المواضيع الأخيرة
» 04 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 - 11:11 من طرف عبدالله المسافر

» شرح "18" تجلي السماع والنداء .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأحد 9 ديسمبر 2018 - 9:01 من طرف عبدالله المسافر

» 04 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .شرح داود القيصرى فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
السبت 8 ديسمبر 2018 - 18:44 من طرف عبدالله المسافر

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "66" إني أغار إذا سمعت واحدا يقول الله الله وهو يرى غیره
السبت 8 ديسمبر 2018 - 15:46 من طرف عبدالله المسافر

» 4 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .شرح القاشاني كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 8 ديسمبر 2018 - 2:06 من طرف عبدالله المسافر

» شرح البيت "5" فإن ذكرت في الحي أصبح أهله نشاوی .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 19:10 من طرف عبدالله المسافر

» شرح الابيات 41 - 50 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 18:55 من طرف عبدالله المسافر

» شرح البيت "5" فإن ذكرت في الحي أصبح أهله نشاوى .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 18:42 من طرف عبدالله المسافر

» 04 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 20:41 من طرف الشريف المحسي

» السفر الرابع فص حكمة قدوسية فى كلمة إدريسية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 19:04 من طرف الشريف المحسي

» 4- فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 15:07 من طرف الشريف المحسي

» المرتبة الرابعة الظهور الصرف .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 15:36 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الثانية الوجود المطلق .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 15:26 من طرف عبدالله المسافر

» شرح خطبة الشيخ الأكبر لكتاب فصوص الحكم .كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ الشريف ناصر بن الحسن الحسيني السبتي الكيلاني
الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 23:49 من طرف عبدالله المسافر

»  المرتبة الثالثة الواحدية .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الأحد 2 ديسمبر 2018 - 14:59 من طرف عبدالله المسافر

» 4 - فصّ حكمة قدّوسية في كلمة إدريسيّة .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 2 ديسمبر 2018 - 12:57 من طرف عبدالله المسافر

» فصل شريف ونص لطيف في سبب الاختلافات الواقعة في الكشوف والأذواق .كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ الشريف ناصر بن الحسن الحسيني السبتي الكيلاني
السبت 1 ديسمبر 2018 - 15:53 من طرف عبدالله المسافر

» 4 - فك ختم الفص الادريسى .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السبت 1 ديسمبر 2018 - 14:27 من طرف عبدالله المسافر

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "65" الدرس الخامس والستون السائل هدية الله عز وجل إلى عبده
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 19:14 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"3" ولولا شذاها ما اهتديت لحانها، .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 17:50 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "4" ولم يبق منها الدهر غير حشاشة .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 17:28 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"4" ولم يبق منها الدهر غير حشاشة .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 17:26 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 31 - 40 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 15:18 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 21 - 30 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الجمعة 16 نوفمبر 2018 - 8:26 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "3" ولولا شذاها ما اهتديت لحانها .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الجمعة 16 نوفمبر 2018 - 7:49 من طرف الشريف المحسي

» شرح "17" تجلي العدل والجزاء .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 11:43 من طرف الشريف المحسي

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "64" الدرس الرابع والستون يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة
الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 10:51 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "2" لها البدر كأس وهي شمس يديرها .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 13:23 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "1" شربنا على ذكر الحبيب مدامة كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 13:23 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"1" شربنا على ذكر الحبيب مدامة .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 10:31 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"2" لها البدر كأس وهي شمس يديرها .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 10:29 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة الشارح القيصري لكتاب شرح القصيدة الميمية - الخمرية لابن الفارض شرح الشيخ داود القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 12:20 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة المحقق كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 11:53 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 11 - 20 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 7:59 من طرف الشريف المحسي

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "63" الدرس الثالث والستون وحرمنا عليهم المراضع من قبل
الجمعة 9 نوفمبر 2018 - 11:20 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 01 - 10 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الخميس 8 نوفمبر 2018 - 13:56 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة كتاب شرح التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الخميس 8 نوفمبر 2018 - 13:47 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة شرح خمرية شرف الدين عمر ابن الفارض رضي الله عنه للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 11:45 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة المصنف الشيخ ناصر بن الحسن الشريف الحسيني السبتي .كتاب حكم الفصوص وحكم الفتوحات المسمى مجمع البحرين في شرح الفصين
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 9:11 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة المحقق لكتاب حكم الفصوص وحكم الفتوحات المسمى مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ الشريف ناصر بن الحسن الحسيني السبتي الكيلاني
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 8:23 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 3 نوفمبر 2018 - 7:25 من طرف عبدالله المسافر

» 3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:56 من طرف عبدالله المسافر

» 2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:24 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 20:04 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثالث عن الماهيات .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 16:54 من طرف عبدالله المسافر

»  03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح الجامي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 11:59 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فصّ حكمة سبّوحيّة في كلمة نوحيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 8:12 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 7:45 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 18:43 من طرف عبدالله المسافر

» 3 - ﻓﺺ ﺣﻜﻤﺔ ﺳﺒﻮﺣﻴﺔ ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺔ ﻧﻮﺣﻴﺔ .شرح داود القيصرى فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 17:23 من طرف عبدالله المسافر

» 3 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح القاشاني كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 15:39 من طرف عبدالله المسافر

» 3. فصّ حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 14:59 من طرف عبدالله المسافر

»  3 - فك ختم الفص النوحى .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 8:39 من طرف الشريف المحسي

» فصل من المقدمة للشارح في أن الله تعالى يبصر الأشياء وهي معدومة العين .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 8:02 من طرف الشريف المحسي

» في معنى قوله والذين هم على صلاتهم دائمون .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 7:46 من طرف الشريف المحسي

» باب ترجمة .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 7:28 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة المحقق لكتاب مفتاح الغيب لأبي المعالي صدر الدين القونوي شرح الشيخ محمد بن حمزة الفناري
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 16:32 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الثانية الوجود المطلق .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 10:14 من طرف عبدالله المسافر

» في بيان الصلاة الوسطى، أي صلاة هي ولماذا سميت بالوسطى؟ .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 9:29 من طرف عبدالله المسافر

» باب ترجمة القهر .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 9:03 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "62" المجلس الثاني والستون كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 8:39 من طرف عبدالله المسافر

» مطلب للشارح في بيان أن الموجود العلمي إنما اتصف بالإدراك في حضرة العلم لأنه عين الذات .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 11:12 من طرف عبدالله المسافر

» الشيخ الأكبر ابن العربي في إسرائه مع المخاطبة بآدم عليه السلام .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 7:17 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثاني والثلاثون في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 1:38 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 28 أكتوبر 2018 - 23:56 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الثالث فص حكمة سبوحية فى كلمة نوحية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأحد 28 أكتوبر 2018 - 0:55 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة أسرار التكبير .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السبت 27 أكتوبر 2018 - 12:51 من طرف عبدالله المسافر

» فصل الحق أوجد الأشياء لأنفسها لا له للشارح الشيخ عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
السبت 27 أكتوبر 2018 - 8:15 من طرف عبدالله المسافر

» مصطلحات الفيض - الفيض الأقدس - الفيض المقدس - المفيض .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الجمعة 26 أكتوبر 2018 - 11:09 من طرف الشريف المحسي

» فصل عن انتقالات العلوم الإلهية للشارح الشيخ عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الخميس 25 أكتوبر 2018 - 15:58 من طرف الشريف المحسي

» من التنزلات في معرفة النية والفرق بينهما وبين الإرادة والقصد والهمة والعزم والهاجس .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 25 أكتوبر 2018 - 14:49 من طرف الشريف المحسي

»  مقدمة الشارح الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الأربعاء 24 أكتوبر 2018 - 14:39 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 - 1:27 من طرف عبدالله المسافر

» في تلقي الرسالة وشروطها وأحكامها .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 4:18 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "61" المجلس الحادي والستون وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 1:25 من طرف عبدالله المسافر

» شرح "16" تجلي الجود .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأحد 21 أكتوبر 2018 - 13:18 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة مقام الرسالة ومقام الرسول من حيث هو رسول ومن أين نودي وأين مقامه والخلافة والنبوة والولاية والإيمان والعالم والجاهل و الظان والشاك والمقلدين لهم .كتاب التنزلات الموصلية
الأحد 21 أكتوبر 2018 - 0:16 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيئية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 20 أكتوبر 2018 - 11:52 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 20 أكتوبر 2018 - 1:58 من طرف عبدالله المسافر

» الفرق بين العلم و المعرفة موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
السبت 20 أكتوبر 2018 - 0:47 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 23:27 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 11:49 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة كون الرسول من جنس المرسل إليه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 17:29 من طرف الشريف المحسي

» کتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام . الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 10:28 من طرف عبدالله المسافر

» في سر وضع الشريعة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
السبت 13 أكتوبر 2018 - 14:27 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 11:47 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل "الثاني مرتبة الألوهية والتعين الثاني والأعيان الثابتة" .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 10:06 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 10:35 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "60" المجلس الستون من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه
الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 9:20 من طرف عبدالله المسافر

» الألوهة - الألوهية - الآلي - الألوهي - سر الألوهية - المألوه المطلق .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 13:39 من طرف عبدالله المسافر

» شرح خطبة الكتاب للشارح الشيخ صائن الدين التركة لكتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 10:19 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة الشارح الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 9:44 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الختم "سفر خطبة الكتاب" فص حكمة ختمية في كلمة محمدية موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 11:29 من طرف عبدالله المسافر

» مصطلح الأعراف - أهل الأعراف - أصحاب الأعراف .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14:09 من طرف الشريف المحسي

» مصطلح منازل الطريق للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14:02 من طرف الشريف المحسي

» نشأة وتركيب كل إنسان من آدم وما فيها من العناصر ناري هوائي مائي ترابي . موسوعة المصطلحات و الأشارات
الأحد 23 سبتمبر 2018 - 19:43 من طرف الشريف المحسي

» مصطلحات السفر و المسافر و الأسفار الستة فى موسوعة المصطلحات و الأشارات
السبت 22 سبتمبر 2018 - 11:15 من طرف الشريف المحسي

» الأسفار الستة المحمدية الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الخميس 20 سبتمبر 2018 - 16:49 من طرف الشريف المحسي

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "59" المجلس التاسع والخمسون من تواضع لله رفعه الله
الأربعاء 19 سبتمبر 2018 - 16:02 من طرف الشريف المحسي





2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

اذهب الى الأسفل

02112018

مُساهمة 

2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي




2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

شرح الشيخ عبد الغني النابلسي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية

هذا نص الحكمة الشيثية .
ذكره بعد حكمة آدم عليه السلام، لأن شيث أول مولود کامل من بني آدم وهو أول الأنبياء عليه السلام (ومن ذلك)، أي من بعض تلك الحكم والكلم المذكورة .
(فص حكمة نفثية) كما سبق (في كلمة شيثية).
إنما اختصت كلمة شيث عليه السلام بالنفثية، لأن الروح لها في كل جسد مسوي نفخ أمري يستعد له ذلك الجسد كما مر، وهذا عام، ثم إذا كان الجسد المسؤى المنفوخ فيه قابلا لظهور الاستواء الرحماني فيه على الوجه التام نفث فيه ذلك الروح الأمري، وهذا خاص بالأنبياء عليهم السلام والورثة من الأمة لهم نصيب من ذلك من مقام ولا يأتهم على وجه خاص غير الوجه الذي تنال الأنبياء عليهم السلام من مقام نبواتهم.
وهذا النفث نوع من أنواع الوحي، وهو نفخ مع زيادة بلل يخرج معه من النافخ بخلاف النفخ كما تقدم والبلل رطوبة منبعثة من فم النافخ إن كان له فم.
والنفخ هواء منبعث من جوف النافخ تدفعه حرارة قلبه إلى الخارج، ونفخ الروح الأمري الإلهي مشبه بذلك على التنزيه التام.
لأن الحضرة العلمية باطن الحق تعالی وفيها جميع الأشياء ملكا وملكوتا .
فلما تجلى الله تعالى باسمه الباعث بث ما في علمه في حضرة الإمكان إجمالا، فسمي هذا المبثوث الإجمالي روحا كلية وعالم الأمر، ثم تفصل منه ذلك الإجمال بتجلي آخر رحماني فسمي خلقا .
و قال الله تعالى: "ألا له الخلق والأمر" 54 سورة الأعراف. فإذا ظهر للإنسان وانكشف لعلمه الحادث التجلي الأول الأمري يسمى وحيا ولا بد معه من رطوبة جديدة .
فيقال عنه بسببها إنه نفث، وجميع الأنبياء عليهم السلام لا ينطقون عن الهوى "إن هو إلا وحي يوحى " كما قال في نبينا عليه السلام : "وما ينطق عن الهوى
في إن هو إلا وحي يوحى" 3-4 سورة النجم. والضمير إما إلى النطق أو إلى فاعل النطق وهو نبينا عليه السلام، وكونه هو وحي يوحى على معنى ما ذكرنا، فإن روحه
المنفوخة فيه هي حقيقة نفث روح القدس في روعه كما قال صلى الله عليه وسلم عليه السلام :"نفث روح القدس في روعي أن نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته» الحديث.
والنطق على قسمين نطق اللسان وهو منبعث عن القلب ونطق القلب .
فنطق القلب منبعث عن الروح الأمري فهو في أصحاب القلوب وحي يوحى، وفي أصحاب النفوس وسوسة.
ثم إن آدم عليه السلام لما توجه على حواء في وقت إيداع نطفته في رحمها نطق قلبه ، بما نفث في روعه من الوحي الأمري.
فكانت نطفته بمنزلة العبادة اللفظية فترجمت معنى الوحي النفثي، وكان هذا أول ما صدر في النوع الإنساني.
ولهذا سماه شيث عليه السلام، وشيث معناه العطية ، يعني عطية الله تعالی.
ولما ظهر روح القدس في صورة بشر لمريم عليهما السلام، ونفخ فيها، خرج مع نفخه رطوبة من فم الصورة البشرية كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالی فكان عیسی مخلوق عن نفث أمري .
نظير شيث عليه السلام إلا أن شيث عليه السلام كان عن نفث في نبي نفثة باطنية. وعيسى عليه السلام عن نفث في ولي نفثة ظاهرية ، فعیسی کلمة الله الظاهرة وشيث كلمة الله الباطنة. ولهذا قال في كلمة شيئية فنسب شیث عليه السلام إليها .
قال رضي الله عنه : ( اعلم أن العطايا و المنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد و على غير أيديهم على قسمين: منها ما يكون عطايا ذاتية، عطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معين و عن سؤال غير معين. ومنها ما لا يكون عن سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية. فالمعين كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعين أمرا ما لا يخطر له سواه , و غير المعين كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي من غير تعيين , لكل جزء من ذاتي من لطيف و كثيف. )
(اعلم) أيها المريد السالك (أن العطايا والمنح) القليلة والكثيرة (الظاهرة في) هذا (الكون) الحادث (على أيدي العباد) من بني آدم وغيره من سائر الأشياء ولو جمادة يعطي خاصية أو زمانا.
كذلك (أو على غير أيديهم) کالعطايا والمنح الصادرة من الحق تعالى بلا واسطة أحد، وكل هذه عطايا إلهية ومنح ربانية وهي (على قسمين):
قسم (منها ما)، أي عطايا ومنح (تكون)، أي تلك العطايا والمنح (عطايا) ومنحة (ذاتية) منسوبة إلى ذات الحق تعالی كأحوال الذاتيين من أهل الله تعالى، فإن جميع أمورهم يأخذونها عن ذات الحق تعالى من غير واسطة اسم ولا رسم، وهي أعلى العطايا على الإطلاق، وتسميتها عطايا عندهم باعتبار تنزلها إلى حضرة الأسماء، لأن المعطي من الأسماء وإلا فهي لا اسم لها يخصها عندهم، وإن كانت عند غيرهم من الأسمائيين مسماة بأسماء على حسب رؤيتهم في مقامهم.
(و) قسم منها (عطايا) ومنحة (أسمائية) منسوبة إلى الأسماء الإلهية كأحوال الاسمائيين من أهل الله تعالى. وهذان القسمان يحصران جميع العطايا والمنح الواقعة في هذا العالم للمؤمن والكافر والعارف والمحجوب سواء علمت أو لم تعلم
(وتتميز عند أهل الأذواق العارفين) بالله تعالی خاصة، فلا يميز بينها غيرهم سواء کانوا ذاتيين أو اسمائيين.
واعلم أن الذوق حالة فوق العلم، والفرق بينهما أن العلم هو الإحاطة بأوصاف الشيء تصورا وتخيلا.
وأما الذوق فهو معرفة ذات الشيء مخالطة وامتزاجا، والممتزجان شيئان لا شيء واحد لكن بينهما غاية القرب، وقد غلط بعضهم فسمي ذلك اتحاد ولا يصح الاتحاد عندنا أبدا، لأن أحد الممتزجين إن زال وبقي الآخر فهو واحد لا اثنان اتحدا.
وإن بقيا فهما اثنان فأين الاتحاد؟
والعبد والرب لا يفترقان أبدا إذ لا وجود لعبد بلا رب ولا ظهور لرب بلا عبد، فإن زالت الوسائط الوهمية بينهما وتحقق العبد بكمال القرب فهو الامتزاج عندنا، ومعلوم أن الممتزجين لهما صورة مخصوصة في حالة الامتزاج ليست لكل واحد منهما في حالة انفراده ولا امتزاج في الحقيقة إذ لا مساواة بين العبد والرب.
فالعبد معدوم والرب موجود ولكن المعدوم إذا اقترن بالموجود اكتسب منه الوجود المناسب له.
أرأيت أن النور إذا قابل الظلمة اكسبها نورا يليق بها فيزول سوادها في عين الناظر ببياض النور المشرق عليها.
وهي في ذاتها ظلمة على ما هي عليه ثم الكشف عن هذا الامتزاج هو حقيقة الذوق المراد هنا (كما أن منها)، أي من تلك العطايا والمنح (ما يكون)، أي يوجد عند المعطي والممنوح (عن سؤال) صدر منه (في) أمر (معين) عنده (و) منها ما يكون (عن سؤال) صدر منه (في) أمر (غیر معین) عنده (ومنها ما لا يكون)، أي يوجد (عن سؤال) ملفوظ به أصلا فهذه ثلاثة أنواع (سواء كانت العطية) والمنح فيها (ذاتية أو أسمائية) كما سبق (فالمعين) الذي يقع السؤال فيه (كمن يقول) في دعائه (یا رب أعطني كذا فيعين) بإشارته (أمرا ما)، أي ذكر شيئا معينا يطلبه من الله تعالى دنيويا أو أخرويا.
(لا يخطر له) في وقت دعائه (سواه).
(و) أما (غير المعين) الذي يقع السؤال فيه فهو كمن يقول في دعائه : (یا رب أعطني ما)، أي شيئا (تعلم فيه مصلحتي) في الدنيا والآخرة (من غير تعيين) منه (لكل جزء) مما فيه مصلحة (ذاتي) له، أي متعلق بکماله الذاتي (من لطيف) روحاني كالمعرفة والشهود (وكثيف) جسمانی کالمأكل والمشرب والمنكح .
قال رضي الله عنه : (و السائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا. و الصنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أن ثم أمورا عند الله قد سبق العلم بأنها لا تنال إلا بعد السؤال ، فيقول: فلعل ما نسأله فيه سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم الله و لا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. و لو لا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل.)
(والسائلون)، أي الذين يطلبون من الله تعالى حوائجهم ومصالحهم (صنفان) :
الصنف الأول : (صنف بعثه)، أي إهاجة وأثاره (على السؤال)، أي الطلب من الله تعالى (الاستعجال) بحاجته من غير تأخير لها (الطبيعي)، أي المركوز في طبيعة الآدمي من أصل خلقته بأن جرى على مقتضى عادته وجبلته من غير تكلف وصاحب هذا القسم من العامة (فإن الإنسان) من بني آدم ذكرا أو أنثى (خلق)، أي خلقة الله تعالی (عجولا)..
أي كثير العجلة في الأمور لما أنه منفوخ فيه من روح دون غيره من الحيوان، وروح الله من أمر الله وأمر الله كلمح البصر، فاقتضى العجلة.
لذلك قال تعالى : " وما أعجلك عن قومك يا موسى "83 سورة طه .
قال :"قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك ربي لترضى " 84 سورة طه.
فقد عجل عن قومه إلى ربه فأسرع مفارقتهم وهو لمح البصر الذي شبه به أمر الله تعالى : "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " 50 سورة القمر .
والتحق بأمر الله تعالى زيادة كشف له عما هو فيه، فلزم من ذلك أن قومه عبدوا العجل المشتق من العجلة التي كانت له عليه السلام في مفارقتهم.
وزعموا أن ما عجل إليه وهو ربه عين ما عبدوه هم لالتباس الأمر عليهم بالخلق حيث كان تعالى له الخلق والأمر: "فقالوا هذا إلهكم وإله موسى" 88 سورة طه.
وقال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم : "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه "114 سورة طه.
والقرآن أمره تعالى الذي ظهرت عنه خلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو التفاته إلى عالم الأمر في وقت التبليغ، فنهى عن ذلك لئلا يقع الإجمال في تفصيله فيخرج عن كونه عربيا مبينا .
(والصنف الآخر) : من السائلين (بعثه على السؤال)، أي طلب حاجته من ربه (لما علم) يقينا بطريق الإجمال (أن ثمة)، أي هناك يعني في عالم القضاء والقدر (أمورا) غير معلومة بالتفصيل (عند الله) تعالی بيان لقوله ثمة (قد سبق العلم) الإلهي (بأنها)، أي تلك الأمور (لا تنال)، أي لا تحصل لأحد (إلا بعد سؤال) منه لها بأن يدعو الله تعالى بحصولها فتحصل له لما أن ذلك السؤال من جملة ما سبق به العلم القديم.
فكون تلك الأمور لا تحصل إلا بالسؤال كونها مرتبة عليه في حضرة علم الله تعالى، فإذا حصل السؤال حصلت تلك الأمور، ولا بد أن يحصل السؤال فلا بد أن تحصل تلك الأمور.
وليس توقفها على ذلك السؤال توقف مشروط على شرط إلا بحسب ما يظهر للعقول إن الله غني في إيجاد كل شيء عن الاحتياج إلى شيء، بل توقفها على السؤال توقف أحد المترتبات على ما قبله .
(فيقول) ذلك الصنف الآخر من السائلين (لعل ما)، أي الذي (نسأله)، أي نطلبه منه (سبحانه) وتعالى من الأمور (یکون)، أي يوجد في علم الله تعالى (من هذا القبيل) قد سبق العلم الإلهي بأنه لا يحصل إلا بعد سؤال (فسؤاله) ذلك (احتياط)، أي قبوله واعتباره لما يجده فيه من السؤال الذي قدره الله تعالى عليه وخلقه فيه غير مذموم عنده لاحتمال أن يكون ذلك المطلوب له مترتبا في علم الله تعالى على ذلك السؤال فهو يحتاط (لما هو الأمر عليه) في نفسه (من الإمكان) السائغ عنده في بعض الأمور التي يعطيها الله تعالى لعباده .
(وهو)، أي ذلك الصنف من السائلين (لا يعلم ما في علم الله) تعالى من خصوص الأمر الذي لا يحصل إلا بعد سؤال.
أو يحصل من غير سؤال إذ علم الله تعالى قديم لا يحل في حادث ولا يحل فيه حادث ، فيوجد فيه المعلوم الحادث على حسب ما يليق بقدمه، فهو قديم ومعلومه قدیم، ويوجد في الحادث بما شاء الله تعالى.
كما قال : "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " 255 سورة البقرة.
وإذا وجد في الحادث كان على حسب ما يليق بحدوثه، فهو حادث ومعلومه حادث، فصح أنه لا يعلم ما في علم الله تعالى أحد لا ملك ولا نبي ولا ولي .
وأما بالوحي والإلهام فهو إعلام بما يليق بالحادث لا بما يليق بالقديم، وهذا المقدار إذا وجد عند الحادث يصح أن يكون علم من علم الله تعالى وصل إليه وحيا أو إلها ما فيكون سؤاله حينئذ لذلك الأمر الذي علم أنه لا يحصل إلا بعد السؤال.
مبنيا على ما وجده من الوحي أو الإلهام، والوحي يفيد اليقين، والإلهام يفيد غالب الظن.
ويجوز بنیان مثل ذلك على غالب الظن، فيصير ذلك باعث على السؤال عنده (و) هو (لا) يعلم أيضا (ما)، أي الذي (يعطيه استعداده)، أي تهيؤه بنفسه (من القبول) لذلك الأمر الذي طلبه من الله تعالى و لسؤاله قبله أو لسؤاله فقط أو لحصوله فقط (لأنه من أغمض)، أي أدق وأخفى (المعلومات عند العباد الوقوف)، أي الاطلاع والكشف (في كل زمان فرد)، وهو الجزء الذي لا يتجزأ من الزمان وهو یوم الله الذي قال تعالى عنه : "كل يوم هو في شأن" 29 سورة الرحمن.
وقال لموسى عليه السلام: "وذكرهم بأيام الله" 5 سورة إبراهيم.
في كل يوم من أيامه هذه، أمر هو شأنه في ذلك اليوم وهو اليوم الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار.
كما قال تعالى في وصف العارفين به: "يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)" سورة النور.
(على استعداد الشخص) لما استعد له (في ذلك الزمان) القليل من الأمور التي قدرها الله تعالى وقضى بها عليه في الأزل.
فإن لله تعالى على كل شخص بخصوصه قضاء وقدرا أزليين بأمور أرادها الله تعالى له من الأزل في كل لمحة بصر.
فالله تعالى : "كل يوم هو في شأن" 29 سورة الرحمن.
بالنسبة إلى خصوص كل إنسان، ولم يسبق قضاء الله تعالى وقدره على ذلك الشخص بخصوصيته بتلك الأمور التي أرادها الله تعالى له إلا على حسب ما استعد له ذلك الشخص في تلك اللمحة البصرية.
فوقوف ذلك الشخص على استعداده لتلك الأمور في تلك اللمحة البصرية من أصعب العلوم وأخفاها.
فسؤاله حينئذ مبني على عدم اطلاعه على استعداده ما هو، فهل هو استعداد للسؤال فقط من غير حصول المطلوب؟
أو استعداد الحصول المطلوب من غير سؤال، أو للسؤال و لحصول المطلوب معين فيسأل احتياطا لذلك.
(ولولا ما أعطاه الاستعداد) الذي له في ذلك الزمان الذي سئل فيه (السؤال) الذي صدر منه (ما سأل) فسؤاله إنما كان منه على حسب استعداده فإن حصل مطلوبه في وقت سؤاله كان استعداده في ذلك الوقت السؤال و لحصول المطلوب معا، لهذا أعطاه الله تعالى ذلك على حسب استعداده له كما قال تعالى : "الذي أعطى كل شيء خلقه" 50 سورة طه.
فقبل ما استعد له من السؤال وحصول المطلوب .
وإن تأخر مطلوبه إلى وقت آخر وحصل له في وقت آخر من غير سؤال كان استعداده في ذلك الوقت الذي سئل فيه للسؤال فقط من غير حصول المطلوب، فأعطاه الله تعالى ما استعد له من ذلك.
كان استعداده في الوقت الآخر لحصول المطلوب فقط من غير سؤال، فأعطاه الله تعالى ذلك أيضا فحصل مطلوبه في ذلك الوقت الآخر من غير سؤال.
وإن لم يحصل مطلوبه لا في وقت سؤاله ولا بعده كان استعداده في وقت سؤال لسؤاله فقط.
فأعطاه الله تعالی ما استعد له من ذلك وهو سؤاله فقط.
ولم يستعد لحصول مطلوبه لا في وقت سؤاله ولا بعده، فلم يعطه الله تعالى ذلك. لأن العطاء على حسب الاستعداد ولا استعداد فيه إلا للسؤال فأعطاه السؤال فقط.
وإن حصل مطلوبه في وقت آخر لسؤال كان استعداده في ذلك الوقت للسؤال فقط من غير حصول المطلوب، فأعطاه الله تعالى السؤال بلا حصول المطلوب.
ثم إن كان استعداده في الوقت الآخر للسؤال أيضا ولحصول المطلوب فأعطاه الله تعالى ذلك فسأل وحصل مطلوبه.
وقد يكون استعداده في أوقات متعددة للسؤال فقط من غير حصول المطلوب، فيتكرر السؤال في تلك الأوقات كلها من غير حصول المطلوب ويكون حصول المطلوب في وقت آخر من غير سؤال.
فيحصل في ذلك الوقت بلا سؤال، وقد يكون بسؤال فيحصل بسؤال وهكذا أحكام السائلين والحاصلين على مطلوبهم إلى يوم القيامة .
قال رضي الله عنه : (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد. و هم صنفان: صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم، و صنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف.)
(فغاية) أمر (أهل الحضور) مع الله تعالى (الذين لا يعلمون) من قبل حصول ما استعدوا له فيهم (مثل هذا) الاستعداد الذي فيهم أو في غيرهم:
لحصول السؤال والحصول معا.
أو السؤال فقط.
أو الحصول فقط.
أو السؤال فقط في وقت والحصول فقط في وقت آخر.
أو السؤال فقط في وقت والحصول مع السؤال في وقت آخر.
أو السؤال فقط بلا حصول مطلقا.
أو السؤال مكررا.
أو الحصول بعده فقط من غير سؤال.
أو بسؤال (أن يعلموه)، أي الاستعداد على ما ذكرنا (في الزمان الذي يكونون)، أي يوجدون فيه) سبب قبولهم لما أعطاهم الله تعالى من السؤال والحصول معا أو شيء مما ذكرنا فيطلعون على استعدادهم بقبولهم ذلك .
(فإنهم)، أي أهل الحضور (لحضورهم) مع الله تعالى في جميع أحوالهم مراقبين له تعالی به لا بأنفسهم يعلمون من أنفسهم جميع (ما)، أي الذي (أعطاهم الحق) تعالى (في ذلك الزمان) الفرد من المنح الربانية والمواهب الرحمانية (و) يعلمون أيضا (أنهم ما قبلوه إلا بالاستعداد) الذي فيهم لقبوله في ذلك الزمان، ولولا ذلك الاستعداد في ذلك الزمان ما قبلوه سواء سبق علمهم به على علمهم بالاستعداد القبوله، أو سبق علمهم بالاستعداد لقبوله على العلم به ولهذا قال :
(وهم)، أي أهل الحضور المذكورون (صنفان: صنف يعلمون من قبولهم) لما أعطاهم الحق تعالی استعدادهم لذلك فعلمهم بالاستعداد مأخوذ من القبول، لأنه فرع الاستعداد ووجود الفرع دليل على وجود الأصل (وصنف) آخر (يعلمون من استعدادهم) الذي يجدونه فيهم ويكشفون عنه ببصائرهم المنورة (ما) أي الذي (يقبلون) مما يعطيهم الحق تعالی، فعلمهم بالقبول مأخوذ من الاستعداد استدلالا بالأصل على الفرع.
وهذا الصنف الثاني (أتم ما)، أي شيء (يكون في معرفة الاستعداد) الذي هو في هذا الصنف الثاني، فإن الصنف الأول استدلوا بوجود قبولهم لما أعطاهم الحق تعالى على وجود استعدادهم لذلك، فقد تأخر علمهم باستعدادهم إلى أن ظهر قبولهم لما استعدوا له، فعلموا استعدادهم من قبولهم، فهم أنقص مرتبة في معرفة استعدادهم.
والصنف الثاني اطلعوا على استعدادهم أولا لما يعطيهم الحق تعالی باطلاع الله تعالى لهم على ذلك، فلما عرفوا استعدادهم عرفوا قبولهم لما استعدوا الله، فقد تقدم علمهم بالاستعداد على علمهم بالقبول، فعلموا قبولهم من استعدادهم وهي أكمل مرتبة في معرفة استعدادهم.
قال رضي الله عنه : (و من هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال و لا للإمكان، وإنما يسأل امتثالا لأمر الله في قوله تعالى: «ادعوني أستجب لكم».
فهو العبد المحض، و ليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معين أو غير معين، و إنما همته في امتثال أوامر سيده.
فإذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إذا اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتلي أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم الله تعالى به،
ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه الله عنهم. و التعجيل بالمسئول فيه و الإبطاء للقدر المعين له عند الله. فإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة، و إذا تأخر الوقت إما في الدنيا و إما إلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبيك من الله فافهم هذا.)
ومن هذا الصنف الثاني (من يسأل) ربه حاجة (لا للاستعجال) الذي خلق عليه العبد كما في الصنف الأول من أصناف السائلين (ولا للإمكان)، أي إمكان أن يكون حصول حاجته موقوفا على السؤال لعلمه أن ثمة أمورة لا تنال إلا بعد سؤال، فيحتاط في حاجته لاحتمال أن تكون من هذه الأمور، وهو الصنف الثاني من أصناف السائلين (وإنما يسأل) من ربه حاجته (امتثالا)، أي لأجل الامتثال اللازم عليه (لأمر الله) تعالى (في قوله تعالى: "أدعوني") أي اسألوا مني حوائجكم (" أستجب لكم") 60 سورة غافر .
أي أعطيكم ما سألتموه مني (فهو)، أي هذا السائل الذي إنما يسأل امتثالا لأمر الله تعالى (العبد) لله تعالى (المحض)، أي الخالص من شائبة الغرض النفساني حيث كان سؤاله قياما بما أمره الله تعالى به لا استعجالا بحاجته، ولا لاحتمال أن تكون حاجته موقوفة على السؤال لعلمه أن بعض الأمور كذلك، فغرضه في الحقيقة امتثال للأمر لا حصول حاجته.
ولهذا قال: (وليس لهذا الداعی) المذكور (همة متعلقة فيما يسأل) الله تعالى (فيه من أمر معین) عنده من الحاجة الفلانية أو الغرض الفلاني دنيوية أو أخروية (أو غیر معین) من ذلك (وإنما همته في امتثال أوامر سيده) التي أمره بها من جميع العبادات ، الدعاء بحوائجه وغير ذلك، فإن الأمر بالدعاء أمر غير موقت بوقت فهو موکول إلى الداعي.
(فإذا اقتضى الحال) الذي يكون فيه ذلك السائل بحسب ما يجده في قلبه من الإقبال على السؤال بطريق الإلهام من الله تعالى (السؤال)، أي الدعاء بحاجته يكون ذلك الاقتضاء الحالي إذنا من الله تعالى له بالسؤال وتعيينا منه تعالى لوقته المطلق
(فسأل) حينئذ من ربه حاجته ولا يصبر على فقدها (عبودية) منه لله تعالى (وإذا اقتضى الحال) في وقت آخر (التفويض) إلى الله تعالى والصبر على فقد حاجته بالوجدان القلبي إلهاما له من الله تعالى بذلك (والسكوت) عن السؤال بحاجته (سکت) عنها ولم يسأل الله تعالى فيها .
(فقد ابتلي) أي ابتلاء الله تعالى (أيوب) النبي عليه السلام بما ابتلاه به (و) كذلك (غيره) من الأنبياء عليهم السلام وغيرهم (وما سألوا) الله تعالى (رفع)، أي إزالة (ما ابتلاهم الله) تعالى (به) عنهم بل اقتضاها لهم في الغالب التفويض.
التفويض إلى الله تعالى والسكوت عن السؤال في رفع ذلك عنهم اشتغالا منهم بالله تعالى عن التفرغ لذلك (ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر) إذا التفتوا إلى ذلك البلاء، فوجوده يقتضي إظهار الذل والافتقار والطلب من الله تعالی برفعه ومعاناتهم من (أن يسألوا) منه تعالى (رفع ذلك البلاء عنهم فسألوه) وهو قول أيوب عليه السلام: رب "أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)" سورة الأنبياء.
وقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد هذا اليوم».
ودعاؤه عليه السلام على رعل وذكوان بعد احتمال أذاهم ودعائه على بعض المنافقين.
وكذلك قول نوح عليه السلام في قومه بعد احتمالهم مدة طويلة: "وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)" سورة نوح. (فرفعه)، أي أزال ذلك (الله) تعالى (عنهم) إجابة لدعائهم.
(والتعجيل)، أي الإسراع من الله تعالى (بالمسؤول فيه) من حاجات العبد (والإبطاء)، أي التأخير في ذلك إنما هو موکول (للقدر)، أي التقدير الإلهي المعين من الأزل (له)، أي لذلك الأمر المسؤول فيه من حاجات العبد (عند الله) تعالى فإنه تعالى يقول: " وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)" سورة الحجر.
فالسؤال لذلك الشيء من جملة ذلك الشيء عند الله، فإذا تزل الله تعالى السؤال على عبد نزل من ذلك الشيء المسؤول فيه جزء بقدر معلوم، والباقي منه له قدر معلوم آخر ينزل فيه، وذلك القدر المعلوم قد يكون قريبا وقد يكون بعيدا، والذي قدره يعلمه ولهذا سماه قدرا معلوما، وقال تعالى: "قد جعل الله لكل شيء قدرا " 3 سورة الطلاق

يتبع الفقرة الثانية
.

_________________
شاء الله بدء السفر منذ يوم الست بربكم .
عرفت ام لم تعرفي   
ففيه فسافر لا إليه ولا تكن ... جهولاً فكم عقل عليه يثابر
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى،
يسير و المكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه،
و لكن ارحل من الأكوان إلى المكون،
و أن إلى ربك المنتهى.
avatar
عبدالله المسافر
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 1483
الموقع : https://almossafer1.blogspot.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

https://almossafer1.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي :: تعاليق

avatar

مُساهمة في الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 23:50 من طرف عبدالله المسافر

2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

الفقرة الثانية :
أي مقدارة يكون فيه لا يزيد منه ولا ينقص وقال تعالى: "إنا كل شئ خلقناه بقدر" 49 سورة القمر. وقال : "وخلق كل شيء فقدره تقديرا"2 سورة الفرقان.
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ظهور الشيء بقدره الذي قدر له من الأزل لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه زمانا ولا مكانا ولا جسمانا.
(فإذا وافق السؤال) الصادر من العبد ذلك (الوقت) المعين له عند الله تعالی (أسرع) الله تعالى (بالإجابة) لذلك العبد في قضاء حاجته فقضيت من غير تأخير، وقلوب الصالحين قد تحس بوقت الإجابة المعين في علم الله تعالى إحساسا مستندة إلى إلهام أو غيره من نطق حرف قرآني أو إشارة كونية ونحو ذلك.
فلا يدعون الله تعالى إلا في ذلك الوقت المعين فتسرع لهم الإجابة من الله تعالی لعين ما سألوه، فيقال: فلان مستجاب الدعوة، وإذا أحس ببعد ذلك الوقت المعين لا يدعو الله تعالی فيقال عنه : لو دعا الله تعالى، لأجيب ولكنه ما دعا فلم يجب، والأمر على ما ذكرنا في نفس العارف به دون الجاهل.
(وإذا تأخر الوقت) المعين عند الله تعالی لوجود المسؤول فيه (إما في الدنيا) بأن تأخر عن وقت السؤال بسنة أو أقل أو أكثر ثم وجد فوجد المسؤول فيه (وإما في الآخرة) بأن تأخر عن الدنيا فكان وقت السؤال في الدنيا ووقت الإجابة في الآخرة
تأخرت الإجابة الفعلية من الله تعالى عن ذلك السؤال لتأخر وقتها المقدر لها من الأزل.
فإن كل شيء له وقت معلوم عند الله تعالى لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، ولا بد أن يكون ذلك الشيء فيه حكمة إلهية أزلية.
قال تعالى: "ما يبدل القول لدى"29 سورة ق.
وذلك لأن قوله قديم، والقديم لا يتغير إذ لو تغیر کان حادثة (أي) تفسير للإجابة التي تتأخر حصول (المسؤول فيه) الذي هو مراد السائل (لا) تتأخر
(الإجابة) القولية (التي هي) قول (لبيك) تثنية لب يقال : لباه إذا أجابه يلبيه لبأ وتلبية ، يعني إجابة بعد إجابة .
وهي الإجابة القولية ثم الإجابة الفعلية (من الله) تعالی لذلك العبد السائل، بل هي حاصلة منه تعالى بعد كل السؤال من غير تأخير البتة كما وردت به الأخبار (فافهم) يا أيها المريد (هذا الكلام)، ولا يشكل عليك بعده معنى الإجابة الموجود بها كل سائل في قوله تعالى:" أدعوني أستجب لكم " 60 سورة غافر. وغير ذلك من الآيات والأحاديث.
قال رضي الله عنه : (و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإنما أريد بالسؤال التلفظ به، فإنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إلا في اللفظ، و أما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال. فالذي يبعثك على حمد الله هو المقيد لك باسم فعل أو باسم تنزيه. و الاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه و يشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال. و إنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن الله فيهم سابقة قضاء. فهم قد هيئوا محلهم لقبول ما يرد منه و قد غابوا عن نفوسهم و أغراضهم.)
(وأما القسم الثاني) من قسمي العطايا والمنح الظاهرة في الكون على حسب ما سبق ذكره (وهو)، أي هذا القسم الثاني (قولنا ومنها)، أي من العطايا والمنح (ما لا يكون)، أي يوجد (عن سؤال) أصلا (فالذي لا يكون صادرا عن سؤال) من العبد (فإنما أريد بالسؤال التلفظ) من السائل (به) بأن يسأل بلسانه أمرا من الأمور وإلا (فإنه في نفس الأمر لا بد من سؤال) يصدر من العبد حتى تحصل الإجابة ، وذلك السؤال المطلق (إما باللفظ) وهو معلوم (أو بالحال) بأن يكون لسان حاله سائلا ذلك الشيء كالنبات إذا قل عنه الماء، فإن لسان حاله طالب للماء.
قال الأعرابي:
صوح النبت فاسقه نهلة من سحائبك   … وأغثنا فإننا في ترجي مواهبك
(أو بالاستعداد) بأن تهيأ للإجابة بحسب العادة، كالحبة إذا دفنت تحت الأرض فإنها مستعدة للإنبات لخروج السنبلة منها، والنواة كذلك مستعدة للإنبات لخروج النخلة منها، فهي سائلة بلسان استعدادها و مجلوبة من الله تعالى فيما سألت .
واعلم أن الله تعالي غني عن العالمين، ومن غناه عنهم كانت عطاياه لا بد لها من سابقة السؤال من الغير، فيعطي الماهيات المعلومة التي هي ليست بأشياء وجودة بسبب سؤالها ذلك منه باستعداد حالها.
حتى لو لم تستعد للموجود ولم تسأله ذلك باستعدادها له لم يعطيها وجودها وبعد وجودها، متى استعدت لحالة فقد سألت منه تلك الحالة باستعدادها لها فيعطيها ذلك أو بلسان حالها أو بلسان قالها . سواء كانت تلك الحالة خيرا لها أو شرا.
فإن الله تعالى يعطيها ذلك على حسب سؤالها، ولهذا جاءت نسبة الشرع جميع ما يصدر من المكلف إليه نسبة حقيقية.
لأنه وإن لم يفعل ذلك حقيقة فقد فعله الله تعالى له بطلبه هو لذلك استعدادا أو حالا أو قالا.
كما أوجده الله تعالى على هذه الكيفية، وهذه الصورة والحالة التي هو فيها بطلبه ذلك من الله تعالى طلبا استعداديا.
فأعطاه الله تعالى ذلك له على حسب طلبه ، وإن كان استعداده ذلك بوضع الله تعالى على مقتضى ما سبقت به الإرادة القديمة وإلى الله ترجع الأمور.
فهو الذي أفقر إليه كل شيء وهو الذي أغنى بعطائه کل شيء.
(کما)، أي مثل ما سبق من كون العطايا لا بد لها من سؤال (أنه)، أي الشأن (لا يصح حمد) الله تعالى (مطلق) عن قيود الأسباب ليس في مقابلة سبب داعی إليه (قط إلا في اللفظ) .
فنقول: الحمد لله وأنت نافي جميع الأغراض لك عن هذا الحمد، فالحمد المطلق عن ذلك إنما هو في لفظك فقط.
وإذا تأملت في معنى ذلك وجدت الحامل لك عليه استحقاق الله تعالى الحمد لا في مقابلة لشيء مطلقا، بل استحقاق ذاتي لأنه الكامل المطلق، فقد حملك عليه التنزيه الذي قام عندك لله سبحانه وتعالى، والتنزيه قيد فلم يخلو الحمد من قيد كما قال.
(وأما في المعنی) باعتبار قصد الحامد (فلا بد أن يقيده الحال) الذي هو قائم بالحامد وإن لم يشعر به الحامد (فالذي يبعثك) أيها الحامد (على حمد الله ) تعالى في كل حمد صدر منك.
(هو المقيد لك باسم فعل) من أفعال الله تعالى کالرزاق، والمعطي، والفاتح، والراحم، واللطيف، والحافظ ونحو ذلك.
فإذا فعل الله تعالی معك فعلا يلائمك أو لا يلائمك فحمدته على السراء والضراء فقد تقيد حمدك بالاسم المأخوذ من ذلك الفعل لله تعالى (أو باسم تنزيه) لله تعالی کالواحد والأحد والقديم الذي لم يتخذ ولدا ولا شريك في الملك ونحو ذلك.
فإذا نزهت الله تعالى بمقتضى اسم من هذه الأسماء ثم حمدته أثر ذلك فقد تقيد حمدك به فليس حمدا مطلقا إلا في لفظك فقط دون المعنى.
وكذلك العطايا الإلهية لا بد لها من سؤال يصدر من العبد سابق عليها ، فإذا كانت من غير سؤال فهى من غير سؤال ملفوظ به، وإلا فلا بد لها من سؤال ولو بالحال أو بالاستعداد على ما بيناه.
والغنى عز وجل أعظم من أن يلتفت إلى إيجاد شيء أو إمداده من غير افتقار وسؤال وطلب من ذلك الشيء و "الله غني عن العلمين"97 سورة آل عمران.
(والاستعداد) الذي هو أخفى سؤال صادر (من العبد)، أي عبد كان (لا) يمكن أن يشعر به صاحبه من قبل نفسه لكونه خفيا، وإنما يكشف الله له عنه إن كان من أهل الإلهام والفيض كما ذكرناه فيما مر (و) يمكن أن (يشعر بالحال) الذي هو سؤال صادر منه (لأنه)، أي العبد (یعلم الباعث)، أي السؤال الذي في خلقته مقتضية لإجابته (وهو)، أي الباعث المذكور (الحال) القائم به في نفسه أو في بدنه (فالاستعداد) حينئذ (أخفي سؤال) يصدر من العبد للرب بما يقتضيه ذلك العبد مما هو مستعد له وليس هو حالة قائمة بالعبد حتى يمكن أن يشعر بها من نفسه وإنما هو مناسبة خفية جعلها الله تعالى في ذلك العبد لشيء آخر خفي في غيب السماوات والأرض.
(وإنما) السبب الذي (يمنع هؤلاء)، أي أهل هذا القسم الذين عطاياهم من سؤال صدر منهم فيها (من السؤال) ويحملهم على ترکه (علمهم بأن الله) تعالى "حكمة الله وقدره سر ساري" (فيهم) من الأزل (سابقة قضاء)، أي حكم وتقدير بما أراد سبحانه وتعالى أن يصيبهم من العطايا والمنح وما قضاه الله تعالى وقدره لا بد أن يكون سواء سأل العبد أو لم يسأل.
(فهم قد هيئوا محلهم) الذي هو ذاتهم (لقبول ما يرد) عليهم (منه) تعالى فيحل فيها مما قضاه عليهم وقدره (وقد غابوا عن) شهود (نفوسهم) في شهود ربهم عز وجل (و) عن طلب (أغراضهم) في تنفيذ إرادة ربهم تعالى فيهم فلم يتفرغوا للسؤال منه تعالى فلم يسألوا.
قال رضي الله عنه : (ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم علم الله به من أين حصل. وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سر القدر وهم على قسمين:
منهم من يعلم ذلك مجملا. و منهم من يعلمه مفصلا. و الذي يعلمه مفصلا أعلى و أتم من الذي يعلمه مجملا، فإنه يعلم ما في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به .)
(ومن هؤلاء) الطائفة أهل التفويض والتسليم والاعتصام بالله تعالى (من يعلم) بتعليم الله تعالى له (أن علم الله) تعالى (به في جميع أحواله) التي هو متقلب فيها من حين كان نطفة إلى أن يخرج من الدنيا مثلا (هو)، أي في ذلك العلم بعينه (ما)، أي الذي (كان)، أي وجد (عليه) من الأحوال المترتبة (في حال ثبوت).
أي استحضار (عينه)، أي ذاته مع جميع أحواله في حضرة الله تعالى القديم (قبل وجودها)، أي ظهور تلك العين من علم الله إلى هذا الكون الحادث، فكلما شعر بحالة من أحواله وجدت فيه علم إنما هي التي يعلمها الله تعالى منه في الأزل أخرجها له الآن بقدرته .
ورتبتها إرادته تعالى على حسب ما هي مترتبة في حضرة علم الله تعالى، فهو مطمئن الذاته ولجميع أحوالها على حسب ما كشف عنها سبحانه وتعالى بعلمه من الأزل، ثم قدرته فوجدت على ذلك المنوال السابق لا زادت عليه ولا نقصت .
(ويعلم من ذلك أن الحق) تعالى (لا يعطيه) شيئا ما مطلقة (إلا ما أعطاه)، أي أعطى الحق تعالی (عينه)، أي عين ذلك العبد (من) بيان لما (العلم به)، أي بذلك العبد (وهو)، أي العلم بذلك العبد (ما كان عليه) ذلك العبد (في حال ثبوته)، أي استحضار العالم به فقط قبل وجوده في ذاته .
فقد أعطى الله تعالى بعينه الثابتة في الاستحضار قبل وجودها ما علمه الله تعالى منه، ثم إن الله تعالى أعطاه ما أخذ منه بعلمه سبحانه لا زاده ولا نقصه.
فيعلم هذا العبد حينئذ (علم الله) تعالى (به) الذي هو أصل لتعلق الإرادة والقدرة الأزليتين بإيجاده حتى وجد على هذا الترتيب الذي هو فيه (من أين حصل الله تعالى) ذلك العلم في الأزل بذلك العبد وبأحواله حصولا رتبيا تقتضيه رتبة العلم لا حصولا حدوثيا ترتيبيا إذ هو محال.
واعلم أن الثبوت غير الوجود كما أن النفي غير العدم، فالثبوت والنفي متناقضان کالوجود والعدم.
أما الثبوت: فهو عبارة عن إمكان الشيء وقابليته للوجود وطلبه لذلك طلبا استعداديا، وجميع ما أوجد وهو موجود وسيوجد من الكائنات كانت ثابتة "في علم الله" قبل وجودها في هذا العالم الحادث من غير وجود لها.
ومعنی ثبوتها أنها ممكنة للوجود قابلة له طالبة له طلبا استعداديا، وهذا الثبوت الذي لها قبل وجودها ثبوت أزلي ليس بجعل جاعل، لأنه عدم صرف لا وجود فيه، والعدم ليس بجعل جاعل.
وسيأتي من الشيخ قدس الله سره قريبا بيان ما في هذه الكائنات الثابتة قبل وجودها، ثم إن الله تعالى بعلمه القديم كشف عن هذه الكائنات الثابتة في إمكانها وقابليتها للوجود وطلبها له باستعدادها کشفة ليس متأخرة عنها ولا هي متقدمة عليه.
بل تسميته بالعلم في لسان الشرع يقتضي هذا التأخر عنها من حيث الرتبة التي هو فيها من كونه مسمی علما لا من حيث هو قديم، إذ لو تأخر القديم لكان حادثة وهو محال.
ولهذا لما عرفوا العلم الإلهي قالوا : هو صفة تكشف لمن قامت به عن المعلوم کشفا حقيقيا لا يحتمل النقيض.
وتأخر صفة العالم من حيث الرتبة لا يمنع المقارنة من حيث القدم، فجميع الكائنات الثابتة قبل وجودها قائمة بالاستحضار الإلهي لها قبل تسميته لنا علما بها، فتسميته علما بيان إلهي لنا على السنة الأنبياء عليهم السلام.
وهو المسمى بالشرع وهو أحكام الله تعالى، والله يحكم لا معقب لحكمه.
ومن جملة أحكامه أن حكم بأن له علما کاشفة من الأزل عن حقائق الكائنات الثابتة قبل وجودها.
وكلام الشيخ قدس الله سره من حيثية هذا البيان الإلهي المسمى باسم الشرع الذي هو أحكام الله تعالى، حيث ورد فيه أن الله موصوف بصفة العلم لكل شيء المقتضي ذلك تأخر هذه الصفة عما تعلقت به، وتقدم ما تعلقت به عليها وهو التنزل الإلهي .
وأما من حيث ما الأمر عليه في نفسه فلا يعلم الله إلا الله، ولولا الإذن من الله بالتكلم على ذلك من هذه الحيثية مما وصف الله تعالى نفسه بصفة العلم في لسان الشرع لا سيما وقد قال رسول الله عليه السلام :"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".
أي يفهمه فيه والدين هو الشرع الذي شرعه الله تعالى لعباده، أي بينه لهم على حسبهم لا على حسبه هو في ذاته .
ثم حيث تقرر أن صفة العلم تقتضي التأخر عن المعلوم لأنها تابعة له حيث كانت كاشفة عنه لا مؤثرة فيه، كانت جميع الكائنات الثابتة قبل وجودها معطية الله تعالى علمه تعالى بها على الترتيب والإجمال والتفصيل.
ثم إن إرادة الله تعالی القديمة تعلقت بتخصيص جميع ما علمه الله تعالى على منوال ما علمه من غير تأخر عن العلم أيضا تأخرا زمانيا بل تأخر تقتضيه رتبة الإرادة، إذ لا إرادة لغير معلوم فهو تعالی علم فأراد، ثم إن قدرة الله تعالى القديمة تعلقت بإيجاد ما أراده تعالى من غير
تأخر عن الإرادة أيضا، ولكن البيان الإلهي اقتضى هذا الترتيب فجرى حكم الفقه في الدين على هذا البيان.
فكما أن الكائنات الثابتة قبل وجودها أعطت الحق تعالی علمه بها أعطاها هو تعالی أيضا جميع ما علمه منها، فأوجدها على منوال ما أخذ منها من الذوات والأحوال.
فوجدت في عينها بقدرته تعالى وتخصصت بما هي فيه من الأحوال بإرادته، وكانت ثابتة قبل وجودها مكشوفا عنها بعلمه تعالی، فهذا الفرق بين الثبوت والوجود.

وأما الفرق بين النفي والعدم.
فالنفي نقيض الثبوت، وهو عبارة عن عدم إمكان الشيء وعدم قابليته للوجود وهو المستحيل.
وعن عدم طلبه للوجود طلبا استعداديا وهو الممكن القابل للوجود من غير مانع عن ذلك، إلا أنه لم يستعد للوجود فلم يطلب الوجود استعداده ، كالشمس الثانية والثالثة والقمر الثاني والثالث ونحو ذلك من الممكنات الغير الطالبة اللوجود باستعدادها، والعدم نقيض الوجود وهو شامل للثبوت و للنفي بنوعيه المستحيل والممكن.
(وما ثم)، أي هناك بين أهل الله تعالى (صنف من أهل الله) تعالى العارفين به أعلى مرتبة (وأكشف) بصيرة (من هذا الصنف) الذين يعلمون أن علم الله تعالى بهم هو ما هم عليه في حال ثبوت أعيانهم قبل خروجها إلى هذا الوجود.
فقد أعطوا الله تعالى علمه بهم، فهو يعطيهم ما أخذه منهم من غير زيادة ولا نقصان.
(فهم الواقفون)، أي المطلعون (على سر القدر) الإلهي والقضاء الأزلي، فإن الله تعالى ما قدر وقضى على أحد إلا ما علمه منه من خير أو شر.
وما علم منه إلا ما هو عليه في حال ثبوته قبل وجوده، ولهذا ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في زمن خلافته أنه قال لسارق ما حملك على ما فعلت؟
قال : حملني قضاء الله وقدره
فقال له : كذبت ثم أمر بحده
ثم عذره لكذبه على الله تعالى في قوله: إن قضاء الله تعالى وقدره حمله على السرقة.
وبيان ذلك أن القضاء والقدر على منوال ما في علم الله تعالى من ذلك السارق وعلم الله تعالى کاشف عن ذات ذلك السارق.
وجميع أحواله في عالم الثبوت قبل الوجود، فلم يحمل القضاء والقدر ولا العلم القديم ذلك السارق على فعل السرقة.
بل ذلك السارق هكذا في حال ثبوت عينه المكشوف عنها بعلم الله تعالی قبل وجودها.
ولابن كمال باشا زاده رحمه الله تعالى رسالة في تحقيق معنى القضاء والقدر بناهما على مسألة أن العلم تابع للمعلوم، وبسط الكلام على ذلك، وقد تكلمنا على هذه المسألة بما يشفي العليل ويبرد الغليل في كتابنا «المطالب الوفية»
ولنا على مسألة تبعية العلم للمعلوم کلام آخر في كتابنا «الفتح الرباني».
(وهم)، أي الواقفون على سر القدر (على قسمين منهم من يعلم ذلك)، أي سر القدر علما (مجملا) بأن يعلم أن ثم أمور ثابتة قبل وجودها کشف الله تعالى بعلمه القديم عنها وحكم بها فقضاها وقدرها على منوال ما كشف عنها .
ولكن لا يعلم ذلك العبد ما هي بعينها ولا يعرف تفاصيلها .
(ومنهم من يعلمه)، أي سر القدر (مفصلا) بأن يعلم كل شيء بعينه في حال ثبوته قبل وجوده بتعليم الله تعالى ذلك (والذي يعلمه)، أي سر القدر مفصلا على هذا المنوال (أعلى) درجة (وأتم معرفة من الذي يعلمه مجملا) .
وعلم الله تعالی ليس علما مجملا بل علما مفصلا، والذي يعلم مفصلا هو الذي يعلم علم الله تعالى (فإنه يعلم ما)، أي الذي (في علم الله) تعالى (فيه)، أي في نفسه من الأحوال المختلفة الماضية والمستقبلة (إما بإعلام الله) تعالى (إياه) بطريق الوحي الإلهامي والتعليم الرباني والإلقاء في القلب.
(بما)، أي بالذي (أعطاه)، أي أعطى الله تعالى (عينه) الثابتة قبل وجودها (من العلم به) كله على ما هو عليه في حال ثبوته قبل وجوده .
قال رضي الله عنه : (و إما أن يكشف له عن عينه الثابتة و انتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى و هو أعلى:
فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك. أي أحوال عينه، فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نسب ذاتية لا صورة لها.)
(وإما بأن يكشف) الله تعالى (له)، أي لذلك العبد (عن عينه الثابتة) قبل وجودها (و) عن (انتقالات) جميع (الأحوال عليها إلى ما لا يتناهی) في الدنيا والآخرة.
(وهو)، أي هذا الوجه الثاني (أعلى) رتبة من الوجه الأول، لأن الأول بطريق الإخبار من الله تعالى له، وليس علم الله تعالى بالكائنات الثابتة قبل وجودها بهذا الطريق فهو أدنى.
والثاني بطريق الكشف عنها، وعلم الله تعالى بها كذلك بطريق الكشف .
فهو أعلى من الأول لموافقته لعلم الله تعالى من حيث كونه بطريق الكشف عن تلك الكائنات الثابتة قبل وجودها (فإنه)، أي هذا الذي كشف له عن عينه الثابتة وانتقالات أحواله (یکون) حينئذ (في علمه بنفسه) علم کشف عن حقيقته الثابتة أيضا وانتقالات أحوالها .
(بمنزلة علم الله) تعالى (به) علم کشف عن حقيقته الثابتة وانتقالات أحوالها (لأن الأخذ)، أي أخذ الله تعالى علمه في الأزل بنفس هذا العبد وبانتقالات أحواله، وأخذ هذا العبد علمه في عالم وجوده الحادث بنفسه وبانتقالات أحواله كل الآخذين بطريق الكشف عن نفس هذا العبد وانتقالات أحواله في الثابت ذلك كله قبل وجوده.
(من معدن واحد هو العين المعلومة)، وهو نفس ذلك العبد وانتقالات أحواله في ثبوتها قبل وجودها (إلا أنه)، أي الأخذ المذكور (من جهة العبد) محض (عناية من الله) تعالى (سبقت له)، أي لهذا العبد (هي)، أي تلك العناية الإلهية التي أنتجت علم العبد بنفسه وبانتقالات أحواله بطريق الكشف المذكور.
(من جملة أحوال عينه الثابتة)، أي عين ذلك العبد بمعنی ذاته التي كشف الله تعالی عنها بعلمه (يعرفها)، أي يعرف تلك العناية (صاحب هذا الكشف) أيضا وهو العبد المذكور (إذا أطلعه الله) تعالى (على ذلك)، أي على أحوال عينه، أي ذاته الثابتة من قبل وجودها المكشوف عنها بعلم الله تعالى.
فإن من جملة أحوال عينه التي يطلعه الله تعالى عليها تلك العناية التي سبقت له المنتجة لعلمه بنفسه وبانتقالات أحواله بطريق الكشف عن ذلك وهو ثابت له قبل وجوده .
(فإنه)، أي الشأن وهو بيان لقوله : عناية من الله سبقت له (ليس في وسع)، أي قدرة (المخلوق إذا أطلعه الله) تعالى (على أحوال عينه الثابتة) قبل وجودها كما ذكر (التي تقع صورة الوجود) بعد ذلك الثبوت (عليها).
وأما حقيقة الوجود فليست لها مطلقا بل ذلك مخصوص بالحق تعالى (أن يطلع) ذلك المخلوق (في هذا الحال) المذكورة (على اطلاع الحق) تعالی اطلاع ذوقيا تفصيليا لا تخييليا إجماليا.
(على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها) قبل الوجود فيبقى المخلوق حينئذ لما يطلعه الله تعالى على جميع أحوال عينه الثابتة قبل أن تقع عليها صورة الوجود على هذا الاطلاع.
الذي هو من جملة أحوال عينه مشتغلا بما أطلعه الله تعالى من ذلك غير متفرغ للاطلاع على أن الله تعالى مطلع على ذلك كله وإن كان غير مكذب به بل هو مصدق بكل ذلك بطريق التخيل والإجمال لا الذوق والتفصيل .
(لأنها)، أي لأن تلك الأعيان الثابتة في عدمها قبل وجودها تعليل لاطلاع الحق تعالى عليها (نسب) جمع نسبة وهي اعتبار محض لا حقيقة ثابتة في أمر محقق.
بحيث لو زالت تلك النسبة أو لم تزل فذلك الأمر محقق على ما هو عليه من غير تغيير، كالقدام والخلف مثلا بالنظر إلى الكعبة .
فإذا استقبلتها بوجهك كانت قدامك، وإذا استدبرتها زالت تلك النسبة وخلفتها نسبة أخرى وهي كونها خلفك.
والكعبة لم تتغير عما هي عليه بزوال نسبة وطرو نسبة أخرى عليها ونحو ذلك من نسبة الفوق والتحت وما أشبهه.
(ذاتية)، أي منسوبة تلك النسب إلى ذات الله تعالى على معنى أن ذاته تعالی المطلقة المنزهة عن جميع القيود والكيفيات والتصورات تظهر بسبب إرادتها للشيء وتوجهها عليه في صورة ذلك الشيء، من غير أن تتغير هي في نفسها.
فيبقى ذلك الشيء موجودة ما دامت مريدة له متوجهة على إيجاده، فحقيقته نسبة فقط بین ذات الحق تعالى و بین ذلك الشيء المراد لها الذي هو عدم صرف.
ظهرت تلك النسبة من توجه الذات نحو ذلك الشيء الذي لا وجد ولا يوجد ولا هو موجود البتة، فإذا زالت تلك النسبة بقيت ذات الحق تعالى على ما هي عليه من قبل ظهور تلك النسبة .
فلولا ذات الحق تعالى الموجودة وجودا حقيقيا، ولولا ذلك الشيء المعدوم عدم صرفا، الذي أرادته وتوجهت عليه ذات الحق تعالى، ما ظهرت هذه النسبة المسماة باسم الشيء الموجود باسم العالم الحادث ثم باسم السماء والأرض ونحو ذلك.
فهي نسب اعتبارية لا وجود لها حقيقة.
وإنما الوجود الحقيقي لقيومها الذي هو ذات الحق تعالى، وإلى هذا المعنى يشير الشيخ قدس سره فيما سيأتي من أبياته بقوله :
فلولاه و لولانا لما   …. كان الذي كانا
فالموجود المحقق هو الله تعالى والكائنات كلها عدم صرف.
وهذه المخلوقات الظاهرة كلها نسب وإضافات حقيقتها ذات الحق تعالى بالنسبة إلى تلك الكائنات المعدومة والإضافة إليها لا مطلقة.
وهذه النسبة والإضافة لم تغير ذات الله تعالى ولا أعدمت منها ما كان لها ولا أحدثت فيها ما لم يكن لها، كما أن الكعبة في المثال السابق ما حدث لها وصف بظهور نسبة القدامية لها باستقبال أحد.
ولا زال عنها وصف بزوال نسبة القدامية عنها باستدبارها، وحدوث نسبة الخلفية كما أن المرآة لم تتغير بظهور الصور فيها لا زادت ولا نقصت .
فجميع ما ظهر فيها نسب عدمية بين ما قابلها وبينها هي، فلولا وجودها وفروض ما يقابلها ما ظهرت فيها هذه الصور النسبية التي لا حقيقة لها في المرآة أبدا، وإنما الموجود المرآة فقط كما سيذكره الشيخ قدس سره قريبا .
(لا صورة لها)، أي بتلك النسب الذاتية، وإنما صورتها المدركة لها مجرد نسبة عدمية بين أمر موجود وهو ذات الحق تعالى وأمر معدوم وهو تلك الصورة المفروضة المقدرة المعدومة، يعني أن الحق تعالى مطلع على جميع هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها، لأنها نسب ذاتية له لا صورة لها في نفسها، و علمه تعالى بذاته هو علمه بهذه النسب المنسوبة إلى ذاته تعالى.

يتبع الفقرة الثالثة
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:02 من طرف عبدالله المسافر

2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

الفقرة الثالثة :
وذلك لأن ذاته تعالی مطلقة عن الانحصار لعلم أو غيره، والمطلق إذا علم إنما يعلم نسبه الذاتية وإضافاتها، ويبقى مطلقا على ما هو عليه ولا يصير محاطا به محصورة البتة وإلا انقلب المطلق مقيدة وهو محال، لأنه يصير ممكنة بعد وجوبه.
وهذا معنى قول الشيخ قدس الله سره في كتابه «عقلة المستوفز» إن الله تعالی علم ذاته فعلم العالم، يعني لزم من علمه بذاته علمه بالعالم، وليس علمه بذاته شيئا وعلمه بالعالم شيئا آخر.
قال رضي الله عنه : ( فبهذا القدر نقول إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم. و من هنا يقول الله تعالى: «حتى نعلم» و هي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب. و غاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق ، و هو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له لا للذات. و بهذا انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف و الوجود.)
(فبهذا القدر) الذي هو كشف الله تعالى للعبد عن عينه الثابتة في حال عدمها وعن انتقالات الأحوال عليها (نقول إن العناية الإلهية سبقت) من الله تعالى في الأزل (لهذا العبد) المذكور (بهذه المساواة) بين علمه وبين علم الله تعالى (في) مجرد (إفادة العلم) بعينه الثابتة في حال عدمها وبانتقالات الأحوال عليها حيث كان علم الله تعالى بالكشف أيضا عن عين هذا العبد الثابتة في حال عدمها وعن انتقالات الأحوال عليها.
فالعلمان من معدن واحد كما تقدم، ولكن ليس في وسع العبد إذا وافق علم الله بعينه الثابتة في حال عدمها وبانتقالات الأحوال عليها باطلاع الله تعالى له على ذلك أن يطلع أن ذلك موافق لعلم الله به.
فإذا اطلع على الموافقة المذكورة علم، علم الله تعالی به (ومن هنا)، أي من هذا المعنى حيث علم علم الله تعالى به (يقول الله) تعالى في القرآن العظيم :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)" سورة محمد.  ، يعني حتى نكشف عندكم بعلمنا عن " المجاهدين منكم " والصابرين  [محمد: 31]..
وذلك الكشف هو كشفنا لكم عن ذلك حيث توافق علمنا وعلمكم في هذا المقدار المذكور (وهی)، أي قوله تعالى: نعلم (كلمة محققة المعنی)، أي معناها ما يظهر منها حقيقة على حسب ما ذكر (ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب) من العلم بالله الموافق للعلم بالله حیث هما من معدن واحد.
(وغاية المنزه)، أي العالم بالله على وجه التنزيه من علماء الظاهر (أن يجعل ذلك الحدوث) المفهوم من ظاهر قوله تعالى: "حتى نعلم" ، أي حتى يحدث لنا علم حدوثة (في العلم للتعلق) بالمعلوم لا لنفس العلم الإلهي القديم.
(وهو)، أي هذا القول بالحدوث في العلم للتعلق لا لنفس العلم (أعلى وجه یکون)، أي يوجد (للمتكلم بعقله) كعلماء الظاهر (في هذه المسألة) التي هي مسألة نسبة حدوث العلم الله تعالى.
(لولا أنه)، أي هذا المتكلم بعقله (أثبت العلم) معنى (زائدة على الذات فجعل التعلق) بالمعلوم (له لا للذات) وقد نسب علماء الظاهر هذا القول للأشعري رحمه الله تعالى.
حيث سموا العلم صفة معنى من جملة صفات المعاني السبعة ، وعللوا التسمية بأن هذه الصفات السبعة التي منها العلم لها معان في نفسها زائدة على قيامها بالذات، وأنا أقول إن هذا ليس مذهب الأشعري ولا غيره من السلف ، بل مذهبه أن هذه الصفات السبعة ليست عين الذات ولا غيرها.
فقوله: ليست عين الذات، يفيد أنها غيرها وقوله : ولا غيرها، يفيد أنها عين الذات، فالمفهوم من مذهبه أنه غير قاطع بواحد منهما.
فكيف ينسب إليه أنها غير الذات، وهي معان زائدة على الذات، والحاصل أن مذهب الأشعري رحمه الله تعالى في الصفات السبعة نفي النقيضين معا وعدم القطع بواحد منهما بل تسليم ذلك إلى الله تعالى.
كما هو مذهب السلف في التفويض إلى الله تعالى كل ما ورد في الدين، لأن ذات الله تعالى لا تشابه الذوات، وصفاته لا تشابه الصفات، فيلزم من ذلك أن یکون قيام صفات الله تعالى بذاته لا يشابه أيضا قيام الصفات بالذوات.
وانحصر القول بالفهم والإمكان في صفات الحوادث أنها عين الذات كالوجود، وأما غير الذات كلون الجرم مثلا فانتفى عن الله تعالى أن تكون صفاته عین ذاته أو غير ذاته.
ومراده أن ذلك غير مفهوم ولا معقول ولا محسوس، بل هو غیب مطلق يجب الإيمان به على ما هو عليه.
لا أن مراده أن لذلك مفهوما عقليا كالواحد من العشرة لا هو عين العشرة ولا غيرها كما زعمه بعضهم.
ولا كما قال الشيخ قدس الله سره في أوائل كتابه : «الفتوحات المكية» في عقائد أهل الاختصاص.
وأما قول القائل : لا هي ولا هو أغيار له، فكلام في غاية البعد، فإنه دل صاحب هذا المذهب
على إثبات الزائد وهو الغير بلا شك إلا أنه أنكر هذا الإطلاق لا غير، انتهى .
نعم هو كلام في غاية البعد إن أريد له مفهوم عقلي غير مجرد التنزيه ، وأما حيث أريد به التنزيه الله تعالى كما ذكرنا، فلا يكون صاحبه دل على إثبات الزائد وهو الغير.
والذي نعتقده في الأشعري رحمه الله تعالى أنه إمام أهل السنة وأن مذهبه هو مذهب الصالحين، وكذلك مذهب الإمام الماتريدي وأتباعهما رحمهم الله تعالى، وهو مجرد التفويض إلى الله تعالى في جميع الدين.
والإيمان بالأمر على ما هو عليه من غير خوض فيه بالآراء العقلية، وهذه الفرقة الناجية التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما عداها من الفرق كلهم في النار كما ورد صريح الحديث الشريف بذلك.
وأما جميع الأبحاث الواردة عن الأشعري والماتريدي واتباعهما رضي الله عنهم المفضية أن تكون مذهب مستقلا جاريا على القوانين العقلية مخالفة لجميع مذاهب الفرق الضالة، فليس ذلك كما يزعمه الجهال من المقلدين للأشعري والماتريدي رحمهما الله تعالى، بل كلما تكلم به الأشعري والماتريدي إنما ذلك رد على المخالفين الفرق الناجية، وتشتيت للآراء المبتدعة الخائضين في الدين من قبيل معارضة الفاسد بالفاسد.
ومرجع الأشعري والماتريدي رحمهما الله تعالى إلى مذهب السلف كما ذكرنا، وليس شيء من أبحاثهما مفهوم عقلي عندهما يزيل مذهب السلف من البصائر غير الرد على جميع الفرق الضالة.
الذين خرجوا في حدود الثلاثمائة يتكلمون في الدين بالآراء العقلية والاحتجاج بالمفاهيم الفكرية، ليبطلوا مذهب السلف الصالحين في التسليم في الدين، وقد زخرفوا مذاهبهم بالأبحاث العقلية التي ينقاد إليها كل عاقل، وأضعفوا الإيمان بالغيب في قلوب المؤمنين، وطمسوا أنوار التسليم والتفويض الله تعالى بظلمات الأفكار وعصارات العقول الزائغة عن الصراط المستقيم، وغالطوا أهل الإسلام بقولهم: لا فرق بين الإنسان والحيوان إلا بالعقل.
والعاقل إذا لم يستعمل عقله في أهم أموره وهو الدين فأي فرق بينه وبين الحيوان حيث عطل عقله في أهم أموره وأبطل الحكمة الإلهية في خلق العقول.
وكلامهم هذا الذي ابتدعوا به في الدين ما ليس فيه مأخوذ من أصول مذاهب الفلاسفة وحكماء الطبيعية، وسائر أهل الضلال.
وأما مذاهب السلف الصالحين رضي الله عنهم أجمعين فهو مبني على أن الدين أعظم من أن يدرك بالعقول أو يفهم بالأفكار، سواء كان اعتقادا أو عملا، بل ذلك خدمة إلهية كلف الله تعالى بها أرباب العقول امتحانا لهم وابتلاء لا غير، وحكمة خلق العقول في المكلفين لقبول ذلك الغيب، وهو الدين والإذعان له بالقبول والإيمان به على ما هو عليه، لا ليفهم بها وتتخرج أحكامه على القوانين العقلية، والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء الطريق .
(وبهذا) أي بإثبات العلم زائدة على الذات حيث جعل التعلق له لا للذات (انفصل) القائل بذلك من الخلف المتأخرين (عن) مذهب (المحقق من أهل الله) تعالى الذي يقول: إن العلم الإلهي ليس زائدا على الذات الإلهية على معنى أنه حضرة من حضراتها .
فإذا نسب حدوث التعلق له كان منسوبا إلى الذات العلية على معنى الظهور للعبد لا الوجود من العدم.
وقد بينا القول بأن الصفات عين الذات عند المحققين من أهل الله وعند المبطلين من أهل الضلال.
وذكرنا الفرق بين قول المحققين وقول المبطلين في كتابنا «المطالب الوفية شرح الفرائد السنية» .
(صاحب) نعت للمحقق (الكشف) عن الأمر على ما هو عليه حيث كان علمه بتعليم الله تعالى له لا بحدسه ولا بدرسه ولا بواسطة أبناء جنسه (والوجود) المحض الخالي من تلبيسات الأوهام وتحريفات الأفهام.
فإن الصفات الإلهية عنده عين الذات، والذات غیب مطلق فكذلك الصفات، لأنها الذات مع خصوص ظهور بآثار مخصوصة، وتعین حضور بأنوار منصوصة.
قال رضي الله عنه : ( ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول: إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية. فأما المنح و الهبات و العطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجل إلهي. و التجلي من الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلي له و غير ذلك لا يكون. فإذن المتجلي له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق، و ما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه: كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها. فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلى له أنه ما رآه. )
(ثم نرجع) من الكلام على أصناف السائلين وعلى مسألة العلم الإلهي (إلى) الكلام على (الأعطيات) الإلهية للعبد وبيانها .
(فنقول) بمعونة الله تعالى (إن الأعطيات) كما تقدم (إما ذاتية وإما أسمائية)، فهي منسوبة إلى ما صدرت عنه من الذات أو الأسماء.
(فأما المنح) جمع منحة (والهبات) جمع هبة (والعطايا) جمع عطية (الذاتية)، أي المنسوبة إلى ذات الله تعالى (فلا تكون أبدا) من ذات الله تعالى للعبد (إلا عن تجلي)، أي ظهور (إلهي) خاص .
وذلك التجلي الإلهي الخاص هو الاسم من أسماء الله تعالى، فالفرق بين العطايا الذاتية والأسمائية من جهة العبد في التلقي والعطايا الذاتية تفيد معرفة بذات الحق تعالى والأسمائية تفيد معرفة بأسمائه تعالى والتجلي من الذات الإلهية على العبد.
(لا يكون) ذلك التجلي (أبدأ إلا بصورة استعداد)، أي تهييء (العبد المتجلى له)، فعلى حسب قوة استعداده لقبول فهم أنوار التجلي الغيبية يكون انکشاف المتجلي الحق عنده ولهذا تختلف التجليات لاختلاف الاستعدادات (غير ذلك) المذكور (لا يكون) أبدا.
(فإذن)، أي حينئذ (المتجلى له) وهو العبد (ما رأى) من الحق تعالى الذي تجلى له (سوى صورته) وهي استعداده لقبول إدراك مقدار ما أدرك من المتجلي علیه الذي هو الحق تعالى (في مرآة الحق) تعالى التي تعطي كل من تجلت عليه صورته فتظهر له بصورته ويرى منها صورته فقط في حال تجليها عليه.
(وما رأى) ذلك العبد المتجلى له (الحق) تعالی أبدا من حيث ما هو في ذاته سبحانه وتعالى، وإنما تجلی عليه فما قدر أن يرى إلا قدر استعداده فرأى قدر استعداده هو صورة هذا الرائی، فرأى صورته فقط لا الحق تعالى.
ولا يمكن هذا الرائي لصورته في مرآة الحق تعالى (أن يراه)، أي يرى الحق تعالى المتجلي عليه بصورته أبدا (مع علمه)، أي علم ذلك الرائي (أنه ما رأي صورته)، الظاهرة له (إلا فيه)، أي في الحق تعالى المتجلي عليه بها (كالمرآة) من الفولاذ والزجاج (في الشاهد) المحسوس.
(إذا رأيت) أيها الإنسان (الصور فيها) سواء كانت صورتك أو صورة غيرك فإنك (لا تراها)، أي لا ترى ذات المرآة لاحتجابها عنك بالصور التي ظهرت لك فيها (مع علمك) من غير شبهة (أنك ما رأيت)، تلك الصور أو صورتك أنت (إلا فيها)، أي في تلك المرآة .
(فأبرز)، أي أظهر (الله) تعالى (ذلك) الذي هو والمرآة والصور التي فيها (مثالا نصبه) سبحانه وتعالى لك (لتجليه)، أي ظهوره (الذاتي)، أي المنسوب إلى الذات العلية (ليعلم المتجلى له) وهو العبد (أنه ما رآه)، أي ما رأى الله تعالى، وإنما رأى صورته التي هي مقدار استعداده لإدراك ذات الحق المتجلية عليه .

رآها في مرآة الذات العلية وما رأى الذات العلية.
قال رضي الله عنه : ( و ما ثم مثال أقرب و لا أشبه بالرؤية و التجلي من هذا. و أجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة حتى إن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي و بين المرآة. هذا أعظم ما قدر عليه من العلم، و الأمر كما قلناه و ذهبنا إليه. و قد بينا هذا في الفتوحات المكية و إذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع و لا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلا، و ما بعده إلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه و ظهور أحكامها و ليست سوى عينه. فاختلط الأمر و انبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: "و العجز عن درك الإدراك إدراك"، و منا من علم فلم يقل مثل هذا و هو أعلى القول، بل أعطاه العلم السكوت، ما أعطاه العجز. و هذا هو أعلى عالم بالله. )
(وما ثم)، أي هناك في عالم الخلق (مثال) لهذا التجلي الذاتي (أقرب) للفهم (ولا أشبه بالرؤية) للذات العلية.
(و) أشبه بنفس (التجلي)، أي الظهور (من هذا) المثال المذكور (واجهد في نفسك) أيها الإنسان (عندما ترى الصورة)، التي ظهرت لك (في المرأة أن ترى) بعينك (جرم المرآة) الذي هو نفس الفولاذ أو الزجاج فإنك (لا تراه أبدأ البتة).
أي قطعة من غير شك ولا شبهة، وذلك لأن الصورة الظاهرة في المرآة تحجب المرأة عنك برؤيتك لها، فلا تری جرم المرأة إلا إذا محيت تلك الصورة منها .
مع أن جرم المرأة أقرب إليك من الصورة الظاهرة فيها، على قول من يجعل ذلك انطباعا في صقالة وجه المرآة، لا في نفس جرم المرآة .
ومن يجعل شعاع البصر يصك وجه المرآة ثم ينعكس على حقيقة الشيء الذي ظهرت صورته بالمرآة، فالصورة التي في المرآة ليست فيها بل في ذات ذلك الشيء، وإنما انعكس شعاع البصر بسبب صقالة وجه المرآة (حتى أن بعض من أدرك) بنفسه (مثل هذا الأمر المذكور في صور المري) جمع مرآة "المرايا"حيث استتر جرم المرآة عن بصر الرائي بسبب ظهور تلك الصورة في المرآة (ذهب) اجتهاده منه (إلى أن الصورة المرئية) في المرآة ليست منطبعة في صقالة وجه المرآة ولا انعکس شعاع البصر بصقالة وجه المرآة إلى نفس تلك الصورة والمقابلة للمرآة ، بل تلك الصورة منطبعة في الهواء الكائن (بین بصر الرائي وبين) جرم (المرآة هذا)  الأمر المذكور.
(أعظم ما)، أي شيء (قدر) هذا البعض القائل بأن الصورة بين البصر والمرآة (عليه من العلم) بذلك (والأمر) في نفسه (كما قلناه) بأن الصورة في المرآة (وذهبنا إليه) لا كما قال غيرنا وذهب إليه.
(وقد بينا هذا) المبحث الذي هو مسألة تجلي ذات الحق تعالى في صورة استعداد العبد كتجلي المرآة على الناظر إليها بصورته غير ذلك لا يكون أبدا.
(في) كتابنا (الفتوحات المكية)، وهو کتاب للشيخ قدس الله سره حافل من أكبر كتبه في نحو أربعة أسفار کبار، بسط فيه الكلام على هذه المسألة وغيرها من المسائل بالتحقيق التام.
(وإذا ذقت)، أي أدركت بذوقك بأن تلبست بذلك حالا لا خيالا (هذا) الأمر الحق في هذه المسألة على حسب ما ذكرناه (ذقت الغاية) في العلم بالتجليات الذاتية التي ليس (فوقها غاية) أبدا من جهة الوضوح والانكشاف (في حق) العبد (المخلوق، فلا تطمع) بعد ذلك أيها العبد المخلوق (ولا تتعب نفسك) بأن تجتهد (في أن ترقی)، أي ترتفع من العلم بالتجليات الذاتية (في أعلى من هذا الدرج) المذكور لك هنا في ضمن هذا المثال المضروب الذي خلقه الله تعالى لهذا الأمر.
(فما هو)، أي الارتقاء في أعلى من هذا الدرج (ثم)، أي هناك في وسع المخلوق (أصلا) في هذا العالم، وأما في عالم الآخرة عند رؤيته تعالى فلا كلام في ذلك.
لأنه غيب وكلامنا الآن في الشهادة، فإن الله تعالی ظاهر وهو منزه عن التصورات، لأنها إمكان والواجب لا إمكان فيه فلا صورة له.
وأنت مصور ممكن ولك حس وعقل مصور مثلك ممكن كإمكانك ، فإذا أحسیت بالظاهر الحق تعالى بأحد حواسك، وعقلته بعقلك ظهرت لك صورتك الاستعدادية في مرآة ذات الظاهر الحق.
فلا يمكنك أن تمحو صورتك الظاهرة لك في مرآة ذات الحق تعالى حتى تری ذات الحق تعالى، على ما هي عليه أبدا.
(وما بعده)، أي بعد هذا المذكور (إلا) شهودك (العدم المحض) فإنك إذا محوت الصورة الظاهرة لك في مرآة ذات الحق تعالی محوت صورتك فرجعت إلى عدمك. فإذا شهدت بعد ذلك لا تشهد إلا عدمك ، فإذا تحققت في شهود عدمك شهدت العدم المحض، و ذات الحق تعالی لیست بعدم بل هي وجود محض.
وأين الوجود من العدم؟
فقد أبعدت عن شهود الحق تعالی حينئذ، فإذا علمت هذا.
(فهو)، أي الحق تعالی (مرآتك) على المعنى المذكور (في رؤيتك نفسك) حيث ظهرت لك صورتك فيه عند رؤيتك له.
فالظاهر لك هو وأنت ما رأيته ولكن رأيت صورتك قائمة به، وصورتك عدم محض، لأنك أنت أيضا عدم محض والموجود هو وحده على ما هو عليه.
ولكن قدرك بقدرته وأرادك بإرادته وجعلك عقلا وحسا من جملة ما قدرك به وأرادك.
فنظرت بعقلك وحسك فلم يكن في الوجود غيره، فرأيت بعقلك وحسك ما هو من شاكلة ذلك، وهو أنت على حسب ما قدرك وأرادك ، وكانت رؤيتك جميع ذلك فيه سبحانه، فاحتجبت عنه بك، فالموجود هو، وأنت على عدمك، والمرئي لك هو، لكن منعتك من رؤيتك له على ما هو عليه صورتك الظاهرة لك به وهي عدم محض.
قال تعالى : "كل شئ هالك إلا وجهه" 88 سورة القصص. أي إلا ذاته.
وأنت أيها المقدر المراد على حسب ما سبق به العلم القديم من حيث تقديرك بالقدرة الأزلية وتخصيصك بما سبق في الإرادة الإلهية، لا من حيث ظهورك لك كما ذكر في مرآة الحق تعالی، لأنك لم تظهر في حقيقة الأمر، وإنما أنت على ما أنت عليه من العدم المحض.
محكوم عليك بجميع مقتضيات أسماء الحق تعالى في الأزل (مرآته) سبحانه وتعالى (في رؤيته) تعالى (أسمائه) الحسنى كلها التي هي قائمة بذاته العلية ليست غير ذاته تعالى، وأنت جملة آثارها.
وقد أراد الحق تعالی أن يرى ذاته في غيره كما يرى الإنسان صورته في المرآة، وهو رأي ذاته في نفسه أزلا وأبدا، فتوجهت أسماؤه الحسنى من الأزل على الحكم بأثار لها على حسب اختلافاتها، فكان جملة ذلك أنت في العدم المحض، ورؤيتك نفسك في وقت مخصوص من جملة ذلك.
فللحق تعالى أزلا وأبدا رؤيتان : رؤية لذاته، ورؤية لأسمائه بذاته فيك.
وأنت على ما أنت عليه من العدم، فأنت مرآته تعالى في رؤية أسمائه لا ذاته (و) في (ظهور أحكامها)، أي ظهور أحكام أسمائه تعالى له من الأزل.
(وليست)، أي أسماؤه سبحانه (سوى عينه)، أي ذاته تعالى فكل اسم منها ذاته تعالى في حضرة مخصوصة من حضراته، وهو مذهب المحققين من أهل الله تعالى كما مر (فاختلط)، أي التبس (الأمر) عليك حيث كان هو مرآتك، فإذا رأيته رأيت نفسك فيه ولم تره من حيث ما هو عليه في ذاته .
وأنت مرآته من حيث ما أنت عليه قبل أن تظهر صورتك لك فيه فإذا رآك من هذه الحيثية رأي ذاته تعالى من حيث أسمائه وحضراته، ولا يراك من حيث أنت ترى نفسك، لأن هذه الحيثية من جملة أحوالك.
ولا يتصف هو بشيء من أحوالك كما لا تتصف أنت بشيء من أحواله (وانبهم)، أي انكتم غاية الانكتام.
(فمنا)، أي من بعضنا معاشر أهل الله (من جهل)، أي تحقق بالجهل (في) عین (علمه) بالله تعالى حيث كان علمه غیر کاشف عن الأمر على ما هو عليه بالنسبة إلى الحق تعالى، وإن كان كاشفة عن الأمر على ما هو عليه ، بالنسبة إليه هو كما قال تعالى في علمنا الحادث به،" والله يعلم وأنتم لا تعلمون" 216 سورة البقرة .
فنفى علمنا به أن يكون علم فكان جهلا مع أنه تعالى قال في موضع آخر عن بعض العلماء به و... "وعلمناه من لدنا علما" 65 سورة الكهف.
فأثبت ما نفي وهو عين علمه أثبته له هناك ، ولهذا قال صاحب هذا المقام : «ما علمی وعلمك في علم الله إلا كما أخذ بمنقاره هذا العصفور من ماء البحر» والذي في منقار العصفور من تلك القطرات اکتسب صورة باطن المنقار، فخرجت عن كونها ماء في البحر.
إذ أصلها لا صورة لها، ولم تخرج عن كونها ماء، فالعبد يعلم ولا يعلم، فانقلاب العلم عین الجهل باعتبار ظهور الصورة ولا صورة في العلم، فالعلم علم وليس بجهل.
(فقال) : يعني ذلك الجاهل في عين علمه (العجز) المحقق عند العبد ذوق کعجز من توجه على صعود السماء وباشر الأسباب التي توهم إمكان الصعود بها فلم يقدر (عن درك) بالتحريك، أي تبعه (الإدراك)، أي الإحاطة بالحق تعالى يقال : عجز عن درك هذا البيع إذا لم يقدر أن يضمن تبعته، وعجز عن درك الإدراك إذا لم يقدر أن يضمن تبعة صحة الإدراك، لأن النفوس تزعم الإدراك وقل أن تعجز عن تبعة صحته ، فإذا عجزت يقال: عجز عن درك الإدراك حيث لم يقدر عليه (إدراك) للحق تعالى، أي إحاطة به.
وهذا الكلام منقول عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما سئل بماذا عرفت ربك فقال: «عرفت ربي بربي». ثم قال: «العجز عن درك الإدراك إدراك».
قال تعالى: "وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)" سورة آل عمران.
فعلمهم الذي رسخوا فيه عجزهم عن المعرفة بدليل قولهم آمنا به كل من عند ربنا (ومنا)، أي من بعضنا عطف على ما قبله (من علم) في علمه ولم يجهل في عين علمه كالقسم الأول (فلم يقل مثل هذا القول) يعني العجز عن درك الإدراك أدرك (بل أعطاه العلم) بالله تعالى (السكوت) عن نفي علمه والحكم بأنه جهل، أو إثباته علما بالله تعالی على حسب استعداد العالم وما يليق بالمعلوم (كما)، أي الذي (أعطاه العجز) في القسم الأول من السكوت عن نفي ما علمه عنه تعالى أو إثباته ..
والحاصل أن العالم بالله تعالى إذا علم علمه يجد علمه حادثا قاصرا عن مناسبة كونه علما بالكامل القديم.
ثم يسمع في كلام الله تعالى تسميته علما في قوله تعالى : "فاعلم أنه لا إله إلا الله" 19 سورة محمد. "إنما يخشى الله من عباده العلماء" 28 سورة فاطر.
أي به وقوله : "علمناه من لدنا علما " 65 سورة الكهف.
ويسمع نفي العلم عن المحدثات في قوله تعالى : "والله يعلم وأنتم لا تعلمون" 216 سورة البقرة . وقوله: "ولا يحيطون به علما" 110 سورة طه. " ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء" 225 سورة البقرة.
فإما أن يرجح عنده نفي العلم فيعجز ویسکت عن الوصف عجزة منه ويقول: العجز عن درك الإدراك إدراك.
وإما أن يرجح عنده العلم فلا يعجز، ولكن يعلم ويسكت عن الوصف علما به لقطعه بأن علمه حادث لا يليق بالقديم، وهو قول النبي عليه السلام حارثة : «عرفت فالزم» .
"الحديث : كيف أصبحت يا حارث قال : أصبحت مؤمنا حقا فقال : انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال : قد عزفت نفسي عن الدنيا وأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها فقال : يا حارث عرفت فالزم ثلاثا"
أي الزم ما عرفته ولا تنفيه، وإن كان علمك حادثا لا يليق بالقديم (و) صاحب هذا القسم الثاني (هو أعلى عالم بالله) تعالى، لأنه علم جهده من العلم ولم يقصر، ثم علم علمه الذي علمه فأعطاه السكوت لكونه قاصرا فسكت کما سکت صاحب القسم الأول.
إلا أن الأول سکت عجزا عن العلم، والثاني سکت علما لا عجزا عن العلم، والمراد بالسكوت عدم التكلم بنفسه فلا ينافيه التكلم بربه.
قال الشيخ رضي الله عنه : (و ليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء و الرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إلا من مشكاة خاتم الأولياء فإن الرسالة والنبوة  أعني نبوة التشريع، ورسالته تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء؟)
(وليس هذا العلم) بالله تعالى الذي يتزايد وينمو في كل آن، ومع ذلك يعطي السكوت عن نفيه وإثباته مع القدرة عليه لا مع العجز عنه كالقسم الأول.
فإن صاحب العجز واقف عند عجزه، وصاحب العلم منتقل مع علمه، في أي طور أنزله علمه نزل، فهو محمدي المشرب.
كما قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : "وقل رب زدني علما" 114 سورة طه. والسكوت يجمعهما، فلا كلام لهما وإنما الكلام لربهما لا لهما (إلا الخاتم الرسل) وهو من ختمت به رسل زمانه بأن تقدم في الرسالة من الله تعالى إلى أهل زمان من الأزمان الماضية على أقرانه، سواء وجد له أقران أو لم يوجد.
فموسى عليه السلام خاتم رسل زمانه بالنسبة إلى أخيه هارون وفتاه يوشع بن نون عليهما السلام .
وسليمان خاتم رسل زمانه بالنسبة إلى أبيه داود عليهما السلام، كما فضله على أبيه بزيادة العلم حيث قال تعالى :" ففهمناها سليمان" 79 سورة الأنبياء.
ثم ساوى بينهما بقوله : " وكلا آتينا حكما وعلما" 79 سورة الأنبياء.
وكذلك نوح عليه السلام خاتم رسل زمانه وإن لم يوجد في زمانه مثله.
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم رسل زمانه وإن لم يكن في زمانه مثله.
ومع هذا هو خاتم النبيين أيضا وخاتم المرسلین بالمعنى الأعم، فختم النبوة وختم الرسالة بالمعنى العام أمران مخصوصان بمحمد ليس لأحد من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام.
وختم الرسل أيضا بالمعنى الخاص وهو مقام مخصوص من مقامات المرسلين عليهم السلام، وليس هذا المقام مخصوصا بنبينا محمد عليه السلام بل كان خاتم الرسل أيضا بالمعنى الخاص يعني رسل زمانه کنوح وموسى وسليمان عليهم السلام وأمثالهم من المرسلين، وهذا مراد الشيخ قدس الله سره هنا.
(و) كذلك (خاتم الأولياء) وهو الوارث لخاتم الرسل بالمعنى المذكور (وما يراه)، أي هذا العلم (أحد من الأنبياء والرسل) عليهم السلام بمعنى لا يجده فيه (إلا) مأخوذا (من) نور (مشکاة)، أي طاقة وهي الكوة في الجدار غير النافذة ، والمراد مصباح الحقيقة الروحانية المنفوخة في القلب الجسماني المنسوب إلى (الرسول الخاتم) للرسالة في كل زمان من الأزمنة الماضية على حسب المعنى الذي ذكرناه ، وسبب ذلك سر الوحدة الإلهية السارية في الكثرة الخلقية .
(و) كذلك (لا يراه أحد من الأولياء) في كل زمان إلى يوم القيامة (إلا من) نور (مشکاة الولي الخاتم) للولاية في ذلك الزمان (حتى أن الرسل) عليهم السلام فالأنبياء بالطريق الأولى لأنهم دونهم (لا يرونه)، أي هذا العلم المذكور (متى رأوه) إذ يروه كلهم (إلا) مأخوذا بالاستمداد (من) نور (مشکاة خاتم الأولياء) من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام وهي ولاية النبوة والرسالة لا مطلق الولاية.

والحاصل أن الولاية على ثلاثة أقسام:
ولاية إيمان فقط.
وولاية إيمان ونبوة فقط.
وولاية إيمان ونبوة ورسالة.
والمراد بالأولياء هنا هذا القسم الثالث حتى لا يبقى مناقضة لقوله:
وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم يعني من حيث ختمه للولاية لا للرسالة ، ثم بين ذلك بقوله:
(فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع) لا نبوة التبليغ (ورسالته)، أي التشريع لا التبليغ (ينقطعان) في الزمان لا في الثبوت بحيث يزولان عمن يتصف بهما أبدا، وقد انقطعت النبوة والرسالة بنبوة نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، بحيث لم يبق أحد يتصف بذلك إلى يوم القيامة (والولاية لا تنقطع أبدأ) بل هي باقية إلى يوم القيامة كل من عمل بشروطها التي هي طهارة الظاهر والباطن من البدع والمخالفات، والتحلية بالأعمال الصالحة نالها، ومن لا فلا.
واعلم أن طور الولاية هو الكشف في الحضرات الإلهية، وطور النبوة هو الكشف في الحضرات الملكية.
وطور الرسالة هو الكشف في الحضرات الإنسانية ، ولا يمكن أن يوجد الكشف في الحضرات الملكية والبشرية إلا بعد الكشف في الحضرات الإلهية.
ولهذا لا يكون نبي أو رسول إلا وهو ولي، وأما الكشف في الحضرات الإلهية فإنه يوجد من دون الكشف في الحضرات الملكية والبشرية فيكون وليا وليس بنبي ولا رسول.
وهذه الكشوفات الثلاثة قد تكون مع التشريع بطريق الأصالة وقد تكون مع التبليغ بطريق الوراثة.
كما يشير إليه قوله تعالى: «قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " 108 سورة يوسف.
فقد سوى بينه وبين من اتبعه في البصيرة وليست إلا العلم بما ذكر، والفارق الاتباع والاستقلال، فالمتبوع مشرع والتابع وارث، فالذي ينقطع التشريع الإرث
(فالمرسلون) عليهم السلام (من) جهة (كونهم أولياء)، وهذه جهة العلم بالله تعالى من حيث هو تعالى لا من جهة كونهم أنبياء.
لأنها جهة العلم بالله من حضراته الملكية، ولا من جهة كونهم رسلا، لأنها جهة العلم بالله من حيث حضراته الإنسانية.
وهذا العلم مما يتعلق به تعالى من جهته تعالى من حيث هو في نفسه (لا يرون)، أي يشهدون (ما ذكرناه) من العلم السابق بيانه (إلا من) نور (مشکاة خاتم الأولياء) من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام كما مر.
فإن ختم الولاية في زمان المرسلين الماضين عليهم السلام لم يكن إلا في ولاية النبوة، کولاية الخضر عليه السلام وولايته الرسالة فقط، وأما ولاية الإيمان فحقها في هذه الأمة في كل زمان
في كلمة شيئية إلى يوم القيامة، ومعلوم أن المرسلين ليسوا في هذه الأمة (فكيف) حال (من دونهم)، أي دون المرسلین علیهم السلام (من الأولياء) ولاية نبوة أو ولاية إيمان فإنهم لا يرون ذلك العلم إلا من مشكاة خاتم الولاية بالطريق الأولى، فأصحاب الولاية النبوية لا يرونه من خاتم الولاية النبوية، وأصحاب الولاية الإيمانية يرونه من خاتم الولاية الإيمانية .
قال رضي الله عنه : ( و إن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه و لا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى. و قد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد
ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم، و في تأبير النخل. فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شي ء و في كل مرتبة، و إنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله: هنالك مطلبهم. و أما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه. و لما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى موضع لبنة، فكان صلى الله عليه و سلم تلك اللبنة. غير أنه صلى الله عليه و سلم لا يراها كما قال لبنة واحدة. و أما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله به رسول الله صلى الله عليه و سلم، و يرى في الحائط موضع لبنتين ، و اللبن من ذهب و فضة. فيرى اللبنتين اللتين تنقص الحائط عنهما و تكمل بهما، لبنة ذهب و لبنة فضة. فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين، فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين. فيكمل الحائط.)
(وإن كان خاتم الأولياء) سواء كان ولاية نبوة أو ولاية رسالة أو ولاية إيمان (تابعة في الحكم) العملي (لما جاء به) من عند الله تعالى .
(خاتم الرسل) في كل زمان من الأزمنة الماضية بالنسبة إلى الأنبياء والمرسلين والمستقبلة بالنسبة إلى أولياء الإيمان (من التشريع)، أي البيان الإلهي کالخضر عليه السلام خاتم ولاية النبوة في زمان موسی علیه السلام.
فكان موسى عليه السلام متبعا له ليرى هذا العلم من مشكاته، وهو متبع لموسى عليه السلام من حيث تشريع الأحكام، ولهذا أفاده موسی علیه السلام أن خرق السفينة وقتل الغلام أمران منکران في ظاهر الحكم.
والحاصل أن الرسالة والنبوة اللتين قد انقطعتا إلا أن لهما ولايتان ولكل ولاية
منهما خاتم فى كل زمان من تلك الأزمنة الماضية وكذلك ولاية الإيمان الباقية إلى
يوم القيامة لها خاتم في كل زمان.
وهذا العلم مخصوص بخاتم الولاية من المرسلين أو الأنبياء والمؤمنين، ولا يراه أحد من المرسلين أو الأنبياء في زمن وجودهم إلا من مشكاة خاتم ولا يتهم.
فكذلك لا يراه أحد من أولياء المؤمنين إلى يوم القيامة إلا من مشكاة خاتم ولايتهم.
(فذلك)، أي كون خاتم الأولياء من المرسلين أو الأنبياء أو المؤمنین تابعة الخاتم الرسل في التشريع (لا يقدح في مقامه) الذي هو ختم الولاية.
فإنه مقام عالي بالنسبة إلى من لم يكن خاتمة من نوعه ذلك لحصوله على ذلك العلم بطريق الأصالة وغيره بالتبعية له (ولا يناقض ما ذهبنا إليه) من كون من لم يكن خاتمة لا يرى ذلك إلا من مشكاة الخاتم بطريق التبعية له في ذوقه ذلك.
(فإنه)، أي خاتم الأولياء المذكور (من وجه یکون أنزل)، أي أدنى منزلة ممن تابعه (كما أنه)، أي خاتم الولاية (من وجه) آخر (يكون أعلى) من غيره .
(وقد ظهر في ظاهر شرعنا) هذا (ما يؤيد ما ذهبنا إليه) من كون خاتم الولاية أنزل من غيره من وجه وأعلى من غيره من وجه آخر.
وذلك ما ورد (في فضل عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (في) قضية (أسارى بدر) لما اختار النبي عليه السلام وأبو بكر رضي الله عنه افتداهم بالمال معونة للإسلام، واختار عمر رضي الله عنه (بالحكم فيهم) بأن يسلموا أو يقتلوا.
فأنزل الله الوحي على النبي عليه السلام طبق ما اختاره عمر رضي الله عنه حيث قال تعالى : "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ 
يتبع الفقرة الرابعة
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:15 من طرف عبدالله المسافر

2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

الفقرة الرابعة : 
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)" سورة الأنفال.
حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لو نزل العذاب ما سلم منه إلا عمر».
(و) كذلك (في) قضية (تأبير)، أي تلقيح (النخل) لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لو تركوها لصلحت».
فتركوها فلم تثمر في ذلك العام، فسألوا النبي عليه السلام عن ذلك فقال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم».
وسبب ذلك أنهم تركوها لتصلح فما تركوها في حقيقة الأمر ففسدت (فما يلزم) الإنسان (الكامل أن يكون له التقدم) على غيره (في كل شيء) من أنواع الكمال (وفي كل مرتبة) من مراتبه (وإنما نظر الرجال) الكاملين دائما (إلى) رتبة (التقدم) على الغير (في رتبة العلم بالله) تعالى فقط (هنالك)، أي في رتبة العلم بالله تعالى (مطلبهم) مما هو الكمال عندهم والفضائل والمزايا المعتبرة عندهم في ذلك لا غير (وأما حوادث الأكوان) والتقدم فيها من العلم بتأبير النخل ونحوه (فلا تعلق لخواطرهم بها) وليس وجود ذلك مما یکمل عندهم ولا عدمه مما ينقص (فتحقق) في نفسك (ما ذكرناه من الكلام وتحفظ في فمه الاعوجاج الموجب للملام.
ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم) لنا مطلق النبوة (النبوة بالحائط ) المبني (من اللبن وقد کمل) به صلى الله عليه وسلم ؟
وتم بناؤه من حيث هو نبي فقط (سوی موضع لبنة واحدة)  في أعلى ذلك الحائط بها يتم الحائط وتتساوى أطرافه والحائط الذي أشار إليه النبي عليه السلام بقوله: «مثلت لي الجنة في عرض هذا الحائط » فإنه حائط النبوة هو الذي كان أمام النبي عليه السلام، وهو حائط المسجد من تمثل الفاني وظهور الروحاني في صورة الجسماني.
(فكان النبي عليه السلام) من حيث نبوته فقط (تلك اللبنة) الواحدة التي تم بها حائط النبوة، وارتفعت على جميع اللبن لتأخرها عن وضعهم واستكمالهم من حيث هم حائط بها (غير أنه صلى الله عليه وسلم لا يراها).
أي تلك اللبنة (إلا كما قال: لبنة واحدة) لعدم تبعيته لغيره سوى ما يوحى إليه كما قال تعالى له قل "إن أتبع إلا ما يوحى إلى" 15 سورة يونس.
ولبنة من فضة لغلبة حكمه بالظاهر ، ومن كان قبله لبنة من ذهب لغلبة حكمه بالباطن .
(وأما خاتم الأولياء) ولاية رسالة أو نبوة أو إيمان فدخل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا من حيث هو ولي رسول وولي نبي وولي مؤمن.
وخاتم بالأقسام الثلاثة (فلا بد له من هذه الرؤيا)، من حيث كونه خاتم الأولياء على وجه مخصوص لا على الوجه الذي راه نبينا عليه السلام.
(فیری) خاتم الأولياء المذكور (ما مثله به رسول الله ) في الواقعة الكشفية ويرى بعين قلبه (في الحائط) المذكور (موضع لبنتين) في أعلى الحائط بحيث لو وضعتا كانت إحداهما فوق الأخرى بخلاف نبينا عليه السلام فإنه رأي موضع لبنة واحدة (واللبن) كله الذي بني منه ذلك الحائط (من ذهب) مشتق من الذهاب لكماله في الوجود فهو مشير إلى سر البطون.
(ومن فضة) مشتقة من الفض وهو الكسر والفك لكمالهما في العدم فهي إشارة إلى سر الظهور (فیری) خاتم الأولياء المذكور (اللبنتين اللتين ينقص الحائط ) المذكور (عنهما) في أعلاه (ويكمل بهما) فتساوى أطرافه ويتم بنيانه فهو بالنسبة إلى كل خاتم يراه كذلك (لبنة) العقل في
عالم الشهادة (من فضة ولبنة) الروح في عالم الغيب (من ذهب فلا بد) لخاتم الأولياء (أن يرى نفسه ) بعين قلبه (تنطبع في موضع تينك اللبنتين) عقله في موضع لبنة الفضة وروحه في موضع اللبنة الذهب (فیکون خاتم الأولياء) هو بذاته (نفس تينك اللبنتين فيكمل) به ذلك (الحائط) وتتساوى أطرافه .
قال رضي الله عنه : (و السبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضة ، و هو ظاهره و ما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه، لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا و هو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول. فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شيء. فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإن تأخر وجود طينته، فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين». و غيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث.)
(والسبب الموجب لكونه)، أي خاتم الأولياء (يراها)، أي تلك اللبنة الواحدة التي أخبر عنها خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم (لبنتين).
ولا يراها لبنة واحدة كرؤيته عليه السلام (أنه)، أي خاتم الأولياء (تابع لشرع خاتم الرسل في) الحكم (الظاهر) مما فيه أحكام محسوسة ومعقولة .
(وهو موضع اللبنة الفضة) في أعلى الحائط (وهو)، أي موضع لبنة الفضة (ظاهره) أي ظاهر خاتم الأولياء من حيث ما يدرك بحسه وعقله (وما يتبعه) أي يتبع خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم.
(فيه) الضمير راجع إلى ما (من الأحكام) بيان لما يعني أحكام الله تعالى المتعلقة بغيره من العالم المدرك له بالحس والعقل.
(كما هو)، أي خاتم الأولياء (أخذ عن الله) سبحانه لا غير (في السر) بنور إيمانه الذي هو وراء حسه وعقله.
(ما)، أي جميع الحكم الذي (هو بالصورة الظاهرة)، التي هي مجموع الحس والعقل (متبع فيه) لخاتم الرسل من الأحكام ونظيره ما أفصح عنه الصديق رضي الله عنه وفاة النبي عليه الصلاة والسلام فقال : "من كان يعبد محمد، فإن محمدا قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت" .
فإن فيه إشارة إلى أنه رضي الله   عنه كان يأخذ عن الله تعالى في السر ما كان يأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم له في الظاهر (لأنه)، أي خاتم الأولياء (يرى)، أي يشهد (الأمر) الإلهي (على ما هو عليه) في حال تنزله إلى مرتبة الخلق ولا ينحجب بالخلق عن الأمر.
(فلا بد أن يراه)، أي الأمر (هكذا)، أي على الصفة المذكورة من الأخذ عن الله في السر (وهو)، أي الأخذ عن الله في السر (موضع اللبنة الذهبية) المذكورة
(في) جهة (الباطن)، أي باطن خاتم الأولياء (فإنه) بسبب باطنه (أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك) المنزل بأمر الله تعالى على الأنبياء بالوحي وعلى الأولياء بالإلهام (الذي) نعت لمفعول محذوف ليأخذ تقديره الوحي.
الذي (يوحى به)، أي يوحيه (إلى الرسول)، فإنه يتلقاه من باطن الرسول في حضرة الأمر الإلهي وينزل عليه به في ظاهره في حضرة الخلق، فيكون ناقلا للوحي منه إليه .
ولهذا اختلفت النبوات وتفاوت الوحي والملك النازل بذلك واحد لم يختلف وهو جبريل عليه السلام (فإن فهمت) يا أيها المريد (ما أشرت به في هذا الكلام من الأسرار الإلهية فقد حصل لك العلم النافع) جدا في الدنيا والآخرة فاشكر الله تعالى على ذلك .
(وكل نبي)من أنبياء الله تعالى (من لدن آدم) عليه السلام (إلى آخر نبي) وهو عیسی ابن مريم عليهما السلام أو خالد بن سنان ولهذا لم يعينه (ما منهم أحد يأخذ) إمداده النبوي (إلا من مشكاة خاتم النبيين) وهو محمد عليه السلام.
(وإن تأخر) عن وجود طینتهم (وجود طينته)، أي صورته الجسمانية عليه السلام في عالم الملك (فإنه بحقيقته) الإنسانية (موجود) قبل تعیین حقائق الأنبياء عليهم السلام في عالم الملكوت (وهو قوله) صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديثه: (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين)، أي حقيقته الإنسانية مترددة التعين بين الماء الذي خلق منه والطين الذي خلق منه .
والمراد بين الجزئين الغالبين على عالم نشأته، وإلا فهو من النار والهواء أيضا، ولكنهما ضعيفان فيه واعلم أن الأرواح موجودة قبل الأجسام ولكن وجودا متداخلا کوجود النخلة في النواة ووجود السنبلات الكثيرة في الحبة الواحدة.
فالروح الكل واحد، وهو أول مخلوق منه تتعين جميع الأرواح بتوجه الحقائق العلمية على صورها الروحانية لتميز في عالم الأرواح قبل تميزها في عالم الأجسام.
وحقيقة محمد صلى الله عليه وسلم موجودة متميزة في الرتبة العلمية أولا بكونها حقيقة الحقائق العلمية .
كالحبة بالنسبة إلى السنبلات الكثيرة والنواة بالنسبة إلى ما اشتملت عليه النخلة من الأغصان والأوراق والعراجين وغير ذلك.
ثم لما ظهرت صورة الروح الكلي بالتجلي الرحماني تصورت حقيقة الحقائق بذلك النور الروحاني و تميزت فيها الحقائق تميزة روحانية شعاعية لا ينفصل ولا يتصل کتميز الأغصان دون الثمرات.
ولهذا كان محمد صلى الله عليه وسلم لا يقيده مقام ولا مرتبة في القرب الرحماني لأنه عين الكل وحقيقة جميع الحقائق .
ثم إن ذلك الروح الكلي من حيث هو نور خلقت منه بانقسامه أربعة أقسام كما ورد في الحديث حقائق الملائكة الأربع، ثم تنزل إلى الطبائع الأربع، والعناصر الأربع والمواليد الأربع فظهرت الصورة الجسمانية الآدمية ساترة لحقيقتها الروحانية مظهرة لها.
ثم کشف لها عن جميع ذلك، فظهرت نبوة آدم عليه السلام فصح قوله عليه السلام: «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين».
وفي رواية : «ولا آدم ولا ماء ولا طين»، وهو ظاهر لا ريب فيه (وغیره)، أي غير محمد صلى الله عليه وسلم (من الأنبياء عليهم السلام ما كان نبيا إلا حين بعث) بعد الأربعين عاما من ولادته إلا عيسى ابن مريم ويحيى بن زکریا عليهما السلام، فإنهما كانا نبين  بعد الولادة قبل الأربعين.
قال تعالى في عیسی علیه السلام: " قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30"سورة مريم .
وقال تعالى في يحيى عليه السلام :"يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13)" سورة مریم
قال رضي الله عنه : ( وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين، وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون الله تعالى تسمى «بالولي الحميد ». فخاتم الرسل من حيث ولايته، نسبته مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء و الرسل معه، فإنه الولي الرسول النبي. و خاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب. و هو حسنة من حسنات خاتم المرسل محمد صلى الله عليه وسلم مقدم الجماعة و سيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة. فعين حالا خاصا ما عمم. وفي هذا الحال الخاص تقدم على الأسماء الإلهية ، فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين. ففاز محمد صلى الله عليه وسلم بالسيادة في هذا المقام الخاص. فمن فهم المراتب و المقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام.)
(وكذلك خاتم الأولياء) من الأنواع الثلاثة المذكورة (كان وليا وآدم بين الماء والطين)، لأنه على قدم محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو لمحة من ذلك النور الكلي، جامع له جمعة كلية لا يقيده حال ولا مقام.
يمر على أطوار جميع الأولياء كما يشير إليه قوله تعالى: " يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا" 13 سورة الأحزاب.
يعني إلى حقيقتكم الجامعة من حيث خروجها عن جميع الحقائق وهي حضرة الأحدية فوق الحضرة الواحدية التي تكثرت فيها الحقائق.
(وغیره)، أي غير خاتم الأولياء (من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيله) بالمجاهدة العلمية والعملية في الظاهر والباطن (شرائط الولاية) .
وفيه إشارة إلى أن الولاية بالتحصيل، فهي کسبية لا وهبية، وهو الحق خلافا لمن زعم أنها وهبية كما حققناه في كتابنا «المطالب الوفية» في علم العقائد .
بخلاف النبوة فإنها وهبية باتفاق أهل الحق (من) بيان الشرائط الولاية التخلق بجميع (الأخلاق) جمع خلق بضمتين، وهي الحالة الباطنية الحسنة التي تقبل الزيادة والنقصان من حيث الظهور في الأطوار الإنسانية لا من حيث الثبوت في الأصل الإلهي.
فإن الأخلاق كلها في الأصل حسنة وهي للحق حقيقة وللعبد مجاز، وفيه تطييب و تخبيث باعتبار مصارفها .
ولهذا قال (الإلهية)، أي المنسوبة إلى الإله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن لله مائة خلق وسبعة عشر خلقا من آتاه بخلق منها دخل الجنة»، خرجه السيوطي في الجامع الصغير .
ولهذا لما سئل الإمام الجنيد رضي الله عنه عن المعرفة والعارف قال : "لون الماء لون الإناء". أي هو متخلق بأخلاق الله تعالى حتى كأنه هو، وما هو هو.
وصروف الأخلاق المذكورة في العبد إلى غير مصارفها، وهو الظلم الذي تنزه عنه الرب سبحانه، وهو الذي يقلب الأخلاق مذمومة كالحلم في غير موضعه، والكرم في غير موضعه، وغير ذلك.
وربما يسمى بأسماء آخر کاسم الجبن والخمول والإسراف والتبذير ونحو ذلك.
(في الاتصاف)، أي اتصاف ذلك الولي، على معنى ظهورها في نشأته الإنسانية الجزئية بظهور آثارها وما تقتضيه من المعاملة مع الله ومع الخلق (بها)، أي بتلك الأخلاق كلها، وهي شروط الولاية .
وإن كان العبد مطلقا لا يخلو من بعضها ولو كافرا.
وربما يقال : إن ذلك الخلق الواحد الذي من أتاه به دخل الجنة كما في الحديث السابق هو خلق الإيمان فقط، لأن من أوصافه تعالى المؤمن، فلا ينفع الكافر إذا أتاه بخلق آخر غير الإيمان .
(من) جهة كون الله تعالى في رتبة تنزله (تسمى) عندنا في كتابه العزيز (بالولي)، أي المتولي أمر كل شيء من حيث إنه جامع لجميع تلك الأخلاق فيعامل بها كل شيء على وجه العدل.
فاسم الولي له من هذه الحيثية، فمن تخلق بأخلاقه کان له هذا الاسم من هذه الحيثية أيضا.
كما قال تعالى: "وهو الولي الحميد" 28 سورة الشورى.
فلما ألبس عبده خلعة التفصيل ألبسه أيضا خلعة الإجمال (الحمید)، أي المحمود في جميع أفعاله فأخلاقه كلها حسنة.
من لم يحمد في خلق من أخلاقه كان خلقه ذلك خلقة مذمومة، وعدم الحمد فيه بصرفه في غير مصرفه، والحمد فيه بصرفه في مصرفه كما ذكرنا .
(فخاتم الرسل) بالمعنى العام والخاص كما قدمنا (من حيث ولايته)، أي كونه وليا ولاية رسالة (نسبته) إلى جميع الأولياء من الرسل (مع الختم للولاية)، الذي هو فيه زيادة عليهم (مثل نسبة الأنبياء والرسل) عليهم السلام (معه)، من حيث إنه خاتم للنبيين بالمعنى العام أو الخاص وخاتم للمرسلين كذلك .
يعني أنه يلزم من خاتم الولاية التي هي ولاية المرسلين بالمعنى العام أن يكون خاتم نبوة النبيين أيضا بالمعنى العام.
وخاتم رسالة المرسلين أيضا بالمعنى العام، وكذلك خاتم ولاية المرسلين بالمعنى الخاص يلزم أن يكون خاتم نبوة النبيين بالمعنى الخاص، وخاتم رسالة المرسلين بالمعنى الخاص .
(فإنه)، أي خاتم ولاية المرسلين العام والخاص هو (الولي) لاشتماله على شروط الولاية المذكورة زيادة على التخلق بخلق الإيمان الذي من أتاه به دخل الجنة.
(الرسول) لزيادته على ذلك بالترقي في عالم الحقائق الإنسانية من غير خروج عن مرتبة الولاية، ولهذا كان الولي هو الله والرسول من الله .
كما قال تعالى: "رسول من الله" 2 سورة البينة.
(النبي) لزيادته على طور الولاية بالترقي في عالم الحقائق المنسوبة إلى الملائكة، والدخول في الحضرات الملكوتية مع بقاء مرتبة الولاية، فإن الغفلة لا تخالط قلوب الأنبياء عليهم السلام.
وأما الغين المشار إليه في الحديث «إنه ليغان على قلبي» و مؤاخذة الأنبياء عليهم السلام في مواطن، ونسبة الذنوب إليهم بسبب الغفلة.
فذلك من تراكم أنوار الملكوت الذي في مقام النبوة على قلوبهم، فكان اشتغالا به تعالى عنه تعالى لا بغيره عنه.
فغفلة الأنبياء عليهم السلام يقظة غيرهم، وأما غفلة غيرهم فهي من استيلاء ظلمة الكون على القلوب وغلبة مقتضى عالم الأجسام عليهم .
(وخاتم الأولياء) من غير الأنبياء والمرسلين عليهم السلام يعني خاتم ولاية الإيمان لا ولاية النبوة ولا ولاية الرسالة هو (الولي) لاشتماله على جميع شروط الولاية التي هي الأخلاق المذكورة (الوارث) لخاتم الرسل وخاتم النبيين في الظاهر للعلوم الظاهرة التي تتأدى بالحروف الظلمانية والكلمات اللفظية.
وفي الباطن للأسرار والكشوفات الباطنة التي لا تتأدى إلا بالحروف والكلمات النورية الروحانية.
(الآخذ) جميع ذلك من حيث الباطن (عن الأصل) الحق الحقيقي (المشاهد للمراتب) النبوية والأطوار الرسولية كشهود أهل الأرض کواکب السموات من غير حصولها فيهم.
ولهذا قال عليه السلام: " إنا معاشر الأنبياء لم نورث درهما ولا دينارا ولكن نورث العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ أوفر».
والمراد علم النبوة وعلم الرسالة زيادة على الولاية، فتوريثهم للولاية تخلق ووجدانا، وتوريثهم للنبوة والرسالة علم فقط وشهودا.
ولا يلزم ممن شهد النبوة أن يكون نبيا كمن شهد الربوبية لا يكون ربا، بخلاف من تخلق بها فهو رب كما يقال : رب الدابة ورب المتاع لمن تخلق بربوبية الله تعالى لتلك الدابة وذلك المتاع.
(وهو)، أي خاتم الأولياء ولاية المؤمنین (حسنة) عظيمة (من حسنات خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم ) عملها بشرع الشرائع وإيضاح الوسائل والذرائع.
(مقدم الجماعة) كلهم من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام (وسيد ولد آدم) كما قال عليه السلام : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» .
ومن أدبه صلى الله عليه وسلم ؟
أنه لم يصرح بسيادته على أبيه آدم عليه السلام في هذا الحديث لكون ذكره بما يشهد أنه أب.
وأما غيره من الأنبياء عليهم السلام وإن كانوا آباؤه أيضا لكن لما ذكرهم بلفظ الولد صرح بسيادته عليهم تلویحا بمقام أبوته لهم في عالم الأرواح.
وأما قوله عليه السلام: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ، فهو تصريح بسيادته العامة وتلويح بأبوته الروحانية لآدم وبنيه "، ولا تعارض لأبوة آدم عليه السلام فيها ، فلم يلزمه التأدب معه بل الأدب هنا التصريح بالسيادة.
فإن أدب الأب مع ابنه بسيادته عليه، وأدب الابن مع أبيه بترك ذكر ذلك .
(في فتح باب الشفاعة) لكل شافع من نبي أو ملك أو ولي، وذلك بالشفاعة العظمى لأجل فصل القضاء يوم الموقف الأعظم، فهو شافع في الشافعين، وهي في الحقيقة شفاعة منه وحده في جميع المذنبين.
ثم بين حقيقة شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم بقوله :
(فعين)، أي محمد (بشفاعته) العامة (حالا خاصا) من أحوال حقیقته الجامعة لجميع الحقائق.
وذلك الحال الخاص وهو الرحمة التي سبقت الغضب من حيث إنها لله في الإطلاق وله في التقييد وهي رحمة الرحيم .
كما قال تعالى: " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)" سورة التوبة.
فرحمته المقيدة به هي ذلك الحال الخاص (ما عمم) في جميع الأحوال ولو عمم لبقي الخلق كلهم على ما هم عليه (وفي هذا الحال الخاص) المذكور (تقدم) صلى الله عليه وسلم وهو متخلق به بطريق التقلب (على) غيره من (الأسماء الإلهية) كمن يمسك بيده ذبابة وهو قاصد إهلاكها، ثم يقصد رحمتها والرأفة بها، فيشفع القصد الثاني عند القصد الأول.
أي يصير معه قصدين بعد أن كان الأول قصدا واحدا والاثنان هما الشفع.
فيخفف من يضيق يده على تلك الذبابة وربما أطلقها، ثم بينه بقوله .
(فإن) الاسم (الرحمن)، وهو ظهور الرحيم كمال الظهور حتى يعم المؤمن والكافر، ولهذا الشفاعة في فصل القضاء تعم المؤمن والكافر ولكن المقصود بها المؤمنون والكافرون بالتبعية، وهو الرحمة العامة والحال العام لا الخاص، لأنه من الله زيادة على ما طلبه النبي عليه السلام كما قال تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " 26 سورة یونس.
فالحسنى لطلبهم لها باحسانهم والزيادة لبقاء الإطلاق في التقييد، فما من العبد مقید وما من الرب مطلق.
ونظيره من النبي صلى الله عليه وسلم في جواب سؤال من دونه له عن ماء البحر، فقال عليه السلام: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته».
فأجاب عن أكثر من سؤال السائل للتخلق بأخلاق الله سبحانه (ما شفع)، أي صار شفعة (عند) الاسم (المنتقم) حتى يرفع من انتقامه (في أهل البلاء) في الدين كالكافرين والفاسقين (إلا بعد شفاعة الشافعين) الكثيرين من حيث كثرة الصور الظاهرة في الحقائق الرحيمية المنبعثة من الحقائق الرحمانية، لتتقابل الصور الرحمانية بالصور الانتقامية ، فيخفف البلاء المذكور في ذلك الموقف .
(ففاز محمد صلى الله عليه وسلم) دون غيره من المرسلين (بالسيادة) المشار إليها بقوله عليه السلام: «أنا سيد ولد آدم»الحديث. (في هذا المقام الخاص) الذي هو مقام جمع الأولين والآخرين الذين هم صور جميع الأسماء الإلهية المتخلق بها صلى الله عليه وسلم (فمن فهم المراتب) النبوية والرسولية (والمقامات) الأخروية الإلهية (لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام) في حقيقة الشفاعة وغيرها، ومن لم يفهم ذلك بالفهم الوجداني بل بالفهم الخيالي النفساني فهو بعيد عن ذلك محجوب عن كشف ما هناك.
قال رضي الله عنه : (و أما المنح الأسمائية: فاعلم أن منح الله تعالى خلقه رحمة منه بهم، و هي كلها من الأسماء.
فإما رحمة خالصة كالطيب من الرزق اللذيذ في الدنيا الخالص يوم القيامة، و يعطى ذلك الاسم الرحمن. فهو عطاء رحماني.
و إما رحمة ممتزجة كشرب الدواء الكره الذي يعقب شربه الراحة، و هو عطاء إلهي، فإن العطاء الإلهي لا يتمكن إطلاق عطائه منه من غير أن يكون على يدي سادن من سدنة الأسماء.)
وأما بیان (المنح)، أي العطايا (الاسمائية)، أي التي على يد اسم من أسماء الله تعالى وهو القسم الثاني من مطلق العطاءات .
(فاعلم) يا أيها المريد السالك (أن منح)، أي عطايا (الله) تعالى (خلقه)، أي مخلوقاته كلها (رحمة) خالصة (منه) سبحانه (بهم) لا غير ذلك.
(وهي)، أي المنح (كلها) صادرة (من) حضرة (الأسماء) الإلهية حيث كانت بسبب رحمته بهم، فإن الرحمة من جملة الأسماء باعتبار الرحمن الرحیم بخلاف المنح الذاتية المتقدم ذكرها فإنها لا تعطى غير ذوات المخلوقات من حيث الوجود على حسب ما سبق بيانه .

والرحمة التي هي سبب العطايا الأسمائية على قسمين:
(فإما رحمة خالصة) من شوب عذاب (كالطيب)، أي الحلال (من الرزق اللذيذ) مأكلا كان أو مشربا أو ملبسا أو منکحا أو مسكن أو منظورة أو مسموعة أو مشمومة (في) الحياة (الدنيا الخالص) من شوب التنقيص وكدر الحساب ولحوق الوبال والعقاب (يوم القيامة) كما قال تعالى: " قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)» سورة الأعراف.
(ويعطى ذلك)، أي الرزق المذكور (الاسم الرحمن) المتجلي على عرش الوجود، فإنه خالص الرحمة لا يشوبه شيء، ولهذا لما احتجب هذا الاستواء الرحماني على بعض أهل الأرض أكلوا الحرام في عين كونه طيبا لذيذا. لأن الحرام حكم الله عليهم لا عين المأكول.
ومن هذا القبيل كل ما لا يلائم فإنه من تجلي اسم آخر مما سمي به الرحمن المتجلي على العرش، لأنه جامع لجميع الأسماء كاسم الله بحكم قوله تعالى: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى"110 سورة الإسراء.
فلو تمحض هذا التجلي الرحماني لأعطى الرحمة المحضة.
(فهو)، أي ذلك العطاء حينئذ (عطاء رحماني) وهو لأهل العناية الذين يمشون على أرض الجسمانيات والروحانيات هونا، أي بالهوينا من غير تكلف ولا تعسف كما وصفهم الله تعالى بقوله : "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " 63 سورة الفرقان. إلى آخره .
(وإما رحمة ممتزجة) بعذاب (کشرب الدواء الكريه) في الطعم والرائحة (الذي يعقب شربه) للمريض (الراحة) بالشفاء من مرضه (وهو عطاء إلهي).
لأنه يعطيه الاسم الإله الموصوف به الرحمن المتجلي على العرش من حيث ظهوره ولكل شيء بما ينفعه، ولا أنفع للعبد من الذل وهو العبادة ، فالإله هو المعبود طوعا أو كرها، فرحمته ممزوجة بعذاب .
(فإن العطاء الإلهي)، أي المنسوب إلى الحضرة الإلهية (لا يمكن إطلاق) نسبة (عطائه منه) لشيء مطلقا (من غير أن يكون) ذلك العطاء الإلهي صادرة من الإله تعالى (على يدي سادن)، أي خادم (من سدنة)، أي خدمة (الأسماء) الإلهية فالحضرة الإلهية بمنزلة الدار الواسعة، والحاضر فيها من حيث هو إله تخدمه جميع الأسماء بالعطاء والمنع، إذ لا يمكن أن يناول سائلا هو بنفسه من غیر واسطة خادم لكمال عظمته وحقارة السائل .
قال رضي الله عنه : (فتارة يعطي الله العبد على يدي الرحمن فيخلص العطاء من الشوب الذي لا يلائم الطبع في الوقت أو لا ينيل الغرض و ما أشبه ذلك. و تارة يعطي الله على يدي الواسع فيعم، أو على يدي الحكيم فينظر في الأصلح في الوقت، أو على يدي الوهاب ، فيعطي لينعم لا يكون مع الواهب تكليف المعطى له بعوض على ذلك من شكر أو عمل، أو على يدي الجبار فينظر في الموطن و ما يستحقه، أو على يدي الغفار فينظر المحل و ما هو عليه. فإن كان على حال يستحق العقوبة فيستره عنها، أو على حال لا يستحق العقوبة فيستره عن حال يستحق العقوبة فيسمى معصوما و معتنى به و محفوظا و غير ذلك مما شاكل هذا النوع.)
فتارة يعطي الله تعالى (العبد على يدي) الاسم (الرحمن) من حيث إن ذلك العبد مستعد لقبول تجلي الاسم الرحمن سواء علم العبد ذلك أو لم يعلم (فيخلص العطاء) حينئذ لذلك العبد (من الشوب)، أي الخلط والمزج بالكريه (الذي لا يلائم الطبع) البشري (في) ذلك (الوقت أو لا ينيل)

يتبع الفقرة الخامسة
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:24 من طرف عبدالله المسافر

2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

الفقرة الخامسة :
ذلك العبد (الغرض) الذي يؤمله (وما أشبه ذلك) من أنواع الشوب المذموم عند ذلك العبد كالتأخير أو التقديم.
وتارة يعطى الله سبحانه العبد (على يدي) الاسم (الواسع) من حيث استعداد العبد لذلك، فإن الدعاء بالاستعداد منصرف إلى ذلك الاسم الذي عنده مقتضى ذلك
الاستعداد، والله تعالى عنده حوائج جميع السائلين يجيبهم بأسمائه المناسبة لاستعداداتهم (فيعم) ذلك الاسم حينئذ ذلك العبد في ظاهره وباطنه في جميع أحواله إلى آخر مدته .
(أو) يعطي الله تعالى العبد (على يدي) الاسم (الحكيم) من حيث استعداد ذلك العبد له (فينظر) ذلك الاسم حينئذ (في) الأمر (الأصلح للعبد في ذلك الوقت)، فيكون عطاؤه منه (أو) يعطي تعالى العبد (على يدي) الاسم (الوهاب) .
حيث استعد له العبد (فيعطی) ذلك الاسم (لينعم ولا يكون مع) إعطاء (الوهاب) سبحانه وتعالى (تكليف المعطى له) الذي هو ذلك العبد (بعوض على ذلك) الأمر الموهوب له (من شکر) يوجبه عليه بالقلب أو باللسان.
(أو عمل) يطلبه منه سر الهبة بل تكون الهبة لمحض العطاء والامتنان (أو) يعطي (على يدي) الاسم (الجبار) للعبد المستعد لذلك (فينظر) ذلك الاسم في الموطن الذي فيه ذلك العبد وما يستحقه فيجبر كسره بما هو اللائق به .
(أو على يدي) الاسم (الغفار) للعبد المستعد للمغفرة (فينظر) ذلك الاسم في المحل الذي قام فيه العبد متصف بما يقتضيه ذلك المحل من المخالفة (وما هو عليه) ذلك العبد بعد صدور المخالفة منه من الحالة من ندم أو إصرار.
(فإن كان)، أي ذلك العبد (على حال يستحق العقوبة)، لإصراره على المخالفة، وقد أعطاه الغفار على وجه الرحمة به (فيستره)، أي ذلك العبد (عنها)، أي عن العقوبة بحيث يجعله على حالة لا تليق به العقوبة لحسنة عظيمة فعلها ونحو ذلك.
(أو) كان ذلك العبد (على حال لا يستحق العقوبة) لندم على المخالفة (فيستره) سبحانه وتعالى بمحض عنايته (عن حال يستحق العقوبة) فيه (ويسمى العبد) حينئذ (معصومة) في ملك ونبي (ومعتني به ومحفوظة) في صديق وولي (وغير ذلك) من بقية الأسماء الإلهية (مما يشاكل هذا النوع من تفصيل الإعطاءات على حسب
الأسماء المعطية .
قال رضي الله عنه : ( و المعطي هو الله من حيث ما هو خازن لما عنده في خزائنه. فما يخرجه إلا بقدر معلوم على يدي اسم خاص بذلك الأمر. «ف أعطى كل شي ء خلقه» على يدي العدل و إخوانه. و أسماء الله لا تتناهى لأنها تعلم بما يكون عنها- و ما يكون عنها غير متناه- و إن كانت ترجع إلى أصول متناهية هي أمهات الأسماء أو حضرات الأسماء. و على الحقيقة فما ثم إلا حقيقة واحدة تقبل جميع هذه النسب و الإضافات التي يكنى عنها بالأسماء الإلهية. و الحقيقة تعطي أن يكون لكل اسم يظهر، إلى ما لا يتناهى، حقيقة يتميز بها عن اسم آخر، تلك الحقيقة التي بها يتميز هي الاسم عينه لا ما يقع فيه الاشتراك،)
(والمعطي) من تلك الأسماء كلها في عالم الغيب (هو الله) تعالى في حضرة البطون كما أن هذه الأسماء له تعالى هي حضرة الظهور (من حيث ما هو) سبحانه وتعالى (خازن)، أي جامع (لما عنده) من حوائج السائلين كلها (في خزائنه) المملوءة مما لا يتناهی (فما يخرجه)، أي ذلك الذي في خزائنه لعباده (إلا بقدر)، أي بمقدار (معلوم) له قبل إخراجه لا يزيد ولا ينقص .
كما قال تعالى : " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم" 21 سورة الحجر .
(على يدي اسم) إلهي (خاص بذلك الأمر) المخصوص بحسب التفصيل المذكور (فو أعطى ) الله سبحانه ("وكل شيء خلقه")، أي ما خلقه له يعني قدره مما يليق به (على يدي الاسم العدل)، فلم يظلم شيئا (وأخواته) کالاسم الحكم والوالي والقهار ونحو ذلك .
(وأسماء الله) تعالى (وإن كانت لا تتناهی) کثرة، فمنها ظواهر، ومنها ضمائر، والظواهر منها ما ورد في الشرع بلفظه، ومنها ما لم يرد بلفظه، ولكن وقعت الإشارة إليه كقوله تعالى :" يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد" 15 سورة فاطر.
قال الشيخ الأكبر صاحب المتن قدس الله سره في هذه الآية، قد تسمى الله تعالى فيها باسم كل شيء.
ومراده من حيث يفتقر إليه العبد، فإنه لا يفتقر إلا إلى الله تعالی کما نطقت به هذه الآية، فالاسم الواقع على ذلك الشيء المفتقر إليه من جملة أسماء الله تعالى التي لم يرد التصريح بها في الشرع. وإنما ورد الرمز إليها بطريق الإشارة.
وقد أخبرني بعض الإخوان أنه رأى في منامه قبر إبراهيم الخليل وقبر هود عليه السلام وأنه جالس بينهما يتلو أسماء الله الحسنى حتى فرغ منها كلها، فسكت .
فسمع من القبرين من يقول له : أكملها . ثم سمع إكمالها من القبرين بكلام يخرج على منوال ما تلاها.
فإنه قال : اللطيف الخبير العلي العظيم إلى آخره فقيل له : الكافر الفاجر الفاسق التاجر البائع المشتري، وهكذا إلى آخره من هذا القبيل ما لا يحصى، فأصبح خائفا من ذلك مذعورا، فقص علي هذه الرؤيا بحقيقتها وعرفته الأمر على ما هو عليه ، فاعترف به وهو يؤيد ما ذكر هنا.
والأسماء الضمائر منها المتصل كالياء في قوله تعالى: " يا عبادي " [العنكبوت: 56]، والكاف في قول النبي عليه السلام في دعائه: «وأسعدني برؤياك».
وإنا من قوله تعالى: " إنا أنزلناه " [يوسف: 12] والمنفصل كانا في قوله تعالى: "إني أنا الله" [القصص : 30]، وأنت في قوله تعالى: "أنت ولينا" [الأعراف: 155]، وهو في قوله: "هو الله" [الكهف: 38] ونحن في قوله : "إنا نحن نزلنا الذكر" [الحجر: 9]، هذا ما ورد في الشرع بلفظه، ونظيره جميع جنس ذلك مما لم يرد التصريح به ورمز له في الآية المذكورة ونحوها .
"رواية الديلمي : "اللهم اجعلني أخشاك كأنني أراك أبدا حتى ألقاك وأسعدني بتقواك ولا تشقني بمعصيتك وأخر لي في قضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت واجعل غناي في نفسي"."
(لأنها)، أي أسماء الله تعالى (تعلم) بالبناء للمفعول أي تعرف عند الإنسان وغیره (بما يكون) بالتخفيف، أو التشديد، أي يوجد (عنها) من سائر المخلوقات وتتميز بذلك عن بعضها بعضا لأن الأثر دليل على المؤثر وكاشف عنه ومميز له عن غيره (وما يكون عنها) من جميع الكائنات إلى الأبد.
(غير متناه) فهي غير متناهية لأجل ذلك (وإن كانت ترجع) تلك الأسماء التي لا تتناهى (إلى أصول) من الأسماء (متناهية) من حيث معرفة عددها لا من جهة عدد ظهوراتها وتجلياتها التي يتكون عنها كل شيء كما سبق.
(هي)، أي تلك الأصول المتناهية عدد (أمهات) ابتدأت ظهور سائر (الأسماء أو حضرات)، أي مظاهر حقائق جميع (الأسماء) بحيث يتحقق بها ظهور الاسم وينكشف لصاحب الشهود والعيان (وعلى الحقيقة) مما هو وراء ما يظهر لكل عقل من الله تعالى .
(فما ثم)، أي هناك يعني في الوجود والثبوت والتحقق (إلا حقيقة)، أي ذات وماهية (واحدة) لا تعدد لها في نفسها أبدا ولا تقبل ذلك لعدم تركبها، وهي مطلقة عن جميع القيود حتى عن الإطلاق أيضا، لأنه قيد لها (تقبل تلك الحقيقة الواحدة
(جميع هذه النسب) جمع نسبة، وهي أمر مفهوم من بين أمرين أو أمور بحيث لو زال أحد رکنیها زالت ولم تبق (والإضافات) جمع إضافة وهي أمر مفهوم من آخر لا بطريق الاستقلال، وقد تكون النسبة بمعنى الإضافة والإضافة بمعنى النسبة (التي) نعت للنسب والإضافات (یکنی عنها) في لسان الشرع المحمدي (بالأسماء الإلهية) فلولا ماهيات الأشياء المعدومة المقدرة من غير بداية ، المترتبة في العدم على حسب ترتبها في الوجود الظاهر، ما سمى الله تعالى بما سمى به من جميع الأسماء فظهرت أسماء الأفعال بظهور تلك الماهيات، فسمي الخالق بظهور المخلوق، وسمي الرزاق بظهور المرزوق، وظهرت أسماء الذات فسمي القدير بظهور قدرة العبد، والمريد بظهور إرادة العبد وهكذا.
وظهرت أسماء السلوب فسمي القدير بظهور حدوث العبد للعبد، وسمی الباقي بظهور فناء العبد له، وسمي الواحد بظهور التعدد إلى آخره، فهذه الأسماء كلها مجرد نسب وإضافات ظهرت وتعينت بالنسبة إلى تلك الماهيات الظاهرة، وبالإضافة إليها هي ظاهرة متعينة أيضا عند الحق تعالى بالنسبة إلى تلك الماهيات قبل ظهورها، وهي معدومة أزلا، على أن الوجود له تعالى الآن وفيما مضى وفيما سبق وفيما سيأتي في التحقيق، وتلك الماهيات المعدومة على ما هي عليه في عدمها الأصلي، ولكن الحق تعالى يقلب القلوب والأبصار تقليبة، ومن جملة أحوال تلك الماهيات المعدومة فهو معدوم مثلها، فبرأها وجوده منسوبة إلى تلك الماهيات المعدومة، والحق على ما هو عليه من الوجود، والماهيات المعدومة على ما هي عليه من العدم، وأسماء الله تعالى على ما هي عليه نسب وإضافات موجودة أزلا وأبدا بوجود هو عین ذاته تعالى لا بوجود آخر مستقل، ولهذا كانت عند الأشعري رحمه الله تعالى : ليست عين الذات ولا غير الذات .
(والحقيقة) التي هي نفس الأمر عند العارف (تعطي أن يكون لكل اسم) من أسماء الله تعالى (يظهر) في الكون بصورة أثره المخصوص (إلى ما لا يتناهى) من الآثار، فإنها لا تتكرر على الأبد فيلزم أن تتكرر الأسماء الظاهرة بها إلى الأبد، فكل ذرة من ذرات الوجود لها في كل لمحة وجود به هي غيرها في التحقيق.
وذلك الوجود يظهر اسما مخصوصا من أسماء الله تعالى، ثم لا يعود ذلك الاسم إلى الظهور أبدا، بل يظهر بعده اسم آخر غيره مشابها له أو غير مشابه ولا مشابهة من كل وجه أصلا (حقيقة)، أي سرابة باطنية في غيب حقيقة الحق تعالى (يتميز) ذلك الاسم (بها) في ظهوره بذلك الأثر المخصوص (عن) حقيقة (اسم آخر) من أسماء الله تعالى.
وتلك الحقيقة التي يتميز بها ذلك الاسم في غيب ذات الحق تعالى (هي) بنفسها ذلك (الاسم عينه لا) هي (ما يقع فيه الاشتراك) بين جميع الأسماء من حقيقة غيب الحق تعالی المسمى بجميع هذه الأسماء من حيث قيام حقائق الأسماء كلها به تعالى، وتلك الحقيقة التي لكل اسم لا تعين لها بنفسها في حقيقة غيب الذات الحق  تعالى، وإنما تعينها بحقيقة غيب الذات على وجه لا يغایر حقيقة غيب الذات، وتلك الصورة الكونية التي هي أثر ذلك الاسم تكشف عن ذلك التعين الغيبي وتميز حقيقة ذلك الاسم عن غيره عند العارف على وجه لا يغير ما كان الأمر عليه في نفسه قبل ذلك التعين وذلك الانكشاف ، فالأمر غيب وشهادة ومستور و مکشوف غير هذا لا یکون .
قال رضي الله عنه : ( كما أن الأعطيات تتميز كل أعطية عن غيرها بشخصيتها، و إن كانت من أصل واحد، فمعلوم أن هذه ما هي هذه الأخرى، و سبب ذلك تميز الأسماء. فما في الحضرة الإلهية لاتساعها شي ء يتكرر أصلا. هذا هو الحق الذي يعول عليه.
و هذا العلم كان علم شيث عليه السلام، و روحه هو الممد لكل من يتكلم في مثل هذا من الأرواح ما عدا روح الخاتم فإنه لا يأتيه المادة إلا من الله لا من روح من الأرواح، بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح، و إن كان لا يعقل ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري. )
(كما أن الأعطيات) التي هي آثار تلك الأسماء (تتميز كل أعطية) منها (عن غيرها بشخصيتها) التي هي صورتها الخاصة بها (وإن كانت) كلها صادرة (من أصل واحد) وهو مرتبة الإمكان (ومعلوم أن هذه) الأعطية بعينها (ما هي هذه) الأعطية (الأخرى) بعينها (وسبب ذلك) التمييز بين العطايا إنما هو (تميز الأسماء) وسبب تميز الأسماء اختلاف الحقائق الأسمائية في غيب الحقيقة الذاتية كما ذكرنا .
(فما في الحضرة الإلهية لإتساعها) الذي لا يتناهى (شيء يتكرر) في ظهوره مرتين (أصلا) بل كل شيء له ظهور واحد مرة واحدة عن اسم واحد إلهي يظهر بظهور ذلك الشيء ثم يبطن ببطونه، فلا يظهر بعد ذلك أبدا لا ذلك الشيء ولا ذلك الاسم بل يظهر شيء آخر باسم آخر وهكذا دائما إلى ما لا يتناهى.
(هذا) الأمر المذكور (هو الحق) المطابق لما هو في نفس الأمر (الذي يعول) بالبناء للمفعول، أي يعول (عليه) أهل التحقيق (وهذا) هو (العلم) الذي (كان علم شیث) النبي (عليه السلام) وهو مشربه الخاص الذي كان يذوق الحقيقة منه (وروحه)، أي شيث عليه السلام (هو الممد) من حيث السبب الظاهر الروحاني لكل من يتكلم عن تحقق ووجدان بکشف وعیان (في مثل هذا) العلم المذكور  (من) بيان لمن (الأرواح) المنفوخة في الأشباح الإنسانية (ما عدا روح الإنسان
الخاتم) للأولياء ولاية رسالة أو ولاية نبوة أو ولاية إيمان (فإنه لا تأتيه المادة) العلمية في هذا الأمر (إلا من) جناب (الله) تعالى وحده (لا من) واسطة (روح من الأرواح) الكاملة مطلقة .
وإن كشف له منهم عن عين ما هو متحقق من فيض الله تعالی لیری منة الله تعالى عليه (بل من روحه) تلك المستمدة من الحق تعالى بلا واسطة تكون المادة العلمية (لجميع الأرواح) الداخلين في جنس ولايته (وإن كان) هو (لا يعقل ذلك) الإمداد لهم (من نفسه في زمان ترکیب جسده العنصري) لتقيده بتدبيره في عالم الكون والفساد.
قال رضي الله عنه : ( فهو من حيث حقيقته ورتبته عالم بذلك كله بعينه، من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري.
فهو العالم الجاهل، فيقبل الاتصاف بالأضداد كما قبل الأصل الاتصاف بذلك، كالجليل والجميل ، و كالظاهر و الباطن و الأول و الآخر و هو عينه ليس غير. فيعلم لا يعلم، ويدري لا يدري، و يشهد لا يشهد. و بهذا العلم سمي شيث لأن معناه هبة الله.
فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أصنافها و نسبها، فإن الله وهبه لآدم أول ما وهبه: و ما وهبه إلا منه لأن الولد سر أبيه.
فمنه خرج و إليه عاد. فما أتاه غريب لمن عقل عن الله. )
(فهو من حيث حقيقته) الأسمائية (ورتبته) الروحانية (عالم ذلك) الإمداد المذكور (كله بعينه) لا بمثله (من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري) الكثافة الحجاب الجسماني فإذا تجرد عنه علم ذلك بصفاته الروحانية ورقة اللطيفة النورانية الإنسانية .
(فهو العالم) من حيث حقيقة النورانية (الجاهل) من حيث جسمانيته الظلمانية وهو واحد في ذاته (فيقبل الاتصاف بالأضداد) لكثرة وجوهه واعتباراته (کما قبل الأصل) الحقي الحقيقي (الاتصاف بذلك)، أي بالأضداد (کالجليل) من الجلال وهو منشأ العظمة والهيبة (والجميل) من الجمال وهو منشأ اللطف والأنس وهما اسمان متقابلان مقتضى أحدهما غير مقتضى الآخر.
(وكالظاهر والباطن والأول والآخر) فإن كل واحد يقابل ما بعده .
(وهو)، أي خاتم الأولياء المذكور (عينه)، أي عين الأصل المذكور باعتبار قبوله لجميع الأوصاف التي قبلها الأصل إن لم تعتبر قعوده لذلك الأصل المطلق
(وليس غیره)، أي غير ذلك الأصل إلا إذا اعتبرت فيه قيوده، فإنه غيره حينئ والقيود أمور عدمية ولا اعتبار للعدم فهو عينه من غير ريب.
كما قال تعالى: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" [البقرة: 2]، ولكن لا بد من اعتبار تلك القيود العدمية في الجملة .
ولهذا قال : (فيعلم) ذلك الولي الخاتم من حيث إطلاقه الحقيقي ولا يعلم من حيث قيوده المجازية (ویدری) باطنة (ولا يدري) ظاهرة (ويشهد) بحقيقته (ولا يشهد) بشريعته فهو المطلق الذي لا يقيده وصف ولا عدم وصف .
وبهذا العلم الشريف المذكور (سمي شيث) النبي عليه السلام (لأن معناه)، أي معنى لفظ شيث باللغة السريانية لغة آدم عليه السلام (الهبة) بمعنى العطية (أي هبة الله) يعني عطيته (فبيده)، أي يد شيث عليه السلام (مفتاح) باب (العطايا) كلها (على) حسب اختلاف أصنافها الذاتية والأسمائية.
(ونسبها) من حيث كونها أسمائية كنسبة الغفار أو الستار أو الحليم أو الحکیم (فإن الله) تعالى (وهبه)، أي شيث عليه السلام (لآدم) عليه السلام (أول ما وهبه) في الحياة الدنيا بعد قبول توبته.
(وما وهبه)، أي الله تعالى آدم عليه السلام (إلا منه)، أي من نفس آدم عليه السلام (لأن الولد سر أبيه) ما يسره أبوه و يضمره، أخرجه عند توجهه بنطفته على رحم الأم، فكان الولد باطن الأب، فكيف ما اتصف باطن الأب يتصف ظاهر الابن.
(فمنه)، أي من أبيه (خرج) الابن إلى عالم الدنيا (وإليه)، أي إلى أبيه (يعود) بعد فناء هويته كالحبة تدفن تحت الأرض فنبتت حشيشة، ثم تخرج تلك الحبة في أعلى الحشيشة، فترجع إلى أصلها بعد فناء الزائد عليها من الساق والورق والقشر
(فما أتاه) أى الأب وهو آدم عليه السلام (غريب) عنه بل أتاه ابنه وهو بضعه منه بل هو خرج منه وأتي إليه وليس بأجنبي عنه.
ولهذا اعتبر الشرع نسب الولادة في الإنسان فخصه بأحكام ليست لغيره وهذا أمر واضح (لمن عقل) كل شيء (عن الله) تعالى بدون واسطة.
فلا خفاء فيه عنده ومن عقل عن غير الله تعالى خفي عليه وشكك فيه .
قال رضي الله عنه : ( وكل عطاء في الكون على هذا المجرى. فما في أحد من الله شيء، وما في أحد من سوى نفسه شي ء وإن تنوعت عليه الصور. وما كل أحد يعرف هذا، وأن الأمر على ذلك، إلا آحاد من أهل الله. فإذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل الله تعالى. فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقي إليه ما لم يكن عنده من المعارف وتمنحه ما لم يكن قبل ذلك في يده، فتلك الصورة عينه لا غيره. فمن شجرة نفسه جنى ثمرة علمه، كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ليس غيره، إلا أن المحل أو الحضرة التي رأى فيها صورة نفسه تلقى إليه تنقلب من وجه بحقيقة تلك الحضرة كما يظهر الكبير في المرآة الصغيرة صغيرا أو المستطيلة مستطيلا، والمتحركة متحركا. وقد تعطيه انتكاس صورته من حضرة خاصة. )
(وكل عطاء في الكون على هذا المجرى) يكون بحسب استعداد السائل له فإذا أعطيه ، فما أعطى غیر استعداده لا مطلقا، فقد رجع إليه ما خرج منه (فما في أحد) مطلقا من نبي أو ملك أو ولي (من الله) تعالى (شيء) فمن عرفه تعالى منهم إنما عرف استعداده.
فإستعداده ظهر له في نور معرفة الله تعالى التي تعرض لها، ولو لم يتعرض لها بسؤاله ما أعطته استعداده منها (وما في أحد من سوى نفسه) المستعدة لمعرفة (شيء) فلم يعرف أحد غير نفسه.
(وإن تنوعت عليه)، أي على ذلك الأحد الذي استعد لمعرفة غيره فعرف نفسه في نور معرفة غيره فقط (الصور) الكثيرة فالتبس عليه أمره، فإنه يعرف نفسه من قبل في صورة، ثم ظهرت له نفسه في صورة أخرى عند تعرضه لنور معرفته غيره بحسب استعداده .
فكلما تحقق في معرفة غيره تبدلت له نفسه بحسب اختلاف استعدادها في أطوارها بصور كثيرة منسوبة عند نفسه إلى ذلك الغير.
وإنما هي صور نفسه فقط، والغير على ما هو عليه لا يعرف.
(وما كل أحد) ممن تعرض لهذا العلم (يعرف هذا) الأمر لخفائه ودقته على الأفهام وعزته على الأذواق والمواجيد .
(و) لا كل أحد يعرف أن الأمر المذكور في عين الحقيقة (على ذلك) الوصف من غير شك (إلا آحاد) منفردون بالمعرفة المذكورة (من أهل) طريق (الله) تعالی (فإذا رأيت) يا أيها المريد (من يعرف ذلك) الأمر العظيم المذكور ذوقا ووجدانا (فاعتمد عليه) تفلح باتباعه إن شاء الله تعالى.
(فذلك) العارف المذكور (هو عين صفاء خلاصة)، أي زبدة (خاصة الخاصة من عموم أهل) طريق (الله) تعالی.
(فأي صاحب کشف) من العارفین (شاهد) ببصيرته أو ببصره (صورة) معقولة أو محسوسة منسوبة عنده إلى غيره (تلقى إليه) تلك الصورة (ما لم يكن عنده من المعارف) الإلهية (وتمنحه)، أي تعطيه (ما لم يكن قبل ذلك في يده) من العلوم الربانية.
(فتلك الصورة) المذكورة (هي عينه)، أي ذاته وهويته وحقيقته (لا) هي (غيره) كما يزعم لقصوره في الشهود عن معرفة مراتب الوجود.
(فمن شجرة نفسه) التي تنبت الصور المختلفة الكثيرة بعدد المعقولات له والمحسوسات (جنى)، أي اقتطف بيد حسه وحدسه (ثمرة غرسه) النابتة في شجرة نفسه.
(كالصورة الظاهرة منه)، أي من ذلك الإنسان (في مقابلة الجسم الصقيل) من مرآة أو ماء أو صحفة زجاج أو حجر مجلو ونحوه.
(ليس) ذلك الظاهر له (غيره)، أي غير نفسه (إلا أن المحل) الذي ظهرت فيه نفسه له بتلك الصورة (أو الحضرة التي رأى فيها صورة نفسه) ظاهرة له (وهي تلقى إليه) ما لم يكن عنده من المعارف والعلوم .
(تنقلب)، أي تلك الحضرة أو المحل الذي رأى فيه صورة نفسه من وجه غير الوجه الذي به تلك الحضرة.
وذلك المحل مغاير للناظر فيه (بحقيقة تلك الحضرة) التي رأى فيها صورة نفسه فتكون قابلة لأن تريه صورة نفسه بنفسها من غير أن تتغير عما هي عليه من قبل
كما يظهر الشيء الكبير في المرآة كبيرة على ما هو عليه.
(و) الشيء (الصغير صغيرة والمستطيل مستطيلا والمتحرك متحركا)، ولم تتغير المرآة عما هي عليه في نفسها
(وقد تعطيه)، أي تعطي تلك المرآة ذلك الشيء (انعکاس صورته)، أي عکسها، فيظهر فيها الكبير صغيرا والمستدير مستطيلا (من) جهة (حضرة) تلك المرآة (خاصة) كما إذا كانت المرأة صغيرة أو مستطيلة الصفحة، وربما ظهر الشيء الواحد في المرأة الواحدة أشياء كثيرة إذا كانت صفحة المرأة مضلعة .
قال رضي الله عنه : ( وقد تعطيه عين ما يظهر منها فتقابل اليمين منها اليمين من الرائي، وقد يقابل اليمين اليسار و هو الغالب في المرايا بمنزلة العادة في العموم: و بخرق العادة يقابل اليمين اليمين و يظهر الانتكاس. وهذا كله من أعطيات حقيقة الحضرة المتجلى فيها التي أنزلناها منزلة المرايا. فمن عرف استعداده عرف قبوله، وما كل من عرف قبوله يعرف استعداده إلا بعد القبول، و إن كان يعرفه مجملا. إلا أن بعض أهل النظر من أصحاب العقول الضعيفة يرون أن الله، لما ثبت عندهم أنه فعال لما يشاء، جوزوا على الله تعالى ما يناقض الحكمة و ما هو الأمر عليه في نفسه. ولهذا عدل بعض النظار إلى نفي الإمكان و إثبات الوجوب بالذات و بالغير. والمحقق يثبت الإمكان و يعرف حضرته، و الممكن ما هو الممكن و من أين هو ممكن و هو بعينه واجب بالغير، و من أين صح عليه اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب. )
ولا يعلم هذا التفصيل إلا العلماء بالله خاصة.
(وقد تعطیه) تلك المرآة (عين ما يظهر) له (منها) من غير انتكاس (فيقابل) الجانب (اليمين منها) الجانب (اليمين من الرائي) وهو نادر في بعض المرائي المصنوعة على الحكمة.
(وقد يقابل الجانب اليمين من المرآة) الجانب (اليسار) من الرائي (وهو الغالب)، أي الكثير (في المرائي) المشهورة (بمنزلة العادة) الجارية (في العموم) بين الناس.
(وبخرق العادة) في المرآة (أن يقابل الجانب اليمين) منها الجانب (اليمين) من الرائي (ويظهر الانتكاس) بأن يظهر الكبير صغيرة والمستدير مستطيلا ونحو ذلك.
(وهذا) الاختلاف (کله) بالصور الكثيرة للحق الواحد المتجلي بذاته في ذاته (من عطاءات) حقيقة (الحضرة) الواحدة (المتجلي) بصيغة اسم المفعول (فيها التي نزلناها) من قبل (منزلة المرايا) الكثيرة المختلفة من حيث كثرة صفاتها أو أسمائها التي لا تعد ولا تحصى.
و (فمن عرف استعداده) بأن عرف حقيقة الاسم من الحضرة التي يتجلى فيها الحق (عرف قبوله) لأن كل اسم له قبول مخصوص من الحق المتجلي فيه، فقبول الاسم اللطيف غير قبول الاسم المنتقم، ونحو ذلك.
والأثر الكوني هو الظاهر بالاسم بين المتجلي والمتجلي عليه المسمى بذلك الاسم.
(وما كل من يعرف قبوله) الذي هو الأثر الكوني المذكور (يعرف استعداده) الذي هو حقيقة ذلك الاسم المخصوص (إلا بعد القبول) بظهور ذلك الأثر المذكور
(وإن كان يعرفه)، أي استعداده (مجملا) من حيث أنه حقيقة اسم إلهي مخصوص ولا يعرف تفصيله بتميزه عن غيره.
(إلا أن بعض أهل النظر)، أي الاستدلال وهم بعض الفرق الضالة (من أصحاب العقول الضعيفة) المحجوبة عن شهود الحق تعالى.
(یرون)، أي يعتقدون (أن الله) تعالى (لما ثبت عندهم) بالأدلة العقلية والبراهين القطعية (أنه فعال لما يشاء) من غير عجز عن شيء مطلقا (جوزوا على الله) تعالى أن يفعل (ما يناقض الحكمة) كما يفعل ما هو على مقتضى الحكمة.
(و) أن يفعل (ما هو الأمر عليه في نفسه) من حيث ثبوته في العدم من غير وجود ولهذا يسمون المعدوم شيئا للثبوت المذكور، فعلى زعمهم هذا كل من يعرف قبوله يعرف استعداده قبل قبوله، مفصلا كان الاستعداد غير مقيد بمقتضى الحكمة.
(ولهذا)، أي لتجويزهم على الله تعالى ما يناقض الحكمة (عدل بعض النظار) منهم (إلى نفي الإمكان) وعدم جعله قسما من أقسام الحكم العقلي وذهبوا إلى حصر الحكم العقلي في الممتنع والواجب (وإثبات الوجوب بالذات) والوجوب (بالغير) فقط.
(والمحقق) من أهل السنة والجماعة (يثبت) قسم (الإمكان) مع الامتناع والوجوب (ويعرف حضرته)، أي الإمكان، وهي البرزخية الفاصلة بين الامتناع والوجوب، أي أن انعدام التحقق بالممتنع وإن وجد التحقق بالواجب.
فبسببه ينقسم الممتنع إلى ممتنع بالذات وممتنع بالغير، وينقسم الواجب إلى واجب بالذات وواجب بالغير، لأن الممكن ليس أصله العدم ولا الوجود فعدمه بالغير ووجوده بالغير.
(و) يعرف (الممكن ما هو الممكن)، فإن حقيقته مركبة من عدم ووجود، فما فيه من المقدار المخصوص من العدم، وما فيه من التحقق والثبوت من الوجود، فهو مظهر للممتنع ومظهر للواجب.
(و) يعرف (من أين هو ممكن) فإن إمكانه من مقابلة الوجوب للامتناع وموازاة الوجود للعدم، بحيث لو تميز كل واحد منهما عن الآخر في بصيرة الممكن، كما هو متميز في نفس الأمر، ارتفعت حقيقة الإمكان من بينهما.
ومثاله في المحسوس: أنك لو وضعت في إناء واحد صبغين صبغة أحمر وصبغة أخضر مثلا، وخلطتهما معا، فإنه يظهر منهما، صبغ ثالث ليس هو واحد منهما وليس هو أمرا زائدا عليهما، وهو حقيقة الممكن.
فإذا ميزت بينهما وفرقت أحدهما عن الآخر، زال ذلك الصبغ الثالث وبقي كل واحد من الصبغين على حاله (وهو)، أي الممكن.
(بعينه واجب الوجود بالغير) إذ لا يتصور عدمه في حال وجوده، وكل ما لا يتصور عدمه فهو واجب.
فالممكن من هذا الوجه واجب، ولكن وجوبه بواجب الوجود بالذات لا بذاته.
فلهذا كان واجب الوجود بالغير، وهذا الوصف له ما دام موجودة، فإذا انعدم صار ممتنع الوجود بالغير لا بالذات.
(و) يعرف (من أين صح عليه)، أي على الممكن (اسم) ذلك (الغير الذي اقتضى له الوجوب).
فإن لفظ الواجب الوجود اسم في الأصل للواجب الوجود بالذات، وانطلاقه على واجب الوجود بالغير بسبب استيلاء ذلك الغير عليه.
بحيث کساه وصفه وهو الوجود وأعطاه اسمه وهو الوجوب.
وذلك في أشرف أحواله، وهو حالة وجوده إذ في حالة عدمه هو ممتنع الوجود بالغير أيضا.
و إمكانه في نفسه لا يفارق أبدا، لأنه وصفه لا باعتبار وجوده ولا باعتبار عدمه (ولا يعلم هذا التفصيل) في الممكن ويفرق بين جهاته ويعرف أنواع استعداداته (إلا العلماء بالله) سبحانه (خاصة) دون غيرهم من العلماء.
قال رضي الله عنه : ( و على قدم شيث يكون آخر مولود يولد من هذا النوع الإنساني. و هو حامل أسراره، و ليس بعده ولد في هذا النوع. فهو خاتم الأولاد. و تولد معه أخت له فتخرج قبله و يخرج بعدها يكون رأسه عند رجليها. و يكون مولده بالصين و لغته لغة أهل بلده. و يسري العقم في الرجال و النساء فيكثر النكاح من غير ولادة و يدعوهم إلى الله فلا يجاب. فإذا قبضه الله تعالى و قبض مؤمني زمانه بقي من بقي مثل البهائم لا يحلون حلالا و لا يحرمون حراما، يتصرفون بحكم الطبيعة شهوة مجردة عن العقل و الشرع فعليهم تقوم الساعة. )
(وعلى قدم شيث) النبي عليه السلام (يكون آخر مولود يولد من هذا النوع الإنساني) في الأرض.
(وهو)، أي ذلك المولود (حامل أسراره)، أي أسرار شيث عليه السلام يعني وارثا له في مقامه (وليس بعده ولد) يولد (في هذا النوع) أبدا (فهو خاتم الأولاد) الآدمية (وتولد معه أخت له) يكونان توأمين من بطن واحد .
(فتخرج) أخته (قبله ويخرج) هو (بعدها يكون رأسه في وقت خروجه عند رجليها) ليختم هذا النوع بذكره كما افتتح به.
وقبله أنثى أخرى كما بعده أنثى أولا، وكانت البداية بالإنسان الكامل فتكون النهاية أيضا بالإنسان الكامل .
وفي الحديث: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» والمراد حتى يفقد الإنسان الكامل من الأرض (ویکون مولده)، أي ذلك المولود الذي هو خاتم الأولاد (بالصين)، وهي البلاد التي في أقصى الهند (ولغته التي يتكلم بها لغة أهل بلده)، أي الصين (ويسري العقم)، أي انقطاع التوالد بعد ذلك (في النساء والرجال)، في جميع الأرض (فيكثر النكاح)، ولكن (من غير ولادة ويدعوهم)، أي يدعو الخلق ذلك المولود الكامل (إلى) دین (الله) تعالى (فلا يجاب) لغلبة الجهل وإليه الإشارة بقول النبي عليه السلام: «اطلبوا العلم ولو بالصين». يعني لا يسقط عنكم طلب العلم المفروض عليكم، ولو لم تجده إلا بالصين كما هو كذلك في آخر الزمان .
والمراد به العلم بالله تعالى (فإذا قبضه)، أي أماته (الله وقبض مؤمني زمانه)، جميعهم حتى يعم الموت كل مؤمن في الأرض (بقي من بقي مثل البهائم) صورهم صور بني آدم ونفوسهم نفوس الحيوان (لا يحلون) شيئا (حلالا ولا يحرمون) شيئا حراما) لعدم معرفتهم بالله تعالى ولا بأحكامه (يتصرفون) في جميع أمورهم (بحكم)، أي مقتضى (الطبيعة) المحضة (شهوة مجردة)، أي خالصة (عن) تدبیر (العقل والشرع فعليهم تقوم الساعة) وهم شرار الناس كما ورد في الحديث: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس».

تم الفص الشيثية.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى