المواضيع الأخيرة
» 04 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 - 11:11 من طرف عبدالله المسافر

» شرح "18" تجلي السماع والنداء .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأحد 9 ديسمبر 2018 - 9:01 من طرف عبدالله المسافر

» 04 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .شرح داود القيصرى فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
السبت 8 ديسمبر 2018 - 18:44 من طرف عبدالله المسافر

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "66" إني أغار إذا سمعت واحدا يقول الله الله وهو يرى غیره
السبت 8 ديسمبر 2018 - 15:46 من طرف عبدالله المسافر

» 4 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .شرح القاشاني كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 8 ديسمبر 2018 - 2:06 من طرف عبدالله المسافر

» شرح البيت "5" فإن ذكرت في الحي أصبح أهله نشاوی .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 19:10 من طرف عبدالله المسافر

» شرح الابيات 41 - 50 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 18:55 من طرف عبدالله المسافر

» شرح البيت "5" فإن ذكرت في الحي أصبح أهله نشاوى .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 18:42 من طرف عبدالله المسافر

» 04 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 20:41 من طرف الشريف المحسي

» السفر الرابع فص حكمة قدوسية فى كلمة إدريسية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 19:04 من طرف الشريف المحسي

» 4- فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 15:07 من طرف الشريف المحسي

» المرتبة الرابعة الظهور الصرف .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 15:36 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الثانية الوجود المطلق .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 15:26 من طرف عبدالله المسافر

» شرح خطبة الشيخ الأكبر لكتاب فصوص الحكم .كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ الشريف ناصر بن الحسن الحسيني السبتي الكيلاني
الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 23:49 من طرف عبدالله المسافر

»  المرتبة الثالثة الواحدية .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الأحد 2 ديسمبر 2018 - 14:59 من طرف عبدالله المسافر

» 4 - فصّ حكمة قدّوسية في كلمة إدريسيّة .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 2 ديسمبر 2018 - 12:57 من طرف عبدالله المسافر

» فصل شريف ونص لطيف في سبب الاختلافات الواقعة في الكشوف والأذواق .كتاب مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ الشريف ناصر بن الحسن الحسيني السبتي الكيلاني
السبت 1 ديسمبر 2018 - 15:53 من طرف عبدالله المسافر

» 4 - فك ختم الفص الادريسى .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السبت 1 ديسمبر 2018 - 14:27 من طرف عبدالله المسافر

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "65" الدرس الخامس والستون السائل هدية الله عز وجل إلى عبده
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 19:14 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"3" ولولا شذاها ما اهتديت لحانها، .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 17:50 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "4" ولم يبق منها الدهر غير حشاشة .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 17:28 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"4" ولم يبق منها الدهر غير حشاشة .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 17:26 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 31 - 40 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الجمعة 30 نوفمبر 2018 - 15:18 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 21 - 30 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الجمعة 16 نوفمبر 2018 - 8:26 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "3" ولولا شذاها ما اهتديت لحانها .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الجمعة 16 نوفمبر 2018 - 7:49 من طرف الشريف المحسي

» شرح "17" تجلي العدل والجزاء .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 11:43 من طرف الشريف المحسي

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "64" الدرس الرابع والستون يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة
الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 10:51 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "2" لها البدر كأس وهي شمس يديرها .كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 13:23 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت "1" شربنا على ذكر الحبيب مدامة كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 13:23 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"1" شربنا على ذكر الحبيب مدامة .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 10:31 من طرف الشريف المحسي

» شرح البيت"2" لها البدر كأس وهي شمس يديرها .كتاب شرح الميمية - الخمرية سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 10:29 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة الشارح القيصري لكتاب شرح القصيدة الميمية - الخمرية لابن الفارض شرح الشيخ داود القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 12:20 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة المحقق كتاب شرح خمرية سلطان العاشقين عمر ابن الفارض للشيخ داوود ابن محمود ابن محمد القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 11:53 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 11 - 20 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الأحد 11 نوفمبر 2018 - 7:59 من طرف الشريف المحسي

» كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "63" الدرس الثالث والستون وحرمنا عليهم المراضع من قبل
الجمعة 9 نوفمبر 2018 - 11:20 من طرف الشريف المحسي

» شرح الابيات 01 - 10 قصيدة التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الخميس 8 نوفمبر 2018 - 13:56 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة كتاب شرح التائية الكبرى نظم السلوك سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض للشيخ داوود القيصري
الخميس 8 نوفمبر 2018 - 13:47 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة شرح خمرية شرف الدين عمر ابن الفارض رضي الله عنه للشيخ أبو العباس أحمد ابن عجيبة الحسني
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 11:45 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة المصنف الشيخ ناصر بن الحسن الشريف الحسيني السبتي .كتاب حكم الفصوص وحكم الفتوحات المسمى مجمع البحرين في شرح الفصين
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 9:11 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة المحقق لكتاب حكم الفصوص وحكم الفتوحات المسمى مجمع البحرين في شرح الفصين الشيخ الشريف ناصر بن الحسن الحسيني السبتي الكيلاني
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 8:23 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 3 نوفمبر 2018 - 7:25 من طرف عبدالله المسافر

» 3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:56 من طرف عبدالله المسافر

» 2 – فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 3 نوفمبر 2018 - 0:24 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 20:04 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثالث عن الماهيات .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 16:54 من طرف عبدالله المسافر

»  03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح الجامي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 11:59 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فصّ حكمة سبّوحيّة في كلمة نوحيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 8:12 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 7:45 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 18:43 من طرف عبدالله المسافر

» 3 - ﻓﺺ ﺣﻜﻤﺔ ﺳﺒﻮﺣﻴﺔ ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺔ ﻧﻮﺣﻴﺔ .شرح داود القيصرى فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 17:23 من طرف عبدالله المسافر

» 3 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح القاشاني كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 15:39 من طرف عبدالله المسافر

» 3. فصّ حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 1 نوفمبر 2018 - 14:59 من طرف عبدالله المسافر

»  3 - فك ختم الفص النوحى .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 8:39 من طرف الشريف المحسي

» فصل من المقدمة للشارح في أن الله تعالى يبصر الأشياء وهي معدومة العين .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 8:02 من طرف الشريف المحسي

» في معنى قوله والذين هم على صلاتهم دائمون .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 7:46 من طرف الشريف المحسي

» باب ترجمة .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الأربعاء 31 أكتوبر 2018 - 7:28 من طرف الشريف المحسي

» مقدمة المحقق لكتاب مفتاح الغيب لأبي المعالي صدر الدين القونوي شرح الشيخ محمد بن حمزة الفناري
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 16:32 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الثانية الوجود المطلق .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 10:14 من طرف عبدالله المسافر

» في بيان الصلاة الوسطى، أي صلاة هي ولماذا سميت بالوسطى؟ .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 9:29 من طرف عبدالله المسافر

» باب ترجمة القهر .كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 9:03 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "62" المجلس الثاني والستون كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 - 8:39 من طرف عبدالله المسافر

» مطلب للشارح في بيان أن الموجود العلمي إنما اتصف بالإدراك في حضرة العلم لأنه عين الذات .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 11:12 من طرف عبدالله المسافر

» الشيخ الأكبر ابن العربي في إسرائه مع المخاطبة بآدم عليه السلام .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 7:17 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثاني والثلاثون في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 1:38 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب تاج التراجم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 28 أكتوبر 2018 - 23:56 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الثالث فص حكمة سبوحية فى كلمة نوحية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأحد 28 أكتوبر 2018 - 0:55 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة أسرار التكبير .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
السبت 27 أكتوبر 2018 - 12:51 من طرف عبدالله المسافر

» فصل الحق أوجد الأشياء لأنفسها لا له للشارح الشيخ عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
السبت 27 أكتوبر 2018 - 8:15 من طرف عبدالله المسافر

» مصطلحات الفيض - الفيض الأقدس - الفيض المقدس - المفيض .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الجمعة 26 أكتوبر 2018 - 11:09 من طرف الشريف المحسي

» فصل عن انتقالات العلوم الإلهية للشارح الشيخ عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الخميس 25 أكتوبر 2018 - 15:58 من طرف الشريف المحسي

» من التنزلات في معرفة النية والفرق بينهما وبين الإرادة والقصد والهمة والعزم والهاجس .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 25 أكتوبر 2018 - 14:49 من طرف الشريف المحسي

»  مقدمة الشارح الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي .كتاب الإسفار عن رسالة الانوار فيما يتجلى لأهل الذكر من أنوار
الأربعاء 24 أكتوبر 2018 - 14:39 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 - 1:27 من طرف عبدالله المسافر

» في تلقي الرسالة وشروطها وأحكامها .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 4:18 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "61" المجلس الحادي والستون وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 1:25 من طرف عبدالله المسافر

» شرح "16" تجلي الجود .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الأحد 21 أكتوبر 2018 - 13:18 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة مقام الرسالة ومقام الرسول من حيث هو رسول ومن أين نودي وأين مقامه والخلافة والنبوة والولاية والإيمان والعالم والجاهل و الظان والشاك والمقلدين لهم .كتاب التنزلات الموصلية
الأحد 21 أكتوبر 2018 - 0:16 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيئية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 20 أكتوبر 2018 - 11:52 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
السبت 20 أكتوبر 2018 - 1:58 من طرف عبدالله المسافر

» الفرق بين العلم و المعرفة موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
السبت 20 أكتوبر 2018 - 0:47 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر ابن العربى أ. محمد محمود الغراب
الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 23:27 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 11:49 من طرف عبدالله المسافر

» في معرفة كون الرسول من جنس المرسل إليه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 17:29 من طرف الشريف المحسي

» کتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام . الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 10:28 من طرف عبدالله المسافر

» في سر وضع الشريعة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
السبت 13 أكتوبر 2018 - 14:27 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محمد ابن علي ابن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 11:47 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل "الثاني مرتبة الألوهية والتعين الثاني والأعيان الثابتة" .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 10:06 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة
الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 10:35 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "60" المجلس الستون من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه
الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 9:20 من طرف عبدالله المسافر

» الألوهة - الألوهية - الآلي - الألوهي - سر الألوهية - المألوه المطلق .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 13:39 من طرف عبدالله المسافر

» شرح خطبة الكتاب للشارح الشيخ صائن الدين التركة لكتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 10:19 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة الشارح الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 9:44 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الختم "سفر خطبة الكتاب" فص حكمة ختمية في كلمة محمدية موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 11:29 من طرف عبدالله المسافر

» مصطلح الأعراف - أهل الأعراف - أصحاب الأعراف .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14:09 من طرف الشريف المحسي

» مصطلح منازل الطريق للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الإثنين 24 سبتمبر 2018 - 14:02 من طرف الشريف المحسي

» نشأة وتركيب كل إنسان من آدم وما فيها من العناصر ناري هوائي مائي ترابي . موسوعة المصطلحات و الأشارات
الأحد 23 سبتمبر 2018 - 19:43 من طرف الشريف المحسي

» مصطلحات السفر و المسافر و الأسفار الستة فى موسوعة المصطلحات و الأشارات
السبت 22 سبتمبر 2018 - 11:15 من طرف الشريف المحسي

» الأسفار الستة المحمدية الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الخميس 20 سبتمبر 2018 - 16:49 من طرف الشريف المحسي

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "59" المجلس التاسع والخمسون من تواضع لله رفعه الله
الأربعاء 19 سبتمبر 2018 - 16:02 من طرف الشريف المحسي





01 - فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة

اذهب الى الأسفل

05102018

مُساهمة 

01 - فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة




01 -  فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي

01 -  فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة
فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة  
معنى الفصّ ووجه تسمية أبواب الكتاب به
اعلم أنّ الحقائق الكشفيّة والمعارف الحقيقيّة - التي هي مدلولات الألفاظ بالذات - إذا أريد دلالتها عليها بحسب مفهوماتها الوضعيّة ومعانيها اللغويّة والعرفيّة تنزّلا إلى مدارك الأفهام ، لا يتصوّر ذلك إلَّا بضرب من التمثيل ونوع توسّل إلى وجوه المناسبات بين المعاني المتداولة العاميّة وبين تلك الحقائق ، ضرورة سعة دائرة المعاني وضيق مجال تلك المدلولات الجعليّة .
ثمّ إنّ « الفصّ » له وجوه من الخصوصيّات والنسب التمثيليّة بها يستكشف ما قصد منه من المعارف ، ومنها يستنبط ما أراد به من دقائق الحقائق :
منها أنّه قد انطوى على قوسي الخاتم ، واشتمل على أحديّة جمع دائرته .
ومنها أنّه الخاتم بما انطبع فيه من الصور المعرب عن كليّتها .
ومنها أنّه تابع لقالبه من الخاتم في المربعيّه والمثلثيّة والمدوّريّة وغيرها ، ومستتبع لما يرد عليه ويحويه .
ولمّا كان قلب الإنسان الكامل له الانطواء على قوسي الوجوب والإمكان وله الانطباق على أحديّة جمع خاتم الكمال بضلعي الوجود والشهود ، كما أنّ له أن يعرب عمّا فيه من صور الحقائق ، وينبئ عن أحديّة جمعيّتها ، وكذلك له صورة تابعة لمزاج الشخص ، كما أنّ له أن يستتبع تجلَّي الحقّ ويصوّره بصورته .
على ما نصّ عليه الشيخ في الفصّ الشعيبي : « إنّ القلب من العارف والإنسان الكامل بمنزلة محلّ الخاتم » في تصوير التجلَّي بصورته - وسّم الفصل المعرب عمّا اختصّ به كلّ من الكمّل وتحقّق به قلبه من صورة تجلَّى الحقّ فيه ب « الفصّ » تنبيها على ذلك كلَّه .
و «الحكمة» عبارة عن حقائق كلّ ما تضمّنه التجلَّي المذكور ، من الحيثيّة الكماليّة الظاهرة بحسب الاسم المناسب للمتجلَّى له ، المعبّر عنه بـ «الكلمة» ، وفصّها هو أحديّة جمع تلك الحقائق ، وفوقيّة صورتها التماميّة الختميّة .
التي بها يتشخّص ويصير واحدا ، فهو عين الكلمة ووجهها الوجودي الظاهر هي به إلى الأبد ، فإنّ لها الوجه الكوني المعدوم به من الأزل ، فالظرف مستقرّ على أنّه حال أو صفة .
وبيان المناسبة بين الاسم والكلمة هو أنّ مبدأ هذا الاسم وخصوصيّته إنّما هو أحديّة جمع خصوصيّات الأسماء ، كما أنّ تعيّن الكلمة هو أحديّة جمع تعيّنات الأعيان ، ومن ثمّة ترى صاحب المحبوب قد لوّح عليه بأنّ الكلمة هذه إنّما ركَّبت من ألف الابتداء وميم المنتهى ودال الامتداد بين الابتداء ومنتهاه .
عقد من العقود :
مناسبة اسم الفصّ وكلمته مع التسعة اعلم أنّ التسعة المشتركة بين الاسم والكلمة  لها الإحاطة الإطلاقيّة بما فيها من السعة التي تسع كلّ المراتب ، ولا تسعها مرتبة ، إلَّا أنّ الاسم لما له من المبدئيّة والبطون قد تقوّم فيه التسعة بالإفراد من الخمسة وما انطوت عليه منها ، تلويحا إلى أنّه صورة بسط الخمسة إفرادا ، وفي امّ الكتاب ما يطلعك عليه إن طالعته بإمعان .
والكلمة بما فيها من الجامعيّة مع توغَّلها في ظرف الظهور تقوم فيها التسعة بالزوجين وفرد واحد ، إذ الفرد له طرف البطون ، كما أنّ الزوج له الظهور ،لقوله تعالى : "خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً".
وأيضا الكلمة قد ظهرت بما غلب فيه حكم المرتبة الكونية ، بخلاف الاسم ، فإن ما غلب عليه ذلك الحكم قد تبطَّن فيه .
وممّا يؤيّد هذا أنّ الكلمة زاد على الاسم عند التفصيل بهذا العدد ( 45 9 36 ) فهي الظاهرة عليه به .
هذا إذا حوسبا كتابا ، فأمّا إذا حوسبا كلاما ، فالمشترك فيه حينئذ هو العشرة الكاملة ، التي هي الواحد الجامع الظاهر بصورة وحدته الزوجيّة ، وهاهنا سرّ يطلع منه على أصول من الحكم  فليتدبّر .
تلويح من ألواح الرقوم :
الألف في اسم الفص وكلمته إنّ الألف قد تنزّل في الاسم والكلمة من صرافة إطلاقه واستقامة خطيّته ، تدرجا في اعوجاجه وتقوّسه إلى أن يتمّ الدائرة بكمالها ، ولكن ذلك في الكلمة أتمّ وأظهر على ما لا يخفى .
والذي يدلّ على أوّليّة هذا الفصّ وتقدّمه بالطبع من الحقائق الحكميّة ما سبق تحقيقه آنفا من أنّ غير هذا الفصّ إنّما هو بيان مدارج بني آدم ، أعني بعض جزئيّات ما عقد الفصّ هذا على كشفه ، ممّا يتوقّف عليه .
وأمّا من الدقائق التلويحيّة فهو أنّ «الإله» في الكلام هو الأول عددا كما أنّ «الألف» الذي هو الأول في الكتاب رقما إنّما ظهرت صورته وفصّلت آياته الفرقانيّة والقرآنيّة في «آدم» عندما لوحظ بيّناته الكاشفة ، كما يلوح لك في هذه الأرقام ، مع دقائق جليلة لو تدبّرت فيها بعض التدبّر - 191 ل ف ا ل ي م
ثمّ ليعلم أنّ الأمر الإلهي له مدرجتان في التنزّل :
أحدهما ذاتي بلا واسطة يتوجّه إلى تحقّق الأعيان أنفسها .
والآخر بالواسطة إنّما يتوجّه إلى أحكام أفعال الأعيان ولوازمها .
والحاصل من الأوّل هو الشيء ، فهو المشيّة , ومن الثاني الشرع ، فهو التشريع .
والأوّل لعظم شأنه وقوّة سلطانه كما صرح به الشيخ حاكيا عن أبي طالب : «أنّه جعلها عرش الذات» لا يخالف بخلاف الثاني .
فلذلك نسبها إلى الحقّ قائلا : ( لما شاء الحقّ ) ضرورة أنّ المتوجّه لتحقّق الأشياء ليس إلَّا الذات باعتباره ثمّ إنّ حضرة الأسماء لما كانت موطن النسب المستتبعة لكمالها المسمّى بـ «الحسن» الذي هو من الصفات اللازمة لها.
قال : ( من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء ) فإنّها من حيث كلَّيات مراتبها وأجناسها القابلة للإحصاء لا يمكن أن يتوجّه نحو الغاية المطلوبة ها هنا .
فإنّها إنّما تتحقّق بعد تنزّلها في المواد الهيولانيّة وتشخّصها بالصور والأعراض الكائنة الجسمانيّة التي لا نهاية لكلّ منها فالأسماء إذن من هذه الحيثيّة لا بدّ وأن تكون غير قابلة للإحصاء عدّا ، كما أنّ الذات في كنه بطونها غير قابلة له حدّا ، فهي صورة مثليّتها في مرآة التقابل .
وإظهار الأوّل يناسب منصب النبوّة ويفصح عنه كلامها ، كما أنّ الثاني يوافق طور الولاية  ويؤدّيه كتابها .
تلويح من العقود :
الحاء والقاف في لفظ الحق «الحقّ» حرفان : أحدهما  له الوحدة الجمعيّة بها يناسب الذات ويدلّ عليها ، والآخر له الكثرة الكماليّة والسعة الأسمائيّة ولذلك ترى الحضرة الختميّة اختار ذلك العقد عند التعبير عن إحصاء الأسماء في المرتبتين الأوليين مشيرا إلى المرتبة الثالثة بما ينبئ عن الجهة الاتحاديّة العينيّة التي للأسماء في هذه المرتبة ، على ما هو مدلول الحرف الآخر باعتبار مسمّاه  .
وأمّا باقي اسمه فهو صورة دور التسعة وهيئة جمعيّتها الوحدانيّة ، وهي مؤدى الحرف الأوّل اسما.
وأمّا مؤداه مسمّى فهو أنهى مراتب الزوج الذي هو طرف الظهور، الذي هو مقتضى الأسماء، وإنّما أشير إلى هذه المراتب لأنّ الأسماء منها ما هو في:
المرتبة الأولى الذاتيّة ومنها ما هو في
المرتبة الثانية الصفاتيّة ومنها ما هو في
المرتبة الثالثة الفعليّة .
وهذه هي التي لها الجهة الاتحاديّة وعدم الإحصاء، وهي مؤدى الحرف الدالّ على الذات منهما، فلا تغفل عن دقائق الإشارات والتلويحات.
ثمّ إنّ غاية هذه المشيّة ومنتهى إرادة الحقّ فيها من حيث تلك الأسماء ( أن يرى أعيانها وإن شئت قلت : أن يرى عينه )
فلئن قيل : « متعلَّق المشيّة على ما سبق من البيان إنّما هو التحقّق نفسه ، لا الرؤية » ؟
قلنا : إنّ رؤية العين في الكون إنّما هي في أنهى مراتب التحقّق وأقاصى دركاته الكونيّة ، فلا تتحقّق إلَّا بالمشيّة ، على أنّ الرؤية نفسها من المتحقّقات أيضا ، وإن كانت تابعة لمتحقّق آخر فيه .
ثمّ إنّ في تنويع العبارة هاهنا وتسوية أدائهما للمقصود بيانا لما يتبادر إلى الأفهام من لزوم التغاير والتقابل بين الرائي والمرئي ، أنّه بمجرّد الاعتبار فقط ، ولا تغاير بالذات ها هنا. وإشارة إلى الجهة الاتحاديّة المنبّه عليها في أسماء الإحصاء من الكلام النبوي ، بقوله: « تسعة وتسعين اسما ، مائة إلَّا واحدة » .
إذ بها ينوط اسميّة الاسم ، وتنبيها إلى صافيّ منحل الحيّ الختميّ وخالص توحيدهم ، حيث أنّ محوضة الوحدة الإطلاقيّة لديهم ليس ليست مما يشوب به شيء من ضروب الإضافات وصنوف التقابلات ، حتّى تقابلة الكثرة وتعاندها .
وهاهنا لطيفة قد احتوى عليها بديع مسلكه هذا ، من باب الإشارات الخفيّة العالية عن المدارك المعتورة بين أرباب الرسوم ، وهي أنّ المشيّة التي هي مبدأ أمر الظهور والإظهار بعد رؤية الحقّ من حيث أسمائه الحسنى أعيانها تصلح أن تستند إلى المخاطب ضرورة أنّ الرؤية المذكورة مستتبعة للاتحاد .
ومستلزمة لطيّ بساط التقابل والتكثّر على ما عرفت وحينئذ تصير مصدرا للقول الفصل ، والكلام الكامل ، وبه تتعلَّق الرؤية المذكورة إلى عين الحقّ ، ويرتفع تقابل حكم الرائي والمرئي ، إلَّا اعتبار محضا - على ما ستطلع عليه .
وكثيرا ما يجد الفطن عندما تأنّس فهمه بإدراك الإشارات الخفيّة ، وفتح عليه أبواب اللطائف المرموزة في الكلام المنزل الختمي ، اعتبار هذا المسلك ، كقوله تعالى : " ثُمَّ سَوَّاه ُ وَنَفَخَ فِيه ِ من رُوحِه ِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ ".
شرح بعض الاصطلاحات
واعلم أنّ الحروف العاليات إذا نزلت في سطور مراتب الوجود إلى حيث يتميّز سواد تلك الحروف عن بياضها يسمّى بـ "العين" لاستحصالها بـ "كن" .
هذا إذا اعتبرت خصوصيّة كلّ منها منفردة ، أمّا إذا اعتبرت مجموعة بأحديّة جمعيّتها الكماليّة ، يسمّى ب « العالم » وصورة تماميّته حيث يكون الحرف مستقلا بنفسه في الظهور .
فإنّ المراتب منها ما ليس لتلك الحروف فيها سوى نسب معنويّة كليّة راجعة إلى حقيقة واحدة ، تسمّى بذلك الاعتبار «اسما» كما أنّه يسمّى ب «الحضرة الواحديّة» ، ومنها ما انفصلت عنه واستقلَّت بالاعتبار وإن تبعته بالوجود ، ويسمّى بـ «الأعيان الثابتة» ، كما أنّه يسمّى بـ «الحضرة العلميّة» ، ومنها ما استقلت تلك الحروف فيه بالوجود مستتبعة إيّاه ، وحينئذ يسمّى بـ « العين » مطلقا ، كما أنّه يسمّى بـ "العالم" .
وفيه تلويح يكشف عن مراتب العوالم بترتيبه ، والكون الجامع لها بعينه ، وغير ذلك  .
ثمّ إنّ العين تتدرج في ذلك الاستقلال بحسب تلك المراتب إلى أن تنتهي إلى كثائف وضعيّة هيولانيّة ، يمكن أن تتعاكس أشعّة شمس الحقيقة من تلك الكثائف المسمّاة بـ « الكون » إلى المشاعر الحسّية المعبّر عن أتمّ أنواعها بـ « الرؤية » مسترجعة في ذلك من الكثائف الحاجبة إلى اللطائف الكاشفة ، متدرّجة إلى أن تنتهي إلى الحقيقة القلبيّة ، التي تسع الوحدة الحقيقيّة بإطلاقها ، وتتمّ على عرش شعورها الدائرة بقوسيها .
ولذلك جعل الرؤية غاية للمشيّة ، إذ بها يعرج السافر السائر نحو المقصد الأقصى من غور دركات الحجب الغيريّة ، إلى نجد درجات الحقائق الوجوديّة الاتحاديّة .
وبنقطة النطق ينطبق قوس البطون على الظهور ، وبها يصير دائرة كاملة ، على ما حقّق أمره في المقدّمة .
رؤية الحقّ نفسه في كون جامع
فتلك الرؤية إنّما تتصوّر ( في كون جامع يحصر الأمر) وذلك لأنّ الكون إذا اتّصف بالوجود وظهر به ، تحصّل منه هويّة جامعة بين الأوّل والآخر والظاهر والباطن كما لا يخفى وهو على ما نبّهت عليه في المقدّمة عند الفحص عن مبدأ منع الشركة يقتضي حصر الأمر .
وذلك لأنّ الأمر لغة يطلق على ما يعمّ الأفعال والأقوال.
وتحقيقا على أوّل ممتد إلى الآخر مرتبط به ، وهو إنّما يصدق على كل ظاهر منبئ عن الباطن كالأفعال الإدراكيّة التي للقوى من الإشارات الخفيّة والكلمات الجليّة .
ويلوّح على ذلك ظهور راء « الصورة » فيه ببيّنات لام « الكلام » الكاشفة عن كنه المرام .
ومن ثمّة ترى الهويّة المذكورة قد استتبعت العلم بكلّ شيء ، على ما هو مؤدّى الآية الكريمة ، وبيّن أنّ ظهور ذلك الأمر إنّما يتصوّر من الصورة الاعتداليّة القلبيّة ، التي لا يماثلها شيء.
فإنّك قد عرفت فيما سلف لك أنّ الأكوان على اختلاف أنواعها وتكثّر شجونها إنّما تصلح لأن تكون مصدرا للتعاكس المذكور ، ومظهرا لعرش الشعور ، ما استحصل منها صورة اتحاديّة ومزاج اعتداليّ يمكن أن تتكوّن فيه الحقيقة القلبيّة ، التي بها أصبح مجمع بحري الإلهي والكياني حاصرا لتنوّعات تموّجاتها  بأنواعها وأشخاصها ، لكون الكون المذكور بانطوائه على تلك الحقيقة متّصفا بالوجود الواحد الحقيقي ، ظاهرا به ومظهرا هو إيّاه بتفاصيل تنوّعاته كلَّها بكمالها ، منصبغة بسرّه الخاصّ به .
فعلى هذا قوله : ( لكونه متّصفا بالوجود ) علَّة للحصر ، ويمكن أن يجعل علة لرؤية الحقّ عينه في الكون المذكور ، فإنّ ذلك لا يتصوّر إلَّا فيما يتّصف بالوجود ويستقل به ، ضرورة أنّ العين لا يدرك ولا يرى إلَّا بالعين .
وكذلك قوله : ( ويظهر به سرّه إليه ) يمكن أن يجعل عطفا على « يحصر » وعلى « يرى » والثاني منهما يناسب ثاني التقديرين ، ويؤيّده نسخة « الوجوه » ، والأوّل أوّلهما ، أي يظهر بالكون الجامع سرّ الحقّ له وهو سرّ الكون وخصوصيّته فهو صفته الكاشفة له عن صورته ، كما أنّ الأولى كاشفة عن مادّته .
هذا على أوّل الاحتمالين ، وأمّا على الثاني ، فالوجه فيه أن يحمل ما يظهر بالكون على الكلام الكامل الذي يكشف عن سرّه وكنه ما هو عليه ، جمعا بين المشعرين الشريفين في الغاية المذكورة ، وفق ما أفصح عنه التنزيل القرآني الختمي " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ". " أَبْصِرْ به وَأَسْمِعْ ".
سرّ الإعطاء بصورة الكتاب
ثمّ إنّك قد عرفت أنّ للكتاب المبصر اختصاصا بطرف الولاية ، كما أنّ للكلام المسموع بطرف النبوّة ، فلذلك عند الإفصاح بغاية المشيّة صرح بالأوّل وأبهم في الثاني وفاء بما هو مقتضى منصبه ، ومن هاهنا تراه قد ظهر له هذا الفيض المذكور من الخاتم في مبشّرته مرئيّا بصورة الكتاب في يده ، وما ظهر مسموعا بصورة الكلام في فمه .
الوحدة والكثرة  
وها هنا تلويح لا بدّ من التنبيه عليه : وذلك أنّه كأنّك قد نبّهت أنّ الوحدة الحقيقيّة من حيث هي هي إنّما تظهر في الكثرة بحسب غلبة أحكامها ، وبيّن أنّ نهاية أمر الكثرة وغاية سلطان التفرقة في الاثنين ما لم يحصل لهما ثالث يجمعهما بالنسبة الامتزاجيّة التي بينهما ، وما سوى الاثنتين من المراتب لا يخلو عن تلك النسبة أصلا   .
ثمّ إنّه من تفطَّن لهذا الأصل لا يخفى عليه وجه اشتمال عباراته هاهنا على الوجهين المتقابلين ، وكذلك انطواء الآية الكريمة المفصحة عن التوحيد حقّه على المتقابلين مرّة بعد أخرى .
وما من آية دالة ولا كلمة كاشفة عن التوحيد إلَّا وفيها وجه من وجوه الكثرة ، وكلَّما كان ذلك الوجه فيها أكمل وأتمّ ، كان دلالتها عليه أظهر ، فلا تغفل عن وجه ما نحن فيه من احتمال كلامه للوجهين.     
ثمّ أنّ ظهور السرّ وإن كان بالأخرة للحقّ ، لكن أوّل ما يظهر إنّما هو للعبد الكائن بحسب تقرّبه إليه بقرب النوافل والفرائض ، ولا يبعد أن يكون استعمال الظهور هاهنا ب « إلى » إيماء إليه .
نكتة حكميّة : الكون الجامع حاصر للأمر إذ قد تبيّن أنّ من الخواصّ اللازمة البيّنة للهويّة المطلقة جمعيّة الأضداد .
وتعانق الأطراف حسبما عرفت فالذي يصلح لأن يظهر به عينها لا بدّ وأن يكون له صورة من تلك الجمعيّة، أشار إلى ذلك بأن الكون الجامع حاصر للأمر الذي لا يبلغه الإحصاء، فهو الجامع بين الإحصاء وعدمه، وهذا من صور سرّه الذي يظهر به .
ثمّ إذ قد احتاج أمر ظهور السرّ المذكور بالكون الجامع لما فيه من الإجمال لفظا والخفاء معنى إلى زيادة من البيان والتوضيح، صوّره في صورة التمثيل ببيان يندفع به ما يمكن أن يورد ها هنا  وهو :
«إنّ الحقّ في التجلَّي الأوّل شاهد لعينه وجميع أسمائه ومراتبه بنفسه ، فلا يحتاج في رؤيته ذلك إلى الغير ، وبعد تسليم ذلك ، فإنّ في القلم الأعلى والعقل الأوّل من الجمعيّة والإظهار ما يغنيه عن الكون الجامع» ؟
رؤية الشيء نفسه ليس مثل رؤيته في المرآة
بقوله : (فإنّ رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة) وتلخيص ذلك أنّ الرؤية التي هي غاية المشيّة والأمر الإيجادي إنّما هي الرؤية الخاصّة التي عند تعاكس صورة الرائي من القابل المقابل النازل منزلة المرآة له (فإنّه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه ،مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ، ولا تجلية له) ، وذلك أنّ للمرآة خصوصيّات زائدة على صورة الرائي من حيث هي هي ، مختفية عنه بدونها ، فهي سرّه الذي يظهر بها ، وذلك مما لم يمكن أن يظهر له بدون وجود محلّ هو بمنزلة المادّة لهذا الأمر ،وتجلَّيه له هو بمنزلة الصورة.
فالأوّل هو العالم كلَّه ، والثاني هو آدم نفسه ، فاندفع حينئذ ما ذكر .
أمّا الأوّل فظاهر ، لعدم المغايرة هناك .
وأمّا الثاني فلأنّ القلم لكونه صورة العلم الإجمالي - المكنى عنه بـ «نون» يجب مطابقته للعلم التابع للمعلوم ، فالصورة التي فيه ليست ممّا لم يكن بدونه يعطيها ، فإنّ سلطنة الإعطاء مختصّة بأصل القابل وصميم هيولاه ، فلا يكون له منزلة المرآة ذات الخصوصيّات والأسرار - على ما ستطَّلع عليها .
وهاهنا تلويح حكميّ وآخر رقميّ
أمّا الأوّل : فهو أنّ الوحدة الحقيقيّة على ما عرفت غير مرّة آبية عن ثنويّة التقابل ، فكلَّما كانت جهات الكثرة في مظهرها أشمل ، كان ظهورها فيه أتمّ ، ووجهها فيه أجمع .
وأمّا الثاني فهو أنّ صورة الجمع بين طرفي الإجمال من النون وتفصيله ، هي النقطة ، كما أنّ القلم هو الألف ، وهذا يناسب ثاني الاحتمالين .
فقوله : « ولا تجلية له » تفعلة على هذا التقدير ، ويمكن أن يقرء : « تجليه » بالإضافة إلى فاعله ، والأول أوفق لسياق الكلام على ما لا يخفى .
بدء إيجاد العالم
وقوله : ( وقد كان الحقّ أوجد العالم كلَّه ) جملة حاليّة ، لا اعتراضيّة فإنها مبيّنة لأمر الكون المذكور بأنّه موجود بمادّته ، فلا بدّ مما يجعله بالفعل ، وهي الصورة ، وهو أوّل الأمرين الموقوف عليهما ظهور السرّ .
والتعبير عنه بالماضي إشارة إلى ما للمادّة من التقدّم الذاتي ، وأنّ الفاعل عند تحصيل هذه الغاية الكماليّة وإظهارها مشغول عن جعل المادّة وإيجادها إلى تصويرها بالفعل ، فلذلك ما نسب الإيجاد بإطلاقه إلى العالم بل خصّصه و من ها هنا اختصّ مباشرة اليد بآدم في قوله : "خمّرت طينة آدم بيدي" .
ثمّ إنّه كما أنّ لآدم كمالا بحسب الإظهار وله منزلة التجلية للمرآة ، له الكمال بحسب الظهور أيضا ، وله منزلة الروح في الشبح .
فقوله : ( وجود شبح مسوّى لا روح فيه ) إشارة إلى الثاني "آدم".
وقوله : ( فكان كمرآة غير مجلوّة ) إلى الأوّل "العالم كله" تطبيقا لصورة مسألته بالمثال مادّة وصورة .
ثمّ لمّا بيّن وجود المادّة وتقدّمها الذاتي موميا إلى أنّها من حيث هو قابل فارغ عنه الفاعل ، غير محتاج هو إليه كما ستطلع على تحقيقه أشار إلى بيان نسبة الإيجاد من الفاعل ، والقبول من القابل بحيث ينطبق على ما ذهب إليه من التوحيد الذاتي ، ويوافق ما أشار إليه في صدر الفصّ من تسوية العبارتين في مادة الشبح المسوّى ، الغالب عليها قهرمان الكثرة .
وهو أنّ من مقتضى الأمر الإيجادي (ومن شأن الحكم الإلهي أنّه ما سوّى) (محلَّا) أي ما عدّل مزاجا (إلَّا ولا بدّ أن يقبل روحا إلهيّا ، عبّر عنه) في العبارة النبويّة المرسل بها ( بالنفخ فيه ) أي خروج نوعيّته الكماليّة من القوّة إلى الفعل .
وهو المعبّر عنه في لسان البرهان العقلي بالاستعداد المستجمع لتمام شرائط الخروج المذكور ، فهو آخر مراتب القابليّة وأنهى درجات القوّة ، المتّصلة بالفعل اتّصالا اتحاديّا لا مجال للتغاير والتفرقة فيه أصلا على ما ستطلع على بيانه  .
والحاصل أنّ الإيجاد من الفاعل هو الذي عبّر عنه لسان السنّة بالنفخ منه في القابل ( وما هو إلَّا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة لقبول الفيض ) قبولا لا ينفكّ عن التسوية ، ويلزمها لزومه للفيض الذي هو عبارة عن ( التجلي الدائم الذي لم يزل ) فيضان الرحمة والجود منه في أوّل الأزل من الآزال ، ( ولا يزال ) كذلك إلى آخر الأبد من الآباد ، فإنّ الزمان بمعزل عن ترتّب الفيض على القبول ، كما هو المتبادر لأوهام العامّة .
وبيان الفيض بالتجلَّى إشارة إلى الكمالين على طبق ما في المثال المذكور، وكذلك قوله: « لم يزل ولا يزال » فإنّ الأزل صورة مبدئية الكمال الظهوري من الزمان ، كما أنّ الأبد صورة معادية الكمال الإظهاري منه .
وبيان هذه القضيّة وتحقيق هويّتها التي يتوقّف فيها أكثر الأفهام أنّ النفخ في الظاهر عبارة عن إخراج الهواء البخاريّ من الباطن على كيفيّة معيّنة وصورة مخصوصة مستحصلة من القوى الفاعلة والهيئات المنفعلة .
وبيّن أنّه إذا سئل عن الحد الجامع بين تلك الأجزاء التي من شتات المقولات ب «ما هو» لا يصلح للجواب إلَّا حصول الاستعداد من الصورة المسوّاة لقبول الفيض .
الذي هو خروج الوحدة الوجوديّة من الباطن ، فإنّه لا جامع أتمّ من ذلك ، وهو الدالّ على مبادي كلّ ماله دخل في تلك الهويّة الجمعيّة ، فإنّ الصورة المسوّاة قد جمعت من صنوف الكثرة السينيّة ما تمّ به النسبة الكماليّة الوجهيّة غير عائزة إلى الخارج عنه .
وتحقيق هذا الأصل : أنّ تسوية المحلّ وتعديل المزاج عبارة عن تصحيح أمر النسبة الكماليّة والهيئة الاعتداليّة في الكثير الذي هو المحل بحيث يترتّب عليه الخصائص الفاضلة والأوصاف الوجوديّة .
وذلك هو الوحدة الجمعيّة التي هي مبدأ الآثار الوجوديّة ومصدر الشعور والإشعار ، وهي المعبّر عنها بالروح الإلهي ، وبيّن أنّ تصحيح أمر النسبة في الكثير من حيث هو كثير  إنّما يتوقّف على إبانة تمام النسبة الاعتداليّة الأصليّة .
وتعيين موضوعات كلّ منها بما يليق به ويستحقّه من الكميّات المقداريّة والكيفيّات الامتزاجيّة ، فإذا عدّلت الموضوعات بكمّياتها وظهرت الكيفيّات الامتزاجيّة بكمالها فقد قبلت الروح للخروج من الباطن ، وهو المعبّر عنه بالنفخ فيه .
وتمام تحقيق هذا الكلام وبيان لمّيته يحتاج إلى علوم عزيزة ومقدّمات غريبة عن أكثر الطباع والأذهان ، قد بيّن شيء من أصولها في المفاحص فلنكتف منه ها هنا بتلويح .
وهو أنّه وإن كانت الستة هي الفاتحة لأمر تمام النسبة الاعتداليّة الفاضلة ولكن ما لم يظهر في العشرات المشعرة بتفاصيل الأحكام لم يتحقّق الإبانة المذكورة ، ولم يعلم ما لكلّ من موضوعات تلك النسب بخصوصه ، وفي تعبيره عن المراتب الثلاث بما عبّر أعني : سوّى ، ويقبل ، ونفخ ما يطلعك على هذا التلويح.
ثمّ إنّه كما عرفت هذه الدقائق فلا تغفل عن أصل التقريب ومقصوده الأوّل من هذا الكلام وتدبّر في بيانه هذا كيف نظَّم أصول فنون التفرقة أعني الفاعل ، والقابل ، وما بينهما من النسبة والزمان في سلك الجمعيّة والوحدة الذاتيّة التي أشار إليها في مطلع كلامه بتسوية العبارتين .
وذلك لأنّه إذا تقرّر أنّ الإيجاد من الفاعل هو عين تام قابليّة القابل ( فما بقي ) حينئذ في حيّز المغايرة ومطمورة السوي ( إلا قابل ) فقط ، ( والقابل لا يكون ) ولا يحصل على أصولهم المؤسسة ( إلَّا من فيضه الأقدس ) ، أي أقدس عن أن يكون الفيض مغايرا للمفيض ، كما في الفيض المقدّس وما يتنزّل عنه ، وذلك في التعيّن الأوّل على ما اطَّلعت عليه .
لا يقال : إنّما يتصوّر القابل حيث يعتبر الفاعل وفعله ،وهذه الحضرة ليس الفعل منها في شيء؟
لأنّ المراد تحقيق ذات القابل من حيث هي هي ومبدأ ظهورها مطلقا قبل ظهور ثنويّة المتقابلين ، ومن أراد زيادة استبصار وتمام استيضاح لهذا المعنى فعليه بالتدبّر في معاني الإمكان المقول عليها في عرف الميزان .
هو الأول والآخر
(فالأمر كلَّه منه ، ابتداؤه وانتهاؤه ، وإليه يرجع الأمر كلَّه كما ابتدأ منه) هذا القول منه إفصاح بالمقصود الأوّل بما يدلّ على ذلك بتفصيل لطيف ، حيث عبّر عنه بكلّ من الأمرين المشار بهما إلى قوسي النزول والرجوع ، المنبّه فيهما بطرفيهما ، تحقيقا للتوحيد الذاتي ، على ما هو المستفاد من جوامع الكلم الختميّة من الجمع بين الأوّل والآخر ، وإبانة أحدهما في عين الآخر ، كما قد اطَّلعت عليه .
وبيّن أنّ الغالب على قوس النزول منهما هو الإجمال، فإنّ انتظام المراتب فيه إنّما ابتنى على ظهور الوحدة وغلبة سلطانها على الكثير، متدرجا في أطوارها، إلى أن يتمّ أمرها.
كما أن الغالب على قوس الرجوع التفصيل، إذ نظام المراتب فيه إنّما هو على اتّساق ظهور الكثرة وانتزاع وجوهها من الواحد إلى أن يتمّ الوجوه الإظهاريّة بكنهها .
فلذلك أجمل في الأوّل حيث جعل الابتداء والانتهاء متعلَّقهما واحدا ، وأتي بصورة الاسم ذي الثبات والاستقرار دون الثاني ، فإنّه قد فصّل بين المتعلَّقين بـ « من » و « إلى » وبين متعلَّقيهما بما لا تقابل بينهما ظاهرا وهو أيضا ضرب من التفرقة والتفصيل وأتى بالجملة الفعليّة الدالة على التجدد والتدرّج التفصيلي .
تلويح من الرقوم :
تقابل الوجود العلمىّ والعينيّ اعلم أنّ القابل للتعيّنات - من العين الشامل إلى الكون الكامل إذا انضمّ إليه من نقط النطق ما به يخرج من مكامن الثنويّة التقابليّة الإمكانيّة إلى مجالي الاتّحاد الوجودي الوجوبي ، يصير قائلا بتلك الكلمات من الحروف العاليات ، إلى ما اندرج في السطور السافلات ، كما أنّ العالم الجامع لتلك التعيّنات إذا انقلب ما انفتح به أبواب تفاصيلها وتبطن ذلك يصير عالما بتلك المعلومات .
آدم جلاء مرآة العالم
ثمّ إنّ قوله : ( فاقتضى الأمر ) جواب « لمّا » وهو الثاني من الأمرين الموقوف عليهما ظهور السرّ .
أي لما شاء الحقّ الظهور المذكور ، وكان هناك ما يقبل ذلك ، أي ما هو بمنزلة الجرم الصلب والسطح الكثيف للمرآة - وهو العالم - اقتضى الأمر بالمعنى المذكور - وهو الرقيقة الامتداديّة الأوّل إلى الآخر - إتمام ذلك الجرم وجلائه أعني ( جلاء مرآة العالم ) حتّى يتصوّر فيه الظهور ويتمكَّن حينئذ من الإظهار .
يتبع
.
.

_________________
شاء الله بدء السفر منذ يوم الست بربكم .
عرفت ام لم تعرفي   
ففيه فسافر لا إليه ولا تكن ... جهولاً فكم عقل عليه يثابر
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى،
يسير و المكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه،
و لكن ارحل من الأكوان إلى المكون،
و أن إلى ربك المنتهى.
avatar
عبدالله المسافر
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 1483
الموقع : https://almossafer1.blogspot.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

https://almossafer1.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

01 - فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة :: تعاليق

avatar

مُساهمة في الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 10:17 من طرف عبدالله المسافر

01 -  فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 

الجزء الثاني : 
وأورد عليه « الفاء » إشعارا بالترتّب الواقع فيها ، كما للصورة بالنسبة إلى المادّة ، وكرر ذلك في قوله : ( فكان آدم ) تنبيها على أنّ آدم نفسه مترتّب على ذلك الاقتضاء ، لا جعله وتكوينه وقوله : (عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة) إشارة إلى ما له من كمالية بحسب الظهور والإظهار على ما نبّه عليه.
واعلم إنّ روح كلّ شيء ما يقوّم به هيئته الوحدانيّة الجمعيّة ، فروح العالم عبارة عمّا تقوّم به الكلّ ، من العين الأوّل إلى الكون الآخر ، ويصير تلك التعيّنات المتنوّعة المتفرقة بذلك شخصا واحدا ، وهو الذي يسمّى بـ « الإنسان الكبير » باعتبار انس بعض الأجزاء منه بالآخر كما في الإنسان الصغير بعينه .
الإنسان روح العالم والملائكة بعض قواه
ثمّ إنّه بعد تبيين معنى آدم إجمالا أخذ في تفصيل جمعيّته الكليّة الكماليّة ظهورا وإظهارا ، وتحقيق إحاطة صورته التامّة بسائر جزئيّات العالم وقهرمان خلافته على الكلّ ، وغلبته شعورا وإشعارا ، وإبانة مراتب كلّ من تلك الجزئيّات عنده ، وتفاوت درجاتهم فيما نسب له ، ووسم به ، من المنصب العالي والمنزلة الرفيعة .
وإذ كان للأوّل من الكمالين تقدّم على الثاني منهما - تقدّم المادّة على الصورة - قدّمه قائلا : ( وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة ، التي هي صورة العالم ، المعبّر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير ) ، وإذ كان الإنسان عبارة عن جمعيّة مشتملة على أعضاء وأجرام هيولانيّة وعوارض جسمانيّة ، ومشاعر حسّية وروحانيّة ، فله جمعيّة كليّة كما للعالم بعينه ، إلَّا أنّ أجزاء الكلّ في الإنسان لها ارتباط إدراكي به ، يأنس بعضها للبعض ، وبذلك الاعتبار يسمّى إنسانا .
ثمّ إنّ العالم أيضا قد حصل له بروحه الذي هو آدم هذا الربط الإنسى، وفي تحقيق اصطلاح القوم هاهنا تنبيه إلى هذه الدقيقة فلا تغفل .
ثمّ إنّ الملائكة منها الجبروتيّة أعني : العقول المجرّدة والأنوار القاهرة  ومنها الملكوتيّة أعني : النفوس المتعلَّقة والبرازخ النورانيّة ( فكانت الملائكة له كالقوى الروحانيّة والحسّية التي هي في النشأة الإنسانيّة ) .
وإذ كان عالم الأمر ومرتبة الأرواح أوّل مراتب التعيّنات الاستجلائيّة ومبادي طلائع غلبات الأحكام الكونيّة والحجب العدميّة الإمكانيّة ، قد قوي سلطانها فيه .
فلذلك ولما في نشأتها النورانيّة من التقدّس والتحقّق بالصفات التنزيهيّة قد انغلب أعيان المرتبة تحت اقتضاء نشأتها وأحكام تعيّناتها وحجبها القدسيّة النوريّة ، وشرفها العلوي البهي ، بحيث أنّ كلّ عين منها في تلك الصورة الكليّة يدّعي استيهال روحيّتها واستحقاق خلافتها .
( وكلّ  قوّة منها محجوبة بنفسها ، لا ترى أفضل من ذاتها ، وأنّ فيها فيما تزعم) أي لا ترى أنّ في تلك الصورة فيما تزعمه كل قوّة منها من الشرف والعلو ( الأهليّة لكلّ منصب عال ) علوّ ظهور وغلبة ( ومنزلة رفيعة ) رفعة معرفة وعلم ، قدسيّا كان ذلك المنصب أو ما يقابله ، أو مقدّسا منهما .
ويمكن أن يجعل هذا جملة حاليّة بكسر إنّ لكن الأول أدقّ ، وعلى التقادير فالضمير في «فيها» عائد إلى « الصورة » ، لا إلى النشأة ، لعروّ الكلام حينئذ عن ملابس الانتظام و «ما» في « فيما تزعم » موصولة لا مصدريّة ، وفاعل « تزعم » ضمير ما يرجع إليه فاعل ترى ، لا ما يرجع إليه « فيها » على ما لا يخفى على الفطن ، إذ أهليّة آدم ليست ادعائيّة وفي زعمه ، كغيره من القوى.
وكان قوله : ( عند الله ) لرفع هذا الوهم .
ثمّ هاهنا دقيقة لا بدّ للمستكشف من تذكَّرها ، وهي أنّه قد ظهر لك ممّا مرّ أنّ الوحدة الحقيقيّة الذاتيّة التي قد أشير إليها  في طيّ تسوية العبارتين إنّما يظهر صور سرّها في المحلّ المنظور فيه ، الذي هو القابل المقابل ، الذي هو قبل كل قبل .
وليس ذلك غير حصول الاستعداد من القابل ، الذي هو عين النفخ من الفاعل ، فتبيّن أنّه قد انخلع في طيّ طوى جلال القابل نعلا ثنويّة التقابليّة .
ثمّ إذا تذكرت هذا فاعلم أنّه ليس بين الصيغ المتداولة عند الناس بدلالاتها الوضعيّة ما يدلّ على ذلك الواحد دلالة المصدر وما يجري مجراه من الأوصاف المنسوبة ، ومن هاهنا ترى أئمّة العربيّة يجعلون دلالته على متقابلي التذكير والتأنيث والواحد والكثير متساوية النسب .
وأيضا فإنّ الأمور الدالَّة على النسبة وجه دلالتها على ذلك الواحد أظهر ، ضرورة انطوائها على الثلاثة مع الجهة الجمعيّة الوحدانيّة ، فهي أتمّ بيان عنه ، ومن ثمّة ترى العبارات المعربة القرآنيّة كثيرا ما تدلّ عندما يفصح عنه على القرب والمعيّة وما يحذو حذوها.
فلا يخفى على من وقف على هذه الدقيقة وجه اختياره لفظ «الأهليّة» دون «الأهل» في قوله : «أنّ فيها فيما تزعم الأهليّة» ولفظ «عندها» دون «فيها» في قوله : "لما عندها" .
الصورة الآدميّة هي النشأة الجامعة
فقوله : ( لما عندها من الجمعيّة الإلهيّة ) تعليل لما ادّعاه في تلك الصورة مما لا يراه قواها الجزئية من الأهلية لسائر المناصب العلية والمنازل الرفيعة .
وذلك لما عند تلك الصورة التي روحها آدم من الأحدية الجمعية الإلهية و الإحاطة التامة الإطلاقية التي لايشذ منها شيء .
من عاليات الأعيان إلى سافلات الأكوان مع ما في النشأة الحاملة لمقتضى الطبيعة الكل ، الحاصرة قوابل العالم ، حصر امتزاج واتحاد ، بحيث تتعاكس فيه خصائص الكل ، وتتبين فيه رقائق الارتباط والاتحاد من الكل بالكل .
وتحقيق ذلك أن مراتب الوجود وتعيناتها مترتبة :
منها أوائل غلب عليها أحكام الوجود ، وظهر منها آثار الوجوب ، بها نسبت إلى الجناب الإلهي ، لأن مرجع تلك الأحكام إنما هو إليه ، فلها أهلية التجرد والتنزه وشرف الاستغناء والتفرد .
ومنها أواخر غلب عليها الأحكام العدمية الكونية وظهر منها آثار الإمكان ، بها نسبت إلى جانب حقيقة الحقائق ، ضرورة أن للآخر تقدما ذاتيا في أزل الآزال .
الذي فيه يتحقق الحقائق كما سبق التنبيه عليه فهى المنتسب إلى حقيقة الحقائق ، ولها أهلية التعلق والتشبه ، وختة الاحتياج والتكثر .
ومنها النشأة الجامعة بينهما ، الطبيعة الكل ، الحاصرة للقوابل كلها حصرا جميعا اتحادیا .
فعلم على ذلك أن صورة آدم هي التي عندها هذه الجمعية المستجمعة ( بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي ، و ) بين ما يرجع منها ( إلى جانب حقيقة الحقائق  وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف ) أي القابلة لها ، المستعدّة لأن يتولَّد منها ويظهر عنها بالفعل .
وهي أهليّة كلّ المناصب العليّة والمنازل الرفيعة ، وقد نبّهت آنفا على ما يدلّ على اختياره الأوصاف هاهنا .
فظهر أنّ الجمعيّة التي عند الصورة المذكورة ، المسمّاة بالإنسان الكبير ، منطوية على ثلاث جمل : ثنتان منها اللذان بالفعل ، مرجعهما إلى الجناب الإلهي وجانب حقيقة الحقائق .
وثالثها الذي بالقوّة وهو المكمّل  مرجعه ( إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلّ ، التي حصرت قوابل العالم كلَّه ، أعلاه ) أي الأعيان الوجوديّة المسمّاة بالعقول والنفوس.
( وأسفله ) أي الأكوان العدميّة المسماة بالأجسام والأعراض ضرورة أنّ الثالث هذا برزخ بين ما يرجع إلى الجناب والجانب .
فإنّ الشيخ قد صرح في غير موضع من كتبه أنّ الكلّ طبيعيّة على ما عليه مذهب الأقدمين كما سيجيء تحقيقه . وأمّا ما تقتضيه تلك الطبيعة فهو النسب المستحصلة عند تعاكس أعيان العالم في قوابلها.
وظهور خواصّ بعضها للبعض ولأنفسها جمعا وفرادى كما قد اطَّلعت عليه فلا يزال يتربّى أجنّة تلك الأوصاف المشخّصة بآثار خواص النسب المذكورة في بطون طبيعة الكلّ ومشيمة نشآتها الحاصرة .
إلى أن يتولَّد ويظهر شخص كمالها بصورة إحدى الجمعيّتين اللتين بمنزلة الأبوين له ، من أعلى درجات الربوبيّة إلى أقصى دركات العبوديّة.
وإليه أشار الشيخ في نقش الفصوص بقوله : "ولهذا ما ادّعى أحد من العالم الربوبيّة إلا الإنسان لما فيه من القوّة ".
وما أحكم أحد من العالم مقام العبوديّة في نفسها إلَّا الإنسان ، فعبد الحجارة والجمادات التي هي أخزل الموجودات .
فلا أعزّ من الإنسان بربوبيّته ، ولا أذلّ منه بعبوديّته ، فإن فهمت فقد أبنت لك من المقصود بالإنسان .
فانظر إلى عزّته بالأسماء الحسنى وطلبها إيّاه ، فمن طلبها إيّاه تعرف عزّته ، ومن ظهوره بها تعرف ذاته ، فافهم من هاهنا تعلم أنّه نسخة من الصورتين : "الحقّ والعالم " إلى هنا كلامه بعبارته .
فقوله : « وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه الطبيعة » عطف على قوله : «من ذلك إلى  الجناب» ، من قبيل العطف على معمولي عاملين مختلفين ، ولكن بإعادتهما .
ولما كان ما في هذا القسم مستجنّا في بطون قابليّة النشأة ، وهي غير مشتملة عليه بالفعل كما في القسمين الأوّلين أورد « في » هاهنا بإزاء « من » تنبيها إلى ذلك .
وفي بعض النسخ « الطبيعة الكلَّية » ، فالكلَّي فيها ليس الكلَّي المنطقي ، بل المنسوب إلى الكلّ ، فإنّه الحاصر لأجزائه على ما قصد هاهنا .
نكتة حكميّة :
التعبير ب « حواء » عن النشأة الإنسانية : إذ قد ظهر لك أنّ النشأة العنصريّة الإنسانيّة هي امّ الأوصاف المشخّصة والأعراض المحصّلة لأفراد الإنسان وجزئيّاته ، لا يبعد أن يجعل « حوّا » - المستخرجة من الجنب الأيسر لصورة آدم إشارة إلى تلك النشأة الحاملة لها كلّ البعد لأنّ استخراجها من مكامن القوّة إلى الفعل واقع في الطرف الشمالي من الصورة ، مائل إليه ، وإن كان لآدم وحوّا بحسب كلّ طور لهما معنى يناسبه كما نبّهت عليه في المقدّمة من أكمل الأطوار وأشملها .
قصور العقل عن إدراك الحقيقة الإطلاقيّة
وإذ قد عرفت أنّ كلّ قوّة من القوى الجزئيّة التي في هذه الصورة محجوبة بنفسها ، واقفة لديها ، لا يمكن أن يكون لها من تلك الحيثيّة وقوف على الحقيقة الإطلاقيّة ، التي هي أصل صور العالم أعني الطبيعة الحاصرة للقوابل التي هي مورد المتقابلات ومعتنقها ، فالعقل بقوّته النظريّة  لا يتمكَّن من إدراكها أصلا بدون ذوق إليّ وكشف إلهي ، فلذلك ترى أهل النظر من المتكلَّمين والحكماء المشّاءين يحصرون الطبيعة في العنصريّات فقط .
ولذلك قال تعريضا بهم : ( وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكريّ ، بل هذا الفنّ من الإدراك لا يكون إلَّا عن كشف إلهيّ ، منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه ) فإنّك قد عرفت أنّ القابل وأصله راجع إلى الفيض الأقدس عن ثنويّة القابل والفاعل والكاسب والمكتسب منه ، فهو إذن بمعزل عن أن تقتنص شوارد حقائقه بمخالب قوى العقل وجوارحه .
أو يصل إليه أحد بسلاليم الأقيسة الفكريّة ومدارج مقدّماتها ، ضرورة أنّ الثنويّة التقابليّة غالبة في نشأة العقل وجبلَّته القدسيّة العالميّة على ما يظهر من تلويحه أيضا سيما فيما يدركه باستعانة من قواه وتوسّل إليها .
نعم ، يمكن له الوصول إليه عند انطواء الأسباب والآلات التعمّليّة والاكتسابيّة ، وانطفاء مشاعل مشاعره الجزئيّة ، عند سطوع تباشير إصباح المكاشفات الإلهيّة ، وشروق أنوار شمس الحقيقة من مطلع الوهب والامتنان ، وافق اليقين ، الخالص عن شوائب الحجج والبرهان  .
وجه تسمية آدم إنسانا وخليفة
ثمّ إنّه بعد تحقيق الحقيقة الآدميّة وتفصيل جمعيّتها التامّة شرع في تبيين أساميها ، كشفا عن كنه أحكامها ولوازمها المعربة عن تمام ذلك التفصيل ، وما له من كماليّة في الظهور والإظهار ، فإنّك قد عرفت أنّ حقيقة كلّ شيء بخواصّها ولوازمها إنّما تستعلم من أساميها وألفاظها المختصّة بها ، بقوله : ( فسمّي هذا المذكور « إنسانا » و « خليفة » ) بحسب كمالية الأوّل والآخر (فأمّا إنسانيّته : فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلَّها ) حصرا جميعا امتزاجيّا يتعاكس فيه النسب من الكلّ على الكلّ ، ويأنس بها الكلّ إلى  الكل.
( وهو للحقّ بمنزلة إنسان العين من العين ) أي كما أنّ إنسان العين من العين الشخصي فيه مثال الشخص بعينه حاصر الجميع أجزائه بأوضاعها وأشكالها ، كذلك الإنسان مثله من العين الوجودي ، وليس كمثله شيء ، أو كما أن بإنسان العين ينظر على الشيء ، فكذلك بحقيقته الأصليّة السابقة على الكلّ نظر الحقّ إلى العالم بعينه ، حسبما سمعه من ألسنة قابليّاتهم ، فرحمهم بوجوده .
فالإنسان بحقيقته هو (الذي يكون به النظر ، وهو المعبّر عنه بالبصر) في قوله : "وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"  (فلهذا سمّي إنسانا, فإنّه به نظر الحقّ إلى الخلق).
ورآهم بصورهم التي صوّرهم بها ألسنة قابليّاتهم في صيغ صبغ تعيّناتهم ( فرحمهم ) بالوجود التامّ المترتّب على ما حصل من المشعرين من العلم الكامل وكأنّك قد نبّهت على سبب طيّ أحد المشعرين في عبارته .
الصفات المتقابلة في الإنسان الكامل
ثمّ إنّ المثلية والتماميّة في المظهريّة إنّما تستدعي استيعاب الأوصاف المتقابلة والأحكام المتناقضة من أوّل الأزل إلى آخر الأبد ، مع الكليّة الجمعيّة التي هي الفاصلة بين الكلّ في جمعه ، فأشار إلى ذلك قائلا :
( فهو الإنسان الحادث الأزلي ) بحسب أوّليّته بالحقيقة ، وسابقيّته بها ، ومسبوقيّته بالظهور ، وتحقّقه بتمامه ( والنشء الدائم الأبديّ ) بحسب آخريّته في قبول تمام الكمال وانتهائه في أمد الإظهار ، وترتيبه الامتزاجيّ الجمعيّ ، فإنّ « الإنشاء » لغة هو الإيجاد مع الترتيب .
واعلم أنّ الآخريّة ذلك ليست آخريّة انقطاع وانتهاء انصرام ، كما أنّ الأوّليّة المذكورة ليست أوليّة إحداث وإبداء .
( والكلمة الفاصلة ) بين الأوّل والآخر ( الجامعة ) بين الظاهر والباطن بحسب كليّة أمره وأحديّة جمع نشأتيه الفاصلة في عين الجمع ، الجامعة في عين الفصل .
واعلم أنّ هذه ثلاثة أسامي له بحسب ما اشتمل عليه من الأجزاء المذكورة آنفا على الترتيب ، إلَّا أنّ الاسم لكونه كاشفا عن كنه المسمّى قد انطوى كلّ منه على ثلاث مراتب من الأوصاف إعرابا عن السعة التماميّة الإطلاقيّة ، فلذلك حمل الكلّ على "هو".
تلويح من العقود :
وهو أنّ السعة الإطلاقيّة التسعيّة المنطوي عليها آدم ، قد فصّلت في الإنسان بمثليّته المظهرة ثلاث جمل تامّات ،كلّ منها إشارة إلى نشأة من تلك النشآت التي له.
وأنّ البرزخ الواقع بمنزلة كلمته الكاملة ورتبته الجامعة ، تفرقته عين الجمع ، وكثرته عين الوحدة ، حيث أنّ اسمه عين مسمّاه ، فلهذا قد اختصّ بين الحروف بأنّه قلب القرآن  .
تمام العالم بوجود الإنسان
وإذ قد ظهر من احتواء الإنسان للأطراف بحسب أطواره ونشآته ما يتبيّن به.
أنّه الواصل من الجمعيّة إلى أقصى مراتبها - وهو المراد بالتمام - ( فتمّ العالم بوجوده ) .
الإنسان من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم
هذا كلَّه بحسب كماله الأوّل ، الذي به يسمّى « إنسانا » وأمّا بحسب كماله الآخر الذي به يسمّى « خليفة » : (فهو) أنّه وقع (من) دائرة ( العالم كفصّ الخاتم من الخاتم) ، حيث أنّه المتمّم لأمره ، المخصّص له بين الدوائر والحلق بالخاتميّة ، وحيث أنّه به يتّصل قوس الظاهر بالباطن ويجمع به الفرق ويتّحد الكلّ ، فأصبح به مراتب تنزّلات الوجود دائرة واحدة كاملة - على ما سبق تحقيقه في المقدّمة .
ثمّ إنّ من أجلّ وجوه المناسبات وأجلاها ، أنّ الفصّ محلّ نقش الملك وعلامته الخاصّة التي بها يختم الخزائن ، ويكتم نفائسها عن نظر العامّة واحتظائهم منها ، فإنّه ممّا يوجب الفساد في الملك والاختلال في نظام أمره .
إذ الحكمة البالغة حاكمة بأنّ الاطلاع على خصائص خزائن الملك وذخائر جواهره العزيزة محرّمة ،الَّا للندر من خلَّص أخصّائه المأذونين في ذلك من المؤتمنين.
وكذلك الإنسان محلّ نقوش الحروف المنزلة والعلامة العلميّة الخاصّة بالحقّ وهي التي بها يحفظ نظام خلقه عن تطرّق الاخترام وطريان الفساد والانصرام .
فإنّ لتلك النقوش ظاهرا وهي المفهومات الوضعيّة والحقائق العرفيّة التي عليها مباني أصول الشرايع وبها تستفاد من تلك النقوش والعلامات الأحكام الظاهرة من العقائد الأصليّة والأحكام الفرعيّة التي بها تنضبط صور العالم وتنحفظ عن تطرّق الاختلال ، فهي الختم على خزانة صورة الدنيا ، التي في صدد الزوال ، وهذا للإنسان بحسب كماله الأوّل .
وباطنا وهي اللطائف الذوقيّة والحقائق الكشفيّة التي تستفاد من تلك النقوش والعلائم بدون توسّط تلك النسب الوضعيّة والامتزاجات التركيبيّة الجعليّة ، وبها تنضبط حقائق المعاني والحكم في سلك التبيان ، وتنطبق أصول الإجمال والجمع منها على فروع التفرقة والتفصيل .
ومنها ينحفظ نظام استقامته عن طروّ الفساد وانحراف الميزان ، وهي الختم على خزانة معاني الآخرة التي لا تقبل الفناء ، وهذا له بحسب كماله الآخر .
فكما أنّ الإنسان جزء من العالم ، وهو محل النقش والعلامة اللتين هما الختمان لملك الملوك على الخزانتين .
كذلك الفصّ جزء من الخاتم ( وهو محلّ النقش والعلامة التي بها يختم الملك على خزانته وسمّاه خليفة من أجل هذا ، لأنّه الحافظ خلقه به ، كما يحفظ الختم الخزائن ، فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها ) أي فتح خزائن تلك الصور الوضعيّة ورفع أقفالها الرسميّة الجعليّة ، والاستكشاف عن وجوه اللطائف الذوقيّة المخزونة تحت أراضي تلك
الصور في خباياها ( إلَّا بإذنه ) المختصّ بخلَّص أخصّائه فعلم أنّ من تلك اللطائف والنفائس ما يمكن أن يحتظي به المأذونون من المؤتمنين والمحارم .
(فاستخلفه في حفظ العالم فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ) بكماليه ، الذي بيديه أمر الختم على الخزانتين .
قال رضي الله عنه : ( ألا تراه إذا زال وفكّ الختم من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحقّ فيها ) من المعاني الوضعيّة والأحكام الشرعيّة الأصليّة منها والفرعيّة ( وخرج ) - أي طلع وظهر - ( ما كان فيها ) مقصودا من اللطائف المكمونة فيها والنفائس المخزونة تحتها ( والتحق بعضه ببعضه) الذي استخرجه المأذونون .
فإنّهم منذ ما وصل أفنان شجرة الوقت إلى بلوغ أوان ثمرتها على طبق ما وعد به العبارات المعربة للخاتم العربي صلَّى الله عليه وسلَّم .
لذلك الوقت قد أخذوا في إظهار شيء من لطائف تلك الخزانة وفتح أقفال مرموزاتها التي على أبواب دلالاتها المغلقة على حصون قلاع العقائد التقليديّة والرسوم العاديّة بحسب احتمال مزاج الزمان وقوّة هضمه لذلك الغذاء القوي ، متدرّجا من الأضعف إلى الأقوى .
والتحق اللاحق منه بالسابق ، إلى أن بلغ ميعاد فتح قسطنطنيّة العظمى ، فإنّه حينئذ ظهر تمام المراد ، وكمل أمر الإظهار وكفي الخلائق عن الموت والفساد والتكرار والترداد .
(وانتقل الأمر إلى الآخرة ، فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديّا) .
وذلك لما عرفت أنّ من تلك اللطائف والنفائس ما كانت صورته في صدد الزوال والانتقال ، ومنها ما كانت معنويّة غير قابلة له ، والإنسان بطرفيه وما له من الكمالين هو الختم على الخزانتين ، وفيه إشارة إلى الختمين فلا تغفل .
ثمّ إنّه بعد تحقيق معنى آدم واستخراج ما في أساميه من الحقائق والأحكام المتطابقة بين الاسم والمسمّى ، أراد أن ينساق كلامه هذا إلى ما يتبيّن به ما هو بصدد تحقيقه ممّا ادعاه في صدر الكلام ، من « أنّ الملائكة من بعض جزئيّات قوى هذه الصورة الآدميّة ، وأنّها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل منها » لئلا تعتري لطائف تحقيقاته عن ملابس الانتظام قائلا : ( فظهر جميع ما في الصورة الإلهيّة من الأسماء ) وهو عطف على قوله :
" فتمّ"  أي إذا تقرّر أنّه بوجوده تمّ دائرة خاتم العالم ، وبنقوش حقيقته انختم خزائن صور المعاني دنيا وآخرة ، يكون جميع الأسماء ظاهرة بالضرورة (في هذه النشأة الإنسانيّة فحازت) الصورة الإلهيّة ( رتبة الإحاطة ) بالحدوث والقدم.
( والجمع ) بين التفرقة والجمع ( بهذا الوجود ) الكوني ( وبه ) أي بهذا الوجود الكوني ، وترتيب مقدّمات نشأته الواقعة على صورة الشكل الأوّل البيّن المنتج لسائر المتقابلات والنقائض.
( قامت الحجة لله تعالى على الملائكة) فيما ادّعوا من استحقاقهم الخلافة وعدم استيهال آدم لها.
ثمّ بعد تحقيقه هذا أخذ في موعظة منه للطالبين من العاكفين على ما أعطاهم أفهامهم وأحوالهم من العلوم والمعارف ، موروثة كانت من أعمالهم أو مكتسبة لأفكارهم وأنظارهم ، تنبيها على أنّه ما من رتبة في العلم باللَّه إلَّا فوقها مراتب ، وتشويقا لهم بأنّه ما من منقبة يتوقّف عندها أهل العلم ويفتخر بها ، مطمئنّا لديها ، إلَّا وفوقها مناقب .
بقوله : ( فتحفّظ ، فقد وعظك الله بغيرك ، وانظر من أين اتي على من اتي ) على صيغة المجهول ، إنما يستعمل في المكاره .
وقوله رضي الله عنه : ( فإنّ الملائكة ) تعليل لقيام الحجّة بالإنسان على الملائكة وبيان لما اتي عليهم ، وأنّه من أين اتي عليهم .
وذلك أنّ الملائكة لمّا لم يكن لها قدم في النشأة الإطلاقيّة الجمعيّة التي إنّما تترتّب عليها الخلافة الإلهيّة ، وإنّما يؤسّس عليها أركان العبادة الذاتيّة ما أمكن لها الوقوف على أحكام تلك الخلافة ، ولا على لوازم تلك العبادة فلذلك (لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذه الخليفة ، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحقّ من العبادة الذاتيّة ) التي لا موقف لأحد فيها غير الإنسان ( فإنّه ما يعرف أحد من الحقّ ) وما يصل بمساعي أقدام العبادة إلى حضرات قربه ( إلَّا ما تعطيه ذاته ) بحسب القابليّة الأولى والفيض الأقدس .
( وليس للملائكة جمعيّة آدم ) بحسب تلك القابليّة على ما بيّن ، ( ولا وقفت مع الأسماء الإلهيّة ، إلَّا التي تخصّها ) من الأوصاف العدميّة والأسماء التنزيهيّة التي عليها مواقف استقرارها ومواطن معرفتها ، ( وسبّحت الحقّ بها وقدّسته ، وما علمت أنّ لله أسماء ما وصل علمها إليها فما سبّحته بها ولا قدّسته) ضرورة أنّ تسبيح العبد للحقّ بحسب معرفته له فأكملهم معرفة أتمّهم تسبيحا وعبادة ، ومن هاهنا ترى العبادة الواردة في التنزيل مفسرة بالعرفان .
وإذ لا يخفى على من تصفّح كلام القوم أنّهم يشيرون إلى منتهى مقام العبد وآخر مراتب عروجه بـ « الموقف » و « الموطن » كما يشيرون ب « القدم » إلى خصوصيّة منهجه ومواطئ طريقه ومسلكه حيث يقولون : « فلان على قدم آدم » ، و « فلان على قدم إبراهيم » لا احتياج في تبيين معنى الوقوف هاهنا إلى تعسّف واضطراب  .
وإذا كان مقتضى جبلَّة الملائكة وما أعطته ذاتها إيّاها إنّما هو الأوصاف العدميّة والأسماء التنزيهيّة ، استولى عليها قهرمان هذا الاقتضاء.
قال رضي الله عنه : ( فغلب عليها ما ذكرناه ) من عدم الجمعيّة التي لآدم .
وعدم وقوفها مع الأسماء كلَّها وعدم العلم بأنّ للحقّ أسماء وراء ما عندها ( وحكم عليها هذا الحال ) ، أي غلبها أحكام هذا السلوب والأوصاف العدميّة ( فقالت من حيث النشأة ) أي نطقت لسان نشأتها هذه بقولها : ( "أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها " ) مستنكرة للحق فيه .
ساعية لآدم بعدّ قبائح أوصافه العدميّة مثنية على أنفسها بعدّ محامد أوصافها السلبيّة كلّ ذلك من مقتضى نشأتها التي على محض التجرّد والتقدّس العدمي .
والدليل على أنّ ذلك القول إنّما صدر منها من حيث نشأتها أنّ ما نسبوه لآدم إنّما هو الفساد (وليس ذلك إلَّا النزاع ، وهو عين ما وقع منهم فما قالوه في حقّ آدم ) من الفساد ( هو عين ما هم فيه مع الحقّ . فلو لا أنّ نشأتهم تعطي ذلك ، ما قالوا في حقّ آدم ما قالوه ، وهم لا يشعرون ) .
أنّ ذلك القول هو عين ما نسبوه إلى آدم ، ضرورة أنّ صدور الآثار إذا كان من المبادي من غير شعور بها ولا رويّة ، دليل على أنّها من محض الجبلَّة ونفس الطبيعة .
( فلو عرفوا نفوسهم ) الجزئيّة بحقائقها وخصوصيّاتها ( لعلموا ) أن ذلك القول عين الإفساد ، وأنّ تجريح آدم به تجريح لأنفسهم ، ( ولو علموا ) ذلك ( لعصموا منه ) .
( ثمّ لم يقفوا بالتجريح) لآدم وعدّ مثالبه ، ( حتّى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التقديس والتسبيح - وعند آدم من الأسماء الإلهيّة ما لم تكن الملائكة عليها ) كالأسماء الوجوديّة والأوصاف الثبوتيّة التي هي مقتضى طرف التشبيه ( فما سبّحت ربّها بها ، ولا قدّسته عنها تقديس آدم وتسبيحه ) ضرورة أنّ تقديسه في عين التشبيه ، الذي هو حقيقة التقديس كما أنّ تسبيحه في نفس الحمد ، الذي هو حقيقة التسبيح .
والفرق بين « التقديس » و « التسبيح » أنّ التسبيح تنزيه الحقّ عن طروّ الأوصاف ، والتقديس تطهيره عن شوائب النسب مطلقا ، فالأوّل له طرف الظهور ، كما أنّ للثاني طرف البطون ويؤيّد ذلك قوله تعالى : " إِنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا " ، وما يقال : «" سبحات الوجه وقدس الذات ".
ويلوّح عليه ظهور سين «السر» في «سبّح» ببيان حاء «الحمد » ، وفي « قدّس » قاف قابليّته دائر منه ظاهر به ، فله الحكم عليه ، ولذلك تراه مستقلَّا متفرّدا فيه وفي عدده ، وأمّا سبح : فله عقد العين الظاهرة  .
ويمكن أن يجعل قوله : «حتّى زادوا في الدعوى» إشارة إلى ما ادّعوا في تسبيحهم أنّه بالحمد ، فإنّه زيادة في الدعوى على ما هم عليه من التسبيح البحت الذي يقابله الحمد .
ثمّ إنّه قد ظهر ممّا بيّن أنّ منشأ مقابلة الملائكة لآدم ومعارضتها له ، إنّما هو نشأتها المجرّدة المقدّسة المائلة إلى طرف الإطلاق العدمي المقابل للتقييد من الجمعيّة الاعتداليّة القابلة لظهور الإطلاق الحقيقي التي لآدم ، فسقط ما قيل هناك : "إنّ الملائكة التي نازعوا آدم هي ملائكة الأرض والجنّ والشياطين لا غير" .
كيف ، وهم مسخّرون تحت قهرمان أمره وضبطه الجامع ، لقوله تعالى :"وَسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه".
فلو خصّص نوع منها بتلك المقابلة لكان أهل الجبروت أولى بذلك من غيره على ما لا يخفى .
ثمّ ها هنا نكتة حكميّة تنطوي على أصل : وهي أنّ للعدم نسبة إلى الذات اختصاصيّة ، وللوجود إلى الوجه كذلك كما لا يخفى على الواقفين بالرموز الحرفيّة ألا ترى أنّ الأسماء التنزيهيّة أظهر دلالة على الذات ، كما أنّ الأوصاف الثبوتيّة أبين لزوما للوجه ، وهي مقتضية للخفاء والكمون ، كما أنّه يقتضي الظهور والبروز .
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 10:27 من طرف عبدالله المسافر

01 -  فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 

الجزء الثالث : 
وهذا الحكم له سريان في جميع المراتب ، ففي مرتبة الأفعال يظهر بصورة الأمر والنهي ، وفي مرتبة صورتها وأحكامها الشرعيّة المشعرة يسمّى بالطاعة والذنب ومما علم من هذه النكتة : سرّ العبادة الذاتيّة ووجه اختصاصها بالإنسان.
الغرض من ذكر القصص في القرآن
ثمّ اعلم أنّ القصص الواردة في التنزيل مؤدّاها ليست مقصورة على حكاية أمم وأشخاص في الأزمنة السالفة قد انقرضت بانقراضها كما هو مبلغ أفهام محابيس مطمورة الزمان من أرباب العقائد التقليديّة والرسوم الراسخة العادية .
حيث يقولون بألسنة اعتقاداتهم : « إنّها أساطير الأوّلين » جلّ عن ذلك بل إنّما هي حكاية أحوال الحقائق على ما هي عليه ، وبيان مراتب كمالها ، على ما نطقت به ألسنة استعداداتها المتشخّصة في الأفراد من الأزل إلى الأبد منطوية على جلائل الحكم ولطائف النكت ، كما يطلعك على شيء منها ما في قصّة مقابلة الملائكة المقدّسة مع الحقيقة الجمعيّة الآدميّة .
فإنّ من أفرادها من اكتنف بالخصائص الروحانيّة ، وتشخّص بالملكات الملكيّة ، حيث اعتزل عن الامتزاج مع بني نوعها والاختلاط بهم ، وترهّب عن تناول المستلذات وقضاء الشهوات فانفتح به عليه أبواب اللطائف القدسيّة ، وانكشف له من الحكم الإلهيّة والمعارف التنزيهيّة .
فهو الذي يقابل المحمّديين أرباب العدالة الحقيقيّة والملكات الإنسانيّة - من الواصلين إلى الأمر الوسط الجامع بين التجرّد والتعلَّق ، الحائز للتنزيه والتشبيه ، الذي عليه حقيقة التوحيد ، على ما هو موطن بلوغ الكمال الإنساني والخلافة الآدميّة .
فالمجرّد المترهّب لم يزل ينازعهم في استيهال تلك الخلافة ، ولذلك ترى ألسنة أحواله يفصح دائما عن مؤدى قوله تعالى : " أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ".
الأدب مع الله تعالى
فأشار إلى ذلك بقوله : ( فوصف الحقّ لنا ما جرى لنقف عنده ) أي عند ادعاء الكمال ( ونتعلَّم الأدب مع الله تعالى ) في مواقف مخاطبته ( فلا ندّعي ما نحن محقّقون به ) بحسب القابليّة الأصليّة ( وحاوون عليه ) بالعلم الشهودي ( بالتقييد ) كما نقول في مشهدهم هذا مثلا : « نحن نسبّحك بتوفيقك ومشيّتك » أو «نسبّحك تسبيح تنزيه» (فكيف أن نطلق في الدعوى).
ونقول : « نحن نسبّحك » مطلقا عن أن نقيّد بالتوفيق من الله ومشيّته أو « نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ » ( فنعمّ بها ) أي بالدعوى ( ما ليس لنا بحال ) من إضافة الفعل مطلقا إلى أنفسنا ، وحالنا - نحن معاشر العبيد - على ما كان في العدم الأصلي ، فمصدريّتنا للأفعال إنّما يكون بتوفيق الله ومشيّته ( ولا نحن منه على علم ) من الجمع بين التسبيح والحمد وأدائه به (فنفتضح) لدى الاختبار .
قال الله رضي الله عنه : (فهذا التعريف الإلهي) لآدم في هذه القصّة (ممّا أدّب الحقّ به عباده الأدباء ، الأمناء ،الخلفاء) حتّى يقفوا عندما قال الله تعالى ولا يجاوزوا عن مقتضاه .
ولا يشيّعوا ما اطَّلعوا عليه من قبائح أعمال العباد وفواحشها.
ولا ينزّهوا أنفسهم عنها كلّ التنزيه ، وإن علوا على البريّة علوّ شرف ورفعة .
على الترتيب المشار إليه يعني الأدب والأمانة والخلافة.
فهذه ثلاث مراتب للعبد هي امّهات مواطن كماله ، قد أفصح التعريف الإلهي هذا عن آدابها كلَّها ، وأنت عرفت ما للثلاثة من النسبة الخصيصة بالكلمة الآدميّة ، فلا نعيد وجه تطبيقه هاهنا فلا تغفل .
ثمّ إنّ بعض المقصّرين من أفراد الإنسان لمّا اعتكفوا عند مرتبة القاصرين من الملائكة في التحقيق أعني الحكماء حيث قصّروا طريق العرفان على محض التنزيه .
وبنوا الأمر في ذلك على مجرّد التجرّد وصرف التقدّس ، أراد أن يكون الكلام في هذه الحكمة منساقا إلى ما ينبّههم على ذلك التقصير ويحرّضهم إلى العروج على مراقي الكمال الإنساني.
متنزّلا في ذلك إلى مسلمات قواعدهم وموضوعات أصولهم ، تأنيسا بهم في ذلك وتسليكا لهم إلى مدارج كمالهم تدريجا ، مؤميا فيها مع ذلك كلَّه إلى ما يتبيّن به حقيقة آدم وماهيّته العقليّة ، بعد تحقيق هويّته الخارجيّة .
فقال : ( ثمّ نرجع ) من بيان القصّة ولطائف إشاراتها ( إلى الحكمة ) الإلهيّة المبحوث عنها هاهنا ، وهي الكاشفة عن بيان ارتباط الأسماء الإلهيّة التي هي محلّ الاختبار والامتحان ، بين المتنازعين في الخلافة بالأعيان الكيانيّة ، وسريان حكم كلّ منهما في الآخر ، بتحقيق رقيقة الجمع بين الباطن والظاهر ، والأوّل والآخر .
قال رضي الله عنه : ( فنقول : اعلم أنّ الأمور الكلَّيّة ) الواقعة من حيث هي كذلك في الدرجة الثانية من التعقّل ، كالأوصاف المجرّدة عن الحقائق مثل الحياة والعلم وما يتبعهما أو المستندة إليها مثل الحيّ والعالم ( وإن لم يكن لها وجود في عينها ) .
فإنّه ليس للأمور الواقعة في تلك الدرجة وجود مستقلّ في عينها ، وهو المسمّى بالوجود الخارجي والعيني ( فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن ) وبيّن أنّ الكليّات لها طرف التنزّه المحض وهو الذي لها لذاتها به تعقل ، وطرف التعلَّق وهو باعتبار مدلوليّتها للفظ به تتخيّل ، وطرف الجامعيّة بينهما به تعلم وهو الواسطة .
فأشار إلى تلك الأطراف بترتيبها ، وحيث أنّ الذهن هو « الفهم » - لغة - يناسب إطلاقه على طرف مدلوليّتها وعلى سائر تقاديرها وأطرافها .
( فهي باطنة لا تزال عن الوجود العيني ) أي الأمور الكليّة التي هي المعقولات الثانية باطنة عن الوجود العيني أبدا لا تزال كذلك ، حيث لا يكون لها محاذى في العين البتة .
ثمّ إنّ هاهنا نسخا كثيرة متخالفة، والظاهر أنّها منتحلة من المستكشفين له، فطوينا الفحص عنها لظهور المقصود بهذه النسخة وتشوّش الأذهان بها .
ثمّ إنّ هاهنا نكتة حكميّة لا بدّ من التنبيه إليها، وهي أنّك عرفت أنّ الأسماء الإلهيّة عند توجهّها إلى كمال الظهور والإظهار لها حركة من فضاء اللطف منبع الإطلاق والعموم إلى مضيق الكثافة معدن القيد والخصوص إلى أن يتمّ الكمال بنوعيها
ومن ذلك ، التنزّل من الجنس العالي يعني الجوهر متدرّجا فيه إلى النوع السافل ، يعني الإنسان الذي بنقطة نطقة تتمّ الدائرة بقوسيها الكماليّين .
ثمّ إذا تذكَّرت هذا فاعلم أنّ كلا من تلك المراتب عالية كانت أو متوسّطة أو سافلة لها أوصاف كلَّية محصّلة بالذات ، هي مبادئ آثارها الخاصّة بها ، الفاصلة لها عمّا سواها ، وهو سبب تحصّل تلك المرتبة في الخارج بالوجود العيني بلحوقه لها ، مقوّمة إيّاها على ما بيّن في صناعة الحكمة ثمّ إذا ظهرت بالوجود العيني ، حصل من تلك المرتبة التي بمنزلة المادّة - حكم فيه ، ومن ذلك الوصف الذي بمنزلة الصورة أثر .
وإليه أشار بقوله : ( ولها الحكم والأثر في كلّ ما له وجود عيني ) .ويمكن أن يحمل « الحكم » على مقتضى الذاتيّات منها و « الأثر » على مقتضى الأعراض ، لكن الأوّل أتقن .
ثمّ إنّ المتبادر إلى الأفهام من هذه العبارة أنّه ليس من تلك الكليّات في الخارج إلَّا آثارها وأحكامها فقط ، فأضرب عن ذلك بقوله : ( بل هو عينها ) أي ما له وجود عيني ، عين تلك الأمور الكلَّية ، فإنّها هي الظاهرة بصورة الأثر حسبما اقتضاه الوجود العيني ( لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينيّة ) .
ثمّ إنّ تلك الأمور الكليّة عندما تتحصّل ماهيّتها النوعيّة لها ثلاثة مدارج :
الأول منها تفصيل الأحكام والآثار التي هي بمنزلة المادّة والصورة، وهو حقيقة النوع وحده.
والثاني الهيئة الجمعيّة بينهما، الرافعة للمغايرة، وهي النوع عينه .
والثالث تفصيل الأشخاص الخارجيّة، فأشار في طيّ عبارته إلى هذه المراتب، مضربا عن الأوّل بالثاني، مفسّرا إيّاه بالثالث.
تنبيها إلى أنّ التفصيل الأوّل اعتباريّ محض لا عبرة به ، وأنّ التفصيل الثاني هو عين الجمع ، وإلى أنّ الموجود العيني له وحدة جمعيّة كذلك ، وإلى غير ذلك من الدقائق فلا تغفل عنها .
فيكون التفسير للضمير المنفصل، لا للمتصل على ما هو الموجب للتوهّمات الباعثة على ارتكاب التمحّلات - كما التزمه البعض وهذا يناسب ما تسمعه من أئمّة النظر.
« إنّ سائر أقسام الكلَّيات موجود بوجود النوع عينه في الخارج كما أنّ النوع مع الشخص كذلك ، وإنّ ذلك التفصيل بين الكليّات وتميّزها إنّما هو في العقل » فهي معقولة (ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها ) أي نظرا إلى نفس حقائقها الكليّة ، بدون اعتبار تعيّنها وكونها ذا وجود عينيّ ، فإنّها بذلك الاعتبار عين الموجود العيني .
( فـ ) تلك الكليّات ( هي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات ) وصورها المشخّصة الخارجيّة الكثيرة ، ( كما هي الباطنة من حيث معقوليّتها ) ومعانيها الكلَّية الذهنيّة الواحدة .
الحقائق الكلية معقولة دائما
ثمّ إذ قد تقرّر أنّ التأثير والحكم إنّما هو لما تبطَّن من المعاني ، وأنّ الوجود العيني عبارة عن ظهور تلك الكليّات بصور آثارها ( فاستناد كلّ موجود عيني ) من الأشخاص جسمانيّة كانت أو روحانيّة إنّما هو ( لهذه الأمور الكليّة التي لا يمكن رفعها عن العقل ) رفعا يستقلّ به في الوجود .
وهذا وصف عدميّ لها بنسبتها إلى العقل. وإلى ما لها بالنسبة إلى الخارج أشار بقوله : ( ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة ) .
فإنّه وإن قيل : « إنّ الطبايع الكليّة لها وجود في الخارج » ولكن في ضمن الهويّات الخارجيّة والأشخاص ، فغير زائلة حينئذ عن الكون العقلي ، ضرورة أنّ هذا التفصيل المستتبع لإثبات تلك الطبايع إنّما هو للعقل عند وجودها فيه .
وفي هذه العبارة إشارة إلى أنّ تلك الكليّات وسائر الماهيّات العقليّة إنّما هي أحوال وعوارض لباطن الوجود ، لازمة له ، غير زائلة عنه على عكس ما عليه جمهور أهل النظر وقد حقّق أصل هذه المسئلة إمامي وجدّي خاتم التحقيق في هذا الطور في « الحكمة المتقنة » وغيرها من الكتب ، من أراد ذلك فليطالع ثمة .
نسبة الموجودات العينية إلى الحقائق الكليّة
ثمّ إنّ صورة التثليث الكمالي الظاهر ملاك أمره في الكلمة هذه على ما وقفت عليه مرارا - قد سرت سورة حكمها في الكليّات التي هي باطن تلك الكلمة .
وإذ قد نبّهت منها على مقامين :
الأوّل هو الذي يكشف عن مدارجها الباطنة ،
والثاني عن مجاليها الظاهرة .
أخذ في تكميلها بالثالث ، وهو المبيّن لما يترتّب على تلك المدارج والمجالي ممّا يتّصف به الكلَّي في معقوليّته من الأحكام الإطلاقيّة ولما يتولَّد عند امتزاجهما من النسبة الجمعيّة .
وإذ قد فرغ عن تحقيق الوصفين بما ينبئ عن الجهة الإطلاقيّة التي لها ، حيث عبّر عنهما بالمفهومات العدميّة .
شرع في تبيين النسبة المتولَّدة التي اتّصف بها الكلَّي من حيث الأعيان ، وأشار إلى مبدأ تفصيل تلك الأعيان أوّلا أعني الزمان بقوله : (وسواء كان ذلك الموجود العيني مؤقّتا ، أو غير مؤقّت) أي حادثا زمانيّا أو قديما ( نسبة المؤقّت وغير المؤقّت إلى هذا الأمر الكلَّيّ المعقول نسبة واحدة ) ضرورة أنّ نسبة القدم والحدوث إليه على السويّة ، لإطلاقها عنهما ، وعلوّه عليهما .
قال رضي الله عنه : (غير أنّ هذا الأمر الكلَّي يرجع إليه حكم من الموجودات العينيّة ، بحسب ما يطلبه حقائق تلك الموجودات العينيّة) وذلك لأنّه عين تلك الهويّات العينيّة في الوجود ، فيكون مكتسبا منها سائر أحكامها ونسبها ، ( كنسبة العلم إلى العالم ، والحياة إلى الحيّ ) .
وإنّما اختير من الكليّات هذان المثالان لأنّ من لطائف ما اشتملت عليه هذه الحكمة الإلهيّة ، ما يتعلَّق بحقيقة الإنسان وبيان ماهيّته العقليّة على ما سلف لك في صدر البحث وهما أصل ما اشتملت عليه تلك الحقيقة أعني الحيوان الناطق على أنّهما هما الإمامان المقدّمان في حضرة جمعيّة الأسماء الإلهيّة ، وبهما قد اتّسقت الرقيقة الارتباطيّة بين الواجب والممكن .
(فالحياة حقيقة معقولة، والعلم حقيقة معقولة متميّزة عن الحياة كما أنّ الحياة متميّزة عنه . ثمّ نقول في الحقّ تعالى : « إنّ له علما وحياة » ، فهو الحيّ العالم) .
قال رضي الله عنه : (ونقول في الملك : « إنّ له حياة وعلما » ، فهو الحيّ العالم ونقول في الإنسان : « إنّ له حياة وعلما » فهو الحيّ العالم وحقيقة العلم واحدة ، وحقيقة الحياة واحدة ، ونسبتهما إلى العالم والحيّ نسبة واحدة .
ونقول في علم الحقّ : « إنّه قديم » ) ذاتا وزمانا.
( وفي علم الإنسان : « إنّه محدث » ) ذاتا وزمانا.
وفي علم الملك : " إنّه محدث ذاتا ، قديم زمانا " .
وإنّما طوى هذا المثال هاهنا لما ليس له كثير دخل في المبحث ، إذ الغرض الأوّل من تمهيد هذه المقدّمة أن يبيّن بها الجهة الارتباطيّة بين الممكن والواجب ويقلع بها موادّ عقائد الغالين في التنزيه الرسمي ، من الحكماء القاطعين بانتفاء تلك الجهة ، الحاسبين أنّهم هم الموفون بحقّ التنزيه .
ولذلك قال متمّما لبيانه : ( فانظر ما أحدثته الإضافة من الحكم في هذه الحقيقة المعقولة ، وانظر إلى هذا الارتباط بين المعقولات والموجودات العينيّة) .
قال رضي الله عنه : (فكما حكم العلم على من قام به أن يقال فيه : « عالم » ، حكم الموصوف به على العلم بأنّه حادث في حقّ الحادث قديم في حق القديم ) حيث اتّصل من الطرفين .
أعني الباطن والظاهر رقيقة النسبة الحكميّة، نازلة من الأمر الكلَّى إلى الهويّة الموصوفة هي به، راجعة منها إليه، وانتظم بذلك صورة الدائرة المستدعية لسريان الأمر الجمعي، وتعاكس حكم كلّ منهما على الآخر بوجه (فصار كلّ واحد) من الباطن العقلي والظاهر العيني (محكوما به ، محكوما عليه) .
ثمّ إنّه يمكن أن يقال ها هنا : إنّ هذا الكلام إنّما يتمّ لو لم يكن الكلَّي عند اتّصافه بالوجود العيني منقسما مفصلا انقسام الجنس بفصله أو مجزّأ تجزية الأجزاء الخارجيّة وموادها بصورها المشخّصة وأمّا على تقدير ذلك فلا يلزم أن يكون محكوما عليه ، ضرورة أن كلّ قسم وجزء مخالف لآخر بالذات .
وبالجملة، كما أنّ الفصل يقسّم الجنس ويفصّله حقائق مختلفة, فلم لا يكون التعيّن له هذا السبيل بالنسبة إلى النوع ؟ فأشار إلى دفعه بقوله : ( ومعلوم )  ممّا نبّهت عليه من أنّ عين الأشياء الحاصلة من « كن » إنّما يتوقّف وجودها على انضمام كاف « الكلَّي » إلى نون تعيّناتها النوعيّة .
( أنّ هذه الأمور الكلَّية وإن كانت معقولة ) بهذا الاعتبار ( فإنّها معدومة العين ) من حيث هي كذلك ( موجودة الحكم ) فقط كما عرفت من أنّ الأوصاف حاكمة على من قامت به بذلك الوصف .
ولا يخفى على من سلمت ذائقة ذوقه عن شوائب الأخلاط الخارجيّة أنّه يمكن أن يكون الأمور في عدمها مبدأ للحكم ، محكوما بها ( كما هي محكوم عليها ، إذا نسبت إلى الموجود العيني ) وانتظم رقيقة التناسب من الطرفين انتظاما دوريّا ، فإنّه حينئذ يحصل منهما هيأة وحدانيّة تتّحد بها تلك الأمور
قال رضي الله عنه :  ( فتقبل الحكم في الأعيان الموجودة ) بهذا الارتباط ، أي عند ظهور الكلي بالذات بصورة أثره في الأعيان معرّى عن عروض الكليّة إيّاه .
فعلم أنّ معروض الكلَّي بعينه في الأعيان ، كما علم من أضرابه السابق ، وإلَّا فالمطابق من العبارة أن يقال : « من الأعيان » ، فإيراد « في » ها هنا لهذه الدقيقة .
ثمّ إنّ معروض الكلَّي وإن قبل الحكم في الأعيان على ما مرّ ( و ) لكن ( لا تقبل التفصيل ) عقلا تفصيل الجنس بفصله فيه ( ولا التجزّي ) خارجا .
تجزية المواد الهيولانيّة والأجزاء الوجوديّة بصورها المشخّصة إيّاها فيه.
( فإنّ ذلك محال عليها ) أي على الأمور الكلَّيه ومعروضاتها ( فإنّها بذاتها في كلّ موصوف بها ، كالإنسانيّة في كلّ شخص شخص من هذا النوع الخاصّ ، لم تتفصّل ولم تتعدّد بتعدّد الأشخاص ) ، فلو كانت مفصّلة أو مجزّأة لكان في كلّ شخص منه حصّة جزئيّة منها ، أو جزء ، فلا تكون بذاتها فيه - على ما هو مقتضى الطبيعة النوعيّة المحصّلة بالذات ، وذلك هو الذي يصلح لعروض التشخّص إيّاه .
الحقائق الكلية غير موجودة في العين بصورتها الكليّة  
وتمام تحقيق هذا الكلام أنّ الطبيعة الجنسيّة لتوغَّلها في بطون الإبهام غير قابلة للتحصّل بذاتها ، ما لم ينضمّ إليها الطبيعة الفصليّة المحصّلة بالذات ، المقوّمة إيّاها طبيعة نوعيّة محصّلة ، ثم إذا تحصّلت الطبيعة النوعيّة في الوجود والعقل جميعا .
لا يطلب غير ما يشاربه إليها في الخارج والحسّ من الأعراض المتواردة على تلك الطبيعة ، المتعاقبة عليها على سبيل التبادل ، وهي باقية بعينها ، وتلك الأعراض هي المصنّفة للنوع ، المشخّصة إيّاه ، وبيّن أنّها لا يمكن أن تكون داخلة فيه ولا في جزئيّاته .
هذا على لسان أهل النظر من المشّاءين وأمّا على لسان التحقيق ، فإنّك عرفت أنّ العوارض المشخّصة وما يتبعها ، إنّما هو أفياء أشعّة الوحدة الإطلاقيّة وظلال أضوائها ، وهي ظاهر الوجود ، المسمّى بالنور فتحفّظ فإنّها من الحكم التي قد خلت عنها الكتب والزبر . هذا في الطبيعة النوعيّة ، وكذلك حكم سائر الكليّات الباقية  .
هذا إذا كان التكثّر فيه على سبيل التفصيل ، وأمّا إذا كان على طريقة التجزّي فظاهر البطلان أيضا .
فإنّ التجزي والتعدد إنّما يتصوّر في الموجود العيني ، أو ما له محاذى ومناسب في العين ، والكليّات مما وقع في المرتبة الثانية من التعقّل ، ليس لها ذلك . فقوله : ( ولا برحت معقولة ) عطف على قوله :" لم يتعدد" على سبيل الكشف والبيان  .
وإذ قد عرفت أنّ سوق هذه المقدمات إنّما هو نحو إلزام الجاحدين للجهة الارتباطيّة بين الممكن والواجب من أهل النظر وأرباب العقائد التقليديّة الواقفين عند مواقف الملائكة المقدّسة ، بادعائهم أنّهم هم المنزّهون لله تعالى حقّ التنزيه أفصح عن التقريب الأوّل.
بقوله : ( وإذا كان الارتباط بين من له وجود عيني وبين من ليس له وجود عيني ، قد ثبت - وهي نسب عدميّة - فارتباط الموجودات بعضها ببعض أقرب أن يعقل ، لأنّه على كلّ حال بينها جامع - وهو الوجود العيني - وهناك فما ثمّ جامع - وقد وجد الارتباط بعدم الجامع - فبالجامع أقوى وأحقّ ) ، فـ « هي » يحتمل أن يجعلها عائدة إلى « الارتباط » ، وأن يرجع إلى « من ليس » وهذا أنسب بما هو في صدده .
افتقار الممكن إلى الواجب
ثمّ إذ قد بيّن الجهة الارتباطيّة بين الباطن والظاهر وما في العقل لما في الخارج ، يريد أن يبيّن تلك الجهة بين الموجودات العينيّة ، ربطا بين الأوّل والآخر على وجه ينساق إلى إثبات الواجب ، وإلى أن نسبة غيره إليه بالعبوديّة وسبب تسميته عبدا ، وغيره من الأحكام - كل ذلك بلسان أهل النظر .
فأشار إلى تلك الأمور كلَّها بقوله : ( ولا شكّ أنّ المحدث قد ثبت حدوثه وافتقاره إلى محدث أحدثه لإمكانه لنفسه ) وكلّ ما هو ممكن لنفسه مفتقر إلى ما يرجّح أحد طرفيه ، فالحادث مفتقر إلى ما يرجّح وجوده ويوجده ( فوجوده من غيره ، فهو يرتبط به ارتباط افتقار ) .
ولا يخفى أنّ هذا إنّما يكون جهة ارتباطيّة بين الممكن والواجب أن لو كان ذلك المحدث المفتقر إليه هو ، يجب أن يكون واجبا ، وإذ كان ذلك غير منحصر في الواجب عند الذاهبين إلى التنزيه ، أشار إلى إثبات ذلك تتميما لما هو بصدده وإثباتا لحدوث العالم وإبطالا لقاعدة العليّة التي هي معاقد قواعدهم.
بقوله : ( ولا بد أن يكون المسند ) افتقار الحادث ( إليه واجب الوجود لذاته غنيّا في وجوده بنفسه ، غير مفتقر ) وإلَّا يلزم أن يكون الحادث مفتقرا في الوجود إلى مفتقر بالذات مثله ، وذلك بيّن البطلان .
لا يقال : لم لا يجوز أن يكون المفتقر بالذات واسطة بين الحادث وبين الواجب بالاستفاضة ؟
لأن الواسطة لما كانت مفتقرة في وجودها بالذات لا يصلح لأن يكون واسطة في استفاضة الوجود أصلا ، وإن أمكن أن يتوسّط في غيرها من الشرف وعلوّ الرتبة ، فإنّ الذي انتسب إليه افتقار الحادث في الوجود ، لا بد وأن يكون معطيا له بذاته ( و ) الواجب ( هو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث ، فانتسب إليه ) ضرورة .
أحكام الممكن عند أهل التحقيق
ثمّ بعد نفي تلك القواعد يشير إلى امّهات أصول التحقيق مما يتعلَّق بهذه الحكمة :
منها : إنّ الممكن لمّا كان مقتضى ذات الواجب ، لا بدّ وأن يكون واجبا ، ضرورة أنّ مقتضى الذات ضروري ، فيكون مطلق الوجوب أيضا من الجهة الارتباطيّة بينهما ، إلَّا أنّ وجوب الواجب لذاته ووجوب الممكن به .
فأشار إلى هذا بقوله : ( ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به ) .
ومنها : إنّ استناد الممكن في الافتقار والاستفاضة لما كان إلى الواجب الظاهر هو عنه لذاته ، اقتضى أن يكون الممكن مثله في جميع ما نسب إليه إلَّا الوجوب الذاتي ، وذلك لأنّ ما ظهر عن المبدء لذاته لا بدّ وأن يظهر المبدء به بذاته ، ويكون مظهرا لها بجميع مقتضياتها ، وإلَّا ما كان ظاهرا عن المبدء لذاته ، بل بواسطة ما ظهر به من المقتضيات .
كما يطلعك على ذلك ظهور الكلام الجامع للكل عن الإنسان من حيث الجمعيّة الكماليّة التي له .
وإلى ذلك أشار بقوله : ( ولمّا كان استناده إلى ما ظهر عنه لذاته اقتضى أن يكون على صورته ، فيما ينسب إليه من كلّ شيء من اسم وصفه ، ما عدا الوجوب الذاتي ، فإنّ ذلك لا يصحّ في الحادث ) للمنافاة الضروريّة بين الضرورة الذاتيّة والإمكان الذاتي ، فالحادث بحسب وجوده الموجود به ( وإن كان واجب الوجود ، ولكن وجوبه بغيره ، لا بنفسه ) .
فلئن قيل : سائر ما في الحادث من الصفات كذلك ليست عين ما في الواجب - كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها - ضرورة أنّ الحادث حاكم عليها بالحدوث كما مرّ ، فما وجه تخصيص الوجوب بذلك ؟
قلنا: هو أنّ الحادث يمكن اتّصافه بسائر تلك الصفات بالذات ، دون الوجوب ، فإنّه لا يتّصف به إلَّا بملاحظة نسبته إلى الواجب ، وذلك لأنّ الوجوب طرف ظاهريّة الوجود ، وليس للممكن منها نصيب كما عرفت .
حد التشبيه
ثمّ لمّا مهّد هذا الأصل ، يشير إلى ما يتفرّع عليه من الأحكام ، مؤيّدا بما في التنزيل من الآيات الدالَّة عليها ، تأسيسا لذلك الأصل وتشييدا لما يبتنى عليه من أمر امّهات الأسماء التي هي بمنزلة المبادئ للمسائل المبحوث عنها في هذه الحكمة على ما عرفت .
أعني الإضافيات الأربع التي لها الإحاطة بجميع الأسماء الإلهيّة منها والكونيّة والدلالة على سائر الطرق التنزيهيّة منها والتشبيهيّة .
فقال رضي الله عنه : ( ثمّ لتعلم أنّه لمّا كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته ) أي ظهور الحادث بصورة الواجب ( أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث ) نظر تدبّر وتفكَّر ( وذكر أنّه أرانا آياته فيه ) آفاقا وأنفسا ( فاستدللنا بنا عليه ) استدلال شهود وتيقّن ، ( فما وصفناه بوصف إلَّا كنّا نحن ذلك الوصف ) بعينه ، ضرورة أنّ الأوصاف الكليّة موجودة بوجود الحوادث الجزئيّة - كما سبق بيانه (إلَّا الوجوب الخاص الذاتي) لما عرفت أنّه ليس للممكن فيه حظَّ أصلا .
ثمّ هاهنا دقيقة لا بدّ لمستكشفي رموز الكتاب من الوقوف عليها ، وهي أنّ من امّهات الأوصاف المشتركة بين الواجب والحادث - الظاهر بصورته الذي هو مثله السمع والبصر، لقوله تعالى : "لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".
فلذلك بعد تحقيق معنى المثليّة أشار إلى ذينك الوصفين على طريق الاستدلال كما هو مسلك هذا الفصّ
بقوله رضي الله عنه : ( فلمّا علمناه بنا ) أي بوجودنا وحقائقنا ( ومنّا ) أي من أوصافنا ولواحق حقائقنا ( نسبنا إليه كلّ ما نسبناه إلينا ) ، ضرورة أنّ ذلك لو لم يكن مشتركا ما علم به .
ثمّ إنّ الواقفين في مواقف العقائد التقليديّة ، والعاكفين لدى الرسوم الوضعيّة والأصول الاصطلاحيّة إذ لم يتفطَّنوا لذلك الاستدلال ، قاصرين عن الوصول إلى طريقه الموصل إلى الحقّ ، جاهلين به وبحقيّته ، حائرين في ذلك ، أرشدهم إليه بأنّ هذا الاستدلال ليس ممّا اختلقه أهل الذوق ، إذ به نطق الزبر المنزلة السماويّة على قلوب القوابل لنا .
( وبذلك وردت الإخبارات الإلهيّة على ألسنة التراجم إلينا ) فإنّ تلك الألسنة هي صور وجوه العبيد المحدثين ( فوصف نفسه لنا بنا ) حيث تبيّن أنّا نحن عين أوصافه من العلم والحياة وما يتبعهما .
وقد ظهر من ذلك العين ما ورد في التنزيل : " سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه ُ الْحَقُّ ". " وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله ". و " من عرف نفسه فقد عرف رب " .
( فإذا شهدناه ) في مواقف قرب النوافل ( شهدنا ) في مشاهد سمعنا وبصرنا بما ورد : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » ( نفوسنا وإذا شهدنا ) في مواقف قرب الفرائض ( شهد نفسه ) في مشهد سمعه ، كما ورد : " سمع الله لمن حمده " .
التنزيه
وإذ قد انساق كلامه في الجهة الارتباطيّة بين الواجب والممكن إلى موطن الاتحاد المفصح عن صرف التشبيه ، لا بدّ أن يستردفه بما ينبئ عن التنزيه ، جمعا بينهما وأداء به عن التوحيد الذاتي حقّه ، على ما جرت عليه الكلمة الكماليّة الختميّة ، كما ستقف عليه.
فإليه أشار بقوله  رضي الله عنه : ( ولا شكّ أنّا ) أي الحوادث الإمكانيّة ( كثيرون بالشخص والنوع ، وأنّا ) أي الأفراد الإنسانيّة منها ( وإن كنّا على حقيقة واحدة تجمعنا ) بوحدتها العينيّة التي لا تقبل التفصيل ولا التكثّر  بالذات كما بيّن ، ( فنعلم قطعا أنّ ثمّ فارقا به تميّزت الأشخاص بعضها عن بعض ، ولولا ذلك ) الفارق ( ما كانت الكثرة في الواحد ) .
( فكذلك أيضا ) فيما نحن فيه ، فإنّه ( وإن وصفناه ) أي الحقّ في الموطنين المذكورين ( بما وصف به نفسه من جميع الوجوه ، فلا بدّ من فارق ) به يتميّز الوصفان ،( وليس ) ذلك الفارق (إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقّف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه) .
أي انحصر الفارق في الافتقار في الوجود ، والغناء عنه .
فإنّ الغناء المطلق لا يصح فيما اعتبر فيه نسبة من النسب أصلا ، فما اختصّ به ذات الممكن هو الافتقار الذي به افترق عن الواجب وتكثّر ، ومنه بعد عنه وسمّي عبدا .
كما أنّ ما اختصّ به الواجب هو الغناء عن مثل ذلك ، وهو الذي به يتقدّم ذاتا ورتبة ، ويتّصف بالوحدة الحقيقية الذاتية ، لا العدديّة الإضافيّة .وفي هذا الكلام تلويح غير خفيّ .
( فبهذا ) الفارق (صحّ له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأوّليّة التي لها افتتاح الوجود عن عدم) على ما يلزم أرباب العقائد التقليديّة فيما اعتقدوه في الواجب من الصورة المحصورة المقيّدة ، والوجه الجزئي الجعلي تعالى عن ذلك علوّا كبيرا وذلك لأنّ الأوّليّة في تلك الصور إنّما يتصوّر إذا كان لها افتتاح الوجود عن عدم .
لا يقال : "الأوّليّة إنّما تقتضي السابقيّة على الكل ، لا المسبوقيّة" .
لأنّ الأوّليّة مفهومها مركب من نسبة وجوديّة هي السابقيّة المذكورة ، ومن أخرى عدميّة ، هي اللامسبوقيّة بآخر ، وبيّن أنّ الأوّل على ما اعتقدوه في تلك الصور إذا لم يكن بحسب الزمان على ما اتّفقوا عليه - لا بدّ وأن يكون بحسب الذات والوجود ، وهو معنى الافتتاح المذكور .
هذا ما يلزم أرباب العقائد العقليّة المحصورة.
بخلاف ما انكشف لأولي الألباب من الانشراح الصدريّ العلميّ ، فإنّه يتصوّر فيه الأوّليّة بالمعنى الذي يستلزمه الغناء والوحدة الذاتيّة ، من استناد افتقار الممكنات في الوجود إليه وتقدّم الواجب في انتساب الوجود له.
فقال رضي الله عنه :  ( فلا ينسب إليه ) الافتتاح المذكور ، ( مع كونه الأوّل ) ضرورة أنّ الغناء المطلق يأبى اعتبار النسبة فيه مطلقا .
( ولهذا قيل فيه : الآخر ) جمع بين المتقابلين بوحدته الإطلاقيّة ( فلو كانت أوّليّته أوّليّة وجود التقييد ) بأن يكون افتتاح سلسلة الأعيان الممكنة في الوجود منه على ما عليه مسلك أرباب العقائد العقليّة مطلقا تقليديّة أو برهانيّة نظريّة .
( لم يصح أن يكون الآخر للمقيّد ، لأنّه لا آخر للممكن ، لأنّ الممكنات غير متناهية فلا آخر لها ) أصلا ، لا دنيا ولا آخرة ، إذ الحوادث اليوميّة غير متناهية اتفاقا ، وظاهر أنّه لا يستلزم ذلك قدم الدنيا - كما توهّمه البعض - فإنّ نسبة الزمان بمعزل عن هذه الأوليّة والآخريّة كما لا يخفى.
( وإنّما كان آخرا لرجوع الأمر كلَّه إليه بعد نسبة ذلك إلينا ) ، كما أنّه إنّما كان أوّلا لبدء ذلك الأمر منه قبل نسبته إلينا ، ( فهو الآخر في عين أوّليّته ، والأوّل في عين آخريّته ) ضرورة أنّ بدء الأمر في الافتقار المذكور منه إنّما هو عين رجوع الأمر كلَّه إليه كما أنّ رجوع أمر الانتساب إليه هو عين البدء منه ، ومن هاهنا تبيّن ظهور الكثرة في الواحد ببدئها منه ورجوعها إليه .
وصورة ذلك هي الدائرة الكاملة ، المبتدأ فيها بالنقطة المنتهية إليها ، ولذلك إذا استقصيت الحروف وجدت ما اشتمل منها على تلك الصورة رقما هو الهاء ، ولفظا هو الواو ، والمركب منهما « هو » المحمول عليه الاسمان تنبّه .
ثمّ إذ قد بيّن من الأسماء الأربعة المذكورة الأولين منها الدالين على التنزيه حان أن يبيّن الآخرين، الدالَّين منها على التشبيه، إتماما لما هو بصدد بيانه .
ولمّا كان مبنى أمر التشبيه على الجهة الارتباطيّة كما عرفت، وهي على ضروب :
منها ما هو بنفسه مشترك اشتراك اتحاد وذلك إنّما يكون في الأسماء الأول الذاتيّة - كما سبق في العلم والحياة وهما اللذان مؤدّاهما في هذا السياق الباطن والظاهر، وذلك إنّما يكون على ما تقرّر بصدقه على أفراده وجزئيّاته العينيّة ب « هو هو » ، كالغيب والشهادة من العالم بالنسبة إلى الباطن والظاهر منه .
ومنها ما هو بآثاره المترتّبة وأحكامه التابعة هي الرابطة ، كالخوف والرجاء من العالم بالنسبة إلى الغضب والرضا منه ، وذلك إنّما يكون في الأوصاف والأسماء الأخيرة .
ومنها ما هو بصورة وأمثلته التي هي أنهى غايات تلك الآثار رابطة ، كالهيبة والانس من العالم بالنسبة إلى الجلال والجمال منه .
وذلك إنّما يكون في الأسماء الجامعة الإلهيّة .
وأشار إلى ذلك بقوله : ( ثمّ ليعلم أنّ الحقّ وصف نفسه بأنّه ظاهر ، باطن ، وأوجد العالم عالم غيب وشهادة ) وإذ قد تقرّر أنّ الجهة الارتباطيّة والرقيقة الجمعيّة الاتحاديّة ما سرت بين أمرين إلَّا وتولَّد منهما نتيجة .
وهو الذي عبّر عنه لسان الاصطلاح بـ « النكاح الساري في جميع الذراري » .
قال : ( لندرك الباطن بغيبنا ، والظاهر بشهادتنا ) إشارة إلى نتيجة سريان هذه الجهة الارتباطيّة ، ولأنّها بنفس طبايعها وجزئيّاتها هي الرابطة ، أنتج الإدراك الذي هو الاتّصال والاتّحاد .
( ووصف نفسه بالرضا والغضب ، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء ، فنخاف غضبه ونرجو رضاه ) هذه الجهة دون الأوّل في الربط ، ولذلك ما أنتج غير النسبة والإضافة .
( ووصف نفسه بأنّه جميل وذو جلال ، فأوجدنا على هيبة وانس ) هذا آخر مراتب تنزلات الجهة المتّصل بالأول بحكم الأمر الدوري ، فلذلك ما صرّح بالعالم هاهنا ، بل أدرج النتيجة في أحد المرتبطين .
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الجمعة 2 نوفمبر 2018 - 0:35 عدل 3 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 10:35 من طرف عبدالله المسافر

01 -  فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 

الجزء الرابع :
أقسام السالكين
واعلم أنّ من لطائف ما يشعر به هذا التفصيل وبدايع دقائقه بيان درجات رتبة المستكملين إجمالا ، والإشارة إلى تفاوت ما يستحصل كلّ منهم بحسب استعداداته وطرق مناسباته :
فإنّ منهم من سلك التروح والتقدّس ، وهو الذي رابطة مناسبته بالمبدأ ووسيلة استفاضته منه محض التجرّد والتبتّل ، ومحافظة غيب روحه عن مخالطة التعلَّق والتكدّر ، وغايته الاتّصال بالملكوت الأعلى  والتحقّق بالحقائق التنزيهيّة .
ومنهم من انغمس منه تلك الجهة في العلائق الهيولانيّة ، واستهلكت لطيفته الروحانيّة تحت الكثائف الجسمانيّة وانحصر رقائق مناسبته في ارتكاب ما يرتجى به رضاء الحقّ من الأوامر ، واجتناب ما يخاف به عن غضبه من المناهي وغايته نيل ما يستعقب الرضاء من دخول الجنّات والاحتظاء بالمستلذّات والسلامة عمّا يستتبع الغضب من ورود الجحيم ومكارهها من العذاب الأليم .
ومنهم من امتزج بين التروح والتعلَّق واعتدل غاية الاعتدال ، وتناسب بتلك الجمعيّة المبدء الحقّ ، فيطوي مسافة الروابط والرقائق بجواذب الجذبات الإلهيّة ، ومطايا الواردات العشقيّة ، وهذا هو الطريق المختصّ بالإنسان ، وفي عبارة الشيخ إشارة إليه فلا تغفل.
تسمي الحق تعالى بالأسماء المتقابلة ومعنى اليد
(وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى) من الأوصاف (ويسمّى به) من الأسماء لا يخلو عمّا يشعر بالتقابل ، وذلك لما في الإطلاق من لزوم الاعتبارين المتضادّين له وفيه كما عرفت في المقدّمة فيلزم أن يكون كلّ صفة للحقّ لها مقابل يتّصف بهما معا .
(فعبّر عن هاتين الصفتين بـ « اليدين » اللتين توجّهتا منه على خلق الإنسان الكامل) لما فيهما من التقابل ، واختصاص كلّ منهما بجهة من المؤثر عند توجّهه نحو التأثير والفعل ، واحاطتهما جملة على كلّ ذلك المتوجّه إليه ، وفي استعمال التوجّه بـ « على » استشعار معنى الإحاطة والعلوّ .
ووجه اختصاص الإنسان الكامل بالتوجّه المذكور ( لكونه الجامع لحقائق العالم ) يعني رقائق نسبه المعنويّة ولطائف روابطه الامتزاجيّة ( ومفرداته ) أي أعيان جزئيّات العالم وذوات أفراده كما سلف لك بيانه .
وهاهنا تلويح يطلعك على استكشاف ما في هذا الموضع من التحقيق :
وهو أنّ الظاهر والباطن الَّذين عليهما ابتنى مباني حقائق التشبيه قد كمل ظهورهما في الإنسان الكامل بما لا مزيد عليه أصلا ، وذلك لأنّ الصورة والمعنى قد انختم أبواب تمامهما فيه بالختمين ، فهما اليدان ، فلا تغفل عن تحليله  .
العالم حجاب على نفسه
ثمّ إذ قد تقرّر أنّ الإنسان الكامل صاحب أحديّة جمع الظاهر والباطن ، وهي لبطونها بمنزلة الروح في خلافة التأثير وإنفاذ الأمر , لما مرّ غير مرّة.
قال رضي الله عنه : ( فالعالم شهادة ) بالنسبة إليه (والخليفة غيب ولهذا يحجب السلطان) ليظهر قهرمان حكمه بنفوذ الأمر .
( ولهذا وصف الحقّ نفسه بالحجب الظلمانيّة ، وهي الأجسام الطبيعيّة والنوريّة ، وهي الأرواح اللطيفة ) .
فيما روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : "إنّ لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" .
( فالعالم بين كثيف ولطيف ) لا يخلو أمره عنهما ( وهو عين الحجاب على نفسه ) ضرورة أنّه هو الحاجب ، ولا محجوب به غيره (فلا يدرك) العالم حينئذ (الحقّ إدراكه نفسه) ضرورة أنّه إنّما يدركه من وراء الحجاب ، وذلك هو الأوصاف المشتركة بين الحقّ والعالم ، التي هي عين العالم كما سبق بيانه .
(فلا يزال في حجاب لا يرفع) لامتناع رفع الشيء عن نفسه، فالعالم أبدا في حجاب نفسه (مع علمه بأنّه متميّز عن موجده بافتقاره) إليه واستغنائه عنه .
وهذا معنى تسبيح الأشياء للحقّ، فهو إنّما يعلم الموجد بصفة الاستغناء من وراء حجاب الكبرياء، فعلمه به من حيث الأوصاف العدميّة، لا غير .
( لكن لا حظَّ له في وجوب الوجود الذاتي الذي ) هو من الأوصاف الثبوتيّة ( لوجود الحقّ ) لما نبّهت عليه أن علمه إنّما يتعلَّق بالأوصاف التنزيهيّة ، ولا دخل له في الأوصاف الثبوتيّة أصلا (فلا يدركه أبدا ) .
(فلا يزال الحقّ من هذه الحقيقة) يعني الوجوب الذاتي وما يستتبعه من الأوصاف الثبوتيّة المختصّة بالحق (غير معلوم) للعالمين ، (علم ذوق وشهود) فإنّه إنّما يعلم إذا علمه علم تقليد واستدلال ، ومن ثمّة يرى العقل من حيث هو هو لا يجاوزهما ، فإنّ العالم من حيث هو عالم لا يمكن له استحصال العلم الذوقي (لأنّه لا قدم للحادث في ذلك) ، فمن علم منهم تلك الحقيقة فإنّما يعلمها بالحق من نوره الفائض من صورته ، لا من صورة العالم .
الإنسان الكامل هو الخليفة
وإذ قد ظهر معنى اليدين وشمولهما لصنوف المتقابلين ( فما جمع الله لآدم بين يديه إلَّا تشريفا ) له بكمال خلقته وترشيحا لشجرة رتبته ببلوغها لاستجماع الثمرة معها ، ( ولهذا قال لإبليس ) توبيخا له وتعريضا بنقصان خلقته منه : ( " ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ " ).
عند ظهور الإباء ، الذي هو مقتضى نشأته الناقصة عن إدراك كمال جمعيّة آدم والانخراط في سلك كليته والانقهار تحت قهرمان سلطانه .
( وما هو إلَّا عين جمعه بين الصورتين : صورة العالم ) المشتمل عليها نشأة تفرقته الظاهرة (وصورة الحق ) المشتمل عليها نشأة جمعيّته الباطنة ( وهما يدا الحق . وإبليس جزء من العالم لم يحصل له هذه الجمعيّة ) يعني جمعيّة اشتمال اليدين ، إذ ليس له نصيب إلَّا من أحد اليدين ، أعني صورة العالم ولهذا غلب عليه الأوصاف العدميّة ، كالإباء والإغواء ، والقسم بالعزّة ، والاستغناء .  وأمّا آدم فهو مشتمل على الصورتين
فقال رضي الله عنه : ( فلهذا كان آدم خليفة ، فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه ) .
من وضع الصور وإظهارها ، والكشف عن كنه مراده منها ( فما هو خليفة ) ضرورة أنّ الخليفة هي المنفّذة لأحكام المستخلف إلى أن ينساق إلى غايتها المراد منها .
فلزم من هذه الشرطيّة الأمر الأوّل وهو اشتماله على صورة الحق .
كما لزم الثاني من قوله : (وإن لم يكن فيه جميع ما يطلبه الرعايا التي استخلف عليها ) فما هو خليفة أيضا وحذف التالي اكتفاء بما سبق منه وبيان الشرطيّة واضح ( لأنّ استنادها ) أي الرعايا ( إليه ، فلا بدّ أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه ، وإلَّا فليس بخليفة عليهم ) .
( فما صحّت الخلافة إلَّا للإنسان الكامل ) باشتماله الصورتين ، واحتوائه النشأتين ( فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره . وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى ،
ولذلك قال فيه : « كنت سمعه وبصره » . وما قال : « كنت عينه واذنه » ففرّق بين الصورتين ) تمييزا لليدين وتفصيلا لما يتعلَّق بهما من الأحكام المتقابلة والأوصاف المتناقضة . وهذا إنّما هو من سعة قابليّته الذاتيّة .
( وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة ، فما فاز إلَّا بالمجموع ) أي الَّذي فاز به الإنسان إنّما هو المجموع - لا غير - فإنّ غير ذلك مشترك بينه وبين العالمين - فالحصر على ظاهره .
عموم سريان الحقّ والحقائق الكلية في العالم
وأمّا بيان عموم سريانه للعالم فهو أنّه موجود ( ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود ، كما أنّه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلَّية ) كالعلم والحياة ( ما ظهر حكم في الموجودات العينيّة ) منها .
فلا يكون في الأعيان ما له حياة وعلم ، فكما أنّ ظهور أحكام تلك الحقائق من الأعيان يستدعي عموم سريانها فيها فكذلك ظهور حكم الوجود من العالم يقتضي عموم سريانه فيه .
وقوله : « بالصورة » - متعلَّق ب « السريان » - فيه تنبيه على أنّ نسبة السريان المذكور إلى قوسي الإلهي والكياني والصور ، والمعنى متساوية ، لا أنّ ذلك للمعنى أوّلا ، ثمّ للصورة به  على ما هو المتبادر إلى أفهام الأكثرين فالوجود لتلك الحقائق من الجهات الاتحاديّة بين الحقّ والعالم والوجوه الاشتراكيّة بينهما ، إلَّا أنّ الوجود للعالم ليس ذاتيّا له بخلاف الحق .
قال رضي الله عنه : ( ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده ) كما أنّ الافتقار منه إليه في ظهوره ، فالافتقار أيضا من تلك الجهات .
وبيّن أنّ هذا الظهور من الإجمال مما يأباه الأحكام الظاهرة والأوضاع التشريعيّة الفارقة ، كما سيشير إليه في معنى قوله تعالى : " يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ " .
فما ناسب لبيانه إلَّا القرائن الشعريّة والتواليف المنظومة الجامعة كما أومأنا إليه فلذلك غيّر مسلك التعبير.  
إلى قوله : ( فالكلّ مفتقر ما الكلّ مستغن ) اعلم أنّ « الكلّ » في عرفهم إنّما يطلق على الحق باعتبار الأسماء ، كما أن « الأحد » يطلق عليه باعتبار الذات ، ويقال : "أحد بالذات ، كلّ بالأسماء "  فالكل من العالم والحق بهذا الاعتبار له الافتقار .
وليس من شأن الكل الاستغناء ، ضرورة أن الكلية هي النسبة الإضافية المستدعية للافتقار؛ فالح باعتبار كلية أسمائه وتفاصيل كمالاتها ، له الافتقار ضرورة .
( هذا هوالحق قد قلناه ، لا نكني ) عن أمثاله في نظم الإجمال ، كما في نشر التفاصيل ، على ما هو المشار إليه بقوله : «إن العالم مفتقر إلى الحق في وجوده» ؛ فإنه إذا تقرر أن المفتقر إنما يفتقر في الوجود ، يستلزم افتقار الكل فيكون كناية.
وذلك لأن الغناء التام الذي لا يمكن أن يتطرق شوائب الاحتياج والافتقار فناء عزته وسلطانه المتفرد هو الذي في ضمن الافتقار لاغير وقد سلف ما هو أصل لهذا ؛ فقوله :
( فإن ذكرت غنيا لا افتقار به   ..... فقد علمت الذي بقولنا نعني )
إشارة إليه ، ويحتمل أن يجعله إشارة إلى طريق استحصال ذلك العلم ، أعني اشتراك نسبة الافتقار الذي غزل الفكر والنظر عن أن يتوصل به إليه .
هذا حكم الإجمال ؛ وأما لدى التفاصيل فلكل من الأعيان القابلة للعالم ارتباط بأسماء الحق ، كما أن لكل من تلك الأسماء بها ارتباط .
فانتظام أمر العالم واتصاله به مما لايتصور فيه الانقطاع ولا الانفصال أصلا .
(فالكل بالكل مربوط، فليس له عنه انفصال خذوا ما قلته عني)
قال رضي الله عنه : ( وقد علمت ) مما سبق في بيان حقيقة العالم وجهتيه الاشتراكيّة والاختصاصيّة ( حكمة نشأة ) جسد ( آدم أعني صورته الظاهرة ) التي هي من إحدى اليدين.
( وقد علمت ) مما ذكر في الحقّ وأوصافه الاشتراكيّة والاختصاصيّة ( نشأة روح آدم ، أعني صورته الباطنة ) التي هي من اليد الأخرى ( فهو الحق الخلق ) بالنشأتين .
( وقد علمت ) من هذا ( نشأة رتبته ، وهي المجموع الذي به استحقّ الخلافة ) من الظهور بصورة المستخلف والاحتياز لجميع مطالب الرعايا .
( فآدم هو النفس الواحدة) بالوحدة الحقيقيّة الإطلاقيّة الجمعيّة ( التي خلق منها هذا النوع الإنساني ) أعني الشجرة الوجوديّة الكاملة الحائزة لجميع المراتب بأجناسها وأنواعها ولوازمها وأعراضها المثمرة للنوع الحقيقي الإنساني.
القابل عند التأثر أن ينبثّ منهما أشخاص من صنفي الأبوين أعني أهل الصورة وأرباب المعنى.
قال رضي الله عنه : ( و ) ذلك ( هو ) مؤدّى ( قوله : " يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً " ) .
هذا هو المناسب لما مهّد في تحقيق معنى آدم ولا يخفى على من له أدنى وقوف عليه أنّه لا يمكن أن يحمل آدم هاهنا على الروح الكلي والعقل الأوّل ، كيف وقد بيّن إحاطته بسائر المراتب والنشآت ، واشتماله على تمام اليدين و ظهوره بالصورة الجسديّة نعم ، يمكن أن يكون ذلك وجها من وجوه تأويلات الآية.
ولو أفيض فيها أمكن استخراج وجوه أعلى من ذلك :
منها أن يجعل « النفس الواحدة » إشارة إلى الحقيقة المحمّديّة التي هي مبدأ الكلّ ، وزوجها الذي خلق منها خاتم الولاية ، المنبثّ منهما أعيان الصور والمعاني ، وممّا يؤيّد هذا الوجه ذكر خلق الزوج منها بعد خلق الأعيان والأشخاص .
ومنها أن يجعل النفس الواحدة إشارة إلى المبدء الفاعل ، وزوجها هو القابل المنبثّ منهما سائر الحقائق من مواليد العالم .
ومنها أن يجعلها إشارة إلى الطبيعة الكلَّية التي هي هيولى العالم عند المحقّقين والزوج هي الصورة المشخّصة المنبثّ منهما سائر الجواهر والأعراض .
إلى غير ذلك من الوجوه ، كالجنس والفصل بالنسبة إلى الأنواع ، والماهيّة والتشخّص بالقياس إلى الأشخاص ، والجوهر والعرض بالقياس إلى الأعيان .
تلويح عددي
وقد لوّح في المقدّمة على وجوه عالية من التلويحات التي لآدم ، ولهذا الموضع دقيقة منها لا بدّ من التلويح عليه ، وهو أنّ آدم باشتماله على العقد الكامل قد انطوى على المرتبة الجامعة لسائر مراتب الكثرة .
ولذلك ترى النفس والواحد الكاشفين عنه قد ظهر فيها ذلك العقد ولذلك فيما خلق منها يعني النوع الإنساني فإنّه مشتمل على تلك المرتبة بعينها من وجه وعلى ضعفها من حيث الزوجيّة ، فإنّ زوج الشيء صورة ضعفيّته . تأمّل .
تأويل التقوى والأدب مع الله تعالى
ثمّ إذ قد أفاد هذا البيان من الإجمال ما لا يخفى على الفطن ، حان أن يشرع في تفصيله ، فقال مستنبطا من نفس تلك الآية ( فقوله : " اتَّقُوا رَبَّكُمُ " أي اجعلوا ما ظهر منكم ) .
وهو النسب العدميّة الإمكانيّة كالافتقار والاحتياج وأمثاله ( وقاية لربكم ) عن أن يصيبه شيء من تلك النسب والإضافات ( واجعلوا ما بطن منكم وهو ربّكم ) .
يعني الوجود الحقيقي وما يستتبعه من الأوصاف الوجوديّة ( وقاية لكم ) عن أن ينسب إليكم (فإنّ الأمر ذمّ وحمد ) لأنّ ما نسب إلى الشيء فعلا كان أو صفة لا يخلو من أن يكون مبدأ تلك النسبة هو الإمكان أو الوجوب والأوّل يسمّى الذم ، والثاني الحمد .
( فكونوا وقايته في الذم ، واجعلوه وقايتكم في الحمد ، تكونوا أدباء ) في وقايتكم له في الذم ، (عالمين) في وقايته لكم في الحمد .
آدم صاحب القبضتين
ثمّ بعد تبيين ما اشتمل عليه آدم من أجزائه الوجوديّة وتفصيل ما تضمّنته نشأة ظهوره لا بدّ من الإبانة عن مراتبه الشهوديّة وتحقيق مراقي كمالاته الشعوريّة تكميلا لما هو بصدده .
لذلك قال : ( ثمّ إنّه تعالى أطلعه على ما أودع فيه ) من مفردات أجزاء العالم وتراكيب نسبها وجزئيّات أحكامها بأحديّة جمعيّته الإحاطيّة التي بها يدرك الكلّ ( وجعل ذلك ) يعني ما أودع فيه  ( في قبضتيه ) الشاملتين للكل .
( القبضة الواحدة ) منهما المشتملة على أعيان المفردات كلَّها (فيها العالم).
(والقبضة الأخرى) منهما المشتملة على النسب التركيبيّة والأحكام الامتزاجيّة أجمع هي (آدم) الذي هو روح العالم وباطنه .
وإذ قد عرفت أنّ آدم هو النفس الواحدة بالوحدة الحقيقيّة التي لا يتأثر كمال وحدتها عن تكثّر الزوج والأولاد أصلا فلا يبعد أن يكون باعتبار صاحب القبضتين ، وبالآخر في طيّ إحداهما كما أنّ الثمرة باعتبار هو الجامع بين أصل الشجرة وفروعها فهي صاحب القبضتين ، على أنّها في طي قبضة واحدة منهما .
ثمّ إنّك قد عرفت أنّ من أولاد آدم من صحّت نسبته إلى آبائه العلويّات الوجوبيّات الإلهيّات كالأنبياء عليهم السّلام وهم الرجال بنو آدم ومنهم من صحّت نسبته إلى امّهات السفليّات الإمكانيّات الكونيّات ، كالكائنات مطلقا وهم النساء بنات آدم
والمودع في هذا الكتاب إنّما هو الطائفة الأولى منهم .
بما لهم من مراتبهم المقدّرة لهم ، وحكمهم الكاشفة عنها ، فإنّهم هم الصور الوجوديّة المظهرة للحق دون الثانية .
فإنّهم الصور الكونيّة المخفية إيّاه فهي بمعزل عمّا هو بصدده .
فلذلك قال : ( وبنوه وبيّن مراتبهم فيه ) أي فيما أودع في آدم الحقيقي ضرورة أنّ تعيين مراتب جزئيّات ذلك النوع من أمهات النسب المشتمل هو على كلَّها .
( ولمّا اطلعني الله في سرّي ) حيث لا دخل للواسطة فيه أصلا (على ما أودع في هذا الإمام الوالد الأكبر) يعني آدم الحقيقي ( جعلت في هذا الكتاب منه ما حدّ لي ،لا ما وقفت عليه فإنّ ذلك لا يسعه كتاب ، ولا العالم الموجود الآن ) لأنّ إظهار الحقائق بحسب ما نطق به لسان الوقت لبنيه ، وإشعار المعارف بحسب ما سمح به مشاعر الزمان لذويه .
ولذلك ترى المتأخّرين من الأولياء يفهمون من الكلام الكامل ما عجز عنه المتقدّمون منهم ، واللاحقون يصلون إلى ما لم يصل إليه السابقون .
وفي كلامه هذا ضرب من الاعتذار بين أيدي الورثة الختميّة مما تنزّل في كلامه بالنسبة إلى شاهق علوّهم فلا تغفل .
نظم الكتاب وفهرس فصوصه
( فممّا شهدته - مما نودعه في هذا الكتاب كما حدّه لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم - حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة ، وهو هذا الباب ) .
هذا شروع في بيان ترتيب الكتاب على ما ألَّف عليه ونظَّم فصوصه على ما اتّسق له ، بحيث يعلم منه وجه الحصر في أبوابه .
وذلك لأنّ المحدّد له لما كان هو الخاتم الذي أتى بجوامع الكلم المنحصرة مواد مفرداتها وامّهات أصولها في الثمانية والعشرين .
كما ستطلع على سرّه في غير هذا المجال إن شاء الله تعالى لا بدّ وأن يكون عدد أبواب هذا الكتاب على طبقها لكن لمّا كان الواحد منها ما يتعلَّق بخاتم الولاية.
وذلك ممّا لا يحتمل آن التأليف إظهاره ، جعل مطويّا عنه فيه ، وكأنّه أشار إلى ذلك الاعتذار بقوله : " ولا العالم الموجود الآن " .
ويمكن أن يجعل صورة جمعيّة الكتاب بإزاء ذلك الواحد ، لكن الأوّل أوفق ، فإنّ لهذه الصورة أيضا حرفا مركَّبا مستقلا كذلك بإزائها .
وأمّا بيان ترتيب التأليف :
فهو أنّه قد تكفّل لبيان حقيقة آدم بما أودع فيه من مبدأ فتح ظهوره إلى منتهى ختم كماله وقد بيّن أنّ ذلك منحصر في القبضتين :
إحداهما هي الشاملة للعالم بأجزائه المنتهية شجرة مراقي ظهورها إلى الإنسان .
والأخرى هي الشاملة للإنسان بجزئيّاته المنتهية شجرة معارج كمالها إلى الخاتم .
وقد عرفت أنّ الأمر التدريجي الواقع في القوس الأوّل من الدائرة الوجوديّة واقع في القوس الثاني منها بترتيبه ، على ما اقتضاه الأمر الدوريّ والحقيقة التامة الكماليّة .
فأوّل ما يجب أن يبيّن من الحكم هي الباحثة عن حقيقة العالم بجميع أجزائه عينا وعقلا إلى آدم - كما حقّقه هذا الفصّ .
( ثمّ حكمة نفثيّة في كلمة شيثيّة ) لأنّها كاشفة عن سر انبثاث الفيض الذاتي وانبساط النفس الرحماني على قوالب القوابل بحسبها ، وهو أوّل ما يترتّب على المرتبة الأحديّة الجمعيّة .
( ثمّ حكمة سبّوحيّة في كلمة نوحيّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للملإ الأعلى والمبادئ المجرّدة ، من المعاني التنزيهيّة .
( ثمّ حكمة قدّوسيّة في كلمة إدريسيّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للأرواح المطهّرة والنفوس المقدّسة من المعاني التقديسيّة .
( ثمّ حكمة مهيّميّة في كلمة إبراهيميّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للقلب الكامل من الجمعيّة بين معاني التقديس وصور التحميد .
( ثمّ حكمة حقيّة في كلمة إسحاقيّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للخيال من الصور المثاليّة والأجساد الشبحيّة .
( ثمّ حكمة عليّة في كلمة إسماعيليّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للحواسّ من الصور الهيولانيّة  والأجرام الجسمانيّة .
( ثمّ حكمة روحيّة في كلمة يعقوبيّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للمزاج الجمعيّ من الهيئات التركيبيّة  والنسب الارتباطيّة .
( ثمّ حكمة نوريّة في كلمة يوسفيّة ) لأنّها كاشفة عما للسرّ الوجوديّ من الأنوار الجماليّة الباهرة والأسرار الكماليّة الظاهرة ، وبها تمّ سير الوجود في المظاهر الصوريّة والمجالي الجمعيّة النوريّة ، بحسب بروزه على المشاعر الشاعرة ، وخروج النفس الرحماني منه عن مكامن الباطن إلى مخارج الخارج ، فهذا السير من مبتدأ مفاتيح أبواب الظهور إلى منتهى ما أمكن منه في كمّل النوع الكمالي ، وهو أوّل الامتدادات الوجوديّة وأطولها .
ثمّ له سير آخر في هذا النوع بحسب إبرازه في شعار الشعائر وإخراجه بصور الأوضاع الكاشفة عن الكنه ، والدلائل عليه من الجهتين :
إحداهما في عرض أرضه الظاهر ، أعني الظهور على البلاد والعباد.
والأخرى في عمق بطنه الباطن ، أعني الكشف عن تلك الأوضاع والإبانة عن تمام المراد ، وبه يختم أبواب كماله .
وهاهنا تلويح له كثير دخل في هذا النظم ، وهو أنّ لآدم بما اشتمل عليه من العقد الكتابي التفصيلي على ما سبق تحقيقه ظهورا في السيرات الثلاث المذكورة في كلّ منها بذلك العقد ، لاشتماله على جميع المراتب التفصيليّة واحتوائه على كلَّها .
فلذلك لمّا بلغ منتهى مدارج السير الأوّل شرع في الثاني يعدّ مراقي كماله .
بقوله : ( ثمّ حكمة أحديّة في كلمة هوديّة ) لأنّها كاشفة عن الطريق إلى الله إجمالا ، لأنّ مبنى أمر الإظهار عليه - وضعا كان أو كشف .
( ثمّ حكمة فاتحيّة في كلمة صالحيّة ) لأنّها كاشفة عن طريق الإنتاج وفتح باب التوليد والاكتساب .
( ثمّ حكمة قلبيّة في كلمة شعيبيّة ) لأنّها كاشفة عن الطرق بشعبها وفروعها .
( ثمّ حكمة ملكيّة في كلمة لوطيّة ) لأنّها كاشفة عن الوصول إلى سلطنة الملك من قهر القوم ونفوذ أمر مجازاته فيهم .
( ثمّ حكمة قدريّة في كلمة عزيزيّة ) لأنّها كاشفة عن حفظ الصور الملكيّة عن الانحلال ومبدئه.
( ثمّ حكمة نبويّة في كلمة عيسويّة ) لأنّها كاشفة عن معظم أمر الإظهار من إحياء الموتى وانشاء الطير .
( ثمّ حكمة رحمانيّة في كلمة سليمانيّة ) لأنّها كاشفة عن تمام سلطان الإظهار ونفوذ قهرمان أمره في الثقلين .
( ثمّ حكمة وجوديّة في كلمة داوديّة ) لأنّها كاشفة عن مبدأ تلك السلطنة وأصلها بما اشتملت عليه ، لأنّ الحكمة الداوديّة مشتملة على السليمانيّة منها وزيادة ، حيث أنّ سليمان موهوب له ، على ما ورد في التنزيل :
" وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ " وقوله : " وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا ".
( ثمّ حكمة نفسيّة في كلمة يونسيّة ) لأنّها كاشفة عن جامعيّة أمر الإظهار مع الاختفاء والاستتار ، إذ هو مع أنّه في ظلمات الخفاء مغمور ، له مرتبة إظهار الرسالة الكاملة بما ورد : " وَأَرْسَلْناه ُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ".
وبها تمّ السير الذي في عرض الأرض الاعتدالي الإنساني نحو إظهار كمالاته الصوريّة .
فحان أن يشرع في السير الذي في عمق بطونه نحو كمالاته المعنويّة المنطوية عليها تلك الكمالات الصورية . فمن تمّ به هذا السير الأخير هو الخاتم للكمالات الوجوديّة كلَّها .
ولا شكّ أنّ بروز الكمالات المعنويّة والمعارف الكشفيّة عن مزارع ذلك الأرض مسبوق بتسلَّط قهرمان القهر على تلك المملكة وإفنائه أحكام ما به الامتياز ، فبحسب خفاء الأحكام الامتيازيّة يظهر المعارف والعلوم التي هي من الأحكام الاتّحاديّة .
فقوله : ( ثمّ حكمة غيبيّة في كلمة أيوبيّة ) إشارة إلى أوّل ما يتبيّن به أحكام تلك السلطنة ويكشف عن وجوه أوامره النافذة .
( ثمّ حكمة جلاليّة في كلمة يحياويّة ) لأنّها كاشفة عن أوّل ما يترتّب من الأحكام الوجوديّة والأوصاف الثبوتيّة على الإقهار تحت أحكام السلطنة المذكورة وأوامرها المفنية النافذة ، لما ورد : " لَمْ نَجْعَلْ لَه ُ من قَبْلُ سَمِيًّا " ، فبعد ذلك وقع الاهتداء به فيه .
( ثمّ حكمة مالكيّة في كلمة زكراويّة) لأنّها كاشفة عمّا يترتّب على تمام أمر الانقهار ،ولذلك قد انساق حاله إلى أن نصّف بالمنشار.
( ثمّ حكمة إيناسيّة في كلمة إلياسيّة ) لأنّها كاشفة عمّا يترتّب على ذلك الانقهار مما يبدو من أعلام منازل القرب وعلائم مقامات التداني ، بعد قطع فيافي البعد ومهامه التفرقة والهجر ، من المناجاة والمناداة ، ولذلك أعيدت هذه الكلمة مرّتين - كما ستقف عليه .
( ثمّ حكمة إحسانيّة في كلمة لقمانيّة ) لأنّها كاشفة عمّا يظهر لدى العروج على مراقي الإيقان ومدارج الإحسان والعرفان .
( ثمّ حكمة إماميّة في كلمة هارونيّة ) لأنّها كاشفة عمّا يشترك فيه الواصلون إلى حضرات المكالمة ومواقف المخاطبة من الرحمة الانبساطيّة النوريّة التي هي ظاهر الوجود ، وعليه عاجل أمره ، ولذلك يرى قومه عند خلافته يعبدون العجل .
( ثمّ حكمة علويّة في كلمة موسويّة ) لأنّها كاشفة عن خصائص موطن الكلام الموصل إلى كنه السلام .
( ثمّ حكمة صمديّة في كلمة خالديّة ) لأنّها كاشفة عمّا ينقطع عنده النسب ، ولذلك ما تمّ أمر رسالته وانقطع رابطة بلاغة إلى امّته بعصيانهم له .
( ثمّ حكمة فرديّة في كلمة محمّديّة ) لأنّها كاشفة عمّا يتبيّن به كليّة المراد وأحديّة جمع الحقائق ، من المبدء إلى المعاد .
وهاهنا تلويح وهو أنّ للفرد عقدا يشتمل عليه «طه» وهو عقد الختم ، فلذلك اختصّ به الكلمة المحمّديّة .
وقد علم بذلك خصوصيّات الحكم بكمالاتها ، وبيان الحصر فيها ووجه ترتيبها .
( وأمّا فصّ كلّ حكمة ) فهو ( الكلمة التي نسبت إليها ) تلك الحكمة ، فإنّ الهيئة الجمعيّة للحكمة وصورة فوقيّتها إنّما تتحقق عينا وبالذات في كلمتها ، وكتابا وبالتبع في فصول هذا الكتاب .
فيكون الظرف هناك مستقرّا ، على أن يكون صفة للحكمة وأمّا وجه اختصاص كل حكمة بالكلمة المنتسبة هي إليها فسنبيّن في صدر كلّ فصّ إن شاء الله تعالى .
وإذا كان الأمر على ما بيّن (فاقتصرت على ما ذكرته من هذه الحكم في هذا الكتاب ، على حدّ ما ثبت في امّ الكتاب ) أن يظهر فيه بحسب مراقي أطوار الزمان ومدارج أذواق أهله ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما رأى في المنام ، بناء على ما تقرّر أنّ الفاتحة امّ الكتاب ، وذلك هو الفاتحة لأبواب إظهار مخدّرات أسراره من مكامن الخفاء إلى مجالي البيان ومنصّات العيان .
وقوله : ( فامتثلت ما رسم لي ووقفت عندما حدّ لي ) يؤيّد هذا الوجه .
( ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت ، فإنّ الحضرة تمنع ذلك ) لما سيجيء في الفصّ الشيثي أنّ الحضرات هي الحاكمة في إظهار الحقائق وصور المعارف ، فإنّها بمنزلة المرآة ، لا ترى فيها تلك الصور إلَّا بحسبها ، وإن كان مبدأ تلك الاختلافات راجعة إلى القوابل المستند إلى الفيض الأقدس ، فيكون الكل من الله .
وقوله :
( والله الموفق لا ربّ غيره ) إشارة إلى ذلك .
ومن ذلك :

.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى