة فيما بعد بواسطة المظاهر الصفاتية والاسمائية.
وبهذا حصل الجمع بين قولهم ما يعرف الله إلا الله، وقولنا لا يمكن ادراك شيء بما ينافيه وبين دعوي العارف انه قد عرف الله معرفة ذوق وشهود.
ومن عرف سر قرب الفرائض والنوافل وما بينا في ذلك تنبه لما أومأنا إليه.
وعلي كل حال فنحن مقيدون من حيث استعدادنا ومراتبنا واحوالنا وغير ذلك فلا نقبل إلا مقيد مثلنا وبحسبنا كما مر والتجليات الواردة علينا ذاتية كانت أو اسمائية وصفاتية فلا تخلوا عن احكام القيود المذكورة .
ومن التقط ما قدمنا من التنبيهات وجمع النكت المبثوثة مستحضرا الهمه استغني عن مزيد البيان والتقرير فانه قد سبق ذكر ما يستنتج منه مثل هذا وغيره من إلأسرار الجليلة. أهـ ""

"" إضافة الجامع : كتاب إيقاظ الهمم في شرح الحكم العطائية لابن عجيبة الحسني يقول :
" القديم والحادث لا يلتقيان فإذا قرن الحادث بالقديم تلاشي الحادث وبقي القديم" .
قال رجل بين يدي الجنيد رضي الله عنهالحمد لله ولم يقل رب العالمين
فقال له الجنيد كمله يا أخي .
فقال له الرجل وأي قدر للعالمين حتى يذكروا معه.
فقال الجنيد قله يا أخي: "فإن الحادث إذا قرن بالقديم تلاشي الحادث وبقي القديم" اهـ.
فقد تقرر أن الأشياء كلها في حيز العدم إذ لا يثبت الحادث مع من له وصف القدم .
فأنتفى القول بالإتحاد إذ معنى الإتحاد هو إقتران القديم مع الحادث فيتحدان حتى يكونا شيئاً واحداً وهو محال.
إذ هو مبني أيضاً على وجود السوي ولا سوي .
وقد يطلقون الإتحاد على الوحدة كقول ابن الفارض
وهامت بها روحي بحيث تمازجا ... إتحاداً ولا جرم تخلله جرم
فأطلق الإتحاد على إتصال الروح بأصلها بعد صفائها ولذلك قال بعده ولا جرم تخلله إلخ فتحصل أن الحق سبحانه واحد في ملكه قديم أزلي باق أبدي منزه عن الحلول والإتحاد مقدس عن الشركاء والأضداد كان ولا أين ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان .
ومما ينسب لسيدنا علي كرم الله وجهه :
رأيت ربي بين قلبي ... فقلت لا شك أنت أنت
أنت الذي حزت كل أين ... بحيث لا أيبن ثم أنت
فليس للأين منك أين ... فيعلم الأين أين أنت
وليس للوهم فيك وهم ... فيعلم الوهم كيف أنت
أحطت علماً بكل شيء ... فكل شيء أراه أنت
وفي فنائي فنا فنائي ... وفي فنائي وجدت أنت .أهـ ""

قال الشيخ المصنف رضي الله عنه : [ فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا. و لهذا قال لإبليس: "ما منعك أنْ تسْجُد لما خلقْتُ بيديّ" [ص : 75]  و ما هو إلا عين جمعه ين الصورتين، صورة العالم و صورة الحق و هما يدا الحق . و إبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية .]
قال الشيخ الشارح رضي الله عنه :
( فما جمع الله لآدم بين يديه ): أي يدي تنزيه و تشبيه، و إن شئت قلت: يدي وجوب و إمكان، و قدم و حدوث .
( إلا تشريفا و تكريما له) فإنه جاز الشرف بكلتا يديه، و إنه حادث أزليّ .
( و لهذا ): أي و لهذا التشريف قال تعالى لإبليس توبيخا و زجرا: "ما منعك أنْ تسْجُد لما خلقْتُ بيديّ " [ ص: 75]: أي يدي تنزيه و تشبيه من حيث التشريف بقرينه الحال حين عرفه بذلك لإبليس لما ادعى الشرف على آدم بنشأته قال: " قال يا إبليسُ ما منعك أنْ تسْجُد لما خلقْتُ بيديّ  أسْتكْبرْت أمْ كُنْت مِن العالين" [ صّ : 75] .
فلا بد من النسبتين بحيث يصحّ بهما التشريف لخلافتي و إلا ذلك سائغ في غيره كالإنسان الحيواني (و ما هو ): أي ليس هذا التشريف، و هو الخلق إلا عين جمعه بين الصورتين (صورة العالم) و (صورة الحق) و تحقّقه بهما و هما: يدا الحق يد تنزيه و يد تشبيه .

أحدهما فاعلة معطية، و أحدهما قابلة آخذة، و كلتا يديه يمين مباركة، فافهم .
يقول الشيخ رضي الله عنه :
فليس عيني سواه ... فما أبيت إياه
فمن يشاهد بعين ... الوجود يشهد إياه
فنحن فيه سواء ... كما يراني أراه
و (إبليس) و كان اسمه حارث فأبلسه الله تعالى و طرده من رحمته، و طرد رحمته منه، فسمّي إبليسا: أي طريدا .
( جزء من العالم لم يحصل له هذه الجمعية) لأنه مظهر اسم المضل، و آدم عليه السّلام مظهر لاسم الله الجامع لجميع الأسماء الظاهرة في المظاهر المسمّاة بالعالم، و الاسم المضل من جملة تلك الأسماء، و اللبس على إبليس حقيقة الأمر لجهله بنفسه، فظنه أنه الشرف من حيث النشأة العنصرية، ثم ظن أن أشرف الاستقصات النار فرتب بالفكر الفاسد على هذا الوهم الكاسد الأقيسة الباطلة و المقدمات العاطلة في نفسه و توهّم منها النتيجة، و امتنع عن السجود حين أمره الله تعالى و ما اكتفى بمجرد الامتناع و كان أستر له بل فضح نفسه عند العلماء بإظهار استدلاله، و جمع بين الجهل و سوء الأدب لخفته و طيشه .

و قال تعالى: "قال أنا خيْـرٌ مِنْهُ خلقتني مِنْ نارٍ و خلقْتهُ مِنْ طِينٍ" [ الأعراف :  . [12
و هذه أول معارضة ظهرت من إبليس في صنعة الجدال، فإنه جادل ربه و ما أحسن في جداله لأنه ما أعطي حقه إن الحق تعالى  أراد بقوله: "ما منعك أنْ تسْجُد لما خلقْتُ بيديّ"  [ صّ : 75]: أي يد تنزيه و تشبيه، و إن شئت قلت يد وجوب و إمكان، أو يد بخلاف سائر العالم ملكا و فلكا .
قال تعالى: "إذا أ راد شيْئاً أنْ يقُول لهُ كُنْ فيكُونُ" [ يس: 82] فهو مجموع العالم أجزاءه و له شرف الكلية على الأجزاء، و على الأجزاء أن يطيعوه و لا يعصوا له أمرا، فأمر بهذه الحكم البالغة له سجدة إلا طاعة، و الانقياد له إظهارا لشرفه على الخلق المخلق سيما الملائكة عليهم السلام لأنه كل الوجود، فما فهم اللعين هذه المقدمات المطوية و  الأسرار الوجودية، و حمّل الخطاب على غير محله حسدا من عنده فجادل و عارض و تطاول.

و ذلك أنه لما فهم من لحن المخاطبة و القول إثبات الشرف لآدم، و ما علم أيّ شرف يوجب أن يطاع، و ينقاد بهذه السجدة، فادّعى بطريق المعارضة لنفسه الشرف، و استدلّ بأنه خلق من نار، و ظنّ أنه أعلى الاستقصات من حيث المكان.
و لم يعلم أن الطين أشرف الاستقصات فإن له الثبات و القرار، و للنار الطيش و التهتك و الاستكبار، و ما أعتبر أن التبن في الماء فوق التبر في المكان، فغفل عن المكانة أو استكبر وعاند و استكثر من الحسد، فعوتب .

استكبرت و عاندت أم كنت من العالين في الاحتجاج، و لك حجة في قولك و دعواك، فهذا لسان تبكيت و تعريض، و كان الأمر كما قلنا ظهر من آدم التمكين و الثبات والتوجّه في الأمور والأناة، و التدبر و إصابة الفكر و النظر في العواقب، و ظهر منه قلة الأدب و الجهل و التهتك و الطيش و الخفة، فإنه من مارج و هو نار مختلط بالهواء فله الخفة و عدم القرار و الاستكبار .
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 11:10 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:30 من طرف الشريف المحسي

الفقرة التاسعة والعشرون الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة التاسعة والعشرون :الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (ولهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم.
فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.)
قال الشيخ رضي الله عنه : (ولهذا كان آدم) عليه السلام (خليفة الله)، تعالى في الأرض دون إبليس عليه اللعنة لجمعه بين اليدين وإبليس لم يجمع بينهما.
(فإن لم يكن) آدم عليه السلام (ظاهرا بصورة من استخلفه) وهو الحق تعالى (فيما استخلفه فيه) وهو العالم ويكون ظاهرة بصورة العالم أيضا.
(فما هو خليفة)، لأن الخليفة يجب أن تكون صورته صورة الذي استخلفه، ليمد هو كما يمد أصله بما يمد به أصله، وأن تكون صورته صورة من استخلف عليهم أيضا حتى يعلم كيفية إيصال الإمداد إليهم .
(وإن لم يكن فيه)، أي في الخليفة أيضا (جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف)، أي استخلفه غيره (علیها) من جميع الحوائج والمصالح الروحانية والجسمانية جلية، ودفعها ضرا ونفع.
(لأن استنادها)، أي الرعایا بمعنى نسبتها (إليه) في الخير والشر، فإذا كانت في خير نسب إليه أو في شر كذلك.
(فلا بد أن يقوم)، أي ذلك الخليفة (بجميع ما تحتاج إليه) الرعية من الحوائج والمصالح كما ذكرنا (وإلا فليس بخليفة عليهم)، لعدم وجود ما يحتاجون إليه عنده ، فإذا لم توجد عنده جميع حوائجهم ومصالحهم كان مثلهم محتاجة مفتقرة إلى من عنده جميع ذلك.
فما هو بخليفة حينئذ، كما أن السلطان إذا لم تكن عنده القدرة على فصل الخصومات بين رعيته وقطع المنازعات عنهم فليس بسلطان عليهم.
إذ لا سلطنة له، والسلطان مشتق من السلطة وقد وجد فيه العجز عن ذلك، فشاركهم فيه، فكان مثلهم من جملة الرعايا .
وكذلك خليفة الحق تعالى يخلف الحق في وجود جميع الحوائج والمصالح التي للمخلوقات كلهم عنده .
كما أن جميع ذلك له وجود للمخلوقات عند الحق تعالى على التمام من غير عجز عن شيء من ذلك.
فيلزم أن يكون كذلك عند الخليفة موجودة على التمام من غير عجز عن شيء منه وإلا لم يكن خليفة، لأنه لم يخلف الحق تعالى في جميع ذلك، فهو حينئذ مثلهم من جملة الرعايا .
(فما صحت الخلافة) التامة الكاملة من الحق تعالى على جميع المخلوقات إلا للإنسان الكامل الذي غلبت إنسانيته على حيوانيته.
وأما الإنسان القاصر الذي غلبت حيوانيته على إنسانيته، فهو خليفة على بعض المخلوقات.
ويسمى عاملا حينئذ لا خلیفة کاملا وذلك كجميع بني آدم المؤمن منهم والكافر والصغير منهم والكبير والعاقل والمجنون.
فإنه لا بد من استخلافه عن الحق تعالى الذي هو مالك للعالمين ولو على يده ورجله وسمعه وبصره.
فيقبل شيئا من ذلك بطريق النيابة عن الحق تعالى في الظاهر، وقد جعل الله تعالى الملك حكمة منه تعالى لكل أحد من بني آدم.
ولو على ثوبه الساتر لعورته نيابة على المالك الحقيقي وهو الحق تعالى.
حتى قال تعالى : "لمن الملك" 16 سورة غافر. وهم الأموال وأوجب عليهم فيها الزكاة ونحوها "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" 7 سورة الحديد. 
یعنی عنه تعالى، لأنه تعالى أخبر أن الملك له يوم القيامة 
فقال عز من قائل
" والأمر يومئذ لله" 19 سورة الانفطار.
وقال تعالى :
 "الملك يومئذ الحق للرحمن " 26 سورة الفرقان. 
وقال
"مالك يوم الدين" 4 سورة الفاتحة.
وقال بعد زوال نسبة الأعمال والأملاك عن جميع بني آدم يوم القيامة بسبب موتهم الذي هو عزلهم من استخلافه لهم فيما استخلفهم فيه " إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون" 40 مريم. ولا مناقضة بين هذا وبين قوله تعالى :"أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" 105 سورة الأنبياء. لأن العباد الصالحين ما وضعوا بالعبودية وبالصلاح إلا لرجوعهم إلى الله تعالى من حيث وجود ذواتهم، وجميع أعمالهم في الباطن والظاهر.
فكان الله تعالى ظاهرة بهم عندهم، وهم ظاهرون به تعالى عند غيرهم.
وقد ورد أن: "الناس يحشرون على نياتهم" فهم عند غيرهم غير الله تعالى، وهم عند أنفسهم ظهور الله تعالى.
فإذا ورثوا الأرض يوم القيامة ، فإنما الله تعالى هو الذي ورثها، وزاد الله تعالى عليهم بأن ورث على الأرض أيضا، وهم لم يرثوا إلا الأرض فقط، لأنهم لله تعالى من حيث ظهوره لهم، لا من حيث ظهوره له تعالى.
فإن ظهوره له تعالى في جميع حضراته وظهوره لكل واحد منهم إنما هو في حضرة من حضراته دائما.
وإن تقلبوا في جميع أطوار حضراته تعالى على الأبد لا يسعون إلا حضرة بعد حضرة من تلك الحضرات.
(فأنشأ) الحق تعالى (صورته) , أي صورة الإنسان الكامل الذي هو خليفة الله
تعالى على جميع العالم (الظاهرة) وهي حقيقة جسمه ونفسه التابعة للجسم، وصورته المرسومة في هذا الوجود.
(من حقائق العالم) كله، فجسمه من جسم العالم، ونفسه من نفوس العالم (و) من (صوره)، أي صور العالم كله، فصورته صورة العالم كله سماواته وأرضه وأفلاکه وأملاكه إلى غير ذلك.
(وأنشأ) الحق تعالی أيضا (صورته الباطنة)، وهي حقيقة روحه وعقله التابع للروح، ومعلوماته المرسومة في وجوده (على) طبق (صورته).
أي صورة الحق تعالى التي هي مجموع صفاته تعالى وأسمائه وأفعاله وأحكامه كما تقدم، فروحه من صفاته وأسمائه تعالى وعقله من أفعاله تعالى ومعلوماته المرسومة فيه من أحكامه تعالى .

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم.
فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.)
قال الشيخ رضي الله عنه : (التي لآدم ولهذا) أي ولأجل حصول هذه الجمعية لآدم (كان آدم خليفة) .
فإذا كان خليفة فلا بد أن یکون ظاهرة بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه (فإن لم يكن) آدم (ظاهرة بصورة من استخلفه فيه) أي في العالم (فما هو خليفة) لامتناع التدبير والتصرف حينئذ.
وكذلك لا بد أن يكون نائبا فيه جميع ما تطلبه الرعايا (وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها ) فليس بخليفة .
حذف الجواب للعلم به وإنما وجب أن يكون فيه جميع ما تطلبه الرعایا.
(لأن استنادها) أي استناد الرعايا (إليه) أي إلى آدم لا إلى غيره .
فإذا كانت مستندة إليه (فلا بد أن يقوم) عليهم (بجميع ما يحتاج إليه وإلا) أي وإن لم يقم بجميع ما يحتاج إليه (فليس بخليفة عليهم) .
فإذا كان الأمر كذلك (فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل) لا لغيره من المخلوقات.ولما فرغ عن ذكر الخلافة شرع في تصريح بما علم
التزام بقوله: (فأنشأ صورته) أي صورة الإنسان الكامل (الظاهرة) الموجودة في عالم الشهادة وهي صورة الجسدية (من حقائق العالم وصوره) أي ومن صورة العالم.
(وانشأ صورته الباطنة) وهي صورته الروحية الموجودة في عالم الغيب وهو المراد من قوله خلق الله آدم (على صورته تعالى) أي على صفات الله وأسمائه.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ولهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم. فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.)
قلت: يعني ما ورد من قوله، عليه السلام: "إن الله تعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما انتهى إليه بصره من خلقه " فذكر تعالى أن حجبه من نور وظلمة وهي الأرواح والأجسام وحقيقتهما أنهما كثيف ولطيف.
ثم أشار إلى التوحيد بقوله: "وهو عين الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحق أحد إدراکه نفسه" فهو العارف والمعروف كما أنه الحجاب والمحجوب
وإذا كان كذلك "فلا يزال في حجاب لا يرفع"، لأن رفع الحجاب إنما يتحقق عند كون الحجاب غير المحجوب وأما إذا لم يكن هناك تغایر فلا يتحقق رفع الحجاب."
و قوله: (مع علمه).
قلت: يعني أن العالم أو الإنسان يعلم أنه ممتاز عن موجده فقد عاد إلى إشارته إلى تمايز الأعيان الثابتة التي هي الممکنات المفتقرة.
وما بعد هذا ظاهر مما سبق إلى قوله: "فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى ."

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم.
فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.)
"ولهذا كان آدم خليفة ، فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه ، فما هو خليفة ، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها لأنّ استنادها إليه ، فلا بدّ أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه وإلَّا فليس بخليفة عليهم ".
فلمّا جمع الله لآدم بين الصورتين  صورة الحقّ وصورة الخلق .
فكان له مرتبة جمع الجمع ، فهي على صورة الله ضرورة كون الحقيقة الإلهية أحدية جمع الحقائق الوجوبية كلَّها المقتضية بالذات لجمع جميع الحقائق الكونية.
وبهذه الجمعية صحّت له الخلافة ، كما نطقت الحقيقة على لسان بعض تراجم الحقائق ، شعر :
أتته الخلافة منقادة      .... إليه تجرّر أذيالها
فلم تكن تصلح إلَّا له      .... ولم يكن يصلح إلَّا لها
ولو رامها أحد غيره      .... لزلزلت الأرض زلزالها
فالإنسان حامل الأمانة التي هي الصورة الإلهية التي حذي آدم عليها .
فإن لم يظهر الخليفة بصورة المستخلف في الرعايا ، لم يطيعوه ، وكان قاصرا عن درجة الخلافة ، فلم يصلح لها ، وإذا لم يكن عنده جميع ما تطلبه الرعايا ، لم يطيعوه ولم يوصل ذلك إلى الجميع جمعا وفرادى ولم يكن خليفة .
وإذ قد جمع الله لآدم بين يديه المبسوطتين بجميع الآلاء والنعماء التي يطلبها الكلّ واستوت الحقيقة الأحدية الجمعية والوجوبية الإلهية على عرش الحقيقة الأحدية الجمعية الإنسانية الكمالية ، ظهر بصورة الله تعالى .
فأوصل نعم الله وآلاءه المخزونة في خزائنه عنده وفيه التي هي حضرات الأسماء وخزائن خزائنة التي هي حقائق القوابل والمظاهر إلى العالم الأعلى الربّاني والعالم الأسفل الكياني ، روحانيّتها وجسمانيّتها ، سماويّها وأرضيّها .
وظهرت جميع الحقائق الوجوبية والنسب الإلهية والربوبية في مظاهرها تماما ، وظهرت أيضا بها الحقائق الخلقية المظهرية في جميع مرائيها ومراتبها ومناظرها ومجاليها الروحانية والمثالية والطبيعية تماما ظهورا فرقانيا تفصيليا .
وكان ظهورها في الخليقة ظهورا جمعيا أحديا كماليا ليس كظهور كلّ منها في كلّ من المظاهر إذ ليس كلّ منها كلّ كلّ منها من كلّ وجه ، فما في بحري الوجوب والإمكان حرف ولا كلمة إلَّا وهي في الإنسان الكامل الفاضل أفضل وأكمل منه ، خارجا عنه .
مع حصول فضيلته الخصيصة به له ، فافهم إن كنت تفهم ، والله الملهم والمعلم .
فما أكمل الإنسان لو عرف قدره ، وملك أمره ، وكمّل سرّه ، ولم يتعدّ طوره ، ولزم مركزية حقيقة الاعتدال ، وتحقّق بحقيقة الإطلاق في الجمع والكمال ! .
حقّقنا الله وإيّاكم معاشر المستعدّين الطالبين لهذه الحقيقة ، والمسترشدين إلى هذه الطريقة بفضله وطوله وقوّته وحوله .
وأمّا استناد العوالم التي كنى عنها الشيخ رضي الله عنه بالرّعايا إلى هذا الخليفة .
وهي الخليقة : فمن حيث إنّ كلّ حقيقة من حقائق ذات الخليفة ونشأته برزخ من حيث أحدية جمعها بين حقيقة ما من حقائق بحر الوجوب وبين حقيقة مظهرية لها من حقائق بحر الإمكان هي عرشها ، وتلك الحقيقة الوجوبية مستوية عليها .
فلمّا ورد التجلَّي الكمالي الجمعي الإلهي على المظهر الكمالي الإنساني ، تلقّاه بحقيقة الأحدية الجمعية الكمالية ، وسرى سرّ هذا التجلَّي في كل حقيقة من حقائق ذات الخليفة ، ثم فاض نور التجلَّي منها على ما يناسبها من العالم .
فما وصلت الآلاء والنعماء الواردة بالتجلَّي الرحماني على حقائق العالم إلَّا بعد تعيّنه في الإنسان الكامل بمزيد صبغة لم تكن في التجلَّي قبل تعيّنه في مظهرية الإنسان الكامل .
فحقائق العوالم وأعيانها رعايا للملك الحقيقي المالك لهم .
وعلى الخليفة رعاية رعاياه على الوجه الأنسب والأليق والأفضل ، وفيه تتفاضل الخلائف بعضهم على بعض ، فاجهد واشهد واكشف ، تشهد ، والله الهادي .
قال رضي الله عنه : "فما صحّت الخلافة إلَّا للإنسان الكامل فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره ، وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى."
ولذلك قال : « كنت سمعه وبصره » ولم يقل : كنت عينه وأذنه ، ففرّق بين الصورتين" .

بيان إيجاد الحق صورة ظاهر الإنسان
قال العبد : أمّا إنشاء صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره فمن حيث إنّ ظاهرية الإنسان أحدية جمع جميع الحقائق الكونية وصورها .
فما من ذرّة من ذرّات الوجود من العقل الأوّل إلى آخر نوع من أنواع الموجودات الكونية إلَّا وفي نسخة ظاهر الإنسان الكامل نظيرتها ومندوحتها ، ونسبتها إليه كنسبة الأصل إلى الفرع .
ونسبة حقائق ذات الإنسان وصورها إلى حقائق العالم وصورها نسبة الأصل إلى الفرع ،
ولقد ذكرنا نظائر حقائق العالم وصورها من الإنسان الكامل في الشرح الكبير ، وربما يحشو حشو حواشي هذا المختصر شيء من ذلك ، حتى يكون الكتاب كافيا وافيا. والله الموفّق والمؤيّد والمعين .

بيان إظهار صورة باطن الإنسان الكامل
وأمّا إنشاء الله تعالى صورة باطن الإنسان على صورته تعالى فهو أنّ الإنسان الكامل حاو ، جامع لجميع الأسماء الإلهية الفعلية الوجوبية وجميع نسب الربوبية فإنّه أعني الإنسان الكامل واجب الوجود بربّه.
عرش لله بقلبه ، فهو حق ، واجب الوجود ، حيّ ، عالم ، قدير ، مريد ، متكلَّم ، سميع ، بصير وهكذا جميع الأسماء ، ولكن بالله على الوجه الأجمع الأكمل .
وصورة الله التي خلق الله آدم عليها هي أحدية جمع جميع هذه الحقائق الربانية الإلهية على الإطلاق ، لا غير ، فباطن الإنسان على صورة الله ، وظاهره على صورة العالم وحقائقه.
والظاهر مجلى ومرآة للباطن ، والباطن متعيّن في الظاهر وبه بحسبه كما عيّن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما أسنده إلى الله تعالى أنّه قال : "كنت سمعه وبصره " ولم يقل عينه وأذنه ، ففرّق بين صورته الظاهرة وصورته الباطنة .
يريد رضي الله عنه في هذا ، الحديث ، وإلَّا ففي غيره التعميم والشمول على صورتية الظاهرة والباطنة ، ولا تظنّنّ قولنا : " صورته الظاهرة " جسمانية فقط فليس المراد ذلك .
بل خليقته من جسم وروح ، وقوى وعقل ، ومعان وصفات وغيرها ممّا يصدق إطلاق الخليقة وما سوى الله عليه ، فالهيئة الجمعية من جميع ما ذكرنا هي صورته الظاهرة .
فبهذا كان الإنسان الكامل بظاهره صورة العالم الأحدية الجمعية .
وقيل : فيه العالم الصغير ، أي من حيث الصورة .
والذي يتضمّن هذا الحديث من الفرق بين الصورتين والتخصيص فهو أنّ السمع والبصر حقيقتان ملكوتيّتان وإلهيّتان للنفس أو للروح كيف شئت وأمّا العين والأذن فهما آلتا إدراك المبصرات والمسموعات بالنسبة إلى من إدراكه مقيّد بالآلات ما دام كذلك .
وأمّا سمع الحق وبصره اللذان تسمّى بهما فغير متوقّف على الآلة والجارحة ، فذكر في هذا الحديث الأليق بجنابه تعالى لأهل العموم بلسانهم .
وإلَّا فإنّ الإدراكات بالآلات والجوارح كلَّها ، وقد يسري النور في باطن المحقّق المتحقّق بهذا المقام إلى ظاهره وأعضائه وجوارحه ، كما جاء في اليد والرجل واللسان والقدم والطريق ، والله وليّ التوفيق .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم.
فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.)
كما قال الشيخ رضي الله عنه : ( ولهذا كان آدم خليفة ، فإن لم يكن ) أي آدم ظاهرا ( بصورة من استخلفه ) أي الحق ( فيما استخلفه فيه ) من العالم وأجزائه ( فما هو خليفة ) أي لم يكن خليفة لأن الخليفة يجب أن يعلم مراد المستخلف وينفذ أمره فلو لم يعرفه بجميع صفاته لم يمكنه إنفاذ أمره ( وإن لم يكن فيه جميع ما في العالم ) من الأسماء والصفات ( وما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها ) يعنى أجزاء العالم المستخلف هو عليها لم يكن خليفة عليهم .
إذ ليس حينئذ عنده ما يحتاج إليه الرعايا ويطلبونه منه فلم يمكنه تدبيرهم ، فقوله فليس بخليفة عليهم جواب الشرط الثاني في الحقيقة لكن لما اعترض تعليل الشرط وهو قوله : ( لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما يحتاج إليه ) بينه وبين الجزاء فانجر الكلام إلى توسط شرط آخر وهو قوله وإلا اكتفى بجواب أحدهما عن جواب الآخر لاشتراكهما في الجواب فيكون جواب الأول محذوفا لدلالة جواب الثاني عليه .
تقديره وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا من الأسماء التي يرب الحق تعالى بها جميع من في العالم من الناس والدواب والأنعام وغيرها فليس بخليفة عليهم ، والاعتراض لبيان أن فيه مطالب جميع أجزاء العالم لأنها مقتضيات الأسماء الإلهية فيطلب ما في خزائن الأسماء من المعاني التي هي كمالاتها والأسماء كلها فيه كما مر فاستندت إليه فلا بد أن يقوم بكل ما يحتاج إليه ويعطيها مطالبها كلها ( وإلا ) أي وإن لم يقم بجميع ما يحتاج إليها ( فليس بخليفة عليهم )
ومن هذا ظهر معنى قوله ( فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل فأنشأ صورته الظاهرة ) أي لما ثبت أن استحقاق آدم للخلافة إنما يكون بالصورتين أنشأ صورته الظاهرة ( من حقائق العالم وصوّره )
حيث جمع فيه الحقائق الكونية ، فلم يبق من صور العالم وقواه شيء إلا وفيه نظير ( وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى ) فإنه سميع بصير عالم ، فيكون متصفا بالصفات الإلهية مسمى بأسمائه

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم.
فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.)
قال الشيخ رضي الله عنه : (ولهذا كان آدم، عليه السلام، خليفة). أي، ولأجل حصول هذه الجمعية لآدم، صار خليفة في العالم.
(فإن لم يكن آدم ظاهرا بصورة من استخلفه) وهو الحق.
(فيما استخلف فيه وهو العالم) أي، إن لم يكن متصفا بكمالاته متسما بصفاته قادرا على تدبير العالم.
(فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلفه عليها،لا يكون استنادها) أي، استناد الرعايا. (إليه). أي، إلى آدم الذي هو الخليفة، فليس بخليفة. وحذف الجواب لدلالة الجواب الأول والذي يأتي بعده عليه.
وإنما كان العالم مسندا إليه، لأنه رب للعالم بحسب مرتبته، وعبد للحق بحسب حقيقته، وإذا كان العالم مستندا إليه (فلا بد أنيقوم بجميع ما يحتاج إليه  وإلا فليس بخليفة عليهم، فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل).
أي، وإذا كان الأمر كذلك، فما صحت هذه المرتبة إلا له.
واعلم، أن لكل فرد من أفراد الإنسان نصيبا من هذه الخلافة يدبر به ما يتعلق به، كتدبير السلطان لملكه وصاحب المنزل لمنزله. وأدناه تدبير الشخص لبدنه. وهو الحاصل للأولاد بحكم الوراثة من الوالد الأكبر، والخلافة العظمى إنما هي للإنسان الكامل.
واعلم، أن الشيطان أيضا مربوب لحقيقة آدم وإن كان أخرجه من الجنة وأضله بالوسوسة، لأنها تمد من عالم الغيب مظاهر جميع الأسماء، كما أن ربه يمد الأسماء كلها.
فهو المضل بنفسه في الحقيقة لنفسه، ليصل كل من أفراده إلى الكمال المتناسب له، ويدخل الدار الطالبة إياه من الجنة والنار ولولا ذلك الإمداد، لا يكون له سلطنة عليه.
ومن هنا يعلم سر قوله تعالى: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم"وبه قامت الحجة عليهم، لان أعيانهم اقتضت ذلك. فإضلاله لآدم وإخراجه من الجنة الروحانية لا يقدح في خلافته وربوبية.
(فأنشأ صورته الظاهرة) أي، صورته الموجودة في الخارج من جسمه و روحه من حقائق عالم الملك والملكوت.
لذلك قال: (من حقائق العالم وصوره) وما اكتفى بذكر الصور.
(وإنشاء صورته الباطنة على صورته تعالى) أي، وإنشاء صورته الموجودة في العلم، وهي عينه الثابتة متصفة بصفات الحق تعالى وأسمائه.
ولما كانت الحقيقة يظهر بالصورة في الخارج، أطلق (الصورة) على الأسماء والصفات مجازا، لأن الحق بها يظهر في الخارج.
واعلم، أن كلا من (الظاهر) و (الباطن) ينقسم على قسمين: باطن مطلق، وباطن مضاف، وظاهر مطلق، وظاهر مضاف.
فأما الباطن المطلق فهوالذات الإلهية وصفاته والأعيان الثابتة.
والباطن المضاف هو عالم الأرواح.
فإنه ظاهر بالنسبة إلى الباطن المطلق، باطن بالنسبة إلى الظاهر المطلق، وهو عالم الأجسام، لذلك جعل صورته الظاهرة، أي صورة الإنسان، من حقائق العالم وصوره.
ويجوز أن يراد بـ (الصورة الظاهرة) جسمه وبدنه، فإنه مركب من حقائق عالم الكون والفساد. ويؤيده قوله آخرا: (فقد علمت حكمة نشأة جسد آدم،أعني صورته الظاهرة).
وبـ (الصورة الباطنة) روحه وقلبه والقوى الروحانية المتصفة بصفات الحق وأسمائه.
(ولذلك قال فيه: كنت سمعه وبصره. وما قال: كنت عينه وأذنه.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (ولهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم.
فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.)
قال الشيخ رضي الله عنه : (وهذا) أي: ولأجل تشریف الحق آدم بالجمع بين يديه اللتين هما صورتا الحق والخلق (كان آدم خليفة) للحق على الخلق.
ثم بين كون الخلافة منوطة بذلك بقوله: (فإن لم يكن) أي: آدم (ظاهرا بصورة من استخلفه)، وهو الحق تعالى لا في كل ما في الحق حتى الوجوب الذاتي.
بل (فيما استخلفه فيه) أي: في الأمر الذي جعله خليفة فيه، وهو أن يتحقق بالأسماء الظاهرة في العالم، وسائر ما يقبل الظهور من الأسماء؛ ليستفيض بذلك من الحق، فيفيض إلى الخلق (فما هو خليفة)، إذ لا يقوم مقام الأصل بدونه، كما لا تقوم المرأة مقام الشمس في إفاضة النور على الجدار بدون أن يتصور بصورة الشمس، هذا بيان وجوب ظهوره بصورة الأصل.
وأما بیان وجوب ظهوره بصورة من استخلف عليه؛ فهو قوله: (وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها) بوجود حقائقها فيه الطالبة لكمالاتها مع قصور مناسبتها مع الحق تعالى، فما هو خليفة عليها، حذف هذا الجواب بقرينة ما بعدها لأنه لولا تلك الحقائق فيه، لم يستحق أو الفيض الذي يفيض عليها؛ لأن الفيض منوط بالقابل، وتلك الحقائق هي القابلة.
ولكنها قاصرة عن تحصيل ذلك الفيض بأنفسها؛ لأنها غير مقصودة بالذات فتطلب فيضها من الخليفة؛ (لأن استنادها إليه) من حيث هو مقصود بالذات.
وهي مقصودة لأجله، وهو كامل المناسبة مع الحق، ومعها أيضا لما فيه من الجمعية مع شائبة التفرقة من جهة ما فيه من الإجمال بعد التفصيل؛ ولذلك اختص کل قوة منه بأمر خاص لا يوجد في غيره، وإذا كان استناد الكل إليه في أنواع الفيض المختلفة التي يختص كل نوع بحقيقة تطلبه،(فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج) الرعايا (إليه) بتحقق حقائقها فيه حتى يستفيض ما يستحق كل حقيقة منها، ثم يفيض على كل منها ما يستحق.
(وإلا) أي: وإن لم يقم بجميع ما تحتاج إليه الرعايا (فليس بخليفة عليهم)، بل إنما تتصور خلافته على من يقوم بحاجته دون غيره؛ لكنه يكون قاصرا على ذلك التقدير؛ فلا تتم مناسبته مع الحق، فإن استفاض بتلك المناسبة القاصرة فحقائق العالم كذلك فلا يحتاج
إلى الخليفة، وإذا كان كذلك (فما صحت الخلافة) الموصلة للفيض الإلهي (إلا للإنسان الكامل) الجامع لما تحتاج إليه الرعايا، وما تشتمل عليه خزائن الأسماء الإلهية.
وإذا كانت الخلافة تتم بمناسبة الطرفين، ومناسبة الحق تتم بالجمعية، ومناسبة الخلق بالتفرقة، جمع فيه بين الصورتين مع التفرقة بينهما.
(فأنشأ صورته الظاهرة) أي: الجسمية (من حقائق العالم)، أي: كلياته وصوره لا من حيث هي صور للأسماء الإلهية، فإن الأجسام هي أجسام ليست صورا للأسماء الإلهية.
إذ ليس لها صورة حسية، وإن كانت صورا لها من حيث الوجود، وبعض المعاني القائمة بها، فالصورة الظاهرة للإنسان من حقائق العالم، (وصوره) من حيث هي آثار الأسماء الإلهية، أو ما يتعلق بها، وأخذ الإنسان صور الأسماء الإلهية ليس بواسطة العالم بل بالذات.
(وأنشأ صورته الباطنة) الروحية، وما يفيض منها من القوى المدركة، والمحركة (على صورته تعالی)، وهي الصورة المعنوية، وفيها الجمعية إذ جعله حيا، عالما، مريدا، قادرا، سميعا بصيرا، متکلما

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ولهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم. فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.)
فقال رضي الله عنه : ( فلهذا كان آدم خليفة ، فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه ) . 
من وضع الصور وإظهارها ، والكشف عن كنه مراده منها ( فما هو خليفة ) ضرورة أنّ الخليفة هي المنفّذة لأحكام المستخلف إلى أن ينساق إلى غايتها المراد منها
 .
فلزم من هذه الشرطيّة الأمر الأوّل وهو اشتماله على صورة الحق .
كما لزم الثاني من قوله : (وإن لم يكن فيه جميع ما يطلبه الرعايا التي استخلف عليها ) فما هو خليفة أيضا وحذف التالي اكتفاء بما سبق منه وبيان الشرطيّة واضح ( لأنّ استنادها ) أي الرعايا ( إليه ، فلا بدّ أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه ، وإلَّا فليس بخليفة عليهم ) .
( فما صحّت الخلافة إلَّا للإنسان الكامل ) باشتماله الصورتين ، واحتوائه النشأتين ( فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره . وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى ، ولذلك قال فيه : « كنت سمعه وبصره » .
وما قال : « كنت عينه واذنه » ففرّق بين الصورتين ) تمييزا لليدين وتفصيلا لما يتعلَّق بهما من الأحكام المتقابلة والأوصاف المتناقضة . وهذا إنّما هو من سعة قابليّته الذاتيّة .

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم.
فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.)
قال الشيخ رضي الله عنه :"و لهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، و إن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه و إلا فليس بخليفة عليهم. "
(ولهذا)، أي لحصول هذه الجمعية (كان آدم خليفة) من الله على العالم (فإن لم يكن) آدم (ظاهرا بصورة من استخلفه) وهو الحق سبحانه متصفا بصفاته متسما بكمالاته ليتصرف بهما.
(فيما استخلفه فيه) وهو العالم (فما هو خليفة وإن لم يكن فيه).
أي في آدم (جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف) آدم (عليها) من مقتضيات الأسماء الإلهية وآثارها.
(لأن استنادها) تعليل للطلب أي ذلك الطلب إنما يقع منهم، لأن استناد الرعایا في تحصيل حاجاتهم (إليه) لكونه خليفة عليهم (فلا بد أن يقوم) آدم (بجميع ما تحتاج الرعايا إليه وإلا).
أي وإن لم يقم آدم بجميع ما تحتاج إليه الرعايا .
وإذا كان ذلك في قوة قوله : وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا كان كأنه أثر له فاقتصر في الجواز على قوله: (فليس بخليفة عليهم)، ولم يصرح بالجزاء في الأول "فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم و صوره و أنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى."
(فما صحت الخلافة) من أفراد العالم (إلا للإنسان ومن أفراد الإنسان إلا للإنسان الكامل).
لأن فيما عدا الكامل لم تحصل شرائط الخلافة بالفعل وفيما عدا الإنسان بالقوة أيضا (فأنشأ صورته).
أي صورته الجسمانية العنصرية (الظاهرة من حقائق العالم)، أي من الموجودات المتحققة في العالم (و صوره)، أي صور العالم التي هي تلك الموجودات المتحققة فهي معطوفة على الحقائق عطف تفسير.
أو من أعيانه الثابتة وصوره الخارجية بأن أفاض على أعيانه الثابتة الوجود فصارت صورة خارجية فأنشأ صورة الإنسان منها .
"وأنشأ صورته الباطنة" أحدية جمع روحه وقلبه وقواه الروحانية "على صورته تعالى" أحدية جمع صفاته وأسمائه.

.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 11:00 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:30 من طرف الشريف المحسي

الفقرة التاسعة والعشرون الجزء الثاني .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة التاسعة والعشرون :الجزء الثاني

كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ ناصر بن الحسن السبتي الكيلاني 940 هـ:
قال الشيخ رضي الله عنه : (ولهذا كان آدم خليفة فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها- لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- وإلا فليس بخليفة عليهم. فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى. )
قال الشيخ المصنف رضي الله عنه : [ ولهذا كان آدم خليفة. فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة، و إن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها، لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه و إلا فليس بخليفة عليهم ] .

قال الشيخ الشارح رضي الله عنه :
(ولهذا ): أي لحصول هذه الجمعية، و هي جمع النسبتين .
( كان آدم خليفة) وأعطاه الله تعالى من القوة بحيث أنه ينظر في النظرة الواحدة إلى الحضرتين، فيتلقّى من الحق، و يلقي إلى الخلق من حيث أنه حق خلق في مقام جمع الأضداد و منزله، و يكون بين هاتين النسبتين كالبرزخ يقابل كل نسبة منها بذاته.
فإنه لا ينقسم في ذاته فيقابل بعينيه التي قابل بها أحدهما الأخرى، و ما ثمة إلا ذاته كالجوهر الفرد بين الجوهرين أو الجسمين يقابل كل واحد منهما بذاته لأنه لا ينقسم، فلا يكون له جهتان مختلفان في حكم العقل.
و إن كان الوهم يتخيل ذلك لأن حقيقة البرزخ ألا يكون فيه برزخ و هو الذي يلتقي أمرين بينهما بذاته، فإن التقى الواحد منهما بوجه غير الوجه الذي يلتقي به الآخر، فلا بد أن يكون ما ينهما برزخ حتى يفرّق بين الوجهين حتى لا يلتقيان فإذا ليس ببرزخ .
قال تعالى: "بينهُما برْزخٌ لا يبْغِيانِ" [ الرحمن: 20] إشارة إلى ما ذكرناه، فإذا كان اللغة الوجه الذي يلتقي به الآخر فذلك هو البرزخ الحقيقي، فيكون فاصلا بين الشيئين مع وحدة الوجه .
فـ (البرزخ) يعلم بالحواس لأن ما له عين في الخارج و لا يدرك و يعقل و لا يشهد .
ذكره رضي الله عنه في الباب الثاني و الثمانين و ثلاثمائة من »الفتوحات« .
فهكذا رتبة الإنسان الكامل من حيث حقيقته و لطيفته يقابل بوجه الحقّ من حيث نسبة التنزيه، و بذلك الوجه بعينه يقابل نسبة الحق من حيث نسبة التشبيه.
و كما أن الحق الذي هو الموصوف بهاتين النسبتين واحد في نفسه، و أحديته و لم يحكم عليه هاتان النسبتان بالتعداد و التكاثر في ذاته.
كذلك العبد الكامل الخليفة في مقابلة الحق واحدة، و العين من العبد واحدة، و لكن عين العبد ثبوتية ما برحت من أصلها لأن الأعيان ما شمت رائحة الوجود، و لكن كساها الحق حلة وجوده فحينها باطن وجوده، و وجودها موجدها، فما ظهر إلا الحق تعالى و لا غير حتى يظهر، فافهم .

( فإن لم يكن ظاهرا بصورة ما استخلفه فيما استخلفه فيه ما هو خليفة)اعلم أن الحكم في الأشياء كلها و الأمور جميعها، إنما هو للمراتب لا للأعيان، و لها النصب و العزل كانت ما كانت، وأعظم المراتب و أعلاها هو (الألوهية).
أنزلها العبودية فما ثمة الأمر ثبتان، فما ثمة إلا ربّ و عبد، و لكن للألوهية أحكام مختصة به لا يقتضي الغير، بل بنفسه لنفسه و هي كوجوب ذاته لذاته، و الحكم بغناه عن العالم، و نعوت الجلال كلها، و نفي المماثلة و أحكام ما يقتضي بذاتها عين الغير كالكرم و الجود و الرحمة.
فلا بد من عين عبد، و العبد في المرتبة العبودية فمرتبة العبد تطلب أحكامها من كونه عبدا العبد من طينة مولاه، فلا بد أن يكون ظاهرا بصورته خصوصا إذا استخلفه.
فلا بد أن يخلع عليه من استخلفه من صفاته ما تطلبه مرتبة الخلافة لأنه إن لم يظهر بصورة من استخلفه فلا يتمشّى له حكم في أمثاله، و ليس ظهوره بصورة من استخلفه سوى ما تعطيه مرتبة السيادة فأعطته رتبة الخلافة و رتبة العبودية لا يمكن أن يصرفها إلا في سيده الذي استخلفه كما أن له أحكاما لا يصرفها إلا فيمن استخلف عليه.
و الخلافة صغرى و كبرى فـ (أكبرها) التي لا أكبر منها الأمانة الكبرى على العالم.
و(أصغرها) خلافة الشخص على نفسه و التي بينهما ينطلق عليها صغرى بالنسبة إلى ما فوقها و هي بعينها كبرى بالنظر إلى ما تحتها، و أما تأثير العبد من كونه عبدا في سيده فهو قيام السيد بمصالح عبده لينفي عليه حكم السيادة، و أما التأثير الذي  يكون للعبد من كونه خليفة فيمن استخلفه كان المستخلف من كان فهو أن يبقى له عين من استخلفه لينفد حكمه فيه أيضا، فإن لم يكن كذلك فليس بخليفة .

هذا قوله رضي الله عنه: (فإن لم يكن ظاهرا بصورته فما هو خليفة) .
قال رضي الله عنه: فإذا أراد الله تعالى تعظيم عبد من عباده عدل به عن منزلته، و كساه خلعته، و أعطاه أسماه، و جعله خليفة في خلقه، و ملكه زمام الأمر، و كمل الغاشية بين يديه، و أعطي الحكم له ليعطي مرتبة حقها، فإن الحضرة في الوقت له، و الوقت وقته، و الحكم للوقت في كل حاكم  كان من كان .
ألا ترى الحق أنه يقول عن نفسه أنه: "كُلّ  يوْم هُو في شأنٍ" [ الرحمن: 29] فهو يحسب الوقت لأنه لا يعطي إلا بحسب القابل فالقبول وقته حتى تجري الأمور على الحكمة .
قال صلى الله عليه و سلم : " لا يؤمن الرجل في سلطان أحد و لا يعقد على كريمته إلا بإذنه" .
فإن الخليفة إذا دخل أحد من رعيته، فـ (الأدب الإلهي) المعتاد يحكم عليه بأن يقبل حكم صاحب الدار، فحيث ما أقعده يقعد ما دام في سلطانه.
و ذلك من حكم المنزل عليه، و جعل الرئيس مرؤوسا، أما ترى وجود العالم ما ظهر إلا بإظهار الحق إيجاده، ثم تأخّر المتقدم، و تقدّم المتأخر، فلم يظهر للعلم بالله عين حتى أظهر به العلم بالعالم، قال صلى الله عليه و سلم : "من عرف نفسه فقد عرف ربه" .
فإن الأمر لا يظهر إلا بما تواطئوا عليه، و إذ ظهر لهم فعلا، فلم يظهر لهم إلا بما ألفوه في عادلتهم، و هذا من عاداتهم، و هذا من عاداتهم.
ذكره رضي الله عنه في الباب الحادي  و الثلاثين و أربعمائة من "الفتوحات" :
و إن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا و من ( الرعايا) العقل الأول: و هو الوجود الأول الإبداعي .
و كذلك النفس: هو الوجود الانبعاثي فلهما وجوب الوجود بالغير فيزيلان الاستناد إلى الوجوب الذاتي، فكيف يكون؟
و إن لم يكن الخليفة بهذا الوصف، فأني يمكنه ذلك.
فافهم أن الخلفاء كالحبوب من الحبة، و النوى من النواة، فيعطي كل حبة ما أعطت الحبة الأصلية لاختصاصها بالصورة على الكمال، و هذا من لباب العلم بالله الذي أعطاه كشف أهل الكشف و الشهود، فمن كان عارفا بمواقع خطاب الإلهيين و تنبيهاتهم و إشارتهم فقد عرفوه حقيقة الأمر لأنهم يدعون إلى الله على بصيرة و لهم فصل الخطاب .
قال تعالى: "و على اللّهِ قصْدُ السّبيلِ " [ سورة النحل: 9] .
فإذا عرفت ما أوردناه في هذا المبحث، وقفت على الأسرار الإلهية وعلمت مرتبة عباد الله الذين هم بهذه المثابة أين تنتهي المرتبة بهم؟ فافهم .
( التي استخلف عليها) لأن استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه و احتياج الوجوب بالغير للاستناد إلىالوجوب الذاتي ظاهر، فافهم .
و يشير إلى هذا المعنى قوله رضي الله عنه في الباب الأربعين من الفتوحات :
و عندي أن العالم هو عين العلة و المعلول و ما أقول إن الحق علة له كما انتصر له بعض النظار يعني: الإمام الغزالي فإن ذلك غاية الجهل بالأمر.
فإن القائل بذلك ما عرف الوجود و لا من هو الموجود فلا بد أن ينتهي الأمر إلى واجب الوجود الذي هو نهاية العلل.
وإلا يلزم الدود و التسلسل على رأيهم و إلا فليس بخليفة عليهم فخلق على صورته و مكّنه بالصورة من إطلاق جميع أسمائه فردا فردا أو بعضا بعضا.
ولا ينطلق عليه مجموع الأسماء معا في الكلمة الواحدة، يتميز الرب من العبد الكامل فما من اسم من الأسماء الحسنى و كل أسماء الله الحسنى ألا و للعبد الكامل أن يظهر بها، كما له أن يدعو سيده بها بلا تخصيص ولا تخصص .
أمّا وجوب الوجود فقد أظهرت لك شأنه إن كنت فاهما غير مرة، و أما الغنى الذاتي .


فاعلم أنه رضي الله عنه قال في الفنوحات الباب التاسع و السبعين و ثلاثمائة:
إنه في الخبر الصحيح و النص الصريح أن العبد يصل إلى مقام يكون الحق تعالى من حيث هويته جميع قواه، و هو سبحانه الغنيّ لذاته الذي يمكن إزالته عنه فإذا أقام الله عبده في هذا المقام فقد أعطاه صفة الغنىّ عن كل شيء لأن هويته هو عين قوي هذا العبد .
و ليس ذلك من تقاسيم الأعطيات إلا الإيثار فقد أثر بما هو له لهويته التي هي عين العبد، و هذا من بعض محتملات ما ذكر من القوم و هو أن الفقير لا يحتاج إلى الله لأنه فان في نفسه باق بالغنى على الإطلاق .

قال رضي الله عنه: و هذا من علوم الأسرار التي لا يمكن بسط التعريف فيها إلا بالإيماء لأهلها أشجعهم للعمل عليها فإنه في غاية من الخوف لقبولها و كيف الاتصاف بها ؟ فافهم و تحفّظ .
فإنها أخت مسألة وجوب الوجود في الغرابة و الندرة التي لا تجدها في كتب الصوفية لأنها دون ذوق المحققين المتصفين بالإطلاق فافهم .
"" أضاف الجامع عن آدم عليه السلام عند الشيخ الأكبر وفي الإصطلاح الصوفي :
قال الشيخ فريد الدين العطار: " آدم : هو كنز من كنوز الذات الإلهية . كان خفيا في هذا الكنز ، فلما ظهر بدت معه أسرار كثيرة من الحقيقة الإلهية ، وثارت ثائرة العالم.
يقول  الشريف الجرجاني آدم عليه السلام : آدم هو أحدية جمع جميع الصور البشرية " .
يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي : " آدم : هو مظهر لاسم الله ".
يقول الشيخ مصطفى بالي زادة أفندي: " آدم: هو الروح الكلي المحمدي لا آدم الذي خلق من طين ، وهو الخليفة وهو العقل الأول ".
يقول الشيخ إسماعيل حقي البروسوي آدم :  محل ظهور صفة اللطف الإلهي .
يقول الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي: " آدم: هو الإنسان الحادث الأزلي، والنشئ الدائم الأبدي، والكلمة الفائضة الجامعة، والحكمة البالغة البارعة ".
يقول الشيخ أبو العباس التجاني: " آدم: هو الموجود الأخير من الموجودات، وهو المعبر عنه عند العارفين بالتجلي الأخير واللباس الأخير ".
يقول الشيخ عبد القادر الجزائري: " آدم عليه السلام : هو مجمع جميع الأسماء الإلهية التي توجهت على العالم، فإن الحق تعالى توجه على كل مخلوق باسم خاص، وتوجه على آدم بجميع الأسماء التي تطلب العالم، فهو يدل على جميع الأسماء " .
تقول الدكتورة سعاد الحكيم: " إن (آدم) عند الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي هو تلك الشخصية التي سبق الكلام عليها في القرآن. وأنه رمز للحقيقة الإنسانية، وللإنسان الكامل، الذي جمع في حقيقته كل الحقائق المنتشرة في الأكوان .
فهو ( الكون الجامع ) وهو ( روح العالم ) وهو (خليفة الله في الأرض) وهو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني.
يقول الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:
" لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها، وإن شئت قلت: أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله ، أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة .
فآقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة فسمي هذا المذكور (آدم) إنسانا وخليفة " .
ويقول: " فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني " .
ويقول: " آدم : هو صفة الذكورية الفاعلة في مقابل الأنثى المنفعلة (حواء)، ومحل الإجمال بالنسبة لمحل التفصيل (حواء).
ويقول: " آدم:  لجميع الصفات، وحواء لتفريق الذوات، إذ هي محل الفعل والبذر ".
ويقول: " في حين يتبوأ (آدم) في المعنى السابق مرتبة الإجمال في مقابل (حواء) مرتبة التفصيل، نرى هنا أنه يظهر في مرتبة التفصيل في مقابل (محمد) الذي له الجمع.
ويقول: آدم الأرواح : هو سيدنا محمد.
ويقول آدم الحقيقي: هو النفس الناطقة الكلية التي تتشعب عنها النفوس الجزئية.
ويقول : " محمد للجمع، وآدم للتفريق ".
كما يفرد الشيخ الأكبر الصفحات في كلامه على البسملة، ليبين كيف أنها تبدأ بآدم وتنتهي بمحمد، فآدم بداية الأمر ومحمد نهايته.
ويقول: " (فالرحيم) هو محمد و (بسم) هو أبونا آدم، واعني مقام ابتداء الأمر ونهايته " .
وواضح من كلمة ابتداء الأمر ونهايته: أن آدم هو أول ظاهر بمجموع الحقائق، ومحمد خاتم الظاهرين بمجموع الحقائق.
وتضيف الدكتورة سعاد الحكيم من نوادر الفكر الصوفي، وهي ما يتعلق بوجود أكثر من آدم في الوجود فتقول:
ينوه شيخنا الأكبر بوجود مائة ألف آدم، وإن كانت الفكرة غير جلية إلا أننا من خلال نصين سنوردهما نستطيع أن نتبين مراده من وجود مائة ألف آدم وعلاقة ذلك بالخلق. فإن الله لم يزل ولا يزال خالقا، والآجال في المخلوق لا في الخلق فيقول:
" لقد أراني الحق تعالى فيما يراه النائم وأنا طائف بالكعبة مع قوم من الناس لا أعرفهم بوجوههم.
فقال لي واحد منهم وتسمى لي باسم لا أعرف ذلك الاسم، ثم قال لي: أنا من أجدادك.
قلت له: كم لك منذ مت.
فقال لي: بضع وأربعون ألف سنة.
فقلت له: فما لآدم هذا القدر من السنين.
فقال لي: عن أي آدم تقول؟! عن هذا الأقرب إليك أو عن غيره؟
فتذكرت حديثا عن رسول الله:" إن الله خلق مائة ألف آدم "."
كما يروي الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي هذه الرؤيا للنبي إدريس {عليه السلام} في معراجه، يقول:
" قلت (ابن العربي الطائي الحاتمي للنبي إدريس): رأيت في واقعتي ، شخصا بالطواف أخبرني أنه من أجدادي وسمى لي نفسه فسألته عن زمان موته.
فقال لي: أربعون ألف سنة، فسألته عن آدم لما تقرر عندنا في التاريخ لمدته.
فقال لي: عن أي آدم تسأل عن آدم الأقرب؟
فقال إدريس {عليه السلام}: صدق، إني نبي الله ولا أعلم للعالم مدة نقف عندها بجملتها إلا أنه بالجملة لم يزل خالقا ولا يزال دنيا وآخرة، والآجال في المخلوق بانتهاء المدد لا في الخلق ..
قلت: فعرفني بشرط من شروط اقترابها (الساعة)؟
فقال: وجود آدم من شروط الساعة .
الدكتورة سعاد الحكيم ترى إن للفظة (آدم) عند الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي لها ثلاثة معاني اصطلاحية إضافة إلى المعنى العام الوارد الإشارة إليه في القرآن الكريم وهو الشخصية النبوية. وتلك المعاني الاصطلاحية هي:
1. أنه يمثل الحقيقة الإنسانية، أو ما يعرف بـ (الإنسان الكامل).
2. أنه يمثل مرتبة الإجمال في مقابل (حواء) التي تمثل مرتبة التفصيل.
3. أنه يمثل صفة التفصيل في مقابل سيدنا محمد الذي يمثل مرتبة الإجمال.
أقوالا أخرى للشيخ الأكبرابن العربي :
ويقول آدم: هو الإنسان الكامل الذي لا يزال العالم به محفوظا.
ويقول آدم: هو الإنسان الحادث الأزلي والنشء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش والعلامة التي بها يختم الملك على خزانته ".
ويقول آدم: هو الحق الخلق ، هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني.
وهو قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ".
ومن حيث المعنى الثاني يقول:
يقول " آدم: هو كناية عن الكتاب الجامع، فهو للعالم كالروح من الجسد، فالإنسان روح العالم، والعالم الجسد.
فـ بالمجموع يكون العالم كله هو الإنسان الكبير، والإنسان فيه، وإذا نظرت في العالم وحده دون الإنسان وجدته كالجسم المسوى بغير روح ".
ويقول آدم: هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات والصفات والأفعال ".
ويقول: " إن الله اختصر من هذا العالم مختصرا مجموعا يحوي على معانيه كلها من أكمل الوجوه سماه آدم وقال: إنه خلقه على صورته ".
ويقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي يقول: " ابن آدم: هو طلسم لا يدرى به إلا من اجتباه الله، وأطلعه على سره الغامض فيه.
فمن السر: أنه مرقوم على كفه الأيمن رقم 18، وعلى كفه الأيسر رقم 81، ومجموع الرقمين 99 أعني: أسماء الله الحسنى، يتجلى بها عليه على حسب استعداده من الأزل". أهـ
يقول الشيخ رضي الله عنه :
رأيت الحق في الأعيان حقا ... وفي الأسما فلم أره سوائي
ولست بحاكم في ذاك وحدي ... فهذا حكمه في كل رائي
وعند المثبتين خلاف هذا ... هو الرائي ونحن له المرائي.  ""

قال الشيخ المصنف رضي الله عنه : [فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.]
قال سيدنا الشارح رضي الله عنه :
( فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل) فإن له الجمع بين الصورتين، فهو الأول من حيث الصورة لأنه خلق على صورته و الآخر من حيث الصورة لأنه خلق على صورته و الآخر من حيث الصورة الكونية، و الظاهر بالصورتين من حيث الخلافة و الباطن من حيث صورته لأنه على صورة الرحمن بخلاف العالم فإنه لا يقبل هذه الجمعية فافهم .
( فأنشأ صورية الظاهرة من حقائق العالم و صوره) و هي الحقائق الكلية و مقر ذاته فإن الصورة للأعيان الخارجية من حيث الأفراد و الأشخاص .
قال رضي الله عنه: إن جميع العالم برز من العدم إلى الوجود إلا الإنسان الكامل وحده،
فإنه ظهر من وجود إلى وجود، من وجود فرق إلى وجود جمع.  فتغير الحال عليه من افتراق إلى اجتماع.
و العالم تغير عليه الحال من عدم إلى وجود، فبين الإنسان والعالم كبين الوجود و العدم .
فلهذا قال تعالى: "ليس كمِثلهِ شيْءٌ" [ الشورى: 11] من العالم فافهم .
( و أنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى) .
ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان البخاري و مسلم رحمهما الله : "إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه إن الله خلق آدم على صورته" .
بإعادة الضمير إلى آدم لم يبطل المعنى المراد يعني: خلق آدم على صورته: أي صورة آدم التي كانت في العلم بمعنى طابقت صورته الحسية صورته العلمية .
لأن المثال الذي وجد العالم عليه هو العلم القائم بنفس الحق، فإنه سبحانه علمنا بنفسه و أوجدنا على حد ما علمنا و نحن على هذا الشكل المعين.
و لا شك أن مثل الشكل هو القائم بعلم الحق تعالى و لو لم يكن الأمر هكذا إلا أخذنا هذا الشكل بالاتفاق لا عن قصد و ليس كذلك.
ولو لا الشكل في نفسه تعالى ما أوجدنا عليه و لو لم يأخذ هذا الشكل من غيره لأنه ثبت كان الله ولا شيء معه إلا أن يكون ما برز عليه في نفسه من الصورة علمه.
فعلمه بنا علمه بنفسه، و علمه بنفسه أزلا عن عدم فعلمه بنا كذلك، فنحن كذلك.
فمثالنا الذي عين علمه بنا قديم بقدم الحق لأنه وصف له و لا تقوم بنفسه الحوادث جلّ الله عن ذلك فافهم .
فإنه له من لباب العارف، فلمّا أنشأ صورته على صورته فللإنسان في كل حضرة إلهية نصيب لمن عقل و عرف لأنه صورته .
.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 10:59 عدل 3 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:30 من طرف الشريف المحسي

الفقرة الثلاثون الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثلاثون : الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين. وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع. ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.)
(ولذلك)، أي لكون صورته الباطنة على صورة الحق تعالى (قال) تعالى في الحديث القدسي الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم  (فيه)، أي في هذا الإنسان الكامل : "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته
كنت سمعه الذي يسمع به (وبصره) الذي يبصر به" إلى آخر الحديث .
"قال رسول الله : إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته. رواه البخاري"
ولا شك أن السمع والبصر من الصورة الباطنة، لأن ذلك من شعاع الروح في الدماغ لا من الصورة الظاهرة .
والأذن والعين من الصورة الظاهرة والله تعالى (ما قال كنت عينه و) لا کنت (أذنه)، فإن قلت ورد أيضا في تمام الحديث : "كنت يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولسانه الذي يتكلم به" ولا شك أن اليد والرجل واللسان من جملة الصورة الظاهرة قلت : المراد باليد والرجل واللسان هنا القوة الباطنة في هذه الأعضاء لا حقيقة هذه الأعضاء.
ولكن لما لم يكن لهذه القوة المودعة في هذه الأعضاء أسماء مستقلة غير هذه الأعضاء، عبر عنها باسم هذه الأعضاء، بخلاف الأذن والعين فإن للقوة المودعة فيهما اسمین مخصوصين هما : السمع والبصر، فعبر بذلك دون التعبير بهذين العضوين.
أو يقال هذا الحديث مشتمل على الفرق بين الصورتين في ذكر السمع والبصر، والجمع بينهما في ذكر اليد والرجل واللسان.
مثل قوله عليه السلام في بعض الأحاديث بعد ذكر اليد اليمنى وكلتا يديه يمين، ففرق وجمع يشير إلى هذا قوله: (ففرق)، أي الله تعالى (بين الصورتين)، أي صورة العالم وصورته تعالى في ذكر السمع والبصر فقط وإن جمع في باقي الحديث.
(وهكذا هو)، أي الأمر والشأن (في كل موجود من) موجودات (العالم) العلوي والسفلي، فإن الله تعالى خلقه بإحدى اليدين إما اليمين وإما الشمال (بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود) .
من الاستعداد الموضوع فيها بالتجلي الأول (لكن ليس الأحد) من العالم (مجموع ما للخليفة)، من اليدين الإلهيتين اللتين هما صورة الحق تعالی وصورة العالم.
وإن شئت قلت : صفات الله تعالى المتقابلات (فما فاز) الخليفة (إلا بالمجموع) دون غيره من العالم.
(ولولا سريان الحق) تعالى (في) جميع (الموجودات) العلوية والسفلية بالصورة التي هي منه تعالى اليد اليمين، ومن العالم اليد الشمال.
والذي من العالم منه تعالى، فكلتا يديه يمين عند أهل الجمع لا أهل الفرق.
وهذا السريان هو قيومية الحق تعالى لجميع العالم، وهو قيام العالم بأمر الله تعالى كما قال تعالى : " ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره" 25 سورة الروم. وهذا القيام بالروح الكل الساري في حقائق الموجودات كلها سريان الخشب في جميع صور ما جعل منه من صندوق وباب وكرسي ونحو ذلك.
والروح من الأمر قال تعالى: "وقل الروح من أمر ربي " 75 سورة الإسراء.
(فما كان للعالم وجود) البتة قال تعالى: "وكل شيء هالك إلا وجهه"88 سورة القصص. فوجه الله تعالى هو ذلك السريان المذكور في جملة الموجودات.
وأما الموجودات من جهة نفسها فلا وجود لها لأنها هالكة، أي فانية معدومة فلولا وجهه تعالى الساري في حقائقها كلها ما كانت موجودات ولا تعين لها ماهية أبدا.
(كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة)، أي الموجودة في العقل فقط (الكلية) كما سبق بيان ذلك (ما ظهر حكم) الاختصاص بالجمادية والنباتية ونحو ذلك (في الموجودات العينية) الجزئية المتشخصة في الخارج.
فإن تلك الكليات سارية في حقائق جزئياتها بحيث لم تزد تلك الجزئيات عليها غير الوجود العيني الخارجي.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين. وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع. ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.)
(ولذلك) أي ولأجل إنشائه على صورته (قال فيه) أي في حق آدم (كنت سمعه وبصره) .
وهما من صفات الله تعالى (وما قال كنت عينه وأذنه) وهو من جوارح الصورة البدنية.
(ففرق بين الصورتين) صورة الباطن والظاهر فظهر أن هوية الحق بصفته ساري في الخليفة (هكذا) أي كما أن الحق ساري في الإنسان الكامل .
كذلك (هو) أي الحق ساري (في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة فما فاز) أي فما ظفر إلا الإنسان الكامل بالخلافة .
يدل عليه قوله : بعد وهی المجموع الذي به استحق الخلافة (إلا بالمجموع) أي بسببه لا بدونه . فكان الحق ساريا في کل موجود من الخليفة وغيره .
(ولولا سريان الحق تعالى) أي وجود الحق (في الموجودات بالصورة) أي بالصفة .
وهو بمعنى الإحاطة لا بمعنى الحلول والاتحاد وهو باطل عند أهل الحق بالاتفاق وقد ذكر بطلانه في كثير من الكتب الصوفية.
(ما كان للعالم وجود) لأنه بنفسه معدوم فافتقر العالم إلى الحق في وجوده.
(كما أنه) أي كما أن الشأن (لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية) من الحياة والعلم والقدرة وغير ذلك (ما ظهر حكم) وأثر كما ذكر من قبل (في الموجودات العينية) فلزم منه أنه لولا تلك الموجودات العينية ما ظهر حكم.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين. وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع. ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.)
ولذلك قال فيه«كنت سمعه وبصره»، ما قال: كنت عينه وأذنه.
ففرق بين الصورتين وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود.
قلت: يعني بصورة الحق الباطنة، حقائق الأسماء الإلهية والكليات التي هي صور علمه أزلا وأبدا.
قال: ولما كان باطن آدم على صورة حقائق الأسماء من العلم والحياة  والإرادة والقدرة والسمع والبصر.
قال تعالى: «كنت سمعه وبصره» ولو كان ظاهر جسم آدم على صورة الحق تعالى لقال «كنت عينه وأذنه»، ففرق بين الصورتين.
قال في جميع الموجودات أي هو سمع كل سامع وبصر کل مبصر وفي بعض المناجاة أنه تعالى قال: «لولای ما أبصرت العيون مناظرها، ولا رجعت الأسماع بمسامعها»
قوله:  لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع.
فلولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.
ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده یعنی شعر:
فالکل مفتقر ما الكل مستغن     …… هذا هو الحق قد قلناه لا نکنی
فإن ذکرت غنيا لا افتقار به    …… فقد علمت الذي في قولنا نعني
فالكل بالکل مربوط فليس له   …… عنه انفصال خذوا ما قلته عني
قلت: يعني أن حقائق أسمائه تعالی موجودة في كل موجود وسمي وجودها في كل موجود سريانا.
فقال: ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة الأسمائية لانعدم العالم دفعة واحدة بل ما كان يوجد أبدا كما أنه لولا تلك الكليات المعقولة ما ظهر في الموجودات حكم.
قال: ومن هذه الحقيقة كان افتقار العالم إلى الحق تعالى في وجوده، لأن الكليات هي صور علمه فطلبت بلسان الحال من الحق تعالى وجودها بلسان الفقر والشيخ قد أسر هنا سرا إلهيا لكن أشار إليه إشارة مبهمة في هذه الأبيات.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين. وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع. ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.)
قال رضي الله عنه :  "فما صحّت الخلافة إلَّا للإنسان الكامل فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره ، وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى ."
ولذلك قال : « كنت سمعه وبصره »
ولم يقل : كنت عينه وأذنه ، ففرّق بين الصورتين .
والظاهر مجلى ومرآة للباطن ، والباطن متعيّن في الظاهر وبه بحسبه كما عيّن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما أسنده إلى الله تعالى أنّه قال :
"كنت سمعه وبصره " ولم يقل عينه وأذنه ، ففرّق بين صورته الظاهرة وصورته الباطنة .
يريد رضي الله عنه في هذا ، الحديث ، وإلَّا ففي غيره التعميم والشمول على صورتية الظاهرة والباطنة ، ولا تظنّنّ قولنا : " صورته الظاهرة " جسمانية فقط فليس المراد ذلك .
بل خليقته من جسم وروح ، وقوى وعقل ، ومعان وصفات وغيرها ممّا يصدق إطلاق الخليقة وما سوى الله عليه ، فالهيئة الجمعية من جميع ما ذكرنا هي صورته الظاهرة .
فبهذا كان الإنسان الكامل بظاهره صورة العالم الأحدية الجمعية .
وقيل : فيه العالم الصغير ، أي من حيث الصورة .
والذي يتضمّن هذا الحديث من الفرق بين الصورتين والتخصيص فهو أنّ السمع والبصر حقيقتان ملكوتيّتان وإلهيّتان للنفس أو للروح كيف شئت وأمّا العين والأذن فهما آلتا إدراك المبصرات والمسموعات بالنسبة إلى من إدراكه مقيّد بالآلات ما دام كذلك .
وأمّا سمع الحق وبصره اللذان تسمّى بهما فغير متوقّف على الآلة والجارحة ، فذكر في هذا الحديث الأليق بجنابه تعالى لأهل العموم بلسانهم .
وإلَّا فإنّ الإدراكات بالآلات والجوارح كلَّها ، وقد يسري النور في باطن المحقّق المتحقّق بهذا المقام إلى ظاهره وأعضائه وجوارحه ، كما جاء في اليد والرجل واللسان والقدم والطريق ، والله وليّ التوفيق .
قال رضي الله عنه : " وهكذا هو في كل موجود في العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود ، ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة ،فما فاز إلَّا بالمجموع ".
يعني رضي الله عنه :
أنّ الحق متعيّن في كل جزء جزء من العالم بحسب خصوصيته لا غير ، فاشترك الكلّ في مطلق المظهرية ، وافترقت في الخصوصيات .
ففاز الإنسان بخصوص الجمع بين جميع الخصوصيات المظهرية ، ففاز بظاهره بالاسم « الظاهر » من جميع الوجوه ، وبباطنه بالاسم " الباطن " كذلك ، وكان الجامع لأحديّة جمعها على الوجه الأجمع الأحسن .
قال رضي الله عنه : " ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ، ما كان للعالم وجود ، كما أنّه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلَّية المذكورة ، ما ظهر حكمها في الموجودات العينية ."
قال العبد أيّده الله به :
قد أعلمناك فيما تقدّم أنّ الله خلق آدم على صورته وعلى صورة الإنسان العالم ، وأنّ الصورة التي خلق آدم عليها صورة معقولية أحدية جمع جميع الأسماء ، وأنّ العالم بجميع أجزائه جمعا وفرادى مظاهر الأسماء ، التفصيلية ، وأنّه الصورة الإنسانية الفرقانية ، وأنّ صورة الإنسان الكلي على صورة العالم أو حقائقه تماما ، وأنّ صورة باطنه صورة الله .
فتذكَّر جميع هذه الأصول ، واعلم أنّه ما من موجود من الموجودات ولا شيء من الأشياء إلَّا وهو مظهر ومرآة ومحلّ ظهور للوجود الحق الظاهر فيها والساري بأحدية جمع الصور الإلهية في الكلّ.
إذ النفس الرحماني يقتضي  النور الوجودي الإلهي الفائض على المظاهر الكيانية بالصورة الربانية الأحدية الجمعية .
ولكن ظهورها في كلّ مجلى وتعيّنها في كلّ مظهر إنّما يكون بحسب القابل لا بحسب الصورة كظهور النور الكبير في المرآة الصغيرة .
فإنّه صغير ومتشكَّل بشكلها ، وكان المراد الأوّل الأولى والمقصد الإلهي الأعلى الأجلى من الإيجاد هو التجلَّي الإلهيّ بصورته في أحدية جمع النفس الساري في حقائق العالم .
ولولا هذا السريان النوري الوجودي بالصورة المقدّسة الأحدية الجمعية الإلهية في حقائق هذا المجلى المشهود الموجود ، ما وجد موجود ، ولا شهود مشهود.
فافتقار العالم إلى الموجد من أهل هذه الحقيقة ، حتى يحصل له شرف المظهرية لصورته تعالى فإنّ المخلوق على الصورة التي هي مخلوقة على الصورة الإلهية يكون على الصورة الإلهية يكون على الصورة .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين. وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع. ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.)
( ولذلك قال فيه « كنت سمعه وبصره » وما قال كنت عينه وأذنه ففرق بين الصورتين ) أي صورة العالم وصورة الحق .
قوله ( وهكذا هو في كل موجود ) أي وكما أن الحق في آدم ظاهر بصورته كذلك في كل موجود ( من العالم ) يظهر ( بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود ) أي عينه باستعداده الأزلى ( لكن ليس لأحد ) أي لشيء من العالم ( مجموع ما للخليفة )
فإنه مظهر الذات مع جميع الصفات ، بخلاف سائر الأشياء وإلا لكان الكل مظهرا له ( فما فاز من بينهم إلا بالمجموع ) وإلا فكان الكل مظهرا له بقدر قبوله.
قوله ( ولو لا سريان الحق في الموجودات بالصورة ) أي بصورته ( ما كان للعالم وجود ) فإن أصل الممكن عدم والوجود صورته تعالى ووجهه الباقي بعد فناء الكل ، فلو لم يظهر
بصورته التي هي الوجود من حيث هو وجود بقي الكل على العدم الصرف .
وقوله ( كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية ) تشبيه لاستناد وجود العالم إلى صورة وجوده تعالى باستناد الأمور العينية من الصفات إلى الحقائق الكلية . كما ذكر في الحياة والعلم .
كما كان وجود العلم في زيد مثلا مستندا إلى العلم المطلق الكلى ولولاه لما وجد عالم وما صح الحكم بالعالمية على أحد كذلك كل موجود معين عينى مستند إلى وجود الحق الذي هو وجهه وصورته ولولاه لما وجد موجود وما صح الحكم على شيء بأنه موجود .

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين.
وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود.
ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع.
ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.)
"ففرق بين الصورتين" أي، لأجل أنه تعالى أنشأ صورته الباطنةعلى صورته تعالى، قال في حق آدم: "كنت سمعه وبصره". فأتى بـ (السمع) و (البصر) اللذين من الصفات السبعة التي هي الأئمة.
"وما قال: كنت عينه وأذنه" الذين هما من جوارح الصورة البدنية وآلتان للسمع والبصر.
"ففرق بين الصورتين" أي صورة الباطن أو الظاهر، وإن كان الظاهر مظهرا للباطن.
قوله : "وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود" أي،كما أن الحق وهويته سار في آدم، كذلك هو سار في كل موجود من العالم.
لكن سريانه وظهوره في كل حقيقة من حقائق العالم إنما هو بقدر استعداد تلك الحقيقة التي لذلك الموجود وقابليته.
(لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة) استدراك منقوله: (وهكذا هو في كل موجود).
(فما فاز إلا بالمجموع) أي، فما فاز بالمجموع إلا الخليفة.
لأن المراد حصر الفوز بالمجموع في الخليفة، وهو الحصر في المحكوم عليه لا الحصر في المحكوم به، كما هو ظاهر الكتاب، إذ يلزم منه أن الخليفة ما فاز بشئ مما فاز به العالم إلا بالمجموع، وهذا غير صحيح.
فإنه فاز بكل ما فاز به العالم مع اختصاصه بالزائد، وهو الفوز بالمجموع.
قوله : (ولولا سريان الحق في الموجودات والظهور فيها بالصورة ما كان للعالم وجود) أي، لولا سريان ذات الحق وهويته في الموجودات وظهوره فيها بالصورة، أي بصفاته تعالى، ما كان للعالم وجود ولا ظهور لأنه بحسب نفسه معدوم.
واكتفى بذكر (الصورة) من الذات لكونها عينها، أو لاستلزام الصورة إياها. (كما أنه) الضمير للشأن.
قوله : (لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية، ما ظهر حكم في الموجودات العينية) أي، كما أنه لو لا تلك الحقائق الكلية، التي في القديم قديم وفي الحادث حادث، ومعروضاتها من الحقائق العينية، ما ظهر حكم من أحكام أسماء الحق وصفاته في الموجودات العينية.
فكما أن وجود العالم بسريان الحق في الموجودات بذاته وصفاته، كذلك ظهور أحكام أسمائه وصفاته بالحقائق المعقولة التابعة والمتبوعة.
فارتبط العالم بالحق ارتباط الافتقار في وجوده والحق بالعالم من حيث ظهور أحكامه وصفاته. فافتقر كل منهما إلى الآخر لكن الجهة غير متحدة.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين.
وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود.
ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع.
ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.)
(ولذلك) أي: ولأجل اختصاص الباطن بصورة الحق (قال فيه: «كنت سمعه وبصره») يعني سمعه و بصره في الكمال بحيث يسمع حاجات الكل، ویری استحقاقاتهم كأنه عين سمعي، وبصري اللذين ليس غيري، فكأني سمعه وبصره، فنسب صورة سمعه وبصره اللذين هما من الصورة الباطنة إلى ذاته؛ لكون صورته تعالى معنوية.
(وما قال: "كنت عينه وأذنه") اللذين هما من الصور الظاهرة (ففرق بين الصورتين) اللتين جمعهما في أدم بنسبة إحداهما إلى ذاته دون الأخرى؛ ليحصل فيه مع الجمعية الافتراق؛ ليناسب الحق والخلق جميعا، وهذا كالصريح بأن الأجسام من حيث هي أجسام ليست صورة الحق، وإن كانت من حيث الوجود، وبعض المعاني القائمة بها صور الحق وأسمائه، كما أشار إليه بقوله: (وهكذا) أي: كما ظهر الحق في آدم بصورته المعنوية كذا (هو) ظاهر بصورته المعنوية من جهة الذات والأسماء في كل موجود من العالم الكبير (بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود)، وإن لم تكن أجسامه وأعراضها المحسوسة صورا لذاته وأسمائه، بل باعتبار وجودها و بعض المعاني القائمة بها، لكن تلك الصور الإلهية فيها لا تكفي في استفاضة الفيض؛ لأنه منوط بالجمعية، وليست لغير الإنسان الكامل.
وإليه الإشارة بقوله: (ولكن ليس لأحد) من العالم (مجموع ما للخليفة) من صورة الحق ذاته وأسمائه، وإذا كان جميع ما في العالم مع اشتماله على صورة الحق، ومناسبته إياه بها لا يصلح للاستفاضة، مع أنه لا بد من الفيض؛ لعموم الجود الإلهي، ولا بد من المناسبة التامة التي للخليفة الذي هو الإنسان الكامل.
(فما فاز) برتبة الخلافة على الكل (إلا بالمجموع)، إذ لو جاز استفاضة من كمل صورة اسم بذاته، لجاز الفيض بالأصالة على ما ليس بمقصود بالذات.
واستدل على أن الحق ظاهر بصورته المعنوية في كل موجود من حيث الوجود. ومن حيث بعض المعاني القائمة به بقوله: (فلولا سريان الحق في الموجودات) أي: سريان إشراق نوره على بواطن الموجودات.
بحيث (يظهر فيها بالصورة) سريان نور الشمس في المرآة بظهور صورتها فيها من غير أن ينفصل من الشمس شيء، ولا يحل منه في المرأة (لما كان للعالم وجود)، إذ أصله العدم.
وهو وإن كان ممكنا يستوي الوجود والعدم بالنسبة إليه، فيكفي عدم ترجيح الوجود مرجحا لعدمه، كما أنه لا نور في المرأة بدون إشراق نور الشمس عليها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: "الله نور السموات والأرض" [النور: 35].
وهذا ما قاله الإمام حجة الإسلام الغزالي في «مشكاة الأنوار وحقيقة الحقائق»، ومن هاهنا ترقی العارفون من حضيض المجاز إلى بقاع الحقيقة، واستكملوا معارجهم فرأوا بالمشاهدة العينية أن ليس في الوجود إلا الله سبحانه وتعالى، وأن" كل شيء هالك إلا وجهه" [القصص: 88].
لا أنه يصير هالك في وقت من الأوقات، بل هو هالك أزلا وأبدا، ولا يتصور إلآ كذلك.
فإن كل شيء سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض، وإذا اعتبرت من الوجه الذي سرى الوجود إليها من الأول الأحق، وأي موجود إلا في ذاته بل من الوجه الذي يلي موجده، فيكون الموجود وجه الله فقط.
ثم شبه ظهور الحق في الموجودات بظهور الحقائق الكلية في الموجودات العينية .
إشعارا بأنه لا يستلزم الحلول والاتحاد، وأن وجود الموجودات متوقف على وجوده تعالى وظهوره فيها توقف أحکام الموجودات العينية على تلك الحقائق الكلية.
فقال: (كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة) كالحياة والعلم (ما ظهر حكم في الموجودات العينية) لامتناع الحكم على شيء بأنه حي عالم بدون تصور الحياة والعلم.


شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين. وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع. ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.)
ولذلك قال فيه رضي الله عنه : « كنت سمعه وبصره » . وما قال : « كنت عينه واذنه » ففرّق بين الصورتين ) تمييزا لليدين وتفصيلا لما يتعلَّق بهما من الأحكام المتقابلة والأوصاف المتناقضة . وهذا إنّما هو من سعة قابليّته الذاتيّة .
( وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة ، فما فاز إلَّا بالمجموع ) أي الَّذي فاز به الإنسان إنّما هو المجموع - لا غير - فإنّ غير ذلك مشترك بينه وبين العالمين - فالحصر على ظاهره .
وأمّا بيان عموم سريانه للعالم فهو أنّه موجود ( ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود ، كما أنّه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلَّية ) كالعلم والحياة ( ما ظهر حكم في الموجودات العينيّة ) منها .
فلا يكون في الأعيان ما له حياة وعلم ، فكما أنّ ظهور أحكام تلك الحقائق من الأعيان يستدعي عموم سريانها فيها فكذلك ظهور حكم الوجود من العالم يقتضي عموم سريانه فيه .
وقوله : « بالصورة » - متعلَّق بـ « السريان » فيه تنبيه على أنّ نسبة السريان المذكور إلى قوسي الإلهي والكياني والصور .
والمعنى متساوية ، لا أنّ ذلك للمعنى أوّلا ، ثمّ للصورة به  على ما هو المتبادر إلى أفهام الأكثرين فالوجود لتلك الحقائق من الجهات الاتحاديّة بين الحقّ والعالم والوجوه الاشتراكيّة بينهما ، إلَّا أنّ الوجود للعالم ليس ذاتيّا له بخلاف الحق .

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين.
وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع.
ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.)
قال رضي الله عنه : "و لذلك قال فيه «كنت سمعه و بصره".
(ولذلك)، أي لإنشاء صورته الباطنة على صورته تعالى (قال فيه)، أي في الإنسان الكامل وشأنه (كنت سمعه وبصره) فأتي بالسمع والبصر اللذين هما من الصفات الباطنة .
"ما قال كنت عينه و أذنه: ففرق بين الصورتين."
(وما قال : كنت عينه وأذنه) اللتين هما من الجوارح الظاهرة مع أنه صحيح أبيض لسريانه بهويته في جميع الموجودات .
(ففرق) في هذه العبارة (بين الصورتين) صورته الظاهرة وصورته الباطنة حيث أخبر أنه سمعه وبصره ولم يفل عينه وأذنه
"و هكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود."
(وهكذا). أي كما أن الحق سار بهويته في سمع العبد وبصره كذلك (هو) سار (في کل موجود من) موجودات (العالم بقدر ما يطلبه حقيقة ذلك الموجود) بحسب استعداده في قابلیته
"و لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع."
(لكن ليس لأحد من أفراد) العالم (مجموع ما للخليفة) فإنه لا يظهر في كل واحد واحد إلا بعض أسمائه دون بعض ويظهر في الخلفية مجموعها .
(فما فاز) الخليفة (إلا بالمجموع) دون البعض على انفراده بحيث لا يكون معه غيره .
ويحتمل أن تكون الباء للسببية لا صلة للفوز أي ما فاز الخليفة بالخلافة إلا بسبب المجموع.
وفي بعض النسخ :
فما فاز إلا هو بالمجموع وكأنه إلحاق من المتصرفين لتصحيح المعنى فإن في كل من شرحي الجندي والقيصري وأكثر نسخ المتن التي رأيناها أو قریء بعضها على الشيخ رضي الله عنه وقعت العبارة كما ذكرنا أولا
"و لو لا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية."
(ولولا سریان) الوجود (الحق في الموجودات بالصورة)، أي بصورة جمعية الأسماء (فما كان للعالم وجود) و ظهور فإنه في حد ذاته معدوم لا يوجد إلا بالسريان المذكور.
ثم إنه رضي الله عنه شبه توقف ظهور حكم الوجود في الموجودات على سريان الوجود الحق .
بتوقف ظهور أحكام الموجودات العينية على سريان الأمور الكلية فيها.
فقال : (كما إنه) الضمير للشأن (لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية) وسريانها في الموجودات العينية (ما ظهر حكم في الموجودات العينية) .
لأنه ما لم يسر الحياة أو العلم مثلا في موجود عيني لم يصح الحكم عليه بأنه حي أو عالم كما سبق.

.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 10:34 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:31 من طرف الشريف المحسي

الفقرة الثلاثون الجزء الثاني .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثلاثون :الجزء الثاني
كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ ناصر بن الحسن السبتي الكيلاني 940 هـ:

قال الشيخ رضي الله عنه : (ولذلك قال فيه «كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين.  وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع.
ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية. )
قال الشيخ المصنف رضي الله عنه :  [ولذلك قال فيه : "كنت سمعه وبصره" وما قال : " كنت عينه و أذنه" ، ففرق بين الصورتين. و هكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود .  لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة . فما فاز إلا بالمجموع .
و لو لا سريان الحق في الموجودات و ظهوره فيها بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية].

قال سيدنا الشارح رضي الله عنه :
( و لذلك ): أي لأنه على صورته من حيث الباطن، قال فيه: أي في الإنسان الكامل الذي على الصورة من مقام قرب النوافل .
ورد :  " كنت سمعه و بصره" . إشارة إلى كينونة القوى لا الجوارح، و إن كانت الأخرى صحيحة لأن تخصيص الشيء لا ينفي ما عداه فإن قيل من  كان الحق سمعه و بصره و قواه، يدرك كل مبصر و يسمع كل مسمع و لا يغيب عنه شيء لأنه ناظر بالحق و سامع به و الحق لا يعزب عنه شيء .
قلنا: صدقت ولكن فرق بين المقام و الحال فالحال ظل زائل فعند حصوله صحّ له هذا الكشف في ذلك الزمان و لمّا رفع عنه رجح عنه بنظر يقين، خلق بإمداد حق لا بحق فيكون حكمه حكم خواص الخلق له الكشف الجزئي لا الكلي و لا يدرك بعد رفع الكشف هل بقيت الأمور على ما كانت عليه إن انتقلت عن ذلك؟ فافهم.
ذكره رضي الله عنه في خمسة و أربعين و ثلاثمائة من الفتوحات:
و أمّا حكم صاحب المقام غير هذا الحكم و التفاوت بحسب المقام أما الذي لا يقيده المقام و الحال، بل على تجرده فهو شرف على الحالين، و حكمه حكم المطلق على الإطلاق وهو صاحب المرتبة الخلافية بالاستحقاق فافهم.
ولا تقس الناس بنفسك ولا تزن الأحوال والعطايا بميزانك فإنه يتحرّم عليك فافهم
ما قال: كنت عينه وأذنه، وأن يكون من تتمة الحديث أو من حديث آخر"ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها" ، و لكن هنا ما أراد إلا من حيث القوى التي هي من أعمال الباطن .
فلهذا استدل بقوله : "كنت سمعه و بصره" ، ولم يقل: (أذنه وعينه) لأنهما من أعمال الظاهر وقد تجيء أحكامه .
و ذكر رضي الله عنه في الفص الهودي: إن هويته هي عين الجوارح .
و لكن ما أخذ الشيخ رضي الله عنه هنا من كينونة القوى الباطنة لا من حيث الجوارح و الظاهر، فإنه من حيث الجوارح اعتبره رضي الله عنه في مسألتنا أنه مأخوذ من العالم حقائقه و مفرداته، فافهم . أن هذا الاعتبار غير الاعتبار الثاني .
فإن له رضي الله عنه ، هذا منها . ففرق: أي الحق تعالى بقوله :  "كنت سمعه و بصره" .
و أراد به جميع القوى بين (الصورتين ): أي الظاهرة و الباطنة من تركيب الأجسام و الأجساد كما في الروحانيين و صورته الباطنة من تركيب المعاني و القوى الروحية و الحسية
و الأول من كثائف العالم.
والثاني من لطائفها .
كما قررناه أن العالم بين كثيف و لطيف فكان الحق تعالى عين اللطائف من العبد و الكثائف منه كما من العالم كما عرفته سابقا على التفصيل المذكور و هكذا هو في كل موجود من العالم:
أي هكذا الأمر في العالم أن كل شيء ظاهرا و باطنا
والحق تعالى باطن كل شيء من العالم من حيث اللطائف،
و ظاهر كل شيء من حيث العالم، من حيث الكثائف بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود باستعداده و قابليته .
فإن من المظاهر من يعلم هذا و من المظاهر ما لم يعلم: أي أنه مظهر الحق، و أنه قد ظهر فيه  كل شيء و علامة من يعلم أنه مظهر الحق و ظهر فيه كل شيء أن يكون له مظاهر حيث شاء من الكون كقضيب ألبان.

فإنه كان له مظاهر فيما شاء من الكون لا حيث شاء، و من الرجال من يكون له الظهور فيما شاء و حيث ما شاء، فهو يعرف حقيقة ما قلناه ذوقا لأنه كل  شيء وفي كل شيء هذا أتم الأذواق، وهو ذوق خاتم النبوة لأنه قال : "فتجلى لي كل شيء وعرفت"  حديث صحيح رواه الترمذي .
و ذوق الوارث الكامل، الفرد الخاتم، فإنه قال: إني انفردت بهذا الكشف من بين أصحابي و إخواني فافهم .

و لكن ليس لأحد من العالم قوة ظهور أحكام مجموع ما للخليفة، فإن المجموعية ظهرت فيها أكثر مما ظهر في العالم أعلاه و أسفله فما فاز إلا بالمجموع.
أي ما فاز الكامل إلا بكونه جامع الحقيقتين حقية و خلقية.
ثم أراد رضي الله عنه أن يذكر سر ظهوره في كل موجود فقال:
ولولا سريان سر الحق تعالى في الموجودات كلها بالصورة أي بجملتها ما كان للعالم وجود لا روحا ولا جسما.
و سريان سر الوجود في الكل بالكل، و لكن الاختلاف من القوابل، فكمال الظهور في الإنسان الكامل لكمال قبوله، و كمال قبوله لكمال جمعيته و صفاء مرآته .
كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية التي ذكرناها في أول الحكمة على سبيل التمثيل و هي: الحقائق المعقولة المعدومة العين الموجودة الأحكام، أراد رضي الله عنه بهذه التذكرة أن لا تنسى حكمها و أثرها و هي معدومة العين، ما ظهر حكم في الموجودات العينية الخارجية أصلا .

.


عدل سابقا من قبل الشريف المحسي في الإثنين 18 مارس 2019 - 10:32 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الشريف المحسي

مُساهمة في الإثنين 18 مارس 2019 - 8:31 من طرف الشريف المحسي

الفقرة الحادية والثلاثون الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الحادية والثلاثين : الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (و من هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده: 
فالكل مفتقر ما الكل مستغن ... هذا هو الحق قد قلناه لا نكني

فإن ذكرت غنيا لا افتقار به ... فقد علمت الذي بقولنا نعني
فالكل بالكل مربوط فليس له ... عنه انفصال خذوا ما قلته عني  )
(ومن هذه الحقيقة) التي هي سريان الحق تعالى بصفة القيومية الجامعة لجميع الصفات المتقابلات المعبر عنها بالصورة في موضع، و بالصورتين في موضع آخر، وباليدين في آخر. سریانا في جميع الموجودات .
(كان الافتقار من العالم) كله (إلى الحق) تعالى (في وجوده) كما أن الافتقار من الحق تعالى إلى العالم كله في وجوده أيضا عند العالم.
مع أن الوجود للحق تعالى وحده لا للعالم.
لكن وجود الحق تعالى لا ينفك عن إعطاء الوجود للعالم ليظهر به وجود العالم المستفاد من الحق تعالى.
لا ينفك أيضا عن إعطاء الوجود للحق تعالی ليظهر به الحق تعالی دونه (فالكل)، أي العالم والحق تعالی (مفتقر) هذا إلى هذا من وجه وهذا إلى هذا من وجه آخر، ومراد بالمفتقر من الحق تعالى رتبته لا ذاته لأنها غنية عن العالمين بحكم قوله تعالى : "الله غني عن العالمين" 97 سورة آل عمران .
ومرادنا بالمفتقر إليه من العالم الحقيقة الثابتة في علم الحق تعالى التي هي كناية عن حضرة من حضراته تعالى .
جامعة لكل حضرة من حضراته وهي العالم الظاهر في بصيرة العارف الباطن عن بصيرة الجاهل.
وأما العالم الباطن عن بصيرة العارف الظاهر في بصيرة الجاهل، فهو نفس الجاهل الظاهرة له مع جهله.
بحيث متی عرفها عرف ربه أي نفسه المتعرية عن ذلك الجهل.
فعرف العالم على ما هو عليه ، فعرف افتقار الحق تعالى إلى العالم على حد ما قلنا.
وإذا لم يعرف نفسه لم يعرف ربه فلم يعرف العالم.
 ويظن أن العالم هو ما ظهر له من جهله، فتوهمه على خلاف ما هو عليه.
فحمله ذلك على عدم فهم قولنا، فجحد ما لم يفهم وأخطأ من حيث لا يشعر.
(ما الكل) المذكور (مستغني) عن الكل .
(هذا)، أي الذي ذكرته (هو الحق) الذي لا شبهة فيه عند أهل المعرفة (قد قلناه)، أي صرحنا به عند من يعرفه ولا يعرفه نطقا بالله تعالى ليضل الله تعالى به من يشاء ويهدي من يشاء (لا نكني) بسكون الكاف، أي لا نشير إليه من غير تصريح لأن کتابنا لأهل المعرفة لا لأهل الجهل.
فإن ذكرت أنا في کلامی (غنية لا افتقار به)، أبدا (فقد علمت) أنا ذلك الغني (الذي بقولنا نعني) أي نقصد، ومراده ذات الحق تعالى من حيث هي مجردة عن الأوصاف والأسماء فإنها غنية عن كل ما عداها.
 وأما من حيث هي موصوفة بالأوصاف مسماة بالأسماء فاعلة بأفعال حاكمة بأحكام، فهي مرتبطة بالعالم كله، والعالم مرتبط بها ارتباطا من الأزل إلى الأبد لا ينفك البتة كما قال :
(فالكل) من حق وخلق (بالکل)، من حق وخلق (مربوط) ربط عبد برب ورب بعبد وخالق بمخلوق ومخلوق بخالق.
وهكذا إلى آخره من جميع الأوصاف والأسماء والأفعال والأحكام (فليس له)، أي للكل (عنه)، أي عن الكل (انفصال) بوجه من الوجوه في الأزل والأبد.
فإن قلت: كيف هذا الارتباط في الأزل والعالم غير موجود فيه، لأنه حادث وليس بقديم.
قلت : بل العالم الذي يعرفه العارف قدیم لا حادث.
 وهو موجود كله بلا ترتيب ولا تقديم ولا تأخير. وليس فيه الجزء مقدمة على الكل.
ولا خلق آدم عليه السلام فيه مقدما على خلق جميع ذريته إلى يوم القيامة .
وليس يوم القيامة فيه متأخرا عن يومنا هذا.
وليس له وجود مع الله تعالی غیر وجود الله تعالى.
لأن وجوده بالله تعالى لا بنفسه حتى يكون له وجود غير وجود الله تعالى.
وأما العالم الذي يعرفه الجاهل، فإنه حادث مترتب بعضه على بعض ، وفيه التقديم والتأخير.
وهو موجود مع الله تعالى وجودا آخرا غير وجود الله تعالی وذلك حقيقة جهل الجاهل رآها في مرآة حقيقة العالم.
فانحجب بها عن حقيقة العالم ثم قال : (خذوا)، أي تناولوا بأيدي أذواقكم (ما)، أي الذي (قلته) في الكلام من الحق المبين عند أهله (عني) والله يتولى هدى من أراد بمحض فضله .
 
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (و من هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده: 
فالكل مفتقر ما الكل مستغن ... هذا هو الحق قد قلناه لا نكني

فإن ذكرت غنيا لا افتقار به ... فقد علمت الذي بقولنا نعني
فالكل بالكل مربوط فليس له ... عنه انفصال خذوا ما قلته عني  )
(ومن هذه الحقيقة) أي و من سريان الحق بالصورة في الموجودات (كان) أي حصل (الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده) ومن الحق إلى العالم في ظهور أحكامه فإذا كان الأمر كذلك.
شعر:
فالكل مفتقر ما الكل مستغن ... هذا هو الحق قد قلناه لا نكني
فإن ذكرت غنيا لا افتقار به ... فقد علمت الذي بقولنا نعني
فالكل بالكل مربوط فليس له ... عنه انفصال خذوا ما قلته عني
(فالکل) أي كل واحد من الحق والعالم المفتقر إلى الآخر من جهتين مختلفتين (ما الكل مستغني).
أي ليس كل منهما مستغن (هذا) أي افتقار الكل وعدم استغنائه (هو الحق) وغيره ليس بحق.
ولذلك (قد قلناه لا تكني) أي لا نترك أو لا نستر بل فلناه صريحا لا قلناه كناية أي سترا.
(فإذا ذكرت غنيا لا افتقار به) أي : إن سئلت أن الله غني عن العالمين فكيف قلتم إن الله مفتقر إلى العالم صدقت .
لكن الغني من حيث الذات بدون اعتبار الصفات لا من حيث الصفات فهو معنى قوله : (فقد علمت الذي بقولنا نعني).
أي علمت مرادنا بقولنا فالکل مفتقر ما الكل مستغن من حيث الأسماء والصفات لا من حيث الذات .
فلا ينافيه الغناء الذاتي فثبت أن الاستغناء من حيث الذات والافتقار من حيث الصفات هذا هو المعنى الذي أخذه القوم في هذا المقام من كلام الشيخ .
لذلك قال بعض الشارحين الباء في به بمعنى اللام أي لا افتقار له أو بمعنى في أي لا افتقار في كونه غنيا أما أنا فأقول معناه أن يقول لما قال .
(فالکل مفتقر ما الكل مستغن) فكأنه قال المعارض لا بل الكل مستغن لا افتقار به فأشار إلى المعارضة بقوله فإن ذكرت غنية لا افتقار به .
والافتقار بمعنى الارتباط لذلك تعدى بالباء دون إلى كما قال .
(فالكل بالکل مربوط) أي فإن وصفت الحق بالغناء عن العالمین لا افتقار به أي لا يرتبط العالم به من حيث غناء الحق عنه .
كما لا يرتبط الحق به فإنه إذا استغنى الحق به عن العالم فقد استغني العالم عن الحق من جهة استغناء الحق عنه فإن المعلول مستغن عن غير عليه.
والعلة لوجود العالم مجموع الذات والصفة لا الذات وحدها فثبت على هذا التقدير أن الكل مستغن .
أي كل واحد من الحق والعالم مستغن عن الآخر لا يرتبط أحدهما بالآخر ولأجل الإشارة إلى هذا المعنى أورد الباء دون اللام ومن غير الباء عن معناه إلى غيره من الحروف.فهو من عدم ذوقه هذا المعنى من كلام الشيخ .
فانظر بنظر الإنصاف إلى ما ذكره القوم وإن كان صحيحا في نفسه لكنه ليس من مدلولات هذا الكلام .
وأشار إلى جواب المعارضة بقوله "فقد علمت الذي بقولنا" نعني فإذا كان الأمر كذلك (الكل) أي مجموع العالم (بالکل) أي بالحق من حيث
الأسماء والصفات وبالعكس مربوط فليس له أي ليس لمجموع العالم.

(عنه) عن الحق من حيث الأسماء وبالعكس (انفصال خذوا ما قلته عني، فقد علمت حكمة) أي أصل (نشأة جسد آدم) وهو أي أصل نشأة جسده
قوله من قبل فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره.

قوله: (أعني صورته الظاهرة) تفسير لنشأة الجسد لا لحكمة النشاة .
فكذلك قوله : (وقد علمت نشأة روح آدم) وهي قوله : وأنشأ صورته الباطنة على صورته.
قوله : (أعني صورته الباطنة) تفير لنشأة الروح وإنما فسر ليعلم أن المراد بأدم الروح الكلي المحمدي لا آدم الذي خلق من طين (فهو الحق في الخلق) .


شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (و من هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده:
فالكل مفتقر ما الكل مستغن ... هذا هو الحق قد قلناه لا نكني
فإن ذكرت غنيا لا افتقار به ... فقد علمت الذي بقولنا نعني
فالكل بالكل مربوط فليس له ... عنه انفصال خذوا ما قلته عني  )
قال: ومن هذه الحقيقة كان افتقار العالم إلى الحق تعالى في وجوده، لأن الكليات هي صور علمه فطلبت بلسان الحال من الحق تعالى وجودها بلسان الفقر والشيخ قد أسر هنا سرا إلهيا لكن أشار إليه إشارة مبهمة في هذه الأبيات.
وهي قوله: فالکل مفتقر ما الكل مستغن.
وموضع إبهامه هو قوله: فإن ذكرت غنيا لا افتقار له.
فأنه سکت عن الجواب، لأنه لو أجاب فإما أن يقول لا بد من الفقر في الحضر تین وحينئذ يقع عليه الرد من المحجوبين، فأشار إشارة لا يتنبه لها إلا من له کشف فإن الذي يعني بقوله.
هو قوله: الكل مفتقر ما الكل مستغن، إلا أن فقر الرازق إلى المرزوق في أن يتحقق رازقيته بالفعل، ما هو مثل فقر الممكن في وجوده إلى الواجب ومن شهد أن الحضرتين الإلهية والكونية تجمعهما الإحاطة الذاتية.
فما يعزب عنه أن يعلم أن فقر الشيء إلى نفسه ما هو فقر أصلا، لأنه ما هناك إلا الحق وأسمائه وصفاته وأفعاله والكل يرجع إلى ذاته تعالى ونحن حقائق أفعاله أعني وجودنا في اصطلاحه لا أعياننا الثابتة التي تجمعها الكليات.
وأما في اصطلاح صاحب المواقف فهو أمر غير هذا بوجه ما وإن كان المعنى يرجع إلى حقيقة لا تختلف، وما ذكره بعد هذا فهو ظاهر إلى قوله اتقوا ربكم.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (و من هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده: 
فالكل مفتقر ما الكل مستغن ... هذا هو الحق قد قلناه لا نكني

فإن ذكرت غنيا لا افتقار به ... فقد علمت الذي بقولنا نعني
فالكل بالكل مربوط فليس له ... عنه انفصال خذوا ما قلته عني  )
"ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده " .
فافتقار العالم إلى الموجد من أهل هذه الحقيقة ، حتى يحصل له شرف المظهرية لصورته تعالى فإنّ المخلوق على الصورة التي هي مخلوقة على الصورة الإلهية يكون على الصورة الإلهية يكون على الصورة
 .
قال رضي الله عنه : شعر :
فالكلّ مفتقر ما الكلّ مستغن     ...... هذا هو الحق قد قلناه لا نكني
فإن ذكرت غنيّا لا افتقار به     ..... فقد علمت الذي من قولنا نعني
فالكلّ بالكلّ مربوط فليس له   ....... عنه انفصال خذوا ما قلته عنّي
قال العبد - أيّده الله به - : اعلم :
أنّ الله - سبحانه وتعالى - بجميع نسبه الذاتية موجب لوجود العوالم والمظاهر ، ومستلزم لمتعلَّقات حقائقة الوجوبية ، ودقائق سائر أسماء الربوبية .
وتلك المتعلَّقات هي حقائق المخلوقية والمربوبية ، فهي واجبة الوجود بإيجاب الواجب الوجود بالذات لها ، ولولا هذه الحقائق المظهرية من أكوان عالم الإمكان ، لما ظهرت الصورة الإلهية المقدّسة الأحدية الجمعية الذاتية .
فشمل الافتقار نسب الربوبية وحقائق المربوبية ، بيد أنّ افتقار العوالم إلى الحق في التحقيق بالحقيقة والوجود على التعيين .
وليس كذلك افتقار النسب الأسمائية ، فإنّ الوجود هو المسمّى بجميع الأسماء ، المتعيّن بجميع النسب ، فما بها افتقار في الوجود والتحقيق إلى العالم .
ولكن في ظهور الآثار والأحكام لا غير ، ومع ذلك فلا افتقار بها إلى عالم معيّن أو مظهر شخصيّ مبيّن ، بل يوجب بالذات لها مظاهر لا على التعيين إلى أبدا الآبدين ، كما هو مقتضى ذاته المقدّسة من الأزل دهر الداهرين . فافهم .
واعلم : أنّ فلك الوجود الحقّ محيط بالموجودات العينية والغيبية ، وهويّته المحيطة وأوّل تعيّنه الذاتي بفلك الإلهية ، وهي محيطة بأفلاك الأسماء الإلهية .
ثم أفلاك الأسماء محيطات بحقائق مظاهرها الكيانية ، وهي أجناس العوالم وأنواعها وأصنافها وأشخاصها ، ودائرة فلك الهوية الكبرى الذي للوجود الحق فلك محيط بجميع الأفلاك.
وجميعها منحصر في أربعة أفلاك :
فلك اللاتعيّن والإطلاق الوجودي العيني الحقيقي ، وفلك التعين الأوّل الأحدي الجمعي الأكبر .
وهو من الوجود الحق كالقلب من الإنسان ، وهذا الفلك محيط بفلكين عظيمين كلَّيّين محيطين بسائر الأفلاك التفصيلية الآتي حديثها في مواضع ، مواقعها فلك الإلهية المحيطة بجميع نسبها وأسمائها  بالفلك الكوني المظهري من المعلول الأوّل إلى آخر صورة توجد من آخر نوع وجد .
ثم اعلم : أنّ فلك كل حقيقة من نقط محيط فلك الإلهية وهي عبارة عن نسب الربوبية والحقائق الوجوبية إنّما يتمّ بفلك متعلَّقها من العالم .
فكل فلك من أفلاك حضرات الأسماء مقسوم بقوسين كلَّيّين متساويين مساويين مجموعهما من محيط الفلك الدائر .
فالقوس الأعلى لنسب حقيقة فلك الاسم « الله » ونسبها ولوازمها نقط محيط دائرة متعلَّقة الحبائل ، متّصلة الرقائق والجداول بنقط محيط القوس الآخر الخصيص بمرتبة الكون المظهري .
والمجموع فلك كامل ، فأفلاك الإلهية ونقط محيطها مربوطة بأفلاك العوالم ونقط محيطها ، فالكلّ مفتقر ، ما الكلّ مستغن.
وهذا معنى قول الكامل :
فالكلّ بالكلّ مربوط ، فليس له  ..... عنه انفصال خذوا ما قلته عنّي " .
وأنّى الانفصال والافتراق والحقيقة الكلية مقتضية للاتّصال والاتّفاق والائتلاف والاعتناق ؟
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناه ُ طائِرَه ُ في عُنُقِه ِ " .
فإذا قامت قيامة التفصيل ، وتمّت مقامات التوصيل والتحصيل ، وبعثرت قبور النشور ، وبسطت أرض الحشر والنشور .
فيوم القيامة يلقاه كتابا منشورا ، سنذكر ما يبقى من تتمّة هذا السرّ في الموضع الأليق به ، إن شاء الله تعالى .
وأمّا قوله :
فإن ذكرت غنيّا لا افتقار به   ..... فقد عرفت الذي من قولنا نعني
فإنّه - رضي الله عنه - يشير إلى الغنى الذاتي الحقيقي الأحدي ، القاهر أعيان الأغيار ، والموجد كثرة النظراء والنظَّار " كان الله ولا شيء معه ".  " هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ".