المواضيع الأخيرة
» السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
اليوم في 1:27 من طرف عبدالله المسافر

» في تلقي الرسالة وشروطها وأحكامها .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
أمس في 4:18 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "61" المجلس الحادي والستون وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
أمس في 1:25 من طرف عبدالله المسافر

» شرح "16" تجلي الجود .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأحد 21 أكتوبر 2018 - 13:18 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة مقام الرسالة ومقام الرسول من حيث هو رسول ومن أين نودي وأين مقامه والخلافة والنبوة والولاية والإيمان والعالم والجاهل و الظان والشاك والمقلدين لهم .كتاب التنزلات الموصلية
الأحد 21 أكتوبر 2018 - 0:16 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيئية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 20 أكتوبر 2018 - 11:52 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 20 أكتوبر 2018 - 1:58 من طرف عبدالله المسافر

» الفرق بين العلم و المعرفة موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
السبت 20 أكتوبر 2018 - 0:47 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 23:27 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 11:49 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة كون الرسول من جنس المرسل إليه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 17:29 من طرف الشريف المحسي

» کتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام . الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 10:28 من طرف عبدالله المسافر

» في سر وضع الشريعة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
السبت 13 أكتوبر 2018 - 14:27 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 11:47 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل "الثاني مرتبة الألوهية والتعين الثاني والأعيان الثابتة" .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 10:06 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 10:35 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "60" المجلس الستون من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه
الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 9:20 من طرف عبدالله المسافر

» الألوهة - الألوهية - الآلي - الألوهي - سر الألوهية - المألوه المطلق .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 13:39 من طرف عبدالله المسافر

» شرح خطبة الكتاب للشارح الشيخ صائن الدين التركة لكتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 10:19 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة الشارح الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 9:44 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الختم "سفر خطبة الكتاب" فص حكمة ختمية في كلمة محمدية موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 11:29 من طرف عبدالله المسافر

» مصطلح الأعراف - أهل الأعراف - أصحاب الأعراف .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14:09 من طرف الشريف المحسي

» مصطلح منازل الطريق للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14:02 من طرف الشريف المحسي

» نشأة وتركيب كل إنسان من آدم وما فيها من العناصر ناري هوائي مائي ترابي . موسوعة المصطلحات و الأشارات
الأحد 23 سبتمبر 2018 - 19:43 من طرف الشريف المحسي

» مصطلحات السفر و المسافر و الأسفار الستة فى موسوعة المصطلحات و الأشارات
السبت 22 سبتمبر 2018 - 11:15 من طرف الشريف المحسي

» الأسفار الستة المحمدية الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الخميس 20 سبتمبر 2018 - 16:49 من طرف الشريف المحسي

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "59" المجلس التاسع والخمسون من تواضع لله رفعه الله
الأربعاء 19 سبتمبر 2018 - 16:02 من طرف الشريف المحسي

» الفصل الأول "الأحدية والواحدية" .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
السبت 15 سبتمبر 2018 - 19:26 من طرف عبدالله المسافر

»  مقدمة الشارح الشيخ عبد الرحمن الجامي .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الخميس 13 سبتمبر 2018 - 19:25 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 - 7:17 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "58" المجلس الثامن والخمسون من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين
الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 21:46 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 13:11 من طرف عبدالله المسافر

» 2 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 7:32 من طرف عبدالله المسافر

» 5. نقش فص حكمة مهيمنية في كلمة إبراهيمية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
السبت 8 سبتمبر 2018 - 18:45 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة وخطبة كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 5 سبتمبر 2018 - 14:55 من طرف عبدالله المسافر

» ما لا يعول عليه الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 11:29 من طرف عبدالله المسافر

» كُنْهُ مَا لا بُدَّ لِلمُريدِ مِنْهُ الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 11:14 من طرف عبدالله المسافر

» 27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:44 من طرف عبدالله المسافر

» 26- فص حكمة صمدية في كلمة خالدية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:35 من طرف عبدالله المسافر

» 25- فص حكمة علوية في كلمة موسوية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:31 من طرف عبدالله المسافر

» 24- فص حكمة إمامية في كلمة هارونية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:20 من طرف عبدالله المسافر

» 23- فص- حكمة إحسانية في كلمة لقمانية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:14 من طرف عبدالله المسافر

» 22- فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:08 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "57" المجلس السابع والخمسون أشد عقوبات الله عز وجل لعبده في الدنيا طلبه ما لم يقسم له
الإثنين 3 سبتمبر 2018 - 15:51 من طرف عبدالله المسافر

» 4. نقش فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:51 من طرف عبدالله المسافر

» 21 - فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:22 من طرف عبدالله المسافر

» 20 - فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:17 من طرف عبدالله المسافر

» 19 - فص حكمة غيبية في كلمة أَيوبية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:11 من طرف عبدالله المسافر

» 18 - فص حكمة نَفْسيَّة في كلمة يونُسية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:02 من طرف عبدالله المسافر

» الأعيان الثابتة و العين الثابتة فى موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 7:43 من طرف عبدالله المسافر

» 2 - فك ختم الفص الشيثي .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 28 أغسطس 2018 - 15:48 من طرف عبدالله المسافر

» 3. نقش فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 28 أغسطس 2018 - 15:12 من طرف عبدالله المسافر

» 2 - فص حكمة إلهية في كلمة شيثية .شرح داود القيصرى متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي
الثلاثاء 28 أغسطس 2018 - 14:33 من طرف عبدالله المسافر

» 2 - فصّ حكمة نفثيّة في كلمة شيثية .شرح الشيخ مؤيد الدين متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 20:47 من طرف عبدالله المسافر

» 2. نقش فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 13:26 من طرف عبدالله المسافر

» 1. نقش فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 13:19 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السابع والثلاثون في معرفة الأقطاب العيسويين وأسرارهم
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 13:14 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السادس والثلاثون في معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 13:12 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الحادي والثلاثون في معرفة أصول الركبان .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 10:46 من طرف عبدالله المسافر

» 17- فص حكمة وجودية في كلمة داودية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 23:50 من طرف عبدالله المسافر

» 16 - فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 23:10 من طرف عبدالله المسافر

» 15- فص حكمة نَبَوِيَّة في كلمة عيسوية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 22:33 من طرف عبدالله المسافر

» 14 - فص حكمة قَدَرِيَّة في كلمة عُزَيْرية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 17:06 من طرف عبدالله المسافر

» 13 - فص حكمة مَلْكية في كلمة لوطية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 16:57 من طرف عبدالله المسافر

» 12- فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 16:45 من طرف عبدالله المسافر

» 11- فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 16:35 من طرف عبدالله المسافر

» 10- فص حكمة أحدية في كلمة هودية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 10:15 من طرف عبدالله المسافر

» 9 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 10:06 من طرف عبدالله المسافر

» 8 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 9:58 من طرف عبدالله المسافر

» 7 - فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 9:46 من طرف عبدالله المسافر

» 6- فص حكمة حقية في كلمة إِسحاقية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 9:39 من طرف عبدالله المسافر

» 5- فص حكمة مُهَيَّمية في كلمة إِبراهيمية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 9:31 من طرف عبدالله المسافر

» 4- فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية
السبت 25 أغسطس 2018 - 21:42 من طرف عبدالله المسافر

» 2- فص حكمة نفثية في كلمة شيثيَّة
السبت 25 أغسطس 2018 - 21:32 من طرف عبدالله المسافر

» 3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية
السبت 25 أغسطس 2018 - 21:23 من طرف عبدالله المسافر

» 1- فص حكمة إلهية في كلمة آدميَّة
السبت 25 أغسطس 2018 - 21:12 من طرف عبدالله المسافر

» خطبة كتاب فصوص الحكم لسيدي ابن العربي الحاتمي
السبت 25 أغسطس 2018 - 21:07 من طرف عبدالله المسافر

» 1 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 23 أغسطس 2018 - 15:18 من طرف عبدالله المسافر

» 1 - فك ختم الفص الادمى .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 18:37 من طرف عبدالله المسافر

» 1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 14:41 من طرف عبدالله المسافر

» 1 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح داود القيصرى متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي
الثلاثاء 21 أغسطس 2018 - 21:21 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثلاثون في معرفة الطبقة الأولى والثانية من الأقطاب الركبان .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الثلاثاء 21 أغسطس 2018 - 8:14 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة صدر الدين القونوي لكتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 21 أغسطس 2018 - 7:43 من طرف عبدالله المسافر

» شرح الشارح مصطفى بالي زاده لخطبة كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الأحد 19 أغسطس 2018 - 18:35 من طرف عبدالله المسافر

» شرح داود القيصرى لخطبة كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 18 أغسطس 2018 - 19:04 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الأولى الغيب المطلق .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
السبت 18 أغسطس 2018 - 12:49 من طرف عبدالله المسافر

» الباب التاسع والعشرون في معرفة سر سلمان الذي ألحقه بأهل البيت والأقطاب الذين ورثه منهم ومعرفة أسرارهم .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
السبت 18 أغسطس 2018 - 12:23 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثاني عشر في النبوة والرسالة والولاية من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم الشيخ الأكبر
الجمعة 17 أغسطس 2018 - 18:12 من طرف عبدالله المسافر

» شرح "15" تجلي الرحمة على القلوب .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الجمعة 17 أغسطس 2018 - 15:46 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثامن والعشرون في معرفة أقطاب أَلَمْ تَرَ كَيْفَ .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الجمعة 17 أغسطس 2018 - 11:59 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الحادي عشر في عود الروح ومظاهره إليه تعالى عند القيامة الكبرى من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم الشيخ الأكبر
الجمعة 17 أغسطس 2018 - 11:41 من طرف عبدالله المسافر

» خطبة كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي قدس الله سره
الخميس 16 أغسطس 2018 - 18:27 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة الناشر لكتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي قدس الله سره
الخميس 16 أغسطس 2018 - 17:39 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السابع والعشرون في معرفة أقطاب صل فقد نويت وصالك وهو من منزل العالم النوراني .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الخميس 16 أغسطس 2018 - 15:16 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل العاشر في بيان الروح الأعظم ومراتبه وأسمائه في العالم الإنساني من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم الشيخ الأكبر
الخميس 16 أغسطس 2018 - 13:41 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل التاسع في بيان خلافة الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وسلم وانها قطب الأقطاب من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم الشيخ الأكبر
الأربعاء 15 أغسطس 2018 - 17:54 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "56" المجلس السادس والخمسون من تواضع لله رفعه الله عز وجل ومن تكبر وضعه الله
الأربعاء 15 أغسطس 2018 - 15:37 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثامن في أن العالم هو صورة الحقيقة الإنسانية من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم .قبل شرح فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 15 أغسطس 2018 - 12:35 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل السابع في مراتب الكشف وأنواعها اجمالا من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم .قبل شرح فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 14 أغسطس 2018 - 23:33 من طرف عبدالله المسافر





السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

اذهب الى الأسفل

25092018

مُساهمة 

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي




السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي جامعها عبدالله المسافر فى الله

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية :

الفقرة الأولي:
متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن العربي الطائي الحاتمي 638 هـ :
2 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية
يقول الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي : (اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين:
منها ما يكون عطايا ذاتية عطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معين وعن سؤال غير معين.
ومنها ما لا يكون عن سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.
فالمعين كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعين أمرا ما لا يخطر له سواه وغير المعين كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف.
والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.
والصنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أن ثم أمورا عند الله قد سبق العلم بأنها لا تنال إلا بعد السؤال.
فيقول: فلعل ما نسأله فيه سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم الله ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان.
ولو لا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل.
فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان وأنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد.
وهم صنفان: صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم، وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه.
هذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.
ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان، وإنما يسأل امتثالا لأمر الله في قوله تعالى: «ادعوني أستجب لكم».
فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معين أو غير معين، وإنما همته في امتثال أوامر سيده.
فإذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية وإذا اقتضى التفويض والسكوت سكت فقد ابتلي أيوب عليه السلام وغيره وما سألوا رفع ما ابتلاهم الله تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه الله عنهم.
والتعجيل بالمسئول فيه والإبطاء للقدر المعين له عند الله.
فإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة، وإذا تأخر الوقت إما في الدنيا وإما إلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبيك من الله فافهم هذا.
وأما القسم الثاني وهو قولنا: «ومنها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإنما أريد بالسؤال التلفظ به، فإنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد.
كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال.
فالذي يبعثك على حمد الله هو المقيد لك باسم فعل أو باسم تنزيه.
والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال.
فالاستعداد أخفى سؤال وإنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن الله فيهم سابقة قضاء.
فهم قد هيئوا محلهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم .
ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم علم الله به من أين حصل.
وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سر القدر وهم على قسمين:
منهم من يعلم ذلك مجملا، ومنهم من يعلمه مفصلا، والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا، فإنه يعلم ما في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به، وإما أن يكشف له عن عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى وهو أعلى: فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك، أي أحوال عينه، فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نسب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدر نقول إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم.
ومن هنا يقول الله تعالى: «حتى نعلم» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب.
وغاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
و بهذا انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف والوجود.
ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول: إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية.
فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجل إلهي.
والتجلي من الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلي له وغير ذلك لا يكون.
فإذن المتجلي له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه:
كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها.
فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلى له أنه ما رآه.
وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلي من هذا.
وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة حتى إن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة. هذا أعظم ما قدر عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه.
وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق.
فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلا، و ما بعده إلا العدم المحض.
فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه و ظهور أحكامها وليست سوى عينه.
فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: "والعجز عن درك الإدراك إدراك"، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلم السكوت، ما أعطاه العجز.
وهذا هو أعلى عالم بالله.
وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إلا من مشكاة خاتم الأولياء: فإن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا.
فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى.
وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم، وفي تأبير النخل.
فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شي ء وفي كل مرتبة، وإنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله: هنالك مطلبهم.
وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه.
ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى موضع لبنة، فكان صلى الله عليه وسلم تلك اللبنة.
غير أنه صلى الله عليه وسلم لا يراها كما قال لبنة واحدة.
وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرى في الحائط موضع لبنتين، واللبن من ذهب وفضة.
فيرى اللبنتين اللتين تنقص الحائط عنهما وتكمل بهما، لبنة ذهب ولبنة فضة.
فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين، فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين. فيكمل الحائط.
والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضة، وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه، لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول. فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شي ء.
فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإن تأخر  
وجود طينته، فإنه بحقيقته موجود، و هو قوله صلى الله عليه و سلم: «كنت نبيا و آدم بين الماء والطين".
وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث.
وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين، وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون الله تعالى تسمى «بالولي الحميد.
فخاتم الرسل من حيث ولايته، نسبته مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء والرسل معه، فإنه الولي الرسول النبي.
وخاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب.
وهو حسنة من حسنات خاتم المرسل محمد صلى الله عليه و سلم مقدم الجماعة و سيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة. فعين حالا خاصا ما عمم.
وفي هذا الحال الخاص تقدم على الأسماء الإلهية، فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين.
ففاز محمد صلى الله عليه وسلم بالسيادة في هذا المقام الخاص.
فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام.
وأما المنح الأسمائية: فاعلم أن منح الله تعالى خلقه رحمة منه بهم، وهي كلها من الأسماء.
فإما رحمة خالصة كالطيب من الرزق اللذيذ في الدنيا الخالص يوم القيامة، ويعطى ذلك الاسم الرحمن. فهو عطاء رحماني.
وإما رحمة ممتزجة كشرب الدواء الكره الذي يعقب شربه الراحة، وهو عطاء إلهي، فإن العطاء الإلهي لا يتمكن إطلاق عطائه منه من غير أن يكون على يدي سادن من سدنة الأسماء.
فتارة يعطي الله العبد على يدي الرحمن فيخلص العطاء من الشوب الذي لا يلائم الطبع في الوقت أو لا ينيل الغرض وما أشبه ذلك.
وتارة يعطي الله على يدي الواسع فيعم، أو على يدي الحكيم فينظر في الأصلح في الوقت، أو على يدي الوهاب، فيعطي لينعم لا يكون مع الواهب تكليف المعطى له بعوض على ذلك من شكر أو عمل، أو على يدي الجبار فينظر في الموطن وما يستحقه، أو على يدي الغفار فينظر المحل و ما هو عليه.
فإن كان على حال يستحق العقوبة فيستره عنها، أو على حال لا يستحق العقوبة فيستره عن حال يستحق العقوبة فيسمى معصوما ومعتنى به ومحفوظا وغير ذلك مما شاكل هذا النوع.
والمعطي هو الله من حيث ما هو خازن لما عنده في خزائنه.
فما يخرجه إلا بقدر معلوم على يدي اسم خاص بذلك الأمر.
"فأعطى كل شي ء خلقه" على يدي العدل وإخوانه.
وأسماء الله لا تتناهى لأنها تعلم بما يكون عنها- وما يكون عنها غير متناه- وإن كانت ترجع إلى أصول متناهية هي أمهات الأسماء أو حضرات الأسماء.
وعلى الحقيقة فما ثم إلا حقيقة واحدة تقبل جميع هذه النسب والإضافات التي يكنى عنها بالأسماء الإلهية.
والحقيقة تعطي أن يكون لكل اسم يظهر، إلى ما لا يتناهى، حقيقة يتميز بها عن اسم آخر، تلك  الحقيقة التي بها يتميز هي الاسم عينه لا ما يقع فيه الاشتراك، كما أن الأعطيات تتميز كل أعطية عن غيرها بشخصيتها، و إن كانت من أصل واحد، فمعلوم أن هذه ما هي هذه الأخرى، و سبب ذلك تميز الأسماء.
فما في الحضرة الإلهية لاتساعها شي ء يتكرر أصلا. هذا هو الحق الذي يعول عليه.
وهذا العلم كان علم شيث عليه السلام، وروحه هو الممد لكل من يتكلم في مثل هذا من الأرواح ما عدا روح الخاتم فإنه لا يأتيه المادة إلا من الله لا من روح من الأرواح، بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح، وإن كان لا يعقل ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري.
فهو من حيث حقيقته ورتبته عالم بذلك كله بعينه، من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري.
فهو العالم الجاهل، فيقبل الاتصاف بالأضداد كما قبل الأصل الاتصاف بذلك، كالجليل والجميل  وكالظاهر و الباطن والأول والآخر و هو عينه ليس غير.
فيعلم لا يعلم، ويدري لا يدري، ويشهد لا يشهد.
وبهذا العلم سمي شيث لأن معناه هبة الله.
فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أصنافها ونسبها، فإن الله وهبه لآدم أول ما وهبه:
وما وهبه إلا منه لأن الولد سر أبيه.
فمنه خرج وإليه عاد. فما أتاه غريب لمن عقل عن الله.
وكل عطاء في الكون على هذا المجرى. فما في أحد من الله شيء، و ما في أحد من سوى نفسه شي ء و إن تنوعت عليه الصور.
وما كل أحد يعرف هذا، وأن الأمر على ذلك، إلا آحاد من أهل الله.
فإذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل الله تعالى.
فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقي إليه ما لم يكن عنده من المعارف وتمنحه ما لم يكن قبل ذلك في يده، فتلك الصورة عينه لا غيره.
فمن شجرة نفسه جنى ثمرة علمه، كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ليس غيره، إلا أن المحل أو الحضرة التي رأى فيها صورة نفسه تلقى إليه تنقلب من وجه بحقيقة تلك الحضرة، كما يظهر الكبير في المرآة الصغيرة صغيرا أو المستطيلة مستطيلا، والمتحركة متحركا.
وقد تعطيه انتكاس صورته من حضرة خاصة، و قد تعطيه عين ما يظهر منها فتقابل اليمين منها اليمين من الرائي، و قد يقابل اليمين اليسار و هو الغالب في المرايا بمنزلة العادة في العموم: و بخرق العادة يقابل اليمين اليمين و يظهر الانتكاس.
وهذا كله من أعطيات حقيقة الحضرة المتجلى فيها التي أنزلناها منزلة المرايا.
فمن عرف استعداده عرف قبوله، وما كل من عرف قبوله يعرف استعداده إلا بعد القبول، وإن كان يعرفه مجملا.
إلا أن بعض أهل النظر من أصحاب العقول الضعيفة يرون أن الله، لما ثبت عندهم أنه فعال لما يشاء، جوزوا على الله تعالى ما يناقض الحكمة وما هو الأمر عليه في نفسه.
ولهذا عدل بعض النظار إلى نفي الإمكان وإثبات الوجوب بالذات وبالغير. والمحقق يثبت الإمكان ويعرف حضرته، والممكن ما هو الممكن ومن أين هو ممكن وهو بعينه واجب بالغير، ومن أين صح عليه اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب.
ولا يعلم هذا التفصيل إلا العلماء بالله خاصة.
وعلى قدم شيث يكون آخر مولود يولد من هذا النوع الإنساني .
وهو حامل أسراره، وليس بعده ولد في هذا النوع. فهو خاتم الأولاد.
وتولد معه أخت له فتخرج قبله و يخرج بعدها يكون رأسه عند رجليها.
ويكون مولده بالصين ولغته لغة أهل بلده.
ويسري العقم في الرجال والنساء فيكثر النكاح من غير ولادة ويدعوهم إلى الله فلا يجاب.
فإذا قبضه الله تعالى و قبض مؤمني زمانه بقي من بقي مثل البهائم لا يحلون حلالا و لا يحرمون حراما، يتصرفون بحكم الطبيعة شهوة مجردة عن العقل و الشرع فعليهم تقوم الساعة.


متن نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن العربي الطائي الحاتمي 638 هـ:
2. نقش فص حكمة نفثية في كلمة شيثية :
يقول الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي : اعلم أن عطيات الحق على أقسام : منها أنه يعطي لينعم خاصة من اسمه الوهاب وهي على قسمين : هبة ذاتية ، وهبة أسمائية . فالذاتية لا تكون إلا بتجلٍ للأسماء، وأما الذاتية فتكون مع الحجاب.
ولا يقبل القابل هذه الأعطية إلا بما هو عليه من الاستعداد وهو قوله: " أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى " [طه: 50] .
فمن ذلك الاستعداد يكون العطاء عن سؤال امتثال للأمر اإلهي، وسؤال بما تقتضيه الحكمة والمعرفة لأنه أميرٌ مالك يجب عليه أن يسعى في إيضال كل ذي حقٍ حقه.
مثل قوله عليه السلام: " إن لبدنك عليك حقاً ولنفسك ولعينك .. الحديث ".

الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص صدر الدين القونوي 673 هـ :
2 -  فك ختم الفص الشيثي
1 -  لما سبق ذكر سر الفص والحكمة والكلمة وسر الحروف والكلمات وسر اختصاص كلمة آدمية بنسبته الى الحضرة الالوهية، لم يبق ما يجب التنبيه عليه بموجب الالتزام إلا بيان سر اختصاص كل كلمة بالصفة والنبي المذكور بعد آدم.
2-  فأقول: وأما الحكمة النفثية واختصاصها بالكلمة الشيثية: فمعرفة سرها موقوفة على استحضار مقدمة قد سبق الكلام فيها - مع وجوب التنبيه عليها هاهنا - وهو أن الحق لما ثبت أنه من حيث صرافة ذاته وإطلاقه لا يوصف بالمبدئية ولا أنه مصدر لشيء، وإن أول المراتب المتعلقة: التعين الجامع للتعينات كلها، وان له أحدية الجمع وأنه خصيص بالإنسان الحقيقي الذي آدم صورته، وجب ان يكون المرتبة التي تليه مرتبة المصدرية الموصوفة بالفياضية والمقتضية للإيجاد فلزم أن يكون فص الحكمة النفثية مخصوصة بالكلمة الشيثية.
معنى لفظة شيث
3- لان معنى لفظة شيث في الأصل عطاء الله ولان النفث عبارة عن انفثاث للنفس الواحد وانبثاثه، وانه عبارة عن الوجود المنبسط على الماهيات القابلة له والظاهرة به، وهذا الفيض إذا اعتبر من حيث مشرعه ومحتده كان واحدا ويسمى بهذا الاعتبار العطاء الذاتي، لأنه صادر عن الحق بمقتضى ذاته لا موجب له سواه، وإذا اعتبر تعدد صور ذلك العطاء في القوابل وتنوعه بحسبها، سمى عطاء اسمائيا هو فك ختام سر الترجمة.
سر الختمية
4- ولما كان العطاء الاسمائى متعقل الاندراج في ضمن العطاء الذاتي لقبوله بالذات التعدد والظهور المتنوع في القوابل وبها، وجب ذكر سر الختمية في هذا الفص، لان في المقام الإنساني تنختم الدائرة الوجودية ويتحد الآخرية بالأولية.
المراتب الختمية
5- وللمراتب الختمية كمال الحيطة والاستيعاب، لان لآخريتها كمال الاستيعاب معنى وصورة وصفة وحكما وقد نبه شيخنا رضى الله عنه على ذلك بالماع لطيف وهو قوله في آخر هذا الفص: ان آخر مولود يولد في النوع الإنساني يكون على قدم شيث وأنه يولد توأما مع أخت له فأخبر بعموم الحكم الدوري صورة، كما هو الأمر في المعنى والصفة، وعين الحكم وانتهاء مقدار العطاء في الماهيات والاستعدادات المتناهية القبول، بخلاف القوابل التامة الاستعداد، فان قابليتها غير متناهية، فلها البقاء السرمدي.
6- موجب عدم صعق بعض الموجودات من الملائكة والأناسي ما ذكرناه من كمال الاستعداد القابل للفيض الذاتي على سبيل الاستمرار، ولمن هذا شأنه الرفعة عن مقام النفخ الإسرافيلى، فان النفخ لا يؤثر في من علا عنه ، بل في من نزل عن درجته .

7 - وهاهنا علوم غريبة جدا، ينبو عنها أكثر الأفهام، قل من يطلع عليها من أهل الله، أضربت عن التنبيه عليها لفرط غموضها، وشكرت الله على ما منح في الدنيا "وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى والْآخِرَة وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" 70 سورة القصص.
.
avatar
عبدالله المسافر
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 1354
الموقع : https://almossafer1.blogspot.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

https://almossafer1.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي :: تعاليق

avatar

مُساهمة في الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 - 18:58 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثانية :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين:
منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن.
ومنها ما لا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.
فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً ما لا يخطر له سواه وير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف.)
هذا فص الحكمة الشيثية
ذكره بعد حكمة آدم عليه السلام، لأن شيث أول مولود کامل من بني آدم وهو أول الأنبياء عليه السلام قال الشيخ رضي الله عنه: (ومن ذلك)، أي من بعض تلك الحكم والكلم المذكورة.
(فص حكمة نفثية) كما سبق (في كلمة شيثية).
إنما اختصت كلمة شيث عليه السلام بالنفثية، لأن الروح لها في كل جسد مسوي نفخ أمري يستعد له ذلك الجسد كما مر، وهذا عام، ثم إذا كان الجسد المسؤى المنفوخ فيه قابلا لظهور الاستواء الرحماني فيه على الوجه التام نفث فيه ذلك الروح الأمري، وهذا خاص بالأنبياء عليهم السلام والورثة من الأمة لهم نصيب من ذلك من مقام ولا يأتهم على وجه خاص غير الوجه الذي تنال الأنبياء عليهم السلام من مقام نبواتهم.
وهذا النفث نوع من أنواع الوحي، وهو نفخ مع زيادة بلل يخرج معه من النافخ بخلاف النفخ كما تقدم والبلل رطوبة منبعثة من فم النافخ إن كان له فم.
والنفخ هواء منبعث من جوف النافخ تدفعه حرارة قلبه إلى الخارج، ونفخ الروح الأمري الإلهي مشبه بذلك على التنزيه التام.
لأن الحضرة العلمية باطن الحق تعالی وفيها جميع الأشياء ملكا وملكوتا .
فلما تجلى الله تعالى باسمه الباعث بث ما في علمه في حضرة الإمكان إجمالا، فسمي هذا المبثوث الإجمالي روحا كلية وعالم الأمر، ثم تفصل منه ذلك الإجمال بتجلي آخر رحماني فسمي خلقا .
و قال الله تعالى: "ألا له الخلق والأمر" 54 سورة الأعراف. فإذا ظهر للإنسان وانكشف لعلمه الحادث التجلي الأول الأمري يسمى وحيا ولا بد معه من رطوبة جديدة .
فيقال عنه بسببها إنه نفث، وجميع الأنبياء عليهم السلام لا ينطقون عن الهوى "إن هو إلا وحي يوحى " كما قال في نبينا عليه السلام : "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" 3-4 سورة النجم. والضمير إما إلى النطق أو إلى فاعل النطق وهو نبينا عليه السلام، وكونه هو وحي يوحى على معنى ما ذكرنا، فإن روحه
المنفوخة فيه هي حقيقة نفث روح القدس في روعه كما قال صلى الله عليه وسلم عليه السلام :"نفث روح القدس في روعي أن نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته» الحديث.
والنطق على قسمين نطق اللسان وهو منبعث عن القلب ونطق القلب .
فنطق القلب منبعث عن الروح الأمري فهو في أصحاب القلوب وحي يوحى، وفي أصحاب النفوس وسوسة.
ثم إن آدم عليه السلام لما توجه على حواء في وقت إيداع نطفته في رحمها نطق قلبه ، بما نفث في روعه من الوحي الأمري.
فكانت نطفته بمنزلة العبادة اللفظية فترجمت معنى الوحي النفثي، وكان هذا أول ما صدر في النوع الإنساني.
ولهذا سماه شيث عليه السلام، وشيث معناه العطية ، يعني عطية الله تعالی.
ولما ظهر روح القدس في صورة بشر لمريم عليهما السلام، ونفخ فيها، خرج مع نفخه رطوبة من فم الصورة البشرية كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالی فكان عیسی مخلوق عن نفث أمري .
نظير شيث عليه السلام إلا أن شيث عليه السلام كان عن نفث في نبي نفثة باطنية. وعيسى عليه السلام عن نفث في ولي نفثة ظاهرية ، فعیسی کلمة الله الظاهرة وشيث كلمة الله الباطنة.
ولهذا قال في كلمة شيئية فنسب شیث عليه السلام إليها .
قال الشيخ رضي الله عنه : اعلم أن العطايا و المنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد و على غير أيديهم على قسمين:
منها ما يكون عطايا ذاتية، عطايا أسمائية
وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معين و عن سؤال غير معين.
ومنها ما لا يكون عن سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.
فالمعين كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعين أمرا ما لا يخطر له سواه , و غير المعين كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي من غير تعيين , لكل جزء من ذاتي من لطيف و كثيف.
(اعلم) أيها المريد السالك (أن العطايا والمنح) القليلة والكثيرة (الظاهرة في) هذا (الكون) الحادث (على أيدي العباد) من بني آدم وغيره من سائر الأشياء ولو جمادة يعطي خاصية أو زمانا.
كذلك (أو على غير أيديهم) کالعطايا والمنح الصادرة من الحق تعالى بلا واسطة أحد، وكل هذه عطايا إلهية ومنح ربانية وهي (على قسمين):
قسم (منها ما)، أي عطايا ومنح (تكون)، أي تلك العطايا والمنح (عطايا) ومنحة (ذاتية) منسوبة إلى ذات الحق تعالی كأحوال الذاتيين من أهل الله تعالى، فإن جميع أمورهم يأخذونها عن ذات الحق تعالى من غير واسطة اسم ولا رسم، وهي أعلى العطايا على الإطلاق، وتسميتها عطايا عندهم باعتبار تنزلها إلى حضرة الأسماء، لأن المعطي من الأسماء وإلا فهي لا اسم لها يخصها عندهم، وإن كانت عند غيرهم من الأسمائيين مسماة بأسماء على حسب رؤيتهم في مقامهم.
(و) قسم منها (عطايا) ومنحة (أسمائية) منسوبة إلى الأسماء الإلهية كأحوال الاسمائيين من أهل الله تعالى. وهذان القسمان يحصران جميع العطايا والمنح الواقعة في هذا العالم للمؤمن والكافر والعارف والمحجوب سواء علمت أو لم تعلم
(وتتميز عند أهل الأذواق العارفين) بالله تعالی خاصة، فلا يميز بينها غيرهم سواء کانوا ذاتيين أو اسمائيين.
واعلم أن الذوق حالة فوق العلم، والفرق بينهما أن العلم هو الإحاطة بأوصاف الشيء تصورا وتخيلا.
وأما الذوق فهو معرفة ذات الشيء مخالطة وامتزاجا، والممتزجان شيئان لا شيء واحد لكن بينهما غاية القرب، وقد غلط بعضهم فسمي ذلك اتحاد ولا يصح الاتحاد عندنا أبدا، لأن أحد الممتزجين إن زال وبقي الآخر فهو واحد لا اثنان اتحدا.
وإن بقيا فهما اثنان فأين الاتحاد؟
والعبد والرب لا يفترقان أبدا إذ لا وجود لعبد بلا رب ولا ظهور لرب بلا عبد، فإن زالت الوسائط الوهمية بينهما وتحقق العبد بكمال القرب فهو الامتزاج عندنا، ومعلوم أن الممتزجين لهما صورة مخصوصة في حالة الامتزاج ليست لكل واحد منهما في حالة انفراده ولا امتزاج في الحقيقة إذ لا مساواة بين العبد والرب.
فالعبد معدوم والرب موجود ولكن المعدوم إذا اقترن بالموجود اكتسب منه الوجود المناسب له.
أرأيت أن النور إذا قابل الظلمة اكسبها نورا يليق بها فيزول سوادها في عين الناظر ببياض النور المشرق عليها.
وهي في ذاتها ظلمة على ما هي عليه ثم الكشف عن هذا الامتزاج هو حقيقة الذوق المراد هنا (كما أن منها)، أي من تلك العطايا والمنح (ما يكون)، أي يوجد عند المعطي والممنوح (عن سؤال) صدر منه (في) أمر (معين) عنده (و) منها ما يكون (عن سؤال) صدر منه (في) أمر (غیر معین) عنده (ومنها ما لا يكون)، أي يوجد (عن سؤال) ملفوظ به أصلا فهذه ثلاثة أنواع (سواء كانت العطية) والمنح فيها (ذاتية أو أسمائية) كما سبق (فالمعين) الذي يقع السؤال فيه (كمن يقول) في دعائه (یا رب أعطني كذا فيعين) بإشارته (أمرا ما)، أي ذكر شيئا معينا يطلبه من الله تعالى دنيويا أو أخرويا.
(لا يخطر له) في وقت دعائه (سواه).
(و) أما (غير المعين) الذي يقع السؤال فيه فهو كمن يقول في دعائه : (یا رب أعطني ما)، أي شيئا (تعلم فيه مصلحتي) في الدنيا والآخرة (من غير تعيين) منه (لكل جزء) مما فيه مصلحة (ذاتي) له، أي متعلق بکماله الذاتي (من لطيف) روحاني كالمعرفة والشهود (وكثيف) جسمانی کالمأكل والمشرب والمنكح .

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين:
منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن.
ومنها ما لا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.
فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً ما لا يخطر له سواه وير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف.)
بسكون الفاء وهي علوم الوهبية الملقاة في قلب هذا النبي عليه السلام قال الشيخ رضي الله عنه: (في كلمة شيثية) وهو لغة العبري هبة الله تعالى (اعلم ان العطايا والمنح الظاهرة) الموجودة (في الكون) أي في العالم (على أيدي العياد) كالعلم الحاصل للأنبياء والأولياء على يدي خاتم الرسل وختم الأولياء.
(وعلى غير ايديهم) كالعلم الحاصل لخاتم الرسل و خاتم الأولياء فإنه من الذات كما سيذكر وكيف كان .
وهي (على قسمين) قسم (منها ما يكون عطايا ذاتية) أي يكون منشأها التجلي الذاتي من غير اعتبار الصفة وإن كان لا يخلو عن الصفات .
(وعطايا اسمائية) أي يكون منشأها التجلي الصفاتي (ويتميز) كل منهما عن الآخر (عند أهل الأذواق) عند وصول العطايا إليه.
فيه إشارة إلى أن الفرق بينهما لطیف و دقیق بحيث لا يتميز إلا عند أهل الأذواق .
ولما بين العطايا من جانب المعطي شرع إلى بيان باعثها من طرف المعطى له وهو السؤال إذ بهما يتحقق العطايا.
فقال (كما أن منها) أي كما أن بعض العطايا (ما) الذي (يكون) يحصل بإعطاء الله تعالى (عن سؤال) أي عن سؤال العبد لفظا ربه ذلك العطايا .
وكان ذلك السؤال (في) حق عطاء (معین) بفتح الياء وإن شئت قلت عن سؤال معين بحذف في يدل عليه قوله : (وعن سؤال غير معين) فتعيين السؤال وعدم تعيينه يوجب تعيين العطاء وعدم تعيينه.
(ومنها ما لا يكون عن سؤال) بل يكون بدون سؤال لفظي سواء (كانت الأعطية ذاتية أو اسمائية) وسواء كانت على أيدي العباد و معنى غير أيديهم يعني أن القسمة من جانب المعطي لا يمنع القسمة من طرف القابل.
(فالمعين) بفتح الباء أي فالسؤال المعين (كمن يقول : يا رب أعطني كذا) .
كقولك : أعطني ولدا صالحا أو رزقا طيبا ولم يذكر أجزاء ذاته .
و كدعاء الرسول عليه السلام: "اللهم اجعل لي في قلبي نورا وفي سمعي نورا" الحديث فيذكر أجزاء ذاته على التعيين فقوله : أعطني كذا كناية عنهما جميعا (فیعین) هذا السائل أمرا (ما) من الأعطية (لا يخطر له) أي للسائل (سواه) أي غير ذلك الأمر.
(وغير المعين) أي السؤال العالم الشامل لجميع أنواع الأعطية وأفرادها التي فيه مصلحة السائل (كمن بقول: يا رب أعطني ما تعلم) أي العطاء الذي حصل (فيه مصلحتي) أي حاجتي (من غیر تعین العطاء لكل جزء ذاتي) للسائل سواء لم يذكر أجزاء ذاته (من لطيف) روحاني (وكثيف) جسماني .
كما قال العالم بين لطيف وكثيف أي مركب منهما كالمثال المذكور أو يذكر لكن لا على وجه التعيين بل على وجه كلي شامل لجميع أجزاء ذاته من اللطافة والكثافة.
كمن يقول: أعطني لكل جزء ذاتي من لطيف وكثيف باضافة جزء إلى الذات المضافة إلى ياء المتكلم أو بزيادة من وعلى هذا التقدير فالباء متکلم مضاف إليه ولم يذكر المصنف هذا القسم صريحا .
بل ادرج في قوله : أعطني ما فيه مصلحتي وجعله شاملا لهذا القسم لكون كل منهما غير معين وأشار إليه ثانية بقوله من غير تعيين لكل جزء ذاتي من لطيف وكثيف وإلا فالمناسب أن يقول بعد قوله : أعطني ما فيه مصلحني فلا يعين أمرأ ما .
كما قال بعد قوله : أعطني كذا فيعين أمرا ما من غير تعيين متعلق بيقول فتم السؤال الغير المعين بقوله : أي أعطني ما فيه مصلحتي .
كما تم المعين بقوله : أعطني كذا فحينئذ لا يصلح تعلق قوله : لكل جزء ذاتي بأعطني بل يتعلق بقوله : من غير تعيين
فقوله : ذاتي بتشديد الياء صفة لكل جزء سواء كان بزيادة من كما وقع في بعض النسخ أو بدونه وأما في المثال الذي أوردناه.
فكما قلناه فقوله : من غير تعيين لكل جزء ذاتى من لطيف وكثيف ليس من تتمة السؤال بل بيان للغير المعين الذي هو المثال المذكور كما أن قوله فيعين أمر ما ولا يخطر له سواه بيان للمعين.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين:
منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن.
ومنها ما لا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.
فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً ما لا يخطر له سواه وير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف.)
فص حكمة نفثية في كلمة شيثية
قوله: اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين: منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معين وعن سؤال غير معين.
ومنها ما لا يكون عن سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.
فالمعين كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعين أمرا ما لا يخطر له سواه وغير المعين كمن يقول أعطني كذا ما تعلم فيه مصلحتى من غير تعيين لكل جزء من ذاتی من لطيف وكثيف.
قلت: النفث هو النفخ فكأنه يقول: إن روح القدس نفث في روعي.
والمراد بالكلمة شيث، عليه السلام، أضاف الكلمة إليه إضافة المسمى إلى اسمه عند من يريد بيان المسمى من الاسم.
والمنح هي العطايا ويجوز عطف الشيء على نفسه إذا اختلفت الألفاظ
ومثال العطايا التي على أيدي العباد: ما يهبه الناس بعضهم لبعض.
ومثال ما هو على غير أيديهم: ما يهبه الله تعالى عباده من معرفة أو علم أو غير ذلك بلا واسطة أو بواسطة ملك من الملائكة.
ومثال العطايا الذاتية: أن يكشف الله تعالی لولي من أوليائه فيحصل له الشهود الذاتي الذي فوق مراتب الأسماء والصفات والأفعال.
ومثال العطايا الأسمائية: أن يحصل للولي شهود من حضرة اسم إلهي مثل القيوم مثلا فيشهد قيومية الحق تعالى التي بها قام كل شيء ولولا قيام العالم بالقيومية الإلهية لانعدم دفعة واحدة، ولولا القيومية لما وجد.
واعلم أن الصفات والأفعال ترجع إلى الأسماء الإلهية.
قال: وتتميز هذه العطايا والمنح عند أهل الأذواق، فيعرفون العطايا الذاتية من العطايا الأسمائية، ويتميزون أيضا عطايا بعض الأسماء عن بعض وذلك لا يعرفه إلا أهل الأذواق.
والذوق عبارة عن نور عرفاني يقذفه الحق تعالی بتجليه في قلوب أوليائه يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب ولا غيره. وباقي الكلام ظاهر.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين:منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن.ومنها ما لا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً ما لا يخطر له سواه وير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف.)
قال الشيخ رضي الله عنه: "  ومن ذلك فصّ حكمة نفثيّة في كلمة شيثية " .قد ذكرنا حكمة استناد كلّ حكمة من هذه الحكم إلى الكلمة التي نسبت إليها ، فلا نعيدها إلَّا في مواضع مسيس الحاجة إليها .
وأمّا « الحكمة » فقد قال فيها الشيخ رضي الله عنه :
قال الشيخ رضي الله عنه: " اعلم : أنّ العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين :
ومنها عطايا ذاتية وعطايا أسمائية ، وتتميّز عند أهل الأذواق " .
قال العبد : الهبات والعطايا الإلهية سواء كان وصولها إلى العباد على أيدي العباد بواسطتهم أو لا بواسطة فهي إمّا ذاتية أعني ذوات الألوهية ، وهي تجليات اختصاصية من الله ، أحدية جمع جميع الأسماء الإلهية.
خصيصة بالكمّل المقرّبين وندّر الأفراد الكاملين إذ الذات من حيث هي هي لا تعطي عطاء ولا تتجلَّى تجلَّيا ، لا ذاتية ولا أسمائية من حيث حضرة حضرة بحسب قبول المتجلَّى له وخصوص قابليته ومقامه ، وهذه العطايا والتجلَّيات والأذواق والعلوم والأحوال والأخلاق متميّزة عند أهلها الذين هم أهلها يعرفونها ذوقا وكشفا .
قال رضي الله عنه : ( كما أنّ منها ما يكون عن سؤال معيّن وعن سؤال غير معيّن . ومنها ما لا يكون عن سؤال ، سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية).
يعني رضي الله عنه : أنّ هذه الأعطيات والمنح سواء كانت ذاتية أو أسمائية فإمّا أن تكون عن سؤال سائل ، أو لا عن سؤاله ، فإنّها قد تصل إلى العبد بلا سؤال لفظي ، وقد يكون بسؤال لفظي .
قال رضي الله عنه : ( فالمعيّن كمن يقول : يا ربّ أعطني كذا ، فيعيّن أمرا ما لا يخطر له سواه ) . يعني حال التلفّظ بالسؤال .
( وغير المعيّن ) بكسر الياء اسم فاعل ( كمن يقول : يا ربّ أعطني ما تعلم فيه مصلحتي من غير تعيين لكل جزء من ذاتي ، لطيف وكثيف ) .يعني ما يناسبه ويلائمه.

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين:
منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن.
ومنها ما لا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.
فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً ما لا يخطر له سواه وير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف.)
إنما سميت الحكمة المنسوبة إلى شيث نفثية ، لأن الحق تعالى باعتبار تعينه الذاتي الجامع للتعينات كلها الذي هو علمه بذاته.
له أحدية الجمع المخصوصة بالإنسان الحقيقي المعبر عنه بآدم ، لأنه صورته وهو الوالد الأكبر الأول ،فلزم أن يكون المولود الأول من مرتبة المفيضة التي تليه.
فهو الإيجاد المسمى بالنفث الرحمانى والنفث بث النفس الواحد.
وذلك هو الوجود الخارج المنبسط على الماهيات القابلة له الظاهرة به وهو إذا اعتبر من حيث أنه واحد أي من حيث حقيقته كان اسم النور من أسماء الله المخبر عنه في التنزيل
بقوله تعالى :" الله نُورُ السَّماواتِ والأَرْضِ ".
- وباعتبار وقوعه على القوابل والمحال وعروضه للماهيات ، سمى الظل الممدود في قوله تعالى : " أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ".
وبهذا الاعتبار يسمى العطاء الذاتي ، لأن هذا الفيض من حيث حقيقة الواحدية اسم الله تعالى ليس بينه وبين الذات واسطة .
وباعتبار تعدده وتنوعه في القوابل وتعينه بها كان عطايا اسميا ومعنى لفظة شيث : عطاء الله ، ولما كان حصول الوجود في الأشياء إنما يكون بالإيجاد الذي هو انبثاث النفس الرحمانى . سميت حكمته حكمة نفثية ، وهو العلم بالأعطية الحاصلة بالنفث .
ومن هذا ظهر انقسام العطايا إلى القسمين المذكورين ، كما قال الشيخ قدس الله روحه:
قال الشيخ رضي الله عنه: " اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدى العباد وعلى غير أيديهم على قسمين ،منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية ويتميز عند أهل الأذواق ، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معين وعن سؤال في غير معين ، ومنها ما لا يكون عن سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية وأسمائية ، فالمعين كمن يقول : يا رب أعطنى كذا ، فيعين أمرا ما لا يخطر له سواه ، وغير المعين كمن يقول : أعطني ما تعلم فيه مصلحتى "
لأن كل ما لم يكن بينه وبين الذات واسطة أو وسائط كان إعطاء ذاتية .
وكل ما كان بينه وبين الذات واسطة أو وسائط كان إعطاء أسمائية .
والذوق يحكم بالامتياز ويدرك العطاء الأسمائى في ضمن العطايا الذاتي والعقل يعقل العطاء الذاتي في ضمن الأعطية الأسمائية .
قوله فالمعين بكسر الياء أي السائل المعين ، كمن يقول أو بفتحه أي السؤال المعين ، كسؤال من يقول على الإضمار .
ولما قسمها إلى الذاتية والأسمائية وأحال التمييز إلى الذوق قسمها باعتبار آخر إلى أقسام مدركة بالحس ، وشبه التقسيم المذكور في امتياز الأقسام به لا باعتبار آخر .
أي يتميز القسمان المذكوران بالذوق كما تتميز هذه الأقسام بالعقل بل بالحس وكلامه ظاهر إلى قوله:  ( من غير تعيين لكل جزء ذاتى من لطيف وكثيف ) أي من غير تفصيل لما أجمله في قوله أعطنى ما تعلم فيه مصلحتى.
فإن ما تعلم مجمل يحتمل اللطيف أي الروحاني كالعلم والحكمة ، والكثيف أي الجسماني كالمال والولد أو مجموعهما لا يخطر شيئا من الأشياء المعينة بباله .
وفي بعض النسخ :
لكل جزء من ذاتى لطيف وكثيف ومن بيانية والمراد بالذاتي ما تحقق حقيقة المطلوب وذاته ، فإن ما تعلم فيه مصلحتى أمر عارض لكل عطاء مطلوب.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين:
منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن.
ومنها ما لا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.
فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً ما لا يخطر له سواه وير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف.)
قال رضي الله عنه : "النفث" لغة إرسال النفس رخوا. ويستعمله أرباب العزائم عقيب الدعاء لزوال المرض.
وهنا استعارة عن إلقاء الحق العلوم الوهبية والعطايا الإلهية في روع هذا النبي وقلبه.
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث في روعي: أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها. ألا، فأجملوا في الطلب". - الحديث.
ومعنى "شيث" في اللغة العبرانية، "هبة الله" تعالى. وهو أول من وهبه الله
تعالى آدم بعد تفجعه. وهو أول من وهبه الله تعالى على فقد هابيل فعوضه الله تعالى عن هابيل شيث.
ولما كان آدم تعينا أوليا إجماليا مشتملا مرتبته على جميع مراتب العالم وأراد الله أن يبين ويفصل ذلك الإجمال بحسب "النفس الرحماني" الذي هو عبارة عن انبساط الوجود على الأعيان الثابتة من حضرة "الوهاب" و "الجواد" الذين عليهما يتفرع "المبدئ" و "الخالق" وكان يعد المرتبة الإلهية المرتبة المبدئية والموجودية وهي لا تحصل إلا بنفث النفس الرحماني في الوجود الأعياني ليكون ظاهرا كما كان باطنا، أورد الحكمة الإلهية وخصصها بالكلمة "الشيثية"التي هي بعد التعين الأولى ومظهر التجلي الجودي، فطابق اسمه مسماه.
ولما كان تعينه بحسب الفيض الجودي والمنح الوهبي، شرع (رض) في تحقيق العطايا وبيان أقسامها:
فقال رضي الله عنه : "اعلم، أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون" أي، الحاصلة في الوجود الخارجي. (على أيدي العباد) أي، بواسطتهم، كالعلم الحاصل
للمتعلم والمريد من المعلم والشيخ، وكالحاصل للكمل بواسطة الملائكة وأرواح الأنبياء، عليهم السلام، والأقطاب بعدهم. (وعلى غير أيديهم) كالعلم الحاصل لهما من باطنهما من غير تعليم المعلم وإرشاد الشيخ، بل من الوجه الخاص الذي يلي الحق المتجلى به لكل موجود.
ويجوز أن يراد بقوله رضي الله عنه :: (على أيدي العباد وعلى غير أيديهم) الأسباب الظاهرة فقط.
(على قسمين: منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية، وتتميز عند أهل الأذواق) أي، ينقسم على قسمين: عطايا ذاتية، وعطايا أسمائية.
والمراد بالعطايا الذاتية ما يكون مبدأه الذات من غير اعتبار صفة من الصفات معها، وإن كان لا يحصل ذلك إلا بواسطة الأسماء والصفات، إذ لا يتجلى الحق من حيث ذاته على الموجودات إلا من وراء حجاب من الحجب الأسمائية. وبالأسمائية ما يكون مبدأه صفة من الصفات من تعينها وامتيازها عن الذات.
وللأول مراتب:
أولها، (الفيض الأقدس) الذي يفيض من ذاته على ذاته، فيحصل منه الأعيان واستعداداتها  وثانيها، ما يفيض على الطبائع الكلية الخارجية من تلك الأعيان.
وثالثها، ما يفيض منها على أشخاصها الموجودة بحسب مراتبها.
وهذه العطايا الذاتية لا يزال يكون إحدى النعث كقوله تعالى: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر".
وبحسب الأسماء والصفات ومظاهرها، التي هي القوابل، يتكثر ويتعدد.
والعطايا الأسمائية بخلافها، إذ الصادر من الاسم (الرحيم) يضاد ما يصدر من (المنتقم) لتقيد كل منهما بمرتبة معينة. ومصدر العطايا الذاتية من حيث الأسماء هو الاسم (الله) و (الرحمن) و (الرب) وغيرها من أسماء الذات. وقد تقدم بيانها في فصل الأسماء.
وأهل الكشف والشهود يفرق بينهما عند حصول الفيض والتجلي، ويعرف منبع فيضانه بميزانه الخاص له الحاصل من كشفه.
والمراد بأهل الذوق من يكون حكم تجلياته نازلا من مقام روحه وقلبه إلى مقام نفسه وقواه، كأنه يجد ذلك حسا فيدركه ذوقا، بل يلوح ذلك من وجوهم.
قال تعالى: "يعرف في وجوههم نضرة النعيم". وهذا مقام الكمل والأفراد، ولا يتجلى الحق بالأسماء الذاتية إلا لهم.
(كما أن منها) أي، من العطايا.
(ما يكون عن سؤال) أي لفظي. (في معين وعن سؤال في غير معين) شبه إنقسام العطايا بالذاتية والأسمائية من جهة الفاعل بانقسامها بالقسمين من جهة القابل:
أحدهما ما يكون عن سؤال، أي عن طلب العبد، إما في أمر معين كطلب العلم واليقين، أو غير معين كما يقول:
اللهم أعطني ما فيه مصلحتي، فإنك أعلم بحالي وما فيه صلاحي.
وثانيهما قوله: (ومنها ما لا يكون عن سؤال) أي، سؤال لفظي.
فإن السؤال لا بد منه إما بلسان القال أو الحال أو الاستعداد.
قال رضي الله عنه : (سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.) (الأعطية) جمع (عطاء)، كالأغطية جمع (غطاء.)
قال الشيخ رضي الله عنه: (فالمعين كمن يقول: يا رب أعطني كذا. فيعين أمرا ما لا يخطر له سواه) أي،سوى ذلك الأمر. (وغير المعين كمن يقول: يا رب أعطني ما تعلم فيه مصلحتي المعين) بفتح الياء.
أي، فالسؤال المعين كسؤال من يقول: يا رب أعطني كذا. وبالكسر، على أنه اسم فاعل، لا يناسب ما ذكره في التقسيم وهو قوله: (ما يكون عن سؤال في معين) .
وإن كان مناسبا لقوله: (كمن يقول يا رب أعطني) ولايحتاج إلى تقدير السؤال.
(من غير تعيين لكل جزء ذاتي من لطيف وكثيف) أي، بلا تعيين للأجزاء المنسوبة إلى الذات، اللطيفة الروحانية، كالروح والقلب والعقل وقواها، أو للأجزاء الكثيفة البدنية، كالقلب والدماغ والعين.
كما عين النبي، صلى الله عليه وسلم، في دعائه بقوله: (اللهم، اجعل لي في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا...) - الحديث.
وفي بعض النسخ: (لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف).
أي، كمن يقول: أعطني لكل جزء من ذاتي ما فيه مصلحتي من غير تعين المطلوب من لطيف وكثيف ففيه تقديم وتأخير.
وقوله رضي الله عنه: (لكل جزء) متعلق بـ (أعطني). وعلى الأول متعلق ب (تعيين). وقوله: (من غير تعيين) أي، للمطلوب.
وقوله رضي الله عنه: (من ذاتي) هو بتخفيف الياء، على الإضافة، لا بتشديدها الذي هو مرادف لجزء الماهية، لأنالجزء أظهر منه ولا يبين الأظهر بالأخفى.
وليس المراد بالذاتي هنا جزء الماهية ولا الأعراض الذاتية التي لها.
فقوله: (من ذاتي) صفة (لكل جزء). فـ (من) في قوله: (من ذاتي) للتبعيض.
وفي قوله رضي الله عنه : "من لطيف وكثيف" للبيان. والمبين يجوز أن يكون (ما) في قوله: (ما فيه مصلحتي) ومعناه: أعطني لكل جزء منذ اتي ما فيه مصلحتي من لطيف، كالعلوم والمعارف والأرزاق الروحانية، وكثيف، كالمال والولد والأرزاق الجسمانية.
ويجوز أن يكون المبين (لكل جزء) أي، لكل جزء من لطيف كالروح والقلب، وكثيف كأعضاء البدن. كما مر أولا. والظاهر أن تشديد (الياء) وحذف (من) تصرف ممن لا يعرف معنى كلامه.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين:
منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن.
ومنها ما لا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.
فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً ما لا يخطر له سواه وير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف.)
أي: ما يتزين به، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بالنفث الإلهي المسمى بالنفس الرحماني الذي به ظهرت آثار الأسماء الإلهية بطريق التنفس عنها لكونها حينئذ في تلك الأسماء بالقوة، فكانت كالكرب.
"النفث: بسكون الفاء والثاء المثلثة إرسال النفس وجوامع رتق، فلا يكون النفث إلا ريحا لا بد من ذلك، حتى يعم: أي يشمل المادة والصورة فكما أعطاه من روحه بريحه، أعطاه من نشأته الطبيعية من ريقه، فجمع له الكل في النفث بخلاف النفخ، فإنه ريح مجردة.
فالنفث هنا عبارة عن إفاضة النفس الرحماني الذي يحيي به كل موجود وعلى قلب ذلك النبي صلى الله عليه وسلم."
فأخرجها بطريق التنفس ونسب النفس إلى الرحمن؛ لأنه الاسم الكلي الذي به ظهرت تلك الآثار المسماة بالعطايا والمنح والهبات، ولم يكن ظهور الأسماء بذلك؛ لأنها لم تكن كالكرب في الذات لظهورها لها أزلا وأبدا .
بخلاف آثارها المتوقفة على وجود الحوادث، ظهر ذلك العلم بزینتیه وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى شيث عليه السلام ؛ لأنه أول من ظهر بهذا العلم، وهو الممد لكل من يتكلم فيه بعده غير الخاتم، وكان عطاء کاملا لأدم عليه السلام ؛ لأنه أول نبي في ذريته.
ولهذا سمي شيثا؛ لأن معناه بالعبرية هبة الله، وكان خروجه من آدم كخروج النفس؛ لأنه أول من ظهر سره فتم فيه هذا المعنى من حيث ذاته وعلمه واسمه وإمداده وحصوله من أبيه.
قال رضى الله عنه : "اعلم أن العطايا و المنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد و على غير أيديهم على قسمين:منها ما يكون عطايا ذاتية عطايا أسمائية
و تتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معين و عن سؤال غير معين.
و منها ما لا يكون عن سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.
فالمعين كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعين أمرا ما لا يخطر له سواه و غير المعين كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف و كثيف."
(اعلم أن العطايا والمنح) الفرق بينهما أن العطايا تختص بما يوهب فيه الأصل، والمنافع والمنح تعم ما يوهب فيه المنفعة وحدها، إذ يقال: المنحة للناقة التي يباح لبنها سنة ثم يرد إلى مالكها.
(الظاهرة في الكون) أي: الزائدة على أصل الوجود ولوازمه، فإنها من صور الأسماء، والمراد هنا آثارها (على أيدي العباد وعلى غير أيديهم)، ذكر ذلك ليشعر من أول الأمر أن العطايا الذاتية يجوز كونها بالواسطة إذ لا تأثير لها، وإن كانت السنة الإلهية جارية بفعل المسببات عند تحقق أسبابها، لكن ليس فعله بها.
قال الشيخ رضي الله عنه: (على قسمين: عطايا ذاتية) أي: منسوبة إلى الذات لعدم الاسم الذي هو الواسطة، أو لانتسابها إلى اسم تارة وإلى آخر أخرى فتنسب إلى الأصل، وليس المراد ما يكون بلا واسطة أصلا، لأن الذات من حيث هي غنية عن العالمين.
(وعطايا أسمائية) منسوبة إلى اسم معين؛ فلا تنسب إلى الذات، وإن كانت أصلا ليظهر بذلك جهة نسبتها إلى الذات لتيسير تحصيلها بتلك الجهة بدعوة ذلك الاسم.
(وتتميز) هذه العطايا (عند أهل الأذواق) لعسر إقامة البرهان العقلي على بيان انتساب كل عطاء إلى ما نسب إليه من اسم أو غيره، بل إنما يعرف ذلك بالذوق والوحيد إن ثم شبه هذا التغيير وعدمه من جهة الفاعل القابل من جهة القبول، فقال: (كما أن منها ما يكون عن سؤال في) أمر (معين) .
ومنها ما يكون (وعن سؤال في) أمر (غیر معین) لكن لم يصرح بقوله: ومنها؛ لأنهما كقسم واحد، فإن ما ينسب إلى اسم غير معين حقه ويجعل من العطايا الأسمائية إلا أن المقصود من تلك النسبة وهو تيسر تحصيل ذلك المطلوب عن دعوة ذلك لما تعذر ها هنا نسب إلى الذات من حيث أنها الأصل.
فالذاتي الحقيقي ما لا ينتسب لاسم لخفائه، وهو المشار إلى ما شبه به هو بقوله: (ومنها ما لا يكون عن سؤال) في معين، ولا في غير معين، وسيصرح بكونه هو القسم الثاني.
ثم أشار إلى أنه وإن شبه الأسماء شبه بما يكون عن سؤال في معين، والذاتي بما يكون عن سؤال في غير معين أولا عن سؤال فالمشبه به إذا كان عن سؤال في معين لا يلزم وإن يكون عطاء أسمائنا.
وكذا ما يكون عن سؤال في غير معين أو عن سؤال إن يكون عطاء ذاتيا بل السؤال في معين وغيره وعدمه يعم الكل.
فقال: (سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية) فإن كون الحاصل عن السؤال في معين مشبها به للعطاء الاسم لا يستلزم كونه عطاء اسميا.
وكذا كون الحاصل عن السؤال في غير معين أولا عن السؤال مشبها به للعطاء الذاتي لا يستلزم كونه عطاء ذاتيا.
ثم مثل المشبه به بعد الإشارة إلى أنه لا يمكن تمثيل المشبه، بل إنما يتميز عند أهل الأذواق.
فقال: (فالمعين) أي: فالمسئول فيه المعين (كمن) أي: كمسئول من (يقول: يا رب أعطني كذا، فيعين أمرا ما) بشخصه ويستلزم ذلك جميع ذاتياته وأعراضه المشخصة وغيرها.
ثم بالغ في تعيينيه بقوله: (لا يخطر له سواه) مما دل عليه لفظه بالتضمن أو الالتزام مما يدخل تحت كليات هذه هي المفهومات التضمنية أو الالتزامية، (وغير المعين كمن يقول: يا رب أعطني ما تعلم فيه مصلحتي) ، فيذكر عرضا عاما للمسئول عنه
(من غير تعيين لكل جزء)، أي: لشيء من أجزائه (من ذاتي) فضلا عن الأعراض فضلا عن مشخصاتها (من كثيف) کالأجزاء العقلية مثل الحيوان الناطق للإنسان (ولطيف) کالأجزاء الحسية كالوجه والرأس والرقبة له، وهذا مبالغة في عدم التعيين، إذ هو بالأعراض المشخصة الكائنة بعد الأعراض اللاحقة للأجزاء الذاتية، فإن لم يتعرض للأسبق لم يتعرض لما بعده أصلا، ولما فرغ عن بيان حرية قبول المسئول فيه؛ شرع في بيان جهة السؤال تنبيها على أنه لابد من جهة الفاعل هي أسماؤه حتى في العطايا الذاتية على ما تأتي الإشارة إليه في أنه لا بد من سؤال الاستعداد وجهة في القابل في القبول، وهي سؤاله وجهة توجب ذلك السؤال فيه.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين: منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن.  ومنها ما لا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية.  فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً ما لا يخطر له سواه وير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف.)
فص حكمة نفثية في كلمة شيثية
و وجه اختصاص هذه الحكمة بشيث هو أنها كاشفة عن وجوه امتیاز قوالب القوابل بحسب ما تطلبه ألسنة استعداداتهم من عطايا الحقائق الشهودية وعوارف المعارف الوجودية ، فهو أول ما يتولد من الوالد الأكبر .
وأيضا الشيث : هبة الله - لغة - وهي التي فتح بها أبواب خزائن الكمالات ، شهودية كانت أو وجودية .
وهاهنا تلويح من الرقوم : وهو أن الحرفين (ش ث) الذين قد استكمل فيهما سائر الكمالات الشهودية والثبوتية ، قد اشتمل عليها « شیث »، وهي الكلمة الجامعة لخصوصيات بني آدم ، الفاصلة لأحكامها الامتيازية ، الحاصلة من النفث الوجودي والنفس الرحماني ؛ ولذلك بين في هذا الفص أمر الخاتمين ، وانساق الكلام فيه إلى من انختم به باب هذا النوع من الظهور - ولا تغفل عن العقدين أيضا .
وإذا كان المقصد الأقصى في هذا الفص إنما هو الفحص عن مراقي كمالات بني آدم ، والاستقصاء في مواقف معارفهم ومواطن أذواقهم ومشاربهم من مبادئ أصل شجرة ظهور تلك الكلمة إلى نهاية استواء ثمرتها ، وذلك هو الذي لوح إليه الحرفان الظاهر بهما ياء الجمعية ، أعني شين الشجرة وثاء الثمرة .
على ما أفصح عنه الكلمة الشيثية الكاشفة عن القابل ، الذي جمع في ياء نسبته الأصلية الجمعية خصوصيتي شين الشجرة وثاء الثمرة .
وكأنك وقفت عليه عند الكلام في القبضتين - أشار إلى تقسيم يخرج صنفا صنفا منهم ، و يبين وجوها يتمايز بها بعضهم عن البعض ، تمايزا ذاتيا .
فإن أسئلة السائلين هي الأصل المقوم لخصوصيتها المترتبة عليها ، مبتدءا من الأصل الأنزل ، متدرجا في تلك المواقف ، و مترقيا في مدارج كمالها إلى الحضرة الختمية - بقوله :
( اعلم ان العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم ) - أي سواء كان بواسطة أو بغير واسطة - ( على قسمين : منها مایکون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية)  فتكون القسمة مربعة.

"وتتميز" الأقسام كلها " عند أهل الأذواق "، ضرورة أن ذوي العقول وأرباب الأنظار الفكرية إنما يستوهبون المطالب من الأسباب المعدة ، و يسلكون مسالك الأقيسة الموصلة إليها ، فهم محجوبون عن العطايا الذاتية والمواهب المقدسة عن التوسل بالوسائط .
وأيضا قولهم بالعلية ينافي ما يكون من أيدي العباد أن يروه من العطايا الذاتية ، وهو أحد الأقسام المذكورة .
قال رضي الله عنه : ( كما أن منها ما يكون عن سؤال في معين ، وعن سؤال غير معين، و منها ما لا يكون عن سؤال ) فهذه ثلاثة أقسام في الأربعة ، يحصل منها اثنا عشر صنفا، وإلى ذلك أشار بقوله : (سواء كانت الأعطية ذاتية ، أو أسمائية) .
" فالمعين" من السائلين "كمن يقول : يا رب أعطني كذا ، فيعين أمرا ما لا يخطر له سواه ".
( وغير المعين ) منهم ( كمن يقول : يارب أعطني ما تعلم فيه مصلحتي من غير تعيين لكل جزء ذاتي) روحانيا كان ذلك الجزء الذاتي من الغذاء المقوم له أو جسمانيا ، ( من لطيف ) العلوم والمعارف ، والأعمال المصفية للقلب ، المنورة للروح ، الهادية إليها.
( وكثيف ) کالمشتهيات و المستلذات ، وسائر الأغذية والأفعال المكدرة للقلب ، المظلمة للروح ، المظلة عن نحوها ؛ فلا يعين شيئا من ذلك في دعائه .
كما قيل :
وكلت إلى المحبوب أمري كله    ….       فإن شاء أحياني وان شاء أتلفا
وهذا مقام الواصلين إلى جماء الحب ولواء الولاء ، كما قيل :
ما بين ضال المنحني وظلاله   ….       ضل المتيم واهتدى بضلاله

وهذه الأقسام كلها باعتبار المعطى والمسؤول ، وباعتبار السائلين له تقسیم أخر إليه أشار بقوله:



.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 23:52 عدل 4 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأربعاء 26 سبتمبر 2018 - 12:21 من طرف عبدالله المسافر

الفقرة الثانية الجزء الثاني السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثانية الجزء الثاني :
شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (اعلم أن العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين:
منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن.
ومنها ما لا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية. فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً ما لا يخطر له سواه وير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف وكثيف.)
النفث : لغة إرسال النفس رخوا. وههنا عبارة عن إرسال النفس الرحماني
أعني : فاضة الموجود على الماهيات القابلة له والظاهرة به ، أو عن إلقاء العلوم الوهبية والعطايا الإلهية في نوع من أستعد لها. أي:  قلبه.
فالحاصل : أن خلاصة العلوم المتعلقة بالعطايا الحاصلة من مرتبة الغياضية والمبدئية و محل انتقاشها وهو القلب.
أو خلاصة العلوم الحاصلة على سبيل الوهب والتفضل لا على سبيل الكسب والتعمل.
أو محل انتقاشها متحققة في كلمة شيثية أحدية جمع روحه ويديه.
وإنما خصت الحكمة نفثية بالكلمة الشيثية، لأن ثبث عليه السلام كان أول إنسان حصل له العلم بالأعطيات الحاصلة من مرتبة المصدرية والمفيضية ونزلت عليه العلوم الوهبية.
ولما كانت أول المراتب المتعلقة التعيين الجامع للتعينات كلها وله أحدية الجمع وكانت المرتبة التي تليه مرتبة المصدرية والفیضانية التي هي عبارة عن نفث النفس الرحماني في الماهيات القابلة.
وكان آدم عليه السلام صورة المرتبة الأولى كما كان شيث عليه السلام عالما بالعناية الحاصلة من المرتبة الثانية علما وهبيا  قدم المعنی الآدمي في الذكر وجعل الفص الشيثي يتلوه موافقا للوجود الخارجي بتقسيم تلك العطايا.
قال رضي الله عنه : "اعلم أن العطايا و المنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد و على غير أيديهم على قسمين: منها ما يكون عطايا ذاتية عطايا أسمائية و تتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معين و عن سؤال غير معين. و منها ما لا يكون عن"
فقال رضي الله عنه مبتدئا : (اعلم أن العطايا) جمع عطية (والمنح) جمع منحة وهي العطية (الظاهرة في الكون ) مطلقة بل في الكون الجامع كما تدل عليه التقسيمات الآتية وغيرها الواصلة إلى مستعديها (على أيدي العباد).
أي بواسطة العباد المنفقين مما رزقهم الله تعالى من البشر كانوا أو من غيره .
كالعلم الحاصل للمتعلم من المعلم وللكمل بواسطة الملائكة والأرواح البشرية الكاملة (أو على غير أيديهم وهي على قسمين) أي بغير واسطتهم كما إذا تجلى الحق سبحانه بالوجه الخاص وأورث ذلك التجلي علما ومعرفة .
ويجوز أن يقال : معناه الظاهر مطلقا وعبر واسطتها.
(منها ما يكون عطايا ذانية) منسوبة إلى ذات أحدية جمع جميع الأسماء الإلهية من غير خصوصية صفة دون صفة إذ الذات من حيث هي هي لا تعطي عطاء ولا تتجلى تجليا (و) منها ما يكون (عطايا اسمائية) يكون مبدؤها خصوصية صفة من الصفات من حيث تعينها وتميزها عن الذات وسائر الصفات.
(وتتميز) العطايا الذاتية والأسمائية كل واحدة من الأخرى (عند أهل الأذواق) الذين دأبهم معرفة الحقائق ذوقة وكشفا لا نظرة وكسبأ .
و بهذين القسمين صارت القسمة مربعة .
قال رضي الله عنه : " كما أن منها ما يكون عن سؤال في معين و عن سؤال غير معين.
و منها ما لا يكون عن سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية. فالمعين كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعين أمرا ما لا يخطر له سواه . و غير المعين كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي من غير تعيين لكل جزء من ذاتي لطيف و كثيف. "
ثم أشار إلى تقسيم آخر وقال (كما أن منها)، أي من العطايا (ما يكون عن سؤال) صوري (في) مسؤول (معین و) عن (سؤال غير معین) بإضافة السؤال إلى غير أو بنوصيفه به على أن يكون وصفة حال المتعلق أي سؤال غير معين مسؤوله.
وفي بعض النسخ:
وعن سؤال غير معین (ومنها ما لا يكون عن سؤال) صوري فإن العطاء لا بد له من سؤال.
إما بلسان المقال أو الحال أو الاستعداد (سواء كانت العطية) الحاصلة على الوجوه الثلاثة أي على كل واحد منها (ذاتية أو أسمائية) .
وإنما أعاد ذلك تنبيها على أن هذين القسمين يجريان في كل من الوجوه الثلاثة، وبضرب الأقسام الأربعة السابقة في هذه الوجوه الثلاثة يحصل اثني عشر قسما (فالمعين كمن يقول)، أي فالمسؤول المعين كمسؤول من يقول : (یا رب أعطني كذا فيعين أمرأ ما) من الأمور كالعلم والمعرفة وغيرهما.
قال الشيخ رضي الله عنه: (لا يخطر له) بالقلب عند السؤال (سواه)، أي سوى ذلك الأمر .
(وغير المعين كمن يقول)، أي وغير المسؤول المعين كمسؤول من يقول : (یا رب أعطني ما تعلم فيه مصلحتي).
وقوله : (من غير تعيين)، أي من غير تعيين مسؤول معين من كلام الشيخ لا من كلام السائل .
كما كان قوله : فيعين أمر ما في المسؤول المعين من كلامه لا من كلام السائل. 
وقوله : 
(لكل جزء ذاتي)، أي أحدية جسمي و روحي من كلام السائل والمراد به الإشارة الإجمالية إلى ما فصله النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه.
حيث قال : "اللهم اجعل لي في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا " حديث البخاري، ولا وجه تتعلق اللام في لكل جزء إلى التعيين وإن فرض أنها من كلام متكلم واحد.
إذ المراد ههنا تعيين المسؤول لا المسؤول له وقوله : (من لطيف) روحاني (وكثيف) جسمانی بیان الجزء ولو جعل بيانا لما تعلم فيه مصلحتي.
فاللطيف هو الأغذية الروحانية كالعلوم والمعارف والكثيف هو الأغذية الجسمانية كالأطعمة والأشربة.

.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 18:33 عدل 4 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأربعاء 26 سبتمبر 2018 - 12:56 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثالثة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.
والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنها لا تُنَال إِلا بعد السؤال‏، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان.
ولو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل.)
قال الشيخ رضي الله عنه : و السائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.
و الصنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أن ثم أمورا عند الله قد سبق العلم بأنها لا تنال إلا بعد السؤال ،
فيقول: فلعل ما نسأله فيه سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم الله و لا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان.
و لو لا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل.
(والسائلون)، أي الذين يطلبون من الله تعالى حوائجهم ومصالحهم (صنفان) :
الصنف الأول : (صنف بعثه)، أي إهاجة وأثاره (على السؤال)، أي الطلب من الله تعالى (الاستعجال) بحاجته من غير تأخير لها (الطبيعي)، أي المركوز في طبيعة الآدمي من أصل خلقته بأن جرى على مقتضى عادته وجبلته من غير تكلف وصاحب هذا القسم من العامة (فإن الإنسان) من بني آدم ذكرا أو أنثى (خلق)، أي خلقة الله تعالی (عجولا)..
أي كثير العجلة في الأمور لما أنه منفوخ فيه من روح دون غيره من الحيوان، وروح الله من أمر الله وأمر الله كلمح البصر، فاقتضى العجلة.
لذلك قال تعالى : " وما أعجلك عن قومك يا موسى "83 سورة طه .
قال :"قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك ربي لترضى " 84 سورة طه.
فقد عجل عن قومه إلى ربه فأسرع مفارقتهم وهو لمح البصر الذي شبه به أمر الله تعالى : "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " 50 سورة القمر .
والتحق بأمر الله تعالى زيادة كشف له عما هو فيه، فلزم من ذلك أن قومه عبدوا العجل المشتق من العجلة التي كانت له عليه السلام في مفارقتهم.
وزعموا أن ما عجل إليه وهو ربه عين ما عبدوه هم لالتباس الأمر عليهم بالخلق حيث كان تعالى له الخلق والأمر: "فقالوا هذا إلهكم وإله موسى" 88 سورة طه.
وقال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم : "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه "114 سورة طه.
والقرآن أمره تعالى الذي ظهرت عنه خلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو التفاته إلى عالم الأمر في وقت التبليغ، فنهى عن ذلك لئلا يقع الإجمال في تفصيله فيخرج عن كونه عربيا مبينا .
(والصنف الآخر) : من السائلين (بعثه على السؤال)، أي طلب حاجته من ربه (لما علم) يقينا بطريق الإجمال (أن ثمة)، أي هناك يعني في عالم القضاء والقدر (أمورا) غير معلومة بالتفصيل (عند الله) تعالی بيان لقوله ثمة (قد سبق العلم) الإلهي (بأنها)، أي تلك الأمور (لا تنال)، أي لا تحصل لأحد (إلا بعد سؤال) منه لها بأن يدعو الله تعالى بحصولها فتحصل له لما أن ذلك السؤال من جملة ما سبق به العلم القديم.
فكون تلك الأمور لا تحصل إلا بالسؤال كونها مرتبة عليه في حضرة علم الله تعالى، فإذا حصل السؤال حصلت تلك الأمور، ولا بد أن يحصل السؤال فلا بد أن تحصل تلك الأمور.
وليس توقفها على ذلك السؤال توقف مشروط على شرط إلا بحسب ما يظهر للعقول إن الله غني في إيجاد كل شيء عن الاحتياج إلى شيء، بل توقفها على السؤال توقف أحد المترتبات على ما قبله .
قال الشيخ رضي الله عنه: (فيقول) ذلك الصنف الآخر من السائلين (لعل ما)، أي الذي (نسأله)، أي نطلبه منه (سبحانه) وتعالى من الأمور (یکون)، أي يوجد في علم الله تعالى (من هذا القبيل) قد سبق العلم الإلهي بأنه لا يحصل إلا بعد سؤال (فسؤاله) ذلك (احتياط)، أي قبوله واعتباره لما يجده فيه من السؤال الذي قدره الله تعالى عليه وخلقه فيه غير مذموم عنده لاحتمال أن يكون ذلك المطلوب له مترتبا في علم الله تعالى على ذلك السؤال فهو يحتاط (لما هو الأمر عليه) في نفسه (من الإمكان) السائغ عنده في بعض الأمور التي يعطيها الله تعالى لعباده .
(وهو)، أي ذلك الصنف من السائلين (لا يعلم ما في علم الله) تعالى من خصوص الأمر الذي لا يحصل إلا بعد سؤال.
أو يحصل من غير سؤال إذ علم الله تعالى قديم لا يحل في حادث ولا يحل فيه حادث ، فيوجد فيه المعلوم الحادث على حسب ما يليق بقدمه، فهو قديم ومعلومه قدیم، ويوجد في الحادث بما شاء الله تعالى.
كما قال  : "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " 255 سورة البقرة.
وإذا وجد في الحادث كان على حسب ما يليق بحدوثه، فهو حادث ومعلومه حادث، فصح أنه لا يعلم ما في علم الله تعالى أحد لا ملك ولا نبي ولا ولي .
وأما بالوحي والإلهام فهو إعلام بما يليق بالحادث لا بما يليق بالقديم، وهذا المقدار إذا وجد عند الحادث يصح أن يكون علم من علم الله تعالى وصل إليه وحيا أو إلها ما فيكون سؤاله حينئذ لذلك الأمر الذي علم أنه لا يحصل إلا بعد السؤال.
مبنيا على ما وجده من الوحي أو الإلهام، والوحي يفيد اليقين، والإلهام يفيد غالب الظن.
ويجوز بنیان مثل ذلك على غالب الظن، فيصير ذلك باعث على السؤال عنده (و) هو (لا) يعلم أيضا (ما)، أي الذي (يعطيه استعداده)، أي تهيؤه بنفسه (من القبول) لذلك الأمر الذي طلبه من الله تعالى و لسؤاله قبله أو لسؤاله فقط أو لحصوله فقط (لأنه من أغمض)، أي أدق وأخفى (المعلومات عند العباد الوقوف)، أي الاطلاع والكشف (في كل زمان فرد)، وهو الجزء الذي لا يتجزأ من الزمان وهو یوم الله الذي قال تعالى عنه : "كل يوم هو في شأن" 29 سورة الرحمن.
وقال لموسى عليه السلام: "وذكرهم بأيام الله" 5 سورة إبراهيم.
في كل يوم من أيامه هذه، أمر هو شأنه في ذلك اليوم وهو اليوم الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار.
كما قال تعالى في وصف العارفين به: "يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)" سورة النور.
(على استعداد الشخص) لما استعد له (في ذلك الزمان) القليل من الأمور التي قدرها الله تعالى وقضى بها عليه في الأزل.
فإن لله تعالى على كل شخص بخصوصه قضاء وقدرا أزليين بأمور أرادها الله تعالى له من الأزل في كل لمحة بصر.
فالله تعالى : "كل يوم هو في شأن" 29 سورة الرحمن.
بالنسبة إلى خصوص كل إنسان، ولم يسبق قضاء الله تعالى وقدره على ذلك الشخص بخصوصيته بتلك الأمور التي أرادها الله تعالى له إلا على حسب ما استعد له ذلك الشخص في تلك اللمحة البصرية.
فوقوف ذلك الشخص على استعداده لتلك الأمور في تلك اللمحة البصرية من أصعب العلوم وأخفاها.
فسؤاله حينئذ مبني على عدم اطلاعه على استعداده ما هو، فهل هو استعداد للسؤال فقط من غير حصول المطلوب؟
أو استعداد الحصول المطلوب من غير سؤال، أو للسؤال و لحصول المطلوب معين فيسأل احتياطا لذلك.
قال رضي الله عنه : (ولولا ما أعطاه الاستعداد) الذي له في ذلك الزمان الذي سئل فيه (السؤال) الذي صدر منه (ما سأل) فسؤاله إنما كان منه على حسب استعداده فإن حصل مطلوبه في وقت سؤاله كان استعداده في ذلك الوقت السؤال و لحصول المطلوب معا، لهذا أعطاه الله تعالى ذلك على حسب استعداده له كما قال تعالى : "الذي أعطى كل شيء خلقه" 50 سورة طه.
فقبل ما استعد له من السؤال وحصول المطلوب .
وإن تأخر مطلوبه إلى وقت آخر وحصل له في وقت آخر من غير سؤال كان استعداده في ذلك الوقت الذي سئل فيه للسؤال فقط من غير حصول المطلوب، فأعطاه الله تعالى ما استعد له من ذلك.
كان استعداده في الوقت الآخر لحصول المطلوب فقط من غير سؤال، فأعطاه الله تعالى ذلك أيضا فحصل مطلوبه في ذلك الوقت الآخر من غير سؤال.
وإن لم يحصل مطلوبه لا في وقت سؤاله ولا بعده كان استعداده في وقت سؤال لسؤاله فقط.
فأعطاه الله تعالی ما استعد له من ذلك وهو سؤاله فقط.
ولم يستعد لحصول مطلوبه لا في وقت سؤاله ولا بعده، فلم يعطه الله تعالى ذلك. لأن العطاء على حسب الاستعداد ولا استعداد فيه إلا للسؤال فأعطاه السؤال فقط.
وإن حصل مطلوبه في وقت آخر لسؤال كان استعداده في ذلك الوقت للسؤال فقط من غير حصول المطلوب، فأعطاه الله تعالى السؤال بلا حصول المطلوب.
ثم إن كان استعداده في الوقت الآخر للسؤال أيضا ولحصول المطلوب فأعطاه الله تعالى ذلك فسأل وحصل مطلوبه.
وقد يكون استعداده في أوقات متعددة للسؤال فقط من غير حصول المطلوب، فيتكرر السؤال في تلك الأوقات كلها من غير حصول المطلوب ويكون حصول المطلوب في وقت آخر من غير سؤال.
فيحصل في ذلك الوقت بلا سؤال، وقد يكون بسؤال فيحصل بسؤال وهكذا أحكام السائلين والحاصلين على مطلوبهم إلى يوم القيامة .

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.
والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنها لا تُنَال إِلا بعد السؤال‏، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل.)
ولما فرغ عن بيان السؤال شرع في بيان مراتب السائلين فقال رضي الله عنه : (والسائلون) بلسان القال (صنفان صنف بعثه على السؤال) أي سبب طلبه العطایا قبل حلول أوانه (الاستعجال الطبيعي) أي الخلفي (فإن الإنسان خلق عجولا) وهو داخل تحت حكومة طبعه ومحجوب بأمر طبيعية وليس على علم بشيء على ما هو عليه.
(والصنف الآخر) مبتدأ (بعثه على السؤال) جواب (لما علم) وهو مع جوابه خبر المبتدأ (أن ثمة) أي في مقام العطاء (امورا) عطايا حاصلة (عند الله) تعالى (قد سبق العلم) أي علم الله تعالى (بانها لا تنال) أي لا ينال العبد إليها (إلا بعد سؤال) العبد من الله تعالى (فيقول) أي فيتفكر في قلبه.
(فلعل ما نسأله سبحانه يكون من هذا القبيل) فبعثه هذا العلم على سؤاله فأضمر فاعل بعثه وهو العلم لدلالة المقام عليه (فسؤاله) هذا (احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان) لئلا يفوت الأمر وهو العطاء لفوات شرطه وهو السؤال.
(وهو) أي هذا السائل وإن كان يعلم هذا لكن (لا يعلم ما في علم الله) تعالى ولكن لعل أن ما يسأله من قبيل ما عين له في علم الله.
(ولا ما يعطيه استعداده في القبول) أي لا يعلم قبول استعداده ولكن يساله لعله يقبل (لأنه) أي الشان (من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد) أي معين (على استعداد الشخص في ذلك الزمان) فإن ذلك أي العلم بما في علم الله تعالى والوقوف على الاستعداد في كل زمان لا يكون إلا للكمل.
فقوله : لأنه تعليل لهما (و) هو وإن كان لا يعلم هذا لكنه يعلم في ذلك الزمان أنه (لولا ما أعطاه الاستعداد للسؤال ما سأل) ولكن لا يعلم ما أعطاه الحق في الزمان الذي يكون فيه ولا يعلم في ذلك الزمان ما يقبل استعداده لعدم حضوره .
فبهذا القدر من العلم بالاستعداد يكون من أهل الحضور والمراقبة حتى خلص عن قيد سؤال الاحتياط وهو من أهل الطلب لأن همته متعلقة في حصول مطلوبه لا في امتثال أوامر سيده.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.
والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنها لا تُنَال إِلا بعد السؤال‏، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل.)
وقوله رضي الله عنه : "والسائلون صنفان صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا. والصنف الأخر بعثه على السؤال لما علم أن ثم أمورا عند الله قد سبق العلم بأنها لا تنال إلا بعد السؤال، فيقول: فلعل ما نسأله سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان، وهو لا يعلم ما في علم الله ولا ما يعطيه استعداده."
قلت: هذا كله ظاهر من تمثيل الشيخ، رضي الله عنه.
قوله رضي الله عنه: "ولا ما يعطيه استعداده في القبول لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولولا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل."
قلت: يعني بالاستعداد، التهيؤ للأمر ومن جملة الأمور السؤال، فلو لا أن السائل مستعد للسؤال ما سأل.
لكن من الناس من يعلم الاستعدادات ويعلم ما يقتضيه ومنهم من لا يعلم ذلك وهم الأكثرون.
فأما الذين يعلمون مقتضیات الاستعدادات تماما فهم الذين قطعوا السفر الثاني.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.
والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنها لا تُنَال إِلا بعد السؤال‏، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل.)
قال رضي الله عنه : ( والسائلون صنفان : صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي ، فإنّ الإنسان خلق عجولا . والصنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أنّ ثمّ أمورا عند الله قد سبق العلم بأنّها لا تنال إلَّا بعد السؤال ، فيقول : فلعلّ ما يسأله يكون من هذا القبيل فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان ، وهو لا يعلم ما في علم الله ، ولا ما يعطيه استعداده في القبول ، لأنّه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان .  ولولا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل) .
قال العبد : السائلون للعطايا الإلهية سواء كانت ذاتية أو أسمائية ، أو كانوا معيّنين لسؤالاتهم أو غير معيّنين كما ذكر الأمثلة إمّا أن يكونوا غير عالمين بما في علم الله وتقديره من وقوع المسؤول وعدم وقوعه ، وبما هم مستعدّون له في كل زمان فرد من الأزمنة وفي كل آن من الآنات ، أو عالمين بذلك وبما يعطيه استعدادهم .
فغير العالمين إمّا أن يكون الباعث لهم على الطلب والسؤال الاستعجال الطبيعيّ أو الاستعداد الحاليّ أو الاحتياط ، مع مجمل العلم بأنّ من الأعطيات الإلهية ما سبق علم الله وقدره أن لا ينال إلَّا بالدعاء إمّا بالنسبة إلى هذا السائل أو بالنسبة إليها في كل سائل.
فإن كان الاستعجال الطبيعيّ ، فهو إمّا أن يوافقه الاستعداد الحالي أو لم يوافق ذلك ، فإن وافق ، فلا بدّ من وقوع المسؤول ، وإن لم يوافق ،فقد لا يقع في الحال.
وإن كان الباعث الاستعداد الحاليّ والحال الاستعدادي ، فإنّ المسؤول يقع وينال ، سواء تلفّظ بالسؤال أو لا ، فإنّ السنّة الاستعدادات في السؤال لا تتأخّر عنها الإجابة .
وإن كان الباعث على الطلب والتلفّظ بالسؤال هو العلم بأنّ من المسؤولات والمطالب ما لا يدرك ولا يعطى إلَّا بعد السؤال ، فهو يسأل ويطلب احتياطا ، فقد يقع عين المسؤول إن كان الاستعداد تامّا ، وإن لم يوافق السؤال الاستعداد .
فيلبّي الله له في حال السؤال ، وتتأخّر الإجابة في عين المسؤول ، فإنّ التقدير عدم علم السائل بما في التقدير والاستعداد ، لكنّ الإمكان باق ، فيمكن بالنظر إلى السائل ومبلغ علمه أن يقع ، ويمكن أن لا يقع .
وباقتران الاستعداد للسؤال لا يبقى تأخّر ولا إمكان ، بل يجب وقوع عين المسؤول .
والوقوف في كل آن من الزمان على استعداد الشخص لا يكون إلَّا للكمّل والندّر من الأفراد فليس لكلّ أحد إدراك استعداده في كل آن ، حتى يسأل ما يستعدّ له في الحال ،فيقع.
وقد يكون على حال مستعدّ في زعمه لأمور فيسألها ولا يعلم حقيقة ، بل على وجه الإمكان ، فقد يقع وقد لا يقع ، كما ذكرنا ، فافهم .
قال رضي الله عنه : ( ولولا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل ) .
يشير رضي الله عنه إلى أنّ السؤال يدلّ على مطلق استعداد للسائل كامن فيه هو الباعث ، فلو اقترن الحال بالاستعداد ، لظهر ، وعدم الاقتران يوجب التأخّر إلى وقت الاقتران .


شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.
والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنها لا تُنَال إِلا بعد السؤال‏، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل.)
قال رضي الله عنه :  ( والسائلون صنفان : صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا ، والصنف الآخر : بعثه على السؤال لما علم أن ثم أمورا عند الله قد سبق العلم بأنها لا تنال إلا بعد سؤال ، فيقول فلعل ما نسأله سبحانه يكون من هذا القبيل فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان ، فهو لا يعلم ما في علم الله ولا ما يعطيه استعداد في القبول )
علمه فاعل بعثه الثاني لدلالة لما علم عليه أي بعثه على السؤال علمه بأن ثم أمورا عند الله قد سبق العلم بأنها لا تنال إلا بعد سؤال .
وفي الكلام تقديم وتأخير كان التقدير والصنف الآخر لما علم أن ثم أمورا عند الله قد سبق
العلم بأنها لا تنال إلا بعد سؤال بعثه علمه على السؤال . والباقي ظاهر .
قال الشيخ رضي الله عنه: " لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان " أي قد يقف الإنسان على استعداده لقبول شيء على الإجمال كما يقف أنه مستعد لقبول علم الفقه أو الطب وأمثال ذلك .
وأما وقوفه على استعداده لكل جزئى زمانى كوقوفه على أن الله يرزقه اليوم كذا وغدا كذا فلا سبيل له لقوله تعالى :  " وما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً " اللهم إلا أن يطلعه الله على بعضها .
قال الشيخ رضي الله عنه:( ولو لا ما أعطاه على الاستعداد السؤال ما سأل ) إشارة إلى أن كل ما يجرى على العبد في كل ساعة فهو باستعداد منه يقتضي ذلك الشيء له في ذلك الوقت.
حتى أن السؤال أيضا إنما يكون باستعداد منه اقتضى ذلك السؤال في ذلك الوقت وإلا لما أمكنه أن يسأله.


مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.
والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنها لا تُنَال إِلا بعد السؤال‏، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل.)
فقال رضي الله عنه : "والسائلون صنفان" أي، السائلون بلسان القال مع صرف الهمة إلى
المسؤول عنه صنفان.
وإنما قلت: (مع صرف الهمة إلى المسؤول عنه) لأن السائل الذي سئل امتثالا لأمر الله، لا طلبا لشئ من الكمالات لعلمه بحصول ما هو مستعد له في كل حين، سائل بلسان القال أيضا، لكن إتيانا بحكم (أدعوني أستجب لكم).
ولأنه تعالى يجب أن يسأل منه، كما قيل:
الله يغضب إن تركت سؤاله وسليل آدم حين يسأله يغضب ولما لم يكن همته متعلقة فيما سأل، فكأنه ليس من السائلين في الحقيقة.
لذلك قال: (صنفان).
وأورد الصنف الثالث بعد الفراغ من ذكر صنفين آخرين، كما يأتي بيانه (صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي، فإن الإنسان خلق عجولا)
أي، يسأل ويطلب الكمال قبل حلول أو انه.
(والصنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أن ثمة أمورا عند الله قد سبق العلم) أي، الإلهي.
(بأنها لا تنال إلا بعد سؤال) فيقول، فلعل ما نسأله سبحانه يكون من هذا القبيل.
فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان) أي، بعثه على السؤال علمه بأن حصول بعض المطالب مشروط بالسؤال والدعاء وإن كان البعض الآخر غير مشروط به، فيقول يمكن أن يكونالمطلوب من قبيل المشروط بالدعاء فيحتاط ويسأل.
وإنما أضمر فاعل (بعثه) لأن قوله: (لما علم) يدل عليه.
(وبعثه) جواب (لما) تقديره: والصنف الآخر لما علم أن ثمة أمورا عند الله قد سبقالعلم بأنها لا تنال إلا بعد سؤال، بعثه علمه عليه، أي، بعثه على السؤال علمه.
فالشرط مع الجزاء خبر المبتدأ. ويجوز أن يقال: لما علم، بكسر اللام على أنهللتعليل. أي، والصنف الآخر بعثه على السؤال علمه لكونه علم أن ثمة أموراعند الله لا تنال إلا بالسؤال.
(وهو لا يعلم ما في علم الله ولا ما يعطيه استعداده في القبول) أي، لا يعلمما عين له في علم الله من الكمال، ولا يعلم ما يعطيه استعداده الجزئي في كلوقت، ولا ما هو قابل له فيه.
(لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد) أي معين.
قال الشيخ رضي الله عنه: (على استعداد الشخص في ذلك الزمان). أي، لأن الشأن أن الوقوف على ما يعطيه استعداد الشخص في كل زمان معين من أغمض
المعلومات، إذ الاطلاع عليه موقوف على الاطلاع بما في علم الله تعالى، أو كتبه التي هي نسخ علمه:
كالعقل الأول الذي هو (اللوح المحفوظ)
والنفس الكلية التي هي (الكتاب المبين)
والنفس المنطبعة التي هي (كتاب المحو والإثبات) وإلا لا يمكن أن يقف عليه.
كما قال تعالى: "وما تدرى نفس ما ذا تكسب غدا".
(ولو لا ما أعطاه الاستعداد السؤال، ما سأل) أي، وإن كان يعلم إجمالا أنه لو لا طلب استعداده السؤال، ما سأل.


خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.
والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنها لا تُنَال إِلا بعد السؤال‏، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل.)
قال رضى الله عنه : "والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا. والصنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أن ثم أمورا عند الله قد سبق العلم بأنها لا تنال إلا بعد السؤال،
فيقول: فلعل ما نسأله فيه سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم الله ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان.
ولولا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل."
فقال: (والسائلون) في مبدأ سؤالهم في أمر معين أو غير معين (صنفان)(صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي) أي: الذي من طبعه الذي خلق عليه، (فإن الإنسان ځلق عجولا)، وقد بقي هذا السائل على ذلك فهو صاحب النفس الأمارة فلا يكون من أهل الحضور، ومع ذلك قد يكون عطاؤه ذاتيا، فلا وجه لتخصيصه بالكمل.
(والصنف الآخر) قد تزكت نفسه عن هذه الرذيلة فيكون من أهل الحضور، (بعثه على السؤال) علمه بأن بعض المطالب تتوقف على السؤال: (لما علم أن ثمة) أي: في التقدير الأزلي (أمورا) جليلة (عند الله، قد سبق العلم) الإلهي (بأنها) لجلالتها عند الله (لا تنال إلا بعد السؤال) المتضمن مزيد التذلل.
وقد يكون ذلك في الأمور الخسيسة أيضا؛ لكن السؤال بذلك لا يكون من أهل الحضور وتوقفها على سؤالهم ليظهر خستهم، فإذا كان سؤال أهل الحضور من هذا القبيل.
قال الشيخ رضي الله عنه: (فيقول: فلعل ما نسأله فيه سبحانه يكون من هذا القبيل) فيه إشارة إلى أنه ليس من شأن الكامل ترك السؤال؛ لأنه كالاعتراض على الله تعالى، والاختيار عليه، وترك الرضا بما عنده.
بل إنهم يسألون لما علموا من رضاه في ذلك المزيد التذلل عنده، وتوقيفه المسئول عليه فليس فيه اعتراض عليه، ولا اختيار، ولا ترك رضا.
وإنما قال : لعل؛ لأنه يخاف من نفسه أن يكون بدعة للطمأنينة قبل الاتصاف بها كما قال يوسف الي عن نفسه: "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء" [يوسف: 53]، وفيه تنبيه للمريدين؛ فإنهم لا يسوغ لهم الحزم في أمثال هذه المواضع.
ثم أشار إلى وجه كونه ليس باعتراض، ولا اختيار، ولا ترك رضا بقوله: (فسؤاله احتياط لما هو الأمر) أي: أمر المسئول أي: التقدير الأزلي (عليه من الإمكان) أي: من إمكان توقفه على السؤال، فإن توقف فلا يفوته بترك السؤال مع أنه أمر جليل عند الله، وإن لم يتوقف حصل بكل حال مع ما في السؤال من مزيد التذلل.
ولما توهم من قوله فسؤاله احتياط أنه يناقض قوله، لما علم أشار إلى دفعه بقوله: (وهو) أي: هذا السائل بطريق الاحتياط (لا يعلم ما في علم الله) هل هو متوقف على السؤال أم لا، وحضوره مع الله تعالى، وتزكية نفسه عن رذيلة الاستعجال لا يستلزم كونه مطلقا على العلم الأزلي تفصية.
وإن صار مکاشفا به إجمالا كيف وهو لا يعلم ما هو أقرب من ذلك، إذ (لا) يعلم (ما يعطيه استعداده في القبول ) قيد بذلك؛ لأنه قد علم بالكشف الحاصل عن تزكية نفسه أنه قد حصل له استعداد السؤال لا محالة على ما سيصرح به؛ (لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد) قيد بذلك؛ لأنه قد يتيسر لأمل الحضور الوقوف على استعداده لأمر ما في بعض الأزمنة.
لكونه مکاشفا قد تزکت نفسه مع أنه يعسر عليه الوقوف في كل زمان فرد (على استعداد الشخص) لما يقبله (في ذلك الزمان) ؛ لأن غاية ما يحصل بالتزكية في حق الأكثرين الوقوف الإجمالي دون التفصيلي حتى قال أكمل الخلائق: "ولا أعلم الغيب" [الأنعام: 50]، أي: كله.
وقال تعالى: "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير" [الأعراف: 88].
بل لا يمكن معرفة الغيب على الوجه الكلى الأكمل إلا للرسل لقوله تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول " [الجن: 26، 27]
ثم أشار إلى فائدة التقييد بقوله: «في القبول»، وهو الاحتراز عن الوقوف على استعداد السؤال؛ فإنه لا يمتنع عليه غالبا بقوله: (ولولا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل) ضرورة أنه لو لم يتوقف الفيض على الاستعداد لوجب أن يحصل لكل أحد كل شيء؛ لعموم الجود الإلهي.
وفيه إشارة إلى أن استعداد السؤال لا يستلزم استعداد القبول أيضا سؤالا لكنه سؤال خفي غير لفظي ولا حالي، وإذا كان كل ما يجري على العبد متوقفا على استعداده مع أنه يعسر عليه الوقوف في كل زمان فرد على ذلك، وإن بلغ رتبة الحضور والكشف

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا. والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنها لا تُنَال إِلا بعد السؤال‏، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولولا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل.)
وهذه الأقسام كلها باعتبار المعطى والمسؤول ، وباعتبار السائلين له تقسیم أخر إليه أشار بقوله: (و السائلون ) منهم أيضا (صنفان : صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي، فإن الإنسان ځلق عجولا ) وذلك لأن من شأن الطبيعة وطين قابليتها اللازب أن يلتصق بما يستشعر فيه كماله عاجلا.
المبين ( والصنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أن تم أمورا عند الله قد سبق العلم بأنها لا تنال إلا بعد سؤال ) وفي الكلام تقديم وتأخير ، أي " لما علم أن ثم أمورا ، بعثه علمه " .
وهذا الصنف أعلى السائلين المحجوبين مرتبة ، حيث أن الباعث لسؤاله هو العلم ، فلذلك تراه مترقيا من العلم إلى القول.
حيث قال : ( فيقول : « فلعل ما نسأله سبحانه يكون من هذا القبيل » ، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان ) أي إمكان أن يكون مطلوبه مما علق بالسؤال ، وإن لم يعلم ذلك يقينا ، فإن ذلك موقوف على الاطلاع بما في علم الله .
(وهو لا يعلم ما في علم الله ولا ما يعطيه استعداده في القبول) إذ لو علم ذلك لعلم ما في علم الله أيضا ، لأنه تابع له .
ولا يبعد الاطلاع على خصوصيات كل استعداد بما يناسبه من الأمور إجمالا للمفترسين ، کالوقوف على قابلية واحد للطب ، والآخر للفقه ، والآخر للحساب وغير ذلك من الصنائع والحرف، إنما الكلام في تفاصيل خصوصیات تلك الاستعدادات بحسب الأزمنة والأوقات ، ومايصلح له في كل حين منها
(لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان).
كما للسائل إذا كان من أهل الحضور ، فإنه يعرف مقتضى حاله ( و) أنه ( لولا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل ، فغاية أهل الحضور)- يعني القاطعين منازل فيافي العلل وبيداء الأسباب ، القادمين من مسالك أهل البعد وأقاصي المقامات.

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.
والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنها لا تُنَال إِلا بعد السؤال‏، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل.)
قال رضي الله عنه : " و السائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا.  و الصنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أن ثم أمورا عند الله قد سبق العلم بأنها لا تنال إلا بعد السؤال ،
فيقول: فلعل ما نسأله فيه سبحانه يكون من هذا القبيل. فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم الله و لا ما ".
ولما فرغ من هذه التقسيمات أشار إلى تقسيم آخر باعتبار السائلين
فقال : (والسائلون) بالقول : الذين ليسوا من أهل الحضور ومراقبة الأوقات، وإنما قيدنا بذلك لئلا يرد على السائل لمحض امتثال الأمر كما سيجيء.
فهؤلاء السائلون (صنفان صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا) فهو إما أن يوافقه الاستعداد الحالي فيقع، وإما أن لا برافقه فلا يتع.
(والصنف الآخر بعثه على السؤال) علمه (لما علم) بتشديد اللام وحينئذ يكون قوله : بعثه جوابا له بحسب المعنى في حكم المتأخر عنه فيصح إضمار الفاعل فيه وإرجاعه إلى العلم المفهوم من علم.
ويكون تقدير الكلام: والصنف الآخر لما علم أن ثمة عند الله أمورة كذا بعثه علمه على سؤال، فلما مع جوابه خبر المبتدأ .
وقيل : يحتمل أن يكون بكسر اللام على أنه للتعليل، أي بعثه علمه على السؤال لم علم (أن ثمة أمورا) وفيه إضمار قبل الذكر.
قوله : (عند الله) بدل من ثمة ، أي لما علم أن عند الله أمورة (قد سبق العلم) الإلهي بأنها، أي تلك الأمور (لا تنال إلا بعد سؤال) .
فولی: (فيقول) هذا الصنف (فلعل ما نسأله) على غير المنصوب.
إما للموصول وإما للحق ويدل عليه إردافه بقوله (سبحانه) في كثير من النسخ. وضمير الموصوف محذوف أو ما مصدرية (يكون من هذا القبيل)، أي من قبيل ما لا ينال إلا بعد السؤال.
قال رضي الله عنه : (فسؤاله احتياط لما هو) ضمير مبهم يفسره قوله: (الأمر)، أي المسؤول . أمورا لا تنال إلا بعد سؤال (لا يعلم) تفصيلا (ما) عين (في علم الله) له من تلك الأمور المسؤولة ومن أوقات حصولها
وضمير (عليه) للموصول و(من الإمكان) بيان للموصول، أي سؤاله احتیاط الإمكان أن يكون المسؤول مما لا ينال إلا بعد سؤال.
(وهو) من علم إجمالا أن عند الله
قال رضي الله عنه : " يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. ولو لا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل."
قال رضي الله عنه : " (ولا) بعلم أيضا (ما يعطيه) ويقتضيه من المسؤولات (استعداده في القبول).
أي في قبول تلك الأمور، أي لا يعلم مقتضی استعداده في قبولها بأنه، أي أمر من الأمور يقتضي وفي أي زمان يقتضي (لأنه) هذا بحسب الظاهر تعليل للدعوى الثانية .
لكنه لما كان العلم بما يعطيه الاستعداد و هو من جملة ما في علم الله متعذرة يلزم منه تعذير العلم بما في علم الله (من أغمض المعلومات)، أي من أغمض العلم بالمعلومات، ومن العلم بأغمض المعلومات.
(الوقوف في كل زمان فرد)، أي معين (على استعداد الشخص في ذلك الزمان الفرد)، أي في كل زمان فرد بأن يكون واقفا في كل زمان على ما تحرى عليه في جميع الأزمنة.
وذلك لا يتيسر للسائل احتياطا وإلا لم يكن الأمر مبهما عنده بل هو من خواص الكمل الندر من أهل الله ، وذلك السائل المحتاط وإن كان لا يعلم ما في علم الله ولا ما يعطيه استعداده إنما يسأل الإعطاء لإعطاء استعداده السؤال.
(ولولا ما أعطاه الاستعداد للسؤال ما سأل) ولكن لم يكن له علم بذلك الاستعداد قبل السؤال كسائر المسؤولات.
فحكم السؤال معه حکم سائر المسؤولات ما في قوله ما أعطاه مصدرية ، أي لولا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل .
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 19:03 عدل 4 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 18:23 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الرابعة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد.
و هم صنفان:  صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم. وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف. )
قال الشيخ رضي الله عنه : (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد. و هم صنفان: صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم، و صنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.)
(فغاية) أمر (أهل الحضور) مع الله تعالى (الذين لا يعلمون) من قبل حصول ما استعدوا له فيهم (مثل هذا) الاستعداد الذي فيهم أو في غيرهم:
لحصول السؤال والحصول معا.
أو السؤال فقط.
أو الحصول فقط.
أو السؤال فقط في وقت والحصول فقط في وقت آخر.
أو السؤال فقط في وقت والحصول مع السؤال في وقت آخر.
أو السؤال فقط بلا حصول مطلقا.
أو السؤال مكررا.
أو الحصول بعده فقط من غير سؤال.
أو بسؤال (أن يعلموه)، أي الاستعداد على ما ذكرنا (في الزمان الذي يكونون)، أي يوجدون فيه) سبب قبولهم لما أعطاهم الله تعالى من السؤال والحصول معا أو شيء مما ذكرنا فيطلعون على استعدادهم بقبولهم ذلك .
(فإنهم)، أي أهل الحضور (لحضورهم) مع الله تعالى في جميع أحوالهم مراقبين له تعالی به لا بأنفسهم يعلمون من أنفسهم جميع (ما)، أي الذي (أعطاهم الحق) تعالى (في ذلك الزمان) الفرد من المنح الربانية والمواهب الرحمانية (و) يعلمون أيضا (أنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد) الذي فيهم لقبوله في ذلك الزمان، ولولا ذلك الاستعداد في ذلك الزمان ما قبلوه سواء سبق علمهم به على علمهم بالاستعداد القبوله، أو سبق علمهم بالاستعداد لقبوله على العلم به ولهذا قال :
(وهم)، أي أهل الحضور المذكورون (صنفان: صنف يعلمون من قبولهم) لما أعطاهم الحق تعالی استعدادهم لذلك فعلمهم بالاستعداد مأخوذ من القبول، لأنه فرع الاستعداد ووجود الفرع دليل على وجود الأصل (وصنف) آخر (يعلمون من استعدادهم) الذي يجدونه فيهم ويكشفون عنه ببصائرهم المنورة (ما) أي الذي (يقبلون) مما يعطيهم الحق تعالی، فعلمهم بالقبول مأخوذ من الاستعداد استدلالا بالأصل على الفرع.
وهذا الصنف الثاني (أتم ما)، أي شيء (يكون في معرفة الاستعداد) الذي هو في هذا الصنف الثاني، فإن الصنف الأول استدلوا بوجود قبولهم لما أعطاهم الحق تعالى على وجود استعدادهم لذلك، فقد تأخر علمهم باستعدادهم إلى أن ظهر قبولهم لما استعدوا له، فعلموا استعدادهم من قبولهم، فهم أنقص مرتبة في معرفة استعدادهم.
والصنف الثاني اطلعوا على استعدادهم أولا لما يعطيهم الحق تعالی باطلاع الله تعالى لهم على ذلك، فلما عرفوا استعدادهم عرفوا قبولهم لما استعدوا الله، فقد تقدم علمهم بالاستعداد على علمهم بالقبول، فعلموا قبولهم من استعدادهم وهي أكمل مرتبة في معرفة استعدادهم.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد.
و هم صنفان: صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم. وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.)
فليس له نصيب في معرفة الاستعداد الأعلى الإجمال (فغاية أهل الحضور) في نهاية علمهم في الاستعداد (الذين لا يعلمون) استعدادهم (مثل هذا) أي في كل فرد وكان عطاؤهم من سؤال وإنما فيدنا به فإن أهل الحضور الذي كان عطاؤهم لا عن سؤال.
يذكر أحوالهم و مراتبهم في القسم الثاني (أن يعلموه) أي استعدادهم (في الزمان الذي يكونون فيه) ويعلمون أيضا في ذلك الزمان قبول استعدادهم (فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان) الذي يكونون فيه (وإنهم) لحضورهم يعلمون (ما قبلوه) أي لم يقبلوا ذلك الأمر الواصل إليهم.
قال الشيخ رضي الله عنه: (إلا بالاستعداد) الجزئي الخاص بذلك الزمان (وهم) أي أهل الحضور الذين وصفناهم بقولنا أن يعلموه.
(صنفان صنف يعلمون من قبولهم) ذلك الأمر (استعدادهم) أي قابلية ذواتهم واستحقاق أو هم بذاك الأمر (وصنف يعلمون من استعدادهم ما) أي الذي (يقبلونه وهذا) أي الصنف الذين يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه (أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف) أي من الصنف الذين يعلمون من قبولهم استعدادهم

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد. و هم صنفانصنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم. وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.)
و قوله رضي الله عنه : "فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق تعالى في ذلك الزمان وأنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد."
قلت: يعني بالاستعداد، التهيؤ للأمر ومن جملة الأمور السؤال، فلو لا أن السائل مستعد للسؤال ما سأل.
لكن من الناس من يعلم الاستعدادات ويعلم ما يقتضيه ومنهم من لا يعلم ذلك وهم الأكثرون.
فأما الذين يعلمون مقتضیات الاستعدادات تماما فهم الذين قطعوا السفر الثاني.
وذلك هو تفصيل التوحيد، و أكملهم معرفة في ذلك قطب الأقطاب وهو الذي شهد الشهود الذاتي المحيط وهذا الشخص هو الخليفة في الأرض عند الله تعالى سواء عرف أو لم يعرف لأنه
لا يعرف حقيقة أصلا، إذ لا يعرفه إلا من هو مثله فيجمعهم المرتبة، فيكونان واحدا في المرتبة وإن كانا إثنين في العدد بل لو كانوا آلافا. وأما من دون هذا المقام، فلا يعرفون من الاستعدادات إلا بقدر قرب مراتبهم من هذ الكامل وهذا الكامل هو الذي يصلح أن يكون رسولا فيما كان من الزمان قبل مبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
وأما من بعده، فهم المشايخ الذين وردت الآية بالإخبار عنهم في قوله تعالى: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " (يوسف: 108).
وهم الكمل أو من كان تابعا بالتقليد بخلاف الكامل، إذ هو من يلقي السمع وهو شهيد.
وأما الذين لا يعلمون الاستعدادات، فلا يصلح لهم أن يكون مشايخ يرشدون طالبي الحق تعالی.
وأما طالبوا ثواب الله تعالى، فيجوز أن يكون المرشد لهم من لا يعرف الاستعدادات لكن يجب أن يكون عالما بالشرع الشريف أعني ما يخص العبادات إذ هي المهم.
وقوله: "في كل زمان فرد"، إشارة إلى تنقل الاستعدادات في الزيادة والنقص الواقع في الأزمنة فإن لم يميز الانتقال المذكور فما يتهيأ له أن يعرف الاستعدادات تماما.
وقوله: "أنه يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه."
قلت: يعني حالة وصول العطاء إليهم يعلمون أنهم كانوا مستعدين لذلك العطاء.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد.
و هم صنفان: صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم.
وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.)
قال رضي الله عنه : "فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا" أي لا يعلمون بعلم الله وباستعداد السائل للمسئول.
" أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه ، فإنّهم بحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان وأنّهم ما قبلوه إلَّا بالاستعداد
وهم صنفان : صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم ، وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه ، هذا أتمّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف " .
قال العبد : من السائلين الذين لا علم لهم بالاستعداد إذ كانوا أهل حضور ومراقبة ، فغايتهم إذا بالغوا في المراقبة واستكملوا مراتب الحضور أن يعلموا في كل آن من الزمان أحوالهم وما يعطيهم الحق من الواردات والتجلَّيات والعلوم والأخلاق ، فإذا تجدّد لهم حال ، وتحقّقوا الحقيقة أخلق إلهي أو أمر كونيّ ؟ أو ورد عليهم وارد ، علموا ذلك ، وعلموا مجملا أنّهم ما قبلوها إلَّا بالاستعداد .
وأهل الحضور والمراقبة على صنفين أيضا : صنف لم يكشفوا عن عالم المعاني والأعيان الثابتة ، فهم لا يعلمون استعداداتهم على التفصيل ، بل يعلمونها مجملا من أحوالهم ووارداتهم ، وصنف اقترن بحضورهم ومراقبتهم الكشف عن عوالم الغيب والحضرات العالية ، فعلموا أعيانهم الثابتة في العلم الأزلي الإلهي القائم بذات الحق ، فعلموا استعداداتهم من خصوصياتهم وقابلياتهم الأصلية الأزلية على وجه الإجمال ، ثم بتعيّن الحال يعلمون اقتران ألسنة استعداداتهم بالحضور والسؤال في الحال ، فيقع ما يسألون في الحال أو بعد تأخّر ، والصنف الثاني أكشف من الأوّل .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : ( فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد.
و هم صنفان: صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم. وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.)
قال رضي الله عنه : " فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه ، فإنهم بحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان ، وأنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد وهم صنفان : صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم ، وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه ، هذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف " .
أهل الحضور مع الله هم الذين يرون كل ما يصل إليهم سواء كان على أيدى العباد أو لا على أيديهم من الله ، ولا يرون غير الله في التأثير ولا في الوجود الذين يعلمون مثل هذا أي أن استعدادهم في كل وقت أي شيء يقبل فإنه لا يسعه إلا علم الله المحيط بكل شيء فغاية علمهم في حضورهم أن يعلموا ما أعطاهم الحق في الزمان الحاضر الذين يكونون فيه ، وإنهم ما قبلوه إلا باستعدادهم الفطري العيني .
وهؤلاء صنفان :
صنف يعلمون من قبولهم العطاء أنهم كانوا يستعدون له وهم كثير.
وصنف يعلمون الاستعداد قبل القبول فيعلمون من استعدادهم أنهم أي شيء يقبلون .
وهذا أتم معرفة الاستعداد وهم قليل .
ولما قسم العطايا إلى ما يكون عن سؤال وإلى ما يكون عن غير سؤال .
وقسم القسم الأول إلى ما يكون عن سؤال في أمر معين
وإلى ما يكون عن سؤال في غير معين .
ثم قسم السائلين بحسب الباعث على السؤال على قسمين .
وفرغ من بيان القسمين قال:


مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : ( فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد.
و هم صنفان: صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم.وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.)
قال رضي الله عنه : "فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا" أي، في كل وقت معين.
"أن يعلمون في الزمان الذي يكونون فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان" أي، غاية أهل الحضور والمراقبة الذين لا يعلمون استعدادهم في كل زمان من الأزمنة، أن يعلموااستعدادهم في زمان حضورهم بما أعطاهم الحق من الأحوال.
(وأنهم ما قبلوهإلا بالاستعداد). أي، ويعلمون أنهم ما قبلوا ذلك إلا بالاستعداد الجزئي فيذلك الزمان.
(وهم صنفان: صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم) وهم كالمستدلين من الأثر على المؤثر إلى الأثر. (وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه) كالمستدلين من المؤثر.
(وهذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف) لأنهم طلع بعينه الثابتة وبأحوالها في كل زمان، بل بأعيان غيره أيضا وأحوالهم.


خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي :  (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد.
و هم صنفان:  صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم. وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.)
قال رضى الله عنه : "فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان وأنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد.
وهم صنفان: صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم، وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه.
هذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف."
(فغاية أهل الحضور) أي: الذين يحضرون مع الله تعالى بتزكية أنفسهم، فيكاشفون بما يجري عليهم من الله من أين هو (الذين لا يعلمون مثل هذا) أي: استعدادهم لما يقبلونه في كل زمان فرد.
(أن يعلموه) أي: ذلك الاستعداد (فإنهم لحضورهم) الكائن بعد التزكية (يعلمون ما أعطاهم الحق) بجوده العام (في ذلك الزمان، وإنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد) الحاصل لهم في ذلك الزمان.
وإلا لوجب أن يحصل لكل أحد كل شيء؛ لعموم الجود فإن رأوا في ذلك نقصا أحالوه على قصور استعدادهم الذي هو مقتضى أعيانهم الثابتة.
وإن رأوا كمالا أحالوه على عموم الجود، وكمال الفضل الإلهي إذ لا يجب عليه شيء.
فلذلك ورد: "من وجد خيرا؛ فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك؛ فلا يلومن إلا نفسه".
(وهم) أي أهل الحضور الذين يعلمون بالكشف أن كل ما يجري على العبد بحسب استعداده (صنفان: صنف يعلمون من قبولهم) عند حصوله (استعدادهم) له، وهم الذين ذكر غايتهم فيما بعد، (وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه) قبل أن يقبلوه؛ لکنه في بعض الأحيان وبعض الأمور، (وهذا أتم في معرفة الاستعداد في هذا الصنف) أي: الذين لا يعلمون ما يستعد له الشخص في كل زمان فرد.
وإنما قال في هذا الصنف؛ لأن معرفة ما يذكرهم في القسم الثاني من العطايا التي لا تكون عن سؤال بالاستعداد أتم؛ لاطلاعهم على أحوال الأعيان الثابتة تفصيلا.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد. و هم صنفان:  صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم.وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.)
القادمين من مسالك أهل البعد وأقاصي المقامات (فغاية أهل الحضور  ,الذين لا يعلمون مثل هذا) قبل ورود وقته - فإن من أهل الحضور من يعلم ذلك على غاية موضه - ( أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه ، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان وأنهم ما قبلوه الا بالاستعداد ) لأن موطن الاستعداد و موقف القابلية أقدس من أن يكون هناك لحجاب البعد حکم ، أو القهرمان الغيبة نفاذ أمر .
(وهم صنفان ) أي الواقفون من السائلين الحاضرين : ( صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم ، و صنف يعلمون من استعدادهم مايقبلونه ) فإن الاستعداد معدن نفائس العلوم والمعارف وسائر ما يستخرج من القوة إلى الفعل .
(هذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف ) يعني صنف السائلين الحاضرين ، لأنه قادر على استعلام ما يؤول إليه كل استعداد وما ينتهي إليه مال كماله .

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد.
و هم صنفان:  صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم.وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.)
قال رضي الله عنه : " فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان وأنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد. و هم صنفان: صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم، و صنف يعلمون من"
قال رضي الله عنه : (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا)، أي مثل العلم الذي يحصل للكمل الندر.
بما في علم الله وبما يعطيه الاستعداد في جميع الأزمنة والأوقات على أن يكون مفعولا مطلقا.
ومثل ما في علم الله وما يعطيه الاستعداد فيكون مفعولا به ويكون لفظ المثل مقحمة (أن يعلموه في الزمان الذي يكون فيه) ويرد عليهم فيه ما يعطيهم الحق (فإنهم الحضورهم) مع ما يرد في كل زمان و مراقبتهم ذلك الزمان.
(یعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان) الذين هم فيه (و) يعلمون أيضا (أنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد) لما أعطاهم (وهم)، أي أهل الحضور الذين يعلمون ما أعطاهم الحق في الزمان الذي يكون فيه.
(صنفان : صنف يعلمون من قبولهم) لما أعطاهم (استعدادهم) له فإنهم إذا وقفوا على ما أعطاهم الحق رجعوا إلى أنفسهم فوجدوا فيها استعداده الخاص و عرفوه حق المعرفة لأنهم يعلمون أن لهم أستعداد ما لذلك فإن أهل الحضور وغيرهم في هذا العلم سواء.
قال رضي الله عنه : "استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف. ".
(وصنف يعلمون من معرفة خصوص استعدادهم ما يقبلون) العطايا فإنهم إذا علموا حصول كمال استعدادهم الخاص لأمر ما حصل نهم يحصل من ذلك الأمر والتيقن بوجوده.
(هذا)، أي كون العلم بالاستعداد سابقا على العلم بما يقبلون (أتم ما يكون)، أي أكمل ما يكون (في معرفة الاستعداد في هذا الصنف). أي أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا فإنه بمنزلة الاستدلال من المؤثر الى الأثر أو بمنزلة الاستدلال من الأثر إلى المؤثر.

.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 18:59 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 18:24 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الخامسة:
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن أو غير معين، وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده.
فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
و التعجيل بالمسئول‏ فيه‏ و الإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، و إِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا و إِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا.)
قال الشيخ رضي الله عنه : "و من هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال و لا للإمكان، وإنما يسأل امتثالا لأمر الله في قوله تعالى: «ادعوني أستجب لكم». فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معين أو غير معين، وإنما همته في امتثال أوامر سيده. فإذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتلي أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم الله تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه الله عنهم. و التعجيل بالمسئول فيه و الإبطاء للقدر المعين له عند الله. فإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة، و إذا تأخر الوقت إما في الدنيا و إما إلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبيك من الله فافهم هذا."
ومن هذا الصنف الثاني (من يسأل) ربه حاجة (لا للاستعجال) الذي خلق عليه العبد كما في الصنف الأول من أصناف السائلين (ولا للإمكان)، أي إمكان أن يكون حصول حاجته موقوفا على السؤال لعلمه أن ثمة أمورة لا تنال إلا بعد سؤال، فيحتاط في حاجته لاحتمال أن تكون من هذه الأمور، وهو الصنف الثاني من أصناف السائلين (وإنما يسأل) من ربه حاجته (امتثالا)، أي لأجل الامتثال اللازم عليه (لأمر الله) تعالى (في قوله تعالى: "أدعوني") أي اسألوا مني حوائجكم (" أستجب لكم") 60 سورة غافر .
أي أعطيكم ما سألتموه مني (فهو)، أي هذا السائل الذي إنما يسأل امتثالا لأمر الله تعالى (العبد) لله تعالى (المحض)، أي الخالص من شائبة الغرض النفساني حيث كان سؤاله قياما بما أمره الله تعالى به لا استعجالا بحاجته، ولا لاحتمال أن تكون حاجته موقوفة على السؤال لعلمه أن بعض الأمور كذلك، فغرضه في الحقيقة امتثال للأمر لا حصول حاجته.
ولهذا قال: (وليس لهذا الداعی) المذكور (همة متعلقة فيما يسأل) الله تعالى (فيه من أمر معین) عنده من الحاجة الفلانية أو الغرض الفلاني دنيوية أو أخروية (أو غیر معین) من ذلك (وإنما همته في امتثال أوامر سيده) التي أمره بها من جميع العبادات ، الدعاء بحوائجه وغير ذلك، فإن الأمر بالدعاء أمر غير موقت بوقت فهو موکول إلى الداعي.
(فإذا اقتضى الحال) الذي يكون فيه ذلك السائل بحسب ما يجده في قلبه من الإقبال على السؤال بطريق الإلهام من الله تعالى (السؤال)، أي الدعاء بحاجته يكون ذلك الاقتضاء الحالي إذنا من الله تعالى له بالسؤال وتعيينا منه تعالى لوقته المطلق
(فسأل) حينئذ من ربه حاجته ولا يصبر على فقدها (عبودية) منه لله تعالى (وإذا اقتضى الحال) في وقت آخر (التفويض) إلى الله تعالى والصبر على فقد حاجته
بالوجدان القلبي إلهاما له من الله تعالى بذلك (والسكوت) عن السؤال بحاجته (سکت) عنها ولم يسأل الله تعالى فيها .
(فقد ابتلي) أي ابتلاء الله تعالى (أيوب) النبي عليه السلام بما ابتلاه به (و) كذلك (غيره) من الأنبياء عليهم السلام وغيرهم (وما سألوا) الله تعالى (رفع)، أي إزالة (ما ابتلاهم الله) تعالى (به) عنهم بل اقتضاها لهم في الغالب التفويض.
التفويض إلى الله تعالى والسكوت عن السؤال في رفع ذلك عنهم اشتغالا منهم بالله تعالى عن التفرغ لذلك (ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر) إذا التفتوا إلى ذلك البلاء، فوجوده يقتضي إظهار الذل والافتقار والطلب من الله تعالی برفعه ومعاناتهم من (أن يسألوا) منه تعالى (رفع ذلك البلاء عنهم فسألوه) وهو قول أيوب عليه السلام: رب "أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)" سورة الأنبياء.
وقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد هذا اليوم».
ودعاؤه عليه السلام على رعل وذكوان بعد احتمال أذاهم ودعائه على بعض المنافقين.
وكذلك قول نوح عليه السلام في قومه بعد احتمالهم مدة طويلة: "وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)" سورة نوح. (فرفعه)، أي أزال ذلك (الله) تعالى (عنهم) إجابة لدعائهم.
(والتعجيل)، أي الإسراع من الله تعالى (بالمسؤول فيه) من حاجات العبد (والإبطاء)، أي التأخير في ذلك إنما هو موکول (للقدر)، أي التقدير الإلهي المعين من الأزل (له)، أي لذلك الأمر المسؤول فيه من حاجات العبد (عند الله) تعالى فإنه تعالى يقول: " وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)" سورة الحجر.
فالسؤال لذلك الشيء من جملة ذلك الشيء عند الله، فإذا تزل الله تعالى السؤال على عبد نزل من ذلك الشيء المسؤول فيه جزء بقدر معلوم، والباقي منه له قدر معلوم آخر ينزل فيه، وذلك القدر المعلوم قد يكون قريبا وقد يكون بعيدا، والذي قدره يعلمه ولهذا سماه قدرا معلوما، وقال تعالى: "قد جعل الله لكل شيء قدرا " 3 سورة الطلاق
أي مقدارة يكون فيه لا يزيد منه ولا ينقص وقال تعالى: "إنا كل شئ خلقناه بقدر" 49 سورة القمر. وقال : "وخلق كل شيء فقدره تقديرا"سورة الفرقان.
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ظهور الشيء بقدره الذي قدر له من الأزل لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه زمانا ولا مكانا ولا جسمانا.
(فإذا وافق السؤال) الصادر من العبد ذلك (الوقت) المعين له عند الله تعالی (أسرع) الله تعالى (بالإجابة) لذلك العبد في قضاء حاجته فقضيت من غير تأخير، وقلوب الصالحين قد تحس بوقت الإجابة المعين في علم الله تعالى إحساسا مستندة إلى إلهام أو غيره من نطق حرف قرآني أو إشارة كونية ونحو ذلك.
فلا يدعون الله تعالى إلا في ذلك الوقت المعين فتسرع لهم الإجابة من الله تعالی لعين ما سألوه، فيقال: فلان مستجاب الدعوة، وإذا أحس ببعد ذلك الوقت المعين لا يدعو الله تعالی فيقال عنه : لو دعا الله تعالى، لأجيب ولكنه ما دعا فلم يجب، والأمر على ما ذكرنا في نفس العارف به دون الجاهل.
(وإذا تأخر الوقت) المعين عند الله تعالی لوجود المسؤول فيه (إما في الدنيا) بأن تأخر عن وقت السؤال بسنة أو أقل أو أكثر ثم وجد فوجد المسؤول فيه (وإما في الآخرة) بأن تأخر عن الدنيا فكان وقت السؤال في الدنيا ووقت الإجابة في الآخرة
تأخرت الإجابة الفعلية من الله تعالى عن ذلك السؤال لتأخر وقتها المقدر لها من الأزل.
فإن كل شيء له وقت معلوم عند الله تعالى لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، ولا بد أن يكون ذلك الشيء فيه حكمة إلهية أزلية.
قال تعالى: "ما يبدل القول لدى"29 سورة ق.
وذلك لأن قوله قديم، والقديم لا يتغير إذ لو تغیر کان حادثة (أي) تفسير للإجابة التي تتأخر حصول (المسؤول فيه) الذي هو مراد السائل (لا) تتأخر
(الإجابة) القولية (التي هي) قول (لبيك) تثنية لب يقال : لباه إذا أجابه يلبيه لبأ وتلبية ، يعني إجابة بعد إجابة .
وهي الإجابة القولية ثم الإجابة الفعلية (من الله) تعالی لذلك العبد السائل، بل هي حاصلة منه تعالى بعد كل السؤال من غير تأخير البتة كما وردت به الأخبار (فافهم) يا أيها المريد (هذا الكلام)، ولا يشكل عليك بعده معنى الإجابة الموجود بها كل سائل في قوله تعالى:أدعوني أستجب لكم " 60 سورة غافر. وغير ذلك من الآيات والأحاديث.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن أو غير معين، وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده.
فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
و التعجيل بالمسئول‏ فيه‏ و الإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، و إِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا و إِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا).
ففي بمعنی من (ومن هذا الصنف) أي ومن الصنف الثاني من يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان وإنما بسال امتثالا لأمر الله .
في قوله: " ادعوني أستجب لكم " فهو (العبد المحض) التام في العبودية .
(وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما بسأل فيه من معين أو غير معين) حتى يسأل للاستعجال وللإمكان (وإنما همته) بسؤاله لفظة (في امتثال أوامر سیده).
و هيهات بين السائل للإمكان وبينه في رتبة العلم.
(فإذا اقتضى الحال) أي التجلي الإلهي الحاكم عليه في ذلك وقت (السؤال) اللفظي (سأل) أي طلب المأمور به (عبودية) لا لغرض من أغراضه النفسية .
وإذا اقتضى الحال (التفويض) أمره إلى الله فوض (و) إن اقتضى الحال (السكوت) عن طلب ما يحتاج إليه (سكت فقد ابتلى أيوب وغيره وما سئلوا رفع ما ابتلاهم الله به) مع شدة احتياجهم في ذلك الزمان رفع ما ابتلاهم الله تعالی به لاقتضاء حالهم السكون في ذلك الزمان .
(ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا) من الله (رفع ذلك) فيما ابتلي نسألوا امتثالا لأمر الله (فرفعه الله تعالى عنهم) أي أجاب الله عنهم سؤالهم .
فكانوا داخلين تحت حكومة الحال في الوقت وتابعون إليه في السؤال وعدمه .
فكان سكوتهم وسؤالهم لفظة امتثالا لأمر الله لعلمهم بالحال وبما يقتضيه من أمر الله منهم .
فهم سائلون بالسؤال اللفظي وقتا وغير سائلين وقتا .
فدل ذلك على أن أيوب ومن كان على حاله من هذا الصنف من أهل الحضور لا من الصنف الذي سيذكر .
وأما دعاء نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بقوله: "اللهم اجعل لي في قلبي نورا" الحديث وهو من دخول جميع العوالم فلا اختصاص له بصنف دون صنف.
كما قال : "أفلا أكون عبدا شكورا" (والتعجيل بالمسؤول فيه والابطاء) سواء سال استعجالا أو احتياطا أو امتثالا وسواء كان سؤالا معينا أو غير معين للقدر
(المعين له عند الله) أي لأجل تقدير الله بالمسؤول فيه بوقت معين من الأوقات. الأمور مرهونة بأوقاتها : (فإذا وافق السؤال الوقت) المعين للمسؤول فيه (أسرع بالإجابة) أي وقع مسؤول فيه في الحال.
(وإذا تأخر الوقت إما في الدنيا وإما في الآخرة تأخرت الإجابة أي المسؤول فيه إلى) وقت معين (لا) تأخرت (الإجابة التي هي لبيك من الله) إذا دعا العبد ربه شيئا فقال الله تعالی: لبيك يا عبدي فإن هذه الإجابة تقع في الحال قوله : (فافهم هذا) إشارة إلى أن من دعي من الله شيئا
فقال الله : لبيك يدل على قبول مراده من الله وأن عدم مسألته الآن لعدم حصول وقته.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن أو غير معين، وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده.
فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
و التعجيل بالمسئول‏ فيه‏ و الإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، و إِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا و إِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا.)
قوله رضي الله عنه : "وهم صنفان صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم، وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه هذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف."
ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان، وإنما يسأل امتثالا لأمر الله في قوله تعالى: "ادعوني أستجب لکم" (غافر: 60).
فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعی همة متعلقة فيما سأل فيه من معين أو غير معين، وإنما همته في امتثال أوامر سیده.
فإذا اقتضى الحال السؤال سأل سؤال عبودية وإذا اقتضى التفويض والسكوت سكت فقد ابتلى أيوب، عليه السلام، وغيره وما سألوا رفع ما ابتلاهم الله تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك، فسألوا فرفعه الله تعالی عنهم.
والتعجيل بالمسئول فيه والابطاء للقدر المعين له عند الله.
وإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة، وإذا تأخر الوقت إما في الدنيا وإما في الآخرة، تأخرت الإجابة أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبيك من الله تعالى فافهم هذا."
قلت: يعني أن قوما يستدلون بالأثر على المؤثر وقوما بالعکس.
قوله: "فهو العبد المحض."
قلت: يعني أن السؤال عبادة لكن على أهل الحجاب وأما أهل الشهود، فلا يسئلون أصلا .
وقد ورد في بعض المناجاة: «یا عبد طلبك مني وأنت لا تراني عبادة، وطلبك مني وأنت ترانی استهزاء» وما بعد هذا فهو مفهوم إلى قوله وأما القسم الثاني.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن أو غير معين، وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده.
فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
و التعجيل بالمسئول‏ فيه‏ و الإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، و إِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا و إِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا.)
قال رضي الله عنه : ( ومن هذا الصنف ) أي الذين لا يعلمون حال السؤال استعدادهم ولا علم الحق فيهم
من يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان ، وإنّما يسأل امتثالا لأمر الله
في قوله : " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم" ، فهو العبد المحض .
وليس لهذا الداعي همّة متعلَّقة فيما يسأل فيه من معيّن أو غير معيّن ، وإنّما همّته في امتثال أوامر سيّده ، فإذا اقتضى الحال السؤال ، سأل عبودية ، وإذا اقتضى التفويض والسكوت ، سكت .
فقد ابتلي أيّوب عليه السّلام وغيره وما سألوا رفع ما ابتلاهم الله به ، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك ، فرفعه الله عنهم ) .
قال العبد : هؤلاء عبيد الله الصدّيقون لا يسألون إذا سألوا معيّنا أو غيره استعجالا طبيعيا ، ولا احتياطا رغبة فيما رغبوا به أعني أهل الاحتياط أن يعطيهم الله ذلك لعلمهم بأن لا ينال ذلك إلَّا بالسؤال .
بل سؤالهم امتثال لأمر الله إيّاهم في قوله : "ادْعُونِي " ،حتى أنّ همّتهم غير متعلَّقة بالاستجابة إلَّا إذا كان مراد الله إجابتهم والسؤال.
لكنّهم يدعون الله لمّا أمرهم أن يدعوه لا غير ، فإن أجاب يلقوه بالشكر وبما يجب أن يتلقّوه به ، وإن لم يجبهم علموا أنّ المراد هو الدعاء .
فإن حصلت الإجابة ، علموا بالحال استعدادهم ، وإن لم يجابوا علموا تأخّر لسان الاستعداد إلى وقت آخر ، فأخّروا السؤال إلى ذلك الوقت وقدمّوه كذلك لوقته في الحال الحاضر.
وإن كان القسم الثاني من أهل الاستعداد والعلم به والعلم بالحال من استعداده قد يسأل الله مع علمه باستعداده لما هو أهل له في كل حال امتثالا مع علمه بوقوع المسؤول واقتران الاستعداد الحالي للسؤال .
ولكن لا يقصد الإجابة ، ولا يعلَّق همّته بالوقوع ، بل همّته امتثال أوامر الله ونواهيه ، فهو العبد المحض وهذا الصنف أكمل ممّن تقدّمه ، فافهم .
وإذا اقتضى الحال السؤال ، وأحسّ أنّ المراد الإلهي هو الدعاء والسؤال ، دعا وسأل عبودية ورقّا وامتثالا ، وإن عرف من استعداده الحالي أنّ الابتلاء تمحيص وتكميل ورضوان من الله ، صبر وفوّض إلى الله وسكت عالما بأنّ الله لا يبقى عليه حكم حضرة القهر والجلال دائما .
بل لا بدّ من اضمحلال آثار القهر العرضي في اللطف والرحمة الذاتيين من قوله : « سبقت رحمتي غضبي » فيمن يغضب عليه ، ولا سيّما في حق من سبقت رحمة الله به أزلا بكمال القيام في حقّه ، مثل أيّوب عليه السّلام صبر ولم يسأل رفع الضير عنه ابتداء ، لعلمه بالحال والاستعداد الحالي.
وكذلك كلّ محنة وابتلاء يبتلي به الله عباده ليس من باب القهر المحض فإنّها رحمة خاصّة ونعمة في صورة محنة ونقمة ، لا يرغب فيها إلَّا العلماء بمراد الله وعلمه والمطَّلعون على سرّ القدر .
فإذا علموا وصول أوان انفصال الضرّاء والبأساء ، وحصول زمان اتّصال الرخاء والسرّاء ، دعووا الله تعالى ، فرفع عنهم الضرّ ، وبدّل لهم باليسر العسر .
تبرّيا عن توهّم المقاومة والمقاواة للقهر الإلهي في عدم السؤال والمداواة ، فكانوا في حالتي السؤال وعدم السؤال عباد الله الأدباء الناظرين إلى أمر الله وحكمه بموجب إرادته وعلمه .
قال الشيخ رضي الله عنه : " والتعجيل بالمسؤول فيه والإبطاء للقدر المعيّن له عند الله ، فإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة ، وإذا تأخّر الوقت إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة ، تأخّرت الإجابة أي المسؤول فيه ، لا الإجابة التي هي لبّيك من الله .فافهم هذا».
قال العبد : اعلم : أنّ كل سؤال يسأله العبد من الله فلا بدّ وأن يجيبه فيه لا محالة وقد أوجب على نفسه الإجابة بقوله : “ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ “ وأنّه لا أوفى من الله بعهده ووعده ، فإذا دعاه العبد ، أجابه في الحال بلبّيك ، وذلك في مقابلة ما يلبّى العبد إذا دعاه .
ولكنّ الله تعالى إذا علم من العبد تأخّر ظهور الاستعداد الحالي عن حصول المسؤول ، بادره الله في الحال بما يعينه على كمال القابلية والاستعداد ، وبعده لقبول تجلَّي الإجابة في عين المسؤول وذلك لعدم موافقة الاستعداد وقت السؤال .
فإذا جاء الوقت المقدّر لحصول عين المسؤول ، ووافقه السؤال ، أجيب في الحال ، فالإجابة إذن من أوّل وقت السؤال أيّ سؤال كان ، ومن أيّ سائل كان واجبة الوقوع من الله ، ولكن ظهور حكمها عند السائل بقدر استعداده وقابليّته ، وأوان ظهور حكم الإجابة إنّما هو في إعداده وإمداده تكميل استعداده لظهور المسؤول المأمول .  
وإذا علم الله من العبد كمال الاستعداد في السؤال بلسانه الحالي والذاتي والاستعدادي قبل سؤاله بلسانه الشخصي ، بعثه على السؤال ، وأجابه في الحال ، فمن لم يعثر على هذا السرّ ظنّ أنّ سؤال بعض العبيد لا تتأخّر عنه الإجابة والبعض غير مجاب.
وليس الأمر كما ظنّ ، بل كان دعاء كلّ داع يدعو الله في شيء فإنّه مجاب ، ولكنّ الأمر كما أمر الله تعالى " وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله " 38 سورة الرعد .
وهو الكمال الثاني والقابلية والاستعداد ، " فَإِذا جاءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ " 78 سورة غافر.

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن أو غير معين، وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده.
فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام وغيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
و التعجيل بالمسئول‏ فيه‏ و الإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، وإِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا وإِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا.)
قال الشيخ رضي الله عنه: " ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان وإنما يسأل امتثالا لأمر الله في قوله تعالى : " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " فهو العبد المحض وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما يسأل فيه من معين أو غير معين ، وإنما همته في امتثال أوامر سيده ، فإذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية وإذا اقتضى التفويض والسكوت سكت ، فقد ابتلى أيوب وغيره وما سألوه رفع ما ابتلاهم الله به ، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه الله عنهم ".
أي ومن القسم الأول الذي عطاؤه عن السؤال صنف ثالث يسأل لا للاستعجال الطبيعي أي للعجلة التي هي مقتضى الطبيعة البشرية وداعية الهوى النفساني .
ولا للإمكان أي لأنه يمكن أن يكون المسئول موقوفا على السؤال بأن الله علقه بسؤال بل سأل الله امتثالا لأمره ، فإن العبد مأمور بالسؤال والدعاء.
كما قال تعالى : " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ".
فغرض هذا العبد من السؤال ليس إلا العبادة لا المسئول ولا الإجابة .
فلا يتمنى الإجابة فهو عبد محض ، إذ ليست همته في دعائه متعلقة بشيء معين يطلبه أو غير معين بل امتثال أوامر سيده ، والباقي ظاهر .
إلى قوله: ( والتعجيل بالمسئول فيه والإبطاء للقدر المعين له عند الله ) أي التعجيل في الإجابة وإنجاح المطلوب والتأخير فيه إنما يكون للقدر المعين ، أي للأجل المسمى الذي عين وجود ذلك المطلوب عند الله فيه .
فالتعجيل مبتدأ والإبطاء عطف عليه وخبره للقدر ، أي التعجيل والإبطاء ثابت للقدر المعين والوقت المسمى عند الله .
فإن لكل حادث وقتا معينا عند الله يقارنه في اللوح القدري ، لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه
( فإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة وإذا تأخر الوقت ) أي وقته المقدر الذي هو فيه.
( إما في الدنيا وإما في الآخرة ، تأخرت الإجابة ) أي المسئول فيه إلى ذلك الوقت ( لا الإجابة التي هي لبيك من الله فافهم هذا ) .
والمراد بالإجابة الإجابة بالفعل وهو حصول المسئول ، لا الإجابة بالقول الذي هو لبيك .
فقد يكون العبد محبوبا إلى الله ويجيب سؤاله بلبيك .
ولا يجيبه بإعطاء ما سأل لما يرى له من المصلحة في التأخير كما قدر مع أنه يحب سؤاله ودعاءه ويزيد في قربه وكرامته ويسمع إليه ويرضاه .
ولهذا قال فافهم هذا فقد يحب الله العبد ويجيب سؤاله ، ولا يعطيه المسئول لحبه له .
وقد يعطيه ولا يحبه بل يستدرجه.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن أو غير معين، وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده.
فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
و التعجيل بالمسئول‏ فيه‏ و الإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، وإِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا وإِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا.)
قال رضي الله عنه :  "في كتاب مرقوم يشهده المقربون". وهذا الكامل هو الذي يقدر على تكميل غيره من المريدين والطالبين.
(ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان، و إنما يسأل امتثالا لأمر الله في قوله تعالى: "أدعوني أستجب لكم".
فهو العبد المحض أي، هو العبد التام في العبودية الممتثلين لأوامره كلها من غير شوب من الحظوظ، لأنه بحضوره دائما يعرف استعداده وما يفيض من الحق من التجليات بحسب استعداده عليه، فيكون سؤاله لفظا امتثالا لأمره تعالى كما مر.
(وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما يسأل منه من معين أو غير معين، وإنما همته في امتثال أوامر سيده) لأنه منزه عن طلب غير الحق من المطالب الدنياوية والأخراوية، بل نظره على الحق جمعا في مقام وحدته، وتفصيلا في مظاهره.
(فإذا اقتضى الحال السؤال) أي اللفظي. (يسأل عبودية، وإذا اقتضى) أي الحال.
(التفويض والسكوت، سكت. فقد ابتلى أيوب وغيره وما سألوا رفع ما ابتلاهم الله به. ثم اقتضى لهم الحال) أي اقتضى حالهم.
(في زمان آخر أن يسألوه رفع ذلك، فسألوا، فرفعه الله عنهم). ظاهر.
(والتعجيل بالمسؤول فيه والإبطاء للقدر المعين له) أي، للمسؤول فيه.
(عند الله). أي، التعجيل في الإجابة والإبطاء فيها إنما هو للقدر، أي، لأجل القدر المعين وقته في علم الله وتقديره كذلك.
فقوله: (للقدر) خبر المبتدأ وهو (التعجيل.)
(فإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة) أي، حصول المسؤول في الحال.
(وإذا تأخر الوقت) أي، وقت حصول المسؤول.
(إما في الدنيا) كالمطالب الدنياوية إذا تأخرت إجابتها.
(وإما في الآخرة) كالمطالب الأخراوية.
(تأخرت الإجابة، أي المسؤول فيه) إلى حصول وقتها. (لا الإجابة التي هي لبيكمن الله، فافهم هذا). إشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح: (إن العبد إذا دعاربه، يقول الله : لبيك يا عبدي). في الحال من غير تأخر عن وقت الدعاء. ومعنى (لبيك) من الله ليس إلا إجابة المسؤول في الحال، لكن ظهوره موقوف إلى الوقت المقدر له.
بل الحق تعالى ما يلقى في قلب العبد الدعاء والطلب إلا للإجابة، لذلك قال: (لا الإجابة التي هي لبيك من الله.).

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن أو غير معين، وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده.
فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
و التعجيل بالمسئول‏ فيه‏ و الإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، وإِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا وإِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا.)
قال الشيخ رضي الله عنه: "ومن هذا الصنف" أي: صنف أهل الحضور الذين يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه يدل على هذا التقييد مع قرب الإشارة قوله: فيما بعد فإذا اقتضى الحال السؤال سأل ووجه التخصيص بهم أن سؤالهم لما كان بالعبودية.
فلا بد أن يعلموا ما يتعبدون به في كل حال (من يسأل لا للاستعجال) لكونه من أهل التركية والحضور (ولا للإمكان) أي: إمكان توقف المسئول على السؤال؛ لأنه وافق ما يقبله من استعداده، (وإنما يسأل امتثالا لأمر الله) المخصوص بذلك الوقت باعتبار ما علم من استعداده الخاص أنه متعبد به في ذلك الوقت، وذلك الأمر هو المذكور في قوله: " ادعوني أستجب لكم " [غافر:60]).
وإنما خصصناه مع عمومه لما يذكر بعد (فهو العبد المحض) "أي الخالص عن شوب الربوبية، وليس لهذا الداعي همة داعية متعلقة فيما يسأل فيه من معين أو غير معين وإنما همته في امتثال أوامر سیده."، أما كونه عبدا؛ فلان الدعاء مخ العبادة، وأما كونه محضا؛ فلانه (ليس هذا الداعي همة متعلقة فيما يسأل فيه) سواء كان مسئولة (من معين أو غير معين) بخلاف من تقدم.
فإنه يقصد في المعين ذلك المعين من حيث هو، وفي غيره إعانة مصلحة نفسه فهو عبد لذلك المعين ولمصالح نفسه، وهذا ليس كذلك؛ لأنه (إنما همته) في المعين وغيره (في امتثال أوامر سيده)، وإنما جمع لأوامر؛ ليشير إلى وجه تخصيص الأمر بالدعاء بوقت خاص إذ لا بد من ذلك عند ازدحام الأوامر الكثيرة، ويعرف ذلك التخصيص من يعلم القبول من الاستعداد.
فلذلك قال: (فإذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية)، وإن علم حصوله باستعداده مع أنه لا قصد له في الحصول أيضا، (وإن اقتضى التفويض والسكوت) عن السؤال (سكت).
قال رضي الله عنه : "فقد ابتلي أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم الله تعالى به،ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه الله عنهم.
والتعجيل بالمسئول فيه والإبطاء للقدر المعين له عند الله.
فإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة، وإذا تأخر الوقت إما في الدنيا وإما إلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبيك من الله فافهم هذا."

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ».
فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن أو غير معين، وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده. فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
و التعجيل بالمسئول‏ فيه‏ و الإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، وإِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا وإِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا
.
)
قال رضي الله عنه : (ومن هذا الصنف) أي السائلين الحاضرين (من يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان ، وإنما يسأل امتثالا لأمر الله في قوله: " أدعوني أستجب لكم" فهو العبد المحض) الذي لايشوب صرافة عبودته بنسبة اختيار ، ولا إرادة مطلوب أو طلب مراد.
كما قيل :
 سقط اختياري مذ فني بحبكم    ….      عني ، فلا أرجو ولا أتطلب
ليس المحب حقيقة من يشتهي   ….    أو يشتكي ، أو يرتجي ، أو يرهب

قال رضي الله عنه : (وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه - من معين أو غير معين  وإنما همته في امتثال أوامر سیده ، فإذا اقتضى الحال السؤال ، سأل عبودية ، وإذا اقتضى التفويض والسكوت ، سکت) لأن أحوال هذا العبد إنما يجري على   مقتضى إرادة مولاه ، فكل ما يقتضيه حاله فهو مراد مولاه و مأموره.
ولذلك يستلذ به ، وإن كان مما ينافر طبعه ويؤلم نفسه كما قيل :
حسب المحب تلذذا بغرامه   ….    من كل ما يهوى وما يتطلب
خمر المحبة لا يشم نسيمها    ….  من كان في شيء سواها يرغب

وهذه المرتبة الامتثالية للسائلين تناسب طور النبوة ، فإنها كمال مرتبة العبودية التي هي أصل تلك المرتبة - على ما سيجيء تحقيقه - كما أن المرتبة الإمكانية لهم تناسب طور الولاية ، لأن أصله وباعثه العلم . "" أصله الأعلي النور الأزلي الساري بالحب لله فى الله و الصدق و الإخلاص لوجه لله ""
ولذلك قال: (فقد ابتلي أيوب وغيره ، وما سألوا رفع ما ابتلاهم الله به ، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك ، فرفعه الله عنهم) .
قال رضي الله عنه : ( والتعجيل بالمسؤول فيه و الإبطاء) ليس إلا (للقدر المعين له عند الله ). لادخل لدعاء العبد فيه أصلا  ( فإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة ، وإذا تأخر الوقت - إما في الدنيا وإما إلى الآخرة - تأخرت الإجابة - أي المسؤول فيه ، لا الإجابة التي هي « لبيك » من الله - فافهم هنا).
فإنها لاتتخلف عن السؤال أصلا ، لأنه موعود بقوله :
" أجيب دعوة الداع إذا دعان». وقوله: "ادعوني أستجب لكم ". وقوله: " فاذكروني أذكركم ".

ولا يمكن له أن يخلف الوعد ، فإنه لا يقبل الحلف بالنسبة إليه - بخلاف الوعيد .
وأيضا فإن الوجود الكلامي و الصور الحرفية هي أقرب ما ينسب إليه صدور الآثار المسؤول عنها ، فلذلك ترى الحق إذا أراد الظهور بصورة الأثر قال : «کن» ، وبه ظهر العوالم والآثار ، فهي صاحب الأثر بالذات ، لايمكن أن يتخلف عنها ، وكأن قوله : « فافهم » إشارة إلى هذه الدقيقة .
فعلم أن أصناف السائلين - أقل ما يحصل من هذا التقسيم - خمسة ، وهم في التقسيم الأول الحاصل من قوله : "منها ما يكون عن سؤال " ثمانية أقسام ، فالحاصل من المجموع یکون أربعين صنفا ، لكن الكتل منهم ثلاثة :
السائل بالإمكان .

 والعبد الممتثل .
والمطلع على مؤدي الاستعدادات ، العارف من نفس الاستعداد ما يقبله من الكمال .
هذا تمام الكلام في القسم الأول يعني السائلين .


شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن أو غير معين، وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده.
فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
و التعجيل بالمسئول‏ فيه‏ و الإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، وإِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا وإِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا.)
قال رضي الله عنه : "و من هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال و لا للإمكان، وإنما يسأل امتثالا لأمر الله في  قوله تعالى: «ادعوني أستجب لكم».
فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معين أو غير معين، وإنما همته في امتثال أوامر سيده.
فإذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية وإذا اقتضى التفويض والسكوت سكت فقد ابتلي أيوب عليه السلام وغيره وما سألوا رفع ما ابتلاهم الله تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه الله عنهم. والتعجيل بالمسئول فيه والإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه."
قال رضي الله عنه : (ومن هذا الصنف)، أي أهل الحضور المذكورين أو من الصنف الثاني منهم.وهو من يعلم من استعداده القبول.
فإن الصنف الأول لا سؤال له, فإن بعد العلم بقبوله المسؤول لا معقولية للسؤال (من يسأل لا للاستعجال) الطبيعي .
فإنه لا حكم للطبيعة على أهل الحضور (ولا للإمكان)، لأنه على يقين في حصول السؤال في الزمان الذي هو فيه وإنما يسأل امتثالا لأمر الله .
في قوله تعالى: "أدعوني أستجب لكم " (فهو العبد المحض) لله سبحانه ليس فيه شوب ربوبية ولا شائبة رقيه الأمر سواه.
(وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما يسأل فيه من) مسؤول (معين أو غير معين وإنما همته مصروفة في امتثال أوامر سيده) غير متجاوزة إلى مطلوب غيره.
فإنه لا مطلوب له سواه، ولا يطلب في الدارين إلا إياه .
قال رضي الله عنه : (فإذا اقتضى الحال السؤال) اللفظي (سال عبودية وإذا اقتضى التفويض)، أوكله الأمر إليه سبحانه.
(والسكوت) عن السؤال (سكت) عنه (فقد ابتلي أيوب عليه السلام وغيره) من الأنبياء والأولياء (وما سألوا رفع ما ابتلاهم الله به) أولا (ثم اقتضى لهم الحال) ثانيا .
(في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك)، أي رفع ما ابتلاهم به (فسألوا رفعه فرفعه الله عنهم والتعجيل بالمسؤول فيه)، أي الشيء الذي وقع السؤال في شأنه (والابطاء) إنما هو (للقدر المعين له).
قال رضي الله عنه : "فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، و إِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا و إِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا."
أي: تئوقت المقدر المعين المسؤول فيه (عند الله) لا دخل لدعاء العبد ربه أصلا (فإذا وافق السؤال)، أي وقته (الوقت) المقدر عند الله للإجابة بإعطاء السؤال فيه بأن يكون واحدة (أسرع) الله (سبحانه بالإجابة إذا تأخر الوقت).
أي حصل الوقت المقدر للإجابة متأخرة عن وقت السؤال (إما في الدنيا) كما إذا حصل الأمر المسؤول فيه في الدنيا (وإما في الآخرة) كما إذا حصل الأمر فيه في الآخرة.
(تأخرت الإجابة أي المسؤول فيه) يعين إجابة (لا الإجابة التي هي لبيك من الله سبحانه).
فإنها لا تتأخر عن السؤال لما جاء في الخبر الصحيح:
"إذا أحب الله عبدا أو أراد أن يصافيه؛ صب عليه البلاء صبا، وثجه عليه ثجا، فإذا دعا العبد قال: يا رباه!
قال الله: لبيك عبدي، لا تسألني شيئا إلا أعطيتك، إما أن أعجله لك، وإما أن أدخره لك".أورده المنذري في الترغيب والترهيب  وما بين الإجابتين من الالتباس، أردفه بقوله: (فافهم).
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 23:23 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة السادسة: 
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :

قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال. فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه. والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال. وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء. )
قال الشيخ رضي الله عنه : و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإنما أريد بالسؤال التلفظ به، فإنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد.

كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إلا في اللفظ، و أما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال.
فالذي يبعثك على حمد الله هو المقيد لك باسم فعل أو باسم تنزيه.
و الاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه و يشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال.
و إنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن الله فيهم سابقة قضاء.
(وأما القسم الثاني) من قسمي العطايا والمنح الظاهرة في الكون على حسب ما سبق ذكره (وهو)، أي هذا القسم الثاني (قولنا ومنها)، أي من العطايا والمنح (ما لا يكون)، أي يوجد (عن سؤال) أصلا (فالذي لا يكون صادرا عن سؤال) من العبد (فإنما أريد بالسؤال التلفظ) من السائل (به) بأن يسأل بلسانه أمرا من الأمور وإلا (فإنه في نفس الأمر لا بد من سؤال) يصدر من العبد حتى تحصل الإجابة ، وذلك السؤال المطلق (إما باللفظ) وهو معلوم (أو بالحال) بأن يكون لسان حاله سائلا ذلك الشيء كالنبات إذا قل عنه الماء، فإن لسان حاله طالب للماء.
قال الأعرابي:
صوح النبت فاسقه نهلة من سحائبك   …   وأغثنا فإننا في ترجي مواهبك
(أو بالاستعداد) بأن تهيأ للإجابة بحسب العادة، كالحبة إذا دفنت تحت الأرض فإنها مستعدة للإنبات لخروج السنبلة منها، والنواة كذلك مستعدة للإنبات لخروج النخلة منها، فهي سائلة بلسان استعدادها و مجلوبة من الله تعالى فيما سألت .
واعلم أن الله تعالي غني عن العالمين، ومن غناه عنهم كانت عطاياه لا بد لها من سابقة السؤال من الغير، فيعطي الماهيات المعلومة التي هي ليست بأشياء وجودة بسبب سؤالها ذلك منه باستعداد حالها.
حتى لو لم تستعد للموجود ولم تسأله ذلك باستعدادها له لم يعطيها وجودها وبعد وجودها، متى استعدت لحالة فقد سألت منه تلك الحالة باستعدادها لها فيعطيها ذلك أو بلسان حالها أو بلسان قالها . سواء كانت تلك الحالة خيرا لها أو شرا.
فإن الله تعالى يعطيها ذلك على حسب سؤالها، ولهذا جاءت نسبة الشرع جميع ما يصدر من المكلف إليه نسبة حقيقية.

لأنه وإن لم يفعل ذلك حقيقة فقد فعله الله تعالى له بطلبه هو لذلك استعدادا أو حالا أو قالا.
كما أوجده الله تعالى على هذه الكيفية، وهذه الصورة والحالة التي هو فيها بطلبه ذلك من الله تعالى طلبا استعداديا.
فأعطاه الله تعالى ذلك له على حسب طلبه، وإن كان استعداده ذلك بوضع الله تعالى على مقتضى ما سبقت به الإرادة القديمة وإلى الله ترجع الأمور.
فهو الذي أفقر إليه كل شيء وهو الذي أغنى بعطائه کل شيء.
(کما)، أي مثل ما سبق من كون العطايا لا بد لها من سؤال (أنه)، أي الشأن (لا يصح حمد) الله تعالى (مطلق) عن قيود الأسباب ليس في مقابلة سبب داعی إليه (قط إلا في اللفظ) .
فنقول: الحمد لله وأنت نافي جميع الأغراض لك عن هذا الحمد، فالحمد المطلق عن ذلك إنما هو في لفظك فقط.
وإذا تأملت في معنى ذلك وجدت الحامل لك عليه استحقاق الله تعالى الحمد لا في مقابلة لشيء مطلقا، بل استحقاق ذاتي لأنه الكامل المطلق، فقد حملك عليه التنزيه الذي قام عندك لله سبحانه وتعالى، والتنزيه قيد فلم يخلو الحمد من قيد كما قال.
(وأما في المعنی) باعتبار قصد الحامد (فلا بد أن يقيده الحال) الذي هو قائم بالحامد وإن لم يشعر به الحامد (فالذي يبعثك) أيها الحامد (على حمد الله ) تعالى في كل حمد صدر منك.
(هو المقيد لك باسم فعل) من أفعال الله تعالى کالرزاق، والمعطي، والفاتح، والراحم، واللطيف، والحافظ ونحو ذلك.
فإذا فعل الله تعالی معك فعلا يلائمك أو لا يلائمك فحمدته على السراء والضراء فقد تقيد حمدك بالاسم المأخوذ من ذلك الفعل لله تعالى (أو باسم تنزيه) لله تعالی کالواحد والأحد والقديم الذي لم يتخذ ولدا ولا شريك في الملك ونحو ذلك.
فإذا نزهت الله تعالى بمقتضى اسم من هذه الأسماء ثم حمدته أثر ذلك فقد تقيد حمدك به فليس حمدا مطلقا إلا في لفظك فقط دون المعنى.
وكذلك العطايا الإلهية لا بد لها من سؤال يصدر من العبد سابق عليها ، فإذا كانت من غير سؤال فهى من غير سؤال ملفوظ به، وإلا فلا بد لها من سؤال ولو بالحال أو بالاستعداد على ما بيناه.
والغنى عز وجل أعظم من أن يلتفت إلى إيجاد شيء أو إمداده من غير افتقار وسؤال وطلب من ذلك الشيء و "الله غني عن العلمين"97 سورة آل عمران.
(والاستعداد) الذي هو أخفى سؤال صادر (من العبد)، أي عبد كان (لا) يمكن أن يشعر به صاحبه من قبل نفسه لكونه خفيا، وإنما يكشف الله له عنه إن كان من أهل الإلهام والفيض كما ذكرناه فيما مر (و) يمكن أن (يشعر بالحال) الذي هو سؤال صادر منه (لأنه)، أي العبد (یعلم الباعث)، أي السؤال الذي في خلقته مقتضية لإجابته (وهو)، أي الباعث المذكور (الحال) القائم به في نفسه أو في بدنه (فالاستعداد) حينئذ (أخفي سؤال) يصدر من العبد للرب بما يقتضيه ذلك العبد مما هو مستعد له وليس هو حالة قائمة بالعبد حتى يمكن أن يشعر بها من نفسه وإنما هو مناسبة خفية جعلها الله تعالى في ذلك العبد لشيء آخر خفي في غيب السموات
والأرض.
(وإنما) السبب الذي (يمنع هؤلاء)، أي أهل هذا القسم الذين عطاياهم من سؤال صدر منهم فيها (من السؤال) ويحملهم على ترکه (علمهم بأن الله) تعالى "حكمة الله وقدره سر ساري" (فيهم) من الأزل (سابقة قضاء)، أي حكم وتقدير بما أراد سبحانه وتعالى أن يصيبهم من العطايا والمنح وما قضاه الله تعالى وقدره لا بد أن يكون سواء سأل العبد أو لم يسأل.
 
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال.  فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه.
والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال. وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء.)
قال رضي الله عنه : (وأما القسم الثاني وهو قولنا ومنها ما لا يكون عن سؤال) (فإنما أريد بالسؤال اللفظة به)  أي التلفظ به (فإنه) أي الشأن (في نفس الأمر) أي في الواقع (لا بد) لكل وارد (من) وجود (سؤال إما باللفظ) كما بين.
(او بالحال أو بالاستعداد كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إلا في اللفظ وأما في المعنى فلا بد أن يقيده) أي الحمد (الحال فالذي يبعثك على حمد الله هو المفيد لك باسم فعل) کحمدك على الله بالوهاب والرزاق ( أو باسم تنزیه) مثل سبوح قدوس. فإن قلت قد ثبت من قبل أن معرفة الاستعداد حاصل لصاحبه وقوله : (والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه) ينافي ذلك قلت: إن الشعور يستعمل في المحسوس المشاهد من غير توقف علمه على شيء آخر والاستعداد ليس كذلك بل توقف على الاطلاع بالأعيان الثابتة في علم الله تعالی فمعنى قوله : لا يشعر به صاحبه لا يعلمه بالشعور وإن كان يعلم بوجه آخر الشعور نوع من أنواع العلم وهو العلم بالحس فإن الشعور يتعلق بأجل المعلومات والاستعداد من أغمض المعلومات وأخفاها فلا يمكن تعلق العلم من حيث الشعور إليه بخلاف الحال فإنه أجل المعلومات لذلك قال : (ويشعر بالحال) أي وصاحب الحال يشعر بحاله (لأنه) أي صاحب الحال (یعلم الباعث) على السؤال بالحال بالبداهة وليس ذلك الباعث إلا (وهو الحال فإذا كان لا يشعر العبد استعداده (فالاستعداد) أي فسؤال الاستعداد (أخفى سؤال) لا يطلع عليه إلا من اطلع بعالم الأسماء والأعيان الثابتة.
فإن السؤال بلسان الاستعداد ما هو إلا سؤال الأسماء ظهور کمالاتها وسؤال الأعيان وجوداتها فكان هنا صنف من أهل الحضور لا يسألون باللفظ .
ويرجع قوله : (وإنما يمنع هؤلاء من السؤال) أي المذكور حکما لأنه لما قال : ومنها ما لا يكون عن سؤال فقد ذكر حكمة غير السائلين وإنما منع غير السائلين عن السؤال اللفظي (وعلمهم بأن الله فيهم) أي في حقهم (سابقة قضاء) أي حكمة سابقة عليهم في علمه الأزلي.
 فلا بد أن يصل إليهم هذا الحكم السابق عليهم فهم بذلك قد خلصوا عن قيد الطلب والامتثال وحجابه


شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد.  كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال.  فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه.
والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال. وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء.)
قوله رضي الله عنه : "وأما القسم الثاني وهو قولنا: ومنها ما لا يكون عن سؤال فالذي لا يكون عن سؤال، فإنما أريد بالسؤال التلفظ به، فإنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد.  كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال. فالذي يبعثك على حمد الله هو المقيد لك باسم فعل أو باسم تنزيه."
قلت: يعني أن السؤال إن كان باللفظ فظاهر وإن لم يكن باللفظ، فبالحال وذلك لأن الإنسان بل الأشياء كلها لا بد من افتقارها إلى أمر ما، فحالها ذلك يستدعي باستعداده ويسأل وهو أقوى من لسان المقال وكذلك الاستعداد هو سؤال وهو أقوى في الإجابة من سؤال الحال، فإن الحال إذا سأل ولا يكون هناك استعداد للإجابة فلا تحصل إجابة أصلا.
قوله: "كما أنه لا يصح حمد، إلى قوله: باسم تنزيه."
قلت: المراد بالحمد هنا هو حمد الله تعالى فإن المخلوق إذا أصبته محمودا فحمدته، فالمقتضي لحمده هو حال المحمود وأما حمدنا الله تعالى، فإنا متی أطلقنا لفظتي الحمد لله، فلا بد أن يكون عندنا مقتضى ذلك الحمد ويكون أمرا مقيدا.
فإن من أكل مثلا فشبع، فقال الحمد لله، فإنما أراد الحمد الذي هو بمعنی الشكر، فالحمد مقيد بمعنی الشكر.
إذا كان الشكر إنما يكون في مقابلة إحسان، وأيضا فما حمد الله إلا من حضرة الاسم الرازق، فإنه هو الذي رزقه ذلك الطعام وإذا كان حمده له من مرتبة الاسم الرازق يستحيل أن يكون ذلك الحمد بعينه
من حضرة الاسم المانع.
وأما من لقي مثلا مخوفا فنجا منه، فقال: الحمد لله، فإنما حمده تعالى من مرتبة اسم الواقي، تبارك وتعالى، لا من حضرة الاسم المنتقم.

وكذلك كل حمد يصدر من العبد لربه، تبارك وتعالى، فلا بد وأن يكون مقيدا في نفس الأمر وإن أطلق اللفظ به ولم يقيده، فإن الحال قد قيده.
وأما قوله: باسم فعل، فمثل الرازق والمعطي والمنعم وبالجملة كل مصدر يمكن أن يشتق منه فعل ، فاسم الفاعل المشتق من ذلك المصدر " هو عنده اسم فعل
وأما قوله: اسم تنزيه، فمثل ما إذا هداه الله تعالى إلى معرفة أن الله تعالی لا يتصف بصفات خلقه فقال وهو فرح بتلك الهداية: "الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي" (الأعراف: 43).
فإنما أشار بالحمد إلى اسمه السبوح القدوس، إذ کلاهما من أسماء التنزيه وكان الاسم الهادي موصلا لحضرة التنزيه وله نصيب من هذا الحمد أيضا.
و قوله رضي الله عنه : "والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال، فالاستعداد أخفى سؤال وإنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن الله فيهم سابقة قضاء. "
فهم قد هيئوا محلهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم

قلت: يعني أن الشعور بالاستعداد يتعذر على الضعفاء وعلى الأكثرين غالبا وأما الحال، فللعبد به شعور لأنه" يشعر بما بعثه على الحمد إذ لا يحمد عبثا بل لا بد أن يكون عنده معلوما ما بعثه على الحمد. وباقي الكلام واضح.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال.  فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه.
والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال. وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء.)

قال الشيخ رضي الله عنه : " وأمّا القسم الثاني وهو قولنا : « ومنها ما لا يكون عن سؤال » فالذي لا يكون عن سؤال فإنّما أريد بالسؤال التلفّظ به ، فإنّه في نفس الأمر لا بدّ من سؤال إمّا باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد ، كما أنّه لا يصحّ حمد مطلق قطَّ إلَّا في اللفظ ، وأمّا في المعنى فلا بدّ أن يقيّده الحال ، فالذي يبعثك على حمد الله هو المقيّد لك باسم فعل أو باسم تنزيه . والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ، ويشعر بالحال لأنّه يعلم الباعث وهو الحال " .

يريد : أنّ عطاء الله لمّا كان فيضا ذاتيا دائميا لا انقطاع له ، ولكن حصوله لأحد ووصوله بالحال من يد أحد إذ وغير ذلك إنّما هو بسؤال لسان الاستعداد .
 أو بلسان الحال وإن لم يسأل يعني لفظا لأنّ السؤال بلسان الاستعداد.
والحال والمرتبة والذات غير دائم الوقوع ، ولهذا تتأخّر الإجابة ، فإذا وافق لسان القول لسان الاستعداد ، سرعت الإجابة ، ولذلك تحصل الأعطيات والمسؤولات بلا سؤال لفظي ، فيظنّ أنّه ليس عن سؤال أصلا ، وليس ذلك كذلك ، فتذكَّر .
فالسؤال الذاتي هو أنّ الذوات في ذاتياتها سائلة من الله ، وقابلة منه قيامها بذاته وبقاؤها منه .
وأمّا سؤالات ألسنة الاستعدادات فكالذي تتكامل أهليّته وقابليّته لحصول أمر من الله وفيض ، فإنّ ذلك لا يتأخّر أصلا .
وسؤال المرتبة كالنبوّة تسأل من الله بما به وفيه قيامها وقوامها من النبيّ الذي بوجوده دوامها .
وأمّا سؤال لسان الحال فكالجائع يطلب بجوعه الشبع والعطشان يطلب بعطشه الريّ .
وكما أنّ الحمد المطلق غير واقع لتقييد حال الحامد ووصفه ومقامه له حال الحمد
وإن أطلق لفظا ، فكذلك العطاء بلا سؤال غير واقع ، فإن لم يكن سؤال لفظي ، ووقعت الإجابة ، ووصلت الصلات والهبات ، وشملت الرحمة والبركة ، فاعلم أنّ الألسنة المذكورة هي التي استدعتها واقتضتها .
ولكنّ الاستعداد لا يشعر به صاحبه ، لغموضه ، ويشعر بالحال ، لكون الحال باعثا له على الطلب والسؤال ، فيعلم أنّ لسان حاله هو الباعث له على السؤال باللسان ، فافهم .
قال رضي الله عنه : " والاستعداد أخفى سؤال " .
يعني رضي الله عنه : لهذا لا يشعر به صاحبه ، لخفائه وكونه موقوفا على علم القدر المعلوم لأهل الكشف من العلم الإلهي القائم بالحق ، وهو أصعب العلوم وأعزّها منالا ، وأعلاها مثالا ، وأنفعها مآلا ، وأرفعها مقاما وحالا .
قال رضي الله عنه : " وإنّما يمنع هؤلاء " يعني الذين لا يسألون :" عن السؤال علمهم بأنّ لله فيهم سابقة قضاء ، فهم قد هيّأوا محلَّهم لقبول ما يرد منه ، وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم " .
يعني : أوجب عليهم علمهم وتحقّقهم بأنّه لا بدّ من وقوع ما قدّر الله لهم وعليهم بلا تخلَّف بموجب علمه .
ومن العلماء بسابق علم الله وقضائه وقدره بجميع ما يجري عليهم صنف هم أكشفهم شهودا وأكملهم علما ووجودا بأنّ جميع أحواله وأفعاله وما يصل إليه من العطايا والمواهب الإلهية.


شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال.  فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه.
والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال. وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء. )

قال رضي الله عنه : " وأما القسم الثاني : وهو قولنا ومنها ما لا يكون عن سؤال ، فالذي لا يكون عن سؤال فإنما أريد بالسؤال التلفظ به فإنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد ، كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إلا في اللفظ وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال فالذي يبعثك على حمد الله هو المقيد لك باسم فعل أو باسم تنزيه ، والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال ، فالاستعداد أخفى سؤال".

وأما القسم الثاني : هو الذي لا يكون عن سؤال ، ومنه تبين أن الأصناف الثلاثة كلها من القسم الأول كما ذكر ، وقد صرح بأن المراد بالسؤال في الأقسام كلها هو السؤال اللفظي.
 فإنه على ثلاثة أقسام :  لفظى كما مر - وحالى  - واستعدادى
ولا بد في العطاء من سؤال الاستعداد ولا يتخلف عنه العطاء ، لأنه مقتضى الاستعداد في نفس الأمر ، أي ما قدر له حال عينه الثابتة قبل الوجود .
وأما الحال فهو الباعث على الطلب وهو أيضا من الاستعداد ، فلو لم يكن في الاستعداد الطلب لم تحصل الداعية .

ولكن لا يقتضي حصول المطلوب حال الطلب وإن اقتضاه في الجملة ، ثم شبه تقيد العطاء بالسؤال بتقيد الحمد بالسؤال .
فإن الحمد لا يكون مطلقا إلا في اللفظ كقولك الحمد لله .
وأما في المعنى فلا بد لك من باعث يبعثك على الحمد ، كما تتصور صحتك وسلامة بيتك فتحمد مطلقا .
وأنت تعلم أنت تحمده على حفظه إياك وخلقه لك بريئا من العاهات .
فقد قيد حمدك الباعث الذي هو تصور معنى صحتك وخلقتك السليمة ، باسم الباري الحافظ وهما اسما الفعل .
وكما تدرك ديموميته تعالى فتحمده ، فقد قيد الحال حمدك بالاسم الذي لم يزل ولا يزال وهو اسم تنزيه .
فكذلك العطاء فقد تستشرف نفسك إلى شيء فيرزقك ربك فذلك الاستشراف ، والطلب في النفس هو السؤال الحالي.
وقد يصل إليك العطايا من غير شعور منك به ولا استشراف في النفس ، كمن تصادف كنزا بغتة فذلك منى اقتضاء استعدادك.
ولذلك قال والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال ، والاستعداد أخفى سؤال وهو المشار إليه بقوله : " يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفى ".
فإن الحال لا يعلمه غير صاحبه إلا الله ، والاستعداد هو الأخفى الذي لا يعلمه صاحبه أيضا فهو من غيب الغيوب ، الذي لا يعلمه إلا الله .
قوله: " وإنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن لله فيهم سابقة قضاء" ظاهر وهم أهل الرضا المريدون بإرادة الله ، لا يريدون إلا ما أراد الله .
 
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال.  فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه.
والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال.  وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء. )

قال رضي الله عنه :  "وأما القسم الثاني وهو قولنا: ومنها ما لا يكون عن سؤال، فالذي لا يكون عن سؤال، فإنما أريد بالسؤال التلفظ به، فإنه في نفس الأمر لا بد من سؤال، إما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد".
القسم الثاني وهو السؤال بلسان الحال والاستعداد، والأول كقيام الفقير بين يدي الغنى لطلب الدنيا، وسؤال الحيوان ما يحتاج إليه. لذلك قيل لسان الحال أفصح من لسان القال. وقال الشاعر:

وفي النفس حاجات وفيك فطانة    .....    سكوتي بيان عندكم وخطاب
والسؤال بلسان الاستعداد، كسؤال الأسماء الإلهية ظهور كمالاتها و
سؤال الأعيان الثابتة وجوداتها الخارجية. ولو لا ذلك السؤال، ما كان يوجدموجود قط، لأن ذاته تعالى غنية عن العالمين.
قال رضي الله عنه : "كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال. فالذي يبعثك على حمد الله هو المقيد لك باسم فعل أو باسم تنزيه". أي، لا بدفي نفس الأمر من سؤال، وذلك السؤال لا يصح أن يكون مطلقا إلا في اللفظ، ﻛﻤﺎﻻ ﻳﺼﺢ ﺍﻟﺤﻤﺪ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﺇﻻ ﻓﻴﻪ.
ﻭﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﻳﻘﻴﺪ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻝ ﺑﻤﺎ ﻳﻘﺘﻀﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺍﻟﻤﺨﺼﻮﺹ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﺍﻟﻤﻌﻴﻦ، ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺍﻟﺤﻤﺪ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻣﻘﻴﺪ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺍﻟﻤﻌﻴﻦ.
ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺒﺎﻋﺚ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺑﺄﻥ ﻳﺘﻘﻴﺪ ﻭﻳﺤﻤﺪ ﺍﻟﺤﻖ ﺑﺎﺳﻢ ﻓﻌﻞ ﻙ "ﺍﻟﻤﻌﻄﻰ" ﻭ "ﺍﻟﺮﺯﺍﻕ" ﻭ "ﺍﻟﻮﻫﺎﺏ"، ﺃﻭ ﺑﺎﺳﻢ ﺻﻔﺔ ﺗﻨﺰﻳﻬﻴﺔ ﻙ "ﺍﻟﻘﺪﻭﺱ" ﻭ "ﺍﻟﻐﻨﻰ" ﻭ "ﺍﻟﺼﻤﺪ"، ﺃﻭ ﺑﺎﺳﻢ ﺻﻔﺔ ﺇﺿﺎﻓﻴﺔ ﻙ "ﺍﻟﻌﻠﻴﻢ" ﻭ "ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ" ﻭ "ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ"، ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺑﻠﺴﺎﻥ ﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺕ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﺃﻳﻀﺎ، ﻟﻴﻘﻴﺪﻫﺎ ﺑﺄﺯﻣﻨﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ.
ﻭﺍﻋﻠﻢ، ﺃﻥ ﺣﻘﻴﻘﺔ "ﺍﻟﺤﻤﺪ"، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻫﻲ ﻫﻲ، ﻻ ﻟﺴﺎﻥ ﻟﻬﺎ ﻭﻻ ﺣﻜﻢ، ﻭ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺇﻃﻼﻗﻬﺎ ﻭﻋﻤﻮﻣﻬﺎ، ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺤﻤﻮﺩﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻧﺒﺴﺎﻃﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻛﻮﺍﻥ.
ﻭﻟﺴﺎﻧﻬﺎ ﻗﻮﻟﻨﺎ: "ﺍﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ". ﻭﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺗﻘﻴﺪﻫﺎ ﺑﺤﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ، ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﺤﻤﻮﺩ ﺃﻳﻀﺎ ﻣﻘﻴﺪ ﺑﺎﺳﻢ ﻓﻌﻞ ﺃﻭ ﺻﻔﺔ ﺃﻭ ﺗﻨﺰﻳﻪ. "
ﻭﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺃﻳﻀﺎ ﻛﺬﻟﻚ.
قال رضي الله عنه :  "ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻻ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﻪ ﺻﺎﺣﺒﻪ، ﻭﻳﺸﻌﺮ ﺑﺎﻟﺤﺎﻝ، ﻷﻧﻪ ﻳﻌﻠﻢ ﺍﻟﺒﺎﻋﺚ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺤﺎﻝ. ﻓﺎﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﺃﺧﻔﻰ ﺳﺆﺍﻝ".
ﺃﻱ، ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﻻ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﺎﺳﺘﻌﺪﺍﺩﻩ ﺍﻟﺠﺰﺋﻲ ﺍﻟﻤﻘﺘﻀﻰ ﻟﻔﻴﻀﺎﻥ ﻣﻌﻨﻰ ﺟﺰﺋﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻟﺨﻔﺎﺋﻪ، ﻓﺈﻥ ﺍﻻﻃﻼﻉ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﻦ ﺷﺄﻥ ﺍﻟﻜﻤﻞ، ﻻ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺘﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻮﻙ، ﻭﻻ ﻣﻦ ﺷﺄﻥ ﺃﺭﺑﺎﺏ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻫﻢ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻄﻮﻥ ﻓﻴﻪ.
ﻭﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﺤﺎﻟﻪ ﻭﻳﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﺒﺎﻋﺚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﻫﻮ ﺍﻟﺤﺎﻝ، ﻭﻣﻨﻪ ﻳﺴﺘﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﻩ، ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﺃﻣﺮﺍ ﺧﻔﻴﺎ، ﻓﺴﺆﺍﻟﻪ ﺃﻳﻀﺎ ﺧﻔﻰ ﻣﺜﻠﻪ. ﻭﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻣﺸﻌﻮﺭﺍ ﺑﻪ ﻟﻐﻴﺮ ﺻﺎﺣﺒﻪ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ، ﻛﺸﻌﻮﺭ ﺍﻟﻐﻨﻰ ﺑﻔﻘﺮ ﺍﻟﻔﻘﻴﺮ ﺍﻟﻤﺤﺘﺎﺝ.
ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﻟﻼﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺕ ﺇﻻ ﻟﻠﻜﻤﻞ ﻭﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﺍﻟﻤﻄﻠﻌﻴﻦ ﺑﺎﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻓﻲ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﺤﻖ ﺗﻌﺎﻟﻰ.
قال رضي الله عنه :  "ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﻤﻨﻊ ﻫﺆﻻﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﻋﻠﻤﻬﻢ ﺑﺄﻥ ﻟﻠﻪ ﻓﻴﻬﻢ ﺳﺎﺑﻘﺔ ﻗﻀﺎﺀ".
ﺃﻱ، ﻟﻤﺎ ﻋﻠﻤﻮﺍ ﻫﺆﻻﺀ ﺃﻥ ﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺣﻘﻬﻢ ﺣﻜﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩﻫﻢ، ﻭﻻ ﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺸﺮ ﻭﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﻨﻘﺼﺎﻥ ﻭﻛﻞ ﻣﺎ ﻗﺪﺭ ﻟﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻷﺯﻝ، ﺍﺳﺘﺮﺍﺣﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﻠﺐ، ﻭﻣﻨﻊ ﻋﻠﻤﻪ ﻫﺬﺍ ﺃﻥ ﻳﺴﺄﻟﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺷﻴﺌﺎ، ﻭﺍﺷﺘﻐﻠﻮﺍ ﺑﺘﻄﻬﻴﺮ ﺍﻟﻤﺤﻞ ﻋﻦ ﺩﺭﻥ ﺍﻟﺘﻌﻠﻘﺎﺕ ﺑﺎﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﻔﺎﻧﻴﺔ ﻭﻗﻄﻊ ﺍﻟﻌﻼﺋﻖ، ﻟﺘﻜﻮﻥ ﻣﺮﺁﺓ ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ ﻃﺎﻫﺮﺓ ﻣﺠﻠﻮﺓ ﺑﺤﻴﺚ ﻳﻈﻬﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﻭﻳﻘﺒﻞ ﻣﺎ ﻳﺮﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺠﻠﻴﺎﺕ، ﻭﻳﺒﻘﻰ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩ ﻋﻠﻰ ﻃﻬﺎﺭﺗﻪ ﻭﻻ ﻳﻨﺼﺒﻎ ﺑﺼﺒﻎ ﺍﻟﻤﺤﻞ، ﻓﻴﻔﻴﺪ ﻏﻴﺒﺘﻬﻢ ﻋﻦ ﻧﻔﻮﺳﻬﻢ ﻭﺃﻏﺮﺍﺿﻬﻢ، ﻓﻴﻔﻨﻮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻳﺒﻘﻮﺍ ﺑﺒﻘﺎﺋﻪ.


خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال. فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه.
والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال. وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء. )

قال رضي الله عنه : "و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإنما أريد بالسؤال التلفظ به، فإنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد.

كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إلا في اللفظ، و أما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال.
فالذي يبعثك على حمد الله هو المقيد لك باسم فعل أو باسم تنزيه."
ثم أشار إلى دليل لتخصيص الأمر المطلق أقوى مما تقدم، وهو وجوب متابعته للنبي صلى الله عليه وسلم المأمور بمتابعة من تقدم من الأنبياء فيما لم ينسخ في شريعته الي بقوله: (فقد ابتلي أيوب وغيره، وما سألوا رفع ما ابتلاهم الله به)؛ لأن حالهم اقتضى أولا السكوت عنه؛ ليتحقق
منهم الصبر، (ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر) رفقا لما يتوهم من أنفسهم من إظهار التجلد في مقاومة القهر الإلهي (أن يسألوا رفع ذلك) البلاء، (فسألوا) عبودية لا عن عدم الصبر (فرفعه الله عنهم)، وإن كان في إبقاء ذلك البلاء زيادة في مراتبهم تحقيقا لوعد الإجابة عند الأمر بالدعاء.
ثم استشعر سؤالا بأنه تعالى أمر كل واحد بالدعاء، ووعدهم بالإجابة من غير شرط آخر، ومقتضاه إجابة كل واحد في كل دعاء، ونحن نرى أن دعوات البعض لا تستجاب أصلا، ودعوات البعض تستجاب تارة دون أخرى، فأشار إلى جوابه بأن كل من دعا الحق حاضر القلب صحيح المعرفة، فلا بد أن يستجاب دعاؤه بقوله تعالى: "لبيك عبدي".
وبإعطاء المسئول في وقته المقدر له فقال: (والتعجيل بالمسئول فيه) في حق بعض الأدعية (والابطاء) به في البعض الآخر (للقدر)، أي: الوقت (المعين له عند الله) فإن الحوادث مقدرة بأوقاتها.
والسؤال قد يقع عن الاستعجال الطبيعي قبل الوقت، ووعد الإجابة لم يقع على سبيل التعجيل بل في الجملة.
قال رضي الله عنه : (فإذا وافق السؤال الوقت) اتفاقا، أو لكون السائل واقفا من استعداده على القبول (أسرع بالإجابة) أي: بـ «لبيك» وبحصول المسئول فيه جميعا.
(وإذا تأخر الوقت) أي: وقت المسئول فيه عن وقت السؤال لوقوعه عن الاستعجال، (ما) كائنا ذلك الوقت (في الدنيا) بعد مدة مديدة، (وإما في الآخرة) إذا لم يكن للسائل استعداد القبول في أوقات الدنيا، وإنما ذكر ذلك؛ لأن بعض السائلين قد يموتون من غير حصول المسئول فيه فيتوهم أن النص منتقض به.
(تأخرت الإجابة أي Smile إجابة حصول (المسئول فيه) إلى ذلك الوقت في الدنيا، أو الأخرة.
(لا الإجابة التي هي: لبيك من الله) فإنها لا تتأخر عن وقت السؤال أصلا إذا صدر عن حاضر القلب صحيح المعرفة لما ورد في الحديث: "إن العبد إذا دعا ربه، يقول الله: لبيك عبدي".
وذلك لأن تأخيرها كالإعراض عن مثل ذلك العبد في وقت توجهه إليه (فافهم هذا) من وعد الإجابة في القرآن.
فإنها لا نهاية لشرفها بالقياس إلى إجابة حصول المسئول فيه مع أنها لا بد من حصولها، وإن تأخرت إلى الأخرة.
(وأما القسم الثاني، وهو قولنا: ومنها ما لا يكون عن سؤال) بينه لئلا يتوهم أنه ما يكون عن سؤال في غير معين، وقد أشار أولا إلى رفع هذا الوهم بعدم إعادة لفظة، ومنها هناك مع إعادتها في هذا القسم.
ولما كان ظاهره أنه لا سؤال شمة أصلا مع أنه لا بد منه؛ لتتحقق جهة القبول في القابل، كما لا بد من تحقق جهة الفعل في الفاعل.
وهو الاسم الإلهي قال: فالذي لا يكون عن سؤال ليس المراد به أنه لا يكون ثمة سؤال أصلا، كما أنه لا يراد بالعطاء الذاتي ما لا يكون بواسطة اسم الهي أصلا.
قال رضي الله عنه : (فإنما أريد بالسؤال) في قولنا، ومنها ما لا يكون عن سؤال (التلفظ به)، فهو المنفي دون سؤال الحال أو الاستعداد.
فإنه في نفس الأمر لا بد لكل عطاء (من سؤال إما باللفظ، أو بالحال، أو بالاستعداد) ضرورة أنه لو كان العطاء بدونه لوجب أن يحصل لكل شيء ما أمكن له في نظر العقل؛ لعموم الجود الإلهي: "ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت" [الملك: 3].
ثم استدل على ذلك بأن الله تعالى إنما فعل ما فعل لاستیجاب الحمد، وهو لا بد وأن يتقيد، فلو جاز العطاء من غير تقيد سؤال؛ لجاز الحمد من غير تقيد إذ هو مرتب عليه.
فقال: (كما أنه لا يصح حمد مطلق) غير مقيد باسم تنزيه أو اسم فعل (إلا في اللفظ) بأن يقول: الحمد لله فلا يصف اسم الله باسم آخر من أسماء التنزيه أو أسماء الأفعال، ولا يعلق الحمد بأحدهما.
""قال رضي الله عنه فى الفتوحات الباب 379 :اعلم أن الثناء على الله على نوعين  مطلق ومقيد فالمطلق لا يكون إلا مع العجز مثل:
قوله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"
قال قائلهم:
 إذا نحن أثنينا عليك بصالح ..... فأنت الذي نثني وفوق الذي نثني
ولا يمكن أن يحيط مخلوق بما يجب لله تعالى من الثناء عليه.
وأما الثناء المقيد فالحكماء يقيدونه بصفة التنزيه لا غير
وإن أثنوا عليه بصفة الفعل فبحكم الكل أو الأصالة لا يحكم لشخص
وما عدا الحكماء فيقيدون الثناء على الله بصفة الفعل وصفة التنزيه معا وهؤلاء هم الكمل لأنهم شاركوا الحكماء فيما علموا وزادوا عليهم بما جهله الحكماء ولم يعلموه لقصور همهم ""
قال رضي الله عنه : (وأما في المعنى، فلا بد أن يقيده الحال) أي: حال الحامد، وهو الداعي إلى حمده؛ لأنه من الأفعال الاختيارية التي لا تقع بدون الداعي.
(فالذي يبعثك على حمد الله) من نظرك في كماله التنزيهي أو الفعلي (هو المقيد لك) أي: لحمدك المطلق في اللفظ يقيده في المعنى (باسم فعل، وباسم تنزيه) على أن يجعلهما في المعنى صفتين لاسم الله، أو متعلقين بحمده، والعطاء الإلهي يقتضي ذلك.
قال رضي الله عنه : "و الاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه و يشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال.
وإنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن الله فيهم سابقة قضاء."
ثم أشار إلى الفرق بين سؤال الحال، وسؤال الاستعداد؛ ليبني عليه ما يذكره بعد من فضيلة الواقف على الاستعداد، فقال: (والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه) في حق الأكثر، (ويشعر بالحال) صاحبها لا محالة.
""لأنه يعلم بالباعث وهو الحال فالاستعداد أخفى سؤال لأن العلم بكل استعداد جزئي في وقت جزئي صعب لمن لا يشرف على الأعيان ولا يكون هذا النوع من العلم إلا للأفراد خاصة.
وكمال ذلك كختم الختم فإنه من مقام باطن النبوة وهو الشعرة التي من
الخاتم رضي الله عنه في الخاتم صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقع الميراث الكامل.
وأما أرباب الأحوال فيعرفون ذلك من البواعث فإنها من الأحوال، فهو هين الخطب من هذه الحيثية.
""
(لأنه يعلم الباعث) على السؤال سواء سأل لفظا أو لا والباعث: (هو الحال) فهو معلوم له لا محالة، فهو وإن خفي بالنسبة إلى سؤال اللفظ جلي بالنسبة إلى سؤال الاستعداد، (فالاستعداد أخفى سؤال) لا يعلمه إلا من أطلعه الله على سر القدر.

ثم أشار إلى الأسباب المانعة من السؤال اللفظي مع إدراج ما ذكر من وقف على الاستعداد في ذلك فقال(وإنما يمنع هؤلاء) التاركين للسؤال (من السؤال) اللفظي مع إدراج ما ذكر من وقف على الاستعداد في ذلك، فقال: وإنما يمنع هؤلاء التاركين للسؤال من السؤال اللفظي (علمهم بأن الله فيهم سابقة قضاء) مشتمل على علم تام، وجود کامل فوجب أن يكون على أحسن الوجوه.
 
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال. فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه.
والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال. وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء. )
قال رضي الله عنه : (وأما القسم الثاني - وهو قولنا : « ومنها ما لا يكون عن سؤال » فالذي لا يكون عن سؤال ، فإنما أريد بالسؤال : التلفظ به ؛ فإنه في نفس الأمر لابد من سؤال) ضرورة أن الفيض تابع للعلم ، والعلم تابع لما يستدعي القابل السائل مما يقتضيه ذاته .
وذلك السؤال (إما باللفظ، أو بالحال ، أوبالاستعداد) إلا أن الحال والاستعداد يقيدان السؤال ويسري حكمهما فيه لشدة ارتباطهما بلسانيهما دون اللفظ ، فإنه لا يسرى أحكام تقييد اللافظ منه إليه ، وذلك لاستقلال مرتبة الكلام في مراتب الوجود ، وكمال جمعيته وإحاطته في الظهور ، فيمكن أن يؤدي بإطلاقه .
(كما أنه لايصح حمد مطلق قط إلا في اللفظ ، وأما في المعنى فلابد أن يقيده الحال) ويسري حكمها فيه لصفاء عالمها ( فالذي يبعثك على حمد الله ) من الأحوال التي تمدك وتخليك بالمعدات المقومة لك في مراتب الوجود ، أو تفنيك وتخليك عن الموانع العائقة لك في مراتب الشهود ( هو المقيد لك باسم فعل ) - کالكريم والودود في الأول. ( أو باسم تنزيه ) - كالقدوس والسلام في الثاني .
(والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه) لأنه من الفيض الأقدس والسر الأخفى الذي لا يطأ وادي طواه إلا من خلع نعلي الاثنينية والمغايرة ؛ فصاحب الاستعداد مادام صاحبا له لا يصل إليه ولا يشعر به (ويشعر بالحال ، لأنه يعلم الباعث - وهو الحال - فالاستعداد أخفي سؤال ) .
(وإنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن الله فيهم سابقة قضاء) بتفريغه عن شواغل الدعاء والسؤال وشوائب أعراض الأغراض

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال. فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه.
والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال. وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء. )

قال رضي الله عنه : "و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد.

كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، و أما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال.
فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه."
وأما القسم الثاني من التقسيم الثالث للعطايا وهو قولنا: (ومنها ما لا يكون عن سؤال فإنما أريد بالسؤال اللفظ به)، أي السؤال اللفظي لا السؤال مطلقا (فإنه في نفس الأمر لا بد) في حصول المسؤول (من سؤال إما باللفظ) كما إذا قال : اللهم أعطني عطية أو مقيدة كما قال : اللهم أعطني علما نافعا.
(أو بالحال أو الاستعداد) ولا بد أن يكون السؤال الواقع بلسانهما مقيدة، فإن لسان الحالي أو الاستعداد لا يسأل إلا مقيدة لعدم اقتضاء الحال المعين أو الاستعداد إلا أمر معينة فلا يصح سؤال عطاء معلقة إلا في اللفظ .
وأما في نفس الأمر فلا بد أن يقيده الحالي أو الاستعداد (كما أنه لا يصح حمد مطلق إلا في اللفظ وأما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال فالذي يبعثك على حمد الله سبحانه هو القيد لك باسم فعل) كما إذا كنت مريضة مثلا ويشفيك الله تعالى، فقلت:
الحمد لله، نحمدك وإن وقع على اسم الله المطلق.

لكن حالك الذي هو الشفاء بعد المرض يفيد حمدك بالاسم الشافي.
فكأنك قلت : الحمد للشافي (أو باسم تنزيه) كما إذا تجلى عليك الحق سبحانه بالأسماء التنزيهية ، فتنزه من الشرك عن ملاحظة الأغيار.
فقلت : الحمد لله نحمدك وإن وقع على الله لكن حالك يقيده بالأسماء التنزيهية التي بها وقع التجلي عليك
قال رضي الله عنه : "و الاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه و يشعر بالحال لأنه يعلم الباعث و هو الحال.  فالاستعداد أخفى سؤال. و إِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء."
قال رضي الله عنه : (والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه). إلا إذا كان من الكمل لكونه موقوفا على العلم بعينه الثابتة وأحوالها وهو أصعب الأمور وأعزها لا يظفر به إلا الندر من الكامل.
(ويشعر بالحال) صاحبه (فإنه يعلم الباعث) له على الطلب (وهو)، أي الباعث هو (الحال فإن الاستعداد أخفى سؤال) بالنسبة إلى اللفظي والحالي.
(وإنما يمنع هؤلاء) السائلين بلسان الحال والاستعداد (من السؤال) اللفظي (علمهم بأن الله سبحانه فيهم)، أي في شأنهم.
(سابقة قضاء)، أي قضاء سابقا على حال الطلب بل على وجودهم بوقوع ما قدر لهم وعليهم بلا تخلف فاستراحوا من تعب الطلب.
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 23:33 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة السابعة:
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏. ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر .)
قال الشيخ رضي الله عنه : "فهم قد هيئوا محلهم لقبول ما يرد منه و قد غابوا عن نفوسهم و أغراضهم. "ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم علم الله به من أين حصل. وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سر القدر"
(فهم قد هيئوا محلهم) الذي هو ذاتهم (لقبول ما يرد) عليهم (منه) تعالى فيحل فيها مما قضاه عليهم وقدره (وقد غابوا عن) شهود (نفوسهم) في شهود ربهم عز وجل (و) عن طلب (أغراضهم) في تنفيذ إرادة ربهم تعالى فيهم فلم يتفرغوا للسؤال منه تعالى فلم يسألوا.

(ومن هؤلاء) الطائفة أهل التفويض والتسليم والاعتصام بالله تعالى (من يعلم) بتعليم الله تعالى له (أن علم الله) تعالى (به في جميع أحواله) التي هو متقلب فيها من حين كان نطفة إلى أن يخرج من الدنيا مثلا (هو)، أي في ذلك العلم بعينه (ما)، أي الذي (كان)، أي وجد (عليه) من الأحوال المترتبة (في حال ثبوت).
أي استحضار (عينه)، أي ذاته مع جميع أحواله في حضرة الله تعالى القديم (قبل وجودها)، أي ظهور تلك العين من علم الله إلى هذا الكون الحادث، فكلما شعر بحالة من أحواله وجدت فيه علم إنما هي التي يعلمها الله تعالى منه في الأزل أخرجها له الآن بقدرته .
ورتبتها إرادته تعالى على حسب ما هي مترتبة في حضرة علم الله تعالى، فهو مطمئن الذاته ولجميع أحوالها على حسب ما كشف عنها سبحانه وتعالى بعلمه من الأزل، ثم قدرته فوجدت على ذلك المنوال السابق لا زادت عليه ولا نقصت .
(ويعلم من ذلك أن الحق) تعالى (لا يعطيه) شيئا ما مطلقة (إلا ما أعطاه)، أي أعطى الحق تعالی (عينه)، أي عين ذلك العبد (من) بيان لما (العلم به)، أي بذلك العبد (وهو)، أي العلم بذلك العبد (ما كان عليه) ذلك العبد (في حال ثبوته)، أي استحضار العالم به فقط قبل وجوده في ذاته .
فقد أعطى الله تعالى بعينه الثابتة في الاستحضار قبل وجودها ما علمه الله تعالى منه، ثم إن الله تعالى أعطاه ما أخذ منه بعلمه سبحانه لا زاده ولا نقصه.
فيعلم هذا العبد حينئذ (علم الله) تعالى (به) الذي هو أصل لتعلق الإرادة والقدرة الأزليتين بإيجاده حتى وجد على هذا الترتيب الذي هو فيه (من أين حصل الله تعالى) ذلك العلم في الأزل بذلك العبد وبأحواله حصولا رتبيا تقتضيه رتبة العلم لا حصولا حدوثيا ترتيبيا إذ هو محال.
واعلم أن الثبوت غير الوجود كما أن النفي غير العدم، فالثبوت والنفي متناقضان کالوجود والعدم.
أما الثبوت: فهو عبارة عن إمكان الشيء وقابليته للوجود وطلبه لذلك طلبا استعداديا، وجميع ما أوجد وهو موجود وسيوجد من الكائنات كانت ثابتة
"في علم الله" قبل وجودها في هذا العالم الحادث من غير وجود لها.
ومعنی ثبوتها أنها ممكنة للوجود قابلة له طالبة له طلبا استعداديا، وهذا الثبوت الذي لها قبل وجودها ثبوت أزلي ليس بجعل جاعل، لأنه عدم صرف لا وجود فيه، والعدم ليس بجعل جاعل.
وسيأتي من الشيخ قدس الله سره قريبا بيان ما في هذه الكائنات الثابتة قبل وجودها، ثم إن الله تعالى بعلمه القديم كشف عن هذه الكائنات الثابتة في إمكانها وقابليتها للوجود وطلبها له باستعدادها کشفة ليس متأخرة عنها ولا هي متقدمة عليه.

بل تسميته بالعلم في لسان الشرع يقتضي هذا التأخر عنها من حيث الرتبة التي هو فيها من كونه مسمی علما لا من حيث هو قديم، إذ لو تأخر القديم لكان حادثة وهو محال.
ولهذا لما عرفوا العلم الإلهي قالوا : هو صفة تكشف لمن قامت به عن المعلوم کشفا حقيقيا لا يحتمل النقيض.
وتأخر صفة العالم من حيث الرتبة لا يمنع المقارنة من حيث القدم، فجميع الكائنات الثابتة قبل وجودها قائمة بالاستحضار الإلهي لها قبل تسميته لنا علما بها، فتسميته علما بيان إلهي لنا على السنة الأنبياء عليهم السلام.
وهو المسمى بالشرع وهو أحكام الله تعالى، والله يحكم لا معقب لحكمه.
ومن جملة أحكامه أن حكم بأن له علما کاشفة من الأزل عن حقائق الكائنات الثابتة قبل وجودها.
وكلام الشيخ قدس الله سره من حيثية هذا البيان الإلهي المسمى باسم الشرع الذي هو أحكام الله تعالى، حيث ورد فيه أن الله موصوف بصفة العلم لكل شيء المقتضي ذلك تأخر هذه الصفة عما تعلقت به، وتقدم ما تعلقت به عليها وهو التنزل الإلهي .
وأما من حيث ما الأمر عليه في نفسه فلا يعلم الله إلا الله، ولولا الإذن من الله بالتكلم على ذلك من هذه الحيثية مما وصف الله تعالى نفسه بصفة العلم في لسان الشرع لا سيما وقد قال رسول الله عليه السلام :"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".
أي يفهمه فيه والدين هو الشرع الذي شرعه الله تعالى لعباده، أي بينه لهم على حسبهم لا على حسبه هو في ذاته .
ثم حيث تقرر أن صفة العلم تقتضي التأخر عن المعلوم لأنها تابعة له حيث كانت كاشفة عنه لا مؤثرة فيه، كانت جميع الكائنات الثابتة قبل وجودها معطية الله تعالى علمه تعالى بها على الترتيب والإجمال والتفصيل.
ثم إن إرادة الله تعالی القديمة تعلقت بتخصيص جميع ما علمه الله تعالى على منوال ما علمه من غير تأخر عن العلم أيضا تأخرا زمانيا بل تأخر تقتضيه رتبة الإرادة، إذ لا إرادة لغير معلوم فهو تعالی علم فأراد، ثم إن قدرة الله تعالى القديمة تعلقت بإيجاد ما أراده تعالى من غير
تأخر عن الإرادة أيضا، ولكن البيان الإلهي اقتضى هذا الترتيب فجرى حكم الفقه في الدين على هذا البيان.
فكما أن الكائنات الثابتة قبل وجودها أعطت الحق تعالی علمه بها أعطاها هو تعالی أيضا جميع ما علمه منها، فأوجدها على منوال ما أخذ منها من الذوات والأحوال.
فوجدت في عينها بقدرته تعالى وتخصصت بما هي فيه من الأحوال بإرادته، وكانت ثابتة قبل وجودها مكشوفا عنها بعلمه تعالی، فهذا الفرق بين الثبوت والوجود.
فالنفي نقيض الثبوت، وهو عبارة عن عدم إمكان الشيء وعدم قابليته للوجود وهو المستحيل.
وعن عدم طلبه للوجود طلبا استعداديا وهو الممكن القابل للوجود من غير مانع عن ذلك، إلا أنه لم يستعد للوجود فلم يطلب الوجود استعداده ، كالشمس الثانية والثالثة والقمر الثاني والثالث ونحو ذلك من الممكنات الغير الطالبة اللوجود باستعدادها، والعدم نقيض الوجود وهو شامل للثبوت و للنفي بنوعيه المستحيل والممكن.
(وما ثم)، أي هناك بين أهل الله تعالى (صنف من أهل الله) تعالى العارفين به أعلى مرتبة (وأكشف) بصيرة (من هذا الصنف) الذين يعلمون أن علم الله تعالى بهم هو ما هم عليه في حال ثبوت أعيانهم قبل خروجها إلى هذا الوجود.
فقد أعطوا الله تعالى علمه بهم، فهو يعطيهم ما أخذه منهم من غير زيادة ولا نقصان.
(فهم الواقفون)، أي المطلعون (على سر القدر) الإلهي والقضاء الأزلي، فإن الله تعالى ما قدر وقضى على أحد إلا ما علمه منه من خير أو شر.
وما علم منه إلا ما هو عليه في حال ثبوته قبل وجوده، ولهذا ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في زمن خلافته أنه قال لسارق ما حملك على ما فعلت؟
قال : حملني قضاء الله وقدره
فقال له : كذبت ثم أمر بحده
ثم عذره لكذبه على الله تعالى في قوله:
إن قضاء الله تعالى وقدره حمله على السرقة.
وبيان ذلك أن القضاء والقدر على منوال ما في علم الله تعالى من ذلك السارق وعلم الله تعالى کاشف عن ذات ذلك السارق.
وجميع أحواله في عالم الثبوت قبل الوجود، فلم يحمل القضاء والقدر ولا العلم القديم ذلك السارق على فعل السرقة.
بل ذلك السارق هكذا في حال ثبوت عينه المكشوف عنها بعلم الله تعالی قبل وجودها.
ولابن كمال باشا زاده رحمه الله تعالى رسالة في تحقيق معنى القضاء والقدر بناهما
على مسألة أن العلم تابع للمعلوم، وبسط الكلام على ذلك، وقد تكلمنا على هذه المسألة بما يشفي العليل ويبرد الغليل في كتابنا «المطالب الوفية»
ولنا على مسألة تبعية العلم للمعلوم کلام آخر في كتابنا «الفتح الرباني».
 
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏. ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر.)
قال رضي الله عنه : (فهم قد هيئوا محلهم) أي اشتغلوا بتطهير قلوبهم عن التعلقات بالأمور الدينية (لقبول ما برد منه) حتى يبقى الوارد على ما كان عليه من الطهارة (وقد غابوا) بذلك عن (نفوسهم وأغراضهم) .
فكيف عن السؤال والطلب ولا سبيل عليهم حكومة الحال وهم صنف واحد ينقسم إلى صنفين واقفين على سر القدر .
وهو ما سيذكره المصنف وغير الواقفين عليه ولم يذكره المصنف لوضوحه غاية الإيضاح ببيان الواقفين .
وتقسيمه إلى قسمين و ما منع كلا منهم عن السؤال إلا علمهم الخاص بهم لكنهم لما اتحدوا في حد المنع الكلي .
وهو العلم بالقضاء السابق عليهم وكان بعضهم فوق بعض درجات من العلم لم يفرد بالمنع واقتصر على بيان مراتبهم في رتبة العلم بالله فقال : (ومن هؤلاء) أي من العلماء بالقضاء السابق عليهم أو من الصنف الذي منعهم علمهم هذا عن السؤال أر من عباد الله الذين من هذا الصنف (من) أي العبد الذي (يعلم أن علم الله به) .
أي بذلك العبد (في جميع أحواله) ظرف للعلم أي في إضافة جميع الأحوال اللازمة لوجوده الخارجي (هو ما) أي علم الله بوجوده في اتصافه بجميع أحواله هو العلم الذي كان ذلك العبد (عليه) أي على ذلك العلم.
قال رضي الله عنه : (في حال ثبوت عينه قبل وجودها) أي قبل وجود العين أو قبل وجود الأحوال (ويعلم أن الحق لا يعطيه) أي العبد من الواردات (إلا ما أعطاه عينه) أي أعطى عين العبد الحق (من العلم به) أي بالعبد .
(وهو ما) أي الذي أعطاه العبد (كان) العبد (عليه) أي على ذلك العلم (في حال ثبوته) قبل وجوده.
(فيعلم علم الله به من أين حصل) أي يعلم أن علم الله به سواء كان بعد الوجود أو قبله يحمل للحق من العبد ويعلم أن العلم الذي كان عليه العبد بعد الوجود هو عين العلم الذي كان عليه في حال ثبوته ووجوده وجميع أحواله فعلى كل حال العلم تابع لعين العبد (وما ثمة).
أي في صنف العالمين بالقضاء السابق (صنف من أهل الله أعلى واكشف من هذا الصنف) المعين بالعلم المذكور (فهم واقفون على سر القدر) دون غيرهم فإن غيرهم من أهل الله يعلم القضاء بأنه حكم الله والقدر بأنه تقدير ذلك الحكم ويعلم أن التقدير تابع الحكم والحكم تابع للعلم وهذا هو علم القدر والقضاء ولا يعلم أن علم الله تابع لعین العبد وهو سر القدر.
فعلم سر القدر أن يعلم أن علم الله به من أين حصل فلا يلزم من العلم بالقدر والعلم بسر القدر بخلاف سر القدر.
 
شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏. ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر.)
قوله رضي الله عنه : "ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق تعالى لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم علم الله به من أين حصل. وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف فهم الواقفون على سر القدر."
قلت: يعني ومن هؤلاء من تحقق أن العالم كان قبل إيجاده أعيانا ثابتة لا موجودة ولا معدومة من العلم الإلهي، مثل تحققه أنه كان في علم الله لا بد أن يكون إنسانا وأن يجري عليه ومنه وبه أحوال الأناسي لا مطلقا.
بل أن يكون إما فقيها مثلا أو عاميا إما ذا حرفة كالخياطة أو غيرها وأحواله مفصلة من رزق وغنی أو فقر وعمر وبالجملة جميع أحواله.
وعينه الثابتة التي هي في العلم الإلهي بجميع أحوالها لا يمكن أن تكون في الوجود إلا على حد ما كانت عليه في العلم الإلهي.
وقوله: "فيعلم علم الله به من أين حصل".
 یعنی به أن علم الله تعالى تابع للمعلومات التي هي الأعيان الثابتة على حد ما هي عليه فحصول العلم بعين من الأعيان إنما حصل من تلك العين المذكورة، فإن العلم لا يعطي المعلوم زيادة في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أحواله كلها.
فقوله: "من أين حصل"، يعني إنما حصل من معلومه.
وأما قوله: "فهم الواقفون على سر القدر". فمعناه أن أحوال تلك الأعيان الثابتة لا تتبدل عما علمت عليه فهذا هو سر القدر.
 
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏. ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر.)
قال رضي الله عنه : " ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها ، ويعلم أنّ الحق لا يعطيه إلَّا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته ، فيعلم علم الله به من أين حصل ، وما ثمّ صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف ، فهم الواقفون على سرّ القدر " .
قال العبد أيّده الله به : ومن العلماء بسابق علم الله وقضائه وقدره بجميع ما يجري عليهم صنف هم أكشفهم شهودا وأكملهم علما ووجودا بأنّ جميع أحواله وأفعاله وما يصل إليه من العطايا والمواهب الإلهية.
 إنّما يكون بحسب ما أعطته عينه الثابتة التي هي عبارة عن صور معلوميّته لله تعالى أزلا قبل وجوده العيني ، وأنّ العلم الإلهي إنّما تعلَّق بالمعلوم بحسب المعلوم .
ولا تأثير للعلم في المعلوم بما ليس فيه إذ العلم عبارة عن تعيّن العلم في نفس العالم على ما هو عليه ، وكشف العالم للمعلوم كشفا إحاطيا يميّزه عن معلوم آخر بخصوصياته ، فليس للحقيقة العلمية إلَّا الكشف والتمييز على وجه الإحاطة بالمعلوم.
والمعلوم هو يعطي بكونه معلوما صورة تعيّنية ارتساميّة في نفس العالم هي صورة معلوميّته لله تعالى أزلا ، وهي أزليّة أبدية قائمة بقيام العلم الذاتي بالذات الديموميّة القيّوميّة وعلى هذا لا تحكم المشيّة الإلهية بقضاء وقدر على موجود إلَّا بموجب ما سبق به العلم الأزلي .
ولم يتعلَّق العلم الأزلي بكل معلوم إلَّا بحسب ما أعطى المعلوم من عينه الثابتة ، فإنّ لكلّ معلوم قدرا تقدّر وتعيّن وتميّز به في خصوصيته عن معلوم آخر ، ولم يتعيّن المعلوم في حضرة العلم الذاتي الإلهي إلَّا بقدره عند الله وقدره الذي يخصّص به .
ومن حصّل هذا الكشف ، علم المأخذ والمعدن الذي لعلم الله بالمعلوم ، فافهم ، فهذا أعلى الكشوف والعلوم والشهود ، وأهله هم الواقفون على سرّ القدر ، جعلنا الله وإيّاك منهم ، إنّه عليم قدير .
 
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏. ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر.)
قال رضي الله عنه : "فهم قد هيأوا محلهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم " ظاهر وهم أهل الرضا المريدون بإرادة الله ، لا يريدون إلا ما أراد الله .
قوله: ( ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله تعالى في جميع أحواله ، هو ما كان عليه في حال
ثبوت عينه قبل وجودها ) موقوف على العلم بالأعيان الثابتة .
وهو أن الروح الأول الذي هو أول ما خلق الله تعالى المسمى بلسان أهل الحكمة.
العقل الأول هو أول متعين في ذات الله وأول مرتبة من مراتب الممكنات متعين بسبب تعين أحديته تعالى بعلمه بذاته محيط بحقائق الأشياء كلها .
وهي المسماة بالأعيان الثابتة وهو نوع متشعب إلى أرواح فائتة الحصر ، منها الملائكة المقربون ومنها أرواح الكمل من نوع الإنسان .
وهي حقائق روحانية متمايزة كل روح منها منتقش بكل ما يجرى عليه من الأزل إلى الأبد ، وهو الصف الأول من صفوف الأرواح الإنسية ، وهي المسماة بالأعيان ، وأول تجل من تجليات الحق وهو التجلي الذاتي في صورة هذا المعلول الأول .
فإن الذات الأحدية قبل الظهور في الحضرة الأسمائية في عماء كما ذكر في المقدمة .

وفي هذه الحضرة تتعدد الأسماء وهو يعلم هذا المعلول بذاته أي بعين ذلك المعلول ، كما هو منتقشا بجميع ما فيه لا بصورة زائدة على ذاته .
وعلمه عين ذاته ليس إلا حضوره لذاته في صورة هذا المعلول .
فعلمه بالأعيان إنما هو من جملة علمه بذاته ، والأعيان وكل ما فيها من جملة معلوماته ، ومعلوماته عين ذاته من حيث الحقيقة غير ذاته من حيث تعيناتها .
ولكل عين من الأعيان الإنسانية صورة نفسانية مثالية ينفصل ما فيها من الحقائق العلمية ، التي هي أحوالها في هذه الصورة ، إلى جزئيات مقدرة بمقادير زمانية يقارن كل منها وقتا معينا من أوقات وجوده قبل وجوده والله من ورائهم محيط فسر القدر هذه الأمور المقدرة المتقارنة لآجالها وحضور الحق تعالى لها في ذاته علمه بها على ما هي عليها .
وهذا معنى قوله : (ومن هؤلاء )، أي ومن الذين يعلمون أن الله فيهم سابقة قضاء ، من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت يتفرق عينه قبل وجودها.
قال رضي الله عنه : ( ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به ) وكيف لا وتلك العين هو الكتاب الذي فيه أعماله وأحواله وأرزاقه " لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ".
والروح الكلى المنقسم إلى الأرواح كلها هو أم الكتاب الذي عنده تعالى ، وهو يحكم على كل أحد بما فيه في عينه من النقش وهو الاستعداد الفطري الأول للعبد ولا يعلم الحق من هذا العبد إلا ما في عينه .
( وهو ما كان عليه في حال ثبوته ، فيعلم ) هذا العبد ( علم الله به من أين حصل ).
قوله: ( وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكثف من هذا الصنف ، فهم الواقفون على سر القدر ) ظاهر .
 
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏. ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر.)
قال رضي الله عنه : "ﻓﻬﻢ ﻗﺪ ﻫﻴﺌﻮﺍ ﻣﺤﻠﻬﻢ ﻟﻘﺒﻮﻝ ﻣﺎ ﻳﺮﺩ ﻣﻨﻪ ﻭﻗﺪ ﻏﺎﺑﻮﺍ ﻋﻦ ﻧﻔﻮﺳﻬﻢ ﻭﺃﻏﺮﺍﺿﻬﻢ".
 ﺃﻱ، ﻟﻤﺎ ﻋﻠﻤﻮﺍ ﻫﺆﻻﺀ ﺃﻥ ﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺣﻘﻬﻢ ﺣﻜﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩﻫﻢ، ﻭﻻ ﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺸﺮ ﻭﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﻨﻘﺼﺎﻥ ﻭﻛﻞ ﻣﺎ ﻗﺪﺭ ﻟﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻷﺯﻝ، ﺍﺳﺘﺮﺍﺣﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﻠﺐ، ﻭﻣﻨﻊ ﻋﻠﻤﻪ ﻫﺬﺍ ﺃﻥ ﻳﺴﺄﻟﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺷﻴﺌﺎ، ﻭﺍﺷﺘﻐﻠﻮﺍ ﺑﺘﻄﻬﻴﺮ ﺍﻟﻤﺤﻞ ﻋﻦ ﺩﺭﻥ ﺍﻟﺘﻌﻠﻘﺎﺕ ﺑﺎﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﻔﺎﻧﻴﺔ ﻭﻗﻄﻊ ﺍﻟﻌﻼﺋﻖ، ﻟﺘﻜﻮﻥ ﻣﺮﺁﺓ ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ ﻃﺎﻫﺮﺓ ﻣﺠﻠﻮﺓ ﺑﺤﻴﺚ ﻳﻈﻬﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﻭﻳﻘﺒﻞ ﻣﺎ ﻳﺮﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺠﻠﻴﺎﺕ، ﻭﻳﺒﻘﻰ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩ ﻋﻠﻰ ﻃﻬﺎﺭﺗﻪ ﻭﻻ ﻳﻨﺼﺒﻎ ﺑﺼﺒﻎ ﺍﻟﻤﺤﻞ، ﻓﻴﻔﻴﺪ ﻏﻴﺒﺘﻬﻢ ﻋﻦ ﻧﻔﻮﺳﻬﻢ ﻭﺃﻏﺮﺍﺿﻬﻢ، ﻓﻴﻔﻨﻮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻳﺒﻘﻮﺍ ﺑﺒﻘﺎﺋﻪ.
قال رضي الله عنه : "ﻭﻣﻦ ﻫﺆﻻﺀ ﻣﻦ ﻳﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺣﻮﺍﻟﻪ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺛﺒﻮﺕ ﻋﻴﻨﻪ ﻗﺒﻞ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ" ﺃﻱ، ﻭﺟﻮﺩ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﻴﻦ.
قال رضي الله عنه : "ﻭﻳﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻻ ﻳﻌﻄﻴﻪ ﺇﻻ ﻣﺎ ﺃﻋﻄﺘﻪ ﻋﻴﻨﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﻪ، ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺛﺒﻮﺗﻪ، ﻓﻴﻌﻠﻢ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺃﻳﻦ ﺣﺼﻞ. ﻭﻣﺎ ﺛﻢ ﺻﻨﻒ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻰ ﻭﺃﻛﺸﻒ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺼﻨﻒ، ﻓﻬﻢ ﺍﻟﻮﺍﻗﻔﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺳﺮ ﺍﻟﻘﺪﺭ".

ﻗﻴﻞ: ﺇﻥ ﺣﻀﺮﺓ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﻫﻲ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻷﻭﻝ، ﻭﻫﻮ ﻧﻮﻉ ﻣﻨﺸﻌﺐ ﺇﻟﻰ ﺃﺭﻭﺍﺡ ﻓﺎﺋﺘﺔ ﻟﻠﺤﺼﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﺃﺭﻭﺍﺡ ﺍﻟﻜﻤﻞ ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﻫﻲ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺭﻭﺣﺎﻧﻴﺔ ﻣﺘﻤﺎﻳﺰﺓ ﻛﻞ ﺭﻭﺡ ﻣﻨﻬﺎ، ﻣﻨﺘﻘﺶ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﺠﺮﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻷﺯﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺑﺪ، ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻤﺴﻤﺎﺓ بـ "ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ".
ﻫﺬﺍ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻧﺘﻘﺎﺵ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﺤﺘﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﺍﻟﻤﻤﻜﻨﺔ ﺣﻘﺎ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻷﻭﻝ ﺃﻳﻀﺎ ﻋﻴﻦ ﻣﺘﺼﻔﺔ ﺑﺎﻟﺜﺒﻮﺕ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻓﺎﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺛﺎﺑﺘﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺛﺎﺑﺘﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﻗﺒﻞ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ، ﻷﻥ ﺍﻟﻜﻞ ﻓﻲ ﻛﻮﻧﻬﺎ ﻣﻮﺻﻮﻓﺔ ﺑﺎﻟﻌﺪﻡ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻲ ﻭﺍﻟﺜﺒﻮﺕ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻣﺸﺘﺮﻙ.
ﻭﺍﻟﺤﻖ ﻣﺎ ﺑﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ: ﺇﻥ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﺳﻤﺎﺀ ﻫﻲ ﻣﻔﺎﺗﻴﺢ ﺍﻟﻐﻴﺐ، ﻭﻟﻬﺎ ﻟﻮﺍﺯﻡ ﺗﺴﻤﻰ ﺑﺎﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ. ﻭﻛﻠﻬﺎ ﻓﻲ ﻏﻴﺐ ﺍﻟﺤﻖ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭﺣﻀﺮﺗﻪ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ، ﻭﻟﻴﺴﺖ ﺇﻻ ﺷﺆﻭﻧﻪ ﻭﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﺳﻢ ﺍﻟﺒﺎﻃﻦ. ﻓﻠﻤﺎ ﺃﺭﺍﺩ ﺍﻟﺤﻖ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺇﻳﺠﺎﺩﻫﻢ ﻟﻴﺘﺼﻔﻮﺍ ﺑﺎﻟﻮﺟﻮﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ، ﻛﻤﺎ ﺍﺗﺼﻔﻮﺍ ﺑﺎﻟﺜﺒﻮﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺎﻃﻦ، ﺃﻭﺟﺪ ﻫﻢ ﺑﺄﺳﻤﺎﺋﻪ ﺍﻟﺤﺴﻨﻰ.
ﻭﺃﻭﻝ ﻣﺮﺍﺗﺐ ﺇﻳﺠﺎﺩﻫﻢ ﺇﺟﻤﺎﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻷﻭﻝ ﻟﻴﺪﺧﻠﻮﺍ ﺗﺤﺖ ﺣﻜﻢ ﺍﻻﺳﻢ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ ﻭﻳﺘﺠﻠﻰ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺃﻧﻮﺍﺭﻩ، ﻓﻬﻮ ﻣﻈﻬﺮ ﻟﻠﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻣﻈﻬﺮ ﻟﻠﻘﺪﺭﺓ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ. ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ، ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ، ﻓﻴﺪﺭﻛﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻫﻲ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﻟﻮﺍﺯﻣﻬﺎ ﻭﺃﺣﻜﺎﻣﻬﺎ.
ﻭﻗﺪ ﺑﻴﻨﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﺔ "ﺍﻷﺣﺪﻳﺔ" ﻋﻴﻦ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻣﻄﻠﻘﺎ، ﻭﻓﻲ "ﺍﻟﻮﺍﺣﺪﻳﺔ" ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺣﻀﺮﺓ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﻭ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﻧﺴﺒﺔ ﻣﻐﺎﻳﺮﺓ ﻟﻠﺬﺍﺕ، ﻓﻤﺎ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺇﻧﻪ ﻧﺴﺒﺔ، ﺇﻻ ﻣﺎ ﺃﻋﻄﺘﻪ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺗﺎﺑﻌﺎ ﻟﻠﻤﻌﻠﻮﻡ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭ.
ﻓﺈﺫﺍ ﻋﺮﻓﺖ ﺫﻟﻚ، ﻓﻨﻘﻮﻝ: ﻣﻦ ﻫﺆﻻﺀ، ﺃﻱ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻨﻒ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻨﻌﻬﻢ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﻋﻠﻤﻬﻢ، ﻣﻦ ﻳﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺣﻮﺍﻟﻪ ﻫﻮ ﺗﺎﺑﻊ ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺣﺎﻝ ﺛﺒﻮﺗﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻗﺒﻞ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ ﺍﻟﻌﻴﻨﻲ، ﻭﻳﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻻ ﻳﻌﻄﻰ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺑﺤﺴﺐ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻌﻴﻨﻲ ﺇﻻ ﻣﺎ ﺃﻋﻄﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﻋﻴﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﻪ.
ﺃﻱ ﺑﺎﻟﻌﺒﺪ، ﻓﻴﻌﻠﻢ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺃﻥ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﻪ ﺣﺎﺻﻞ ﻣﻦ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﻴﺐ، ﻭﺇﺫﺍ ﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻳﺤﺼﻞ ﻟﻪ ﻫﻮ "ﻣﻨﻪ" ﻭ "ﻋﻠﻴﻪ" ﺣﺘﻰ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﺤﻖ ﺃﻳﻀﺎ ﺗﺎﺑﻊ ﻟﻌﻴﻨﻪ، ﻻ ﻳﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﺷﻴﺌﺎ.
ﻭﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﻗﺎﻝ ﺑﻌﺾ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﻄﺢ: "ﺍﻟﻔﻘﻴﺮ ﻻ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻠﻤﻪ ﻣﻔﺼﻼ".
 
خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏. ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر .)
قال رضي الله عنه : "فهم قد هيئوا محلهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم.
ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به و هو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم علم الله به من أين حصل.
وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سر القدر ".
قال رضي الله عنه : (فهم هيئوا محلهم لقبول ما يرد منه) أي: من الله الجواد العلام المحبوب (وقد غابوا عن نفوسهم، وأغراضهم) الداعية إلى السؤال في المعين وغيره، ولغنائهم ليس لهم سؤال العبودية وهؤلاء، وإن عز شأنهم فلا اطلاع لهم على سر القدر لا إجمالا ولا تفصيلا.
ثم أشار إلى من له ذلك فقال: (ومن هؤلاء) أي: الممتنعين عن السؤال؛ لعلمهم بأن الله فيهم سابقة قضاء (من يعلم أن علم الله به) الموجب لعطائه (في جميع أحواله) المتجددة عليه ذكر ذلك ليشير إلى أن اختلاف العطايا منوط باختلاف الأحوال، وهو إنما يطلب عطاء متجددا مخالفا لما تقدم .
(هو) مقتضى (ما كان) الشخص (عليه في حال ثبوت عينه) في العلم الإلهي، ولما كان عرف المتكلمين أن الثبوت: هو الوجود ربما أوهم أن المراد ذلك رفعه بقوله: (قبل وجودها) وذلك لأن الثبوت المذكور أزلي، والوجود لها
حادث، والمقصود بيان أن تجدد الأقوال الوجودية عليه من مقتضيات عينه الثابتة قبل وجودها فلا يتغير عن ذلك.
ومن هنا (يعلم أن الحق لا يعطيه) شيئا سواء سأله باللفظ، أو الحال، أو لم يسأل (إلا ما أعطته) أي: الحق (عينه من العلم به) أي: بما تقتضيه عينه، وهو لا يقبل التغير لكونه أزليا، إذ (هو ما كان عليه في حال ثبوته) في العلم الإلهي الأزلي الذي لا يكون محلا للحوادث.
(فيعلم) هذا العبد أن علم الله به، وإن كان أزلا؛ فهو (من أين حصل) ليس المراد: أنه انفعل عن عينه، بل إنه لما كانت معرفة الشيء على ما هو عليه، وكأنه أخذ منه فيترك السؤال من علمه أنه لا بد، وأن يصل إليه مقتضی عينه بكل حال.
وهذا وإن كمل فقد خفي عليه أن عينه قد تقتضي أن يكون عطاؤها بعد سؤال منه بذلك، وأنه قد يطالب بالسؤال عبودية، ومع هذا (ما ثمة) أي: في تاركي السؤال (صنف من أهل الله) أشار بذلك إلى أنهم، وإن تركوا العبودية بترك السؤال فلا يخرجون بذلك عن كونهم من أهل الله
(أعلى وأكشف من هذا الصنف)، وإن كان في غيرهم أعلى منهم، وهو ممن يعمل بمقتضى الحال في السؤال، وتركه أو يسأل للعبودية (فهم الواقفون) من بينهم (على سر القدر)، وإن كان غيرهم أكثر وقوفا منهم.
""سر القدر: توقيت ما عليه الأشياء في عينها من غير مزيد من حضرة المقيت؛ فإنه يقدر أوقات الأوقات صورية ومعنوية.
فما حكم القضاء قدره هذا الاسم تقدير العزيز الحكيم وهذا هو عين سر القدر.
فهم الواقفون الحاضرون لهذا التوقيت على مقتضى الاستعداد، والمطلعون على أصله وفرعه، ولهذا المقام إجمال وتفصيل، منهم من يعلم ذلك تفصيلا.
""
 
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏. ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر .)
قال رضي الله عنه :  (فهم قد هیوا محلهم لقبول ما يرد منه، وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم ) لاشتغالهم بما يرد منه واستغراقهم فيه .
قال رضي الله عنه : ( ومن هؤلاء) الساكتين عن السؤال (من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه ، قبل وجودها ، ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العالم به) لما سبق أن العطاء على وفق الإرادة ، والإرادة تابعة للعلم ، والعلم ما أعطاه العين المعلوم مما يقتضيه ذاته ويعبر عنه السا استعداده ( وهو ما كان عليه في حال ثبوته ؛ فيعلم ) هذا العبد ( علم الله به من أين حصل ) و أن الكل من عينه ظهر عليه ، أخذ منه فرد إليه " هذه بضاعتنا ردت إلينا " .
(وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف فهم الواقفون على سر القدر) المطلعون على مبادئ تفاصيل جزئيات أوضاع العالم ومصادر وقوع أحكامها وأفعالها ، أنه من نفس عينه الثابتة في حال عدمه ، الكاشفة عن كل أحوالها بمقاديرها وأزمانها ،
"لا يغادر صغيرة " من تلك الأوضاع "ولا كبيرة إلا أحصاها" إحصاء تفصيل وإيقان، فالعارف بسر الارتباط المذكور هو الواقف على سر القدر.
 
شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏. ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر .)
قال رضي الله عنه : "فهم قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه و قد غابوا عن نفوسهم و أغراضهم. و من هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، و يعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به و هو ما كان عليه"
قال رضي الله عنه : (فهم قد هيئوا محلهم) بتطهيره عن درن التعلقات الفانية أو تحليته عن الانتقاش بالصور الكونية وتفريغه عن شواغل السؤال والدعاء (لقبول ما يرد عليه).
أي على ذلك المحل من الواردات والتجليات والحال أنهم (قد غابوا عن) حظوظ (نفوسهم وأغراضهم) في هذه الهيئة بل فعلوها ترقيقة عشقية تقتضي إعراضهم عن الأعراض النفسية والتوجه إليه بالكلية.
(ومن هؤلاء) الذين منعهم عن السؤال عليهم بسابق قضاء الله وقدره بجميع ما يجري عليهم (من بعلم) من عباد الله (أن علم الله به في جميع أحواله) بل متعلق علمه بالعبد.
 (هو ما كان) العبد (عليه) من الأحوال (في حال ثبوت عينه) في مرتبة العلم (قبل وجودها).
أي وجود عينه الثابتة في مرتبة العين وحاصله أن علمه سبحانه تابع لعينه الثابتة التي هي المعلوم.
قال الشيخ رضي الله عنه: (ويعلم) أيضا ذلك العبد (ان الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه)، أي إلا مقتضى من أعطاه.
أي الحق سبحانه و ضمير الموصرف محذوف، أو الضمير عائد إلى الموصول والمفعول الأول.
أي الحق محذوف (عينه) فاعل أعلاه (من العلم به)، أي بالعبد بيان للموصول (وهو)، أي العلم به بل متعلق ذلك العلم (ما كان) العبد (عليه) من الأحوال
قال رضي الله عنه : " في حال ثبوته، فيعلم علم الله به من أين حصل.
و ما ثم صنف من أهل الله أعلى و أكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سر القدر."
 (في حال ثبوته) في مرتبة العلم قبل خروجه إلى العين. (فيعلم) أن (علم الله به) وبأحواله الجارية عليه إلى الأبد (من أين حصل).
أي من عينه الثابتة وأن كل ما يجري عليه إنما هو بمقتضى عينه الثابتة وطلبها إياه بلسان الاستعداد والمطلوب بلسان الاستعداد يعطيه الله الجواد المطلق سبحانه لا محالة .
فلا يحتاجون إلى السؤال اللفظي أصلا (وما ثم صنف من أهل الله أعلى) علما (وأكشف) للأمور على ما هي عليه (من هذا الصنف إنهم الواقفون على سر القدر "

أي سر القدر (مجملا ومنهم من يعلمه مفصلا والذي بعلمه مفصلا أعلى) کشفا (وأتم) معرفة من الذي يعلمه مجملا .
(فإنه)، أي الذي يعلمه مفصلا (يعلم ما تعين في علم الله فيه)، أي في شأنه من أحوال عينه الثابتة على سبيل التفصيل بخلاف من يعلمه مجملا، وذلك العلم التفصيلي (إما بإعلام الله إياه)، أي الذي يعلمه مفصلا (بما أعطاه عنه من العلم به) بأن يلقى في قلبه بواسطة أو بغير واسطة  أن عينه الثابتة تقتضي هذه الأحوال العينية من غير أن يطلعه على عينه کشفة.
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 12:05 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثامنة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :

قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي: (وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، ومنهم من يعلمه مُفَصَّلًا. والذي يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، و إما أن يكشف له عن‏ عينه الثابتة و انتقالات الأحوال عليها إِلى‏ ما لا يتناهى‏ و هو أعلى. فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد )
قال الشيخ رضي الله عنه : (وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملا.
و منهم من يعلمه مفصلا.
و الذي يعلمه مفصلا أعلى و أتم من الذي يعلمه مجملا، فإنه يعلم ما في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به .

و إما أن يكشف له عن عينه الثابتة و انتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى و هو أعلى:
فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد)
(وهم)، أي الواقفون على سر القدر (على قسمين منهم من يعلم ذلك)، أي سر القدر علما (مجملا) بأن يعلم أن ثم أمور ثابتة قبل وجودها کشف الله تعالى بعلمه القديم عنها وحكم بها فقضاها وقدرها على منوال ما كشف عنها .
ولكن لا يعلم ذلك العبد ما هي بعينها ولا يعرف تفاصيلها .
(ومنهم من يعلمه)، أي سر القدر (مفصلا) بأن يعلم كل شيء بعينه في حال ثبوته قبل وجوده بتعليم الله تعالى ذلك (والذي يعلمه)، أي سر القدر مفصلا على هذا المنوال (أعلى) درجة (وأتم معرفة من الذي يعلمه مجملا) .
وعلم الله تعالی ليس علما مجملا بل علما مفصلا، والذي يعلم مفصلا هو الذي يعلم علم الله تعالى (فإنه يعلم ما)، أي الذي (في علم الله) تعالى (فيه)، أي في نفسه من الأحوال المختلفة الماضية والمستقبلة (إما بإعلام الله) تعالى (إياه) بطريق الوحي الإلهامي والتعليم الرباني والإلقاء في القلب.
(بما)، أي بالذي (أعطاه)، أي أعطى الله تعالى (عينه) الثابتة قبل وجودها (من العلم به) كله على ما هو عليه في حال ثبوته قبل وجوده .
(وإما بأن يكشف) الله تعالى (له)، أي لذلك العبد (عن عينه الثابتة) قبل وجودها (و) عن (انتقالات) جميع (الأحوال عليها إلى ما لا يتناهی) في الدنيا والآخرة.
(وهو)، أي هذا الوجه الثاني (أعلى) رتبة من الوجه الأول، لأن الأول بطريق الإخبار من الله تعالى له، وليس علم الله تعالى بالكائنات الثابتة قبل وجودها بهذا الطريق فهو أدنى.
والثاني بطريق الكشف عنها، وعلم الله تعالى بها كذلك بطريق الكشف .
فهو أعلى من الأول لموافقته لعلم الله تعالى من حيث كونه بطريق الكشف عن تلك الكائنات الثابتة قبل وجودها (فإنه)، أي هذا الذي كشف له عن عينه الثابتة وانتقالات أحواله (یکون) حينئذ (في علمه بنفسه) علم کشف عن حقيقته الثابتة أيضا وانتقالات أحوالها .
(بمنزلة علم الله) تعالى (به) علم کشف عن حقيقته الثابتة وانتقالات أحوالها (لأن الأخذ)، أي أخذ الله تعالى علمه في الأزل بنفس هذا العبد وبانتقالات أحواله، وأخذ هذا العبد علمه في عالم وجوده الحادث بنفسه وبانتقالات أحواله كل الآخذين بطريق الكشف عن نفس هذا العبد وانتقالات أحواله في الثابت ذلك كله قبل وجوده.
(من معدن واحد هو العين المعلومة)، وهو نفس ذلك العبد وانتقالات أحواله في ثبوتها قبل وجودها.
 
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، و منهم من يعلمه مُفَصَّلًا. والذي يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، وإما أن يكشف له عن‏ عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إِلى‏ ما لا يتناهى‏ وهو أعلى. فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد. )
قال رضي الله عنه : (وهم) أي الواقفون على سير القدر أو العلماء بأن علم الله به من أين حصل على قسمين منهم):
 أي بعض منهم خبر مقدم (من يعلم ذلك) مبتدأ أي سر القدر أو العلم المذكور (مجملا ومنهم من يعلمه).

 أي يعلم علم الله به او سر القدر (مفصلا والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا فإنه).
أي فإن الذي يعلم سر القدر مفصلا (يعلم ما في علم الله فيه) أي في حقه .
وذلك العلم يحصل له (إما بإعلام الله إياه بما) أي بسبب الذي (أعطاه عينه من العلم به وأما بان يكشف به) أي للعبد (عن عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى) وهذا هو العلم التفصيلي.
قال رضي الله عنه : (وهو) أي كشف العلم عن العين الثابتة أو بالإعلام (أعلى) من العلم بالإجمال (فإنه) أي فإن الذي يعلم نفسه بالانكشاف عن عينه الثابتة أو بالإعلام (يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد) وهو العين الثابتة المعلومة.
ولما بين اتحاد علمي الحق والخلق أراد أن يبين الفرق بينهما وإن هذه المساواة من أي جهة كانت.

 
شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، و منهم من يعلمه مُفَصَّلًا. والذي يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، وإما أن يكشف له عن‏ عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إِلى‏ ما لا يتناهى‏ وهو أعلى. فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد.)
و قوله رضي الله عنه : "وهم على قسمين منهم من يعلم ذلك مجملا ومنهم من يعلمه مفصلا، والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا، فإنه يعلم ما في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه مما أعطاه عينه من العلم به، وإما بأن يكشف له عن عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى وهو أعلى، فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد."
قلت: هذا كله واضح من عبارة الشيخ، رضي الله عنه، إلا قوله: من معدن واحد، فإنه يحتاج أن يبين المعدن المذكور ويعني بالمعدن الواحد أن الحق تعالی يأخذ علمه بالأعيان منها، لأن علمه تابع لمعلومه.
وكذلك هذا المشار إليه إنما يأخذ ذلك العلم المفصل من المعلوم وكل من علمه صحيح فإنما يأخذ علمه من معلومه، فالمعدن هو المعلوم والتقدير أنه هو تلك الأعيان الثابتة فيأخذ علمه منها.
 
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، و منهم من يعلمه مُفَصَّلًا. والذي يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، وإما أن يكشف له عن‏ عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إِلى‏ ما لا يتناهى‏ وهو أعلى. فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد.)
قال الشيخ رضي الله عنه : " وهم على قسمين : منهم من يعلم ذلك مجملا ، ومنهم من يعلمه مفصّلا ، والذي يعلمه مفصّلا أعلى وأتمّ من الذي يعلمه مجملا ، فإنّه يعلم ما في علم الله فيه أنّ علم الله به وبأحواله الظاهرة والباطنة بحسبه فيه ، ولكنّ علمه جملي لا تفصيلي ، وكلَّي لا تعيّني ، فلا يعلم تفاصيل أحواله الوجودية قبل وقوعها على التفصيل" .
والتفصيل على هذا الصنف لمن يعلم تفاصيل أحواله الوجودية ظاهرها وباطنها ، كما رويت عن سيدي وسندي وقدوتي إلى الله ، الشيخ الكامل المكمّل ، أكمل ورثة المحمديين ، صدر الحق والدين ، محيي الإسلام والمسلمين ، أبي المعالي ، محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف رضي الله عنه وكان يتكلَّم معي في هذا المقام من سرّ القدر ، أنّ شيخنا الأكمل ، خاتم الولاية الخاصّة المحمدية .
قال له : « لمّا وصلت إلى بحر الروم من بلاد أندلس ، عزمت على نفسي أن لا أركب البحر إلَّا بعد أن أشهد تفاصيل أحوالي الظاهرة والباطنة الوجودية ممّا قدّر الله عليّ ولي ومنّي إلى آخر عمري » .
قال رضي الله عنه : « فتوجّهت إلى الله في ذلك بحضور تامّ وشهود عامّ ومراقبة كاملة ، فأشهدني الله جميع أحوالي ممّا يجري ظاهرا وباطنا إلى آخر عمري ، حتى صحبة أبيك « إسحاق بن محمد » وصحبتك وأحوالك وعلومك وأذواقك ومقاماتك وتجلياتك ومكاشفاتك وجميع حظوظك من الله ، ثم ركبت البحر على بصيرة ويقين ، فكان  ما كان ويكون من غير إخلال ولا اختلال " .
وكيفيّة هذا الكشف أنّ المكاشف يتحقّق بعينه الثابتة الأزلية ، ويشهدها كشفا ، ويشهد أحوالها في المواطن والمراتب الوجودية والأطوار الشهودية مع أعيان ماهيّاتها ولوازمها ولوازم لوازمها وعوارضها ولواحقها ولواحق اللواحق ، دنيا وآخرة وعند الله ، فيعلم من عينه الثابتة التي هي ماخذ العلم الإلهي من حيث إنّها فيه سبحانه عينه وليست غيره ، فيعلم ما في علم الله في الكوائن والحوادث في حقّه وفي حق غيره . وهذا النوع من علم سرّ القدر وكشفه أكمل وأتمّ وأكشف وأعمّ جعلنا الله وإيّاك من عبيده الاختصاصيّين ، إنّه أرحم الراحمين .
قال رضي الله عنه : « إمّا بإعلام الله تعالى إيّاه بما أعطاه عينه من العلم به ، وإمّا بأن يكشف له عن عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى ، وهو أعلى ، فإنّه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به ، لأنّ الأخذ من معدن واحد " .
قال العبد : لمّا قرّر رضي الله عنه مراتب حصول العلم بالأعيان الثابتة وسرّ القدر ، وبأحوال عينه الثابتة ، احتمل أن يكون حصول هذا العلم لهذا الصنف الأكشف الأعلم ، بإعلام الله وإلهامه إيّاهم ، واحتمل أيضا أن يكون طريق حصول ذلك من عين الطريق والمأخذ الذي تعلَّق العلم الإلهي بذلك ، وذلك لأنّ الله يلقي إلى أسرار ربّة عبيده المصطفين ما شاء من العلوم والحقائق ، فيحصل الاطَّلاع على سرّ القدر ، وأحوال العين الثابتة من جملة ذلك .
وأعلى من هذا أن يكشف الله تعالى بعنايته الكاملة الذاتية لهذا العبد عن حضرة العلم وعالم المعاني ، فيشاهد الأعيان الثابتة ثابتة في عين الذات الغيبيّة والحقيقة المطلقة الكلَّية ، وثابتة في أرض المظهريات المحقّقة العلَّية ، ثبوتا أحديا علميّا وتعيّنا ذاتيّا غيبيا ، وإذا شاهد عينه الثابتة وأحوالها حواليها في أطوار الوجود وأقطار الشهود إلى ما لا يتناهى ، كان أخذ العلم بعينه الثابتة من المعدن الذي أحاط فيه به العلم الذاتي ، وهذا أكمل شهود في هذا المقام ، جعلنا الله وإيّاكم من أهله .
 
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، و منهم من يعلمه مُفَصَّلًا. والذي يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، وإما أن يكشف له عن‏ عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إِلى‏ ما لا يتناهى‏ وهو أعلى. فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد.)
ثم قسم هذا الصنف فقال رضي الله عنه : ( وهم على قسمين : منهم من يعلم ذلك مجملا ) وهو العالم بالبرهان أو الإيمان ( ومنهم من يعلمه مفصلا فالذي يعلمه مفصلا على وأتم من الذي يعلمه مجملا ) وهو العالم بالكشف والعيان.
( فإنه يعلم ما في علم الله فيه إما بإعلام الله تعالى إياه بما أعطاه عينه من العلم به ) بالإلقاء السبوحى ما في عينه وهو محجوب عن عينه.
( وإما بأن يكشف له عن عينه الثابتة ، وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى وهو أعلى ) فإن معدن علمه هو بعينه معدن علم الله تعالى به . فعين علمه بذاته علم الحق به فيرى هذا العبد القدر المقدور في حقه .
وهو معنى قوله:  ( فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به ، لأن الأخذ من معدن واحد ) ثم بين الفرق بين علم هذا العبد .
وعلم الحق به بعد ما بين اتحادهما بالحقيقة وأخذهما من معدن واحد.
 
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، و منهم من يعلمه مُفَصَّلًا. والذي يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، وإما أن يكشف له عن‏ عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إِلى‏ ما لا يتناهى‏ وهو أعلى. فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد.)
قال رضي الله عنه : (ﻳﻌﻠﻢ ﻣﺎ ﻓﻲ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻴﻪ) ﺃﻱ، ﻓﻲ ﺷﺄﻥ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻣﻦ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ.
ﻭﺫﻟﻚ ﻳﻜﻮﻥ (ﺇﻣﺎ ﺑﺈﻋﻼﻡ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﻳﺎﻩ ﺑﻤﺎ ﺃﻋﻄﺎﻩ ﻋﻴﻨﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﻪ ) ﺃﻱ، ﺑﺄﻥ ﻳﻠﻘﻴﻪ ﻓﻲ ﺭﻭﺣﻪ ﻭﻗﻠﺒﻪ ﻭﻳﻌﻠﻤﻪ ﺑﺄﻥ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻳﻘﺘﻀﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﻤﻌﻴﻨﺔ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻳﻄﻠﻌﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﻴﻨﻪ ﻛﺸﻔﺎ.
قال رضي الله عنه : (ﻭﺇﻣﺎ ﺑﺄﻥ ﻳﻜﺸﻒ ﻟﻪ ﻋﻦ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻭﺍﻧﺘﻘﺎﻻﺕ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻻ ﻳﺘﻨﺎﻫﻰ) ﻓﻴﺸﺎﻫﺪﻫﺎ ﻭﻳﻄﻠﻊ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﻋﻠﻰ ﻟﻮﺍﺯﻣﻬﺎ ﻭﺃﺣﻮﺍﻟﻬﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻠﺤﻘﻬﺎ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻘﺎﻡ ﻭﻣﺮﺗﺒﺔ.
ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﻋﻴﻨﻪ ﻣﻈﻬﺮﺍ ﻟﻺﺳﻢ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ ﺍﻹﻟﻬﻲ، ﻛﻌﻴﻦ ﻧﺒﻴﻨﺎ ﻭﻋﻴﻦ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﺻﻠﻮﺍﺕ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ، ﻛﺎﻥ ﻣﻄﻠﻌﺎ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﻣﻦ ﻋﻴﻦ ﺍﻃﻼﻋﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﻴﻨﻪ ﻹﺣﺎﻃﺔ ﻋﻴﻨﻪ ﺑﻬﺎ، ﻛﺈﺣﺎﻃﺔ ﺍﻻﺳﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻣﻈﻬﺮﻩ ﺑﺎﻷﺳﻤﺎﺀ ﻛﻠﻬﺎ.
ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻗﺮﻳﺒﺎ ﻣﻨﻪ ﻓﻲ ﺍﻹﺣﺎﻃﺔ، ﻛﺎﻥ ﻣﻄﻠﻌﺎ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺒﻪ. ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻪ ﺇﺣﺎﻃﺔ ﺃﺻﻼ، ﻻ ﻳﻄﻠﻊ ﺇﻻ ﻋﻠﻰ ﻋﻴﻨﻪ ﻓﻘﻂ.
قال رضي الله عنه : (ﻭﻫﻮ ﺃﻋﻠﻰ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﻋﻴﻨﻪ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﺑﻤﻨﺰﻟﺔ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻪ، ﻷﻥ ﺍﻷﺧﺬ ﻣﻦ ﻣﻌﺪﻥ ﻭﺍﺣﺪ) ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻌﻴﻦ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺔ.
ﺃﻱ، ﻛﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﻓﻴﻌﻠﻤﻪ، ﻛﺬﻟﻚ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﻋﻠﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﺑﻪ ﻓﻴﻌﻠﻤﻪ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺣﺎﺻﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﻦ: ﺑﺄﻥ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﻟﺬﺍﺗﻪ ﻻ ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺃﻣﺮ ﺁﺧﺮ ﻏﻴﺮ ﺫﺍﺗﻪ، ﻭﻋﻠﻢ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺑﻌﻴﻨﻪ ﻭ ﺃﺣﻮﺍﻟﻬﺎ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺣﻘﻪ.
 
خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، و منهم من يعلمه مُفَصَّلًا. والذي يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، وإما أن يكشف له عن‏ عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إِلى‏ ما لا يتناهى‏ و هو أعلى. فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد.)
قال الشيخ رضي الله عنه: "وهم على قسمين:
منهم من يعلم ذلك مجملا، ومنهم من يعلمه مفصلا، والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا، فإنه يعلم ما في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به، وإما أن يكشف له عن عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى و هو أعلى: فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد" .
ولذلك قسم الواقفين على سير القدر مطلقا ، فقال : (وهم على قسمين):
(منهم: من يعلم ذلك مجملا)، وهو أن كل ما يجري في العالم تابع للعلم الإلهي، وتابع لمقتضيات أعيان الموجودات؛ ولكن لا اطلاع له على تفاصيل ذلك لا من عين نفسه ولا غيره.
(ومنهم: من يعلمه مفصلا) يطلع على تفاصيل ذلك من نفسه في كل الأحوال، أو بعضها، وقد يكون فيهم من يطلع على تفاصيل كل الأعيان في بعض الأحوال، وهو نادر جدا، (والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا)، وإن كان أعلم ممن لا يطلع على سير القدر، وإن آمن به، وإنما لم يقل.
وهذا أعلى دون الأول مع أنه أخص؛ لأنه يوهم أن المراد أن الواقف على سر القدر أعلى من غيره، وهو غير مقصود هنا، وقد فهم مما تقدم، وبين وجه علوه بقوله: (فإنه يعلم ما في علم الله فيه) قيد بذلك.
لأنه الغالب في حق من يطلع إذ لا إطلاع على الغيب المطلق، ولو في بعض الأقوال نادر جدا،"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول" [الجن: 26، 27].
(إما بإعلام الله إياه) بالوحي، أو الإلهام، أو الكشف الضروري في اليقظة أو المنام (بما أعطاه) أي: الحق عينه (من العلم به)، مع أنه محجوب عن عينه.
وفيه تنبيه بأن كل إعلام إلهي ليس موجبا للوقوف على سر القدر بل الإعلام على هذا الوجه، ومعنى إعطاء العين الثابتة العلم للحق أنه لما كان معرفة الشيء على ما هو به فكأنه أعطاه إياه.
(وإما بأن يكشف له) الكشف المعنوي (عن عينه الثابتة)، وإن كانت عدمية بأن يكشف له عن علمه الأزلي الذي ثبتت عينه فيه، ويكشف له عن (انتقالات الأحوال عليها) في الأزمنة الآتية إلى ما يتناهى من حيث ثبوتها أيضا في العلم الأزلي، وإنما ذكرها؛ لأن الكشف عن عينه الثابتة يجوز أن يكون بدون الكشف عن أحوالها، كمن يرى الشيء من بعد لا يطلع على تفاصيل أعراضه وأجزائه وهو أي: من يكشف له عن عينه الثابتة، و انتقالات الأحوال عليها (إلى ما لا يتناهى أعلى) من صاحب الإعلام.
وإن كان أعلى ممن يعلم القدر إجمالا، ثم بين وجه كونه أعلى بقوله: (فإنه يكون في علمه بنفسه) فيه إشعار بأنه.
وإن كوشف عن العلم الأزلي، يجوز أن يخفى عليه أحوال أعيان غيره (بمنزلة علم الله به) في الإحاطة بتفاصيل أحواله الغير المتناهية من غير ليس وخفاء.
(لأن الأخذ) أي: أخذ علم الله، وعلم هذا العبد (من معدن واحد هو) عينه الثابتة؛ فإن علم الله، وإن كان قديما إلا أنه من حيث المطابقة للمعلوم كالمأخوذ منه؛ فلا فرق من هذه الجهة بين العلمين .
 
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، و منهم من يعلمه مُفَصَّلًا. والذي يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، وإما أن يكشف له عن‏ عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إِلى‏ ما لا يتناهى‏ وهو أعلى. فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد.)
(وهم على قسمين) - فالساكتون عن السؤال ثلاثة أصناف :
(منهم من يعلم ذلك مجملا ، و منهم من يعلمه مفصلا ، والذي يعلمه مفضلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا ، فإنه يعلم ما في علم الله فيه) أي يعلم
ما في ذلك العبد العالم من تفاصيل أحواله ، حال كونه في علم الله .
هذا إذا جعل أحد الطرفين حالا ، ويمكن أن يجعل بدلا، ومعناه على ذلك أظهر .
والعالمون بهذا الوجه أيضا صنفان : فإن ذلك العلم (إما بإعلام الله إياه ، بما أعطاه عينه من العلم به) بدون اطلاعهم على العين نفسه - وهو بمنزلة قرب النوافل .
( وإما بأن يكشف له عن عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها ) فيشاهد العين بأحوالها وما ينطوي تحتها من جزئيات الأعيان المنتسبة إليها بأحكامها و أحوالها (إلى ما لايتناهي) ضرورة أن الفائز بهذه المرتبة العليا والذروة القصوى لا يكون إلا حقيقة كلية ، له نسبة العلو والإحاطة ، كالخاتمين ومن يرثهما من الأقطاب والكتل .
ثم إن هذه الأصناف الثلاثة من الساكتين إذا ضرب في الأربعة منهم المستخرجة من التقسيم الأول ، الذي لنفس الأعطيات ، تصير إثني عشر صنفا ، فيكون مجموع الأصناف المعدودة هاهنا إثنين وخمسين .
لأن هذا العدد على قاعدة العقود راجع إلى السبعة التي عليها مدار دائرة الوجود والشهود ، إلى غير ذلك من الخصوصيات التي لهذا العدد ، كما يتبين في غير هذا المجال إن شاء الله تعالى ، وقد لاحظ في عد هذه الأصناف رابطة الترتيب ، حيث ابتدأ من المحجوبين متدرجا ، مترقيا إلى هذا الصنف ، الذي هو أكمل الأصناف .
( وهو أعلى ) کشفا من الكل ( فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به ، لأن الأخذ من معدن واحد ) وهو العين الثابتة حال ثبوتها ، فيكون هذا المكاشف مثل الحق في ذلك ، لكن لما كان للحق طرف الإحاطة والعلو ، يكون العلمان وإن كانا متساويين.


شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، و منهم من يعلمه مُفَصَّلًا. والذي يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، وإما أن يكشف له عن‏ عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إِلى‏ ما لا يتناهى‏ وهو أعلى. فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد.)
قال الشيخ رضي الله عنه: "و هم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملا، و منهم من يعلمه مفصلا، و الذي يعلمه مفصلا أعلى و أتم من الذي يعلمه مجملا، فإنه يعلم ما في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به، و إما أن يكشف له عن عينه الثابتة و انتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى وهو أعلى: 
فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد هو العين المعلومة "

قال رضي الله عنه : "وهم على قسمين منهم من يعلم ذلك". أي سر القدر (مجملا ومنهم من يعلمه مفصلا والذي بعلمه مفصلا أعلى) کشفا (وأتم) معرفة من الذي يعلمه مجملا .
(فإنه)، أي الذي يعلمه مفصلا (يعلم ما تعين في علم الله فيه)، أي في شأنه من أحوال عينه الثابتة على سبيل التفصيل بخلاف من يعلمه مجملا، وذلك العلم التفصيلي (إما بإعلام الله إياه)، أي الذي يعلمه مفصلا (بما أعطاه عنه من العلم به) بأن يلقى في قلبه بواسطة أو بغير واسطة أن عينه الثابتة تقتضي هذه الأحوال العينية من غير أن يطلعه على عينه کشفة.
قال رضي الله عنه : (وإما بأن يكشف له)، أي لأجله الحجاب (عن عينه الثابتة وعن انتقالات الأحوال عليها)، أي عن الأحوال المنتقلة عليها ذاهبة (إلى ما لا يتناهى) فيشاهدها ويطلع عليها وعلى أحوالها التي يلحقها في كل حين.
نقل الشيخ مؤید الجندي في شرحه لهذا الكتاب عن شيخه الكامل صدر الدين أبي المعالي محمد بن إسحاق القونوي عن شيخه الأكمل محيي الدين بن العربي قدس الله أسرارهم أنه قال:
 لما وصلت إلى بحر الروم من بلاد الأندلس عزمت على نفسي أن لا أرى البحر إلا بعد أن أشهد تفاصيل أحوالي الظاهرة والباطنة الوجودية مما قدر الله سبحانه علي وإلى متى إلى آخر عمري.

فتوجهت إلى الله تعالى بحضور تام وشهود عام ومراقبة كاملة.
فأشهدني الله جميع أحوالي مما يجري ظاهرا أو باطنا إلى آخر عمري حتى صحبة ابنك إسحاق بن محمد وصحبتك وأحوالك وعلومك وأذواقك ومقاماتك وتجلياتك ومکاشفاتك وجميع حظوظك من الله.
ثم ركبت البحر على بصيرة ويمين وكان ما كان ويكون من غير خلال واختلال (وهو)، أي الذي يكشف له عن عينه الثابتة (أعلا) رتبة (فإنه)، أي الذي يكشف له عن عينه (يكون في علمه بنفسه)، وأحوال بينة (بمنزلة علم الله به).
أي بمنزلة الله في علمه به (لأن الأخذ)، أي أخذ العلم لكل منهما.
قال رضي الله عنه : (من معدن واحد). وهو العين الثابتة فكما يتعلق علم الله بعينه الثابتة فيعلم أحوالها به كذلك يتعلق علم هذا الكامل بها وعلم أحوالها به فلا فرق بين العالمين.
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 12:12 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة التاسعة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :

قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة العلم.)
قال الشيخ رضي الله عنه : "إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك.
أي أحوال عينه، فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نسب ذاتية لا صورة لها. فبهذا القدر نقول إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم."
 (إلا أنه)، أي الأخذ المذكور (من جهة العبد) محض (عناية من الله) تعالى (سبقت له)، أي لهذا العبد (هي)، أي تلك العناية الإلهية التي أنتجت علم العبد بنفسه وبانتقالات أحواله بطريق الكشف المذكور.
(من جملة أحوال عينه الثابتة)، أي عين ذلك العبد بمعنی ذاته التي كشف الله تعالی عنها بعلمه (يعرفها)، أي يعرف تلك العناية (صاحب هذا الكشف) أيضا وهو العبد المذكور (إذا أطلعه الله) تعالى (على ذلك)، أي على أحوال عينه، أي ذاته الثابتة من قبل وجودها المكشوف عنها بعلم الله تعالى.
فإن من جملة أحوال عينه التي يطلعه الله تعالى عليها تلك العناية التي سبقت له المنتجة لعلمه بنفسه وبانتقالات أحواله بطريق الكشف عن ذلك وهو ثابت له قبل وجوده .
قال رضي الله عنه : (فإنه)، أي الشأن وهو بيان لقوله : عناية من الله سبقت له (ليس في وسع)، أي قدرة (المخلوق إذا أطلعه الله) تعالى (على أحوال عينه الثابتة) قبل وجودها كما ذكر (التي تقع صورة الوجود) بعد ذلك الثبوت (عليها).
وأما حقيقة الوجود فليست لها مطلقا بل ذلك مخصوص بالحق تعالى (أن يطلع) ذلك المخلوق قال رضي الله عنه : (في هذا الحال) المذكورة (على اطلاع الحق) تعالی اطلاع ذوقيا تفصيليا لا تخييليا إجماليا.

(على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها) قبل الوجود فيبقى المخلوق حينئذ لما يطلعه الله تعالى على جميع أحوال عينه الثابتة قبل أن تقع عليها صورة الوجود على هذا الاطلاع.
الذي هو من جملة أحوال عينه مشتغلا بما أطلعه الله تعالى من ذلك غير متفرغ للاطلاع على أن الله تعالى مطلع على ذلك كله وإن كان غير مكذب به بل هو مصدق بكل ذلك بطريق التخيل والإجمال لا الذوق والتفصيل .
(لأنها)، أي لأن تلك الأعيان الثابتة في عدمها قبل وجودها تعليل لاطلاع الحق تعالى عليها (نسب) جمع نسبة وهي اعتبار محض لا حقيقة ثابتة في أمر محقق.
بحيث لو زالت تلك النسبة أو لم تزل فذلك الأمر محقق على ما هو عليه من غير تغيير، كالقدام والخلف مثلا بالنظر إلى الكعبة .
فإذا استقبلتها بوجهك كانت قدامك، وإذا استدبرتها زالت تلك النسبة وخلفتها نسبة أخرى وهي كونها خلفك.
والكعبة لم تتغير عما هي عليه بزوال نسبة وطرو نسبة أخرى عليها ونحو ذلك من نسبة الفوق والتحت وما أشبهه.
(ذاتية)، أي منسوبة تلك النسب إلى ذات الله تعالى على معنى أن ذاته تعالی المطلقة المنزهة عن جميع القيود والكيفيات والتصورات تظهر بسبب إرادتها للشيء وتوجهها عليه في صورة ذلك الشيء، من غير أن تتغير هي في نفسها.
فيبقى ذلك الشيء موجودة ما دامت مريدة له متوجهة على إيجاده، فحقيقته نسبة فقط بین ذات الحق تعالى وبین ذلك الشيء المراد لها الذي هو عدم صرف.
ظهرت تلك النسبة من توجه الذات نحو ذلك الشيء الذي لا وجد ولا يوجد ولا هو موجود البتة، فإذا زالت تلك النسبة بقيت ذات الحق تعالى على ما هي عليه من قبل ظهور تلك النسبة.
فلولا ذات الحق تعالى الموجودة وجودا حقيقيا، ولولا ذلك الشيء المعدوم عدم صرفا، الذي أرادته وتوجهت عليه ذات الحق تعالى، ما ظهرت هذه النسبة المسماة باسم الشيء الموجود باسم العالم الحادث ثم باسم السماء والأرض ونحو ذلك.
فهي نسب اعتبارية لا وجود لها حقيقة.
وإنما الوجود الحقيقي لقيومها الذي هو ذات الحق تعالى، وإلى هذا المعنى يشير الشيخ قدس سره فيما سيأتي من أبياته بقوله :
فلولاه و لولانا لما   ….      كان الذي كانا
 فالموجود المحقق هو الله تعالى والكائنات كلها عدم صرف.
وهذه المخلوقات الظاهرة كلها نسب وإضافات حقيقتها ذات الحق تعالى بالنسبة إلى تلك الكائنات المعدومة والإضافة إليها لا مطلقة.

وهذه النسبة والإضافة لم تغير ذات الله تعالى ولا أعدمت منها ما كان لها ولا أحدثت فيها ما لم يكن لها، كما أن الكعبة في المثال السابق ما حدث لها وصف بظهور نسبة القدامية لها باستقبال أحد.
ولازال عنها وصف بزوال نسبة القدامية عنها باستدبارها، وحدوث نسبة الخلفية كما أن المرآة لم تتغير بظهور الصور فيها لا زادت ولا نقصت .
فجميع ما ظهر فيها نسب عدمية بين ما قابلها وبينها هي، فلولا وجودها وفروض ما يقابلها ما ظهرت فيها هذه الصور النسبية التي لا حقيقة لها في المرآة أبدا، وإنما الموجود المرآة فقط كما سيذكره الشيخ قدس سره قريبا .
(لا صورة لها)، أي بتلك النسب الذاتية، وإنما صورتها المدركة لها مجرد نسبة عدمية بين أمر موجود وهو ذات الحق تعالى وأمر معدوم وهو تلك الصورة المفروضة المقدرة المعدومة، يعني أن الحق تعالى مطلع على جميع هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها، لأنها نسب ذاتية له لا صورة لها في نفسها، و علمه تعالى بذاته هو علمه بهذه النسب المنسوبة إلى ذاته تعالى.
وذلك لأن ذاته تعالی مطلقة عن الانحصار لعلم أو غيره، والمطلق إذا علم إنما يعلم نسبه الذاتية وإضافاتها، ويبقى مطلقا على ما هو عليه ولا يصير محاطا به محصورة البتة وإلا انقلب المطلق مقيدة وهو محال، لأنه يصير ممكنة بعد وجوبه.
 وهذا معنى قول الشيخ قدس الله سره في كتابه «عقلة المستوفز» إن الله تعالی علم ذاته فعلم العالم، يعني لزم من علمه بذاته علمه بالعالم، وليس علمه بذاته شيئا وعلمه بالعالم شيئا آخر.
(فبهذا القدر) الذي هو كشف الله تعالى للعبد عن عينه الثابتة في حال عدمها وعن انتقالات الأحوال عليها (نقول إن العناية الإلهية سبقت) من الله تعالى في الأزل (لهذا العبد) المذكور (بهذه المساواة) بين علمه وبين علم الله تعالى (في) مجرد (إفادة العلم) بعينه الثابتة في حال عدمها وبانتقالات الأحوال عليها حيث كان علم الله تعالى بالكشف أيضا عن عين هذا العبد الثابتة في حال عدمها وعن انتقالات الأحوال عليها.
 
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة العلم.)
قال الشيخ رضي الله عنه: (إلا أنه) أي العلم من جهة العبد عناية من الله تعالى (سبقت له هي) أي العناية .
(من جملة أحوال عينه الثابتة يعرفها) أي العناية (صاحب هذا الكشف إذا) أي وقت (أطلعه الله تعالى على ذلك) أي على أحوال عينه (فإنه) إثبات لقوله : إلا أنه من جهة العبد عناية أي الشأن (ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله) أي وفت اطلاع الله إياه (علی أحوال عينه الثابتة) وهي الوجود العلمي (التي يقطع صورة الوجود) أي صورة الوجود الخارجي (عليها) أي على عينه الثابتة
قال رضي الله عنه : (أن يطلع) ذلك المخلوق (في هذه الحال) أي حال اطلاعه على أحوال عينه المعروضة لوجوده الخارجي (على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها) أي في حال ثبوتها في علم الله تعالى قبل وقوع صورة الموجود عليها، يعني أن يطلع بعين اطلاع الحق.
(لأنها) أي اطلاع الحق تأنيث الضمير باعتبار وقوع الاطلاع على الأعيان الثابتة لذلك جمع (نسب ذاتية لا صورة لها) في الخارج إذ لم يكن موجودة فيه بخلاف العبد فإنه مخلوق على الصورة (فليس في وسع المخلوق) على الصورة أن يطلع على ما لا صورة له ويجوز أن يعود إلى الأعيان الثابتة باعتبار كونها في حال عدمها إلا أن الأنسب حينئذ أن يقول على أن يطلع على هذه الأعيان بدون قوله على اطلاع الحق ولا بد من ذكره إثبات للمساواة فلما لم يطلع العبد على ما ليس في وسعه قال : (فبهذا القدر) من المساواة : (نقول إن العناية الإلهية قد سبقت لهذا العبد بهذه المساواة) مع الحق (في إفادة) العين الثابتة (العلم) بالحق والعبد
 
شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة العلم.)

قوله رضي الله عنه :" إلا أنه من جهة العبد عناية من الله تعالی سبقت له من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك، أي على أحوال عينه، فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق تعالى على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نسب ذاتية لا صورة لها. "
فبهذا القدر نقول: إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم

قلت: في قوة كلامه، رضي الله عنه، هنا قوة جواب عن سؤال مقدر.
تقريره أن يقال: إذا حصل لعبد من العبيد علم عينه الثابتة وعلم ما يكون عليه في حال الوجود والحق تعالى هو يعلم الأعيان الثابتة أيضا مثل هذا العلم بعينه فما الفرق بين علم الله تعالی و بین علم هذا العبد؟
فأجاب: بأن عناية الله تعالی سابقة لهذا العبد بأن يعلم هذا العلم فهو علم مستفاد، بخلاف علم الله تعالى فإنه ذاتي أزلي أبدي فافترق علم الله تعالی عن علم هذا المكاشف. والعناية أيضا مستفادة من تلك العين.
 
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة العلم.)
قال الشيخ رضي الله عنه: « إلَّا أنّه من جهة العبد عناية من الله سبقت له ، هي من جملة أحوال عينه  يعرفها صاحب هذا الكشف ، إذا أطلعه الله على ذلك ، أي على أحوال عينه الثابتة ، فإنّه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على ذلك أي على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذا الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها ، لأنّها نسب ذاتية لا صورة لها ، فبهذا القدر نقول : إنّ العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم " .
قال العبد أيّده الله به : لمّا بيّن رضي الله عنه أنّ هذا العبد الأكشف الأكمل الذي حصل علمه بنفسه وبعينه الثابتة بمنزلة المساواة لعلم الله بعينه الثابتة وأحوالها كذلك ، إنّما حصل عناية إلهية بهذا العبد وصدق قدم في علم قدم ، وهذه العناية الإلهية به أيضا من جملة أحوال عينه الثابتة التي اقتضتها بخصوص استعدادها وقابليتها الخاصّة أن يعلم ذلك كذلك .
 فإنّ تعلَّق العناية إنّما يكون بحسب تعلَّق الإرادة الإلهية والمشيّة الربّانيّة ، والعناية إرادة حبّيّة بالمعتنى به لتكميله وتوصيله ، ثم تعلَّق المشيّة والإرادة أيضا بموجب تعلق العلم بعينه الثابتة له أزلا وأبدا ، فالخصوصيّات العينية والقابليات الذاتية هي أصل العناية الأزلية وهي قدم الصدق .
قال الشيخ رضي الله عنه: « فإنّه ليس في وسع المخلوق » تعقيب لكلامه الأوّل : « إمّا بإعلام الله . . . وإمّا بأن يكشف »
يعني : لا يجمع لأحد بين الاطَّلاع على الأعيان الثابتة وأحوالها وبين الاطَّلاع على اطلاع الله بعلمه على هذه الأعيان ، لأنّه تعلَّق الشهود بأمرين في حالة واحدة و"ما جَعَلَ الله لِرَجُلٍ من قَلْبَيْنِ في جَوْفِه".
 ولأنّ هذه الأعيان نسب ذاتية ، فهي بالنسبة إليها معدومة الأعيان وإن كانت ثابتة للحق ، فلا صورة لها في أعيانها فما هي فيه ، بل هي فيه هو كما قلنا نحن فيه هو ، فاعرفنا به وهو فينا نحن ، فافهم ما نقول .
وهوية الوجود الواحد في أعيان القوابل وإن كانت بحسبها متعدّدة ، فهي أيضا في الهوية الواحدة الوجودية الذاتية كذلك بحسبها أحدية .
فلمّا كانت هذه النسب في العلم الإلهي ثابتة للذات بأنّها شؤونه وأحواله الذاتية ومن حسبها "كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ ".
لم يكن للممكن أن يطَّلع على اطلاع الحق على هذه النسب الكلية الذاتية التي هي مفاتيح الغيب حال عدميّتها في أعيانها تحت قهر الأحدية الذاتية ، فإنّ هذا الاطلاع أحديّ لم يظهر بعد للمشاهد ، والمشاهدة والمشاهد الثابتة عين وجوديّ ، فإنّه إنّما يتأتّى للمكاشف أن يطَّلع عليها من حيث إنّها ثابتة في العلم وجودا علميا ، وحينئذ يتمكَّن المشاهد من شهودها .
 
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة العلم.)
قال رضي الله عنه : ( إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له ) قبل أن يوجد عينه .
قال الشيخ رضي الله عنه: (هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف) ولم يعلمها قبل وجوده بل علم (إذا أطلعه الله تعالى على ذلك أي إلى أحوال عينه) بعد وجوده لا قبله.
كما علم الله تعالى منه قبل وجوده (فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله تعالى على أحوال عينه الثابتة التي يقع صورة الوجود عليها أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها، لأنها نسب ذاتية لا صورة لها).
أي نسبة الذات الأحدية إلى كل عين نسبة ذاتية ، وهي حضور الذات لها ولما فيها من الأحوال والنقوش .
وهذا حضورها لذاتها قبل أن توجد هذه الأعيان في الخارج ، فلا صورة لها في الخارج والضمير في لأنها يرجع إلى الاطلاع أنث لمطابقة الخبر .
ولأن الاطلاع نسبة الذات إلى الأعيان ( فبهذا القدر نقول : إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم )
وهو أن تعلم أن علمه تعالى وعلم العبد واحد من معدن واحد ، إلا أن علم العبد لم يكن إلا بعد وجوده وحصول صورته .
وعلمه تعالى كان قبل وجوده وبعده ، وعلمه عناية من الله سبقت ، وعلم الله ليس بعناية من غيره سابق ، وظهر الفرق.
 
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة العلم.)
ﻭﻫﺬﺍ ﻣﻌﻨﻰ ﻗﻮﻟﻪ رضي الله عنه : "ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻋﻨﺎﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﻘﺖ ﻟﻪ، ﻫﻲ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ، ﻳﻌﺮﻓﻬﺎ ﺻﺎﺣﺐ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﺇﺫﺍ ﺃﻃﻠﻌﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ، ﺃﻱ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﻋﻴﻨﻪ" ﻭﻫﺬﺍ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻣﻘﺎﻣﺎﺕ ﺍﻟﻤﻜﺎﺷﻔﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻔﺮ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ.
ﺑﻴﻦ ﺃﻭﻻ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﺴﺎﺋﻠﻴﻦ ﻣﺒﺘﺪﺀﺍ ﻣﻦ ﻣﻘﺎﻡ ﺍﻟﻤﺤﺠﻮﺑﻴﻦ ﻣﺘﺪﺭﺟﺎ ﺇﻟﻰ ﻏﺎﻳﺔ ﻣﻘﺎﻡ ﺍﻟﻤﻜﺎﺷﻔﻴﻦ.
ﻭﺍﻋﻠﻢ، ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ ﻳﻨﻘﺴﻢ ﻋﻠﻰ ﻗﺴﻤﻴﻦ:
ﻗﺴﻢ ﻣﺎ ﻳﻘﺘﻀﻴﻬﺎ ﺍﻟﻌﻴﻦ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺑﺎﺳﺘﻌﺪﺍﺩﻫﺎ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﺗﺒﻌﺎ ﻟﻬﺎ،
ﻭﻗﺴﻢ ﻳﻘﺘﻀﻴﻬﺎ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻻ ﺍﻟﻌﻴﻦ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻜﻞ ﺭﺍﺟﻌﺎ ﺇﻟﻴﻬﺎ.
ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻷﻭﻝ، ﻓﻬﻮ ﺑﺤﺴﺐ ﻓﻴﻀﻪ ﺍﻟﻤﻘﺪﺱ ﺍﻟﻤﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﻭﺃﺣﻮﺍﻟﻬﺎ ﻭﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺗﻬﺎ.
ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ، ﻓﻬﻮ ﺑﺤﺴﺐ ﺍﻟﻔﻴﺾ ﺍﻷﻗﺪﺱ ﺍﻟﺠﺎﻋﻞ ﻟﻬﺎ ﻭﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺗﻬﺎ.
ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﻣﺘﺒﻮﻋﺔ، ﺇﺫ ﺍﻟﻔﻴﺾ ﺍﻷﻗﺪﺱ ﺃﻳﻀﺎ ﻳﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ.
ﻭﺃﺭﺍﺩ ﺍﻟﺸﻴﺦ رضي الله عنه ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻷﻭﻝ، ﻟﺬﻟﻚ ﻧﺴﺐ ﺇﻟﻰ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﻋﻴﻦ ﺍﻟﻌﺒﺪ.
(ﻓﺈﻧﻪ) ﺍﻟﻀﻤﻴﺮ ﻟﻠﺸﺄﻥ.
قال رضي الله عنه : "ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻭﺳﻊ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻕ، ﺇﺫﺍ ﺃﻃﻠﻌﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻊ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﺃﻥ ﻳﻄﻠﻊ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺇﻃﻼﻉ ﺍﻟﺤﻖ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﻋﺪﻣﻬﺎ، ﻷﻧﻬﺎ ﻧﺴﺐ ﺫﺍﺗﻴﺔ ﻻ ﺻﻮﺭﺓ ﻟﻬﺎ".

ﻫﺬﺍ ﺗﻌﻠﻴﻞ ﻟﻘﻮﻟﻪ: (ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻋﻨﺎﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ) ﺃﻱ، ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻭﺳﻊ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻕ ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﺃﻃﻠﻌﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺑﺤﺴﺐ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﻳﻄﻠﻊ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺣﺎﻝ ﺍﻃﻼﻋﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﻮﺍﻟﻬﺎ ﻛﺸﻔﺎ ﻭﺷﻬﻮﺩﺍ ﻛﻤﺎ ﻳﻄﻠﻊ ﺍﻟﺤﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺷﻬﻮﺩﺍ، ﻷﻧﻬﺎ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ.
ﻛﺎﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺬﻫﻨﻴﺔ ﻣﺜﻼ ﻓﻲ ﺃﺫﻫﺎﻧﻨﺎ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﻴﻨﻲ ﻛﺎﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ ﻟﻠﺸﺊ، ﻧﺴﺐ ﺫﺍﺗﻴﺔ ﻻ ﺻﻮﺭﺓ ﻟﻬﺎ، ﻓﻼ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻄﻠﻊ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻕ ﻛﻤﺎ ﻳﻄﻠﻊ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺤﻖ.
ﻭﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﺘﻮﻫﻢ ﺃﻧﻪ ﻳﻨﻔﻰ ﺍﻻﻃﻼﻉ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻣﻄﻠﻘﺎ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﻋﺪﻣﻬﺎ، ﻷﻧﻪ ﺫﻛﺮ ﻓﻲ ﻓﺘﻮﺣﺎﺗﻪ: (ﺇﻥ ﺍﻟﺴﺎﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻔﺮ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻳﺸﺎﻫﺪ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﺎ ﻳﺘﻮﻟﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻨﺎﺻﺮ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﻗﺒﻞ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ).
ﻭﻗﺎﻝ: (ﻭﺑﻬﺬﺍ ﻻ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﺍﻟﻘﻄﺒﻴﺔ ﺣﺘﻰ ﻳﻌﻠﻢ ﻣﺮﺍﺗﺒﻬﻢ ﺃﻳﻀﺎ). ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻻﻃﻼﻉ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﻻ ﺑﺎﻻﻃﻼﻉ ﻋﻠﻰ ﺃﻋﻴﺎﻧﻬﻢ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ، ﻓﻬﺬﺍ ﺃﻳﻀﺎ ﻓﺮﻕ ﺁﺧﺮ ﺑﻴﻦ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﺤﻖ ﺑﺎﻷﻋﻴﺎﻥ ﻭﺑﻴﻦ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻌﺒﺪ.
ﻭﺿﻤﻴﺮ (ﻷﻧﻬﺎ) ﻋﺎﺋﺪ ﺇﻟﻰ (ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ). ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺭﺍﺟﻌﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺴﺐ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ، ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ، ﺣﻜﻢ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﺄﻧﻬﺎ ﻧﺴﺐ ﺫﺍﺗﻴﺔ.
ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺺ ﺍﻷﻭﻝ: (ﺑﻞ ﻫﻮ ﻋﻴﻨﻬﺎ ﻻ ﻏﻴﺮﻫﺎ). ﺃﻋﻨﻲ، ﺃﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ. ﻓﺴﻠﺐ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻋﻨﻬﺎ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺟﻪ، ﻭﺇﻻ ﻓﺎﻷﻋﻴﺎﻥ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺘﻌﻴﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ، ﻭ ﺃﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻤﻜﻨﺎﺕ ﺃﻳﻀﺎ ﻟﻬﺎ ﺻﻮﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﺎﺭﺝ، ﻓﻼ ﻳﺼﺪﻕ ﺳﻠﺐ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻋﻨﻬﺎ ﺧﺎﺭﺟﺎ ﻭﻋﻠﻤﺎ.
ﻭﻗﻴﻞ ﺿﻤﻴﺮ (ﻷﻧﻬﺎ) ﻋﺎﺋﺪ ﺇﻟﻰ (ﺍﻻﻃﻼﻉ)، ﻭﺗﺄﻧﻴﺜﻪ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﺨﺒﺮ ﻭﻫﻮ (ﺍﻟﻨﺴﺐ). ﻭﻓﻴﻪ ﻧﻈﺮ. ﺇﺫ ﻻ ﻳﺼﺪﻕ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻃﻼﻉ ﺃﻧﻪ ﻧﺴﺐ ﺫﺍﺗﻴﺔ، ﻷﻧﻪ ﻧﺴﺒﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺴﺐ ﻻ ﻛﻠﻬﺎ.
قال رضي الله عنه : (ﻓﺒﻬﺬﺍ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﻧﻘﻮﻝ، ﺇﻥ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺳﺒﻘﺖ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﻓﻲ ﺇﻓﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﻠﻢ) ﻇﺎﻫﺮ ﻣﻤﺎ ﻣﺮ. )
 
خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة العلم.)
قال الشيخ رضي الله عنه: "إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك، أي أحوال عينه، فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نسب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدر نقول إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم."
(إلا أنه) أي: العلم بالعين الثابتة، وانتقالات الأحوال عليها إلى غير النهاية (من جهة العبد)؛ لحدوثه (عناية من الله سبقت له)، وعلم الله لقدمه ليس عن عناية أحد؛ لكن العناية الإلهية أيضا (هي من جملة أحوال عينه)، فهي أيضا من العبد من هذا الوجه، وإذا كانت العناية الإلهية من جملة أحوال عينه.
قال رضي الله عنه : (فيعرفها) أي: العناية من حيث كونها من جملة أحوال عينه معرفة كشفية (صاحب هذا الكشف) الذي كوشف عن أحوال عينه الثابتة؛ (إذا أطلعه الله على ذلك).
ولما أمكن كون الإشارة إلى العناية، وهو باطل؛ لأن الاطلاع عليها لا يستلزم الاطلاع على كونها من أحوال عينه.
وكذا إلى أحوال عينه مطلقا أي: سواء اعتبرت من حيث هي، أو من حيث وقوع صورة الوجود عليها، وهو أيضا باطل لما يذكره بعد بين بقوله أي: على أحوال عينه .
من حيث هي لا من حيث كونها مواقع صور الوجود والأحوال الأولى، هي التي لا تتوقف على الوجود بخلاف الثانية.
وإنما قلنا: إنما يعرف العبد كون العناية الإلهية من جملة أحوال عينه، إذا أطلعه الله عليها من حيث هي لا من حيث كونها مواقع صور الوجود، وإن كان حال وقوعها عليها (فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه) لا من حيث هي.
بل من حيث إنها (التي تقع صورة الوجود عليها) المانعة من رؤية الأعيان كمنع وقوع الصورة الحسية على المرأة المحسوسة عن رؤية تلك المرأة (أن يطلع في هذا الحال) أي: حال اطلاعه على الأعيان من حيث تقع صورة الوجود على الأعيان نفسها فضلا عن أن يطلع على أحوالها التي لها من حيث هي، وهي التي من جملتها العناية الإلهية التي هي اطلاع الحق عليها.
فلذلك قلنا: لا وسع لمخلوق حال اطلاعه على الأعيان من حيث يقع عليها صورة الوجود أن يطلع في هذا الحال (على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة) من حيث هي أي: (في حال عدمها).
وفيه إشارة إلى إن العناية من جملة أحوال العين إذا كانت من حيث هي، وإنما كان هذا الاطلاع من الحق عليها عناية؛ (لأنها) أي: الأعيان باعتبار تلك الأقوال.
(نسب ذاتية) أي: نسب ذات الحق إلى تعیناته في المظاهر، فهو يعتني بها.
""مجردة عن الأسماء والصفات لا صورة لها فى علم الله سبحانه ، يدرك غير الذات ولا تمييز ولا فرق بينها وبين الذات بل هي نسب و خصوصيات لحضرة الذات تسمى باصطلاحهم شئون ذاتية، وهي عين ذاتها فإذا اطلع العبد المعتني به على الأعيان الذاتية من حيث إنها شئون، فيرى شئونا ذاتية لا صورة لها في ذاتها، بل يرى أنها عين الذات. ""
وإنما قلنا: هي نسب ذاتية؛ لأنها (لا صورة لها) حال ثبوتها في العلم الإلهي، إذ ليس عبارة عن حصول صور الأشياء فيه، والإلزام إما كونه محلا للصور المتبدلة الحادثة، أو جهله بالحوادث، وما وقع في كلام بعضهم من أن الأعيان صور عمله تعالى.
فالمراد: أنها متميزة عنده تميز الصور الذهنية، فلما كان اطلاع العبد على أحوال عينه الثابتة من حيث هي؛ بعد وقوع الصور الوجودية، وهي مانعة عن رؤية المرآة الحسية فضلا عن العدمية.
لم یکن بد من العناية في رفع حجابيتها؛ حتى لا يكون اطلاعه عليها من حيث هي مواقع صور الوجود، فإن ذلك مانع من رؤيتها من حيث بكل حال.
(فبهذا القدر نقول: إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد)، وإلا فهذا الاطلاع ورفع حجابتها أيضا من مقتضی عينه الثابتة، ثم إن كل ما في العالم، وإن كان بالعناية الإلهية؛ فهي في هذا العبد أتم من حيث إنها وقعت (بهذه المساواة) بين العبد وربه (في أخذ العلم) من معدن واحد.
(ومن هنا) أي: ومن كون العناية الإلهية اطلاع الحق على أحوال الأعيان من حيث هي، وهي باقية فيها مع تبدل الأحوال الوجودية عليها؛ فالعلم أيضا يتعلق بها فتحدث له نسبة متجددة باعتبار تبدل الأحوال الوجودية مع ثبوت تعلقه بأحوالها من حيث هي (يقول الله: "حتى نعلم" [محمد: 31]) .
أي: حتى يقع علمنا على الأمر المتجدد بعد تعلقه بأحوال الأعيان الثابتة من حيث هي، وهو مع ثبوته مطابق هذا الأمر المتجدد، فكأنه متجدد أيضا.
 
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة العلم.)
(إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت لها، هي من جملة أحوال عينه ، يعرفها صاحب ذلك الكشف ، إذا أطلعه الله على ذلك ) العين وأحواله (أي على أحوال عينه) ضرورة أن هذه العناية من جملة أحوال العين التي هي سابقة على الكل ولذلك أنتج هذه الخاتمة التي هي محيطة بالكل .
أما بيان أنه لابد للعبد في علمه هذا من سابقة عناية من الله (فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها)  بأن يكشف له عن تلك العين في حال وجودها ، ويعلم منه سائر ما انطوت عليه من الأحكام والأحوال ، بعد أن تقع صورة الوجود الكاشفة السائر الصور عليها ( أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها ، لأنها )- أي الأعيان في حال عدم ها - ( يسب ذاتية إلا صورة لها) في نفسها ، فإنه لايخفى على الواقف بأصولهم أن الكثرة حينما كانت وبأي اسم سمیت - فإنها يسب عدمية واعتبارات خالصة عن شائبة الوجود مطلقا، وهذه النسبة الإطلاقية التي للأعيان قال إنها ذاتية ، فالضمير راجع إلى الأعيان - لاغيرا .
وإذا تقرر أن الأعيان لاحظ لها من الوجود، فلا يكون لها حكم ولا حال ولا علم أصلا، بل الكل مستهلك في الذات، استهلاك صورتها فيها، فالحكم حينئذ للذات بإطلاقها، وليس للعبد المحصور تحت أحكام عينه حالة الوجود سعة الإحاطة الذاتية، فلا يمكن له الاطلاع المذكور إلا بسابقة من العناية.
والحاصل أن العبد له طرف ضيق تخلف به عن الحق في ذلك ، وطرف سعة به يماثله ويساويه ، (فهذا القدر) من التخلف والضيق الذي للعبد ( يقول : إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم ) .
 
شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة العلم.)
قال الشيخ رضي الله عنه: "إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك.
أي أحوال عينه، فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نسب ذاتية لا صورة لها.
فبهذا القدر نقول إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم."
قال رضي الله عنه : (إلا أنه)، أي العلم بالعين الثابتة أو أخذ العلم منها (من جهة العبد عنابة من الله سبحانه سبقت له)، أي للعبد قبل وجوده.
(هي)، أي هذه العناية (من جملة أحوال عينه) الثابتة التي تقتضي جریان تلك الأحوال عليها فحبيت اقتضت تعلق العناية بها تعلقت.
(يعرفها)، أي تلك العناية السابقة وكونها من أحوال عينه (صاحب الكشف إذا أطلعه الله على ذلك)، أي على المذكور من أحوال عينه، فإنه إذا اطلع عليها باطلاع الحق سبحانه عرف تلك العناية التي من جملتها .
وإنما قلنا: العلم بالعين الثابتة من جانب العبد مسبوق بعناية من الله سبحانه (فإنه) الضمير للشأن. قال رضي الله عنه : (ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله)، أي أراد اطلاعه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود العيني لهذا المخلوق (عليها).
أي على تلك الأحوال (أن يطلع في هذه) الأحوال اطلاع راقية (على) طريقة (اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها) علما و عينة .
فقوله : على هذه الأعيان الثابتة يحتمل أن يكون متعلق بقوله : يطلع.
وبالاطلاع أيضا يمكن أن يقال : المراد باطلاع الحق ما يطلع عليه الحق من هذه الأعيان وحينئذ لفظة على الأولى متعلقة بيطلع والثانية بالاطلاع .
وإنما قلنا: ليس في وسع المخلوق اطلاع مثل اطلاع الحق (لأنها) أي تلك الأعيان يعني الحقائق التي تلك الأعيان صورة معلوميتها (نسب ذاتية) وشؤون عينية مستجنة في عين الذات قبل العلم بها.

(لا صورة لها) تتميز بها لا في العلم ولا في العين ليصح تعتق علم المخلوق بها.
فإذا تعلق علم الحق سبحانه بها وحصل لها تمیز وتعين في العلم صح تعلق علم المخلوق بها .
علما مفيدة للعلم بأحوالها مساوية لعلم الحق سبحانه في تنك الإفادة (فبهذا القدر) من سبق علم الحق بالأعيان على علم العبد بها.
(نقول إن العناية) من الحق سبحانه (سبقت لهذا العبد بهذه المساوات)، أي بمساراته للحق والباء متعلقة بالعناية (في إفادة العلم)، أي إفادة العلم بالأعيان الثابتة العلم بأحوالها الجارية
عليها في وجوده العيني إلى ما لا يتناهى وتحقيق ذلك أن للحق سبحانه بالنسبة إلى العبد
عنایتین.
 أحدهما : بحسب فيضه الأقدس ، وهي تقتضي تعين عينه الثابتة في مرتبة العلم بحيث يصلح لأن يتعلق به علم المخلوق و استعدادها الكلي لفيضان الوجود عليها .
وأحدهما بحسب فيضه المقدس وهي تقتضي فيضان الوجود عليها في العين واستعداداتها الجزئية ليترتب عليها أحوالها التي من جملتها صلاحية انکشاف عينة الثابتة وأحوالها عليه.
 ولا شك أنه إذا كاشف العبد بعينه الثابتة وعلم بهذا الكشف أحوالها أنه يأخذ العلم بتلك الأحوال من عينه الثابتة .
كما يأخذ الحق سبحانه عنها نكن أخذه منها من رزق بهاتين العنايتين من جانب الحق سبحانه وإلى العناية الأولى أشار الشيخ رضي الله عنه .
واعلم أنه قد وقع في مواضع من القرآن ما يوهم أن علمه سبحانه ببعض الأشياء حادث كقوله سبحانه : " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ "آية 31 سورة محمد .
وقوله تعالى : " ثم بعثهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا" آية 12 سورة الكهف.
وأمثال ذلك والتقصي عن هذه الأشكال، إما بما ذهب إليه المتكلمون من أن علمه سبحانه قدیم وتعلقه حادث .
فمعنى قوله : "حتى نعلم" حتى يتعلق علمنا القديم بالمجاهدين منكم والصابرين.
وإما بأن المراد بالعلم الشهود فإن الأشياء قبل وجودها العيني معلومة للحق سبحانه وبعده مشهودة له فالشهود خصوص نسبة العلم.

فإنه قد يلحق العلم بواسطة وجود متعلقه نسبة باعتبارها نسميه شهود و حضورا لا أنه حدث هناك علم.
فمعنى حتی نعلم حتى نشاهد، وإما بأن يقال المسند إليه في قوله: نعلم ليس هو الحق باعتبار مرتبة الجمع بل باعتبار مرتبة الفرق .
فكأنه يقول : حتى نعلم من حيث ظهورنا في المظاهر الكونية الخلفية فتكون الخلقية وقاية له عن نسبة الحدوث إليه .
وإما بان يقال : المراد بالتأخر المفهوم من كلمة حتى التأخر الذاتي لا الزماني حتى يلزم الحدوث الزماني وحيث انجر الكلام ههنا إلى أن علم الحق سبحانه بأحوال العبد مأخوذ من عينه الثابتة متأخر عنها بالذات.
 
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 6 أكتوبر 2018 - 11:30 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة العاشرة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب.
وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
و بهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف و الوجود.)
قال الشيخ رضي الله عنه : "و من هنا يقول الله تعالى: «حتى نعلم» و هي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب.
و غاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق ، و هو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
و بهذا انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف و الوجود."
فالعلمان من معدن واحد كما تقدم، ولكن ليس في وسع العبد إذا وافق علم الله بعينه الثابتة في حال عدمها وبانتقالات الأحوال عليها باطلاع الله تعالى له على ذلك أن يطلع أن ذلك موافق لعلم الله به.
فإذا اطلع على الموافقة المذكورة علم، علم الله تعالی به (ومن هنا)، أي من هذا المعنى حيث علم علم الله تعالى به (يقول الله) تعالى في القرآن العظيم :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)" سورة محمد.  ، يعني حتى نكشف عندكم بعلمنا عن " المجاهدين منكم " والصابرين  [محمد: 31]..
وذلك الكشف هو كشفنا لكم عن ذلك حيث توافق علمنا وعلمكم في هذا المقدار المذكور (وهی)، أي قوله تعالى: نعلم (كلمة محققة المعنی)، أي معناها ما يظهر منها حقيقة على حسب ما ذكر (ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب) من العلم بالله الموافق للعلم بالله حیث هما من معدن واحد.
(وغاية المنزه)، أي العالم بالله على وجه التنزيه من علماء الظاهر (أن يجعل ذلك الحدوث) المفهوم من ظاهر قوله تعالى: "حتى نعلم" ، أي حتى يحدث لنا علم
حدوثة (في العلم للتعلق) بالمعلوم لا لنفس العلم الإلهي القديم.
قال رضي الله عنه : (وهو)، أي هذا القول بالحدوث في العلم للتعلق لا لنفس العلم (أعلى وجه یکون)، أي يوجد (للمتكلم بعقله) كعلماء الظاهر (في هذه المسألة) التي هي مسألة نسبة حدوث العلم الله تعالى.
(لولا أنه)، أي هذا المتكلم بعقله (أثبت العلم) معنى (زائدة على الذات فجعل التعلق) بالمعلوم (له لا للذات) وقد نسب علماء الظاهر هذا القول للأشعري رحمه الله تعالى.
حيث سموا العلم صفة معنى من جملة صفات المعاني السبعة ، وعللوا التسمية بأن هذه الصفات السبعة التي منها العلم لها معان في نفسها زائدة على قيامها بالذات، وأنا أقول إن هذا ليس مذهب الأشعري ولا غيره من السلف ، بل مذهبه أن هذه الصفات السبعة ليست عين الذات ولا غيرها.
فقوله: ليست عين الذات، يفيد أنها غيرها وقوله : ولا غيرها، يفيد أنها عين الذات، فالمفهوم من مذهبه أنه غير قاطع بواحد منهما.
فكيف ينسب إليه أنها غير الذات، وهي معان زائدة على الذات، والحاصل أن مذهب الأشعري رحمه الله تعالى في الصفات السبعة نفي النقيضين معا وعدم القطع بواحد منهما بل تسليم ذلك إلى الله تعالى.
كما هو مذهب السلف في التفويض إلى الله تعالى كل ما ورد في الدين، لأن ذات الله تعالى لا تشابه الذوات، وصفاته لا تشابه الصفات، فيلزم من ذلك أن یکون قيام صفات الله تعالى بذاته لا يشابه أيضا قيام الصفات بالذوات.
وانحصر القول بالفهم والإمكان في صفات الحوادث أنها عين الذات كالوجود، وأما غير الذات كلون الجرم مثلا فانتفى عن الله تعالى أن تكون صفاته عین ذاته أو غير ذاته.
ومراده أن ذلك غير مفهوم ولا معقول ولا محسوس، بل هو غیب مطلق يجب الإيمان به على ما هو عليه.
لا أن مراده أن لذلك مفهوما عقليا كالواحد من العشرة لا هو عين العشرة ولا غيرها كما زعمه بعضهم.
ولا كما قال الشيخ قدس الله سره في أوائل كتابه : «الفتوحات المكية» في عقائد أهل الاختصاص.
وأما قول القائل : لا هي ولا هو أغيار له، فكلام في غاية البعد، فإنه دل صاحب هذا المذهب
على إثبات الزائد وهو الغير بلا شك إلا أنه أنكر هذا الإطلاق لا غير، انتهى .
نعم هو كلام في غاية البعد إن أريد له مفهوم عقلي غير مجرد التنزيه ، وأما حيث أريد به التنزيه الله تعالى كما ذكرنا، فلا يكون صاحبه دل على إثبات الزائد وهو الغير.
والذي نعتقده في الأشعري رحمه الله تعالى أنه إمام أهل السنة وأن مذهبه هو مذهب الصالحين، وكذلك مذهب الإمام الماتريدي وأتباعهما رحمهم الله تعالى، وهو مجرد التفويض إلى الله تعالى في جميع الدين.
والإيمان بالأمر على ما هو عليه من غير خوض فيه بالآراء العقلية، وهذه الفرقة الناجية التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما عداها من الفرق كلهم في النار كما ورد صريح الحديث الشريف بذلك.
وأما جميع الأبحاث الواردة عن الأشعري والماتريدي واتباعهما رضي الله عنهم المفضية أن تكون مذهب مستقلا جاريا على القوانين العقلية مخالفة لجميع مذاهب الفرق الضالة، فليس ذلك كما يزعمه الجهال من المقلدين للأشعري والماتريدي رحمهما الله تعالى، بل كلما تكلم به الأشعري والماتريدي إنما ذلك رد على المخالفين الفرق الناجية، وتشتيت للآراء المبتدعة الخائضين في الدين من قبيل معارضة الفاسد بالفاسد.
ومرجع الأشعري والماتريدي رحمهما الله تعالى إلى مذهب السلف كما ذكرنا، وليس شيء من أبحاثهما مفهوم عقلي عندهما يزيل مذهب السلف من البصائر غير الرد على جميع الفرق الضالة.
الذين خرجوا في حدود الثلاثمائة يتكلمون في الدين بالآراء العقلية والاحتجاج بالمفاهيم الفكرية، ليبطلوا مذهب السلف الصالحين في التسليم في الدين، وقد زخرفوا مذاهبهم بالأبحاث العقلية التي ينقاد إليها كل عاقل، وأضعفوا الإيمان بالغيب في قلوب المؤمنين، وطمسوا أنوار التسليم والتفويض الله تعالى بظلمات الأفكار وعصارات العقول الزائغة عن الصراط المستقيم، وغالطوا أهل الإسلام بقولهم: لا فرق بين الإنسان والحيوان إلا بالعقل.
والعاقل إذا لم يستعمل عقله في أهم أموره وهو الدين فأي فرق بينه وبين الحيوان حيث عطل عقله في أهم أموره وأبطل الحكمة الإلهية في خلق العقول.
وكلامهم هذا الذي ابتدعوا به في الدين ما ليس فيه مأخوذ من أصول مذاهب الفلاسفة وحكماء الطبيعية، وسائر أهل الضلال.
وأما مذاهب السلف الصالحين رضي الله عنهم أجمعين فهو مبني على أن الدين أعظم من أن يدرك بالعقول أو يفهم بالأفكار، سواء كان اعتقادا أو عملا، بل ذلك خدمة إلهية كلف الله تعالى بها أرباب العقول امتحانا لهم وابتلاء لا غير، وحكمة خلق العقول في المكلفين لقبول ذلك الغيب، وهو الدين والإذعان له بالقبول والإيمان به على ما هو عليه، لا ليفهم بها وتتخرج أحكامه على القوانين العقلية، والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء الطريق .
قال رضي الله عنه : (وبهذا) أي بإثبات العلم زائدة على الذات حيث جعل التعلق له لا للذات (انفصل) القائل بذلك من الخلف المتأخرين (عن) مذهب (المحقق من أهل الله) تعالى الذي يقول: إن العلم الإلهي ليس زائدا على الذات الإلهية على معنى أنه حضرة من حضراتها .
فإذا نسب حدوث التعلق له كان منسوبا إلى الذات العلية على معنى الظهور للعبد لا الوجود من العدم.
وقد بينا القول بأن الصفات عين الذات عند المحققين من أهل الله وعند المبطلين من أهل الضلال.
وذكرنا الفرق بين قول المحققين وقول المبطلين في كتابنا "المطالب الوفية شرح الفرائد السنية".
(صاحب) نعت للمحقق (الكشف) عن الأمر على ما هو عليه حيث كان علمه بتعليم الله تعالى له لا بحدسه ولا بدرسه ولا بواسطة أبناء جنسه (والوجود) المحض الخالي من تلبيسات الأوهام وتحريفات الأفهام.
فإن الصفات الإلهية عنده عين الذات، والذات غیب مطلق فكذلك الصفات، لأنها الذات مع خصوص ظهور بآثار مخصوصة، وتعین حضور بأنوار منصوصة.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب.
وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
و بهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف و الوجود.)
قال رضي الله عنه : (ومن هنا) أي ومن إفادة العين العلم للحق (يقول الله تعالى "حتى نعلم" وهي كلمة محققة المعنى) وذلك المعنی کون ما قبل حتى سببا لما بعدها .
فاختبر تعالى عباده بالتكاليف الشاقة ليعلم الصابرين على هذه التكاليف (ما هي) أي ليس حتى (كما) أي مثل الذي (يتوهمه من ليس له هذا المشرب) وهو المشرب الصوفي المحقق المنزه في مقام التنزيه .
وهو غناؤه تعالى عن العالمين وهو قوله تعالى: "والله الغنى وأنتم الفقراء" 38 سورة محمد.
وغير ذلك من الآيات الدالة على التقديس والمشبه في مقام التشبيه وهو ظهوره تعالى بصفات المحدثات .
وهو قوله تعالى: " حتى نعلم"31 سورة محمد. وقوله : " لنعلم من يتبع الرسول" 143 سورة البقرة .  وقوله : "مرضت فلم تعدني" وغير ذلك من التشبيهات .
وأما من لم يكن له هذا المشرب فمنزه فقط من كان الوجوه عن الحدوث والنقصان (وغاية المنزه إذا نزه أن يجعل ذلك الحدوث) الحاصل من المعلوم الحادث (في العلم للتعلق) لا للعلم.
قال الشيخ رضي الله عنه: (وهو) أي جعل الحدوث للتعلق لا للعلم (أعلى وجه بكون للمتكلم بعقله) أي بنظره الفكري كما كان للمتكلم بمشاهدته ووجد أنه (في هذه المسالة) أي في مسألة علم الله بالأشياء فيجعله الحدوث للتعلق.
اتصل بأهل الله من هذا الوجه في هذه المسألة (لولا أنه) أي لولا أن المتكلم بعقله (أثبت العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له) أي للعالم (لا للذات) لم ينفصل عن المحقق من أهل الله حذف جواب لولا وهو قولنا لم ينفصل بقرينة قوله :
(وبهذا) أي وبإثبات العلم زائدا على الذات (انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف والوجود) أي صاحب الوجدان.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب.
وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
وبهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف و الوجود.)
و قوله رضي الله عته : "ومن هنا يقول الله تعالى: "حتى نعلم" (محمد: 31) وهي كلمة محققة المعني ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب.
وغاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
وبهذا انفصل عن المحقق من أهل الله، صاحب الكشف والوجود."
قلت: الشيخ، رضي الله عنه، قد ألغز ها هنا لغزا وهو أنه قد قدم في الحكمة الأولى التي هي في كلمة آدمية أن الإنسان جامع لحضرة الأسماء الحسنى، فهو حق من وجه، خلق من وجهه.
فمن الوجه الذي هو منه حق ثبت للحق تعالی منه أحكام لولا هذا الإنسان الكامل ما جاز نسبتها إليه تعالى.
فمن ذلك أن هذا الإنسان يتجدد له العلم، فيصح من هذه المرتبة أن يقول الحق تعالی: "حتى نعلم" لأن الحق تعالی من حضرة إطلاقه لا علاقة بينه وبين شيء وإنما العلاقة تكون في مراتب الإنسان.
فما خاطبه الحق تعالی من حضرة إطلاقه بل من حضرة تقييده.
ألا ترى أنه لو لم يكن في الوجود عین ثابتة يقال له: أبو لهب، لم يرد في الكتاب العزيز "تبت يدا أبي لهب وتب" سورة المسد آية 1.  فمن مرتبة العين الثابتة التي هي أبو لهب نزلت هذه الآية.
والمراتب كلها في علمه تعالی فإذن هي نازلة من عند الله تعالى لأن العندية الإلهية عامة لكل عندية جزئية أزلا وأبدا.
فإذن هناك علاقة بين الحق تعالی وبين الإنسان وهي كون الإنسان جامعة الأسماء الله الحسنى.
فإذا قال الحق تعالی: "حتى نعلم" فمعناه حتى يعلم الإنسان، فيكون نفس تجدد العلم هو للإنسان لكن للإنسان حضرة الإلهية أيضا، فيرجع إليه تعالى من حقيقة "حتى نعلم" حکم ما به صح .
قولنا: إن الله تعالى قال في كتابه العزيز: "حتى نعلم" ولما كانت هذه الحضرة المقتضية لتحقق حقيقة "حتى نعلم" هي من الحضرات الذاتية الإلهية من جهة ما للأعيان الثابتة هي معلومات الذات والمعلوم مع العلم في الذات ويشملها أن علم الله تعالى لا يغادر ذاته.
فثبت معنی "حتى نعلم" ولم يلحق الذات المقدسة منها تجدد علم إذ كان الإنسان في هذه الحقيقية وقاية لربه تعالی عن نقص هذا الحدوث.
ثم إن الشيخ، رضي الله عنه، أردف هذا بذكر ما قاله المتكلمون من قولهم:" إن الله تعالى يعلم الأشياء بعلم زائد على ذاته". وقصدهم أن ينسبوا تجدد العلم إلى التعلق الحاصل" للعلم .
كأنهم قالوا: تجدد التعلق لغير الحق تعالى وهو العلم لا له تعالى وهذا يرون أن به بيحصل الانفصال عن هذا الاشكال.
فقال الشيخ رضى الله عنه : "إن الصحيح هو الذي اقتضاه الكشف والشهود وهو ما أشير إليه من أن تجدد العلم إنما هو للإنسان وأن الذي ذكره المتكلم باطل.
فحصل الفرق بين المتكلمين وبين أهل الله تعالى في هذه المسألة .
ووصف أهل الكشف بأنهم أهل الوجود أي أهل شهود وجود الله تعالى .
أو أنه أراد بالوجود الوجدان فإن شهودات أهل الله تعالى هي وجدانية لا فكرية."
*"*يعني بالوجود :أهل الوجود هم أهل التحقيق العارفين شهودهم  بنور الله الأزلي الوجود الحقيقي والوجود المستعار ويفرقون بينهم شهودا ووجودا بعد أن اماتهم الله ثم أحياهم فهم من الوجود . وليسوا كغيرهم ممن لم يفتح الله بصيرهم وبصرهم يرون الوجود المستعار انه هو كل الوجود او الوجود الحقيقي على الإطلاق.*"*

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب.
وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
و بهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف و الوجود.)
قال الشيخ رضي الله عنه: « ومن هاهنا يقول الله : " حَتَّى نَعْلَمَ " . وهي كلمة محقّقة المعنى ، ما هي كما يتوهّمه من ليس له هذا المشرب " .
قال العبد : هو يشير رضي الله عنه إلى توقّف تحقّق النسبة العلميّة من كونها كذلك على حقائق المعلومات وتحقّقها بأعيانها في الوجود ، لأنّ العلم المضاف إلى الحق من حيث الجمعية الإلهية إنّما يتحقّق بتحقّق العلم بجميع الحقائق العينية والشؤون الغيبية .
فإنّ للحق ظهورا في كلّ شأن شأن ، فالعلم المضاف إلى الحق من حيث ذلك الظهور بذلك الشأن لا يكون إلَّا بعد تحقّق الشأن بعينه في الوجود ، بخلاف العلم الذاتي الإلهي .
فإنّ توقّف العلم على المعلومات ليس من حيث أحديّة الذات ، فإنّ الأحدية الذاتية تقهر الكثرة النسبية العلمية والوجودية العينية ، فلا تظهر لها أعيان أصلا .
والعلم والعالم والمعلوم في أحدية الذات أحدية ، وكذلك في الوجود واحد وحدة حقيقة  غير زائدة على ذاتية الذات ، ولكن توقّف تحقّق العلم على المعلوم من حيث إنّ العلم نسبة متعلَّقة بالنسب المعلومية المظهرية من حيث هذه الشؤون والحقائق الأسمائيّة التي تحقّقها بحقائق هذه الشؤون.
فقوله : " حَتَّى نَعْلَمَ " إشارة إلى توقّف العلم المضاف إلى الحق من حيث أسمائه الحسنى وشئونه ونسبه الذاتية العليا بأحوالها وأحكامها وآثارها وتعلَّقاتها ونسبها وإضافاتها ولوازمها وعوارضها ولواحقها ولواحق اللواحق .
من حيث المرتبة والمحلّ والمقام والموطن والحال في الوجود العيني والشهود العياني الكوني ، فهو إذن كلمة محقّقة المعنى ليست كما يتأوّلها بالوهم أهل التنزيه الوهمي .
فإنّ الحق لا يستحقّ من الحق ولا يتنزّه عن مقتضيات ذاته ، ومقتضاها من حيث هذه النسب الذاتية أن لا يظهر كلّ منها إلَّا بكلّ منها في كل منها ، فتوقّف تحقّق الحقيقة العلمية على حقيقة المعلوم كذلك كتوقّفه على حقيقة الوجود ، فالتوقّف إذن بين النسب بعضها على البعض .
وذلك غير قادح في الغنى الذاتي ، ووجوب الوجود للذات بالذات ، وكون هذه النسب أعني العالميّة والمعلومية والعلم كلَّها ذاتية ، فافهم إن شاء الله تعالى .
فإنّ العلم والمعلوم والعالم في أحدية الذات عينها لا غيرها ، والمعلومية كالعالميّة والمظهرية كالظاهرية نسب ذاتية للذات كسائر النسب الذاتية الوجوبية التي العلم من جملتها .
فتوقّف العلم على المعلوم إنّما هو من حيث هذه النسبة العلمية من وجه يغاير ذاتية الذات بالخصوصية وفي التعقّل ، ثم التغاير والتمايز بين الحقائق بالخصوصيات وفي تعقّل المتعقّل لها منّا لا يوجب الكثرة والتعدّد والتوقّف والتجدّد والتغيّر ، في الذات الواحدة التي [ هي ] عينها ، فافهم .
قال الشيخ رضي الله عنه : « وغاية المنزّه » أي بوهمه « أن يجعل ذلك الحدوث في العلم المتعلَّق ، وهو أعلى وجه  للمتكلَّم بعقله في هذه المسألة ، لولا أنّه أثبت العلم زائدا على الذات ، فجعل التعلَّق له لا للذات وبهذا انفصل عن المحقّق من أهل الله صاحب الكشف والوجود " .
قال العبد اعلم : أنّه غاية أهل التنزيه الوهمي أن ينسبوا الحدوث في قوله تعالى :
" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ ". إلى التعلَّق العلمي ، فتكون الكثرة والحدوث والتوقّف والتغيّر والتجدّد في التعلَّق ، لا في حقيقة العلم التي هي عين الذات .
ولا يرتفع الإشكال بذلك أيضا ، لكون العلم هو المتعلَّق بذلك التعلَّق الحادث ، ولكون التعلَّق من وجه عين المتعلَّق ، ولا سيّما وقد أثبت العلم زائدا على الذات ولا مخلص له في هذا النظر إلَّا أن يعلم أنّ الحدوث والكثرة في المعلوم المتكثّر المتجدّد المتغيّر الحادث ، والتجدّد في التعيّن والمتعلَّق به من حيث هو كذلك .
أمّا من حيث العلم الذي هو عين العالم الأزلي فتعلَّق وحدانيّ ، لكون ارتباط النسب المتوقّفة التحقّق على الطرفين في كل واحد منهما بحسبه ، فالكثرة والتغيّر والتجدّد في التعلَّق العلمي الوحداني من حيث ما يرتبط به وهو المعلوم المتكثّر المتغيّر المتجدّد ، والوحدة في التعلَّق أيضا من حيث العلم الذاتي الوحداني كهو ، فافهم .
وثمّ نظر آخر وهو أنّ العلم ، له اعتباران :
أحدهما من جهة الحق ، وبهذا الاعتبار هو عين الذات كما تقرّر آنفا .
والثاني من حيث إنّه نسبة متميّزة عن ذاتيّة الذات بخصوصيتها وعن غيرها من النسب ، وهذه النسبة حقيقة كلَّية أحدية التعلَّق بالمعلومات من شأنه تميّز المعلومات بعضها عن البعض وكشف حقائقها وحقائق أحوالها على سبيل الإحاطة ، فهي من حيث كونها نسبة كليّة لا تحقّق لها إلَّا بين عالم ومعلوم ، فتكون متوقّفة التعيّن على المعلومات .
وتعيّن المعلومات في عرصة العلم من حيث هذا الوجه يكون بحسب المعلومات ، ومن حيث إنّ العلم عين الذات يكون تعيّن المعلومات فيه بحسب العلم كذلك أحدية  ، فافهم .
ولمّا كان المعلوم نسبة والعلم أيضا نسبة ، لم يقدح توقّف النسبة على النسبة من كونها كذلك في العلم الأحدي الذاتي الذي هو عين الذات ، فافهم .
ثم اعلم : أنّ الحضرة العلمية تشتمل على حضرات كلَّية كثيرة وهي : حضرة العلم ، وحضرة المعرفة ، وحضرة الحكمة ، وحضرة الخبرة ، وحضرة التقدير .
فالعلم كما مرّ هو الكشف الإحاطي التمييزي للمعلومات على ما هي عليه من كل وجه للوازمها ولوازم لوازمها .
والمعرفة هي العلم بحقائق المعلومات من حيث حقائقها مجرّدة عن خلقيّاتها وعن اللوازم ولوازم اللوازم وترتّبها في مراتبها لا غير .
والحكمة عبارة عن العلم بالمراتب والحقائق المترتّبة فيها وبالترتيب الواقع بين حقائقها ، أي حقائق المعلومات واللوازم والعوارض واللواحق وبالمواطن والأحوال .
وحضرة الخبرة هي حضرة العلم بظهور آثار الحقائق وأحكامها بموجب الترتيب الحقيقي المذكور بأسبابه وعلله .
وحضرة التقدير هي حضرة العلم بتعيّن أقدار الحقائق وخصوصياتها في العلم بحسبها وعلى أقدارها ، فالتقدير من المقدّر القديم بحسب قدر المقدور وقدره في العلم ، ومن كوشف له بهذه الحضرات كلَّها وأحاط بحقائقها بما به الامتياز وبما به الاشتراك ، كان أكشف المكاشفين ، جعلنا الله وإيّاك منهم ، إنّه قدير .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب.
وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
و بهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف و الوجود.)
قال رضي الله عنه : ( ومن هنا يقول الله " حَتَّى نَعْلَمَ " وهي كلمة محققة المعنى ، ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب ) يقصد الآية" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)" سورة محمد.
فإنه ينزه علمه تعالى من سمة الحدوث ، ويجعله صفة زائدة على ذاته قديمة يتعلق بالمعدوم تعلقا حادثا فيجعل الحدوث صفة التعلق لا صفة العلم .
وهو معنى قوله:
قال رضي الله عنه : ( وغاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق ، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم يعقله في هذه المسألة ، لو لا أنه أثبت العلم زائدا على الذات ، فجعل التعلق له لا للذات ) أي لو لا إثباته العلم زائدا على الذات ليجعل التعلق للعلم لا للذات ، لكان أعلى وجه يكون له ولكان محققا
قال رضي الله عنه : ( وبهذا انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف والوجود ) يرى العلم عين الذات ولا يقول بالتعلق بل يقول معنى حتى يظهر علمنا .
فإن العلم الظاهر في الأعيان بعد الوجود هو عين علمه ، على ما علمت أن علمه بالأعيان هو الثابت حال عدمها فيها.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب.
وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
و بهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف و الوجود.)
ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ: ("ﺣﺘﻰ ﻧﻌﻠﻢ" ﻭﻫﻲ ﻛﻠﻤﺔ ﻣﺤﻘﻘﺔ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ، ﻣﺎ ﻫﻲ ﻛﻤﺎ ﻳﺘﻮﻫﻤﻪ ﻣﻦ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﺮﺏ) ﺃﻱ، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺗﺎﺑﻊ ﻟﻠﻤﻌﻠﻮﻡ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ.
ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﺤﻖ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﻛﻼﻣﻪ: "ﺣﺘﻰ ﻧﻌﻠﻢ ﺍﻟﻤﺠﺎﻫﺪﻳﻦ ﻣﻨﻜﻢ ﻭﺍﻟﺼﺎﺑﺮﻳﻦ ﻭﻧﺒﻠﻮ ﺃﺧﺒﺎﺭﻛﻢ". ﺃﻱ، ﻳﺘﻌﻠﻖ ﻋﻠﻤﻪ ﺑﺎﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻠﻤﺠﺎﻫﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﺼﺎﺑﺮﻳﻦ، ﻓﻴﺤﺼﻞ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﺄﻥ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻣﻦ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﺠﺎﻫﺪ، ﺃﻭ ﻣﻦ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻨﻬﻢ ﺻﺎﺑﺮ، ﺃﻭ ﻣﻦ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻛﺬﻟﻚ.
ﻻ ﻳﻘﺎﻝ: ﻳﻠﺰﻡ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻟﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻤﻪ ﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺣﻴﻨﺌﺬ. ﻷﻧﺎ ﻧﻘﻮﻝ: ﺗﻌﻠﻖ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﺎﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﺃﺯﻟﻲ ﻭﺃﺑﺪﻯ، ﻓﻼ ﻳﻠﺰﻡ ﺫﻟﻚ.
ﻏﺎﻳﺔ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺃﻧﻪ ﻳﻠﺰﻡ ﺗﻘﺪﻡ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺗﻌﻠﻖ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﻪ، ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺃﻳﻀﺎ، ﺗﻘﺪﻣﺎ ﺫﺍﺗﻴﺎ ﻻ ﺯﻣﺎﻧﻴﺎ ﻟﻴﻠﺰﻡ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﺍﻟﺰﻣﺎﻧﻲ. ﻭﻫﻮ ﺣﻖ. ﻷﻥ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺇﻧﻪ ﻣﻐﺎﺋﺮ ﻟﻠﺬﺍﺕ ﻧﺴﺒﺔ ﺫﺍﺗﻴﺔ، ﻓﻴﻘﺘﻀﻰ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻭﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ، ﻭﻛﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻻ ﺑﺪ ﻭﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻘﺪﻣﺎ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻛﻤﺎ ﻣﺮ.
قال رضي الله عنه : (ﻭﻫﻲ ﻛﻠﻤﺔ ﻣﺤﻘﻘﺔ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ) ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻷﻣﺮ، ﻟﻴﺲ ﻛﻤﺎ ﻳﻈﻨﻪ ﺍﻟﻤﺤﺠﻮﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﺮﺏ.
ﻭﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ: (ﺣﺘﻰ ﻧﻌﻠﻢ...) ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺘﻔﺼﻴﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻈﺎﻫﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ، ﻭﻻ ﺷﻚ ﻓﻲ ﺗﺠﺪﺩ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻓﻴﻬﺎ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﻭﻗﺎﻳﺔ ﻟﺮﺑﻬﺎ ﻋﻦ ﺳﻤﺔ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻭﻧﻘﺺ ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ، ﻟﻜﻦ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺣﻴﻨﺌﺬ. (ﻭﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﻨﺰﻩ ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻞ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻟﻠﺘﻌﻠﻖ، ﻭﻫﻮ ﺃﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻠﻤﺘﻜﻠﻢ ﺑﻌﻘﻠﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ.
ﻟﻮ ﻻ ﺃﻧﻪ ﺃﺛﺒﺖ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺯﺍﺋﺪﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﺍﺕ، ﻓﺠﻌﻞ ﺍﻟﺘﻌﻠﻖ ﻟﻪ ﻻ ﻟﻠﺬﺍﺕ.
ﻭﺑﻬﺬﺍ ﺍﻧﻔﺼﻞ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺤﻘﻖ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻭﺍﻟﻮﺟﻮﺩ( ﺃﻱ، ﻏﺎﻳﺔ ﻣﻦ ﻳﺘﻜﻠﻢ ﺑﻌﻘﻠﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻭﻳﻨﺰﻩ ﺍﻟﺤﻖ ﻋﻦ ﺳﻤﺔ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻭﻧﻘﺎﺋﺼﻪ، ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻞ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻟﻠﺘﻌﻠﻖ، ﺑﺄﻥ ﻳﻘﻮﻝ، ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺃﺯﻟﻲ ﻭﺗﻌﻠﻘﻪ ﺑﺎﻷﺷﻴﺎﺀ ﺣﺎﺩﺙ ﺣﺪﻭﺛﺎ ﺯﻣﺎﻧﻴﺎ، ﻟﺌﻼ ﻳﻠﺰﻡ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﺻﻔﺔ ﻟﻠﻮﺍﺟﺐ. ﻭﻫﻮ ﺃﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﻟﻠﻤﺘﻜﻠﻢ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺑﻨﻈﺮﻩ ﺍﻟﻔﻜﺮﻱ.
ﻭﺟﻮﺍﺏ (ﻟﻮ ﻻ) ﻣﺤﺬﻭﻑ، ﺗﻘﺪﻳﺮﻩ: ﻟﻮ ﻻ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺘﻜﻠﻢ ﺃﺛﺒﺖ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺯﺍﺋﺪﺍ ﻣﻄﻠﻘﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﺍﺕ، ﻓﺠﻌﻞ ﺍﻟﺘﻌﻠﻖ ﻟﻪ ﻻ ﻟﻠﺬﺍﺕ، ﻟﻜﺎﻥ ﻣﻤﻦ ﻓﺎﺯ ﺑﺎﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻭﺍﺗﺼﻞ ﺑﺄﻫﻠﻪ.
(ﻭﺑﻬﺬﺍ ﺍﻧﻔﺼﻞ) ﺃﻱ، ﻳﺠﻌﻠﻪ ﺯﺍﺋﺪﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻣﻄﻠﻘﺎ، ﻋﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ، ﺇﺫ ﺍﻟﻤﺤﻘﻖ ﻗﺎﺋﻞ ﺑﺄﻧﻪ ﻋﻴﻦ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻓﻲ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﻣﻄﻠﻘﺎ، ﻭﻓﻲ ﺃﺧﺮﻯ ﻋﻴﻨﻪ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ، ﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ ﺁﺧﺮ، ﻭﻫﻲ ﻋﻨﺪ ﻛﻮﻧﻪ ﻧﺴﺒﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺴﺐ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ.
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺑﺎﻟﻤﺤﻘﻖ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﻧﻜﺸﻒ ﻟﻪ ﺃﺣﺪﻳﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺳﺮﻳﺎﻧﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻳﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﺒﺔ ﻟﻠﺘﻌﺪﺩ ﻭﺍﻟﺘﻜﺜﺮ ﺍﻟﻤﻮﻫﻤﺔ ﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻷﻏﻴﺎﺭ ﻭﺷﺎﻫﺪ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻫﻲ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﺤﺴﺐ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻭﺍﻟﺬﻭﻕ، ﻗﺎﻝ رضي الله عنه : (ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻭﺍﻟﻮﺟﻮﺩ).
ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺑﺎﻟﻮﺟﻮﺩ ﻫﻨﺎ (ﺍﻟﻮﺟﺪﺍﻥ). ﻭﻣﻦ ﺃﻣﻌﻦ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻴﻤﺎ ﻣﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻘﺪﻣﺎﺕ ﻭﺗﺤﻘﻖ ﺑﺄﺳﺮﺍﺭﻩ، ﻻ ﻳﺰﺍﺣﻤﻪ ﺍﻟﺸﻜﻮﻙ ﻭﺍﻟﺸﺒﻬﺎﺕ ﺍﻟﻮﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻊ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺒﺎﺣﺚ.


خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب.
وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
و بهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف و الوجود.)
قال رضي الله عنه : "و من هنا يقول الله تعالى: «حتى نعلم» و هي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب.
و غاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق ، و هو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
و بهذا انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف والوجود."
(وهی) أي: حتى نعلم على هذا التقدير (كلمة محققة المعنی) أي: محمولة على حقيقة التجدد في العلم بحسب تعلقه بالأحوال الوجودية مع بقائه على حاله باعتبار تعلقه بأحوال الأعيان من حيث هي (ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب) فيحملها على المحاز بأنه جعل التجدد في المعلوم كالتجدد في العلم، أو أراد حتى يظهر ما علمناه.
(وغاية) المتكلم (المنزه) ذات الحق وصفاته عن الحدوث وعن نقيضه الجهل بالحوادث (أن يجعل ذلك الحدوث) المفهوم من قوله: "حتى نعلم"، (في العلم المتعلق) أي: من حيث تعلقه بالأحوال المتجددة مع بقائه بحاله باعتبار تعلقه بأحوال الأعيان الثابتة من حيث هي.
(وهذا) ، أي: جعل الحدوث في تعلق العلم. (أعلى وجه يكون للمتكلم بعقله في هذه المسألة) أي: مسألة علم الله بالحوادث (لولا أنه أثبت العلم زائدا على الذات) يجعله حصول صور الأشياء أمرا ليس من الذات ولا غيرها،(فجعل التعلق) لنفس العلم (لا للذات) مع أنه إنما يصح لو كان العلم مغايرا للذات.
(وبهذا) أي: بجعله العلم زائد على الذات بجعله إياه عبارة عن حصول صور الأشياء، (انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف والوجود)، فرأى الوجود غير الذات، ورأى الصفات لا عيئا، ولا غيرا لها، والقول بزيادتها يستلزم القول بمغایرتها؛ فافهم، فإنه مزلة للقدم.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 6 أكتوبر 2018 - 11:31 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة العاشرة الجزء الثاني :
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب.
وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات. و بهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف و الوجود.)
( ومن هنا ) - أي من تحقق المساواة - ( يقول الله : "حتى نعلم" وهي كلمة محققة المعنى ) أي مطلق على الحقيقة - ( ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب ) من المجازات البعيدة ، على ما ارتكبها الظاهريون من المفسرين، فإن العلمين إذا كانا متساويين في الظهور يكون كل منهما متجددا حسب تجدد الآخر ، فلذلك تجدد " كل يوم هو في شأن"  حسب تجدد الأعيان في الأزمان .
ثم إن المنزهة الرسمية لما لم يكن لهم حظ من هذا الذوق ، اشمأزوا عن سماعه ، حاسبين أنه من التنزيه ، وهو بمرمى بعید منه ، فلذلك نبه إلى مآلهم فيه بقوله : (وغاية المنتزه أن جعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق) بالحوادث على ما ذهب إليه المتكلمون من أهل السنة ، من أن الأوصاف والأحكام القديمة إنما يعرض لها لوازم الحدوث من جهة تعلقها بالحوادث (وهو أعلى وجه يكون للمتكلم ، يعقله في هذه المسألة) ، فإنه ليس للعقل بحسب قوته النظرية فيما وراءه مد خل- وفي قوله : «يعقله» إشارة إلى هذه الدقيقة - فهو غير بعيد عن التحقيق ( لولا أنه أثبت العلم زائدا على الذات ، فجعل التعلق له ، لا اللذات ؛ وبهذا انفصل عن المحقق من أهل الله ، صاحب الكشف والوجود ) فإنه يرى العلم عين الذات .
لا يقال : فيلزم انتساب الحوادث إلى الذات بضرب من النسبة تعالى عن ذلك ؟
لأن تنزهها عن القدم المقابل للحدوث كتنزهها عن الحدوث عن سائر المتقابلات - على ما مر غير مرة - فلا تغفل عنه فإنه مفتاح لمقفلات كنوز الرموز الختمية ، فإنه مايعرف ذلك التنزيه غير المتحقق بالتوحيد الذاتي المختص بالوراثة الختمية .
ومما لابد منه هاهنا أن تعلم أن استفاضة الحقائق لها طريقان :
أحدهما نظري عقلي وراء الحجب الكونية والدلائل النظرية ، والحاصل من هذا الطريق إنما هو حصر عقلي على ما لذوي المذاهب الجعلية من الصور الاعتقادية ، وهذا مسلك أهل العقل ، كما يلوح عليه لفظ العقل و العقد .
والثاني کشفي قلبي ، إنما يدل عليه الصور الوجودية الأصلية التي لاجعل فيها أصلا ، والحاصل منه إنما هو انشراح علمي وكشف وجودي ، وهو مسلك أهل الله صاحب الكشف والوجود ؛ تحفظ هذا الاصطلاح فإنه له مواضع نفع في هذا الكتاب .

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب.
وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات.
و بهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف و الوجود.)
قال رضي الله عنه : "و من هنا يقول الله تعالى: « حَتَّى نَعْلَمَ »آية 31 سورة محمد .
و هي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب."
واعلم أنه قد وقع في مواضع من القرآن ما يوهم أن علمه سبحانه ببعض الأشياء حادث كقوله سبحانه : " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ "آية 31 سورة محمد .
وقوله تعالى : " ثم بعثهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا" آية 12 سورة الكهف.
وأمثال ذلك والتقصي عن هذه الأشكال، إما بما ذهب إليه المتكلمون من أن علمه سبحانه قدیم وتعلقه حادث .
فمعنى قوله : "حتى نعلم" حتى يتعلق علمنا القديم بالمجاهدين منكم والصابرين.
وإما بأن المراد بالعلم الشهود فإن الأشياء قبل وجودها العيني معلومة للحق سبحانه وبعده مشهودة له فالشهود خصوص نسبة العلم.
فإنه قد يلحق العلم بواسطة وجود متعلقه نسبة باعتبارها نسميه شهود و حضورا لا أنه حدث هناك علم.
فمعنى حتی نعلم حتى نشاهد، وإما بأن يقال المسند إليه في قوله: نعلم ليس هو الحق باعتبار مرتبة الجمع بل باعتبار مرتبة الفرق .
فكأنه يقول : حتى نعلم من حيث ظهورنا في المظاهر الكونية الخلفية فتكون الخلقية وقاية له عن نسبة الحدوث إليه .
وإما بان يقال : المراد بالتأخر المفهوم من كلمة حتى التأخر الذاتي لا الزماني حتى يلزم الحدوث الزماني وحيث انجر الكلام ههنا إلى أن علم الحق سبحانه بأحوال العبد مأخوذ من عينه الثابتة متأخر عنها بالذات.
أشار الشيخ رضي الله عنه إلى أن هذا التأخر هو المصحح لما جاء في القرآن
فقال :(ومن هنا)، أي من جهة أن علم الحق سبحانه بأحوال العبد مأخوذ من عينه الثابتة متأخر عنها (يقول الله) سبحانه : ("حتى نعلم" وهي):
أي قوله : حتى نعلم (كلمة محققة المعنی)، أي معناه الذي هو تأخر العلم وحدوثه أمر محقق واقع. أو معنى حقيقي لا مجازي فإن ذلك التأخر والحدوث هو الذاتي لا الزماني (ما هي)، أي هذه الكلمة لغير هذا المعنى المحقق أو الحقيقي (كما يتوهمه).
أي كمعنى يتوهمه (من ليس له هذا المشرب) من المتكلمين وهو أن هذا التأخر والحدوث إنما هو لنسبة تعلق العلم إلى قال رضي الله عنه : "و غاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق ، و هو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له لا للذات. و بهذا انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف و الوجود."
المعلوم لا نفس العلم ولا فساد في تغير النسب وتجددها بالنسبة إلى ذات الحق و صفاتها .
وإلى هذا أشار رضي الله عنه بقوله : (وغاية) المتكلم (المنزه) للحق سبحانه تعقله عن سمات الحدوث والنقصان (أن يجعل ذلك الحدوث) الزماني المتوهم من ظاهر مفهوم هذه الكلمة (في العلم للتعلق) لا لنفس العلم.
فقال : العلم أزلي وتعلقه بالأشياء حادثة حدوث زمانية (وهو)، أي جعل الحدوث للتعلق لا للعلم (أعلا وجه يكون للمتكلم) .
المنصرف (بعقله في هذه المسألة لولا أنه)، أي المتكلم (أثبت العلم زائدا) في الوجود الخارجي (على الذات) لا عينها (فجعل التعلق له)، أي العلم (لا للذات).
إذ لو لم يكن العلم عین الذات لا معنى لتعلق الذات بالمعلومات لا لأنه يلزم أن تكون الذات محل الحوادث، لأن تجدد النسب لا نستلزمه كما عرفت .
فقوله : وهو على وجه جواب لولا قدم عليه ، ويحتمل أن يكون جوابه مقدرة هكذا لولا أنه أثبت العلم زائدة على الذات.
فجعل التعلق له لا للذات لكان كلامه قريبا من التحقق (وبهذا)، أي بإثبات العلم زائد على الذات وجعل التعلق حادثا بالحدوث الزماني.
(انفصل) المتكلم (عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف والوجود) الذي انكشف له الحقائق كما هي عليه وجدها بحسب ذوقه ووجدانه من غير نظر فکري.
فإن هذا المحقق لا يثبت العلم زائدة على الذات إلا في العقل ويجعله بحسب الخارج عن الذات ويقول حدوث التعلق بذلك الحدوث الذاتي لا الزماني مبالغة في التنزيه.
فإنهم لو جعلوا الحدوث زمانية لا فساد فيه أيضا إذ لا يلزم التجدد إلا في النسبة فإن قيل : إذا كان العلم من قوله : "حتى نعلم " ولنعلم مرتبا على حادث زماني كالفعل المفهوم من قوله : "ولنبلونكم" و"ثم بعثناكم " آية 56 سورة البقرة.
كيف يصح الحكم بأن حدوثه ذاتي لا زمانی .
قلنا: من جعل العلم المرتب حادثة ذاتية لا زمانية لا بد له أن يجعل العقل الذي يترتب عليه العلم أيضا كذلك نقول مثلا قوله : "ولنبلونكم" .
معناه : ولنبلونكم أيها النسب الذاتية والشؤون الغيبية المستجنة في غيب الذات بإظهار کم في المرتبة العلمية .
حتى نعلم بسبب العلم بكم في هذه المرتبة ما يجري عليكم بحسب الخارج من المجاهدة والصبر فنعلم المجاهدين منكم والصابرين.
وقوله: "ثم بعثناهم".  معناه: بعثناه من مرتبة الاستحسان في غيب الذات إلى مرتبة التميز العلمي ليعلم بذلك التمييز ما يجري عليكم من الأحوال التي من حملها أحصى مدة اللبث.
على أنه لا يلزم إذا حمل بعض الآية على معنى إشاري أن يجري ذلك المعنى في البعض الآخر منها.
إذ كثيرا ما يشير أهل الإشارة في أنه إلى معنى لا يساعد عليه تمام الآية.
فإن قيل : ما ذكرتم من بعض بطون الآية وهؤلاء المحققون لا يردون معنى من المعاني الظاهرة والباطنة فما معناها عندهم إذا حملوها على الظاهر؟
قلنا : يمكن أن يكون حينئذ نسبة العلم الحادث إليه بنا على ظهوره في المظاهر الخلقية كما سبقت إليه الإشارة.
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 11:00 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الحادية عشر :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية أو أسمائية. فأما المِنَح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبداً إِلا عن تجل إِلهي. والتجلي من الذات لا يكون أبداً إِلا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه.)
قال الشيخ رضي الله عنه : "ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول: إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية.
فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجل إلهي.
والتجلي من الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلي له و غير ذلك لا يكون.
فإذن المتجلي له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق، و ما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه."
(ثم نرجع) من الكلام على أصناف السائلين وعلى مسألة العلم الإلهي (إلى) الكلام على (الأعطيات) الإلهية للعبد وبيانها .
(فنقول) بمعونة الله تعالى (إن الأعطيات) كما تقدم (إما ذاتية وإما أسمائية)، فهي منسوبة إلى ما صدرت عنه من الذات أو الأسماء.
قال رضي الله عنه : (فأما المنح) جمع منحة (والهبات) جمع هبة (والعطايا) جمع عطية (الذاتية)، أي المنسوبة إلى ذات الله تعالى (فلا تكون أبدا) من ذات الله تعالى للعبد (إلا عن تجلي)، أي ظهور (إلهي) خاص.
وذلك التجلي الإلهي الخاص هو الاسم من أسماء الله تعالى، فالفرق بين العطايا الذاتية والأسمائية من جهة العبد في التلقي والعطايا الذاتية تفيد معرفة بذات الحق تعالى والأسمائية تفيد معرفة بأسمائه تعالى والتجلي من الذات الإلهية على العبد.
(لا يكون) ذلك التجلي (أبدأ إلا بصورة استعداد)، أي تهييء (العبد المتجلى له)، فعلى حسب قوة استعداده لقبول فهم أنوار التجلي الغيبية يكون انکشاف المتجلي الحق عنده ولهذا تختلف التجليات لاختلاف الاستعدادات (غير ذلك) المذكور (لا يكون) أبدا.
قال رضي الله عنه : (فإذن)، أي حينئذ (المتجلى له) وهو العبد (ما رأى) من الحق تعالى الذي تجلى له (سوى صورته) وهي استعداده لقبول إدراك مقدار ما أدرك من المتجلي علیه الذي هو الحق تعالى (في مرآة الحق) تعالى التي تعطي كل من تجلت عليه صورته فتظهر له بصورته ويرى منها صورته فقط في حال تجليها عليه.
(وما رأى) ذلك العبد المتجلى له (الحق) تعالی أبدا من حيث ما هو في ذاته سبحانه وتعالى، وإنما تجلی عليه فما قدر أن يرى إلا قدر استعداده فرأى قدر استعداده هو صورة هذا الرائی، فرأى صورته فقط لا الحق تعالى.
ولا يمكن هذا الرائي لصورته في مرآة الحق تعالى (أن يراه)، أي يرى الحق تعالى المتجلي عليه بصورته أبدا (مع علمه)، أي علم ذلك الرائي (أنه ما رأي صورته)، الظاهرة له (إلا فيه)، أي في الحق تعالى المتجلي عليه بها

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية أو أسمائية. فأما المِنَح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبداً إِلا عن تجل إِلهي. والتجلي من الذات لا يكون أبداً إِلا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه.)
قال رضي الله عنه : (ثم نرجع إلى) تفصيل (الأعطيات) التي ذكرت أولا إجمالا (لنقول إن الأعطيات إما ذاتية أو اسمائية فاما المنح والهبات والعطايا الذائية) الظاهرة في الوجود الخارجي (فلا تكون أبدا إلا عن نجلي إلهي) أي عن التجلي الذي يحصل من حضرة الاسم الجامع من حيث الاسم الظاهر .
فالمراد به تجلي الفيض المقدس لا الأقدس يدل عليه قوله : (والتجلي من الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلي له) فإن التجلي بصورة استعداد المتجلي له لا يكون إلا في الفيض المقدس.
فإذا كان المتجلي له قابة لتجلي الذات من حضرة الاسم الجامع تجلي الذات من حضرة الجامعة.
فذلك هو المسمى بالتجلي الإلهي الحاصل عنه العطايا الذاتية .
وهو قوله : فلا يكون أبدا إلا عن تجلي إلهي وإذا كان قابلا لتجلي الذات من حضرة من حضرات الأسماء .
تجلي عن تلك الحضرة فذلك هو المسمى بـ التجلي الصفاتي والأسمائي التي يحصل منه العطايا الأسمائية.
قال رضي الله عنه : (غير ذلك لا يكون) تأكيد (فإذن المنجلي له ما رأی سوی صورته في مرآة الحق) أي فعلی تقدیر کون التجلي بصورة استعداد المتجلي له ما رأى المتجلي له في أي تجلي كان إلا صورة نفسه في وجه مرآتية الحق له في رؤية صورة نفسه فإضافة المرآة إلى الحق بيانية لذلك قال: (وما رأى الحق) ولم يقل وما رأی مرآة الحق (ولا يمكن أن يراه) لاختفائه واستتاره بصورة استعداد الرائي فاحتجب نظر الرائي عن الحق بصورة نفسه.
(مع علمه أنه ما رأی صورته إلا فيه) لعلمه أن صورته لا يقوم بذاته بل يقوم بذات الحق فكان عالما بالحق برؤية صورته فيه فلا يحجب صورته عن علمه بالحق كما يحجب عن رؤية الحق.

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية أو أسمائية. فأما المِنَح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبداً إِلا عن تجل إِلهي. والتجلي من الذات لا يكون أبداً إِلا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه.)
قوله رضي الله عنه : "ثم نرجع إلى الأعطيات" فنقول: إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية.
قوله رضي الله عنه : "فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجل إلهي.
والتجلي من الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلى له وغير ذلك لا يكون.
فإذن المتجلى له ما رأي سوى صورته في مرآة الحق تعالى، وما رأى الحق ولا يمكن أن يراه."
قلت: الأعطيات والعطايا والهبات والمنح كلها بمعنى واحد هنا، فالشيخ ذكر أن هذه الهبات إما ذاتية وإما أسمائية، فشرع في ذكر الهبات الذاتية فنسبها إلى ذات العبد في الحقيقة لا إلى ذاته تعالى
وذلك في قوله: "والتجلي من الذات المقدسة لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد العبد المتجلى له"، فرد الأمر إلى العبد و استعداد العبد هو من جملة ذاته.
فكأنه قال: إن تجلی الحق تعالی يكون مطلقا غیر مقید ولا يرى العبد منه إلا ما قيده له استعداده.
فإذن ما يمكن للعبد أن يرى إطلاق الحق تعالى من جهة أن العبد لا يكون إلا مقيدا ولا يرى المقيد إلا ما هو مقيد باستعداده فما رأى الحق تعالی أحد ولا يمكن أن يراه في حضرة إطلاقه.
أما كون نور التجلي يصير العبد كالمرآة، فيرى فيه ذاته، فهو أمر قد صح عند أهل الله
ولذلك قالوا: "انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم".

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية أو أسمائية. فأما المِنَح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبداً إِلا عن تجل إِلهي. والتجلي من الذات لا يكون أبداً إِلا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه.)
قال رضي الله عنه : " ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول : إنّ الأعطيات إمّا ذاتية أو أسمائية . وأمّا المنح والهبات والعطايا الذاتيّة فلا تكون أبدا إلَّا عن تجلّ إلهي .
والتجلَّي من الذات لا يكون أبدا إلَّا بصورة استعداد المتجلَّي له ،وغير ذلك لا يكون".
قال العبد أيّده الله به : إنّ العطايا والمنح والهبات سواء كانت معاني وحقائق وعلوما ومشاهدات وتجلَّيات إلهيّة كانت أو ربانية أو روحية أو عقلية أو نفسية أو طبيعية أو عنصرية أو مثالية على اختلاف طبقاتها ودرجاتها فإنّها إمّا ذاتية أو أسمائية ، ونعني بالذاتية بحت الوجود ومحض الوجود والجود ، وبالأسمائية ما تكون مخصوصة بصورة حضرة من الحضرات الإلهية .
ثم الأسمائية لا تكون إلَّا بحجاب وهو حجابيّة التعيّن الاسمي بما به يمتاز عن الآخر ويغايره لا غير .
وأمّا الذاتية فإنّها لا تكون إلَّا عن تجلّ إلهي .
ولا تكون أبدا عن الذات الأحدية ، لما عرفت أن لا حكم ولا رسم ولا تجلَّي ولا غير ذلك في الأحدية الذاتية ، فيكون تعيّن التجلَّي الذاتي من حضرة الألوهية ، فيضاف التجلَّي لهذا السرّ إلى ذات الألوهة ، لا إلى مطلق الذات ، فافهم هذا الفرق ، حتى لا يشتبه عليك الحقائق .
ثم إنّ هذه العطايا والمنح الحاصلة بالتجلَّي لا تتعيّن أبدا إلَّا بصورة استعداد المتجلَّي له لأنّ الاستعدادات والقابليّات في الأعيان هي المستدعية للتجلَّيات الذاتية والأسمائية ، والمتجلَّي ، له صورة علمية أزلية على هيئة معنوية مخصوصة بتخصّص التجلَّي الوجودي وبتخصّص الفيض الجودي بموجب ما تعيّن وتخصّص في النور العلمي الأزلي الشهودي بحسب خصوص المتجلَّى له ، فافهم .
قال رضي الله عنه : " فإذن المتجلَّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق ، وما رأى الحقّ ، ولا يمكن أن يراه مع علمه أنّه ما رأى صورته إلَّا فيه)
فلن ترى الحق الذي هو عين الكلّ المطلق عن قيد التعيّن في الكلّ وبالكلّ ، وعن الجمع بين القيد والإطلاق ، فكيف أنت تعلم أنّك متعيّن بصورتك الأزلية الأصلية العلمية في عين صورتك العينية الفصليّة الوصلية الأبدية في مرآتية الوجود الحق والحقّ المطلق ، فكما أنّ الرائي صورته أو صورة غيره في المرآة لا يرى سوى صورة الناظر .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية أو أسمائية. فأما المِنَح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبداً إِلا عن تجل إِلهي. والتجلي من الذات لا يكون أبداً إِلا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه.)
قال رضي الله عنه : ( ثم نرجع إلى الأعطيات ) لما قسم العطايا بحسب السؤال انجر الكلام إلى بحث الاستعداد والأعيان .
فبحث عن ذلك بقدر ما احتاج إليه هاهنا ، ثم رجع إلى المقصود من بيان القسمين الأولين واستأنف القسمة لطول الكلام بقوله:
( فنقول : إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية ، فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية ، فلا تكون أبدا إلا عن تجل إلهى ) أي ذاتى مطلق لا من الذات وحدها بلا صفة .
فإنها لا تتجلى وحدها لشيء بل الذات باعتبار الرحمانية لأن الله اسم الذات المطلقة .
وتجلى الذات من حيث هي هي لا يكون إلا لذاته ، أما للعبد فلا يكون إلا بصورة استعداد من تجلى له لا غير .
كما قال رضي الله عنه : ( والتجلي من الذات لا يكون إلا بصورة استعداد المتجلى له غير ذلك لا يكون ، فإذا المتجلى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق وما رأى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى سوى صورته إلا فيه ) ومثله بالمرآة في قوله

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية أو أسمائية. فأما المِنَح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبداً إِلا عن تجل إِلهي. والتجلي من الذات لا يكون أبداً إِلا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه.)
قال رضي الله عنه : (ﺛﻢ ﻧﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﻋﻄﻴﺎﺕ، ﻓﻨﻘﻮﻝ، ﺇﻥ ﺍﻷﻋﻄﻴﺎﺕ ﺇﻣﺎ ﺫﺍﺗﻴﺔ، ﺃﻭ ﺃﺳﻤﺎﺋﻴﺔ) ﻓﺄﻣﺎ ﺍﻟﻤﻨﺢ ﻭﺍﻟﻬﺒﺎﺕ ﻭﺍﻟﻌﻄﺎﻳﺎ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﻓﻼ ﺗﻜﻮﻥ ﺃﺑﺪﺍ ﺇﻻ ﻋﻦ ﺗﺠﻠﻰ ﺇﻟﻬﻲ، ﻭﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺃﺑﺪﺍ ﺇﻻ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ، ﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ. ﻓﺈﺫﺍ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ، ﻣﺎ ﺭﺃﻯ ﺳﻮﻯ ﺻﻮﺭﺗﻪ ﻓﻲ ﻣﺮﺃﺓ ﺍﻟﺤﻖ).
(ﺍﻷﻋﻄﻴﺎﺕ) ﺟﻤﻊ (ﺃﻋﻄﻴﺔ) ﻭﻫﻲ ﺟﻤﻊ (ﻋﻄﺎﺀ)، ﻓﻬﻲ ﺟﻤﻊ ﺍﻟﺠﻤﻊ. ﻭ (ﺍﻟﻤﻨﺢ) ﺟﻤﻊ (ﻣﻨﺤﺔ) ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻌﻄﺎﻳﺎ. ﻭﻟﻤﺎ ﺫﻛﺮ ﻓﻲ ﺃﻭﻝ ﺍﻟﻔﺺ: (ﺇﻥ ﺍﻟﻌﻄﺎﻳﺎ ﻣﻨﻬﺎ ﺫﺍﺗﻴﺔ ﻭﻣﻨﻬﺎ ﺃﺳﻤﺎﺋﻴﺔ) ﻭﺷﺒﻪ ﺍﻧﻘﺴﺎﻣﻪ ﺑﺎﻟﻘﺴﻤﻴﻦ ﺑﺎﻧﻘﺴﺎﻡ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺑﻘﺴﻤﻴﻦ ﻭﻓﺮﻉ ﻋﻦ ﺗﻘﺮﻳﺮﻩ، ﺷﺮﻉ ﺑﺬﻛﺮ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ،
ﻓﻘﺎﻝ: (ﺇﻣﺎ... ﺍﻟﻌﻄﺎﻳﺎ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﻓﻼ ﺗﻜﻮﻥ... ﺇﻻ ﻋﻦ ﺗﺠﻠﻰ ﺇﻟﻬﻲ) ﺃﻱ، ﻋﻦ ﺣﻀﺮﺓ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺳﻢ ﺇﻻ ﻓﻴﻬﺎ. ﻭﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺑﺎﻗﻴﺎ ﻻ ﻳﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻘﻴﻮﺩ، ﺑﻞ ﻳﺒﻘﻰ ﻣﺎ ﺑﻪ ﺗﻌﻴﻨﻪ، ﻓﻼ ﻳﺤﺼﻞ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﺍﻟﺘﺎﻣﺔ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻓﻠﻢ ﻳﻤﻜﻦ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﻭﺷﻬﻮﺩﻩ، ﻛﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﻤﻜﻦ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﺍﻟﻤﻮﺿﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻯ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﺍﻟﺼﻘﻴﻠﺔ، ﻓﺈﻧﻚ ﺇﺫﺍ ﺭﺃﻳﺖ ﺻﻮﺭﺗﻚ ﻓﻴﻬﺎ، ﺗﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﺭﺅﻳﺘﻬﺎ ﻣﻊ ﺃﻧﻚ ﺗﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﺻﻮﺭﺗﻚ ﻣﺎ ﻇﻬﺮﺕ ﺇﻻ ﻓﻴﻬﺎ.
ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﺳﻢ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻓﻘﻂ، ﻭﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺁﺧﺮ ﺍﺳﻢ ﻟﻠﺬﺍﺕ ﻣﻊ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺃﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻙ (ﺍﻟﻐﻨﻰ)(ﺍﻟﻘﺪﻭﺱ) ﻭﺃﻣﺜﺎﻟﻬﻤﺎ.
ﻭﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺇﻻ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻭﺑﺤﺴﺐ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﻩ، ﻷﻥ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻻ ﺻﻮﺭﺓ ﻟﻬﺎ ﻣﺘﻌﻴﻨﺔ ﻟﻴﻈﻬﺮ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺑﻬﺎ، ﻭﻫﻲ ﻣﺮﺁﺓ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ، ﻓﺘﻈﻬﺮ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﻘﺪﺭ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﻩ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻳﻈﻬﺮ ﻓﻲ ﻣﺮﺍﻳﺎ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺑﺤﺴﺐ ﺇﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺗﻬﺎ ﻭﻗﺎﺑﻠﻴﺎﺗﻬﺎ ﺑﻈﻬﻮﺭ ﺃﺣﻜﺎﻣﻪ، ﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ، ﺇﺫ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻲ ﻭﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ، ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻲ ﻭﺟﻮﺩﺍ ﻣﻄﻠﻘﺎ ﻏﻴﺮ ﻣﻘﻴﺪ ﺑﺎﺳﻢ ﺟﺰﺋﻲ ﻭﺻﻔﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ.
ﻛﺬﻟﻚ ﻻ ﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﻣﺨﻠﺼﺎ ﻋﻦ ﺭﻕ ﺍﻟﻘﻴﻮﺩ ﺍﻟﻤﺸﺨﺼﺔ ﻭ ﻋﺒﻮﺩﻳﺔ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﺇﻻ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﻪ ﺗﻤﻴﺰﺕ ﺫﺍﺗﻪ ﻋﻦ ﺭﺑﻪ، ﻷﻥ ﺍﻟﺸﺊ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺨﻠﺺ ﻋﻦ ﺫﺍﺗﻪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻔﻨﺎﺀ، ﻭﺣﻴﻨﺌﺬ ﻳﻨﻌﺪﻡ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﻭﺍﻟﻜﻼﻡ ﻣﻊ ﺑﻘﺎﺋﻪ. ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﻘﻴﺪ ﻻ ﻳﻘﺪﺡ ﻓﻲ ﺇﻃﻼﻗﻪ، ﺇﺫ ﺑﻪ ﻫﻮ ﻫﻮ.
ﻓﺈﺫﺍ ﺧﻠﺺ ﻋﻨﻬﺎ ﻭﺣﺼﻠﺖ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻴﺜﻴﺔ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺭﺑﻪ، ﺣﺼﻞ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ، ﻭﻻ ﻳﺮﻯ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﺳﻮﻯ ﺻﻮﺭﺓ ﻋﻴﻨﻪ ﻓﻲ ﻣﺮﺁﺓ ﺍﻟﺤﻖ.
ﻭﻣﺎ ﺍﺷﺘﻬﺮ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﻳﻮﺟﺐ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﻭﺍﺭﺗﻔﺎﻉ ﺍﻹﺛﻨﻴﻨﻴﺔ، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﺑﺼﻔﺔ (ﺍﻟﻘﻬﺮ) ﻭ (ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ) ﺍﻟﻤﻘﺘﻀﻴﺔ ﻻﺭﺗﻔﺎﻉ ﺍﻟﻐﻴﺮﻳﺔ ﻭ ﺍﻧﻘﻬﺎﺭﻫﺎ،
ﻭﻟﺬﻟﻚ ﺟﺎﺀ: (ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﺍﻟﻘﻬﺎﺭ) ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (ﻟﻤﻦ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻟﻠﻪ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﺍﻟﻘﻬﺎﺭ).
ﺃﻭ ﻧﻘﻮﻝ، ﺇﻥ ﻛﻼﻣﻪ ضي الله عنه  ﻣﺤﻤﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻝ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ، ﻭ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﻻ ﻳﻮﺟﺐ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ. ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﺩ بـ (ﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ) ﻫﻨﺎ ﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﺍﻟﻜﻠﻰ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻌﻴﻦ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﺑﻌﺪ ﺗﺨﻠﺼﻬﺎ ﻋﻦ ﻣﻘﺘﻀﻴﺎﺕ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﻃﻬﺎﺭﺗﻬﺎ ﻋﻦ ﻛﺪﻭﺭﺍﺗﻬﺎ، ﻻ ﺍﻟﺠﺰﺋﻲ، ﻭﺇﻻ ﻳﺸﺘﺒﻪ ﺍﻷﻣﺮ.
ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻗﺪ ﻳﺘﺠﻠﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻘﺎﻣﺎﺕ ﻭﺗﻈﻬﺮ ﺑﺎﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺘﺨﻠﺺ ﻋﻦ ﺭﻕ ﺍﻟﻘﻴﻮﺩ، ﻭﻳﻜﻮﻥ ﺷﻴﻄﺎﻧﻴﺎ ﻻ ﺭﺣﻤﺎﻧﻴﺎ، ﻭﻗﻠﻴﻞ ﻣﻦ ﻳﻤﻴﺰ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ. ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻳﺪﻋﻰ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻭﻳﻈﻬﺮ ﺑﺎﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ، ﻛﺎﻟﻔﺮﺍﻋﻨﺔ.
قال رضي الله عنه : (ﻭﻣﺎ ﺭﺃﻯ ﺍﻟﺤﻖ، ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺮﺍﻩ ﻣﻊ ﻋﻠﻤﻪ ﺃﻧﻪ ﻣﺎ ﺭﺃﻯ ﺻﻮﺭﺗﻪ ﺇﻻ ﻓﻴﻪ، ﻛﺎﻟﻤﺮﺁﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺎﻫﺪ ﺇﺫﺍ ﺭﺃﻳﺖ ﺍﻟﺼﻮﺭ ﻓﻴﻬﺎ: ﻻ ﺗﺮﺍﻫﺎ ﻣﻊ ﻋﻠﻤﻚ ﺃﻧﻚ ﻣﺎ ﺭﺃﻳﺖ ﺍﻟﺼﻮﺭ ﺃﻭ ﺻﻮﺭﺗﻚ) ﻭﺍﻟﺤﺎﺻﻞ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﺫﺍ ﻛﻤﻞ، ﻳﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﺼﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ، ﻭﻣﺎ ﻫﻲ ﺇﻻ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻻ ﻏﻴﺮ، ﻓﻤﺎ ﺭﺃﻯ ﺍﻟﺤﻖ ﺑﻞ ﺭﺃﻯ ﺻﻮﺭﺓ ﻋﻴﻨﻪ، ﻓﻼ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺇﻻ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻭﺑﺤﺴﺐ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﻩ، ﻷﻥ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻻ ﺻﻮﺭﺓ ﻟﻬﺎ ﻣﺘﻌﻴﻨﺔ ﻟﻴﻈﻬﺮ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺑﻬﺎ، ﻭﻫﻲ ﻣﺮﺁﺓ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ.
ﻓﺘﻈﻬﺮ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﻘﺪﺭ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﻩ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻳﻈﻬﺮ ﻓﻲ ﻣﺮﺍﻳﺎ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺑﺤﺴﺐ ﺇﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺗﻬﺎ ﻭﻗﺎﺑﻠﻴﺎﺗﻬﺎ ﺑﻈﻬﻮﺭ ﺃﺣﻜﺎﻣﻪ، ﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ، ﺇﺫ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻲ ﻭﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ، ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻲ ﻭﺟﻮﺩﺍ ﻣﻄﻠﻘﺎ ﻏﻴﺮ ﻣﻘﻴﺪ ﺑﺎﺳﻢ ﺟﺰﺋﻲ ﻭﺻﻔﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ، ﻛﺬﻟﻚ ﻻ ﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﻣﺨﻠﺼﺎ ﻋﻦ ﺭﻕ ﺍﻟﻘﻴﻮﺩ ﺍﻟﻤﺸﺨﺼﺔ ﻭ ﻋﺒﻮﺩﻳﺔ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﺇﻻ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﻪ ﺗﻤﻴﺰﺕ ﺫﺍﺗﻪ ﻋﻦ ﺭﺑﻪ، ﻷﻥ ﺍﻟﺸﺊ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺨﻠﺺ ﻋﻦ ﺫﺍﺗﻪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻔﻨﺎﺀ، ﻭﺣﻴﻨﺌﺬ ﻳﻨﻌﺪﻡ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﻭﺍﻟﻜﻼﻡ ﻣﻊ ﺑﻘﺎﺋﻪ.
ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﻘﻴﺪ ﻻ ﻳﻘﺪﺡ ﻓﻲ ﺇﻃﻼﻗﻪ، ﺇﺫ ﺑﻪ ﻫﻮ ﻫﻮ. ﻓﺈﺫﺍ ﺧﻠﺺ ﻋﻨﻬﺎ ﻭﺣﺼﻠﺖ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻴﺜﻴﺔ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺭﺑﻪ، ﺣﺼﻞ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ، ﻭﻻ ﻳﺮﻯ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﺳﻮﻯ ﺻﻮﺭﺓ ﻋﻴﻨﻪ ﻓﻲ ﻣﺮﺁﺓ ﺍﻟﺤﻖ. ﻭﻣﺎ ﺍﺷﺘﻬﺮ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﻳﻮﺟﺐ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﻭﺍﺭﺗﻔﺎﻉ ﺍﻹﺛﻨﻴﻨﻴﺔ، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﺑﺼﻔﺔ (ﺍﻟﻘﻬﺮ) ﻭ (ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ) ﺍﻟﻤﻘﺘﻀﻴﺔ ﻻﺭﺗﻔﺎﻉ ﺍﻟﻐﻴﺮﻳﺔ ﻭ ﺍﻧﻘﻬﺎﺭﻫﺎ، ﻭﻟﺬﻟﻚ ﺟﺎﺀ: (ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﺍﻟﻘﻬﺎﺭ) ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: "ﻟﻤﻦ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻟﻠﻪ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﺍﻟﻘﻬﺎﺭ". ﺃﻭ ﻧﻘﻮﻝ، ﺇﻥ ﻛﻼﻣﻪ رضي الله عنه ﻣﺤﻤﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻝ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ، ﻭ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﻻ ﻳﻮﺟﺐ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ.
ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺏ (ﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ) ﻫﻨﺎ ﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﺍﻟﻜﻠﻰ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻌﻴﻦ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﺑﻌﺪ ﺗﺨﻠﺼﻬﺎ ﻋﻦ ﻣﻘﺘﻀﻴﺎﺕ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﻃﻬﺎﺭﺗﻬﺎ ﻋﻦ ﻛﺪﻭﺭﺍﺗﻬﺎ، ﻻ ﺍﻟﺠﺰﺋﻲ، ﻭﺇﻻ ﻳﺸﺘﺒﻪ ﺍﻷﻣﺮ.
ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻗﺪ ﻳﺘﺠﻠﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻘﺎﻣﺎﺕ ﻭﺗﻈﻬﺮ ﺑﺎﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺘﺨﻠﺺ ﻋﻦ ﺭﻕ ﺍﻟﻘﻴﻮﺩ، ﻭﻳﻜﻮﻥ ﺷﻴﻄﺎﻧﻴﺎ ﻻ ﺭﺣﻤﺎﻧﻴﺎ، ﻭﻗﻠﻴﻞ ﻣﻦ ﻳﻤﻴﺰ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ.
ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻳﺪﻋﻰ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻭﻳﻈﻬﺮ ﺑﺎﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ، ﻛﺎﻟﻔﺮﺍﻋﻨﺔ.
(ﻭﻣﺎ ﺭﺃﻯ ﺍﻟﺤﻖ، ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺮﺍﻩ ﻣﻊ ﻋﻠﻤﻪ ﺃﻧﻪ ﻣﺎ ﺭﺃﻯ ﺻﻮﺭﺗﻪ ﺇﻻ ﻓﻴﻪ،)
ﻭﺍﻟﺤﺎﺻﻞ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﺫﺍ ﻛﻤﻞ، ﻳﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﺼﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ، ﻭﻣﺎ ﻫﻲ ﺇﻻ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻻ ﻏﻴﺮ، ﻓﻤﺎ ﺭﺃﻯ ﺍﻟﺤﻖ ﺑﻞ ﺭﺃﻯ ﺻﻮﺭﺓ ﻋﻴﻨﻪ، ﻓﻼ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺮﺍﻩ ﻟﺘﻘﻴﺪﻩ ﻭﺇﻃﻼﻕ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺗﻌﺎﻟﻴﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﻌﻴﻨﺔ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮﺓ ﻟﻪ.

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية أو أسمائية. فأما المِنَح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبداً إِلا عن تجل إِلهي. والتجلي من الذات لا يكون أبداً إِلا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه.)
قال رضي الله عنه : "ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول: إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية.
فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجل إلهي.
و التجلي من الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلي له و غير ذلك لا يكون.
فإذن المتجلي له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق، و ما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه:"
(ثم) أي: بعد الفراغ مما عرض من بحث المشبه به أي: كون العطايا عن سؤال أو عن غير سؤال؛ (نرجع إلى) بحث ما كنا بصدده، وهو المشبه أعني: تقسيم (الأعطيات) أي: الذاتية والأسمائية (فنقول: الأعطيات إما ذاتية، أو أسمائية).
ثم أشار إلى أن الذاتيات أيضا من الأسماء؛ فقال: (وأما المنح) أراد بها إعطاء المنافع وحدها، (والهبات) أراد بها إعطاء الأعيان مع المنافع، بحيث لا يطلب معه شکرا، ولا عبادة، (والعطايا الذاتية) أراد بها أعم من ذلك، وإنما أورد ذلك يشير إلى أنها ليست على نهج واحد، وقد مر ما يشير إلى ذلك من كونها على أيدي العباد، وعلى غير أيديهم، فيستدل بذلك على أنها ليست من الذات وحدها.
ولذلك قال: (فلا تكون إلا عن تجلي إلهي) أي: عن حضرة الأسماء؛ لأن الذات من حيث هي غنية عن العالمين؛ فلذلك لم يفسر العطايا الذاتية بما يكون بلا واسطة أصلا؛ بل بما لا يكون عن واسطة اسم معين، أو مما يغلب فيه نور الذات على الاسم.
ثم استشعر سؤالا بأن من العطايا الجليلة تجلي الذات الإلهية في الدنيا والآخرة، وقد اشتهر القول بذلك عن القوم والغني الذاتي لا ينافي ذلك.
فقال: (والتجلي من الذات) موجب لسير الذات بما يظهر في مرآتها من صورة الرائي، فيصير حجابا عن رؤية المرأة، وذلك لأن التجلي من الذات (لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلى له)، وهو أن يشرق النور الذاتي على العين الثابتة من المتجلى له، وعلى روحه وقلبه؛ فليستنير بقدر استعداده؛ فيصير صورة مقيدة باستعداد المتجلى له.
ثم تنعكس هذه الصورة إلى مرآة الحق فيحجب عن رؤية المرأة (غير ذلك لا يكون)؛ إذ الرؤية للحق لا تكون بدون تجليه للرائي بإشراقه على عينه الثابتة، أو روحه، أو قلبه وإشراقه على كل شيء بقدر استعداده على ما يقدر.
ولكن ذلك لا يوجب رؤيته ما لم ير في أمر آخر؛ فإن العين لا تبصر نفسها إلا في مرآة.
وأتم ما يكون ذلك في مرآة الذات؛ فتنعكس الصورة من أحد هذه الثلاثة إلى مرآة الحق، (فإذن المتجلى له ما رأي) في تجلی الذات (سوى صورته) التي فاضت عليه من الحق حال الرؤية، انعكست منه إلى مرآة الحق، ولا يمكن أنه يرى بصورة استعداد غيره، وإن انعكست إلى مرآة الحق، ما لم تحصل تلك الصورة في أحد الثلاثة من الرائي.
فهو إذن صورة استعداد الرائي، وإذا رأى صورته (في مرآة الحق، ما رأى الحق الذي هو المرأة من حيث ذاته؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يراه) أي: الحق من حيث ذاته (مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه)؛ لأن رؤية الصورة في المرأة المعقولة يمنع من دونه المرآة.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية أو أسمائية. فأما المِنَح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبداً إِلا عن تجل إِلهي. والتجلي من الذات لا يكون أبداً إِلا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه.)
وإذ قد ابتني هذه التقسيمات كلها على تقسيم الأعطيات أولا ، و انشعب هذه التفاريع من ذلك الأصل ، لابد أن يسترجع إلى تحقيقه حتى يتبين منه جميع الأقسام ، فلذلك قال : (ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول : إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية)
وإذ قد عرفت أن العطايا قد تكون بلا واسطة و قد تكون بواسطة ، و الواسطة إما صفة أو فعل .
فصلها بقوله : ( فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا يكون أبدا إلا عن تجل إلهي).
حتى يمكن أن يظهر الأثر المسمى بالمنح و الهبة والعطاء بصرافة أحدية جمعيته الذاتية .
فإن التجلي في كل اسم إنما يظهر بحسب حكمه الخاص و خصوصيته الامتيازية الفارقة ، بخلاف الاسم « الإله » فإن خصوصيته إنما هو الإطلاق وأحدية الجمع الإحاطي ؛ وعبارة « الألوهي » منها مشعرة بهذا الطرف من الجمعية .

ثم لما بين حكم التجلي الذاتي وما يقتضيه باعتبار المتجلي ، أراد أن يبين أمره باعتبار المتجلى له بقوله : ( والتجلي من الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلى له ؛ غير ذلك فلا يكون ) ضرورة أنه لو كان له ما يزيد على تلك الصورة لم يكن التجلي بصرافته الذاتية .
( فإذن المتجلى له ما رأي سوى صورته في مرآة الحق ) إذ ما تصور فيها شيء غيره (وما رأى الحق ، ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه) فيلزم أن يكون مرئيا ، ضرورة أن رؤية الصورة تستلزم رؤية ما ترى فيه و هذا من مقتضيات الذات وأحكام هويتها الجامعة للأضداد والأطراف المتعانقة كلها فيها ، أنها يرى ولا يرى ، وعلمت وما علمت ، كما سيشير إليه الشيخ .

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية أو أسمائية. فأما المِنَح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبداً إِلا عن تجل إِلهي. والتجلي من الذات لا يكون أبداً إِلا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه.)
قال رضي الله عنه : "ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول: إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية.
فأما المنح و الهبات و العطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجل إلهي.
و التجلي من الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلي له و غير ذلك لا يكون.
فإذن المتجلي له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق، و ما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه:
كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها."
قال رضي الله عنه : (ثم نرجع) فيما انجر الكلام في قسم العطايا باعتبار السؤال وعدمه إليه من بحث الأعيان واستعداداتها وبيان حكمها (إلى) بحث (الأعطيات) المقصود بالبيان ولطول ما وقع في البين استأنف القسمة عليه.
(فنقول إن الأعطيات) بفتح الهمزة وتخفيف الياء جمع أعطية جمع عطاء كأغطية وغطاء أو بضم الهمزة وتشديد الياء جمع أعطية كأمنية (إما ذاتية وإما اسمائية) وقد عرفتهما.
فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية من الواردات والأذواق والمواجيد والعلوم والمعارف (فلا تكون ابدأ) واردة على القائلين الذين هيئوا محلها (إلا عن تجلي إلهي).
أي من تجلي حضرة الاسم الجامع جميع الصفات والأسماء من الذات إلا به .
فإنه لا اسم ولا رسم ولا حكم ولا تجلي ولا غير ذلك في الذات الأحذية فيكون تعين التجلي الذاتي من الحضرة الإلهية .
فلهذا أضيف التجلي إليها لا إلى مطلق الذات ، فإذا وقع التجلي من هذه الحضرة أستتبع تلك العطايا الذاتية (والتجلي من الذات) الإلهية (لا يكون أبدأ إلا بصورة استعداد العبد المنجلي له)، أي بصورة يقتضيها استعداده .
(غير ذلك)، أي غير كون التجلي بصورة استعداد لنعبد المتجلى له (لا يكون) أبدا (فإذن) العبد (المتجلى له ما رأی سوی صورته في مرآة) الوجود (الحق).
وسوى الوجود المتعين في هذه الصورة بحسبها ، لأن الذات الإلهية ليس لها في حد نفسها صورة متعينة تظهر بها وهي مرآة الأعيان فتظهر صورة المتجلى له فيها بقدر استعداده .
كما أن الحق يظهر في مرايا الأعيان بحسب استعداداتها وقابليتها لظهور أحكامه (وما رأى) العبد المجتلى له (الحق) من حيث إطلاقه.
(ولا يمكن أن يراه) من تلك الحيثية (مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه)، فهو سبحانه (كالمرأة في الشاهد) فإنك (إذا رأيت الصور).
أو صورتك (فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت) تلك الصور أو صورتك إلا فيها

.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 11:04 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثانية عشر :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :

قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ أو صورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏ ليعلم المتجلَّى له أنه ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب و لا أشبَه بالرؤية و التجلي من هذا.  
وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة.)

قال الشيخ رضي الله عنه : (كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها. فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلى له أنه ما رآه.  و ما ثم مثال أقرب و لا أشبه بالرؤية و التجلي من هذا.
و أجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة حتى إن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي و بين المرآة.)
(كالمرآة) من الفولاذ والزجاج (في الشاهد) المحسوس. (إذا رأيت) أيها الإنسان (الصور فيها) سواء كانت صورتك أو صورة غيرك فإنك (لا تراها)، أي لا ترى ذات المرآة لاحتجابها عنك بالصور التي ظهرت لك فيها (مع علمك) من غير شبهة (أنك ما رأيت)، تلك الصور أو صورتك أنت (إلا فيها)، أي في تلك المرآة .
(فأبرز)، أي أظهر (الله) تعالى (ذلك) الذي هو والمرآة والصور التي فيها (مثالا نصبه) سبحانه وتعالى لك (لتجليه)، أي ظهوره (الذاتي)، أي المنسوب إلى الذات العلية (ليعلم المتجلى له) وهو العبد (أنه ما رآه)، أي ما رأى الله تعالى، وإنما رأى صورته التي هي مقدار استعداده لإدراك ذات الحق المتجلية عليه .
رآها في مرآة الذات العلية وما رأى الذات العلية.
(وما ثم)، أي هناك في عالم الخلق (مثال) لهذا التجلي الذاتي (أقرب) للفهم (ولا أشبه بالرؤية) للذات العلية.
قال رضي الله عنه : (و) أشبه بنفس (التجلي)، أي الظهور (من هذا) المثال المذكور (واجهد في نفسك) أيها الإنسان (عندما ترى الصورة)، التي ظهرت لك (في المرأة أن ترى) بعينك (جرم المرآة) الذي هو نفس الفولاذ أو الزجاج فإنك (لا تراه أبدأ البتة).
أي قطعة من غير شك ولا شبهة، وذلك لأن الصورة الظاهرة في المرآة تحجب المرأة عنك برؤيتك لها، فلا تری جرم المرأة إلا إذا محيت تلك الصورة منها .
مع أن جرم المرأة أقرب إليك من الصورة الظاهرة فيها، على قول من يجعل ذلك انطباعا في صقالة وجه المرآة، لا في نفس جرم المرآة .
ومن يجعل شعاع البصر يصك وجه المرآة ثم ينعكس على حقيقة الشيء الذي ظهرت صورته بالمرآة، فالصورة التي في المرآة ليست فيها بل في ذات ذلك الشيء، وإنما انعكس شعاع البصر بسبب صقالة وجه المرآة (حتى أن بعض من أدرك) بنفسه (مثل هذا الأمر المذكور في صور المري) جمع مرآة "المرايا"حيث استتر جرم المرآة عن بصر الرائي بسبب ظهور تلك الصورة في المرآة (ذهب) اجتهاده منه (إلى أن الصورة المرئية) في المرآة ليست منطبعة في صقالة وجه المرآة ولا انعکس شعاع البصر بصقالة وجه المرآة إلى نفس تلك الصورة والمقابلة للمرآة ، بل تلك الصورة منطبعة في الهواء الكائن (بین بصر الرائي وبين) جرم (المرآة هذا)  الأمر المذكور.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ أو صورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏ ليعلم المتجلَّى له أنه ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب ولا أشبَه بالرؤية والتجلي من هذا.
وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة.)

قال رضي الله عنه : (كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصور فيها لا تراها) لمنع رؤية الصورة عن رؤية المرآة (من علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها) وذلك ظاهر.
(فابرز الله) أي أظهر الله (ذلك) الموجود المشاهد (مثالا نصبه) أي أقامه حجة (لتجليه الذاتي ليعلم المتجلي له أنه ما رآه) أي الحق كما لم ير المرأة إذ كل ما في الشهادة دليل على ما في الغيب (وما ثمة) أي وليس في عالم الشهادة مثال أقرب ولا أشبه مثالا (بالرؤية والتجلي من هذا) المثال (واجهد في نفسك) بكليتك (عندما نرى) .
أي عند رؤيتك (الصورة في المرأة أن نرى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة حتى أن بعض من أدرك مثل هذا) أي أدرك عدم رؤية المرايا (في صور المرايا ذهب إلى أن الصورة المرئية) حاصلة (بين بصر الرائي وبين المرآة) لا في المرآة.
لذلك حاجبة عن رؤية المرآة فقد أصاب هذا البعض في إدراك عدم رؤية المرآة عند رؤية الصورة لكن أخطأ فيما ذهب إليه.لأنه لم يدرك أنه مثال لتجليه الذاتي.
 
شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ أو صورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏ ليعلم المتجلَّى له أنه ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب و لا أشبَه بالرؤية و التجلي من هذا.
وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة.)

قوله: "مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرأة في الشاهد إذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها. فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجلية الذاتي ليعلم المتجلى له أنه ما رآه. وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلي من هذا. وأجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرأة أن ترى جرم المرأة لا تراه أبدا ألبتة حتى أن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إلى أن الصورة المرئية بين نظر الرآئی و بین المرآة. "
قلت: يعني به علم العبد المتجلي له، أنه ما رأى صورته إلا في الحق تعالی وشبه ذلك بالمرآة فإن الإنسان إذا شاهد الشكل الذي في المرآة لا يكون مشاهدا الجرم المرآة وكأنه يقول إن ذلك قد جرب وهو أن جرم المرآة وهو الصيقل
منها الذي يرى الشكل لا يراه أحد حين مشاهدته للشكل لكن يعلم أن الشكل ما ظهر لك إلا في المرآة وبها
قوله: واجهد أنك إذا رأيت الشكل في المرآة أن ترى جرم المرآة فهو إرشاد منه، تعالی و تقدس، إلى أدب أهل الله تعالى في الشهود، فإنهم يجتهدون أن يروا المرآة أكثر من اجتهادهم أن يروا الشكل الذي فيها أي يرون الحق تعالی أقرب إلى شهودهم من رؤية نفوسهم التي ظهرت في مرآة تجليه تعالى وأما جرم المرآة فقد  قال: "إنك لا تراه أبدا مع جواز إرادته"،
رضي الله عنه أن يقول لك: جرب أنت ما قلناه، هل ترى جرم المرآة في تلك الحالة؟
فإنك تعلم أنك لا تراه أصلا.

قال: ومن جملة ما ألجأ بعض الناس أن يقول: إن الشكل الظاهر في المرآة هو بين البصر وبين الجرم الصيقل من المرآة، ما جربوه من أن جرم المرآة المذكور لا يرى، فتوهموا أن الشكل المذكور هو الذي حجب أبصارنا عن إدراك جرم المرآة لما عجزوا عن رؤيته.
 
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ أو صورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏ ليعلم المتجلَّى له أنه ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب و لا أشبَه بالرؤية و التجلي من هذا.
وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة.)

قال رضي الله عنه : " كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنّك ما رأيت الصورة أو صورتك إلَّا فيها ، فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجلَّيه الذاتيّ ليعلم المتجلَّى له أنّه ما رآه ، وما ثمّ مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلَّي من هذا .
وأجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة ، لا تراه أبدا البتّة " .
قال العبد أيّده الله به : اعلم : أنّ أهل التجلَّيات من أصحاب النبوّات وأرباب الولايات إنّما ترد عليهم بحسب استعداداتهم وخصوصية قابلياتهم الوجودية ، وكذلك استعداداتهم في عرصة الوجود العيني إنّما تكون بموجب استعداداتهم الغيبيّة غير المجعولة في حضرة العلم الذاتي .
 وقد أسلفنا لك من قبل أنّ صورة معلوميّة كلّ أحد لله تعالى أزلا قبل وجوده العيني هي حقيقته وعينه الثابتة وأنّها من حيث هي كذلك ليست أمورا وجودية مغايرة للعلم مغايرة حقيقية ، ولا زائدة على ذات العالم زيادة توجب الكثرة في وحدته العلمية .
بل هي صورة نسبه ومتعلَّقاته المظهرية وأحواله الغيبيّة وشئونه العينية ، إذ لا معيّة لغيره معه أزلا وأبدا دائما وسرمدا « كان الله ولم يكن معه شيء » وهو الآن على ما هو عليه كان .
والعلم الذاتي أوجب تعيّن المعلومات في حضرة العلم على ما هي عليها ، فهي إذن نسبة ونسب نسبة : كالعلم والعالمية والمعلومية ، والربوبية والمربوبية ، والظاهرية والمظهرية ، والظهور والبطون ، والقيد والإطلاق ، والتعيّن واللا تعين وغير ذلك .
 جميع هذه الحقائق نسبه وأحواله النفسيّة ولا توجب كثرة في عين الأحدية ، كما لا توجب النصفيّة والثلثية والربعيّة والخمسية وغيرها من النسب كثرة قادحة في وحدة الواحد .
وإنّما الكثرة في عرصة العلم والتعقّل عندنا لا غير ، فمهما حصل تجلَّي المتجلَّي له في حضرة الوجود العيني ، فإنّما يحصل على صورة استعداد العين الثابتة الأزلية التي لهذا المتجلَّى له أزلا لتعيّن التجلَّي من الشأن الذاتي الذي هو عينه .
وذلك استعداد ذاتي لهذا القابل الأزلي ، غير مجعول ، لأنّ الفرض قبل الإيجاد وقبل الوجود في حضرة الغيب ، فالتجلَّي الغيبي يتعيّن في الذات في غيب قابلية المتجلَّى له أزلا أوّلا بحسب صورة ذلك الاستعداد الغيبيّ غير المجعول .
ثم يظهر في كل وقت وحال للمتجلَّى له في عرصة الوجود العيني على تلك الصورة التي هي صورة الحق في عينه العينّية أو صورة عينه الغيبية في الحق كيف قلت فإنّك في الكلّ مرآته من وجه وباعتبار .
وهو مرآة الكلّ من وجه وباعتبار ، فمهما تجلَّى لك فما رأيت في تجلَّي الحقّ لك إلَّا صورتك الغيبيّة الأزلية إن كان تجلّ ذاتي أو صورة نسبية ذاتية من النسب ، فما رأيت الله من كونه عين الكلّ ظاهرا بصورة الجمع والإطلاق الذاتي أبدا ، وإذا لم تره كذلك ، فما رأيته ، وما دمت أنت أنت ، ولم تكن عين الكلّ.
 فلن ترى الحق الذي هو عين الكلّ المطلق عن قيد التعيّن في الكلّ وبالكلّ ، وعن الجمع بين القيد والإطلاق ، فكيف أنت تعلم أنّك متعيّن بصورتك الأزلية الأصلية العلمية في عين صورتك العينية الفصليّة الوصلية الأبدية في مرآتية الوجود الحق والحقّ المطلق ، فكما أنّ الرائي صورته أو صورة غيره في المرآة لا يرى سوى صورة الناظر .
ولا يمكن أن يرى جرم المرآة حال استغراق الشهود والرؤية بالصورة المثالية المرئيّة ، إذ الشهود التعيّني والإبصار الشخصي التشخّصي لا يسع في كل وقت واحد معيّن إلَّا مشهودا واحدا معيّنا كذلك وصورة واحدة شخصية ، مع علمه بأنّ تعيّن الصورة المشهودة وحصول الرؤية وتعلَّق الشهود بما ليس إلَّا في المرآة ، ولهذا تكسب الصورة صفتها ، فافهم .
قال رضي الله عنه : " حتى أنّ بعض من أدرك مثل هذا في صور المرئيّ ذهب إلى أنّ الصور المرئيّة بين بصر الرائي وبين المرآة:
بيان الأقوال في الإبصار
قال العبد : اختلفت الأقوال في كيفيّة تعلَّق الرؤية بالصورة المرئيّة في المرآة :
فمن قائل : إنّ مثال الصورة منطبع في المرآة ، ويتعلَّق به الشهود والرؤية في المرآة .
ومن قائل : إنّ الجسم الصقيل الصلب يوجب انعكاس النظر إلى ما يحاذي المرآة ، فيدركه البصر خارجا عن المرآة .
وقيل له : لو كان ذلك كذلك ، لما أدرك اليمين شمالا ، ولا الصورة على شكل المرآة ، بل أدركها كما هي خارجة عن المرآة .
وأجيب عن هذا : أنّ انعكاس النظر والقوّة الباصرة عن الجسم الصلب الصقيل يوجب ذلك في مرآة البصر ، لأنّه انعكس بحسب المرآة فأدّى الصورة منصبغة بموجب محلّ انعكاس النظر أوّلا .
وقال بعضهم : الصورة غير منطبعة في المرآة ، ولكنّها بين بصر الرائي وبين المرئيّ.
وذلك مبلغه من العلم .
وقيل : إنّ الصورة مدركة بعد انعكاس النظر عن الجسم الصقيل في عالم المثال .
والحق أنّ الصورة لو لم تكن منطبعة في المرآة ، لما تكيّفت بكيفيّتها من الاستدارة والاستطالة ، ولم تنعكس أيضا على قول القائلين بالانعكاس كذلك أيضا  فإنّها إن انعكست إنّما تنعكس بعد الانطباع .
 
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ أو صورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏ ليعلم المتجلَّى له أنه ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب و لا أشبَه بالرؤية و التجلي من هذا.
وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة.)

قال رضي الله عنه : ( كالمرآة في الشاهد في أنه إذا رأيت الصور أو صورتك فيها لا تراها ) أي جرم المرآة حيث ترى الصورة.
( مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها ) ثم ذكر أن مشاهدة الصور في المرآة مثال نصبه الله تعالى لتجليه الذاتي ليعلم المحقق أنه ما رأى ذاته تعالى بل رأى عينه فيه .
فقال رضي الله عنه : "فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلى له أنه ما رآه وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلي من هذا واجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة حتى أن بعض من أدرك مثل هذا في صورة المرآة ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة".
يعنى أن المرئي في مرآة الحق هو صورة الرائي لا صورة الحق .
وإن تجلى له ذات الحق بصورته لا بصورتها ، وليس الصورة المرئية في ذاته تعالى حجابا بين الرائي وبينه سبحانه .
بل هي الذات الأحدية المتجلية له بصورته لا كما زعم من ذهب في المرآة إلى أن الصورة حجاب بينها وبين الرائي فإنه وهم.

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ أو صورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏ ليعلم المتجلَّى له أنه ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب و لا أشبَه بالرؤية و التجلي من هذا.
وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة.)

قال رضي الله عنه : "ﻛﺎﻟﻤﺮﺁﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺎﻫﺪ ﺇﺫﺍ ﺭﺃﻳﺖ ﺍﻟﺼﻮﺭ ﻓﻴﻬﺎ: ﻻ ﺗﺮﺍﻫﺎ ﻣﻊ ﻋﻠﻤﻚ ﺃﻧﻚ ﻣﺎ ﺭﺃﻳﺖ ﺍﻟﺼﻮﺭ ﺃﻭ ﺻﻮﺭﺗﻚ" ﻭﺍﻟﺤﺎﺻﻞ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﺫﺍ ﻛﻤﻞ، ﻳﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﺼﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ، ﻭﻣﺎ ﻫﻲ ﺇﻻ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻻ ﻏﻴﺮ، ﻓﻤﺎ ﺭﺃﻯ ﺍﻟﺤﻖ ﺑﻞ ﺭﺃﻯ ﺻﻮﺭﺓ ﻋﻴﻨﻪ، ﻓﻼ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺮﺍﻩ ﻟﺘﻘﻴﺪﻩ ﻭﺇﻃﻼﻕ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺗﻌﺎﻟﻴﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﻌﻴﻨﺔ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮﺓ ﻟﻪ.
قال رضي الله عنه : (ﻓﺄﺑﺮﺯ ﺍﻟﻠﻪ ﺫﻟﻚ ﻣﺜﺎﻻ ﻧﺼﺒﻪ ﻟﺘﺠﻠﻴﻪ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﻟﻴﻌﻠﻢ ﺍﻟﻤﺘﺠﻠﻰ ﻟﻪ، ﺃﻧﻪ ﻣﺎ ﺭﺁﻩ). ﺫﻟﻚ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ، ﺫﻛﺮﻩ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﻣﺎ ﺑﻌﺪﻩ ﻭﻫﻮ (ﻣﺜﺎﻻ) ﻛﺄﻧﻪ ﻳﻘﻮﻝ: ﺫﻟﻚ ﻣﺜﺎﻝ ﺃﺑﺮﺯﻩ ﺍﻟﻠﻪ.

ﻟﺬﻟﻚ ﻗﺎﻝ: (ﻧﺼﺒﻪ) ﻭﻟﻢ ﻳﻘﻞ: ﻧﺼﺒﻬﺎ. ﺃﻭ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻧﻬﺎ ﺟﺮﻡ. ﻭ (ﻣﺎ) ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺬﻱ. ﺃﻱ، ﺍﻟﺬﻱ ﺭﺁﻩ. ﻭﻫﻮ ﻣﻔﻌﻮﻝ ﻳﻌﻠﻢ. ﺃﻭ ﺃﻱ ﺷﺊ ﺭﺁﻩ. ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺍﺳﺘﻔﻬﺎﻣﻴﺔ.
قال رضي الله عنه : (ﻭﻣﺎ ﺛﻤﺔ ﻣﺜﺎﻝ ﺃﻗﺮﺏ ﻭﻻ ﺃﺷﺒﻪ ﺑﺎﻟﺮﺅﻳﺔ ﻭﺍﻟﺘﺠﻠﻲ) ﺃﻱ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ. (ﻣﻦ ﻫﺬﺍ) ﺃﻱ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ. (ﻭﺃﺟﻬﺪ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻚ ﻋﻨﺪ ﻣﺎ ﺗﺮﻯ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ). (ﻣﺎ) ﻣﺼﺪﺭﻳﺔ. ﺃﻱ، ﻋﻨﺪ ﺭﺅﻳﺘﻚ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻓﻴﻬﺎ. (ﺃﻥ ﺗﺮﻯ ﺟﺮﻡ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻻ ﺗﺮﺍﻩ ﺃﺑﺪﺍ ﺃﻟﺒﺘﺔ، ﺣﺘﻰ ﺃﻥ ﺑﻌﺾ ﻣﻦ ﺃﺩﺭﻙ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﻓﻲ ﺻﻮﺭ ﺍﻟﻤﺮﺍﻳﺎ) ﺟﻤﻊ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ. (ﺫﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺮﺋﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺑﺼﺮ ﺍﻟﺮﺍﺋﻲ ﻭ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ).
ﺃﻱ، ﻫﻲ ﺣﺎﺻﻠﺔ ﺑﻴﻦ ﺑﺼﺮ ﺍﻟﺮﺍﺋﻲ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ، ﻭﻫﻲ ﺣﺎﺟﺒﺔ ﻋﻦ ﺭﺅﻳﺔ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ.
 
خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ أو صورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏ ليعلم المتجلَّى له أنه ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب و لا أشبَه بالرؤية و التجلي من هذا.
وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة.)

قال رضي الله عنه : "كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها. فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلى له أنه ما رآه. وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلي من هذا.
وأجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة حتى إن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة. "
قال رضي الله عنه : (كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصورة)، أي: صورة شيء (فيها لا تراها) أي: نفس المرأة (مع علمك بأنك ما رأيت الصور، أو صورتك إلا فيها) فالمرآة من حيث هذا العلم متجلية ظاهرة، ومن حيث ستر الصورة لها إياها باطنة.
 وإذا كانت رؤية الصورة في المرأة مانعة من رؤية المرأة نفسها، (فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجلية الذاتي) رؤية الذات في الدار الآخرة أو الدنيا .
كما قيل في حق نبينا صلى الله عليه وسلم للتنبيه على أنها لا تكون إلا بانعکاس صورة استعداد المتجلى له في مرآة الحق.
قال رضي الله عنه : (ليعلم المتجلى له أنه ما رآه) حين تجلى له، فهذا هو الحكمة في خلق المرايا في الشاهد؛ لأنه (ما ثمة) أي: في الواقع (مثال أقرب) لحقيقة رؤية الذات، (ولا أشبه بالرؤية والتجلي من هذا المثال.
ثم بالغ في شأن كمال هذا المثال لما يتوهم بعض الجهال من رؤية المرأة عند رؤية الصورة فيها، فقال: (واجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرأة أن ترى جرم المرآة) من المحل الذي ترى فيه الصورة (لا تراه البتة) لحجب الصورة عن رؤيته كأنها متوسطة بين الرائي والمرآة (حتى أن بعض من أدرك مثل هذا) المنع من رؤية الجرم (في صور المرايا، ذهب إلى أن الصورة المرئية) في المرأة ثابتة (بين بصر الرائي، وبين المرآة) ليست في جرم المرآة، وإلا لم تحجب عن رؤية ظاهر الجرم هذا البيان.
 
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ أو صورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏ ليعلم المتجلَّى له أنه ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب و لا أشبَه بالرؤية و التجلي من هذا.
وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة.)

مثال المرآة:
وأمر هذا التجلي ورؤية الصورة فيه وخفائه بعينه (كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصور فيها ، لاتراها) أي المرآة ضرورة أنه من شأنها أن يختفي بنفسها في الصورة المرئية .
ثم إنه يمكن أن يقال هاهنا بحسب الأنظار السخيفة وقواعدها : «إن ذلك لعدم إمكان توجه العقل بآلته الواحدة في حالة واحدة نحو أمرين متغائرین ».
فقال : عدم رؤية المرآة (مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلآ فيها) دفعا لذلك الوهم أولا إذ لو كان المانع ذلك لما أمكن له رؤية الصور فيها أصلا۔
وتحقيقا لوجه المماثلة ثانيا ، فإن المرأة بهذا الوجه صارت مماثلة للحق .

( فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ) في عالم المثال ( ليعلم المتجلى له ما رآه ؛ وما ثم مثال أقرب ) نسبة ( ولا أشبه ) حكما ( بالرؤية والتجلي من هذا ) ؛ فإنها أظهرت صورة الرائي كما هي له مختفيا فيها ، بحيث لايرى منها صورة أصلا ، مع علمه أنه لا يرى الصورة إلآ فيها .
وهكذا سبيل الحقائق بالنسبة إلى الوجود عند أرباب النظر ، فإن بديهة العقول شاهدة بأن سائر الماهيات بديهية كانت أو مكتسبة إنما يتحقق ويعلم في الوجود مع عجزهم عن إدراك الوجود ، حتى ذهب بعضهم إلى أنه من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في الخارج .
(واجهد نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة ، لا تراه أبدا ألبتة ) إلا عند إعراضك وصرف النظر عن الصورة الظاهرة والتفاتك نحوها وتحديق النظر فيها .
فعلم من هذا أن الظاهر لدى الحش هاهنا هي الصورة، والجرم مختف فيها فهو كالباطن لها، ولا يخفى أن الصورة لوكانت ظاهرة في الجرم أو به لكان الأمر بالعكس.
ومن ثمة وقع التحير لأرباب العقول (حتى أن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة) بناء على ما ذهبوا إليه من أن الصور المتجسدة إنما يتكون في عالم المثال، لكن شرط ظهورها للحواس الظاهرة حضور الأجسام الهيولانية ذوي السطوح الصقيلة عندها والتفاتها لها.

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ أو صورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏ ليعلم المتجلَّى له أنه ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب و لا أشبَه بالرؤية و التجلي من هذا.
وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة.)

قال رضي الله عنه : "أبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلى له أنه ما رآه.
و ما ثم مثال أقرب و لا أشبه بالرؤية و التجلي من هذا.
و أجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة حتى إن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي و بين المرآة. "
قال رضي الله عنه : (فأبرز الله ذلك)، أي ظهور الصورة في المرآة (مثالا نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلى له انه ما رآه)، أي الذي رآه أو أي شيء راه على أن تكون "ما" موصولة أو استفهامية .
والذي رأى صورته في الحق والحق في صورته .
(وما ثم مثال أقرب) من الممثل به (ولا أشبه بالرؤية والتجلي) الذاتي (من هذا) المثال، وهو ظهور صورتك في المرأة ورؤيتك إياها فيها (واجهد في نفسك عندما ترى) ما مصدرية.
 أي عند رؤيتك (الصورة في المرآة) واستغراق الشهود والرؤية بالصورة المثالية المرئية (أن تری جرم المرأة لا تراه أبدأ البتة) إلا عند صرفك النظر إلى الصورة و إعراضك عنها والتفاتك حق المرأة وتحديق النظر فيها إذ الشهود الواحد والإبصار المتعين لا يسع في وقت واحد إلا مشهودة واحدة معينة.
وإنما قال : جرم المرأة لأن بعض أحكام المرأة كالصقالة والكدورة والاستواء والانحناء قد يرى ولكن في الصورة.

فالصورة مرآة الأحكام للمرآة كما أن المرأة مرآة لذات الصورة.
(حتى أن بعض من أدرك مثل هذا) الذي ذكرنا (في صورة المری)، أي في الصورة المرئية فيها من أن الرائي هو الصورة لا المرآة.
 (ذهب إلى أن الصورة) المرئية حائلة (بين بصر الرائي و بين المرآة) حاجبة عن رؤيته إياها.

.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأحد 14 أكتوبر 2018 - 12:10 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثالثة عشرة :
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :

قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق.
فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه.)

قال الشيخ رضي الله عنه: (هذا أعظم ما قدر عليه من العلم، و الأمر كما قلناه و ذهبنا إليه.
وقد بينا هذا في الفتوحات المكية و إذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع و لا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلا، و ما بعده إلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه و ظهور أحكامها و ليست سوى عينه.)
(أعظم ما)، أي شيء (قدر) هذا البعض القائل بأن الصورة بين البصر والمرآة (عليه من العلم) بذلك (والأمر) في نفسه (كما قلناه) بأن الصورة في المرآة (وذهبنا إليه) لا كما قال غيرنا وذهب إليه.
 (وقد بينا هذا) المبحث الذي هو مسألة تجلي ذات الحق تعالى في صورة استعداد العبد كتجلي المرآة على الناظر إليها بصورته غير ذلك لا يكون أبدا.
(في) كتابنا (الفتوحات المكية)، وهو کتاب للشيخ قدس الله سره حافل من أكبر كتبه في نحو أربعة أسفار کبار، بسط فيه الكلام على هذه المسألة وغيرها من المسائل بالتحقيق التام.
(وإذا ذقت)، أي أدركت بذوقك بأن تلبست بذلك حالا لا خيالا (هذا) الأمر الحق في هذه المسألة على حسب ما ذكرناه (ذقت الغاية) في العلم بالتجليات الذاتية التي ليس (فوقها غاية) أبدا من جهة الوضوح والانكشاف (في حق) العبد (المخلوق، فلا تطمع) بعد ذلك أيها العبد المخلوق (ولا تتعب نفسك) بأن تجتهد (في أن ترقی)، أي ترتفع من العلم بالتجليات الذاتية (في أعلى من هذا الدرج) المذكور لك هنا في ضمن هذا المثال المضروب الذي خلقه الله تعالى لهذا الأمر.
(فما هو)، أي الارتقاء في أعلى من هذا الدرج (ثم)، أي هناك في وسع المخلوق (أصلا) في هذا العالم، وأما في عالم الآخرة عند رؤيته تعالى فلا كلام في ذلك.
لأنه غيب وكلامنا الآن في الشهادة، فإن الله تعالی ظاهر وهو منزه عن التصورات، لأنها إمكان والواجب لا إمكان فيه فلا صورة له.
وأنت مصور ممكن ولك حس وعقل مصور مثلك ممكن كإمكانك ، فإذا أحسیت بالظاهر الحق تعالى بأحد حواسك، وعقلته بعقلك ظهرت لك صورتك الاستعدادية في مرآة ذات الظاهر الحق.
فلا يمكنك أن تمحو صورتك الظاهرة لك في مرآة ذات الحق تعالى حتى تری ذات الحق تعالى، على ما هي عليه أبدا.
(وما بعده)، أي بعد هذا المذكور (إلا) شهودك (العدم المحض) فإنك إذا محوت الصورة الظاهرة لك في مرآة ذات الحق تعالی محوت صورتك فرجعت إلى عدمك. فإذا شهدت بعد ذلك لا تشهد إلا عدمك ، فإذا تحققت في شهود عدمك شهدت العدم المحض، و ذات الحق تعالی لیست بعدم بل هي وجود محض.
وأين الوجود من العدم؟
فقد أبعدت عن شهود الحق تعالی حينئذ، فإذا علمت هذا.

(فهو)، أي الحق تعالی (مرآتك) على المعنى المذكور (في رؤيتك نفسك) حيث ظهرت لك صورتك فيه عند رؤيتك له.
فالظاهر لك هو وأنت ما رأيته ولكن رأيت صورتك قائمة به، وصورتك عدم محض، لأنك أنت أيضا عدم محض والموجود هو وحده على ما هو عليه.
ولكن قدرك بقدرته وأرادك بإرادته وجعلك عقلا وحسا من جملة ما قدرك به وأرادك.
فنظرت بعقلك وحسك فلم يكن في الوجود غيره، فرأيت بعقلك وحسك ما هو من شاكلة ذلك، وهو أنت على حسب ما قدرك وأرادك ، وكانت رؤيتك جميع ذلك فيه سبحانه، فاحتجبت عنه بك، فالموجود هو، وأنت على عدمك، والمرئي لك هو، لكن منعتك من رؤيتك له على ما هو عليه صورتك الظاهرة لك به وهي عدم محض.
قال تعالى : "كل شئ هالك إلا وجهه" 88 سورة القصص. أي إلا ذاته.
وأنت أيها المقدر المراد على حسب ما سبق به العلم القديم من حيث تقديرك بالقدرة الأزلية وتخصيصك بما سبق في الإرادة الإلهية، لا من حيث ظهورك لك كما ذكر في مرآة الحق تعالی، لأنك لم تظهر في حقيقة الأمر، وإنما أنت على ما أنت عليه من العدم المحض.
محكوم عليك بجميع مقتضيات أسماء الحق تعالى في الأزل (مرآته) سبحانه وتعالى (في رؤيته) تعالى (أسمائه) الحسنى كلها التي هي قائمة بذاته العلية ليست غير ذاته تعالى، وأنت جملة آثارها.
وقد أراد الحق تعالی أن يرى ذاته في غيره كما يرى الإنسان صورته في المرآة، وهو رأي ذاته في نفسه أزلا وأبدا، فتوجهت أسماؤه الحسنى من الأزل على الحكم بأثار لها على حسب اختلافاتها، فكان جملة ذلك أنت في العدم المحض، ورؤيتك نفسك في وقت مخصوص من جملة ذلك.
فللحق تعالى أزلا وأبدا رؤيتان : رؤية لذاته، ورؤية لأسمائه بذاته فيك.
وأنت على ما أنت عليه من العدم، فأنت مرآته تعالى في رؤية أسمائه لا ذاته (و) في (ظهور أحكامها)، أي ظهور أحكام أسمائه تعالى له من الأزل.
(وليست)، أي أسماؤه سبحانه (سوى عينه)، أي ذاته تعالى فكل اسم منها ذاته تعالى في حضرة مخصوصة من حضراته، وهو مذهب المحققين من أهل الله تعالى كما مر


شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه.)
قال رضي الله عنه : (وهذا) أي المذكور (أعظم ما قدر) على البناء للمفعول أو للمعلوم (عليه) أي على العبد (من العلم والأمر كما قلناه وذهبنا إليه) في التجلي الذاتي والمرآة لا كما زعم البعض (وقد بينا هذا تفصيلا في الفتوحات المكية) فليطلب ثمة (وإذا ذقت هذا) المذكور (ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في ان ترقي في أعلى من هذا الدرج فما هو ثمة).
أي فليس في هذا الدرج الذي هو الوجود المحض مقام موجود غير هذا المقام (أصلا) قطعا (وما بعده إلا لعدم المحض) إذ ما يكون وراء الوجود المحض إلا العدم المحض.
(فهو مرآتك في رؤيتك نفسك) عند تجليه لك بصورة استعدادك (وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها وليست) الصورة المرئية في الحق وهي أنت (سوى عينه) بل هي عين الحق. وبه امتاز عن المرآة في المشاهدة فإن مرآة الحسي غير الصور المرئية فيها


شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه.)
قوله رضي الله عنه : "هذا أعظم ما قدر عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوقات، فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلا، وما بعده إلا العدم المحض."
قال رضي الله عنه: هذا أعظم ما قدروا عليه من العلم. وباقي الكلام مفهوم مما سبق في الكلمة الآدمية.
وينبغي أن يفهم من هذا الكلام الذي ذكره شيخنا، رضي الله عنه، أن الشهود لا يكون إلا للوجود أو لمعانيه وليس غير الأعيان الثابتة المذكورة وأما العدم المحض وهو لا شيء من كل وجه، فلا يشهد ولا يعبر عنه عبارة إلا مجازا للضرورة.
قوله: "فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته نفسه وهي أسماؤه وظهور أحكامها و ليست سوى عينه"
قلت: هذا مجاز على حكم التشبيه لأن وجود الحق تعالی کالمرآة تظهر فيها نفس المشاهد، وذات المشاهد كالمرآة تظهر فيها أسماؤه تعالى والجميع يرجع إلى أن الأعيان الثابتة معان وهي صور علمه، وعلمه لا يغایر ذاته فليس إلا هو فانبهم الأمر.
 
شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه.)
قال رضي الله عنه : « حتى أنّ بعض من أدرك مثل هذا في صور المرئيّ ذهب إلى أنّ الصور المرئيّة بين بصر الرائي وبين المرآة . هذا أعظم ما قدر عليه من العلم .
والأمر كما قلناه وذهبنا إليه . وقد بيّنّا هذا في الفتوحات المكَّية .
 وإذا ذقت هذا ، ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في وسع المخلوق . فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج ، فما هو ثمّ أصلا وما بعده إلَّا العدم المحض " .
وفي هذا الموضع مباحث شريفة :
منها : أنّ مرآتية الباصرة إن لم تنطبع فيها الصورة المثالية ، لما حصل الإدراك ، فإن كان حصولها في المرآتيّة البصرية بعد انعكاسها في سطح المرآة في الخارج ، لكان اليمين يمينا واليسار يسارا ، لأنّها صورة مثال المثال قد انعكس مساويا للأصل ومشاكلا له في الأصل في صورة مرئيّة في المرآة ، وليس ذلك كذلك .
فالإدراك إذن تعلَّق بالصورة في المرآة منعكسة ، أو انعكست مرآة الباصرة إلى الصورة الخارجة من هذا الجسم الصلب الصقيل على هيئة السطح ، فانعكست أمثلة الصور في مرآة الباصرة ، فأدركته المدركة منعكسة .
كذلك مثل انعكاسها في المرآة الخارجة ، فكان يمينها يسارا للصورة الأصلية ، والأعلى أسفل في بعض الأوضاع ، لتخالف الجهات في مطامح النظر ، فتدركها القوّة الباصرة بنورها الذاتي ومعاونة نور الضوء الخارج فيها بحسبها ، بل بحسب تعيّنها في المرآة ، فافهم .
وإذا تحقّقت بهذه الأصول في الشاهد ، فاعلم : أنّ تعيّن الحق لك في مرآة عينك الثابتة إنّما يكون كذلك بحسبها وبموجب خصوصيتها وصورة استعدادها ، فما ترى الحق في تجلَّيه الذاتي لك إلَّا بصورة عينك الثابتة ، فعينك في رؤيتك للحق المتجلَّي لك مثل باصرة عينك في رؤيتك لصورتك في المرآة ، فلا ترى الحق فيك إلَّا بحسب خصوصيّة عينك الثابتة ولكن في مرآة الوجود الحق وهو مثل للنور الخارجي من وجه.
وهذا أعلى درجات الكشوف والشهود بالنسبة إلى مثلك إلَّا أن يكون عينك عين الأعيان الثابتة كلَّها لا خصوصية لها توجب حصر الصورة في كيفية خاصّة ، بل خصوصية أحدية جمعية برزخية كمالية ، فتعيّن الحق لك حينئذ مثل تعيّنه في عينه ، بل عين تعيّنه لنفسه ، بل أنت عينه ، فافهم .
ودون هذين الشهودين ، شهودك للحق في ملابس الصور الوجودية ، نوريّها ومثاليّها وروحانيّها ، عقليّها ونفسيّها وطبيعيّها وعنصريّها وخياليّها وذهنيّها وبرزخيّها وحشريّها وجنانيّها وغير ذلك فكلّ ذلك بحسب تجلَّيه من عينك لا من عين غيرك .
فأعلى درجات شهودك الحق هو بعد تحقّقك بعينك الثابتة فإذا اتّحدت أنت بعينك الثابتة فكنت أنت عينك من غير امتياز تعيّنيّ ، رأيت الحق كما يرى نفسه فيك ، ورأيت عينك صورة للحق في الحق ، فافهم ، وما أظنّك تفهم ، إلَّا أن تلهم وتعلم بعلم ما لم تكن تعلم ، وما ثمّ أعلى من هذا في حقّك فلا تطمع ولا تتعب .
وما بعد الحقّ ومرآته ومظهره الذاتيّ وهو عينك الثابتة التي هي صورة معلوميّتك للحق أزلا إلَّا العدم ، لأنّك من حيث عينك الثابتة وصورة معلوميّتك موجود أزلا وأبدا ، وأنت من حيث إمكانك ووجودك العيني معدوم العين أزلا .
قال رضي الله عنه : " فهو مرآتك في رؤيتك نفسك ، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها ، وليست سوى عينه ،"
يشير رضي الله عنه
إلى أنّ هويّة الوجود الواحد الحق مرآة لظهور الإنيّات الوجودية العينية فيها ، وبها ظهرت الحقائق الكيانية ، ولولا تجلَّي الوجود الحق ، لما رأيت صورتك العلمية الأزلية الغيبيّة ، فإنّك إنّما ظهرت في نور الوجود الحق بصورتك العينية الوجودية على مثال صورتك العلمية الأزلية الغيبيّة ، فالوجود الحق مرآة لإنّيّتك العينية ، والعلم الحق مرآة لصورة عينك الغيبية الذاتية المعنوية ، وهويّتك الأزلية في شهودك نفسك وعينك .
وكذلك أنت مرآة للحق في تجلَّيه الوجودي ورؤيته وشهوده بصور أسمائه ونسبه الذاتية وصفاته الربانية ، وليست هذه النسب إلَّا عينه لا غيره ، لكونها غير زائدة عليها ولا موجبة للكثرة ، وليست قادحة في وحدة وجوده العيني كما ذكرنا .
فلمّا كان ظاهر الحق وهو أنت مجلى ومرآة لباطنه من وجه ، وفي شهوده ووجوده أيضا مرآة لظهور نسبه الغيبيّة التي هي فيها عينه من وجه آخر ، وكذلك أيضا هذه النسب مراء ومجال لتعيّنات الوجود الواحد ، فصدق على كل واحد من الحق والخلق أنّه مظهر وظاهر وشهادة .
 
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه.)
قال رضي الله عنه : "هذا أعظم ما قدر عليه والأمر كما قلناه وذهبنا إليه " يعنى أن المرئي في مرآة الحق هو صورة الرائي لا صورة الحق .
وإن تجلى له ذات الحق بصورته لا بصورتها ، وليس الصورة المرئية في ذاته تعالى حجابا بين الرائي وبينه سبحانه .
بل هي الذات الأحدية المتجلية له بصورته لا كما زعم من ذهب في المرآة إلى أن الصورة حجاب بينها وبين الرائي فإنه وهم.
قال: ( وقد بينا هذا في الفتوحات المكية ) .
قوله: ( وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى أعلى من هذا الدرج ) إشارة إلى أن هذا المعنى لا يدرك إلا بالذوق والكشف والحال لا بمجرد العلم وهي الغاية في الكشف ليس فوقها أعلى منها.
( فما هو ثم أصلا وما بعده إلا العدم المحض ) أي فما أعلى من هذا الدرج موجود عند الشهود أصلا فالضمير يرجع إلى أعلى.
قال رضي الله عنه : ( فهو مرآتك في رؤيتك نفسك وأنت مرآته في رؤية أسمائه ) أي إذا انخلعت عن صفاتك وجردت ذاتك عن كل ما أمكن تجردك عنه شاهدت عينك في مرآة الحق.
وذلك تجليه بصورة عينك ، وهو يرى ذاته فيك متصفة بصفاتها كالسمع والبصر وما يتعلق بهما من أحكام المسموعات والمبصرات .
فإنها أحكام السميع والبصير ظهرت فيك من حيث أنك مظهر هذا بين الاسمين.
( وليست ) الأسماء ( سوى عينه كما علمت فاختلط الأمر وانبهم ) وهو أن المرئي غير عين الحق في صورة العبد .
فيكون العبد مرآة الحق أو عين العبد في صورة الحق .
 
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه.)
قال رضي الله عنه : (ﻭﻫﺬﺍ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﺎ ﻗﺪﺭ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ، ﻭﺍﻷﻣﺮ ﻛﻤﺎ ﻗﻠﻨﺎﻩ ﻭ ﺫﻫﺒﻨﺎ ﺇﻟﻴﻪ). ﻣﻦ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﺜﺎﻝ، ﻧﺼﺒﻬﺎ ﺍﻟﺤﻖ ﻟﺘﺠﻠﻴﻪ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﺣﺘﻰ ﻳﻨﻈﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻻ ﻳﺮﻯ ﺳﻮﻯ ﺻﻮﺭﺗﻪ، ﻓﻴﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺮﻯ ﺇﻻ ﺣﻴﻦ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﺍﻷﺳﻤﺎﺋﻲ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﺍﻟﺤﺠﺐ ﺍﻟﻨﻮﺭﺍﻧﻴﺔ ﺍﻟﺼﻔﺎﺗﻴﺔ، ﻛﻤﺎ ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﺍﻟﺼﺤﻴﺤﺔ: "ﺳﺘﺮﻭﻥ ﺭﺑﻜﻢ ﻛﻤﺎ ﺗﺮﻭﻥ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﻟﻴﻠﺔ ﺍﻟﺒﺪﺭ". ﻭﺃﻣﺜﺎﻟﻪ.
ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮ:
ﻛﺎﻟﺸﻤﺲ ﻳﻤﻨﻌﻚ ﺍﺟﺘﻼﺋﻚ ﻭﺟﻬﻬﺎ   ...    ﻭﺇﺫﺍ ﺍﻛﺘﺴﺐ ﺑﺮﻗﻴﻖ ﻏﻴﻢ ﺃﻣﻜﻨﺎ
(ﻭﻗﺪ ﺑﻴﻨﺎ ﻫﺬﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺘﻮﺣﺎﺕ ﺍﻟﻤﻜﻴﺔ) ﺫﻛﺮه رضي الله عنه ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻭﺍﻟﺴﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺘﻮﺣﺎﺕ ﺍﻟﻤﻜﻴﺔ، ﻓﻲ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺑﻘﺎﺀ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺮﺯﺥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻵﺧﺮﺓ ﻟﺘﻌﺮﻑ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺒﺮﺯﺥ ﻭﻗﺎﻝ: "ﺇﻧﻪ ﺣﺎﺟﺰ ﻣﻌﻘﻮﻝ ﺑﻴﻦ ﻣﺘﺠﺎﻭﺭﻳﻦ"، ﻟﻴﺲ ﻫﻮ ﻋﻴﻦ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﻭﻓﻴﻪ ﻗﻮﺓ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻛﺎﻟﺨﻂ ﺍﻟﻔﺎﺻﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻈﻞ ﻭﺍﻟﺸﻤﺲ. ﻭﻟﻴﺲ ﺇﻻ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ ﻛﻤﺎ ﻳﺪﺭﻙ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺻﻮﺭﺗﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﻭﻳﻌﻠﻢ ﻗﻄﻌﺎ ﺃﻧﻪ ﺃﺩﺭﻙ ﺻﻮﺭﺗﻪ ﺑﻮﺟﻪ، ﻭﺃﻧﻪ ﻣﺎ ﺃﺩﺭﻙ ﺻﻮﺭﺗﻪ ﺑﻮﺟﻪ، ﻟﻤﺎ ﻳﺮﺍﻫﺎ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺼﻐﺮ ﻟﺼﻐﺮ ﺟﺮﻡ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻭﺍﻟﻜﺒﺮ ﻟﻌﻈﻤﻪ. ﻭﻻ ﻳﻘﺪﺭ ﺃﻥ ﻳﻨﻜﺮ ﺃﻧﻪ ﺭﺃﻯ ﺻﻮﺭﺗﻪ، ﻭﻳﻌﻠﻢ ﺃﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﺻﻮﺭﺓ، ﻭﻻ ﻫﻲ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ، ﻓﻠﻴﺲ ﺑﺼﺎﺩﻕ ﻭﻻ ﻛﺎﺫﺏ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: ﺇﻧﻪ ﺭﺃﻯ ﺻﻮﺭﺗﻪ ﻣﺎ ﺭﺃﻯ ﺻﻮﺭﺗﻪ. ﻓﻤﺎ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ؟ ﻭﻣﺎ ﺷﺄﻧﻬﺎ؟ ﻭﺃﻳﻦ ﻣﺤﻠﻬﺎ؟
ﻓﻬﻲ ﻣﻨﻔﻴﺔ ﺛﺎﺑﺘﺔ، ﻣﻮﺟﻮﺩﺓ ﻣﻌﺪﻭﻣﺔ، ﻣﻌﻠﻮﻣﺔ ﻣﺠﻬﻮﻟﺔ. ﺃﻇﻬﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻫﺬﻩ ﻟﻌﺒﺪﻩ ﺿﺮﺏ ﻣﺜﺎﻝ ﻟﻴﻌﻠﻢ ﻭﻳﺘﺤﻘﻖ ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﻋﺠﺰ ﻭ ﺣﺎﺭ ﻓﻲ ﺩﺭﻙ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻫﺬﺍ، (ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻭﻟﻢ ﻳﺤﺼﻞ ﻋﻨﺪﻩ ﻋﻠﻢ ﺑﺘﺤﻘﻴﻘﻪ، ﻓﻬﻮ ﺑﺨﺎﻟﻘﻬﺎ ﺃﻋﺠﺰ ﻭﺃﺟﻬﻞ ﻭﺃﺷﺪ ﺣﻴﺮﺓ).
ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﻟﻘﻴﺘﻪ ﻣﻦ ﻛﻼﻣﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ. ﻭ ﺫﻫﺐ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺮﺋﻴﺔ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺨﻴﺎﻟﻲ ﻭﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﺍﻟﺠﺮﻡ ﺍﻟﺼﻘﻴﻞ ﺷﺮﻁ ﻟﻈﻬﻮﺭﻫﺎ ﻓﻴﻪ.
ﻭﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻛﺬﻟﻚ، ﻟﻜﺎﻥ ﻳﻈﻬﺮ ﻟﻠﻨﺎﻇﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺓ ﺻﻮﺭﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﻏﻴﺮ ﺻﻮﺭﺓ ﻣﻘﺎﺑﻠﻬﺎ، ﻛﻤﺎ ﻳﻈﻬﺮ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺴﺘﻌﻤﻠﻪ ﺍﻟﻤﻌﺰﻣﻮﻥ ﻣﻦ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺠﻦ ﻭ ﻏﻴﺮﻫﺎ.
قال رضي الله عنه : (ﻭﺇﺫﺍ ﺫﻗﺖ ﻫﺬﺍ، ﺫﻗﺖ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻴﺲ ﻓﻮﻗﻬﺎ ﻏﺎﻳﺔ ﻓﻲ ﺣﻖ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻕ، ﻓﻼ ﺗﻄﻤﻊ ﻭﻻ ﺗﺘﻌﺐ ﻧﻔﺴﻚ ﻓﻲ ﺃﻥ ﺗﺮﻗﻰ ﻓﻲ ﺃﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺪﺭﺝ ﻓﻤﺎ ﻫﻮ ﺛﻤﺔ ﺃﺻﻼ، ﻭﻣﺎ ﺑﻌﺪﻩ ﺇﻻ ﺍﻟﻌﺪﻡ ﺍﻟﻤﺤﺾ) ﺃﻱ، ﺇﺫﺍ ﻭﺟﺪﺕ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺑﺎﻟﺬﻭﻕ ﻭﺍﻟﻮﺟﺪﺍﻥ، ﻻ ﺑﺎﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻌﺮﻓﺎﻥ، ﻭﺣﺼﻞ ﻟﻚ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ، ﻓﻘﺪ ﺣﺼﻞ ﻟﻚ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﻭﺍﻧﺘﻬﻴﺖ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﻷﻥ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺃﺳﻔﺎﺭ ﺍﻟﺴﺎﻟﻜﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻻ ﻏﻴﺮ.
ﻭﻗﻮﻟﻪ: (ﻓﻲ ﺃﻥ ﺗﺮﻗﻰ) ﻣﺘﻌﻠﻖ ﺏ (ﻻ ﺗﻄﻤﻊ). ﻭ "ﻓﻲ ﺃﻋﻠﻰ" ﻣﺘﻌﻠﻖ ﺏ "ﺗﺮﻗﻰ". ﺿﻤﻨﻪ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﻓﻌﺪﺍﻩ ﺏ "ﻓﻲ" ﻷﻧﻪ ﻳﺘﻌﺪﻯ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﻭﺏ "ﻋﻠﻰ" ﻻ بـ"ﻓﻲ".
ﻳﻘﺎﻝ: ﺭﻗﺎﻩ. ﺇﺫﺍ ﺻﻌﺪﻩ. ﺃﻭ، ﺭﻗﺎ ﻋﻠﻴﻪ. ﺇﺫﺍ ﺻﻌﺪ ﻋﻠﻴﻪ. ﻭﻻ ﻳﻘﺎﻝ: ﺭﻗﻰ ﻓﻴﻪ. ﻛﻤﺎﻻ ﻳﻘﺎﻝ: ﺻﻌﺪ ﻓﻴﻪ. ﺇﻻ ﻋﻨﺪ ﺗﻀﻤﻨﻪ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ.
ﻭﺍﻟﻀﻤﻴﺮ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: "ﻓﻤﺎ ﻫﻮ" ﻋﺎﺋﺪ ﺇﻟﻰ "ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ" ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﻗﻮﻟﻪ: "ﺃﻋﻠﻰ" ﺑﺤﺴﺐ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ. ﻭ "ﺛﻤﺔ" ﺃﻳﻀﺎ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ.
ﺃﻱ، ﻓﻠﻴﺲ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻭﺻﻠﺖ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﺤﺾ، ﻣﻘﺎﻡ ﺁﺧﺮ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﺃﺻﻼ، ﺇﺫ ﻟﻴﺲ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﺤﺾ ﺇﻻ ﺍﻟﻌﺪﻡ ﺍﻟﻤﺤﺾ.
ﻭﺍﻋﻠﻢ، ﺃﻥ ﻇﻬﻮﺭ ﻋﻴﻨﻪ ﻟﻪ ﻋﻴﻦ ﻇﻬﻮﺭ ﺍﻟﺤﻖ ﻟﻪ ﻭﺭﺅﻳﺔ ﺻﻮﺭﺗﻪ ﻋﻴﻦ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﺍﻟﺤﻖ، ﻷﻥ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻐﺎﻳﺮﺓ ﻟﻠﺤﻖ ﻣﻄﻠﻘﺎ، ﺇﺫ ﻫﻲ ﺷﺄﻥ ﻣﻦ ﺷﺆﻭﻧﻪ ﻭﺻﻔﺔ ﻣﻦ ﺻﻔﺎﺗﻪ ﻭﺍﺳﻢ ﻣﻦ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ. ﻭﻗﺪ ﻋﺮﻓﺖ ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ ﻋﻴﻨﻪ ﻭﻣﻦ ﻭﺟﻪ ﻏﻴﺮﻩ، ﻓﺈﺫﺍ ﺷﺎﻫﺪﺕ ﺫﻟﻚ، ﺷﺎﻫﺪﺗﻪ.
ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﺼﻮﺭ ﺍﻟﺤﻼﺝ ﻗﺪﺱ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺮﻩ:
ﺃﻧﺎ ﻣﻦ ﺃﻫﻮﻯ، ﻭﻣﻦ ﺃﻫﻮﻯ ﺃﻧﺎ    ...  ﻧﺤﻦ ﺭﻭﺣﺎﻥ ﺣﻠﻠﻨﺎ ﺑﺪﻧﺎ
ﻓﺈﺫﺍ ﺃﺑﺼﺮﺗﻨﻲ ﺃﺑﺼﺮﺗﻪ     ..... ﻭﺇﺫﺍ ﺃﺑﺼﺮﺗﻪ ﺃﺑﺼﺮﺗﻨﺎ
قال رضي الله عنه : (ﻓﻬﻮ ﻣﺮﺁﺗﻚ ﻓﻲ ﺭﺅﻳﺘﻚ ﻧﻔﺴﻚ، ﻭﺃﻧﺖ ﻣﺮﺃﺗﻪ ﻓﻲ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﻭﻇﻬﻮﺭ ﺃﺣﻜﺎﻣﻬﺎ). ﻭﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺑﺎﻟﻮﺟﻮﺩ ﺗﻈﻬﺮ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻭﻛﻤﺎﻻﺗﻬﺎ، ﻭﺑﺎﻷﻋﻴﺎﻥ ﺗﻈﻬﺮ ﺻﻔﺎﺕ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻭﺃﺳﻤﺎﺅﻩ ﻭﺃﺣﻜﺎﻡ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﻷﻧﻬﺎ ﻣﺤﻞ ﺳﻠﻄﻨﺘﻬﺎ.
ﻭﺇﻟﻴﻪ ﺃﺷﺎﺭ ﺍﻟﻨﺒﻲ، ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ، ﺑﻘﻮﻟﻪ: "ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﻣﺮﺁﺓ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ".
ﺇﺫﺍ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ. "ﻭﻟﻴﺴﺖ ﺳﻮﻯ ﻋﻴﻨﻪ" ﺃﻱ، ﻓﻠﻴﺴﺖ ﻣﺮﺁﺗﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻋﻴﻨﻚ ﻏﻴﺮ ﻋﻴﻨﻪ ﻣﻄﻠﻘﺎ، ﻛﻤﺎ ﺗﺰﻋﻢ ﺍﻟﻤﺤﺠﻮﺏ.
 
خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه.)
قال رضي الله عنه : "هذا أعظم ما قدر عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق.
فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلا، وما بعده إلا العدم المحض.
فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسمائه وظهور أحكامها وليست سوى عينه."
قال رضي الله عنه :  (وهو) إقامة التمثيل المذكور (أعظم ما قدر عليه من العلم) أي: الدليل الموجب للعلم بأن التجلى الذاتي لا يوجب کشف الذات.
قال رضي الله عنه : (والأمر كما قلناه وذهبنا إليه) وإن ضعف هذا التمثيل، ولم يوجب العلم اليقيني، (وقد بينا هذا) أي: وجه دلالة هذا التمثيل (في الفتوحات المكية)، وليست عندي حتى أبين ما ذكره فيها، وإذا تعذر إقامة الدليل العقلي على ذلك فهو إنما يعرف بالذوق، (فإذا ذقت هذا) أي: عرفت أنه التجلي الذاتي بالذوق، وإن لم يتم فيه كشف الذات (ذقت الغاية التي لا فوقها غاية) في معرفة التجلي الذاتي الذي هو غاية الغايات، وإن كان لا نرى فيه الذات لحجب صورة الرائي عن رؤية (في حق المخلوق) إذ الخالق لا يحجبه شيء عن شيء أصلا.
وإذا كان هذا غاية الغايات، (فلا تطمع) في تجلي الذات، أن يحصل لك من غير کسب أعلى من هذه الروح، (ولا تتعب نفسك) بطلب (أن ترقی درجة أعلى من هذا الدرج) ، وهو أن يحصل لك تجلي الذات من غير حجاب .
""لأنه فوق استعدادك المقيد: فما هو ثمة أصلا أي ليس الحق هناك؛ بل إنه معك حيث أنت، وأنت ما تتعدى استعدادك معه؛ لأن الحق في نفس الأمر مع كل معتقد؛ بل هو صورة كل معتقد واستعداد لا يتعدى عنه فأرح نفسك ولا تتعب إنك معه كما هو معك، وإن لم تشعر بذلك.""
(فما هو) أي: أعلى من هذا الدرج، وهو التجلي الذاتي من غير حجاب (ثمة) ، أي: في حق المخلوق (أصلا)، وإنما هو شأن الخالق، وقد ورد في حديث الرؤية: «أنه ليس بينهم وبين ربهم إلا رداء الكبرياء».
قال رضي الله عنه : (وما بعده) أي: بعد التجلي الذاتي المستلزم للحجاب الذي أقله حجب صورة الرائي الظاهرة في مرآة الذات عند الرؤية (إلا العدم المحض)، إذ ما ذكرنا نهاية تجلي الوجود، وما دونه من تجلي الأسماء أو الأفعال، ولا ترقى إليها، وإنما إليها النزول، وإذا كان التجلي الذاتي مستلزما لرؤية صورة استعداد المتجلى له.
قال رضي الله عنه : (فهو) أي: ذات الحق (مرآتك في رؤيتك نفسك) أي: في رؤيتك صورة لنفسك فاضت عليها من ربها بحسب أعمالها وأحوالها على ما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: "فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا" [الكهف: 110].
وهذه الشركة عبادة النفس، ومن جملتها الرؤيا التي فسر بها الآية، (وأنت مرآته في رؤيته أسماءه) أي: صورها، (وفي ظهور أحكامها) أي: آثارها إذ الذات وأسمائها لم تزل مرئية له على أنها لا يمكن ظهورها في الأشياء؛ لأن الظاهر في الأشياء مقيد باستعداداتها، ولا يقيد بالذات من حيث هي.
ولكن يقال له: تجلي الذات؛ لأن أسماءه (ليست سوى عينه)، أي: ليست غيرا لما هو عين الذات فإنها ليست عينها ولا غيرها، ولا سيما إذا اجتمعت في المظاهر الكاملة لم يعتبر تميزها عن الذات بمفهوماتها أصلا.
وهذا إشارة إلى كمال مرائيه من تجلي الذات له، وإنه تكون الأسماء في شأنه كأنها عين الذات، وإذا صارت الأسماء في هذا التجلي كأنها عين الذات.
 
شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه.)
(هذا أعظم ما قدر عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه) من أن المرآة مثال نصبها الله لتجليه الذاتي، حيث أن الظاهر فيها عين الباطن، والباطن فيها هو الظاهر، كما قال :
وباطن لا يكاد يخفى   ….       وظاهر لا يكاد يبدو
(وقد بينا هذا في الفتوحات المكية) فإنه قد بين أمر ماثلة المرآة ووجه استجماعها الأحكام الممثل من حيرة المشاهد وجمعيته للأضداد والأطراف ، حيث قال :
« إن الإنسان يدرك صورته في المرآة ، ويعلم قطعا أنه أدرك صورته بوجه ، وأنه ما أدرك صورته بوجه ، لما يراها في غاية الصغر لصغر جرم المرآة ، والكبر لعظمه ، ولا يقدر أن ينكر أنه رأى صورته ، ويعلم أنه ليس في المرآة صورة ، ولا هي بينه وبين المرآة ، فليس بصادق ولا كاذب .
في قوله : «إنه رأى صورته ، ما رأى صورته » ، فما تلك الصورة ؟
وأين محلها ؟ وما شأنها ؟
فهي منفية ثابتة ، موجودة معدومة ، معلومة مجهولة ، أظهر الله سبحانه وتعالى هذه العبده ضرب مثال ليعلم ويتحقق أنه إذا عجز وحار في درك حقيقة هذا وهو من العالم ولم يحصل عنده علم بتحقيقه ، فهو بخالقها أعجز وأجهل وأشد حيرة » ، هذا ما عثرت عليه مما يتعلق بهذا البحث من كلامه .

( وإذا ذقت هذا ) أي أدركته بمجرد ذوقك الكاشف وفطرتك السليمة خالصة عن علائق التعاملات الفكرية المشوشة ، صافية عن شوائب التوسل إلى القياسات الجعلية الموسوسة.
(دقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق) إذ المخلوق - من حيث أنه مخلوق لا مدخل له وراء ذلك أصلا، (فلا تطمع ولا تتعب نفسك، في أن ترقي في أعلى من هذا الدرج، فما هو ثم أصلا) أي فما أعلى من هذا الدرج مقام موجود مشهود أصلا.
(وما بعده إلا العدم المحض؛ فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسمائه وظهور أحكامها) کالسماع والرؤية، فإنهما من أحكام اسمي السميع والبصير، وهما إنما يظهران بأحكامها في مرآة العبد، وإذ تميز في هذه المرآة الظاهر عن المظهر تعدد فيها الصور الظاهرة.
(و لیست ) تلك الصور يعني الأسماء و أحكامها (سوى عينه) فيكون العبد -على أي حال مرآة.
لعين الحق ، كما أن الحق مرآة لعينه ، فهو على هذا التقدير الإطلاقي مرآة يظهر فيها أسماؤه ، كما أن العبد مرآة يظهر فيها ذاته ، كما قال العطار:
توني از روی ذات آئینه ی شاه   ….    شه از روي صفات آئینه تست
توني من جوهر مرآة الملك    .....     تحقق من سمات المرآة
وإذ قد ظهر أن العين واحدة ، وحكم المدارك والمشاعر جعلها ذا اعتبارات ظواهر تارة ، ومظاهر أخرى ؛ أجمل الحال .
 
شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه.)
قال رضي الله عنه : "هذا أعظم ما قدر عليه من العلم، و الأمر كما قلناه و ذهبنا إليه.
و قد بينا هذا في الفتوحات المكية"
قال رضي الله عنه : (وهذا أعظم ما قدر عليه من العلم) الحاصل له بالنظر لكنه غير مطلق للواقع فإنه لو كان الأمر كذلك لم يتمكن الرائي من صرف النظر عن الصورة والإقبال على المرآة . (والحق) في المرآة (كما قلناه وذهبنا إليه) في التجلي الإلهي.
فكما أن المتجلی به ما رأى سوى صورته في مرآة وما رأى الحق.
ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه لا بينه وبين الحق بحيث تكون حاجبة عن رؤية الحق .
فكذلك النظر في المرآة ما رأي سوى صورته في المرآة وما رأی المرآة ولا يمكن أن يراها مع علمه أنه ما رأى صورته إلا في المرآة لا بينه وبين المرآة كما توهمه بعض.
والفرق بين الوجود الحق و المرآة أن المرآة وإن لیست مرئية عند استغراق الشهود في الصورة المشهودة لكنه يمكن الإعراض عن تلك الصورة والإقبال على المرآة وإدراكها بخلاف الوجود الحق .
فإنه لا يمكن شهوده من حيث إطلاقه.
(وقد بينا هذا) الذي ذكرنا من المماثلة بين المرآة و الحق سبحانه (في الفتوحات المكية).
قال رضي الله عنه : "و إذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق.
فلا تطمع و لا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلا، و ما بعده إلا العدم المحض."
ذكر رضي الله عنه في الباب الثالث والستين "من الفتوحات المكية"
منها أن الإنسان يدرك صورته في المرآة .

ويعلم قطعا أنه أدرك صورته بوجه وأنه ما أدرك صورته بوجه لما يراها في غاية الصغر تصغر جرم المرآة والكبر لعظمه .
ولا يقدر أن ينكر أنه رأى صورته بعلم أنه ليس في المرآة صورة ولا هي بينه وبين المرآة فليس بصادق ولا كاذب .
في قوله : أنه رأى صورته ما رأى صورته فما تلك الصورة وأين محلها وما شأنها فهي منفية ثابتة موجودة معدومة معلومة مجهولة .
أظهر الله سبحانه هذه تتعبد ضرب مثال ليعلم ويتحقق أنه إذا عجز وحار في درك حقيقة هذا .
وهو من العالم ولم يحصل عنده علم بتحقيقه فهو بخالقها أعجز وأجهل و أشد حيرة. هذا ما نقله الشارحون من كلامه في هذا المقام.
(وإذا ذقت)، أي أدركت بطريق الذوق والوجدان لا بمجرد العلم والعرفان (هذا)، أي مقام التجلي الذاتي على صورتك.
(ذقت) في مراتب التجليات (الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا نطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقي) في مقام (أعلى من هذا الدرج) من التجلي الذاتي في الصحاح رقيت في السلم بالكسر رقيا ورقيا إذا صعدت.
 وفي الكشاف في قوله تعالى: "أو ترقى في السماء " آية 93 سورة الإسراء.
يقال : رقي السلم وفي الدرجة فلا حاجة إلى تضمينها معنى الدخول (فما هو)، أي أعلا من هذا الدرج (ثم)، أي في مقام التجلي الذاتي (أصلا وما بعده)، أي بعد هذا الدرج (إلا العدم المحض) فلا يوجد هناك مقام أعلا منه .
اعلم أن تعين الحق وتجليه لك في مرآة عينك إنما يكون بحسبها وبموجب خصوصيتها وصورة استعدادها .
فما ترى الحق في تجلبه الذاتي لك إلا بصورة عينك الثابتة فلا ترى الحق فيك إلا بحسب خصوصية عينك الثابتة ولكن في مرآة الوجود الحق وهذا أعلى درجات التجليات بالنسبة إلى مثلك . إلا أن تكون عينك عين الأعيان الثابتة كلها بالخصوصية لها توجب حصر الصورة في كيفية خاصة.
بل خصوصية أحدية جمعية برزخية كمالية فتعین الحق لك حينئذ مثل تعينه في نفسه .
ودون هذين الشهودین شهودك للحق في ملابس الصور الوجودية الحسية والمثالية والروحية.
وكل ذلك بحسب تجليه من عينك لا من غيرك فأعلى درجات شهودك للحق هو ما يكون بعد تحققت بعينك الثابتة .
فإذا أتحدت أنت بعينك الثابتة، فكنت أنت عينك من غير امتیاز رأیت الحق كما يرى نفسه فيك ورأيت نفسك صورة للحق في الحق وما ثم أعلا من هذا في حقك
قال رضي الله عنه : "فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه و ظهور أحكامها و ليست سوى عينه."
قال رضي الله عنه : (فهو)
، أي الحق سبحانه باعتبار ظاهر وجوده (مرآتك في رؤيتك نفسك)، أي آنينك الوجودية العينية وباعتبار باطن علمه مرآتك في شهود عينك الثابتة العلمية الغيبية إذ کوشفت بها.

(وأنت) باعتبار وجودك العين (مرأته في رؤيته أسمائه) التي هي ذاته مأخوذة من بعض النسب والاعتبارات (و) في (ظهور أحكامها).
أي أحكام الأسماء وآثارها وليست الأسماء في مرتبة الأحدية (سوى عينه) ونفسه فأنت مرآة لنفسه في رؤيته إياها.
كأنه مرآة لنفسك في رؤيتك إياها.
 فتارة هو المرآة وأنت الرائي والمرئي، وتارة أنت المرآة وهو الرائي والمرئي.

.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأحد 14 أكتوبر 2018 - 12:16 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الرابعة عشر: الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :

قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «والعجز عن درك الإدراك إِدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز.  وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه.  
وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء.)

قال الشيخ رضي الله عنه : "فاختلط الأمر و انبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: "و العجز عن درك الإدراك إدراك"، و منا من علم فلم يقل مثل هذا و هو أعلى القول، بل أعطاه العلم السكوت، ما أعطاه العجز. وهذا هو أعلى عالم بالله. و ليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء و الرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إلا من مشكاة خاتم الأولياء ".
(فاختلط)
، أي التبس (الأمر) عليك حيث كان هو مرآتك، فإذا رأيته رأيت نفسك فيه ولم تره من حيث ما هو عليه في ذاته .

وأنت مرآته من حيث ما أنت عليه قبل أن تظهر صورتك لك فيه فإذا رآك من هذه الحيثية رأي ذاته تعالى من حيث أسمائه وحضراته، ولا يراك من حيث أنت ترى نفسك، لأن هذه الحيثية من جملة أحوالك.
ولا يتصف هو بشيء من أحوالك كما لا تتصف أنت بشيء من أحواله (وانبهم)، أي انكتم غاية الانكتام.
(فمنا)، أي من بعضنا معاشر أهل الله (من جهل)، أي تحقق بالجهل (في) عین (علمه) بالله تعالى حيث كان علمه غیر کاشف عن الأمر على ما هو عليه بالنسبة إلى الحق تعالى، وإن كان كاشفة عن الأمر على ما هو عليه ، بالنسبة إليه هو كما قال تعالى في علمنا الحادث به،" والله يعلم وأنتم لا تعلمون" 216 سورة البقرة .
 فنفى علمنا به أن يكون علم فكان جهلا مع أنه تعالى قال في موضع آخر عن بعض العلماء به و... "وعلمناه من لدنا علما" 65 سورة الكهف.
فأثبت ما نفي وهو عين علمه أثبته له هناك ، ولهذا قال صاحب هذا المقام : «ما علمی وعلمك في علم الله إلا كما أخذ بمنقاره هذا العصفور من ماء البحر» والذي في منقار العصفور من تلك القطرات اکتسب صورة باطن المنقار، فخرجت عن كونها ماء في البحر.
إذ أصلها لا صورة لها، ولم تخرج عن كونها ماء، فالعبد يعلم ولا يعلم، فانقلاب العلم عین الجهل باعتبار ظهور الصورة ولا صورة في العلم، فالعلم علم وليس بجهل.
(فقال) : يعني ذلك الجاهل في عين علمه (العجز) المحقق عند العبد ذوق کعجز من توجه على صعود السماء وباشر الأسباب التي توهم إمكان الصعود بها فلم يقدر (عن درك) بالتحريك، أي تبعه (الإدراك)، أي الإحاطة بالحق تعالى يقال : عجز عن درك هذا البيع إذا لم يقدر أن يضمن تبعته، وعجز عن درك الإدراك إذا لم يقدر أن يضمن تبعة صحة الإدراك، لأن النفوس تزعم الإدراك وقل أن تعجز عن تبعة صحته ، فإذا عجزت يقال: عجز عن درك الإدراك حيث لم يقدر عليه (إدراك) للحق تعالى، أي إحاطة به.
وهذا الكلام منقول عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما سئل بماذا عرفت ربك فقال: «عرفت ربي بربي». ثم قال: «العجز عن درك الإدراك إدراك».
قال تعالى:
"وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)" سورة آل عمران.
فعلمهم الذي رسخوا فيه عجزهم عن المعرفة بدليل قولهم آمنا به كل من عند ربنا (ومنا)، أي من بعضنا عطف على ما قبله (من علم) في علمه ولم يجهل في عين علمه كالقسم الأول (فلم يقل مثل هذا القول) يعني العجز عن درك الإدراك أدرك (بل أعطاه العلم) بالله تعالى (السكوت) عن نفي علمه والحكم بأنه جهل، أو إثباته علما بالله تعالی على حسب استعداد العالم وما يليق بالمعلوم (كما)، أي الذي (أعطاه العجز) في القسم الأول من السكوت عن نفي ما علمه عنه تعالى أو إثباته ..
والحاصل أن العالم بالله تعالى إذا علم علمه يجد علمه حادثا قاصرا عن مناسبة كونه علما بالكامل القديم.
ثم يسمع في كلام الله تعالى تسميته علما في قوله تعالى : "فاعلم أنه لا إله إلا الله" 19 سورة محمد. "إنما يخشى الله من عباده العلماء" 28 سورة فاطر.
أي به وقوله :
"علمناه من لدنا علما " 65 سورة الكهف.
ويسمع نفي العلم عن المحدثات في قوله تعالى :
"والله يعلم وأنتم لا تعلمون" 216 سورة البقرة . وقوله: "ولا يحيطون به علما" 110 سورة طه. " ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء" 225 سورة البقرة.
فإما أن يرجح عنده نفي العلم فيعجز ویسکت عن الوصف عجزة منه ويقول: العجز عن درك الإدراك إدراك.
وإما أن يرجح عنده العلم فلا يعجز، ولكن يعلم ويسكت عن الوصف علما به لقطعه بأن علمه حادث لا يليق بالقديم، وهو قول النبي عليه السلام حارثة : «عرفت فالزم» .
"الحديث : كيف أصبحت يا حارث قال : أصبحت مؤمنا حقا فقال : انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال : قد عزفت نفسي عن الدنيا وأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها فقال : يا حارث عرفت فالزم ثلاثا"
أي الزم ما عرفته ولا تنفيه، وإن كان علمك حادثا لا يليق بالقديم (و)
صاحب هذا القسم الثاني (هو أعلى عالم بالله) تعالى، لأنه علم جهده من العلم ولم يقصر، ثم علم علمه الذي علمه فأعطاه السكوت لكونه قاصرا فسكت کما سکت صاحب القسم الأول.
إلا أن الأول سکت عجزا عن العلم، والثاني سکت علما لا عجزا عن العلم، والمراد بالسكوت عدم التكلم بنفسه فلا ينافيه التكلم بربه .
قال رضي الله عنه : (وليس هذا العلم) بالله تعالى الذي يتزايد وينمو في كل آن، ومع ذلك يعطي السكوت عن نفيه وإثباته مع القدرة عليه لا مع العجز عنه كالقسم الأول.
 فإن صاحب العجز واقف عند عجزه، وصاحب العلم منتقل مع علمه، في أي طور أنزله علمه نزل، فهو محمدي المشرب.
كما قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : "وقل رب زدني علما" 114 سورة طه. والسكوت يجمعهما، فلا كلام لهما وإنما الكلام لربهما لا لهما (إلا الخاتم الرسل) وهو من ختمت به رسل زمانه بأن تقدم في الرسالة من الله تعالى إلى أهل زمان من الأزمان الماضية على أقرانه، سواء وجد له أقران أو لم يوجد.
فموسى عليه السلام خاتم رسل زمانه بالنسبة إلى أخيه هارون وفتاه يوشع بن نون عليهما السلام.
وسليمان خاتم رسل زمانه بالنسبة إلى أبيه داود عليهما السلام، كما فضله على أبيه بزيادة العلم حيث قال تعالى :" ففهمناها سليمان" 79 سورة الأنبياء.
ثم ساوى بينهما بقوله : " وكلا آتينا حكما وعلما" 79 سورة الأنبياء.
وكذلك نوح عليه السلام خاتم رسل زمانه وإن لم يوجد في زمانه مثله.
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم رسل زمانه وإن لم يكن في زمانه مثله.
ومع هذا هو خاتم النبيين أيضا وخاتم المرسلین بالمعنى الأعم، فختم النبوة وختم الرسالة بالمعنى العام أمران مخصوصان بمحمد ليس لأحد من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام.
وختم الرسل أيضا بالمعنى الخاص وهو مقام مخصوص من مقامات المرسلين عليهم السلام، وليس هذا المقام مخصوصا بنبينا محمد عليه السلام بل كان خاتم الرسل أيضا بالمعنى الخاص يعني رسل زمانه کنوح وموسى وسليمان عليهم السلام وأمثالهم من المرسلين، وهذا مراد الشيخ قدس الله سره هنا.
قال رضي الله عنه : (و) كذلك (خاتم الأولياء) وهو الوارث لخاتم الرسل بالمعنى المذكور (وما يراه)، أي هذا العلم (أحد من الأنبياء والرسل) عليهم السلام بمعنى لا يجده فيه (إلا) مأخوذا (من) نور (مشکاة)، أي طاقة وهي الكوة في الجدار غير النافذة ، والمراد مصباح الحقيقة الروحانية المنفوخة في القلب الجسماني المنسوب إلى (الرسول الخاتم) للرسالة في كل زمان من الأزمنة الماضية على حسب المعنى الذي ذكرناه ، وسبب ذلك سر الوحدة الإلهية السارية في الكثرة الخلقية .
(و) كذلك (لا يراه أحد من الأولياء) في كل زمان إلى يوم القيامة (إلا من) نور (مشکاة الولي الخاتم) للولاية في ذلك الزمان (حتى أن الرسل) عليهم السلام فالأنبياء بالطريق الأولى لأنهم دونهم (لا يرونه)، أي هذا العلم المذكور (متى رأوه) إذ يروه كلهم (إلا) مأخوذا بالاستمداد (من) نور (مشکاة خاتم الأولياء) من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام وهي ولاية النبوة والرسالة لا مطلق الولاية.
والحاصل أن الولاية على ثلاثة أقسام:
ولاية إيمان فقط.
وولاية إيمان ونبوة فقط.
وولاية إيمان ونبوة ورسالة.

والمراد بالأولياء هنا هذا القسم الثالث حتى لا يبقى مناقضة لقوله:
وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم يعني من حيث ختمه للولاية لا للرسالة ، ثم بين ذلك بقوله:

 
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «والعجز عن درك الإدراك إِدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز.  وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه.
وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء.)

قال رضي الله عنه : (فاختلط الأمر) أي اختلط أمر المرئي وهو الصورة والمرآة وهو الحق في عين الناظر بسبب مشاهدته أن نفسه عین الحق إذ لا اختلاط في الواقع.
(وأبهم) أي وأشكل على التمييز بينهما ولهذا اختلف أهل التجلي الذاتي بأن كان بعضه فوق بعض في رتب العلم بالله (فمنا) أي فمن أهل التجلي (من جهل في علمه) بأمر المرئي أو علم نفسه ولم يعلم أنه عبد أو حق.
ولم يحكم على المرئي حكمة من العبودية أو الربوبية نعجز في علمه (فقال العجز عن درك الإدراك إدراك) فالتقاعد والعجز عن درك ما يعجز عن إدراكه غاية الإدراك.
فالعجز أعلى المقام في حق هذا المشرب لا في الواقع فهو عالم وجاهل من أن الرؤية تعطي العلم لكنه لم يعلم أي شيء هو.
(ومنا من علم) الأمر على ما هو عليه فعلم أن نفسه عین الحق من وجه وغيره من وجه. فميز بينهما في كل مقام (فلم يقل بمثل هذا) أي بمثل ما قال من جهال في علمه.
(وهو) أي عدم قول من علم (أعلى القول) أي قوله من عجز في علمه (بل أعطاه العلم السكوت) أي بل أعطى علم من علم السكوت (كما اعطاء العجز)، أي كما أعطى علم من جهل العجز.
 والعلم الذي أعطى السكوت أعلى مرتبة من العلم الذي أعطى العجز .
فكيف لم يكن السكوت أعلى من القول (وهذا) أي الذي أعطى علمه السكوت ولم يظهر العجز (هو أعلى عالم بالله) من الصنف الآخر.
قال رضي الله عنه : (وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء) أي لا يتأتى علم العطايا الذاتية الذي أعطى السكوت لا حد من الله بالذات إلا لخاتم الرسل من حيث رسوليته وخاتم الأولياء من حيث ولايته .
والمراد بخاتم الأولياء ههنا خاتم الولاية المحمدية يدل عليه قوله من بعد وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا فقد ذكر في الفتوحات أنه رأى هذه الرؤيا فعبرها بانختام الولاية فذكر منامه للمشايخ الذين كان في عصرهم ولم يقل من الرأي فأولوه بما عبر به .
والظاهر أن المراد بخاتم الأولياء نفسه رضي الله عنه ومن قال : المراد بخاتم الأولياء عيسى عليه السلام اختلط عليه الأمر.
فإن عيسى عليه السلام خاتم الولاية العامة والولاية الخاصة المحمدية غير الولاية العامة وكذا ختمهما .

فعیسی علیه السلام، وإن كان رسولا وخاتما للولاية العامة لكنه يأخذ العلم من مشكاة ختم الولاية كسائر الأنبياء والرسل (وما يراه أحد من الأنبياء والرسل من حيث نبوتهم ورسالتهم (إلا من مشكاة الرسول الخاتم ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم حتى أن الرسل) من كونهم أولياء (لا يرونه) أي لا يأخذون هذا العلم (متى رأوه) أي متى أخذوه (إلا من مشكاة) أي من مرتبة (خاتم الأولياء) وإنما لم يروا الرسل هذا العلم إلا من مشكاة خاتم الأولياء.
 
شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «والعجز عن درك الإدراك إِدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز.  وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه.
وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء.)

قوله رضي الله عنه : "فاختلط الأمر وانبهم." الجميع يرجع إلى أن الأعيان الثابتة معان وهي صور علمه، وعلمه لا يغایر ذاته فليس إلا هو فانبهم الأمر.
و قوله رضي الله عنه: "فمنا من جهل في علمه ". 
قلت:
الذي جهل في علمه هو الذي ما تجاوز
السفر الأول بل وقف عند نهايته ويسمى هذا المقام في اصطلاح المواقف النفرية "موقف الوقفة" فإذا أردت بیانه تماما، فأنظره من هناك .
وهذا المقام أيضا يسمى الوحدة المطبقة وقد ذكره ابن العريف في محاسن المجالس في شعر ذكره على قافية القاف وصورته :
فألقوا حبال مراسيهم     …..        وغطوا فغطاهم وانطبق

فصاحب هذا المقام هو الذي يقول من عرف الله كل لسانه أي أراد أنه جهل وأما من عجز عن النطق وهو يرى أن المقام يقتضي النطق.
 فذلك لم يجهل إلا العبارات مثل أن يكون عاميا أميا، فأدركه الفتح فصار من الخواص إلا أنه غير ناطق.
قال رضي الله عنه : "ومنا من علم فلم يقل مثل هذا، بل أعطاه العلم السكوت"

لأن المحجوبين لا يقبلون ما يقول وهم الأكثرون ولهم الحكم، فرأى أن السكوت أولى، فكتم ما عنده وهو قادر على الكلام.
وأما قوله:
وليس هذا العلم إلا الخاتم الرسل وخاتم الأولياء."

فإني أقول أيضا: إن خاتم الرسل هو أيضا خاتم الأولياء وإن من جاء بعده من أمته ممن حصل له مرتبة خاتم الأولياء هو أيضا خاتم الأولياء، ولا يقدح تعدد الأشخاص إذا كانت المرتبة واحدة ولو كانت الأشخاص بلا نهاية في العدد.
وقد قال قائلهم شعرا :
لو أنهم ألف ألف في عددهم     …….     عادوا إلى واحد فرد بلا عدد
فما لخاتم الأولياء مزية في الختمية إلا أن كان بالسبق" الزماني ولا أثر له " إلا إنا نعلم أن الولاية مرتبتها فوق مرتبة النبوة، والنبوة مرتبتها فوق مرتبة الرسالة.
فإذا جمعت الثلاثة لواحد كما جمعت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فهو ولي نبي رسول إلا أن ولايته فوق نبوته، ونبوته فوق رسالته، لأن الولاية هي حاله، عليه السلام، عندما قال: «لي وقت لا يسعني فيه غير ربي» فهو يلي الحق ويأخذ عن الحق تعالی بلا واسطة الملك.
وفي مرتبة النبوة يأخذ عن الحق تعالی بواسطة الملك والنبوة مشتقة من الإنباء وهو الإخبار بواسطة جبرائيل، عليه السلام.
لكن نبوته فوق رسالته لأن النبوة حديثها حديث جبرائيل معه، عليه السلام، وأما الرسالة، فحديثها حديث البشر فلا يخفى أن النبوة أعلى.
فقال: والعجز عن درك الإدراك إدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلم السكوت، ما أعطاه العجز. وهذا هو أعلى عالم بالله.
وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء ، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه مني رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء." 
أقول:
إن خاتم الرسل هو أيضا خاتم الأولياء وإن من جاء بعده من أمته ممن حصل له مرتبة خاتم الأولياء هو أيضا خاتم الأولياء، ولا يقدح تعدد الأشخاص إذا كانت المرتبة واحدة ولو كانت الأشخاص بلا نهاية في العدد.


شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «والعجز عن درك الإدراك إِدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز.  وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه.
وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء.)

قال رضي الله عنه :" فاختلط الأمر وانبهم ، فمنّا من جهل في علمه
وقال: العجز عن درك الإدراك إدراك " .
فاختلط الأمر واشتبه على الناظر ، وخفي الشهود ، ودقّ الكشف ، وجلّ الأمر عن الضبط والإحاطة والحصر ، وعزّ التجلَّي ، فاقتضى في بعض المشاهد والمشارب الحيرة والعجز والهيمان ، فأقرّ صاحبه بالعجز ، واعترف بالجهل .
 بمعنى أنّ العلم بما لا يعلم أنّه لا يعلم علم ، والعلم بعدم إحاطة العلم بما لا يحاط به علما علم حقيقي به كذلك ، فالعلم بما لا يعلم وهو الجهل بما من شأنه أنّه لا يحيط به العلم غاية العلم به ، وعدم الانحياز إلى جهة معيّنة فيما لا ينحصر فيها هو حقيقة حيرة الكمّل ، والتقاعد والعجز عن إدراك ما يعجز عن إدراكه هو غاية الإدراك .
كما قال أبو بكر رضي الله عنه : والعجز عن درك الإدراك إدراك ، فافهم .
قال رضي الله عنه : « ومنّا من علم ولم يقل مثل هذا وهو أعلى القول ، بل أعطاه العلم السكوت ، ما أعطاه العجز وهذا هو أعلى عالم بالله ، وليس هذا العلم إلَّا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء ،"
قال العبد أيّده الله به :
المتحقّق بهذا الشهود في هذا المقام من لا يكون عينه الثابتة وصورة معلوميّته لله أزلا مخصوصة بخصوصية جزوية ، بل تكون محيطة كلَّية في مظهريته إحاطة أحدية جمعيّة تجمع في مظهرية عينه الغيبيّة حقائق المظهريات كلَّها .
فإنّها عين الأعيان وحقيقة الحقائق ، فالتجلَّي الذاتي له وفي قابليته يكون تجلَّيا أحديا جمعيا كماليا بحسب عينه وقابليته الأحدية الجمعية المطلقة ، فيشهد في هذا التجلَّي بظاهره ظاهر الحق وباطنه ، وبباطنه باطن الحق وظاهره ، وبأحدية جمعه القطبي وخصوصه الكمالي الحقّي ، يجمع بين جمعيّتي الظاهر والباطن .
ويشهده الحق أيضا كذلك في عين شهوده إيّاه ، كذلك عينه بعينه شهودا أحديا جمعيا مطلقا عن التعين والحصر في عين واحدة ، فيعطيه التجلَّي في هذا المقام الإحاطة بغاية العلم ، والسكوت وعدم الحيرة ، بل أعطاه التحقّق بالكلّ حقيقة على ما هو عليه الكلّ والسكوت .
وهذا الشهود لا يكون إلَّا للحقيقة الإنسانية الكمالية المحمدية الأزلية الأوّلية والأبديّة الختمية وهي حقيقة الحقائق الأحديّة الجمعية الأزلية الأبدية بين جميع الجمعيات السرمدية ، فافهم .
وإذا رزقك الله فهمه والكشف به أو الإيمان بما قلنا .
فاعلم : أنّ لهذه الحقيقة الجمعية الأحدية الكمالية تعيّنا أحديا جمعيا كماليا في مرتبة  ظاهريّتها و باطنيّتها ، وغيبها وملكوتها ، فظاهريّتها النبوّة ، وباطنيّتها الولاية . ولكل واحد من التعيّن في المرتبتين صورة تفصيل جمعي بجميع التفاصيل ، وصورة جمع الجمع بين التفصيل وأحدية الجمع . وهذه هي الحقيقة المحمدية الكلَّية الكمالية الإحاطية الختمية ، والإنسان الذي يتعيّن به وفيه هو المظهر الأكمل ، والمراة الأجلى ، والمجلى الأشمل لذات الذات الإلهية وصفاتها وأخلاقها ونسبها وإضافاتها وأسمائها وأفعالها وحروفها وأحوالها .
فأمّا ظاهريّتها وهي جهة نبوّتها فمرآة ذات الألوهية ومظهرها ومجلاها ومنظرها وعرش أحديّة الجمعية للحقائق الوجوبية والأحكام الفعلية التي للربوبية .
وباطنها وهي ولايتها مرآة للهوية الحقيقية الأحدية الجمعية المطلقة .
ولكل واحد من مرتبتي النبوّة والولاية جمع وتفصيل .
والجمع جمعان : جمع قبل التفصيل ، وجمع بعد التفصيل .
ولكلّ واحد من الجمعين تعيّن في مرتبتي الفعل والتأثير والوجود ، والانفعال والتأثّر والإمكان وجمع بين الجمعين في أحدية جمع المرتبتين .
فالجمع الأوّل في المرتبة الأولى العليا لحقائق الوجوب والألوهية ورقائق الأسماء والربوبية هو لله الواحد القهّار الأحد ، والمظهر الظاهر لهذا الجمع في مقام التفصيل مجموع العوالم أمريّها وخلقيّها على كثرة أجناسها وأنواعها وتفاصيلها غير المتناهية واتّساعها.
 لكون ظهور الآثار الإلهية وأحكام أسماء الربوبية على التمام والتفصيل إنّما هو في العالم كلَّه ، فجميع العوالم مظاهر تفاصيل الأسماء الإلهية ، والألوهية التي لها هذه الجمعية المحيطة بحقائق الفعل والتأثير والوجوب لذاتها تستلزم جمعية جمع الحقائق الكونية الانفعالية التفصيلية على الوجه الأتمّ ، حتى تظهر آثارها وأحكامها .
وهو مجموع العالم ، ومظهره في مرتبة الجمع الأوّل الجامع قبل التفصيل في مرتبة المظهرية الجمعية هو آدم عليه السّلام وهو الإنسان الأوّل ، ومنه يكون التفصيل الأحدي الجمعي ، فكما أنّ الجمع قبل التفصيل الأسمائي لله ، فكذلك أحدية جمع الجمع الأوّل بعد التفصيل المظهري الكياني العالمي لأوّل الإنساني صورة .
والتفصيل الأحدي الجمعي المظهري منه يكون على وجهين : معنويّ وصوري ، إذ كلّ واحد من الجمعين في كل واحدة من مرتبتي الظهور والبطون أعني الولاية والنبوّة إمّا أن يكون جمع الفرق ، أو جمع الجمع ، فالجمعية التي في آدم عليه السّلام جمعية أحدية جمعيات الصور المظهرية العنصرية الإنسانية قبل التفصيل ، فهو صورة جمع تجمع ظاهرية المظاهر الأحدية الجمعية .
ولهذا الجمع في مرتبة التفصيل الجمعي مظاهرهم الكمّل من النوع الإنساني من الأنبياء والأولياء من لدن آدم عليه السّلام إلى الختم الظاهر والختم الباطن.
فتفصيل الجمعية الإلهية جميع الأسماء التي لا يبلغها الإحصاء الظاهرة بالتفصيل في تفاصيل صور العالم الفرقانية كما مرّ ، فصور حجابيّات جمعيات هذا التفصيل الفرقاني الجمعي هم الكفّار المذكورون في القرآن من الفراعنة .
وتفصيل الأحدية الجمعية الإنسانية النورية الحقّية في الأناسيّ الكاملين إلى الختم ، والختم أحدية الجمع الجمعي الإنساني  ولهذه المرتبة أحدية جمع جميع المحامد والكمالات الذاتية والإلهية :
فإن كانت في مرتبة ظاهرية الإنسانية الكمالية وهي النبوّة فالإنسان القائم بهذه الأحدية الجمعية الكمالية هو خاتم الأنبياء والرسل ، محمّد بن عبد الله ، المصطفى ، رسول الله وخاتم النبيّين صلَّى الله عليه وسلَّم اصطفاه الله ، لكمال أحدية جمع جمع الحكم الإلهية الربّانيّة والحقائق الوجوبية الفعلية المؤثّرة في المرتبة الكمالية الإنسانية ، وهو حامل لواء احمد وحمد الحمد الذي هو مأوى جميع محامد الجمع ومجامع الحمد .
وهذه الحقيقة الختمية النبويّة تنبئ جميع الحقائق المظهرية الإنسانية بحقائق الجمع الإلهي ، ولهذا « كان نبيّا وآدم بين الماء والطين » فلا تعيّن لحقيقة آدم إلَّا في الماء الإلهي ، وهو ماء الحياة والطهارة الفطرية التي في نفس النبوّة ، فافهم .
وإن كانت أحدية جمع جميع الكمالات والمحامد المذكورة في باطن المرتبة الكمالية الإنسانية الإلهية الذاتية وهي الولاية فالإنسان القائم بباطن أحدية جمع جميع الكمالات ، فإن كانت أحدية جمع الجمع الخصوصي .
فهو خاتم الولاية المحمدية الخاصّة ، وهو أكمل ورثة محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم في المرتبة الختمية ، وإن كانت أحدية جمع جمع العالم في روح باطن الأحدية الجمعية الإنسانية الكمالية فالإنسان القائم بها هو عيسى روح الله وكلمته ، خاتم الولاية العامّة على الإطلاق في آخر نشأته الخصيصة بالولاية .
وإذا عرفت هذه الأصول ، عرفت أنّ اسم الحقيقة الإنسانية الكمالية الجمعية الأحدية على سبيل المطابقة هو " محمّد " فإن كانت الجمعيّة من حيث الظاهرية والنبوّة ، فمظهره أحدية جمع جمع الحقائق الوجوبية والنسب الإلهية والربوبية ، ولهذا الجمع الاختصاصي الختمي روح ومعنى وصورة ، فالصورة تجمع بين الروح والمعنى ، لأنّها أحدية جمع المعنوية والروحية ولوازمها وخصائصها .
 فإذا اجتمعت الحقائق والمعاني اجتماعا أحديا ، ظهرت عليها صورة التسوية الإلهية ، ونفخ الله فيها بنفسه الرحماني روح الأحدية الجمعيّة الكمالية التي هي جامعة بين الجمعية الروحية وبين الجمعية المعنوية الحقيقية وبين الجمعية الجسدانية البشرية و هو « محمّد » صلَّى الله عليه وسلَّم والمخصوص بالجمعية الظاهرية أبو البشر .
والمخصوص بجمعية الروح ، الباطنية هو روح الله وكلمته .
قال رضي الله عنه : " وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلَّا من مشكاة الرسول الخاتم وما يراه أحد من الأولياء إلَّا من مشكاة الوليّ الخاتم  حتّى أنّ الرسل لا يرونه متى رأوه إلَّا من مشكاة خاتم الأولياء " .
والمخصوص بجمعية الجمع بين الجمعيات الأحدية المذكورة في باطن المرتبة المعنوية الحقيقية ، هو خاتم ولاية الخصوص  محمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن العربيّ منشئ الفصوص رضي الله عنه وجمعية هذا الختم جامعة بين روح الجمعية ومعناها وصورتها ، ومستلزمة لظاهريّتها بحقيقتها وفحواها.
ونسبته إلى خاتم النبوّة نسبة الابن الصلبي حقيقة ونسبة الروح نسبة الابن غير الصلبي ، وختمية البطون والولاية مشتركة بينهما .
ولم يكاشف بمقام هذا الختم الخصوصي من أولياء الله المتقدّمين إلَّا الإمام العلَّامة محمد بن علي الترمذي الحكيم ، صاحب « نوادر الأصول » وهو من مشايخ الطبقة العالية ، فتح له في الاطَّلاع على مقام هذا الختم .
فلمّا ذكره في كتبه ، واشتهر ذلك عنه بين علماء زمانه الأعلام من مشايخ الإسلام ، وإشرأبّت نفوس أهل الدعوى إلى هذا المقام ، وعلم ذلك منهم ، وأنّه : الولاية الخصوص . أقول : والجامع بين المرتبة الروحانية الباطنية والظاهرية هو الوليّ المطلق الذي كانت ولايته على قلب الحقيقة المحمدية والمعبّر عنه بالولاية الخاصّة هو عليّ بن أبي طالب باعتبار والمهديّ الموعود باعتبار آخر ، لجمعها بين النسبة المعنوية والظاهرية جلال آشتياني.
ليس لهم ذلك ، وخاف عليهم من دعوى بلا معنى ولا فحوى ، أنشأ كتابا جامعا لمسائل غامضة خصيصة له بالمشرب الختمي .
وذكر أنّه لا يشرحها على ما ينبغي إلَّا خاتم الأولياء ، وأنّه يطابق اسم هذا الخاتم المجيب اسم الحكيم السائل رضي الله عنه وكذلك اسم أبيه يطابق اسم أبيه ، فلمّا عثر أهل الدعوى على هذا المعنى ، نكصوا على أعقابهم ، ورجعوا إلى الله عن تراميهم إلى مقام الختم وانتسابهم .
ثم لمّا بعث هذا الخاتم في أقصى البلاد وهو المغرب من العرب ، شرح تلك المسائل ، وأوضح الحجج على تلك الدلائل ، وحصلت المطابقة بين الأسماء كما ذكر الحكيم .
فكان ذلك أحد البراهين الدالَّة على ختمية هذا الخاتم الصحيح نسبته من طيّئ إلى الحاتم ، كما قلنا في بعض مدائحه رضي الله عنه في رسالة لنا سمّيناها بالنصوص الواردة بالأدلَّة على ختمية ولاية الخصوص في الغرّاء الميمية من فتوح دار السلام ، شعر :
وخاتم حاتميّ الأصل من عرب     .....      عزّت به من كرام الغرب أعجام
له بحولان أخوال جحاجحة     .....   ومن صناديد آل الطيّ أعمام
القصيدة بطولها في الرسالة المذكورة ، فاطلبها منها إن شاء الله تعالى .
ومن الدلائل على ختميته ما روّينا من مشهده الغيبي القلبي الذي رآه بقرطبة من تنزّل أرواح السيّارات وأرواح منازل القمر وهي ثمانية وعشرون على عدد الحروف وأرواحها أيضا ، فإنّها تنزّلت في صور الجواري الحسان النورانيّات ، وباشرهنّ واقتضّهنّ جميعا ، وهذا المشهد لا يراه إلَّا أكمل ورثة محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم في الختمية الخصوصية المذكورة ، على ما استدللنا بذلك على ختميته في تلك الرسالة ، فاعلم ذلك .
ومن دلائل ختميته رضي الله عنه أيضا أنّه كان بين كتفيه في مثل الموضع الذي كان لنبيّنا خاتم النبيّين صلَّى الله عليه وسلَّم علامة مثل زرّ الحجلة ، ثابتة لهذا الخاتم أيضا تقعير يسع مثل زرّ الحجلة ، إشارة إلى أنّ ختمية النبوّة ظاهرة عليّة فعليّة ، وختميته رضي الله عنه باطنة انفعالية خفيّة .
قال رضي الله عنه في قريض نظمه في بعض مشاهده ، حكاية عنه تعالى لملائكته فيه رضي الله عنه شعر :
ولمّا أتاني الحقّ ليلا مبشّرا      .....  بأنّي ختام الأمر في غرّة الشهر
وقال لمن قد كان في الوقت حاضرا     .....        من الملإ الأعلى من عالم الأمر
ألا فانظرا فيه فإنّ علامتي     .....    على ختمه في موضع الضرب بالظهر
وفيه : أنا وارث لا شكّ علم محمّد     .....   وحالته في السرّ منّي وفي الجهر
وأنّي لختم الأولياء محمّد     .....      ختام اختصاص في البداوة والحضر
القصيدة بطولها في الرسالة وفي الديوان .
ومن دلائل ختميته أيضا قال رضي الله عنه في قريض له في أوّل الفتوح المكَّي ، قال ونظمه في عين المشهد ، شعر :
الله أكبر والكبير ردائي     .....       والنور بدري والضياء ذكائي
والشرق غربي والمغارب مشرقي     .....   وحقائق الخلق الجديد أماني
والنار غربي والجنان شهادتي     .....       والبعد قربي والدنوّ تنائي
وإذا انصرفت أنا الإمام وليس لي     .....   أحد أخلَّفه يكون ورائي
فهو الخاتم ، وقال فيه مستشهدا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا المشهد الأقدس ، والتجلَّي الأنفس الآنس شعر :
يا سيدي حقّا أقول فقال لي     .....    صدقا نطقت فأنت ظلّ ردائي
فاحمد وزد في حمد ربّك دائما     .....       فلقد وهبت حقائق الأشياء
من كل حق قائم بحقيقة      .....       يأتيك مملوكا بغير شراء
يشير إلى ما ذكرنا من تنزّل الأرواح لسعته حين قطابته .
وقال أيضا :
وأنا ختم الولاية دون شكّ     .....     بورث الهاشميّ مع المسيح
ومن ذلك إيراده رضي الله عنه ما أورده في الفصوص ، من ختميات مقامات الكمال في النبوّة من مشرب الخصوص ، لأرباب صفاء الخلوص .
وهاهنا لا يستقصى ذكر الدلائل على ختميته في هذا الكتاب ، فقد سبق لنا في كتاب النصوص في ختم ولايته الخصوص ما فيه شفاء العليل ،وبرد الغليل.
 " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ".
قال العبد لله :  مشكاة خاتم الأولياء عبارة عن الولاية الخاصّة المحمدية ، ومشكاة خاتم الأنبياء عبارة عن النبوّة الخاصّة الختمية الشرعية ، وهي اختصاص من الله لرسوله بخصوصية ذاتية له صلَّى الله عليه وسلَّم بهذا المقام أوجبت كونه خاتم النبيّين .
وهي أحدية جمع النبوّات التي كانت متفرّقة في جميع الأنبياء ، وهم صور تفصيلها ، والنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم صورة أحدية جمعها ، ولأنّ النبوّة ظاهر الولاية ، والولاية باطنها ، إذ النبوّة عبارة عن نسبة اختصاصيّة للنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بين أمّته وبين الله من كونه واسطة بينه تعالى وبينهم ، وسمّيت هذه النسبة وسيلة يتوسّل بها إلى الله أمّته ، وولايته عبارة عن النسبة التي بين الله وبين النبيّ من غير وساطة أحد .
أشار إليها بقوله : " لست كأحدكم ، لست كهيئتكم " وسمّاها فضيلة ، وحرّض الأمّة عند الأذان بسؤال هاتين الدرجتين كما تقول له : وأعطه الوسيلة والفضيلة ، فإنّ الفضيلة للنبيّ على أمّته من جهة هذه النسبة التي لا واسطة فيها بين النبيّ وربّه.
 ومن حيث هذه النسبة العليّة يأخذ عن الله وينزّل الله عليه الحكم والأحكام الإلهية في نفسه وأمّته بما فيه مصالحهم الظاهرة المعيشية الدنياويّة ومصالحهم الدينية الأخراوية الروحانية .


شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «والعجز عن درك الإدراك إِدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز. وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه.
وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء.)

سوى عينه كما علمت قال رضي الله عنه : (فاختلط الأمر وانبهم ) وهو أن المرئي غير عين الحق في صورة العبد . فيكون العبد مرآة الحق أو عين العبد في صورة الحق .
فيكون الحق مرآة العبد (فمنا من جهل الأمر في علمه فقال : العجز عن درك الإدراك إدراك) أي غاية الإدراك هو الاعتراف بالعجز عن إدراك الأمر كما هو وهو التحير المطلوب.
في قوله : رب زدني تحيرا ( ومنا من علم ولم يقل مثل هذا ) أي علم أن الحق من حيث ذاته مرآة عين العبد أي لذاته ، والعبد مرآة الحق باعتبار أسمائه .
ولم يقل بالعجز ( وهو أعلى القول ) أي من القول بالعجز لأنه علم حقيقة الأمر على ما هو عليه ( فلم يعطه العلم العجز كالأول بل أعطاه العلم السكوت ما أعطاه العجز ) أي من العارفين من تحير في التمييز بين مرئية الحقية والعبدية ، ومنهم من سكت ولم يتحير ولم يقل بالعجز وهو أعلى.
 ( وهذا هو أعلى عالم باللَّه وليس هذا العلم ) بالأصالة ( إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء ، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم ، ولا يراه أحد من الأولياء ، إلا من مشكاة الولى الخاتم ، حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ) أي الرسل كلهم يأخذونه من خاتم الرسل وهو يأخذ من باطنه من حيث أنه خاتم الأولياء لكن لا يظهر لأن وصف رسالته يمنعه فإذا ظهر باطنه في صورة خاتم الأولياء يظهره .
والحاصل أن الرسل والأولياء كلهم يرونه من مشكاة خاتم الأولياء
.
 
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «والعجز عن درك الإدراك إِدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز.  وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه.
وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء.)

قال رضي الله عنه : (ﻓﺎﺧﺘﻠﻂ ﺍﻷﻣﺮ ﻭﺍﻧﺒﻬﻢ) ﺃﻱ، ﻓﺎﺧﺘﻠﻂ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻤﺮﺋﻲ ﻭ ﺍﻧﺒﻬﻢ ﺃﻧﻪ ﺣﻖ ﺃﻭ ﻋﺒﺪ، ﻷﻥ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻳﺮﻯ ﻓﻲ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺤﻖ ﻋﻴﻨﻪ، ﻭﺍﻟﺤﻖ ﻳﺮﻯ ﻓﻲ ﻋﻴﻦ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ، ﻭﻋﻴﻦ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺣﻖ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ، ﻷﻧﻬﺎ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﻭﺃﺳﻤﺎﺅﻩ ﻋﻴﻨﻪ.
ﻓﺎﻧﺒﻬﻢ ﺣﺎﻝ ﺍﻟﻤﺮﺍﺋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺁﺗﻴﻦ ﺃﻧﻪ ﺣﻖ ﺃﻭ ﻋﺒﺪ. (ﻓﻤﻨﺎ ﻣﻦ ﺟﻬﻞ ﻓﻲ ﻋﻠﻤﻪ) ﺃﻱ، ﺗﺤﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻤﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﺣﺎﻝ ﻋﻠﻤﻪ ﺑﻬﺎ. "ﻓﻘﺎﻝ: "ﺍﻟﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﺩﺭﻙ ﺍﻹﺩﺭﺍﻙ ﺇﺩﺭﺍﻙ.
ﻭ ﻣﻨﺎ ﻣﻦ ﻋﻠﻢ  ﺃﻱ، ﻣﻴﺰ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ. (ﻓﻠﻢ ﻳﻘﻞ ﺑﻤﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﻭﻫﻮ ﺃﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻮﻝ). ﺃﻱ، ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﻜﻮﺕ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺑﻤﺜﻠﻪ ﺃﻋﻠﻰ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻘﻮﻝ، ﻷﻥ ﻓﻴﻪ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﺍﻟﻌﺠﺰ.
(ﺑﻞ ﺃﻋﻄﺎﻩ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺴﻜﻮﺕ ﻣﺎ ﺃﻋﻄﺎﻩ ﺍﻟﻌﺠﺰ) ﺃﻱ، ﺃﻋﻄﺎﻩ ﻋﻠﻤﻪ ﺑﺎﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﺃﻥ ﻳﺴﻜﺖ ﻭﻻ ﻳﻀﻄﺮﺏ ﻛﻤﺎ ﺃﻋﻄﻰ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻵﺧﺮ ﺍﻟﻌﺠﺰ.
(ﻭﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺃﻋﻠﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺑﺎﻟﻠﻪ) ﻷﻧﻪ ﻳﻌﺮﻑ ﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ ﻭﺍﻟﻤﻘﺎﻣﺎﺕ ﻭﻳﻌﻄﻰ ﺣﻖ ﻛﻞ ﻣﻘﺎﻡ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻣﻪ. (ﻭﻟﻴﺲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺇﻻ ﻟﺨﺎﺗﻢ ﺍﻟﺮﺳﻞ ﻭﺧﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ) ﻷﻥ ﺍﻹﺣﺎﻃﺔ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﻘﺎﻣﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﺗﺐ، ﻛﻠﻴﻬﺎ ﻭ ﺟﺰﺋﻴﻬﺎ، ﺟﻠﻴﻠﻬﺎ ﻭﺣﻘﻴﺮﻫﺎ، ﻭﺍﻟﺘﻤﻴﺰ ﺑﻴﻨﻬﺎ، ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺇﻻ ﻟﻤﻦ ﻟﻪ ﺍﻻﺳﻢ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﻇﺎﻫﺮﺍ ﻭﺑﺎﻃﻨﺎ، ﻭﻫﻮ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻟﺮﺳﻞ ﻭﺧﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ. ﺃﻣﺎ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻟﺮﺳﻞ، ﻓﻠﻜﻮﻥ ﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﻻ ﻳﺸﺎﻫﺪﻭﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻣﺮﺍﺗﺒﻪ ﺇﻻ ﻣﻦ ﻣﺸﻜﺎﺗﻪ ﺍﻟﻤﻤﺪﺓ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺎﻃﻦ، ﻭ ﺃﻣﺎ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ، ﻓﻸﻥ ﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﻻ ﻳﺄﺧﺬﻭﻥ ﻣﺎ ﻟﻬﻢ ﺇﻻ ﻣﻨﻪ، ﺣﺘﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺳﻞ، ﺃﻳﻀﺎ، ﻻ ﻳﺮﻭﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﺇﻻ ﻣﻦ ﻣﺸﻜﺎﺗﻪ ﻭﻣﻘﺎﻣﻪ.
ﻭﺇﻟﻴﻪ ﺃﺷﺎﺭ ﺑﻘﻮﻟﻪ: (ﻭﻣﺎ ﻳﺮﺍﻩ ﺃﺣﺪ ﻣﻦ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﻭﺍﻟﺮﺳﻞ ﺇﻻ ﻣﻦ ﻣﺸﻜﺎﺓ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﺨﺎﺗﻢ)، ﻭﻻ ﻳﺮﺍﻩ ﺃﺣﺪ ﻣﻦ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﺇﻻ ﻣﻦ ﻣﺸﻜﺎﺓ ﺍﻟﻮﻟﻲ ﺍﻟﺨﺎﺗﻢ، ﺣﺘﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺳﻞ ﻻ ﻳﺮﻭﻧﻪ ﻣﺘﻰ ﺭﺃﻭﻩ (ﺇﻻ ﻣﻦ ﻣﺸﻜﺎﺓ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ).
ﻭﺍﻋﻠﻢ، ﺃﻥ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﻣﻈﺎﻫﺮ ﺃﻣﻬﺎﺕ ﺃﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﻖ، ﻭﻫﻲ ﺩﺍﺧﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﺳﻢ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ، ﻭﻣﻈﻬﺮﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ، ﻟﺬﻟﻚ ﺻﺎﺭﺕ ﺃﻣﺘﻪ ﺧﻴﺮ ﺍﻷﻣﻢ ﻭ ﺷﻬﺪﺍﺀ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ، ﻭﻫﻮ، ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ، ﻳﺰﻛﻴﻬﻢ ﻋﻨﺪ ﺭﺑﻬﻢ.
ﻭﻗﺎﻝ صلى الله عليه وسلم ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ: "ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺃﻣﺘﻲ ﻛﺄﻧﺒﻴﺎﺀ ﺑﻨﻰ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ " ﻓﻠﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺷﺄﻥ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻣﺄﺧﻮﺫﺍ ﻣﻦ ﻣﻘﺎﻣﻪ، ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻭﻗﺪ ﺍﻧﺨﺘﻤﺖ ﻣﺮﺗﺒﺘﻬﺎ ﻭﺑﻘﻴﺖ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺑﺎﻃﻦ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻷﻧﻬﺎ ﻏﻴﺮ ﻣﻨﻘﻄﻌﺔ، ﻓﻴﻈﻬﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﺑﺤﺴﺐ ﺍﻻﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻬﻢ ﺷﻴﺌﺎ ﻓﺸﻴﺌﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻳﻈﻬﺮ ﺑﺘﻤﺎﻣﻬﺎ ﻓﻴﻤﻦ ﻫﻮ ﻣﺴﺘﻌﺪ ﻟﻬﺎ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺑﺨﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ، ﻭﻫﻮ ﻋﻴﺴﻰ عليه السلام  ﻛﻤﺎ ﺳﻴﺄﺗﻲ ﺑﻴﺎﻧﻪ.
ﻭﺻﺎﺣﺐ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﺔ ﺃﻳﻀﺎ ﺑﺤﺴﺐ ﺍﻟﺒﺎﻃﻦ ﻫﻮ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻟﺮﺳﻞ، ﻷﻧﻪ ﻫﻮ ﻣﻈﻬﺮ ﺍﻻﺳﻢ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ. ﻭﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺘﺠﻠﻰ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﺣﺠﺐ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺖ ﻣﺮﺗﺒﺘﻪ ﻟﻠﺨﻠﻖ، ﻛﺬﻟﻚ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﺎﺗﻢ ﻳﺘﺠﻠﻰ ﻋﻦ ﻋﺎﻟﻢ ﻏﻴﺒﻪ ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺓ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﻟﻠﺨﻠﻖ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﺎﺗﻢ ﻣﻈﻬﺮﺍ ﻟﻠﻮﻻﻳﺔ ﺍﻟﺘﺎﻣﺔ، ﻭﻳﻜﻮﻥ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﻭﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﺻﺎﺣﺐ ﻭﻻﻳﺔ، ﻭﻫﻮ ﻣﻈﻬﺮ ﻟﺠﻤﻴﻌﻬﺎ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻣﻈﻬﺮ ﺣﺼﺔ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﻣﻘﺎﻡ ﺟﻤﻌﻪ.
ﻓﺨﺎﺗﻢ ﺍﻟﺮﺳﻞ ﻣﺎ ﺭﺃﻯ ﺍﻟﺤﻖ ﺇﻻ ﻣﻦ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﻭﻻﻳﺔ ﻧﻔﺴﻪ، ﻻ ﻣﻦ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﻏﻴﺮﻩ، ﻓﻼ ﻳﻠﺰﻡ ﺍﻟﻨﻘﺺ. ﻭﻣﺜﺎﻟﻪ ﺍﻟﺨﺎﺯﻥ ﺇﺫﺍ ﺃﻋﻄﻰ ﺑﺄﻣﺮ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﻟﻠﺤﻮﺍﺷﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺰﻳﻨﺔ ﺷﻴﺌﺎ ﻭ ﻟﻠﺴﻠﻄﺎﻥ ﺃﻳﻀﺎ، ﻓﺎﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﺃﺧﺬ ﻣﻨﻪ ﻛﻐﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻮﺍﺷﻲ ﻭﻻ ﻧﻘﺺ.
 

.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الأحد 14 أكتوبر 2018 - 12:21 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأحد 14 أكتوبر 2018 - 12:18 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الرابعة عشر: الجزء الثاني
خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «والعجز عن درك الإدراك إِدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز.  وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه. 
وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء.)

قال رضي الله عنه : "فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: "والعجز عن درك الإدراك إدراك"، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلم السكوت، ما أعطاه العجز. وهذا هو أعلى عالم بالله. وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء"
قال رضي الله عنه : (فاختلط الأمر) أي: أمر التجلي الذاتي في نفسه، (وانبهم) على المتجلى له؛ فلا يتميز عنده تجلي الذات عن تجلي الأسماء والصفات؛ لعدم المغايرة الموجبة للتمييز بينهما إلا بطريق الذوق لبعض الكل.
وإليه الإشارة بقوله: (فمنا) أي: من أهل تجلي الذات (من جهل في علمه) تمييز تجلي الذات عن تجلي الأسماء والصفات، فقال: العجز عن درك الإدراك أي: عن تميز التجلي الذاتي عن الأسمائي إدراك لما عليه أمر التجلي من الاختلاط والإبهام، والعجز عن الدرك نفس الجهل ومن ملزوماته، وقد جعله عين الإدراك الذي هو العلم.
ومنا من علم أي: ميز بين التجلي الذاتي والأسمائي مع هذا الاختلاط والإيهام بأن أحدهما، وإن لم يكن غيرا للآخر؛ فليس أيضا عينه، ولم يقل مثل هذا لاستلزامه جعل أحد النقيضين أو ملزومه عين الآخر.
وهو أي: التمييز بينهما على القول أي: أصوب الاعتقادات (بل) عطف على قوله: لم يقل (أعطاه العلم السكوت) عن بيان ذلك؛ لضيق العبارة، وخوف ضلال العامة، وإنما أخره عن قوله، وهو أعلى القول؛ لأنه لو قدمه عليه التوهم أن المسكوت عنه أعلى الاعتقادات، وهو باطل بل الأعلى هو أجزم، وإن كان مما ينبغي أن يسكت عنه عند حضور العامة، وهذا الذي ميز بين التجليين، وسكت عن بيانه عند العامة (أعلى عالم بالله) يطلع على تجلياته، ويراعي الأدب معه؛ فلا يعبر عن أسراره بما يوهم العامة خلاف الواقع تقية منه، فإن العلم بالله موجب للتقوى منه "إنما يخشى الله من عباده العلماء " [فاطر:28]، فهو بهذه المعرفة، وهذا السكوت جميعا صار على عالم بالله، فلذلك أخر هذا الكلام عن قوله، بل أعطاه العلم السكوت.
قال رضي الله عنه : (وليس هذا العلم) أي: تمييز التجلي الذاتي عن الأسمائي مع عدم المغايرة بينهما بطريق الكشف على وجه الأصالة، لغاية كماله (إلا لخاتم الرسل، وخاتم الأولياء) لكونهما أجمع لأسرار الرسالة والولاية، فناسبهما هذا العلم بالذات، وخاتم الولاية شخص يظهر في آخر عهد عيسى عليه السلام ، فيشهد له عیسی، و کفی به شهيدا على ما صرح به الشيخ في كتابه المسمی بـ "عنقاء المغرب في معرفة ختم الأولياء، وشمس المغرب " ، وجعل في «الفتوحات» خاتم الولاية المطلقة عيسى، وخاتم الولاية المحمدية رجلا من العرب، ويجب تأويله بأن عیسی خاتم الولاية التي للأنبياء، والرجل المذكور يظهر بالولاية المخصوصة بمحمد دون ولاية سائر الأنبياء.
قال رضي الله عنه: "وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إلا من مشكاة خاتم الأولياء.


شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «والعجز عن درك الإدراك إِدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز.  وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه. 
وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء.)

(فاختلط الأمر وانبهم؛ فمنا من جهل في علمه) لغلبة حكم الإمكان والمظهرية عليه. 
فقال: (والعجز عن درك الإدراك إدراك) مفصحا عما يقتضيه مشهده الذاتي من تعانق الأطراف وجمعية الأضداد.

( منا من علم) أن ذلك الجهل الذي في العلم هو منتهی مراتب العلم ، إلا أن القول بذلك الكلام يدل على عدم وصوله إلى هذا العلم ، (فلم يقل مثل ذلك) مع أنه هو الكلام الكاشف عن كنه مقتضى هذا الموطن .
(وهو أعلى القول ، بل أعطاه العلم السكوت ، ما أعطاه العجز) لعدم انقهاره تحت أحكام الإمكان ومظهريته الخلقية ؛ ( وهذا هو أعلى عالم بالله ) حيث لم ينقهر بقوة استعداده الذاتي لمقتضيات ذلك المشهد العظيم من تجاذب الأطراف المتعانقة ، وتخالف أحكامها المتضادة ، بل أحاط بالكل علما ، ولم يتأثر من تلك الأحكام وهو أعلى عالم بالله . .
(وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء) فإنهما هما الواصلان في الحقائق والمعارف إلى أقاصي كمالها بجزئياتها وكلياتها ، وصورها ومعانيها ، وهي حضرة متعانق الأطراف ومجتمع الأضداد ، كما علم من آثارها ، حيث أن الجهل في عين العلم بها ، والعجز عن إدراكها هو إدرا کہا ، وأن معلوميتها تقتضي الخفاء ومجهوليتها الإظهار إلى غير ذلك وهذه الحضرة هي المسماة في لسان الاصطلاح بالهوية المطلقة والتعين الأول ، يقال لها بهذا الاعتبار الحقيقة المحمدية ، فإن الحقيقة من كل أحد هي مستند المعرفة التي له من الحق .
ولذلك قال رضي الله عنه : ( وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم ، وما يراه أحد من الأولياء إلآ من مشكاة الولي الخاتم ) .
ثم إن هذا العلم لما كان من الكمالات المعنوية والحقائق الكلية التي لا تتحول أحكامها بتبدل أجزاء الزمان ، ولا ينقرض بانقراض تنوعاته ، يكون من خصائص أطوار الولاية ولوامع أنوارها ، فكل من أظهر لمعة منه إنما يكون ذلك من عين الولاية مقتبسة من مشكاة خاتمها ضرورة .
 
شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «والعجز عن درك الإدراك إِدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز.  وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه. 
وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء.)

قال رضي الله عنه :  "فاختلط الأمر و انبهم: فمنا من جهل في علمه.
 فقال: "و العجز عن درك الإدراك إدراك"، و منا من علم فلم يقل مثل هذا و هو أعلى القول، بل أعطاه العلم السكوت، ما أعطاه العجز و هذا هو أعلى عالم بالله."
قال رضي الله عنه : (فاختلط الأمر)
 أمر المرآة و الرائي والمرئي. (وانبهم) أن كل واحد منهما حق أو عبد (فمنا من جهل) ولم يميز بين هذه المراتب (في) عين (علمه) بها بطريق الذوق والوجدان .

(فقال: والعجز عن درك الإدراك إدراك)، أي التحقق بالعجز عن الحق إدراك ما لا يدرك غاية الإدراك والعجز عن حصول العلم بما لا يعلم نهاية العلم به. 
وفي الأساس طلبه حتى أدر که ، أي ألحق به وأدرك منه حاجته، وبلغ الغواص درك البحر وهو قعره ومنه درك النائر .

وفي الصحاح : القعر الآخر درك وذرك. وفي النهاية في غريب الحديث في الحديث : "أعوذ بك من درك الشقاء". الدرك : اللحان والوصول إلى الشيء أدر کته إدراك ودركا .
(ومنا من علم) تلك المراتب و میز عينها . فإنه علم أن مراتب الحق سبحانه لأنيتك الوجودية باعتبار ظاهر وجوده وأنت الرائي والمرئي فإنك ترى نفسك فيه بل هو الرائي والمرئي ولكن فيك .
ومرآتيته لعينك الثابتة باعتبار باطن علمه وأنت الرائي والمرئي بل هو ولكن فيك.
وكذلك علم أن مرآتيتك تلحق سبحانه إنما هي باعتبار وجودك العيني أو العلمي والراني هو الحق سبحانه إما من مقامه الجمعي أو منك.
والمرئي أيضا هو الحق سبحانه لكن باعتبار خصوصية صفة أو اسم أنت مظهره، فإن الوجود الحق باعتبار إطلاقه لا يسعه مظهر (فلم يقل مثل هذا القول) المنبئ عن الاعتراف بالعجز .
(وهو)، أي والحال أن القول بالعجز (أعلا القول)، أي عذر ما يقال في هذا المقام وجعل بعض الشارحين الضمير لعدم القول. 
وقال : معنى أعلا القول أعلا من القول، ولا يبعد أن يقال معناه حينئذ أن عدم القول بالعجز أعلا ما يقال في هذا المقام .

فإن عدم القول بالعجز على لسان الحال بكمال العلم (بل أعطاه)، أي من علم (العلم السكوت ما أعطاه)، أي من جهل في علمه العلم العجز والاعتراف به (وهذا)، أي الذي أعطاه العلم السكوت (هو أعلى عالم بالله) و مراتب تجلياته والتمييز بينها. وليس هذا العلم الذي يعطي صاحبه السكوت بالأصالة.
قال رضي الله عنه :  "و ليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، و ما يراه أحد من الأنبياء و الرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء: فإن الرسالة و النبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا. 
فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ".

قال رضي الله عنه :  (إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه)، أي يرى هذا العلم والشهود وما يأخذه.
(أحد من الأنبياء والرسل) من حيث أنهم أولياء لا من حيث أنهم أنبياء ورسل، فإن هذا العلم ليس من حقائق النبوة إلا من مشکوة الرسول الخاتم من حيث ولايته (ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم) التي هي جهة باطنية الرسول والخاتم .
(حتى أن الرسل) أيضا من حيث أنهم أولياء (لا يرونه متى رأوه إلا من مشكوة خاتم الأولياء) التي هي مشكوة ولاية الرسول الخاتم.
وإلا لم يصح كلا الحصرین معا حصر رؤية المرسلين أولا في مشكوة خاتم الأنبياء وحصرها ثانية في مشكاة خاتم الأولياء فمشكاة خاتم الأنبياء في الولاية الخاصة المحمدية وهي بعينها مشكوة خاتم الأولياء، لأنه قائم لمظهريتها وإنما أسند هذه الرؤية إلى مشكاة خاتم الأولياء.
(فإن الرسالة والنبوة) اللتين هما جهة ظاهرية الرسول الخاتم (أعني نبوة التشريع ورسالته) التي هي تبليغ الأحكام المتعلقة بحوادث الأكوان لا نبوة التحقيق التي هي جهة باطنية .
وهي الإنباء عن الحق وأسمائه وصفاته وأسرار الملكوت والجبروت وعجائب الغيب.
(ينقطعان) بانقطاع موطن التكليف بل بانقطاع الرسول الخاتم عن هذا الموطن فكيف يستند إليه ما لا ينقطع.
(والولاية لا تنقطع أبدأ)، فإنها من الجهة تلي الحق سبحانه وهي باقية دائمة ابدا سرمدا وأكمل مظاهرها خاتم الأولياء فلهذا أسندت الرؤية المشار إليها إليه .
ولا يخفى عليك أنه لو فرض عدم انقطاع النبوة لا يصح إسناد هذا العلم إليها أصلا فإنه من حقائق الولاية لا النبؤة .
فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه من العلم الذي يعطى صاحبه السكوت (إلا من مشكوة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء) بحسب نشأته العنصرية .
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 20 أكتوبر 2018 - 15:45 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الخامسة عشر:
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فإِن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى.)
قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإن الرسالة والنبوة  أعني نبوة التشريع، ورسالته تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء؟  و إن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه و لا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى.  )
(فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع) لا نبوة التبليغ (ورسالته)، أي التشريع لا التبليغ (ينقطعان) في الزمان لا في الثبوت بحيث يزولان عمن يتصف بهما أبدا، وقد انقطعت النبوة والرسالة بنبوة نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، بحيث لم يبق أحد يتصف بذلك إلى يوم القيامة (والولاية لا تنقطع أبدأ) بل هي باقية إلى يوم القيامة كل من عمل بشروطها التي هي طهارة الظاهر والباطن من البدع والمخالفات، والتحلية بالأعمال الصالحة نالها، ومن لا فلا.
واعلم أن طور الولاية هو الكشف في الحضرات الإلهية، وطور النبوة هو الكشف في الحضرات الملكية.
وطور الرسالة هو الكشف في الحضرات الإنسانية ، ولا يمكن أن يوجد الكشف في الحضرات الملكية والبشرية إلا بعد الكشف في الحضرات الإلهية.
ولهذا لا يكون نبي أو رسول إلا وهو ولي، وأما الكشف في الحضرات الإلهية فإنه يوجد من دون الكشف في الحضرات الملكية والبشرية فيكون وليا وليس بنبي ولا رسول.
وهذه الكشوفات الثلاثة قد تكون مع التشريع بطريق الأصالة وقد تكون مع التبليغ بطريق الوراثة.
كما يشير إليه قوله تعالى: «قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " 108 سورة يوسف.
فقد سوى بينه وبين من اتبعه في البصيرة وليست إلا العلم بما ذكر، والفارق الاتباع والاستقلال، فالمتبوع مشرع والتابع وارث، فالذي ينقطع التشريع الإرث
(فالمرسلون) عليهم السلام (من) جهة (كونهم أولياء)، وهذه جهة العلم بالله تعالى من حيث هو تعالى لا من جهة كونهم أنبياء.
لأنها جهة العلم بالله من حضراته الملكية، ولا من جهة كونهم رسلا، لأنها جهة العلم بالله من حيث حضراته الإنسانية.
وهذا العلم مما يتعلق به تعالى من جهته تعالى من حيث هو في نفسه (لا يرون)، أي يشهدون (ما ذكرناه) من العلم السابق بيانه (إلا من) نور (مشکاة خاتم الأولياء) من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام كما مر.
فإن ختم الولاية في زمان المرسلين الماضين عليهم السلام لم يكن إلا في ولاية النبوة، کولاية الخضر عليه السلام وولايته الرسالة فقط، وأما ولاية الإيمان فحقها في هذه الأمة في كل زمان في كلمة شيئية إلى يوم القيامة، ومعلوم أن المرسلين ليسوا في هذه الأمة.
قال الشيخ رضي الله عنه: (فكيف) حال (من دونهم)، أي دون المرسلین علیهم السلام (من الأولياء) ولاية نبوة أو ولاية إيمان فإنهم لا يرون ذلك العلم إلا من مشكاة خاتم الولاية بالطريق الأولى، فأصحاب الولاية النبوية لا يرونه من خاتم الولاية النبوية، وأصحاب الولاية الإيمانية يرونه من خاتم الولاية الإيمانية .
(وإن كان خاتم الأولياء) سواء كان ولاية نبوة أو ولاية رسالة أو ولاية إيمان (تابعة في الحكم) العملي (لما جاء به) من عند الله تعالى .
(خاتم الرسل) في كل زمان من الأزمنة الماضية بالنسبة إلى الأنبياء والمرسلين والمستقبلة بالنسبة إلى أولياء الإيمان (من التشريع)، أي البيان الإلهي کالخضر عليه السلام خاتم ولاية النبوة في زمان موسی علیه السلام.
فكان موسى عليه السلام متبعا له ليرى هذا العلم من مشكاته، وهو متبع لموسى عليه السلام من حيث تشريع الأحكام، ولهذا أفاده موسی علیه السلام أن خرق السفينة وقتل الغلام أمران منکران في ظاهر الحكم.
والحاصل أن الرسالة والنبوة اللتين قد انقطعتا إلا أن لهما ولايتان ولكل ولاية
منهما خاتم فى كل زمان من تلك الأزمنة الماضية وكذلك ولاية الإيمان الباقية إلى
يوم القيامة لها خاتم في كل زمان.
وهذا العلم مخصوص بخاتم الولاية من المرسلين أو الأنبياء والمؤمنين، ولا يراه أحد من المرسلين أو الأنبياء في زمن وجودهم إلا من مشكاة خاتم ولا يتهم.
فكذلك لا يراه أحد من أولياء المؤمنين إلى يوم القيامة إلا من مشكاة خاتم ولايتهم.
(فذلك)، أي كون خاتم الأولياء من المرسلين أو الأنبياء أو المؤمنین تابعة الخاتم الرسل في التشريع (لا يقدح في مقامه) الذي هو ختم الولاية.
فإنه مقام عالي بالنسبة إلى من لم يكن خاتمة من نوعه ذلك لحصوله على ذلك العلم بطريق الأصالة وغيره بالتبعية له (ولا يناقض ما ذهبنا إليه) من كون من لم يكن خاتمة لا يرى ذلك إلا من مشكاة الخاتم بطريق التبعية له في ذوقه ذلك.
(فإنه)، أي خاتم الأولياء المذكور (من وجه یکون أنزل)، أي أدنى منزلة ممن تابعه (كما أنه)، أي خاتم الولاية (من وجه) آخر (يكون أعلى) من غيره .

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فإِن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً.  فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى.)
(فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع ورسالته) لا الرسالة والنبوة بمعنى الإخبار عن الحقائق الإلهية فإنهما لا تنقطعان (تنقطعان) لكونهما من الصفات البشرية وهما ظاهر الولاية والظاهر لا يرى ما يراه من كونه باطنا إلا من مشكاة الباطن.
قال رضي الله عنه : (والولاية لا تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء تابعة في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك) .
أي كون خاتم الأولياء تابعا لما جاء به الرسول الختم (لا يقدح في مقامه) أي لا يمنع متبوعيته لخاتم الرسل فيما ذكرناه (ولا يناقض) کونه تابعا (ما ذهبنا إليه) من أنه متبوع في ذلك العلم الخاص .
(فإنه) أي خاتم الأولياء (من وجه) أي من حيث إنه تابع لخاتم الرسل (يكون أنزل) أي تحت خاتم الرسل في هذه المرتبة.
(كما أنه من وجه) أي من حيث إنه متبوع له (يكون أعلى) أي فوقه فيما ذكرنا فلا يناقض ولا ينبغي أن يتوهم أفضلية خاتم الأولياء على خاتم الرسل وغيره في ذلك الوجه الخاص.
وهو كونه متبوعا لخاتم الرسل في رتبة علم التجلي الذاتي لأن قوله من وجه يكون أعلى لا يدل إلا على تقدمه في ذلك العلم ولا يلزم منه الأفضلية في تلك المرتبة.
فإن أفضلية الممكن وشرفه ليست بالتقدم والمتبوعية سواء كان في رتب العلم بالله أو في غيره ولا في حد ذاته وإنما كانت أفضليته بتكريم الله تعالى إياه وتشريفه.
كقوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم " 70 سورة الإسراء. أي جعلناه مكرما فكان مكرما من عند الله لا من عند نفسه ومرتبته .
و كقوله : "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض" 253 سورة البقرة . فكان فضل بعض على بعض بتفضيل الله تعالى ."وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)" سورة النساء.
كما قال الشيخ رضي الله عنه فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفة وما ورد النصوص على أفضلية الأنبياء وسيادتهم عند الله على الأولياء إلا على الإطلاق وفي كل مرتبة .
فما كان الممكن شريعة و فاضلا إلا بالنص الإلهي لا بالمتبوعية في رتب العلم.
ألا ترى أن علم الله تابع للعموم والمعلوم أنت وأحوالك وهل يلزم من التقدم في تلك المرتبة أفضليتك من هذا الوجه .
فإن الله محيط من ورائهم من وجوداتهم وأحوالهم من الظواهر والبواطن وليست ذات المعلوم وماهيته أمرا مستقلا في نفسه حتى يكون الواجب الوجود لذاته بل هو أثر حاصل من تجليات أسمائه وصور علمه فلا جعل في نفس الماهية.
فإن الله تعالى موجب لأسمائه وصفاته ومقتضياتهما ومختار في إعطاء الوجود إلى الماهية فالجعل لا يكون إلا بعد مرتبة الصفات والأسماء ومقتضياتهما فذات المعلوم.
تجميع أحواله من المتبوعية وغيرها كل ذلك من إعطاء الله تعالى وإنما يثبت أفضليته من حيث هو متبوع على التابع إذا لم يكن متبوعية ذلك المتبوع من التابع، فكان التابع من حيث إنه تابع أفضل من المتبوع من حيث إنه متبوع لكون المتبوعية له من إعطاء التابع..
فكان الله أعلى وأشرف على معلوماته من كل الوجوه .
فكذلك ختم الرسل لكونه جامعا لجميع المراتب التي كانت في حق المخلوق فهو محیط بجميع المراتب الإمكانية وتابعيه ختم الرسل بختم الأولياء تابعية صاحب القوى قواه في أخذ مراداته.
وكذلك صاحب الأسباب تابع لأسبابه لتحصيل بعض أفعاله فكان خاتم الأولياء مرتبة من مراتب ختم الرسل .
وهو معنى قوله وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل وهو معنى قوله : فما يلزم الكامل وبه أخذ من خزينة الحق هذا العلم كما أخذه عن جبرائيل عليه السلام علم الشرائع وهو "خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم" مفضل على جبرائيل بالنص الإلهي .
والنص على إطلاقه فلزم أنه مفضل عليه من كل الوجوه . فثبت بالنص أن خاتم الرسل مفضل على خاتم الأولياء في ذلك الوجه لعموم النص على جميع الوجوه فخاتم الأولياء خادم لختم الرسل لأخذه هذا العلم عن المعدن .
فكان المراد من قوله من وجه يكون أعلى بيان لزيادة مرتبة خاتم الأولياء من الوجه المذكور ولا يلزم منه الأفضلية من هذا الوجه عند الله إذ الزائد قد يكون أدنى من الإنزال لتوسط الإنزال .
فأنزلية ختم الرسل منه من جملة كمالاته ليست بمعنى الدناءة وقد نزل القرآن وحمد على تنزيله ولو دليتم بحبل لهبط على الله .
فنزول الشريف اللطيف عين كماله ، ولما بين مرتبة خاتم الأولياء أورد الدليل الشرعي على ما ذهب إليه تسهيلا لفهم الطالبين .

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فإِن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً.  فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى.)
فقال رضي الله عنه : " فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع ورسالته تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا. فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى."
إلا إنا نعلم أن الولاية مرتبتها فوق مرتبة النبوة، والنبوة مرتبتها فوق مرتبة الرسالة.
فإذا جمعت الثلاثة لواحد كما جمعت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فهو ولي نبي رسول إلا أن ولايته فوق نبوته، ونبوته فوق رسالته، لأن الولاية هي حاله، عليه السلام، عند ما قال: «لي وقت لا يسعني فيه غير ربي» فهو يلي الحق ويأخذ عن الحق تعالی بلا واسطة الملك .
وفي مرتبة النبوة يأخذ عن الحق تعالی بواسطة الملك والنبوة مشتقة من الإنباء وهو الإخبار بواسطة جبرائيل، عليه السلام.
لكن نبوته فوق رسالته لأن النبوة حديثها حديث جبرائيل معه، عليه السلام، وأما الرسالة، فحديثها حديث البشر فلا يخفى أن النبوة أعلى وقد ذكر الشيخ هذا المعنى في بيت شعر وهو قوله:
مقام النبوة في برزخ     …… دوين الولي وفوق الرسول
ومراده ما ذكرناه وقوله: حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، أمره سهل مما ذكرناه، لأن الرسل من كونهم رسلا هم تحت مرتبة خاتم الأولياء لكن إذا كانوا في مرتبة خاتم الأولياء فالمشكاة المذكورة لهم.
والولاية كما قال الشيخ: لا ينقطع وكلام الشيخ فيما بقي واضح.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فإِن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً.  فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى.)
قال رضي الله عنه : « فإنّ الرسالة والنبوّة أعني نبوّة التشريع ورسالته تنقطعان ، والولاية لا تنقطع أبدا ، فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلَّا من مشكاة خاتم الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء ؟ ! " .
قال العبد أيّده الله به :  من كونه واسطة بينه تعالى وبينهم ، وسمّيت هذه النسبة وسيلة يتوسّل بها إلى الله أمّته ، وولايته عبارة عن النسبة التي بين الله وبين النبيّ من غير وساطة أحد .
أشار إليها بقوله : " لست كأحدكم ، لست كهيئتكم " وسمّاها فضيلة ، وحرّض الأمّة عند الأذان بسؤال هاتين الدرجتين كما تقول له : وأعطه الوسيلة والفضيلة ، فإنّ الفضيلة للنبيّ على أمّته من جهة هذه النسبة التي لا واسطة فيها بين النبيّ وربّه.
ومن حيث هذه النسبة العليّة يأخذ عن الله وينزّل الله عليه الحكم والأحكام الإلهية في نفسه وأمّته بما فيه مصالحهم الظاهرة المعيشية الدنياويّة ومصالحهم الدينية الأخراوية الروحانية .
ثم يوصل من تلك الحكم والأحكام في صور الأوضاع الشرعية الفرعية ، والأوامر والنواهي المرضيّة المرعيّة من حيث النسبة الأولى أعني النبوّة إلى الأمّة ما يليق بأحوالهم ويناسبهم ويدعوهم إلى الله والتعبّد له فيها وبها .
وعلى هذا يكون كلّ نبيّ ينبئ عن الله أمّته بما أمر بإنبائه ممّا أنبأه الله عن نفسه ودينه نبيّا وليّا ، ولا يلزم أن يكون كل وليّ نبيّا ، فالنبيّ إنّما يأخذ نبوّته وأحكام شريعته بولايته ، فإنّ حقيقة الولاية القرب والسلطان والنصرة ،وأنهى درجات القرب ارتفاع الوساطة.
كما قال : « لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » والنبوّة لا تكون إلَّا بواسطة الملك الذي يوحي إلى النبيّ .
فمشكاة الولاية وإن كانت لرسول الله ، ولكنّها تخصّ بالقائم المتعيّن فيها ، فيقال فيها : إنّها مشكاة خاتم الأولياء .
فهذا معنى قوله : رضي الله عنه : « حتّى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلَّا من مشكاة خاتم الأولياء » يعني إذ أشهد الله الرسل والأنبياء علوما وأسرارا خصيصة بالولاية والقرب ، فإنّما يشهدهم من حيث الولاية الخاصّة بمحمّد صلَّى الله عليه وسلَّم أو من حيث الولاية العامّة .
ولا سيّما وسرّ القدر الذي ينافي ويباين علمه علم مقام الدعوة من الأمر والنهي ، كما أومأ إليه أبو العبّاس الخضر عليه السّلام لموسى عليه السّلام بقوله عليه السّلام : « أنا على علم علَّمنيه الله ، لا تعلم أنت ، وأنت على علم علَّمك الله لا أعلمه أنا » .
أي لا ينبغي لكل واحد منّا الظهور بما يباين مرتبته ومقامه .
والنبيّ يأخذ من الحكم الإلهية ما قدّر له أن يأخذ من جهة ولايته على ثلاثة أنحاء :
حكمة تختصّ به دون أمّته .
وحكمة يشارك فيها أمّته .
وحكمة يختصّ بها أمّته دونه .
ولا يأخذ النبيّ هذه الحكم إلَّا من حيث مشكاة الولاية .
ثم لمّا كانت النبوّة نسبة بين الخلق والنبيّ ، فهي منقطعة ولا بدّ ، يعني أنّه لا ينزل الملك إلى أحد بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بشريعة مخالفة لهذه الشريعة أبدا ، فهي منقطعة لذلك .
وأمّا الولاية فغير منقطعة ، لأنّ الأخذ عن الله وإلقاءه وتجلَّيه وتعليمه وإعلامه وإلهامه غير منقطعة أبدا عن أولياء الله ، لأنّ الله سمّى نفسه بالوليّ الحميد ، ولم يسمّ بالنبيّ ولا الرسول ، وإذا لم يكن هذا السرّ المذكور أيضا من شهوده تعالى بالعين الثابتة مشهودا للرسل والأنبياء إلَّا من مشكاة الخاتم الوليّ ، فبالحريّ والأوجب أن لا يشهده الأولياء إلَّا من هذه المشكاة ، فافهم .
قال رضي الله عنه : « وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من الشرائع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه ، فإنّه من وجه يكون أنزل ، كما أنّه من وجه يكون أعلى " .
يعني رضي الله عنه : أنّ الاتّباع والاقتداء بشريعة الرسول الخاتم ، لا يقدح في علوّ مقام خاتم الولاية التابع لخاتم الأنبياء ، فإنّ الولاية من أحد وجوهها الاشتقاقية هي كمال التبعية للرسول الإلهي الحقّ ، ونصرته ونصرة شريعته .
والسلطان الذي يعطي ويورث التابع شرف الاطَّلاع والشهود ، فإنه قد يكون من وجه أعلى منه من وجه آخر ، يعني أنّ التابع من حيث النبوّة ، المتبوع من حيث الولاية هو من ولايته أعلى منه من حيث تابعيّته ، كما أنّه من وجه وباعتبار أنزل منه كذلك . ولا تظنّنّ أنّ الوليّ أعلى من الرسول ، فليس كذلك .
بل الأفضلية بين الوليّ التابع من كونه تابعا جامعا لمراتب الولاية وبين نفسه أيضا من كونه متبوعا ، فهو من كونه متبوعا في مقامات الولاية أعلى منه من كونه تابعا في الشريعة الظاهرة ، فافهم .

شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فإِن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً.  فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى.)
قال رضي الله عنه : ( فإن الرسالة والنبوة أعنى نبوة التشريع ورسالته تنقطعان ) إنما قيد النبوة بالتشريع احترازا عن نبوة التحقيق فإن النبي له جهتان تبليغ الأحكام المتعلقة بحوادث الأكوان والإخبار عن الحق وأسمائه وصفاته وأحوال الملكوت والجبروت .
وعجائب عالم الغيب وهو باعتبار التبليغ رسول وشارع ونبوته تشريعية وباعتبار الأنباء عن الغيب وتعريف الحق بذاته وأسمائه ولى ونبوته تحقيقية .
فرسالة التشريع ونبوته تنقطعان لأنهما كمال له بالنسبة إلى الخلق .
وأما القسم الآخر فمن مقام ولايته التي هي كمال له بالنسبة إلى الحق لا بالنسبة إلى الخلق بل كمال حقانى أبد .
كما قال ( والولاية لا تنقطع أبدا ) فهو باعتبار ولايته أشرف منه باعتبار رسالته ونبوته التشريعية فخاتم الرسالة من حيث الحقيقة هو خاتم الولاية .
ومن حيث كونه خاتما للولاية معدن هذا العلم وعلوم جميع الأولياء والأنبياء وهو مقامه المحمود الذي يبعثه فيه فاعلم ذلك حتى لا تتوهم أنه محتاج في علمه إلى غيره .
وهو معنى قوله ( فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء ) .
قال رضي الله عنه  : "وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه ، فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى "
إشارة إلى أن خاتم الأولياء قد يكون تابعا في حكم الشرع كما يكون المهدى الذي يجيء في آخر الزمان .
فإنه يكون في الأحكام الشرعية تابعا لمحمد صلى الله عليه وسلَّم ، وفي المعارف والعلوم والحقيقة تكون جميع الأنبياء والأولياء تابعين له كلهم .
ولا يناقض ما ذكرناه لأن باطنه باطن محمد عليه الصلاة والسلام ولهذا قيل إنه حسنة من حسنات سيد المرسلين وأخبر عليه الصلاة والسلام بقوله « إن اسمه اسمى وكنيته كنيتي فله المقام المحمود » .
ولا يقدح كونه تابعا في أنه معدن علوم الجميع من الأنبياء والأولياء فإنه يكون في علم التشريع والأحكام أنزل كما يكون في علم التحقيق والمعرفة باللَّه أعلى .

مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فإِن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً.  فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى.)
قال رضي الله عنه : (ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻭﺍﻟﻨﺒﻮﺓ، ﺃﻋﻨﻲ ﻧﺒﻮﺓ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻭﺭﺳﺎﻟﺘﻪ، ﺗﻨﻘﻄﻌﺎﻥ ﻭﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﻻ ﺗﻨﻘﻄﻊ ﺃﺑﺪﺍ).
ﻭﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻭﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﻜﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﺰﻣﺎﻧﻴﺔ ﻓﻴﻨﻘﻄﻊ ﺑﺎﻧﻘﻄﺎﻉ ﺯﻣﺎﻥ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ، ﻭﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﺻﻔﺔ ﺇﻟﻬﻴﺔ، ﻟﺬﻟﻚ ﺳﻤﻰ ﻧﻔﺴﻪ بـ "ﺍﻟﻮﻟﻲ" ﺍﻟﺤﻤﻴﺪ ﻭﻗﺎﻝ: "ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻟﻰ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮﺍ..." ﻓﻬﻲ ﻏﻴﺮ ﻣﻨﻘﻄﻌﺔ ﺃﺯﻻ ﻭﺃﺑﺪﺍ.
ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ ﻷﺣﺪ ﻣﻦ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ، ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ، ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻮﻻﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺑﺎﻃﻦ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ.
ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﺔ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺟﺎﻣﻌﻴﺔ ﺍﻻﺳﻢ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﻟﺨﺎﺗﻢ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﻭﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻇﻬﻮﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﺑﺘﻤﺎﻣﻬﺎ ﻟﺨﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ، ﻓﺼﺎﺣﺒﻬﺎ ﻭﺍﺳﻄﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﻭ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﻭﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ.
ﻭﻣﻦ ﺃﻣﻌﻦ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﺟﻮﺍﺯ ﻛﻮﻥ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﻭﺍﺳﻄﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ، ﻻ ﻳﺼﻌﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﻗﺒﻮﻝ ﻛﻮﻥ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻈﻬﺮ ﺑﺎﻃﻦ ﺍﻻﺳﻢ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ ﻭﺃﻋﻠﻰ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﻭﺍﺳﻄﺔ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻖ. ﻭﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: (ﺃﻋﻨﻲ ﻧﺒﻮﺓ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻭﺭﺳﺎﻟﺘﻪ) ﺳﺮ،
ﻭﻫﻮ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺗﻨﻘﺴﻢ ﺇﻟﻰ ﻗﺴﻤﻴﻦ:
ﻗﺴﻢ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺘﺸﺮﻳﻊ.
ﻭﻗﺴﻢ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻹﻧﺒﺎﺀ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﻭﺃﺳﺮﺍﺭ ﺍﻟﻐﻴﻮﺏ ﻭﺇﺭﺷﺎﺩ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺒﺎﻃﻦ، ﻭﺇﻇﻬﺎﺭ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﻭﺍﻟﻤﻠﻜﻮﺕ، ﻭﻛﺸﻒ ﺳﺮ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺘﺮﺓ ﺑﻤﻈﺎﻫﺮ ﺍﻷﻛﻮﺍﻥ ﻟﻘﻴﺎﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻭﻇﻬﻮﺭ ﻣﺎ ﺳﺘﺮﻩ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺃﺧﻔﻰ.
قال رضي الله عنه : (ﻓﺎﻟﻤﺮﺳﻠﻮﻥ ﻣﻦ ﻛﻮﻧﻬﻢ ﺃﻭﻟﻴﺎﺀ ﻻ ﻳﺮﻭﻥ ﻣﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎﻩ ﺇﻻ ﻣﻦ ﻣﺸﻜﺎﺓ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ، ﻓﻜﻴﻒ ﻣﻦ ﺩﻭﻧﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ).
ﻭﺫﻛﺮ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﻋﻨﻘﺎﺀ ﺍﻟﻤﻐﺮﺏ: (ﺇﻥ ﺃﺑﺎ ﺑﻜﺮ ﺗﺤﺖ ﻟﻮﺍﺋﻪ، ﻛﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺗﺤﺖ ﻟﻮﺍﺀ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ، ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺘﺎﺑﻌﺔ).
قال رضي الله عنه : (ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﺗﺎﺑﻌﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻟﻤﺎ ﺟﺎﺀ ﺑﻪ ﺧﺎﺗﻢ ﺍﻟﺮﺳﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻓﺬﻟﻚ ﻻ ﻳﻘﺪﺡ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻣﻪ ﻭﻻ ﻳﻨﺎﻗﺾ ﻣﺎ ﺫﻫﺒﻨﺎ ﺇﻟﻴﻪ) ﻣﻦ ﺃﻧﻪ ﻣﺘﺒﻮﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ.
ﻭﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﺘﻮﻫﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺑﺨﺎﺗﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺎﺀ ﺍﻟﻤﻬﺪﻯ. ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺸﻴﺦ، ﻗﺪﺱ ﺳﺮﻩ، ﺻﺮﺡ ﺑﺄﻧﻪ ﻋﻴﺴﻰ غليه السلام . ﻭﻫﻮ ﻳﻈﻬﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺠﻢ، ﻭﺍﻟﻤﻬﺪﻯ ﻣﻦ ﺃﻭﻻﺩ ﺍﻟﻨﺒﻲ، ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻭﻳﻈﻬﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﺏ. ﻛﻤﺎ ﺳﻨﺬﻛﺮﻩ ﺑﺄﻟﻔﺎﻇﻪ.
قال رضي الله عنه : (ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ ﻳﻜﻮﻥ ﺃﻧﺰﻝ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ ﻳﻜﻮﻥ ﺃﻋﻠﻰ.) ﻣﻦ ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ ﺃﻧﺰﻝ ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﻭﺟﻪ ﺃﻋﻠﻰ.


خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فإِن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً.  فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى.)
قال رضي الله عنه: "فإن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى. "
والمشار إليه في «العنقاء»، فهو خاتم الولاية للكل، ولذلك (ما يراه) بطريق الكشف (أحد من الأنبياء والرسل) ذكرهما لئلا يتوهم أن للأنبياء خاتما آخر كما للرسل پری الأنبياء من مشكاته دون مشكاة خاتم الرسل لا بل هو واحد، وإن وقع التعدد في خاتم الولاية على ما قررنا (إلا من مشكاة الرسول الخاتم)، وهي ما يلوح له منه نور الكشف، (ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم) لمزيد المناسبة بين كل متجانسين
(حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء)؛ لأنهم أول ما يرونه يرون، وهم أولياء والنبوة تحصل لهم بعد ذلك، وحال الرسالة لا تزول عنهم تلك الرؤية، بل تحصل من المشكاتين جميعا، وبعد انقطاعها تبقى لهم الرؤية من مشكاة خاتم الولاية لا غير.
(فإن الرسالة): وهو تبليغ الاعتقادات الحقة، والأحكام الحكيمة، وما يترتب عليهما (والنبوة) أنباء أسرارها، ومبانيها (أعني: نبوة التشريع ورسالته) قيد بذلك.
لأن النبوة بمعنى: إعلام الحق إياهم بأسراره وإرساله الأملاك إليهم لإكرامهم لا ينقطع أبدا، وهي جهة عالية دائمة بخلاف نبوة التشريع ورسالته فإنهما (تنقطعان) بعد دخول الجنة والنار على ما صرح به في الفص العزيري فتنقطع مشکاتهما فلا تكون جميع أوقات الرؤية أوقات رسالة التشريع ونبوته، (والولاية) التي للأنبياء وغيرهم (لا تنقطع أبدا) فلا تنقطع مشكاتها.
(فالمرسلون من كونهم أولياء) لا من كونهم رسلا أو أنبياء، فإنهم يرونه من مشكاة الرسالة والنبوة التي ليست للتشريع دائما، والتي للتشريع حين (لا يرون ما ذكرناه) من تميز التجلي الذاتي عن الأسمائي بطريق الذوق (إلا من مشكاة خاتم الأولياء)، وإن كانت ولايتهم أكمل من ولايته، إلا أنه الذي ظهر بها دونهم لاختصاصهم بالظهور بالنبوة والرسالة .
""وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى.
وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم؛ وفي تأبير النخل، فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وفي كل مرتبة، وإنما نظر الرجل إلى التقدم في رتب العلم بالله: هنالك مطلبهم.""
يدل على ذلك قول الشيخ في «الفص العزيري»: أن ولاية الأنبياء هي الفاضلة على نبوهم التشريعية دون ولاية الأولياء، ويدل عليه العقل أيضا، وهو أنه لو كان أتم منهم في الولاية؛ لفاضت عليه النبوة والرسالة كما فاضتا على من دونه، على ما هو مقتضى السنة الإلهية في وجوده، ويدل عليه أيضا قول الشيخ هنا: (فكيف من دونهم من الأولياء؟)،
وإذا انتسبت إلى خاتم الأولياء مشكاة الولاية التي منها رؤية الأنبياء صار خاتم الأولياء كأنه متبوع للأنبياء، (وإن كان خاتم الأولياء تابا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع) الذي هو دون ولاية الأنبياء فكيف تابعا لهم في ولايتهم في الحقيقة، وإن كان كأنه متبوع لهم في الظاهر.
(فذلك) أي: كون خاتم الأولياء تابعا في الحقيقة (لا يقدح في) علو (مقامه) الذي أوجب كونه كأنه متبوع للأنبياء باعتبار نسبة مشكاة الولاية إليه، (ولا يناقض) کونه تابعا (ما ذهبنا إليه) من كونه متبوعا بالنسبة إلى أمر واحد، (فإنه) أي: خاتم الأولياء (من وجه يكون أنزل)، وهو النظر إلى الحقيقة يكون فيها تابعا، (كما أنه من وجه يكون أعلى)، وهو النظر إلى الظهور بالولاية التامة يكون فيها متبوعا.

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فإِن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً.  فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى. )
ولذلك قال رضي الله عنه : (حتى أن الرسل لايرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء .)
"فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع " لا نبوة التحقيق الكاشفة عن المواطن المعادية والمواقف المحشرية ، فإن ذلك أيضا من شعاشع أنوار الولاية التي لا تختلف باختلاف الزمان وصروف الدوران (ورسالته تنقطعان) لأنهما مبنیتان لأحوال أفعال مكلفي کل دور من الأدوار الزمانية ، حسبما يقتضيه ذلك الزمان منها ، فتنقرض انقراضها ضرورة (والولاية لاتنقطع أبدا) لأنها الكاشفة عن الحقائق الكلية المستقرة ، على حال واحدة من الأزل إلى الأبد.
(فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلآ مشکاة خاتم الأولياء) ؛ فكيف من دونهم من الأولياء فخاتم الأولياء هو السابق في مضمار هذا النوع من الكمال ،وغيره من لواحقه وتوابعه.
قال رضي الله عنه : (وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه یکون أنزل).
وهو وضع الصور الجزئية والهيئات والأوضاع الجعلية، المنطوية على الحقائق الكمالية، (كما أنه من وجه يكون أعلى)، وهو كشف المعاني الكلية والعلوم اللدنية الذاتية والحقائق الكمالية المعربة عن كنه المراد منها، فيكون متبوعا من وجه، تابعا من آخر، على ما اقتضاه الصورة الوجودية من الأمر الدوري والنظم، الربطي الوحداني الامتزاج.

شرح الجامي لفصوص الحكم الشيخ نور الدين عبد الرحمن أحمد الجامي 898 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (فإِن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً.  فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى. )
قال رضي الله عنه : " فإن الرسالة و النبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا.  فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء؟
وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع "
قال رضي الله عنه : (فإن الرسالة والنبوة) اللتين هما جهة ظاهرية الرسول الخاتم (أعني نبوة التشريع ورسالته) التي هي تبليغ الأحكام المتعلقة بحوادث الأكوان لا نبوة التحقيق التي هي جهة باطنية .
وهي الإنباء عن الحق وأسمائه وصفاته وأسرار الملكوت والجبروت وعجائب الغيب.
(ينقطعان) بانقطاع موطن التكليف بل بانقطاع الرسول الخاتم عن هذا الموطن فكيف يستند إليه ما لا ينقطع.
(والولاية لا تنقطع أبدأ)، فإنها من الجهة تلي الحق سبحانه وهي باقية دائمة ابدا سرمدا وأكمل مظاهرها خاتم الأولياء فلهذا أسندت الرؤية المشار إليها إليه .
ولا يخفى عليك أنه لو فرض عدم انقطاع النبوة لا يصح إسناد هذا العلم إليها أصلا فإنه من حقائق الولاية لا النبؤة .
فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه من العلم الذي يعطى صاحبه السكوت (إلا من مشكوة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء) بحسب نشأته العنصرية (تابعة في الحكم) الإلهي (لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك)، أي كونه تابعا بحسب نشأته العنصرية .
قال رضي الله عنه : " فذلك لا يقدح في مقامه و لا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى. "
قال رضي الله عنه : (لا يقدح في مقامه) الذي يقتضي المتبوعية بحسب حقیقته (ولا يناقض ما ذهبنا إليه) من أن المرسلين لا يرون هذا العلم إلا من مشكوة خاتم الأولياء.
(فإنه من وجه) وهو كونه وليا تابعا بحسب نشأته العنصرية (يكون أنزل) مرتبة من الرسول الخاتم من حيث رسالته (كما أنه من وجه) وهو کونه جهة باطنية الرسول الخاتم باعتبار حقيقته (يكون أعلا) مقاما منه بحسب نبوته وظاهر شرعه.

.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 20 أكتوبر 2018 - 15:58 من طرف عبدالله المسافر

السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة السادسة عشر:
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إِليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم‏ فيهم، وفي تأبير النخل. فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شي‏ء وفي كل مرتبة، وإِنما نظرُ الرجال إِلى التقدم في رتبة العلم باللَّه: هنالك مطلبهم. وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه.)
قال الشيخ رضي الله عنه : ( و قد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم، و في تأبير النخل. فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شي ء و في كل مرتبة، و إنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله: هنالك مطلبهم. و أما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه.  )
(وقد ظهر في ظاهر شرعنا) هذا (ما يؤيد ما ذهبنا إليه) من كون خاتم الولاية أنزل من غيره من وجه وأعلى من غيره من وجه آخر.
وذلك ما ورد (في فضل عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (في) قضية (أسارى بدر) لما اختار النبي عليه السلام وأبو بكر رضي الله عنه افتداهم بالمال معونة للإسلام، واختار عمر رضي الله عنه (بالحكم فيهم) بأن يسلموا أو يقتلوا.
فأنزل الله الوحي على النبي عليه السلام طبق ما اختاره عمر رضي الله عنه حيث قال تعالى : "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)" سورة الأنفال.
حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لو نزل العذاب ما سلم منه إلا عمر».
(و) كذلك (في) قضية (تأبير)، أي تلقيح (النخل) لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لو تركوها لصلحت».
فتركوها فلم تثمر في ذلك العام، فسألوا النبي عليه السلام عن ذلك فقال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم».
وسبب ذلك أنهم تركوها لتصلح فما تركوها في حقيقة الأمر ففسدت (فما يلزم) الإنسان (الكامل أن يكون له التقدم) على غيره (في كل شيء) من أنواع الكمال (وفي كل مرتبة) من مراتبه (وإنما نظر الرجال) الكاملين دائما (إلى) رتبة (التقدم) على الغير (في رتبة العلم بالله) تعالى فقط (هنالك)، أي في رتبة العلم بالله تعالى (مطلبهم) مما هو الكمال عندهم والفضائل والمزايا المعتبرة عندهم في ذلك لا غير (وأما حوادث الأكوان) والتقدم فيها من العلم بتأبير النخل ونحوه (فلا تعلق لخواطرهم بها) وليس وجود ذلك مما یکمل عندهم ولا عدمه مما ينقص (فتحقق) في نفسك (ما ذكرناه ) من الكلام وتحفظ في فمه الاعوجاج الموجب للملام.

شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إِليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم‏ فيهم، وفي تأبير النخل. فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شي‏ء وفي كل مرتبة، وإِنما نظرُ الرجال إِلى التقدم في رتبة العلم باللَّه: هنالك مطلبهم.  وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه.)
فظهر أن المقصود بيان تقدم مرتبة خاتم الأولياء من وجه فقال : (وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه) من أن الشيء الواحد أنزل من وجه وأعلى من وجه (في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم) كما ذكر قصته في كتب التفاسير (و) قد ظهر (في تأبير النخل) كما ذكر حديثه في كتب الأحاديث والفضل ههنا بمعنى الزيادة في هذه المسألة لا بمعنى المفضل والمکرم عند الله.
(فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وفي كل مرتبة) فإن الرسول لم يتقدم فيهما على أصحابه فقال :" أنتم أعلم بأمور دنياكم " لكن هذا التقديم ليس من الأمور التي تثبت بها الفضيلة المعتبرة عند أهل الله لكونه في الأمور الدنية الخسيسة.
فهم وإن كانوا يتقدمون في هذه المرتبة الدنية لكنهم تابعون للرسول في المرتبة الشريفة وهي مرتبة العلم بالله .
فتأخير الرسول في الأمور الدنية عين كماله لأن هذا العلم الذي أخذه الرسول منهم يمد لهم من روحه .
فخاتم الأولياء وإن كان له التقدم في هذا الوجه من رتب العلم بالله لكنه تابع لختم الرسل في رتبة من رتب العلم بالله وهو علم الشريعة الشريفة على كل مرتبة من رتب العلم بالله .
و علی علم خاتم الأولياء الذي أخذه عن الرسول لذلك سمي بالشرع المطهر .
ألا ترى كيف أبي موسى الخضر في العلم اللدني فقال : "قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)" سورة الكهف.
ولم يلزم من أعلمية الخضر من موسى في هذا الوجه أفضليته على موسى لأن الخضر تابع في الحكم بما جاء به موسى من علم التشريع.
وهذا العلم أفضل وأعلى من العلم اللدني (وإنما نظر الرجال) الذي يعلمون الأمور على ما هي عليه ويميزون المراتب (إلى التقدم في رتب العلم بالله هنالك مطلبهم وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها) .
ولما كانت هذه المسألة أعلى المسائل الإلهية وأنفعها أوصى لاهتمامها فقال : (فتحقق ما ذكرناه) فإن الأمر في نفسه على ما بيناه لك


شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي : (وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إِليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم‏ فيهم، وفي تأبير النخل.  فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شي‏ء وفي كل مرتبة، وإِنما نظرُ الرجال إِلى التقدم في رتبة العلم باللَّه: هنالك مطلبهم. وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه.)
قال رضي الله عنه : "ومنا من علم فلم يقل مثل هذا، بل أعطاه العلم السكوت"
لأن المحجوبين لا يقبلون ما يقول وهم الأكثرون ولهم الحكم، فرأى أن السكوت أولى، فكتم ما عنده وهو قادر على الكلام.
وأما قوله: وليس هذا العلم إلا الخاتم الرسل وخاتم الأولياء."
فإني أقول أيضا: إن خاتم الرسل هو أيضا خاتم الأولياء وإن من جاء بعده من أمته ممن حصل له مرتبة خاتم الأولياء هو أيضا خاتم الأولياء، ولا يقدح تعدد الأشخاص إذا كانت المرتبة واحدة ولو كانت الأشخاص بلا نهاية في العدد.
وقد قال قائلهم شعرا :
لو أنهم ألف ألف في عددهم     ……. عادوا إلى واحد فرد بلا عدد
فما لخاتم الأولياء مزية في الختمية إلا أن كان بالسبق" الزماني ولا أثر له " إلا إنا نعلم أن الولاية مرتبتها فوق مرتبة النبوة، والنبوة مرتبتها فوق مرتبة الرسالة.
فإذا جمعت الثلاثة لواحد كما جمعت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فهو ولي نبي رسول إلا أن ولايته فوق نبوته، ونبوته فوق رسالته، لأن الولاية هي حاله، عليه السلام، عندما قال: «لي وقت لا يسعني فيه غير ربي» فهو يلي الحق ويأخذ عن الحق تعالی بلا واسطة الملك.
وفي مرتبة النبوة يأخذ عن الحق تعالی بواسطة الملك والنبوة مشتقة من الإنباء وهو الإخبار بواسطة جبرائيل، عليه السلام.
لكن نبوته فوق رسالته لأن النبوة حديثها حديث جبرائيل معه، عليه السلام، وأما الرسالة، فحديثها حديث البشر فلا يخفى أن النبوة أعلى وقد ذكر الشيخ هذا المعنى في بيت شعر وهو قوله:
مقام النبوة في برزخ     …… دوين الولي وفوق الرسول
ومراده ما ذكرناه وقوله: حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، أمره سهل مما ذكرناه، لأن الرسل من كونهم رسلا هم تحت مرتبة خاتم الأولياء لكن إذا كانوا في مرتبة خاتم الأولياء فالمشكاة المذكورة لهم.
والولاية كما قال الشيخ: لا ينقطع وكلام الشيخ فيما بقي واضح.
وقوله في تفضيل عمر في قصة أسارى بدر: هو أن النبي، صلى الله عليه وسلم، شاور الصحابة، رضي الله عنهم، في قتل الأسرى فأشار عليه أبوبكر أن يأخذ منهم الفدية ويطلقهم.
فقال عمر بن الخطاب: ما أر