المواضيع الأخيرة
» مصطلح الأعراف - أهل الأعراف - أصحاب الأعراف .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
أمس في 14:09 من طرف الشريف المحسي

» مصطلح منازل الطريق للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي .موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
أمس في 14:02 من طرف الشريف المحسي

» نشأة وتركيب كل إنسان من آدم وما فيها من العناصر ناري هوائي مائي ترابي . موسوعة المصطلحات و الأشارات
الأحد 23 سبتمبر 2018 - 19:43 من طرف الشريف المحسي

» مصطلحات السفر و المسافر و الأسفار الستة فى موسوعة المصطلحات و الأشارات
السبت 22 سبتمبر 2018 - 11:15 من طرف الشريف المحسي

» الأسفار الستة المحمدية الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
الخميس 20 سبتمبر 2018 - 16:49 من طرف الشريف المحسي

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "59" المجلس التاسع والخمسون من تواضع لله رفعه الله
الأربعاء 19 سبتمبر 2018 - 16:02 من طرف الشريف المحسي

» الفصل الأول "الأحدية والواحدية" .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
السبت 15 سبتمبر 2018 - 19:26 من طرف عبدالله المسافر

» السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السبت 15 سبتمبر 2018 - 8:49 من طرف عبدالله المسافر

»  مقدمة الشارح الشيخ عبد الرحمن الجامي .كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص الشيخ عبد الرحمن الجامي
الخميس 13 سبتمبر 2018 - 19:25 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 - 7:17 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "58" المجلس الثامن والخمسون من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين
الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 21:46 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 13:11 من طرف عبدالله المسافر

» 2 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 7:32 من طرف عبدالله المسافر

» 5. نقش فص حكمة مهيمنية في كلمة إبراهيمية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
السبت 8 سبتمبر 2018 - 18:45 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة وخطبة كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 5 سبتمبر 2018 - 14:55 من طرف عبدالله المسافر

» سفر النقطة "سفر خطبة الكتاب" فص حكمة ختمية في كلمة محمدية موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 5 سبتمبر 2018 - 13:49 من طرف عبدالله المسافر

» ما لا يعول عليه الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 11:29 من طرف عبدالله المسافر

» كُنْهُ مَا لا بُدَّ لِلمُريدِ مِنْهُ الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 11:14 من طرف عبدالله المسافر

» 27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:44 من طرف عبدالله المسافر

» 26- فص حكمة صمدية في كلمة خالدية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:35 من طرف عبدالله المسافر

» 25- فص حكمة علوية في كلمة موسوية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:31 من طرف عبدالله المسافر

» 24- فص حكمة إمامية في كلمة هارونية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:20 من طرف عبدالله المسافر

» 23- فص- حكمة إحسانية في كلمة لقمانية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:14 من طرف عبدالله المسافر

» 22- فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية
الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 - 8:08 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "57" المجلس السابع والخمسون أشد عقوبات الله عز وجل لعبده في الدنيا طلبه ما لم يقسم له
الإثنين 3 سبتمبر 2018 - 15:51 من طرف عبدالله المسافر

» 4. نقش فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:51 من طرف عبدالله المسافر

» 21 - فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:22 من طرف عبدالله المسافر

» 20 - فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:17 من طرف عبدالله المسافر

» 19 - فص حكمة غيبية في كلمة أَيوبية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:11 من طرف عبدالله المسافر

» 18 - فص حكمة نَفْسيَّة في كلمة يونُسية
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 17:02 من طرف عبدالله المسافر

» الأعيان الثابتة و العين الثابتة فى موسوعة المصطلحات الصوفية والاشارات
الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 7:43 من طرف عبدالله المسافر

» 2 - فك ختم الفص الشيثي .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 28 أغسطس 2018 - 15:48 من طرف عبدالله المسافر

» 3. نقش فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 28 أغسطس 2018 - 15:12 من طرف عبدالله المسافر

» 2 - فص حكمة إلهية في كلمة شيثية .شرح داود القيصرى متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي
الثلاثاء 28 أغسطس 2018 - 14:33 من طرف عبدالله المسافر

» 2 - فصّ حكمة نفثيّة في كلمة شيثية .شرح الشيخ مؤيد الدين متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 20:47 من طرف عبدالله المسافر

» 2. نقش فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 13:26 من طرف عبدالله المسافر

» 1. نقش فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب نقش فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 13:19 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السابع والثلاثون في معرفة الأقطاب العيسويين وأسرارهم
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 13:14 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السادس والثلاثون في معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 13:12 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الحادي والثلاثون في معرفة أصول الركبان .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الإثنين 27 أغسطس 2018 - 10:46 من طرف عبدالله المسافر

» 17- فص حكمة وجودية في كلمة داودية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 23:50 من طرف عبدالله المسافر

» 16 - فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 23:10 من طرف عبدالله المسافر

» 15- فص حكمة نَبَوِيَّة في كلمة عيسوية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 22:33 من طرف عبدالله المسافر

» 14 - فص حكمة قَدَرِيَّة في كلمة عُزَيْرية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 17:06 من طرف عبدالله المسافر

» 13 - فص حكمة مَلْكية في كلمة لوطية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 16:57 من طرف عبدالله المسافر

» 12- فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 16:45 من طرف عبدالله المسافر

» 11- فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 16:35 من طرف عبدالله المسافر

» 10- فص حكمة أحدية في كلمة هودية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 10:15 من طرف عبدالله المسافر

» 9 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 10:06 من طرف عبدالله المسافر

» 8 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 9:58 من طرف عبدالله المسافر

» 7 - فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 9:46 من طرف عبدالله المسافر

» 6- فص حكمة حقية في كلمة إِسحاقية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 9:39 من طرف عبدالله المسافر

» 5- فص حكمة مُهَيَّمية في كلمة إِبراهيمية
الأحد 26 أغسطس 2018 - 9:31 من طرف عبدالله المسافر

» 4- فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية
السبت 25 أغسطس 2018 - 21:42 من طرف عبدالله المسافر

» 2- فص حكمة نفثية في كلمة شيثيَّة
السبت 25 أغسطس 2018 - 21:32 من طرف عبدالله المسافر

» 3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية
السبت 25 أغسطس 2018 - 21:23 من طرف عبدالله المسافر

» 1- فص حكمة إلهية في كلمة آدميَّة
السبت 25 أغسطس 2018 - 21:12 من طرف عبدالله المسافر

» خطبة كتاب فصوص الحكم لسيدي ابن العربي الحاتمي
السبت 25 أغسطس 2018 - 21:07 من طرف عبدالله المسافر

» 1 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .كتاب شرح فصوص الحكم مصطفي بالي زادة على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي
الخميس 23 أغسطس 2018 - 15:18 من طرف عبدالله المسافر

» 1 - فك ختم الفص الادمى .كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 18:37 من طرف عبدالله المسافر

» 1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 14:41 من طرف عبدالله المسافر

» 1 - فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح داود القيصرى متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي
الثلاثاء 21 أغسطس 2018 - 21:21 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثلاثون في معرفة الطبقة الأولى والثانية من الأقطاب الركبان .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الثلاثاء 21 أغسطس 2018 - 8:14 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة صدر الدين القونوي لكتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 21 أغسطس 2018 - 7:43 من طرف عبدالله المسافر

» شرح الشارح مصطفى بالي زاده لخطبة كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الأحد 19 أغسطس 2018 - 18:35 من طرف عبدالله المسافر

» شرح داود القيصرى لخطبة كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
السبت 18 أغسطس 2018 - 19:04 من طرف عبدالله المسافر

» المرتبة الأولى الغيب المطلق .كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي
السبت 18 أغسطس 2018 - 12:49 من طرف عبدالله المسافر

» الباب التاسع والعشرون في معرفة سر سلمان الذي ألحقه بأهل البيت والأقطاب الذين ورثه منهم ومعرفة أسرارهم .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
السبت 18 أغسطس 2018 - 12:23 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثاني عشر في النبوة والرسالة والولاية من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم الشيخ الأكبر
الجمعة 17 أغسطس 2018 - 18:12 من طرف عبدالله المسافر

» شرح "15" تجلي الرحمة على القلوب .كتاب التجليات الإلهية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي شرح بن سودكين
الجمعة 17 أغسطس 2018 - 15:46 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثامن والعشرون في معرفة أقطاب أَلَمْ تَرَ كَيْفَ .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الجمعة 17 أغسطس 2018 - 11:59 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الحادي عشر في عود الروح ومظاهره إليه تعالى عند القيامة الكبرى من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم الشيخ الأكبر
الجمعة 17 أغسطس 2018 - 11:41 من طرف عبدالله المسافر

» خطبة كتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود للشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي قدس الله سره
الخميس 16 أغسطس 2018 - 18:27 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة الناشر لكتاب مراتب الوجود وحقيقة كل موجود الشيخ قطب الدين عبد الكريم الجيلي قدس الله سره
الخميس 16 أغسطس 2018 - 17:39 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السابع والعشرون في معرفة أقطاب صل فقد نويت وصالك وهو من منزل العالم النوراني .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الخميس 16 أغسطس 2018 - 15:16 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل العاشر في بيان الروح الأعظم ومراتبه وأسمائه في العالم الإنساني من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم الشيخ الأكبر
الخميس 16 أغسطس 2018 - 13:41 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل التاسع في بيان خلافة الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وسلم وانها قطب الأقطاب من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم الشيخ الأكبر
الأربعاء 15 أغسطس 2018 - 17:54 من طرف عبدالله المسافر

»  كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني "56" المجلس السادس والخمسون من تواضع لله رفعه الله عز وجل ومن تكبر وضعه الله
الأربعاء 15 أغسطس 2018 - 15:37 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثامن في أن العالم هو صورة الحقيقة الإنسانية من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم .قبل شرح فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الأربعاء 15 أغسطس 2018 - 12:35 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل السابع في مراتب الكشف وأنواعها اجمالا من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم .قبل شرح فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 14 أغسطس 2018 - 23:33 من طرف عبدالله المسافر

»  1 . فصّ حكمة إلهية في كلمة آدميّة .شرح الشيخ مؤيد الدين متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي
الثلاثاء 14 أغسطس 2018 - 19:00 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل السادس فيما يتعلق بالعالم المثالي من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم .قبل شرح فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الثلاثاء 14 أغسطس 2018 - 17:51 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السادس والعشرون في معرفة أقطاب الرموز وتلويحات من أسرارهم وعلومهم في الطريق .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الثلاثاء 14 أغسطس 2018 - 17:05 من طرف عبدالله المسافر

» شرح النابلسي لخطبة كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الإثنين 13 أغسطس 2018 - 21:43 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الخامس في بيان العوالم الكلية والحضرات الخمسة الإلهية من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم .قبل شرح فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الإثنين 13 أغسطس 2018 - 12:05 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الخامس والعشرون في معرفة وتد مخصوص معمر .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الإثنين 13 أغسطس 2018 - 11:30 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الرابع في الجوهر والعرض على طريقة أهل الله من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم .قبل شرح فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الأحد 12 أغسطس 2018 - 18:57 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة الشارح النابلسى لكتاب جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص على فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
الأحد 12 أغسطس 2018 - 13:49 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الرابع والعشرون في معرفة جاءت عن العلوم الكونية .كتاب الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية المجلد الأول
الأحد 12 أغسطس 2018 - 12:49 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثالث في الأعيان الثابتة والتنبيه على المظاهر الأسمائية من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم .قبل شرح فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
الأحد 12 أغسطس 2018 - 10:14 من طرف عبدالله المسافر

» شرح الشيخ مؤيد الدين خطبة كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي
الأحد 12 أغسطس 2018 - 7:14 من طرف عبدالله المسافر

» البحث السادس عشر من مباحث خطبة الكتاب "التسليم على رسول الله" .الشارح مؤيد الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم
السبت 11 أغسطس 2018 - 14:36 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثاني في أسمائه وصفاته تعالى من فصول مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم . قبل شرح فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
السبت 11 أغسطس 2018 - 13:43 من طرف عبدالله المسافر

» البحث الخامس عشر من مباحث خطبة الكتاب في " الآل " .الشارح مؤيد الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم
السبت 11 أغسطس 2018 - 12:06 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الأول في الوجود وانه هو الحق من مباحث مقدمة كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم . قبل شرح فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي
السبت 11 أغسطس 2018 - 11:43 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة الشارح داود بن محمود بن محمد القَيْصَري على فصوص الحكم الشيخ الأكبر .كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم
السبت 11 أغسطس 2018 - 8:31 من طرف عبدالله المسافر

» 2 - فص حكمة نفثية في كلمة شيئية .شرح الجامي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي
الجمعة 10 أغسطس 2018 - 19:15 من طرف عبدالله المسافر

» البحث الرابع عشر من مباحث خطبة الكتاب "محمّد وآله وسلَّم" .الشارح مؤيد الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم
الجمعة 10 أغسطس 2018 - 10:50 من طرف عبدالله المسافر

» البحث الثالث عشر من مباحث خطبة الكتاب "القيل الأقوم" .الشارح مؤيد الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم
الخميس 9 أغسطس 2018 - 16:10 من طرف عبدالله المسافر





1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

اذهب الى الأسفل

22082018

مُساهمة 

1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي




1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

شرح الشيخ عبد الغني النابلسي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

الجزء الأول

1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا فص الحكمة الآدمية بدأ به لأن الله تعالى بدأ هذه النشأة الإنسانية بآدم عليه السلام فهو مفتاح باب العالم الكمالي.
(فص) وهو موضوع النقش من الخاتم والخاتم، هو الدائرة الواقعة في الأصبع، والدائرة منقلبة دائمة فهي القلب. 
وفي الحديث: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» والإصبعان تثنية إصبع.
"رواه مسلم في صحيحه بلفظ: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء".
ثم قال رسول الله : «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك».
وكون قلب المؤمن بين إصبعين، أي لا يتخلى عنه إصبع منهما، فهو منتقل من أحدهما إلى الآخر. 
ولهذا تجد القلب تارة في خاطر خير وتارة في خاطر شر، وخاطر المباح من خاطر الخير.
لأن المؤمن لا يضيع له عملا بلا قصد حسن، والنيات تجعل العادات عبادات، فالقلب هو الدائرة المستديرة على إصبع الحق تعالى من حيث اسمه الرحمن.
وفص الخاتم هو الجسد الآدمي الجامع بالإجمال والاستعداد لكل ما هو مرشح له من أنواع الكمال.
كما أن النواة تجمع النخلة وتحويها إجمالا واستعدادا، والأرض والماء والتربة تخرجها منها .
ثم إن هذا الفص منقوش بجميع ما تضمنته تلك النفس من الكمالات والعلوم، والمقصود من الخاتم إنما هو الفص، والمقصود من الفص النقش فيه.
فالنقش سر الخاتم وهو الذي يظهر للوارث النبوي من علم مورثه، وهو المراد هنا بذكر جميع الفصوص.
(حكمة) أي نشأة، ولما كان هذا الهيكل الجسماني ظاهرة في هذا العالم الذي هو عالم الحكمة، يسمى حكمة لجريان أموره في دنياه على ما تقتضيه الحكمة، وأما في عالم الآخرة وهو عالم القدرة.
فالظهور للنفس لا للجسم، فكما أن النفس في الجسم في الدنيا .
فالجسم في النفس في الآخرة والحكمة باطنة في الآخرة.
والقدرة ظاهرة وفي الدنيا بالعكس 
(إلهية) أي منسوبة إلى الإله تعالى وهو المعبود، والمعبود يلزم أن يكون عنده حاجة كل عبد، فيلزم أن يكون موصوف بجميع الصفات الكمالية والجلالية والجمالية، والصفات إذا ظهرت كانت أسماء.
قال تعالى : "وعلم آدم الأسماء كلها" 31 سورة البقرة.
وهذا التعليم لآدم کان بإظهاره تعالى الحقيقة الآدمية جامعة لآثار جميع التجليات الإلهية فهي ظهورات الصفات ، فهي الأسماء التي علمها، وحين علمها إنما علم نفسه فعلم ربه .
وفي الحديث : «من عرف نفسه فقد عرف ربه» . 
(في كلمة)، أي حقيقة من حقائق الحق تعالى على حد ما سبق بيانه في الكلم (آدمية)، أي منسوبة إلى آدم عليه السلام أبي البشر.
واعلم أن فص هذه الحقيقة الآدمية وكذلك فصوص بقية الحقائق الآتية إنما تظهر للوارث ويقرأ نقشها في كل وقت على حسب استعداده في ذلك الوقت .
فيتكلم على حسب ذلك الاستعداد ويظهر له في وقت آخر أعلى من ذلك أو أدنى منه، وكذلك يظهر لغيره من تلك الحقيقة غير ذلك.
فيكون الكلام على حسب الوقت، وهذه عادة أهل الله على الدوام، فلا تظن أن التكلم على هذه الحقائق النبوية بهذه الكلمات يحصر هذه الحقائق فيما ذكر.
ولا تظن أيضا أن المتكلم بهذه الكلمات في هذه الحقائق انحصر علمه بها فيما تكلم به من ذلك والله أعلم.
لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله، لكونه متصفا بالوجود، ويظهر به سره إليه.
فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرأة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل و لا تجليه له.
(لما شاء)، أي حين أراد، وهذا من ضرورة التعبير، وإلا فإن مشيئة الله تعالی لا تتقيد بزمان .
(الحق) وهو الله تعالى من حيث تحققه وثبوته في ذاته العلية لا من جميع الحيثيات، إذ العالم كله إنما هو موجود ووجد ويوجد في حضرة واحدة من حضرات الله تعالى.
وهي حضرة الحق وباقي الحضرات لا وجود للعالم فيها أبدا، ولما كانت كل حضرة إلهية جامعة لكل الحضرات جمعت حضرة الحق المذكورة التي وجد فيها هذا العالم لجميع الحضرات الإلهية .
ومن المعلوم أن كل حضرة إذا جمعت جميع الحضرات کان جمعها لذلك على حسبها لا على حسب ما الحضرات عليه بالنسبة إليها فقط .
فحضرات حضرة الحق كلها حق، فأول حضرة ظهرت فيها حضرة الله، ثم حضرة الرحمن، ثم حضرة الرب، ثم باقي الحضرات.
وكل حضرة من هذه الحضرات الظاهرة جامعة لجميع الحضرات أيضا على وجه مخصوص
( سبحانه) تنزيها له تعالى عن خطرات الأوهام وعن لمحات الأفهام.
ثم لما كان الاسم الحق وكذلك جميع الأسماء الإلهية دالة على شيئين : الذات وما يعينها عند الغير من الخصوصيات، وكان الكلام الآن في صدد بيان هذه النشأة الآدمية. 
قال (من حيث)، أي من جهة (أسمائه)، أي أسماء الحق تعالى ولم يقل أوصافه، لأن الوارد في الكتاب والسنة لفظ الأسماء لا الأوصاف ، ولأن الاسم غير الصفة بحسب المفهوم.
وأقرب الوسائط إلى الكائنات بين الحق تعالى وبين الكائنات الأسماء والأوصاف أعلى منها، فالوصف ما قام بالموصوف والاسم ما عين للمسمى عند غيره (الحسنی)، أي ذات الحسن بمعنى النزاهة التامة عن مشابهة الحوادث التي لا يبلغها)، أي لا يحويها ولا يحيط بها
(الإحصاء)، أي العدد الضبط، وذلك ، لأن الله تعالى في ظهور كل ذرة من ذرات السموات والأرض وذرات كل شيء ظهور اسم إلهي خاص، لا ظهور له في تلك الذرة ولا في غيرها من الذرات قبل ذلك ولا بعده . 
وهكذا الشأن دائما من ابتداء فتق الوجود إلى ما لا نهاية له في نار أو جنة فلهذا كانت أسماء الله تعالى لا تبلغ الإحصاء. ..
واعلم أن الحق تعالی من حيث ذاته العلية لا خبر عنه في الأكوان ولا كلام فيه عند ذوي الكمال والنقصان، لأنه من هذه الحيثية غني عن العالمين ومجهول على الإطلاق عند جميع المخلوقين. 
وأما من حيث أسمائه الحسني التي لا يبلغها الإحصاء فهو الموصوف المعروف المخبر عن نفسه الظاهر الباطن في حضرات قدسه 
وقد شاء أزلا من هذه الحيثية (أن يرى)، أي يعاين ويشاهد (أعيانها)، أي أعيان تلك الأسماء الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء.
والمراد بأعيانها ذاته العلية متعينة في كل حضرة منها.
(وإن شئت قلت) في هذا المعنى بعبارة أخرى وهي لما شاء الحق سبحانه من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء.
(أن يرى عينه)، أي ذاته ظاهرة (في) صورة (کون)، أي خلق، ولا يلزم من كونه يرى ذاته ظاهرة في صورة كون أن تكون ذاته من حيث هي تحولت عن إطلاقها الكلي إلى صورة من الصور الممكنة.
وصارت في حد ذاتها صورة كون، وإنما المراد رؤيتها كذلك ، فإن من يرى ذاته رؤية حقيقية مطلقة من سائر القيود على ما هي عليه في نفسها يقدر أن يراها ظاهرة في الصورة التي يمكن أن تظهر له فيها من غير أن يتغير عما هي عليه
(جامع) ذلك الكون لجميع المؤتلفات والمختلفات (يحصر) ذلك الكون الجامع الأمر الإلهي المطلق فيظهر به مقيدا  (لكونه)، أي لكون الجامع (متصفا بالوجود)
بعد الاتصاف بالعدم، ومعلوم أن الوجود للأمر الإلهي فإذا اتصف المعدوم به کان ذلك الاتصاف بسبب حصره للأمر الإلهي، وظهر الأمر الإلهي كله به.
وفي نسخة أخرى لكونه متصفا بالوجوه، أي لكون هذا الكون الجامع متصفا بالوجوه الكثيرة والاعتبارات المختلفة والنسب التي لا تحصى.
كما قالوا إن الله تعالى في طي هذا العالم عوالم كثيرة لا يعلم بعدها إلا الله تعالى . وقال بعض المریدین : أدخلني شيخي خمسمائة عالم هذه السموات والأرض عالم منها.
(ويظهر) معطوف على يحصر أي يتضح وينكشف (به)، أي بذلك الكون الجامع (سره)، أي سر الحق سبحانه وسره تعالى ذاته من حيث كونها معلومة له، والسر هو الأمر الخفي وذاته تعالى لولا علمه تعالى بها لخفيت عنه (إليه)، أي إلى الحق تعالى إذ هو العالم والمعلوم والشاهد والمشهود.
ولهذا قالوا : إن علم الله تعالى بالعالم كله هو علمه بذاته تعالى من غير مغايرة.
(فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه) من غير أمر آخر (ما هي مثل رؤيته نفسه) بنفسه في أمر آخر غير نفسه
(يكون) ذلك الأمر الآخر (له كالمرآة) من الزجاج مثلا يقابلها بنفسه 
(فإنه يظهر له نفسه) فيها (في صورة يعطيها المحل المنظور فيه)، وهو المرأة الصغيرة مثلا .فيها صورة وجه الناظر صغيرة . والكبيرة صورة وجه الناظر فيها كبيرة . والطويلة طويلة وهكذا
(مما)، أي من الشأن والحال الذي (لم يكن يظهر له)، أي لذلك الناظر (من غير وجود هذا المحل) المنظور فيه
(ولا تجليه)، أي ظهور ذلك الناظر بنفسه (له)، أي لذلك المحل إذ لولا تجلي الناظر بنفسه للمراة المنظور فيها
ولولا وجود المراة المنظور فيها، أيضا لما ظهرت هذه الصورة التي لوجه الناظر في المرآة على حسب كبر المرآة وصغرها ونحو ذلك.
ومن رأى صورة وجهه في المرآة لا يرى في ذلك الوقت جرم المرأة بل يحتجب عنه جرمها بصورة وجهه فيها وهو متحقق بأن وجهه فيها.
لم يحل في المرآة ولا حلت المرأة فيه.
ولا اتحد وجهه مع الصورة التي في المرآة.
وليست الصورة التي في المرآة غير صورة وجهه.
ولا تشابه صورة وجهه من جهة كونها معدومة الحقيقة ظاهرة العين وصورة وجهه محققة.
ولا يمكن أن تكون صورة المرأة على خلاف صورة وجهه.
بل جميع ما هو مصور في المرأة هو صورة ما عليه وجهه مع أنها على خلاف صورة وجهه من جهة أن يمينها شمال وجهه وبالعكس.
وقد قال وجهه لها قولا بلا حرف ولا صوت کن فتكونت على طبق ما أراد منها من غير معالجة ولا مماسة، إلى غير ذلك من العبر و بمرآة غير مجلوة مستعدة للجلاء. 
قال : بحسب الأول (ومن شأن)، 
أي عادة (الحكم الإلهي) الجاري في الخلق (أنه) أي الحكم الإلهي (ما سوی محلا) أي جسدة (إلا ولا بد أن يقبل روحا)، أي إمداد (إلهية)، له على طريق التدبير المستقل (عبر) في الشرع (عنه بالنفخ فيه)
قال تعالى: " ونفخت فيه من روحي" 29 سورة الحجر.
فالروح عامة في الحيوان والنفخ خاص في الإنسان (وما هو)، أي النفخ فيه
(إلا حصول الاستعداد) التام وهو التهيؤ (من تلك الصورة المسواة)، قبل ذلك. (لقبول فيض التجلي)، أي الظهور من الحق تعالى (الدائم) الأبدي في الدنيا والآخرة .
فهو تعالى المتجلي والمتجلى له من حيث إنه معطي الفيض وواضع الاستعداد، والفيض والاستعداد ظهوران له تعالى لا ينقضيان وتجليان لحضرته العلية أبديان.
(الذي) نعت للفيض (لم يزل) من الأزل حيث لم يكن شيء من العوالم غیر القوابل المتجلي هو لها من اسمه الباطن
(ولا يزال) في الأبد أيضا كل شيء ظاهر بما استعد له من اسمه الباطن. والتجلي هو السائق للعالم من الأزل إلى الأبد، وهو وصف فعلي من حيث القوابل، انفعالي من حيث الفيض الدائم.
(وما بقي) مما يسمى روح إلهية (إلا قابل)، أي مستعد للفيض الدائم من التجلي والقابل هو ذلك الجسد المسوي.
فالروح الإلهي هو ذلك الجسد المسوی من حيث إنه قابل لا مطلقا .
والحاصل أن الفرق بين الجسد المسوی والروح الإلهي بوضع القبول لذلك الفيض والاستعداد له.
وهو أمر واحد ظهر في عالم الخلق بصورة جسد مسوي.
فإن انجلت الصورة وقويت من حيث تصويرها واستعدت لقبول الكمال الفياض من حضرة الجود الإلهي.
فذلك هو الروح الإلهي المنفوخ في ذلك الجسد المسوي وإن انجلت بعض الإنجلاء بحيث استعدت لإدراك المحسوسات فقط بقوة عرضية سارية في أجزاء الهيكل الجسماني.
فهي الروح الحيوانية التي إذا فارقته مات.
ومن التنبيه على ذلك نزول جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي ومجيئه المريم عليها السلام في صورة بشر سوي.
فإن ذلك الجسد البشري هو بعينه حقيقة جبريل عليه السلام وجبريل ما تغير عن حقيقته.
غير أن الله تعالى أعطى حقيقته الملكية لخصوصية فيها أنه متى فعل كذا من فعل مخصوص ظهر في صورة كذا،أو فعل كذا أو هكذا الأرواح الجنية في تشكلها.
(والقابل) المذكور (لا يكون) قابلا بوضع القابلية فيه من الأزل (إلا من فيضه) سبحانه وتعالى (الأقدس) المتنزه عن شائبة الحدوث والنقصان.
والحاصل أن الحق تعالى له تجليان أزليان :
تجلي ذاتي أعطى الاستعدادات  لجميع الكائنات، وتجلي صفاتي أعطى تلك الكائنات ما استعدت له . 
وإن شئت قلت : تجلي واحد رسم الكائنات ثم نقشها وأثبتها ثم قواها في ذلك الإثبات فالاستعداد أو الرسم أو الإثبات هو الروح الأمري الإلهي وإعطاء كل مستعد استعداده ونقش الرسم وتقوية الإثبات هو الجسد المسوي .
فإن قلت : يلزم من هذا أن يكون الروح الأمري الإلهي سابقا على الجسد المسوي، وقوله تعالى: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" 29 سورة الحجر.
يقتضي سبق الجسد المسوى على نفخ الروح.
قلت : نعم الروح الأمري الإلهي سابق بدليل قوله عليه السلام: «إن الله خلق الأرواح قبل الأجسام بألفي عام».
وكذلك النفخ متوجه على ذلك الجسد، أي مقبل على تسويته قبل ظهور التسوية ، ولكن ظهور ذلك النفخ فيه بعد تمام تسويته.
فالروح الأمري هو الأول المتقدم على الجسد وهو الآخر عنه.
والجسد هو الأول في التوجه والإقبال على تسويته، وهو الآخر في ظهوره.
كما أن الروح هو الظاهر من حيث الأعمال والباطن من حيث عدم الإحاطة.
وكذلك الجسد هو الظاهر من حيث الصورة والباطن من حيث إنه توجه روحاني من ذلك الروح الأمري، فهو عين النفخ الإلهي، والنفخ الإلهي باطن فهو باطن من هذا الوجه .
(فالأمر) الذي هو مجموع هذا الوجود (كله)، روحانية وجسمانية وقابله ومقبوله وأوله وآخره وظاهره وباطنه
(منه) تعالى لأنه تفصيل مجمله وتبيين مشكله (ابتداؤه) في الظهور والبطون (وانتهاؤه) في السعادة والشقاوة . 
وقال تعالى: "وأن إلى ربك المنتهى" 42 سورة النجم.
"وأنه هو أضحك " 43 سورة النجم .يعني أهل الجنة وأبكى  یعني أهل النار.
ثم لما انتهى الكل إليه زال الضحك والبكاء ("واليه")، أي إلى ذاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ("يرجع الأمر") المذكور ("كله ") 123 سورة هود.
فلا يخرج عنه شيء منه ولهذا كان: "ليس كمثله شيء " فإن البعض لا يشبه الكل، والكل بعضا فلا يشبه شيء ولا كل شيء، لأنه خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ، فقد فصل كل شيء من مجمله.
وهو بمجمله عليم كما (ابتدأ) الأمر كله (منه) تفصيلا من إجمال، فإنه يرجع إليه مجملا  من تفصيل.
وحيث تقرر لك في هذا الكلام أن الحق تعالى أراد أن يرى ذاته متعينة في أعيان صفاته مسماة بحقائق أسمائه في جميع حضراته، لأن رؤية التفصيل غير رؤية الإجمال.
وإن شئت قلت : أن یری ذاته المجمل في مرآة الإمكان التفصيلية، لأن رؤية النفس ظاهرة بصورة الغير ما هي مثل رؤية النفس من دون ذلك الغير.
وقد كان ابتداء الحق تعالى هذا الأمر من غير إتمام حيث خلق العالم كله روحانية وجسمانية فكان بمنزلة الجسد المحتوى الذي لا روح فيه، أو بمنزلة المرأة الغير المجلوة، وكل جسد مسوی مستعد لروح أمري إلهي وكل مرآة غير مجلوة مستعدة للجلاء.
.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة و روح تلك الصورة، و كانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير».
فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.
فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، وأن فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله.
.
فاقتضى الأمر الإلهي لأجل إتمام ما أراده تعالى من خلق جسد العالم وإظهار مرآته الغير المجلوة.
(جلاء مرآة العالم) بإزالة الكثافة منها، ومسحها من أوساخ القصور والنقصان، وامدادها بالإشراق والصقالة.
(فكان آدم) عليه السلام من حيث روحه وعقله ونفسه وجسده.
(عين جلاء تلك المرآة)، فروحه جلاء العالم الأرواح، وعقله جلاء لعالم العقول، ونفسه جلاء العالم النفوس، وجسده جلاء العالم الأجساد، فبسبب خلق آدم عليه السلام انجلت مرآة العالم كمال الانجلاء .
فظهر له تعالى وجهه متنوعة بعد تنوعات ما يقتضيه صفاته وأسماؤه 
كما قال تعالى : "فأينما تولوا فه وجه الله إن الله واسع عليم" 115 سورة البقرة. ومن وسعه كان جميع ما ظهر من صور وجهه الواحد في مرآة العالم بالنسبة إلى ما لم يظهر کلا شيء بالنسبة إلى شيء لا نهاية له (وكان) آدم عليه السلام (روح تلك الصورة) التي هي جسد العالم المسوي، فقد أمد الله تعالى عالم الروحانيات بروح آدم عليه السلام.
وأمد عالم العقول بعقله، وأمد عالم النفوس بنفسه، وأمد عالم الأجساد بجسده.
فكان روح هذا الجسد المسؤى، وهذا حكمة تأخير خلقه عليه السلام عن خلق جميع أنواع العالم.
وحيث كان آدم عليه السلام حين خلق الله تعالی روح جسد العالم، وقد كانت الملائكة عليهم السلام قبله أجزاء من جسد العالم بمنزلة العروق والأعصاب المتهيئة لسريان القوى الروحانية فيها عند نفخ الروح قال رضي الله عنه :
(وكانت الملائكة) عليهم السلام يعني بعد خلق آدم عليه السلام ونفخه، روح أمرية إلهية في جسد العالم المسوی.
(من بعض قوى تلك الصورة) المسواة (التي هي صورة العالم) كله (المعبر عنه في اصطلاح القوم) الصوفية من أهل الله تعالی (بالإنسان الكبير).
لأن هذا الإنسان الصغير الذي هو آدم عليه السلام مختصر منه واسمه إنسان، وهو على صورته لمقابلة كل روحاني منه روحانية من العالم.
وكل جسماني منه جسمانية من العالم، والروح النفخي الأمري الإلهي قدر زائد في آدم عليه السلام ليس موجودا في شيء من العالم غيره، وبهذا الروح النفخي المذكور انجلت مرآة العالم، وتم ظهور الله تعالى بنفسه لنفسه .
فكانت الملائكة عليهم السلام (له)، أي لهذا الإنسان الكبير (كالقوى الروحانية) العاقلة والمفكرة والمخيلة والوهمية في الدماغ، و الهاضمة والجاذبة والطباخة ونحو ذلك في المعدة.
(و) القوى (الحسية) الباصرة والسامعة والذائقة والشامة واللامسة (التي في النشأة الإنسانية).
فكان العالم قبل خلق آدم عليه السلام بمنزلة القالب المسوى من الطين.
ثم أفرغ آدم عليه السلام فيه بنفخ الله تعالى روحه في جسده المجموع من أجزاء العالم كلها.
فظهر في آدم عليه السلام جميع ما في العالم.
ولكن اختلف الاسم ففي القالب المسوی ملائكة. وفي آدم عليه السلام قوى روحانية وحسية.
وفي القالب عناصر وطبائع. وفي آدم أخلاط وطبائع.
وفي القالب کواکب وأفلاك.  وفي آدم أعضاء وحواس. وهكذا.
(وكل قوة) في جسد هذا العالم (منها)، أي من تلك القوى الروحانية والحسية التي هي حقائق الملائكة (محجوبة) عن إدراك حقيقة غيرها (بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها ) لاشتغالها بكمالها عن معرفة كمال غيرها من بقية القوى.
(و) ترى (أن فيها فيما تزعم) لا في حقيقة الأمر (الأهلية)، أي الاستعداد التام (لكل منصب عالي) من مراتب القرب الإلهي.
(و) کل (منزلة رفيعة عند الله) تعالى (لما عندها)، أي عند كل قوة من تلك القوى (من الجمعية) لكل وصف إلهي واسم رباني (الإلهية) المنسوبة إلى الإله الذي توجه على خلق تلك القوة بكله.
ولكن ما أودع فيها إلا ما أراد من حضرته.
وكل حضرة من حضراته جامعة لجميع الحضرات، لكن لا من حيث تلك الحضرة المتعينة.
بل من حيث ذلك الحاضر بها في رتبة الذات، ورتبة الموجود الأول قبل كل شيء، ولهذا قال : (دائرة بين ما يرجع من ذلك)، أي من تلك القوة المذكورة.
(إلى الجناب الإلهي) الجامع المتجلی بذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه.
(إلى جناب حقيقة الحقائق)، كلها الجامعة وهي نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أول مخلوق،وقد خلق الله تعالى منه كل شيء، فهو حقيقة كل حقيقة.
والحاصل أن كل قوة من قوى العالم، بل كل ذرة منه جامعة لكل قوة وكل ذرة، والعلم بشيء من العالم بكل شيء منه.
وكل كمال في العالم جامع لكل كمال منه، ولكن هذا كله بالنظر إلى حقيقة تلك القوة وحقيقة تلك الذرة.
فإن حقيقة الحق تعالى هي حقيقة ذلك في عالم الأمر، وحقيقة النور المحمدي هي حقيقة ذلك في عالم الخلق.
ولا شك أن الحقيقة الإلهية والحقيقة المحمدية جامعة لكل كمال.
فما دامت كل قوة وكل ذرة محجوبة بنفسها من غيرها لا جمعية فيها عند نفسها، فإذا ادعت الجمعية والاستعداد التام ادعت ما ليس عندها.
وحقائق الملائكة بل حقيقة كل شيء محجوبة بنفسه تزعم الجمعية والجمعية فيها وهي منحجبة عنها بنفسها ، فلو زال انحجابها صحت دعواها .
(وفي النشأة) الإنسانية (الحاملة) بإمدادها (لهذه الأوصاف) المذكورة من القوى الروحانية والحسية.
(إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية) التي هي أصل الطبائع الأربع الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.
وليست واحدة منها والذي تقتضيه الطبيعة الكل هو جميع العناصر الأربعة المتكاثفة عن تلك الطبائع، وهي: النار والهواء والماء والتراب.
والمواليد الأربعة المتكاثفة عن تلك العناصر، وهي: الجماد والنبات والحيوان والإنسان.
ولهذا قال: (التي حصرت قوابل) جمع قابل وهو: الجسد المستوى المستعد للروح الطبيعي أو العنصري أو الجمادي أو النباتي أو الحيواني أو الإنساني العالم الطبيعي.
(کله أعلاه) وهم الملائكة وكلهم طبيعيون (وأسفله) وهم العالم الجسماني العنصري.
.
وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فکري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه.
فسمي هذا المذكور إنسانا وخليفة، فأما إنسانيته لعموم نشأته وحصره الحقائق كلها. 
و هو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر. 
فلهذا سمي إنسانا فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم.
فهو الإنسان الحادث الأزلي و النش ء الدائم الأبدي، و الكلمة الفاصلة الجامعة ، فتم العالم بوجوده،
.
(وهذا) يعني جمع الإنسانية الكبرى والصغرى لجميع ما تقتضيه الطبيعة الكل من قوابل العالم كله أعلاه وأسفله. وكذا كل ما كان من هذا القبيل من علوم المعرفة
(لا يعرفه) معرفة تامة لما هو عليه في حقيقة ثبوته (عقل) کامل (بطریق نظر فکري) .
إذ النظر الفكري يثبت في العقل حقيقة الشيء تابعة لما يقتضيه ذلك العقل من القوة الخيالية , لا تابعة لما عليه ذلك الشيء في نفسه.
ولم يقل لا يعرفه عقل مطلقا، إذ العقل في إدراكه للعلوم له طريقان: 
طريق النظر الفكري وهو طريق خطئه في الغالب.
وطريق قبوله ما يلقى إليه بالفيض الرباني بعد وزنه بالميزان الشرعي ونقده بمحك الكتاب والسنة إذا كان مؤيدة بها معرفة وإتقانه . وهذا طريق صوابه دائما . 
وقد أشار إلى الثاني بقوله :
(بل هذا الفن) الذي هو فن المعارف الإلهية والعلوم الربانية بالحقائق الغيبية والشهودية (من الإدراك) الإنساني (لا يكون)، أي لا يوجد دائما (إلا عن كشف) بتکمیل قصور الإدراك حتى يجد الأمر ظاهرة على ما هو عليه، غير أن الإدراك كان قاصرة عنه فقوي في معرفته .
(إلهي)، أي منسوب إلى الإله، وهو الكشف الصحيح المؤيد بالكتاب والسنة كما ذكرنا.
(منه)، أي من ذلك الكشف الإلهي (يعرف ما)، أي: أي شيء
(أصل صور العالم) المعقولة والمحسوسة (القابلة لأرواحه) المختلفة الملكية والحيوانية والنباتية وغير ذلك.
فإن الأرواح كلها متعينة أولا في حقيقة القلم الأعلى الذي هو النور الأول.
مثل تعيين الحروف الحاملة للمعاني في المداد المحمول في رأس القلم.
ثم تفصلت منه بكتابتها في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض.
مثل تفصيل الحروف المكتوبة في قرطاس بماء البصل، حيث لا يستبين على القرطاس من كتابتها شيء منها .
وهذه الحروف هي صور المعاني والمعاني أرواحها المخلوقة قبلها.
أي المعينة لها وتلك المعاني موجودة في هذه الحروف، ولكن وجود دلالة وتدبير لهذه
الحروف لا وجود حلول واتحاد، وهي لم تبرح من قلب المتوجه على كتابة الحروف .
ثم إن تلك الحروف المكتوبة بماء البصل إذا مسها حرارة النار تبينت حروف مرسومة يخالف لونها لون القرطاس فتظهر للقارىء فيقرأها فيفهم معانيها الظاهرة فيها.
وههنا تتوجه تلك الأرواح المتعينة في حقيقة القلم الأعلى التي رسمت في اللوح المحفوظ صورة وأشكالا غیر متبينة على تلك الصور والأشكال بسبب التوجه الأصلي من همة الكاتب الحامل لأرواح هذه الصور والأشكال :
فتنبعث الحرارة الغريزية والحركة الشرقية الروحانية، فتتبين بذلك تلك الصور والأشكال في عالمها المخصوص الذي هو عالم الطبائع والعناصر.
فإذا تم تبينها وهو المراد بتسوية الجسد قوي التوجه المذكور.
فسرت الروح النباتية النامية بعد الروح الجمادية المظهرة لصورة الجسد فقط،.
ثم تسري الروح الحيوانية المحركة.
ثم الروح الإنسانية المكملة للظهور الإلهي على أتم الوجوه الممكنة.
فتتحقق صورة الإنسان وتتميز عن غيرها في هذه الأكوان.
(فسمي هذا المذكور) الجامع لقوابل العالم كله أعلاه وأسفله كما ذكرنا (إنسانا) وهو الاسم الأصلي (وخليفة) وهو الاسم اللقبي.
(فأما إنسانيته) التي سمي بها أولا (فلعموم نشأته)، أي سريانها في كل نشأة روحانية أو طبيعية أو عنصرية وحصره الحقائق العلوية والسفلية.
(كلها) بحيث لا تبقى حقيقة في العالم إلا وفيه منها رقيقة متصلة يمدها بروحه الأمري الإلهي.
وتمده هي بروحها الجمادي والنباتي والحيواني ولهذا لا غناء له عن الغذاء المحسوس.
فهو لعموم نشأته يمدها وبذلك شرف عليها وصار مكرمة.
قال تعالى : "ولقد كرمنا بني آدم "70 سورة الإسراء.
و بحصره الحقائق كلها فيه تمده هي لسبقها عليه ولكبرها بالنسبة إليه .
كما قال تعالى: "لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس" 57 سورة غافر . (وهو)، أي هذا الإنسان المذكور (للحق) تعالى النافخ فيه من روحه الأمري الإلهي النوري الذي هو المخلوق الأول من جهة إمداده تعالی کل حقيقة كونية من حقيقة هذا الإنسان كما ذكرنا.
(بمنزلة إنسان العين)، وهو نورها الذي يظهر سوادا تبصر به بحيث لو زال أو قل زال أبصارها (من العين) الإنسانية أو الحيوانية (الذي به یکون)، أي يوجد (النظر) والإدراك للأشياء على وجه التمييز بين حسنها وقبيحها.
(وهو المعبر عنه بالبصر)، وإنما يظهر سوادة وهو نور مشرق، لأن جميع ما يقابله ظلمة بالنسبة إليه.
لأنه الروح الأمري المنفوخ وهو روح کل جماد ونبات وحيوان وإنسان وملك وجن.
ولكن ما قبل كمال الظهور إلا في الإنسان الكامل فقط دون غيره فنسب إليه، وسمي في غيره باسم أنزل منه، كما أن الآدمي ظهر في هذا العالم بالعصيان والمخالفة لأمر الله تعالى.
ولا عصيان ولا مخالفة في الحقيقة غير عدم قبول بقية العالم لكمال ظهور الروح الأمري.
ظهر ذلك ظلمة وسواد في نور مرآة الروح الأمري فكان سوادة في إدراك كل رائي.
قال تعالى : " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها" 27 سورة الأحزاب. 
وهذا حقيقة العصيان والمخالفة الظاهرة في آدم عليه السلام وبنيه إلى يوم القيامة ، والمراد بالجبال كل منجبل من العناصر الأربعة والطبائع الأربع وإنما عوقب بذلك من عوقب من بني آدم لغلبة حيوانيته على إنسانيته .
(فلهذا)، أي لأنه من الحق بمنزلة إنسان العين من العين (سمي إنسانا فإن به)، أي بهذا الإنسان الكامل (نظر الحق) تعالى (إلى خلقه) جميعهم (فرحمهم) بإمدادهم منه، فلا إمداد لشيء إلا منه ، لأنه محل نظر الله تعالى لخلقه.
وقلبه محل الوسع الإلهي الذي ضاقت عنه السموات والأرض مع كبرها بالنسبة إليه.
كما ورد في الحديث القدسي: "ما وسعني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن التقى" وهو العبد الكامل في رتبة العبودية.
هو واحد في كل زمان إلى يوم القيامة، وإن تعدد من حيث الظهور الجسماني .
فهو الإنسان من حيث جمعيته المذكورة (الحادث) من حيث ظهوره في هذا العالم بجميع ما تشتمل عليه حقائق هذا العالم (الأزلی) من حيث انمحاقه في الحقيقة الإلهية الممدة له باطنا وظاهرا بالروح الأمري المنفوخ فيه زيادة على أرواح جميع العالم.
(والنشء الدائم) من الدنيا إلى الآخرة ومن الآخرة إلى ما لا نهاية له (الأبدي) بتأييد الله تعالى وجميع من هو دونه من العوالم، معدوم زائل لا يبقى غير من قاربه من الحيوان.
ولم يظهر فيه الروح الأمري بكماله، فإنه محبوس في جنسهم إلى أمد مخصوص إن تقارب كماله. أو محبوس دائما إن ضعف تقارب كماله .
(والكلمة) الإلهية (الفاصلة) بين الحق والباطل (الجامعة)، لمعاني جميع الكلم كما قال عليه السلام : «أوتيت جوامع الكلم» وغيره من بقية العالم كلمات الله غير التامات.
كما قال تعالى : "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة " 24 سورة إبراهيم. 
وقال: "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيئة " 26 سورة إبراهيم: 26. 
ثم قال : "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت " 27 سورة إبراهيم.
وهو راجع إلى الكلمة الطبية وقال: " ويضل الله الظالمين" 27 سورة إبراهيم.
وهو راجع إلى الكلمة الخبيثة (فتم)، أي كمل (العالم كله) أعلاه وأسفله (بوجوده)، أي هذا الإنسان الكامل .
.
فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم، الذي هو محل النقش والعلامة التي بها يختم الملك على خزانته، وسماه ځليفة من أجل هذا .
لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه.
فاستخلفه في حفظ العالم فلا يزال العالم محفوظا ما دام في هذا الإنسان الكامل.
ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق تعالى فيها وتخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعضه، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبدا.
فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة.
.
(فهو من العالم) كله (کفص الخاتم من الخاتم)وهو وجه آخر في تسميته فصوص الحكم غير ما ذكرنا فيما سبق.
(وهو)، أي الإنسان الكامل الذي هو من العالم كفص الخاتم من الخاتم (محل)، أي موضع (النقش)، أي الكتابة المقصودة من وضع الخاتم وصياغته، ومعلوم أن المنقوش في فص الخاتم اسم صاحب الخاتم.
وهنا الله هو صاحب الخاتم، فاسمه الأعظم هو المنقوش على هذا الفص .
كما قال تعالى : " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" 49 سورة العنكبوت.  وهو خاتم سليمان عليه السلام الذي ملك به ما ملك.
(و) هو محل (العلامة التي بها يختم الملك)، أي السلطان وهو الحق تعالی (علی خزائنه)، التي هي كل شيء.
كما قال تعالى: "وإن ممن شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم" 21 سورة الحجر. 
والختم هو منع الإمداد لشيء من العالم إلا من حقيقة هذا الإنسان الكامل وتنزيله بقدر معلوم هو الإمداد الحاصل للأشياء من هذا الكامل كما ذكرنا .
(وسماه)، أي سمي الحق تعالى هذا الإنسان الكامل (خليفة) 
في قوله تعالى : "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" 30 سورة البقرة. 
وقوله : "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض " 26 سورة ص .
وقوله :" جعلكم خلائف الأرض" 165 سورة الأنعام.
"وأنفقوا مما جعل مستخلفين فيه" 7 سورة الحديد. والخطاب كله للإنسان الكامل. 
(من أجعل هذا)، المعنى المذكور وهو كونه ختم به على خزائنه (لأنه)، أي الإنسان الكامل هو (الحافظ خلقه)، أي خلق الله تعالى بظهور اسم الله تعالى الحفيظ فيه.
(كما يحفظ الختم الخزائن)، إذا طبع به على الشمع الموضوع فوق القفل ونحوه فلا يجسر أحد أن يحتال لفتح ذلك القفل خوفا من تغير صورة ذلك الطبع في الشمع فيشعر الملك بذلك .
(فما دام ختم الملك عليها)، أي على تلك الخزائن (لا يجسر أحد على فتحها)، بفك ختمها (إلا بإذنه) وكذا هذا .
(فاستخلفه في حفظ العالم) جسمانیه بجسمانیه روحانيه بروحانيه .
(فلا يزال العالم محفوظا) لا يقدر أحد على فتح خزائنه شيء من الأشياء واستخراج ما فيها من الأسرار إلا باستئذان الملك .
وفك هذا الختم وهو مفتاح كل خزانة مقفلة والمفتاح لا يفتح بغیر ید محركة.
واليد المحركة إنما تتحرك بالله تعالى، فالفاتح هو الله لا غيره.
(ما دام فيه)، أي في هذه العالم (هذا الإنسان الكامل) المذكور.
(ألا تراه إذا زال)، بالانتقال إلى عالم الآخرة (و ) ختمه (من خزانة الدنيا) قامت الساعة وخربت الدنيا (ولم يبق فيها)، أي في الدنيا (ما اختزنه) (الحق تعالی فيها)، من الحكم الإلهية والأسرار الربانية الظاهرة في صور السموات والأرض وما بينهما.
(وخرج ما كان) موجودة (فيها) من المواليد الأربعة: 
الجماد والنبات والحيوان والإنسان. 
وكذلك الملك والجني إلى عالم الآخرة فحشرت إلى ربها كما قال تعالى: "وإذا الوحوش حشرت" 5 سورة التكوير. 
وفي الحديث يشهد للمؤذن مد صوته من رطب ويابس وقال تعالى:"ويوم يقوم الأشهاد" 51 سورة غافر .
فالحشر عام في كل شيء (والتحق بعضه)، أي بعض ما كان فيها من ذلك (ببعضه)، فالتحق الجماد والنبات والحيوان بالتراب حتى يقول الكافر يومئذ : "يا ليتني كنت ترابا"40 سورة النبأ.
والتحق الإنسان والجني حيث غلب فيهما الجزء الناري بالنار.
وحيث غلب فيهما الجزء النوري بالنور وهو الملك.
ثم التحق النور بالإنسان الكامل وظهرت حقيقة ختمه للعالم النوراني.
(وانتقل الأمر إلى الآخرة وكان ختمة على خزانة الآخرة)، فبنوره على خزانة العالم النوري وبناره على خزانة العالم الناري والنار نور متراکم وهو شوق الإنسان الكامل إلى ربه في وقت زیادة قربه.
والشوق شيئان لذة وألم فاللذة في الجنة والألم في النار (ختمة أبدية) لا نهاية له وقد ظهر سر هذا الختم على خزانة الآخرة في الدنيا .
كما قال تعالى : "كان الناس " 213 سورة البقرة . أي المكلفون وغيرهم "أمة واحدة " 213 سورة البقرة .
لا يوصفون بإيمان ولا كفر ولا طاعة ولا معصية لأن ذلك معروف شرعا الا عقلا.
فبعث الله النبيين يفرقون ویمیزون بنفس تبليغهم عن ربهم. فمن صدقهم آمن ومن كذبهم كفر.
والمصدق لهم إن تبعهم أطاع وإن خالفهم عصی، وليس لهم من الأمر شيء.
وإنما كانوا مبشرين من صدقهم واتبعهم بالدرجات النورية، ومنذرين من كذبهم وخالفهم بالدركات النارية.
وعلى قدمهم جميع الورثة لهم إلى يوم القيامة، فقد ظهر في الدنيا کيفية ختمهم على جميع الخزائن في الآخرة.
ثم لما علمت وتقرر عندك أن الإنسان الكامل مخصوص بظهور الروح الأمري فيه دون غيره من العالم. 
فاعلم أن هذا الروح الأمري هو ظهور الصورة الإلهية التي هي ليست بكيفية ولا هيئة ، وإنما هي مجموع صفات قدسية وأسماء غيبية تنزيهية .
ولهذا قال : (فظهر جميع ما في الصورة الإلهية) المنزهة عما نفهم أو نعقل من جميع التصورات (من الأسماء) الغيبية بيان لما في الصورة الإلهية.
(في هذه النشآت الإنسانية) الكاملة (فحازت) هذه النشآت المذكورة (رتبة الإحاطة والجمع لهذا الوجود)، کله أعلاه وأسفله .
فجمع بروحه الأمري المنفوخ فيه حضرة التجلي الذاتي الإلهي، وأحاط بجميع التجليات الصفاتية والاسمائية من حيث إمداده الأبدي.
وجمع بنفسه وجسمه بين جميع النفوس الفلكية والحيوانية وأحاط بجميع ذلك علما فهو المضاهي بباطنه للحضرة الإلهية.
وبظاهره للحضرة الكونية فيستمد من الله تعالى ويمد الكون.
فهو البرزخ بين الحق والخلق (وبه)، أي بهذا الإنسان الكامل (قامت الحجة الله تعالى على الملائكة).
لما قال لهم: "إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك و نستغفر لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون" 30 سورة البقرة .
ثم إنه تعالى أظهر لهم ما لا يعلمون.
فخلق آدم عليه السلام ونفخ فيه من روحه الأمري وعلمه الأسماء كلها وأقام عليهم الحجة بذلك.
فاعترفوا بعد ذلك بالحق و"قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا " 32 سورة البقرة. 
وكان ينبغي لهم أن يقولوا ذلك من أول الأمر قبل طعنهم ومدح أنفسهم لمن يعلم ما لا يعلمون.
ولكن إنما ظهر منهم ما هم فيه من القصور عن المرتبة الآدمية الكاملة.
كما سبق أنهم بمنزلة قوى جسد العالم وكل قوة منها محجوبة بنفسها ألا ترى أفضل من ذاتها إلى آخره .
ولولا عصمة الله تعالى وحفظه للملائكة لجحدوا وعاندوا كما جحد إبليس.
وعاند وجحدت أولاده وعاندت إلى يوم القيامة.
يتبع الجزء الثاني 
.
.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 13:50 عدل 1 مرات
avatar
عبدالله المسافر
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 1281
الموقع : https://almossafer1.blogspot.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

https://almossafer1.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي :: تعاليق

avatar

مُساهمة في الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 13:42 من طرف عبدالله المسافر

.1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي

الجزء الثاني 
فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك، وانظر من أين أتى على من أتي عليه.
فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، و لا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، و ليس للملائكة جمعية آدم، و لا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، و سبحت الحق بها و قدسته، و ما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها و لا قدسته تقديس آدم. 
فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أ تجعل فيها من يفسد فيها»30 سورة البقرة.
.
(فتحفظ) يا أيها السالك في طريق الله تعالى واحترز من الوقوع في مثل ذلك من الطعن في غيرك ولو بقلبك .
حيث أمرك الله تعالى بالسجود التعظيمي الاحترامي الأحد من الكاملين وإن كنت في التقوى والديانة مثل الملائكة المعصومین.
فلا تغتر بذلك واحترز من مدح نفسك بالنظر إلى أكمل منك.
وإن وقعت في شيء من ذلك فتدارك نفسك بالتوبة منه والسجود في الحال لما أنت مأمور بالسجود له من أهل عصرك سجود الإنصاف والاعتراف بالحق.
ولا تجحد وتعاند كما جحد إبليس وعاند فيطردك الله عن حضرته ويلعنك كما لعن غيرك قبلك .
واعلم أن الملائكة ما طعنت في آدم عليه السلام كما طعن فيه إبليس ولا مدحت نفسها كما مدح إبليس نفسه.
وإلا لما وفقت الملائكة للسجود لآدم وانجبر بذلك نقصانهم عند الله تعالى.
وبيان ذلك أن الملائكة طعنت في آدم عليه السلام قبل أن يخلقه الله تعالى ويظهره في هذا العالم وقبل أن يعلمه الأسماء ويفضله عليهم.
فطعنهم في الحقيقة ليس في شخص معين موجود في الخارج، وإنما كان طعنهم في شخص مفروض وجوده على حسب ما استعدوا له من إدراكه.
ثم لما خلقه الله تعالى و أنبأهم بالأسماء أذعنوا للحق و انقادوا له فجبر السجود ما وقعوا فيه من الذلة ولم يصروا وبادروا بالمطلوب .
وأما إبليس فقد طعن في آدم عليه السلام بعد أن خلقه الله تعالى وأظهر فضيلته بین الملأ الأعلى بالإنباء بالأسماء ومدح نفسه.
فقال : "أنا خير منه"  فقد وصلته فضيلة عن الله تعالى وكذب فلم ينلها .
كما قال عليه السلام: "من بلغه عن الله فضيلة فلم يصدق بها لم ينلها" أخرجه السيوطي في الجامع الصغير ، فاحذر أن يكون طعنك كطعن إبليس فإنك تشقى شقاء الأبد.
وإذا كان طعنك كطعن الملائكة نقصت درجتك عن درجة من طعنت فيه.
فقط إن انقادت له ظاهرا وباطنا استمطرت سماء إلهاماته ، فتأمل قبل الموت على الباطل.
فقد وعظك الله تعالى (بغيرك)، في واقعة آدم والملائكة وإبليس التي قصها الله عليك في القرآن العظيم فاعتبر بها.
(وانظر من أين أتى) بالبناء للمفعول (على من أتى)، بالبناء للمفعول أيضا (عليه)، وهم الملائكة وإبليس فإنهم تداركوا أمرهم فنجوا، وفرط إبليس فهلك.
وكان سبب ذلك القياس العقلي:
فقاست الملائكة آدم عليه السلام على من كان قبله في الأرض فأخطأوا.
وقاس إبليس أيضا آدم عليه السلام على مقتضى ما يظهر من الطين الكثيف بفكره ونظره فأخطأ .
(فإن الملائكة لم تقف)، أي تطلع فتتأدب (مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة) من جمعية الكمال الذي عنده .
فإن الخليفة يحتاج أن يكون جميع حاجات من جعل مستخلفة عليهم.
وقول الله تعالى : "إني جاعل في الأرض خليفة " 30 سورة البقر.
يؤذن بذلك الهم الكمال (ولا وقفت)، أي الملائكة.
(مع ما تقتضيه حضرة الحق) سبحانه (من العبادة الذاتية) التي أشارت إليها الملائكة بعد أن تعلمتها من آدم عليه السلام بقولها : "سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، سبحانك ما عرفناك حق معرفتك". حديث الطبراني.
(فإنه ما يعرف أحد من الحق) تعالى (إلا ما تعطيه ذاته)، من المعرفة، بالله تعالى عند خلقه ظهورات مختلفة بعدد استعدادات الخلق.
وكلها ظهورات الحق تعالى، وكلها تنزه الحق تعالى عنها.
فهو الغيب المطلق من حيث هو على ما هو عليه، وهو الحاضر المشهود على كل حال من حيث استعدادات الخلق لمعرفته.
فكل استعداد فيه معرفة خاصة بشهود لله تعالى مخصوص، والأمر أن جاء بهما الشرع التنزيه والتشبيه معا لا أحدهما كما سيأتي إن شاء الله .
وليس للملائكة جمعية آدم عليه السلام لجميع الأسماء الإلهية بحقيقته الإنسانية فإن كل ملك من حضرة اسم إلهي خاص.
وإن جمع كل اسم لجميع الأسماء في اطلاع الكامل لكن لا يلزم من ذلك الاطلاع من القاصر عليه.
فإن الكامل يرى في القاصر من الكمال ما لا يراه القاصر من نفسه ولهذا كان قاصرا، وكان صاحب الاطلاع کاملا .
قال تعالى: "هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب " 9 سورة الزمر. 
وقال تعالى : "ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت" 3 سورة الملك.
فإن كل ذرة من ذرات العالم على الكمال المطلق والجمعية الكبرى، ولكن اطلاع كل ذرة على نفسها وعلى باقي الذرات يتفاوت ويختلف بالكشف والاستتار.
وهذا مفتاح باب معرفة الكمال والنقصان في العالم (ولا وقفت الملائكة مع) جميع (الأسماء الإلهية).
التي كشف عنها لآدم عليه السلام (إلا) الأسماء (التي تخصها) مما هي من آثار تجلياتها (وسبحت الحق) تعالى (بها وقدسته) عن مشابهة الأغيار.
فإن كل اسم إلهي يقتضي تسبیح الله تعالی خاصة صادرة من حضرة ذلك الاسم بلسان أثر تجليه الخاص.
واختلفت الأسماء فاختلفت التجليات فاختلفت الآثار فاختلف التسبيح والتقديس، فأظهر كل أثر ما استعد له من ذلك .
كما قال تعالى : "وإن ممن شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم" 44 الإسراء.
(وما علمت)، أي الملائكة (أن الله تعالی أسماء) أخر غير الأسماء التي سبحت الله تعالى بها وقدسته.
(ما وصل علمها إليها) لعدم جمعها لها (فما سبحته) تعالی (بها ولا قدسته) .
وتلك الأسماء الأخر التي ما وصل علم الملائكة إليها هي التي وصل علمها إليها على معنى ما وصل علم كل الملائكة إلى كلها.
وإلا فإن جميع أسماء الله تعالی ظهرت بظهور الملائكة، وسبحت بها ربها وقدسته، ولم يتعطل اسم من الأسماء.
و يحال ذلك، ولكن من قبيل مقابلة الجمع بالجمع، و انقسام الآحاد على الآحاد، فكل ملك يسبح باسم إلهي خاص لا يعرف التسبيح بغيره.
مع أن كل اسم جامع لكل اسم كما مر ولكن جمعة خفية لا يتنبه له إلا الكامل دون القاصر.
فكل ملك يعلم اسما واحدا إلهيا فهو محجوب به عن غيره من الأسماء.
حتى أن الاسم الغفور والعفو والتواب ونحوها من الأسماء كانت للملائكة قبل آدم أيضا.
لأن القصور في التسبيح ببعض الأسماء دون بعض غير لائق بالله تعالى.
فهو معصية مغفورة معفو عنها وصاحبها معترف بقصوره عن إدراك حقيقة التسبيح.
فهو تائب وإن لم تشعر الملائكة بذلك لخفائه فيها حتى تفصل بآدم عليه السلام وتبين واتضح فزال عنه الخفاء.
ولهذا كان آدم عليه السلام جلاء مرآة العالم كما سبق.
ثم إن آدم عليه السلام جمع لكل الأسماء المتفرقة في الملائكة.
ولهذا قال تعالى : " يا آدم أنبئهم بأسمائهم" 33 سورة البقرة.
أي بأسمائهم التي يسبحون الله تعالى بها ويقدسون، وقد كان كل واحد منهم يجهل الكل فعلم ما لم يعلم (فغلب عليها)، أي على الملائكة.
(ما ذكرناه) من عدم وقوفها مع ما تعطيه النشأة الخليفة وما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية وعدم جمعيتها للأسماء الإلهية التي في آدم عليه السلام غير ما يخصها منها .
(وحكم عليها هذا الحال) المفهوم من جملة ما ذکر فحملها على ما ظهر منها .
(فقالت : من حيث النشأة)، أي قولا يقتضيه وجودها المخصوص وتشخيصها المعين فشرحت حالها بمقالها الظهور المقول فيه لها في مرآتها على حسب استعدادها والذي قالت هو (أتجعل فيها ) 30 سورة البقرة. أي في الأرض
("من يفسد فيها") فاستفهمت بطريق النهي عما طلب الله تعالى منها التكلم فيه بحسب ما عندها .
.
و ليس إلا النزاع وهو عين ما وقع منهم. 
فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. 
فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. 
فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا لعصموا. 
ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح و التقديس. 
وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم و تسبيحه.
فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده و نتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به و حاوون عليه بالتقييد، فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال و لا نحن منه على علم فنفتضح؟ 
فهذا التعريف الإلهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء.
.
(وليس) هذا الفساد الذي قالته (إلا النزاع) مع الله تعالى.
(وهو)، أي ذلك النزاع (عين ما وقع منهم) بقولهم: ذلك اقتضته حقیقتهم القاصرة عن كمال من قالوا ذلك في حقه.
(فما)، أي الذي قالوه في حق آدم عليه السلام من نسبة الفساد في الأرض إليه (هو عين ما هم فيه) حين قولهم ذلك (مع الحق) تعالی بعد سماعهم أن ذلك المجعول في الأرض خليفة له تعالى فقد نازعوا الله سبحانه بما قالوه فيه .
(فلولا أن نشأتهم) التي خلقوا عليها من قصورها عن درجة الخليفة (تعطی ذلك) القول منهم (ما قالوا في حق آدم ) عليه السلام .
(ما قالوه وهم لا يشعرون ) بأنه فيهم لا في آدم عليه السلام .
لأنه مقتضى نشأتهم القاصرة عن نشأة آدم عليه السلام الجامعة، ولا شك أن كل من قال في غيره شيئا إنما تصور ذلك الغير أولا في مرآة استعداده ثم أخبر عنه على حسب ما وجده فيها .
فما أخبر إلا عن استعداده فالقاصر يخبر بالقصور والكامل بالكمال (فلو عرفوا نفوسهم) من حيث ما هي ناشئة في تلك النشأة المخصوصة القائمة بتجلي اسم خاص وأنها قاصرة عن النشأة الجامعة التي للخليفة.
(لعلموا ما فيهم) من القصور عن نشأة الخليفة (ولو علموا) ذلك (لعصموا)، أي لحفظوا باعترافهم بالقصور عما وقعوا فيه من الطعن فيمن هو أعلى منهم.
فإن قلت هذا الكلام يشعر بعدم عصمة الملائكة للجمع عليها.
قلت : المراد بعصمتهم المجمع عليها عصمتهم من المخالفات والمعاصي.
وكلامهم ذلك في شأن هذه الخليفة الذي لم يكن موجودة حينئذ ليس بمخالفة ولا معصية.
وإنما هو بحسب ما عندهم من العلم بمن سئلوا عنه ممن لم يعرفوا مثله قبله أبدا.
فتكلموا فيه على مقتضى ما أعطاهم استعدادهم فأخطؤوه ولو علموه لحفظوا من ذلك.
(ثم لم يقفوا مع التجريح)، أي الطعن والقدح المذكور (حتى زادوا) على ذلك (في الدعوى بما)، أي بالذي (هم عليه من التقديس) لله تعالى.
(والتسبيح) له حيث قالوا: "ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" 30 سورة البقرة.
وإنما تسبيحهم وتقديسهم بما توجه على نشأة كل واحد منهم من الأسماء كما ذكرنا (وعند آدم) عليه السلام (من الأسماء الإلهية) بطريق ظهور نشأته ، مجموعة من كل شيء وكل شيء صورة ملك سماوي.
وكل شيء أثر من تجلي اسم خاص يسبح ربه بذلك الاسم ويقدس له (ما)، أي أسماء إلهية (لم تكن الملائكة)، من حيث كل واحد منهم منفردة كما ذكرنا (مطلعين عليها) في أنفسهم ولا في غيرهم.
فإن آدم عليه السلام جمع لأثر كل اسم إلهي في نشأته المخصوصة فهو يسبح الله ويقدس له بجميع تلك الأسماء.
(فما سبحت) الملائكة (ربها بها)، أي بتلك الأسماء كلها التي في آدم من حيث كل ملك منها (ولا قدسته)، أي طهرته تقديسا صادرا (عنها) عن تلك الأسماء كلها.
مثل (تقديس آدم) عليه السلام (وتسبيحه) فإن عبادة الكامل كاملة وعبادة القاصر قاصرة.
ولهذا قال عليه السلام: «ركعة من عالم بالله خير من ألف ركعة من جاهل بالله»، والعلم بالله يتفاوت ففضيلة الركعات تتفاوت، وكذلك كل عبادة .
(فوصف)، أي حکي (الحق) تعالى (لنا) في القرآن العظيم (ما جرى) بين آدم عليه السلام والملائكة عليهم السلام وإبليس عليه اللعنة (لنقف عنده).
أي عند ما جرى فلا تتعداه بتبرئة الملائكة عما صدر منهم مما تقتضيه حقائقهم ونعترف لآدم عليه السلام بما وصفه الله تعالى من الكمال .
ونصف إبليس بما صدر منه من الكفر والعناد والجحود للفضيلة الظاهرة.
(و نتعلم الأدب مع الله تعالى) في كل مقام أقامنا فيه لا نتعداه (فلا ندعی) أبدا بألسنتنا ولا بقلوبنا (ما)، أي الكمال الذي (أنا متحققون به).
فضلا عن عدم تحققنا بذلك بأصحاب العلوم القاصرة عن مرتبة التحقيق.
(وحاوون عليه) بالاطلاع المحقق من الكتاب والسنة (بالتقييد) متعلق بالدعاوى، أي بتقييد دعوانا بذلك الذي فينا فقط.
(فكيف أن نطلق في الدعوى)، أي إطلاقا (فنعم بها ما ليس لنا) من الكمال (بحال) من الأحوال.
(وما أنا)، أي نحن (منه على علم) فنفتري بذلك على الله تعالى أنه وضع ذلك فينا ، ولم يكن وضعه على نفوسنا أن ذلك فيها وليس فيها .
والمراد بدعوى ما فينا المذمومة فضلا عما ليس فينا الدعوى الصادرة من قبل النفس الزكية لها كما.
قال تعالى : " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" 32 سورة النجم.
وأما التكلم بالله تعالى لا بالنفس في إظهار ما انطوى عليه العبد من الكمال بنية شكر نعمة الله تعالى فليس ذلك بمذموم .
كما قال تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدث" 11 سورة الضحى.
وليس ذلك مراد الشيخ قدس الله سره، لأنه سمي ذلك دعوى والدعوى لا تكون إلا بالنفس للتزكية، وغير ذلك شكر لا دعوى.
ولهذا قال : (فنفتضح)، أي بظهور عجزنا وقصورنا في الدنيا ومؤاخذتنا بذلك في الآخرة ولا افتضاح في الشكر بل فيه المزيد من النعمة .
كما قال تعالى: "لئن شكرتم لأزيدنكم" 7 سورة إبراهيم.
(فهذا التعريف الإلهي) لنا بما وقع بين الملائكة وآدم وإبليس (مما)، أي من جملة الأدب الذي (أدب الحق) تعالى (به عباده الأدباء)، أي الكاملين في أدب المعاملة معه تعالی سرا وجهرا.
(الأمناء) على أسراره ومعارفه (الخلفاء) في أرضه على كافة خلقه، ولهذا ينتفعون به دون غيرهم ممن لم يكن بهذه الصفة .
وحيث فرغ من الكلام في سر إيجاد آدم عليه السلام في هذا العالم شرع في بيان حكمة إنشاء روحه وجسده فقال:
.
ثم ترجع إلى الحكمة فتقول: اعلم أن الأمور المحلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقول معلومة بلا شك في الذهن؛ فهي باطنه لا تزول عن الوجود العيني.
ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني. 
بل هو عينها لا غيرها، أعني أعيان الموجودات العينية . 
ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها .
فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة.
وسواء كان ذلك الموجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت إذ نسبه الموقت وغير الموقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة .
.
(ثم نرجع إلى الحكمة) الإلهية في الكلمة الآدمية (فنقول) في بيان ذلك .
(اعلم) أولا أيها الطالب للتحقيق والسالك في مسالك أهل العناية والتوفيق.
(أن الأمور الكلية) لهذه الأشخاص الجزئية المحسوسة لنا والمعقولة كالألوان والصور الجسمانية في البصر إذا تشخص الإنسان شيئا من ذلك في الخارج، والأصوات على اختلافها في السمع إذا تشخص شيئا منها بعينه وهكذا سائر المحسوسات ومثلها المعقولات.
فإن كل شخص من ذلك جزئی مشهود بحاسة من الحواس أو بالعقل له أمر كلي كان ينطبق عليه وعلى كل جزئي مثله.
فجميع الجزئيات الموجودات من ذلك متشخصات في الخارج بالوجود العيني لا شبهة في ذلك . 
وأما كلياتها المنطبقة عليها كاللون الأبيض مثلا العام الكلي والصورة الفلانية العامة الكلية ونحو ذلك فإنها (وإن لم يكن لها الوجود) في الخارج.
(في عينها)، أي ذاتها الوجود العيني (فهي معقولة)، أي موجودة بالوجود الذهني (معلومة) متحققة (بلا شك في الذهن) لكن علمها في الذهن وتعلقها إنما هو في ضمن تعقل جزئي من جزئياتها على وجه عام وهذا معنى وجودها في الذهن لا في الخارج.
فيبقى تعقل ذلك الجزئي له طرفان : 
طرف يسمى فيه تعقل الجزئي.
وطرف آخر يسمى فيه تعقل الكلي.
وليس تعقل تلك الكليات في الذهن تعق عاريا عن تعقل جزئي ما من تلك الجزئيات.
وإلا لكان للكليات وجود خاص في الخارج بغير الوجود الجزئي، لأن الخارج أصل للإدراك وليس كذلك.
بل الكلي موجود في ضمن الجزئي ذهنا وخارجا وجودا محکوما به لا وجود له عين زائدة عن الجزئي.
فيتلخص من هذا أن الكليات في الذهن عبارة عن جزئیات متشخصة على وجه عام محکوم من طرف الذهن بعمومها وليس لها في الخارج وجود إلا بالوجود الجزئي فقط من غير حكم بالعموم بل بالخصوص.
(فهي)، أي الأمور الكلية التي لا وجود لها في غير الذهن (باطنة لا تزال) أبدا (عن الوجود العيني) كمن تعقل الإنسان الكلي العام في ذهنه ، فإنه يتعقل شخصا جزئية محكوم عليه من طرف الذهن بالعموم وعدم الخصوص.
على معنى عدم إرادة شخص معين في الخارج، وإلا لكان هذا هو التعقل الإنسان الجزئي .
ثم إن هذا الإنسان الكلي المتعقل في الذهن على الوجه المذكور لا وجود له في الخارج أبدا.
وإنما هو موجود في الذهن فقط لا يزال باطنا عن الوجود الخارجي غير ظاهر له (ولها)، أي لتلك الأمور الكلية الباطنة عن الوجود العيني (الحكم)، أي التحكم والإلزام بالمطابقة (والأثر)، أي التأثير الخاص (في كل ما)، أي شيء من الجزئيات التي في الخارج.
(له)، أي لذلك الشيء الجزئي (وجود عيني) خارجي كالإنسان المتشخص في الخارج.
فإنه فرع من فروع الإنسان الكلي الذهني.
محكوم عليه من طرف ذلك الكلي بالإنسانية عند ظهوره للذهن.
وقد أثر فيه ذلك الكلي المتشخص الجزئي في الذهن (بل هو)، أي ذلك الجزئي الذي له وجود عيني في الخارج (عينها)، أي عين تلك الأمور الكلية (لا غيرها)، إذ تلك الأمور الكلية هي جزئيات متشخصة في الذهن محكوم عليها بالعموم كما ذكرنا.
فهي عين تلك الجزئيات المتشخصة في الخارج ما عدا الحكم فيها بالعموم المذكور، ثم فسر الضمير المفرد لقوله (أعني)، أي اقصد 
بقوله : هو بصيغة الإفراد (أعيان الموجودات) بالوجود الخارجي (العينية) الموجودة في عينها التي هي جزيئات لتلك الكليات.
فإنها عينها في حقيقة الأمر لولا الحكم بالعموم في الكليات وبالخصوص في الجزئيات (و) مع ذلك فالكليات الذهنية (لم تزل عن كونها) أمورا (معقولة في نفسها).
وإن كانت عين الجزئيات الخارجية باعتبار وجود التشخص الذهني المحكوم بعمومه ذهنا كما مر. 
(فهی) أي تلك الأمور الكلية المعقولة في الذهن فقط (الظاهرة) للعيان (من حيث) إنها هي (أعيان الموجودات) الظاهرة بالاعتبار المذكور (كما هي الباطنة) أيضا عن العيان (من حيث معقوليتها).
أي كونها معقولة في الذهن أبدا لا تبرز منه مطلقا، إذا علمت هذا (فاستناد)، أي نسبة (كل موجود عینی) جزئی خارجی إنما هو (لهذه الأمور الكلية)، بحيث إن هذه الأمور الكلية منطبقة على هذه الجزئيات الخارجية انطباق لا يتحول أبدا ولا يتغير.
كانطباق الشيء على نفسه من غير شبهة ولا شك، ثم وصف الأمور الكلية بقوله:
(التي لا يمكن رفعها)، أي إزالتها (عن العقل) بحيث تبرز بذاتها إلى الخارج وإن كانت هي بعينها هذه الموجودات العينية التي في الخارج كما سبق.
(ولا يمكن وجودها ) أيضا في العين الخارجية (وجودا تزول به عن أن تكون) في نفسها أمورا (معقولة وسواء كان ذلك الموجود العيني) الخارجي (موقتا) وجوده بوقت کالحادث المخلوق (أو غير موقت) بوقت كالقديم .
(فإن نسبة) الموجود العينى (الموقت) بوقت (وغير الموقت) بوقت (إلى هذا الأمر الكلي) الذهني (المعقول نسبة واحدة)، لا تفاوت فيها على معنى أنه ليس غير الموقت أحق باسم هذا الكلي المنطبق عليه من الموقت، بل هما مشتركان في الانطباق عليهما من غير تفاوت بينهما .
.
غير أن هذا الأمر التي يرجع إليه حكم من الموجودات العينية بحسب ما تطلبه حقائق تلك الموجودات العينية، كنسبة العلم إلى العالم والحياة إلى الحي. 
فالحياة حقيقة معقولة والعلم حقيقة معقولة متميزة عن الحياة كما أن الحياة متميزة عنه. 
ثم تقول في الحق تعالى : إن له حياة وعلما فهو الحي العالم.
ونقول في الملك : إن له حياة وعلما فهو الحي العالم .
وتقول في الإنسان: إن له حياة وعلما هو الحي العالم.
وحقيقة العلم واحد، وحقيقة الحياة واحدة، ونسبها إلى العالم والحي نسبة واحدة. ونقول في علم الحق: إنه قديم.
وفي علم الإنسان: إنه محدث. 
فانظر ما أحدثته الإضافة من الحكم في هذه الحقيقة المعقولة .
وانظر إلى هذا الارتباط بين المعقولات والموجودات العينية . 
فكما حكم العلم على من قام به أن يقال فيه إنه عالم , حكم الموصوف به على العلم بأنه حادث في حق الحادث ، وقديم في حق القديم، فصار كل واحد محکوما به و محكوم عليه.
.
(غير أن هذا الأمر الكلي) المعقول في الذهن (يرجع إليه حكم من الموجودات العينية)، يخصصه بما يميزه عن غيره .
(بحسب ما تطلبه)، أي تقتضيه في نفسها (حقائق تلك الموجودات العينية)، فيصير ذلك الأمر الكلي محكوم عليه بالحدوث من طرف الجزئي الحادث, ومحكوما عليه بالقدم من طرف القديم.
فيتميز باعتبار جزئياته الحاكمة عليه بمثل ذلك (كنسبة العلم) الكلي إذا نسب (إلى العالم) القديم أو الحادث .
فإنه يحكم عليه بقدم أو حدوث (و) كذلك (الحياة) الكلية إذا نسبت (إلى الحي) القديم أو الحادث حكم عليها بقدم أو حدوث، وهكذا جميع الأمور الكلية .
(فالحياة) الكلية (حقيقة) واحدة (معقولة) في الذهن .
(والعلم) الكلي أيضا حقيقة واحدة (معقولة) ذهنا (متميزة) في نفسها (عن الحياة كما أن الحياة) أيضا (متميزة عنه)، أي عن العلم (ثم نقول) بعد ذلك في إظهار الحكم الذي يرجع من الموجودات العينية إلى تلك الأمور الكلية (في) جناب (الحق تعالى) وتقدس .
(إن له علما) موجودة وجودة عينية (وحياة) موجودة كذلك فهو تعالى (الحي العالم) حقيقة لا مجاز .
(ونقول) أيضا (في الملك) واحد الملائكة (إن له حياة)، موجودة وجودة عينيا (وعلما) كذلك (وهو)، أي الملك (الحي العالم)، حقيقة أيضا لا مجازا. 
(ونقول) مثل ذلك في الإنسان (إن له حياة) عينية (وعلما فهو)، أي الإنسان (الحي العالم) حقيقة أيضا.
(و) مع هذا كله (حقيقة العلم) الكلي (واحدة) في نفسها (وحقيقة الحياة) الكلية (واحدة) أيضا في نفسها.
(ونسبتهما)، أي العلم والحياة (إلى العالم والحي نسبة واحدة) أيضا.
بحيث ليس عالم ولا حي أولى بتلك النسبة من عالم آخر وحي آخر.
(و) مع ذلك (نقول في علم الحق) تعالى (إنه قدیم)، فنحكم على ذلك الكلي من طرف هذا الجزئي بحکم خاص هو القدم.
(ونقول في علم الإنسان) وكذلك الملك (إنه محدث) فنحكم على ذلك الكلي أيضا من طرف هذا الجزئي الآخر بحكم خاص غير الحكم الأول وهو الحدوث.
ومثله الحياة إذا نسبت إلى الحق تعالی كانت قديمة وإلى الإنسان والملك كانت حادثة.
فانظر بعين بصيرتك أيها السالك (إلى ما)، أي الذي (أحدثته الإضافة)، وهي نسبة الحياة والعلم إلى الحق تعالی وإلى الملك وإلى الإنسان.
(من الحكم) بالقدم في الأول و بالحدوث في الآخرين في هذه الحقيقة العلمية الكلية (المعقولة) والحقيقة الحياتية الكلية المعقولة.
(وانظر إلى هذا الارتباط) الواقع (بين المعقولات) الكلية (والموجودات العينية) الجزئية وهو الحكم من كل واحدة منهما على الأخرى.
فكما حكم العلم الكلي (على من قام به) علم جزئي بأمور جزئية (أن يقال فيه)، أي في صاحب هذا العلم الجزئي (إنه عالم) من حكم الكلي على الجزئي كذلك
(حكم) العالم (الموصوف به)، أي بذلك العلم الجزئي (على العلم) الكلي (بأنه حادث في حق) العالم (الحادث).
(وأنه قديم في حق) العالم (القديم) من حكم الجزئي على الكلي (فصار) حينئذ (كل واحد) من الكلي والجزئي في العلم وغيره محکوم به من وجه (ومحكوم عليه) من وجه آخر.
وهذا معنى الارتباط المذكور بين المعقولات والموجودات العينية.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 13:55 من طرف عبدالله المسافر

1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الجزء الثالث
ومعلوم أن هذه الأمور الكلية وإن كان معقوله فإنها معدومة العين موجودة الحكم كما هي محكوم عليها إذا نسبت إلى الموجود العيني.
فتقبل الحكم في الأعيان الموجودة ولا تقبل التفصيل ولا التجزي؛ فإن ذلك محال عليها .
فإنها بذاتها في كل موصوف بها الإنسانية في كل شخص شخص من هذا النوع الخاص لم تتفضل ولم تتعدد بتعدد الأشخاص. ولا برحت معقولة.
وإذا كان الارتباط بين من له وجود عيني وبين من ليس له وجود عيني قد ثبت، وهي نسب عدمية، فارتباط الموجودات، بعضها بعض أقرب أن يعقل لأنه على كل حال بيتها جامع وهو الوجود العيني.
وهناك فما ثم جامع وقد وجد الارتباط بعدم الجامع, فبالجامع أقوى وأحق .
.
(ومعلوم أن هذه الأمور الكلية) المذكورة (وإن كانت معقولة)، أي موجودة في العقل والذهن (فإنها معدومة العين) لا وجود لها في غير الذهن.
(وموجودة الحكم)، أي حكمها موجود بالنظر إلى جزئياتها على حسب ما ذكرنا.
(كما هي محكوم عليها إذا نسبت إلى الموجود العيني) بحسب ما سبق (فتقبل الحكم عليها) بأنها قديمة أو حادثة مثلا مع كونها معدومة العين كما ذكرنا.
(عند تحققها)، أي وجودها وثبوتها باعتبار التشخيص الخاص (في الأعيان الموجودة) في الخارج عن الذهن (ولا تقبل التفصيل) من حيث هي، كما تقبله الأعيان الموجودة المنفصلة إلى قديم وحادث مثلا .
وأما الحكم عليها بالقدم والحدوث فهو أمر طرأ عليها من قبل الأعيان الموجودة لا من جهتها في نفسها.
وهي في نفسها لا تقبل شيئا من ذلك (ولا تقبل التجزي)، أيضا أي أن يكون لها أجزاء فتكون منقسمة إلى تلك الأجزاء .
(فإن ذلك) التفصيل والتجزي (محال عليها)، لا يتصور وجوده لها (فإنها بذاتها موجودة تامة كاملة (في كل) جزئي من جزئياتها الموجودة في الخارج (موصوف بها ) ذلك الجزئي .
لم تتفصل في ذاتها بالنظر إلى تفصيل أعيانها الموجودة في الخارج، ولم تتجزأ. كذلك بالنظر إلى كثرة أعيانها الخارجية، بل هي واحدة في ذاتها وصفاتها موجودة في كل عين خارجية على التمام والكمال.
(كالإنسانية) الكلية المعقولة في الذهن، فإنها موجودة بتمامها (في كل شخص من هذا النوع الخاص)، الذي هو الإنسان والحيوان الناطق.
ومع هذا (لم تتفصل) فيه إلى إنسانية صغيرة بالنسبة إلى الصغير ولا كبيرة بالنسبة إلى الكبير (و) هكذا (لم تتعدد) أيضا (بتعدد الأشخاص) الإنسانية الكثيرة المتعددة (ولا برحت) في ذاتها واحدة (معقولة)، أي موجودة في العقل لا خروج لها منه وإن اتصفت بها جزئياتها الخارجية .
(وإذا كان) هذا (الارتباط بين من له وجود عیني)، خارجي وهو أعيان الجزئيات الموجودة في الخارج (وبين من ليس له وجود عيني) خارجي بل له وجود عقلي فقط وهو هذه الأمور الكلية الذهنية.
(قد ثبت) ذلك الارتباط وتحقق من الطرفين كما سبق، مع أن هذه الأمور الكلية لا وجود لها .
(و) إنما (هي نسب)، أي أمور موجودة بالنسبة إلى غيرها كوجود القدام والوراء بالنسبة إلى المستقبل والمستدير، وكوجود الفوق والتحت بالنظر إلى من هو فوق وتحت.
وما أشبه ذلك (عدمية) منسوبة إلى العدم لا وجود لها في نفسها، وإنما وجودها في العقل بالنظر إلى غيرها .
فإذا قطع عن غيرها انعدمت هي في نفسها ولم يبق لها وجود في العقل أيضا إذا علمت ذلك.
(فارتباط الموجودات) الحادثة والقديمة كارتباط المخلوقات بصفات الحق تعالی (بعضها ببعض) بحيث لا ينفك هذا الارتباط بينها بوجه أبدا (أقرب أن يعقل) من غير شك ولا شبهة.
(لأنه على كل حال)، من الأحوال التي توصف بها تلك الموجودات من الحدوث والقدم (بينها) أمر (جامع) يشمل الطرفين وكان مختلفة في نفسه (وهو الوجود العيني) ..
فإن جميع المخلوقات موجودة وجودا عينيا، وكذلك صفات الحق تعالی موجودة وجودة عينية أيضا.
والموصوف بها وهو الحق تعالی موجود أيضا وجودا عينيا .
وإن كان وجود عيني بحسب الموصوف به ، كما يقال بأن الظل موجود وجودا عينيا يليق به .
والعمود في الشمس موجود كذلك وجودا عينيا يليق به .
وكذلك الشمس موجودة وجودا عينيا يليق بها .
وإن كان وجود الظل الوجود العینی کلا وجود بالنسبة إلى وجود العمود الوجود العینی.
ولكن وجود هذا القدر المشترك بينها وهو مطلق الوجود العيني کافي في إثبات الأمر الجامع بينها .
(وهناك) يعني في ارتباط الكليات التي هي نسب عدمية بالجزئيات الموجودة في الخارج كما سبق (فما ثم) بينها (أمر جامع) .
لأن الكليات أمور معدومة العين في الخارج والجزئيات أمور موجودة في الخارج (و) مع ذلك (قد وجد الارتباط) بينها كما ذكرنا.
(بعدم) وجود الأمر (الجامع) بينها ولم يحتج إليه لأجل الارتباط (فبالجامع أقوى وأحق) أن يوجد الارتباط .
.
ولا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه وافتقاره إلى محدث أحدثه لإمكانه ينفي وجوده من غيره، فهو مرتبط به ارتباط افتقار.
ولا بد أن يكون المستند إليه واجب الوجود؛ لذاته غنيا في وجوده في غير مفتقر، وهو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث فانتسب إليه، ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به .
.
(ولا شك أن) هذا الإنسان (المحدث قد ثبت في) العقل والنقل (حدوثه وافتقاره)، أي احیتاجه (إلى محدث أحدثه) كما برهنا عليه في كتبنا في عقائد أهل البداية (لإمكانه)، أي إمكان ذلك المحدث (في نفسه)، أي قبوله للوجود والعدم بالنظر إلى ذاته .
(فوجوده) إنما هو حاصل له (من غيره) وهو الذي أحدثه وهو القديم جل وعلا (فهو مرتبط به ارتباط افتقار) بحيث لولا الذي أحدثه لما ثبتت له عين في هذا الوجود الحادث.
ولولا هو لما كان للذي أحدثه صفة الإحداث له، فالربوبية مرتبطة بالعبودية.
لولا وجود الرب ما كان العبد، ولولا وجود العبد ما كان يسمى الرب ربا.
وهكذا باقي الصفات القديمة المتوجهة على إيجاد الإنسان وغيره، فالافتقار من الطرفين.
فالعبد مفتقر إلى الرب في الإيجاد، والرب مفتقر إلى العبد في التسمي باسم الرب.
إذ لولا العبد لما سمي الرب ربا.
لأن رب أي شيء يكون حينئذ؟.ولكن إذا كان وصف الربوبية مفتقرة إلى وصف العبودية لا يلزم أن تكون ذات الرب تعالى مفتقرة إلى ذات العبد.
إذ وصف العبودية في العبد أمر لا يفارق العبد إن وجد وإن عدم.
لأنه استعد استعداده القديم الذي ظهر له من كون الحق تعالی معلوما لنفسه بنفسه، فمن حيث إنه عالم رب، ومن حيث إنه معلوم عبد.
فافتقار الربوبية إلى العبودية افتقار الحق من كونه عالما إلى الحق من كونه معلوما ، وافتقار العبودية إلى الربوبية بالعكس من ذلك.
وأما هذه العين الظاهرة التي تسميها أهل الغفلة عبدا وعبودية فهي أمر وهمي، والعبد والعبودية وراء ذلك لأنهما أمران حقیقیان، فافهم مقصودنا ترشد إن شاء الله تعالی.
(ولا بد أن يكون) الذي أحدث هذا الإنسان المحدث (المستند إليه) هذا الإنسان المحدث في إحداثه له (واجب الوجود لذاته).
بحيث لا يتصور في العقل عدمه، لا لمجيء هذا الوجوب لوجوده من جهة غيره بل من جهة ذاته .
على معنی أن ذاته اقتضت وجوده كما شرحنا ذلك في موضعه من عقائد أهل البداية (غنيا في وجوده بنفسه)، لا في أوصافه بل هو في أوصافه مرتبط مع عبده ارتباطا من الطرفين كما بينا.
(غير مفتقر) في وجوده إلى إيجاد غيره له، كما أن العبد غير مفتقر في عدمه الذاتي إلى إعدام غيره له وافتقاره إنما هو في أوصافه للارتباط المذكور.
فالرب هو الموجود الحق والعبد هو المعدوم الصرف .
والصفات الثابتة لكل واحد منهما مرتبطة من الطرفين .
والمراد بالصفات في الرب ما زاد على ذاته الموجودة .
وفي العبد ما زاد على ذاته المعدومة.

(وهو)، أي ذلك الواجب الوجود هو (الذي أعطى الوجود) الثابتة له (بذاته) لا بغيره كما ذكرنا لهذا الإنسان (الحادث فانتسب) بسبب ذلك هذا الإنسان الحادث (إليه).
أي إلى من أعطاه الوجود فصار موجودة به، كما أن هذا الإنسان الحادث أعطى الإتصاف بالأوصاف الثابتة له ذلك الإتصاف لغيره بذاته لا بغيره لواجب الوجود.
فانتسب إليه واجب الوجود حيث صار به، إلهه وخالقه وهاديه إلى غير ذلك.
كما صار هو عبده ومخلوقه ومرزوقه ومهديه ونحو ذلك.
فلولا الرب ما وجد العبد، ولولا العبد ما وصف الرب بالأوصاف ، فالوجود من الرب والأوصاف من العبد.
(ولما)، أي حين (اقتضاه)، أي اقتضى واجب الوجود لهذا الإنسان الحادث بمعنی طلبه من الأزل (لذاته)، حتى يصير بسبب ذلك موصوفة عند ذاته بالأوصاف
كان ذلك الإنسان الحادث (واجب) وجوده (به)، أي بمن اقتضاه لذاته وهو واجب الوجود.
.
ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته ؛ اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة.
ما عدا الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح للحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه .
ثم ليعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه تعالى أرانا آیاته فيه .
فاستدللنا بنا عليه ؛ فما وصفناه بوصف إلآ كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الذاتي الخاص.
.
(ولما كان استناده)، أي استناد هذا الإنسان الحادث (إلى من ظهر عنه لذاته)، وهو الواجب الوجود (اقتضى) الأمر بالضرورة (أن يكون) هذا الإنسان (على صورته)، أي على صورة واجب الوجود.
ثم بين وجه كونه على صورته بقوله : (فيما)، أي في كل أمر (ينسب إليه تعالى) نسبة صادرة (من) جهة (كل شيء) وكل شيء هو هذا الإنسان الحادث كبيرا كان وهو المسمى بالعالم، فإن الإنسان الكبير كما سبق أو صغيرا وهو الإنسان الصغير وهو آدم وبنوه إلى يوم القيامة .
ثم بين الذي ينسب إليه تعالى من كل شيء بقوله : (من اسم) کالقادر والخالق (وصفة) كالقدرة والتخليق وغير ذلك مما فصلناه في عقائد أهل البداية (ما عدا الوجوب)، أي وجوب الوجود (الذاتي).
أي الذي لله تعالى من ذاته لا من غيره (الخاص) به تعالی (فإن ذلك لا يصح في) الإنسان (الحادث) أبدا.
(وإن كان) الإنسان الحادث (واجب الوجود) أيضا كما ذكرنا (ولكن وجوبه)، أي وجوب وجوده (بغيره لا بنفسه) .
فهو من جهة كون الإنسان وجوده واجبا على صورة الواجب الوجود الذاتي، ومن جهة كون وجوب وجوده بغيره ليس على صورته .
واعلم أن هذا الاقتضاء الذي اقتضاه واجب الوجود الذاتي لهذا الإنسان الحادث الذي هو واجب الوجود بغيره.
إنما هو اقتضاء ذاتي كما ذكر، والاقتضاء الذاتي هو طلب الذات حضورها عندها بطلبه هو عين ذاتها خارج عن أوصافها مثل اقتضائها لأوصافها.
فإن ذلك الاقتضاء ليس من جملة أوصافها بل هو ذاتها، وإلا لكانت أوصافها حادثة لها، لأنها مطلوبة لها حينئذ وليس كذلك بل هي قديمة أزلية .
ثم إن هذا الاقتضاء الذاتي الذي هو طلب الذات حضورها عندها اقتضى انقسام الذات إلى طالب ومطلوب وحاضر ومحضور.
ولا شيء غير الذات المقدسة فانقسمت بالضرورة إلى طالب ومطلوب وحاضر ومحضور.
وكل أمرين متقابلين لا بد أن يكون بينهما أمر ثالث فاصل بينهما ليتميز كل أمر منهما عن الآخر.
فيتم ذلك الاقتضاء المذكور، فظهرت الأوصاف الإلهية والأسماء الذاتية التي لا يبلغها العد والإحصاء من بين هذين الحضرتين القديمتين :
حضرة الطالب وحضرة المطلوب. والحاضر والمحضور.
فوصف بها الطالب باعتبار المطلوب، ووصف بها المطلوب باعتبار الطالب .
فظهر المطلوب على صورة الطالب باعتبار اتصافه بهذه الأوصاف، مع تباين الطالب والمطلوب بالنظر إلى ذات كل واحد منهما. وإن كانا كلاهما ذاتا واحدة في الحقيقة.
ولكن أين الطالب من المطلوب؟ . . وأين الفاعل من المفعول؟
فإن الأوصاف التي هي البرزخ الفاصل بين الحضرتين وإن اتصف بها كل واحد من الطالب والمطلوب حتى كان كل واحد منهما على صورة الآخر.
ولكن هي منسوبة إلى من اتصف بها، فحيث اتصف بها الطالب فهي أوصاف طالبية.
وحيث اتصف المطلوب فهي أوصاف مطلوبية، وهي على كل حال صورة واحدة اقتضتها الذات الواحدة لحضرتيها المذكورتين .
وهذا معنی اقتضاء واجب الوجود لذاته، أن يكون هذا الإنسان الحادث على صورته في كل اسم وصفة له تعالی مطلقا ما عدا الوجوب الذاتي الخاص.
فإن هذه الأوصاف إذا نسبت إلى هذا الطالب من حيث هو طالب بقي المطلوب معدوما.
إذ هو عین ذات الطالب وقد كان طالبا، واشتغل بالطالبية باعتبار اتصافه بالأوصاف المذكورة.
فلا مطلوب حينئذ، فإذا وجد باعتبار اتصافه بالأوصاف مشتقة من أوصاف الطالب المذكورة انقسمت الذات إلى طالب ومطلوب كما ذكرنا.
وانقسمت الأوصاف أيضا كذلك إلى أوصاف الطالب الأصلية وأوصاف المطلوب الفرعية.
بقي الطالب واجب الوجود لذاته والمطلوب واجب الوجود لغيره.
وذلك الغير هو الطالب فافترقا من هذا الوجه فقط واشتركا في جميع الأوصاف المذكورة ما عدا هذا الوجه فقط .
وكانت أوصاف الطالب قديمة وأوصاف المطلوب حادثة.

ولا شك أن صورة الشيء هي مجموع أوصافه وأسمائه فقط إلا ذاته.
فلهذا كان المطلوب على صورة الطالب، والطالب هو الحق تعالی والمطلوب هو الإنسان الحادث .
والظاهر الطالب هو الإنسان الحادث، لأنه المطلوب، والباطن عن المطلوب هو الحق تعالی، لأنه الطالب له، والله أعلم وأحكم.
(ثم لنعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره)، أي ظهور واجب الوجود لذاته الذي هو الحق تعالى لنا (بصورته) التي هي مجموع صفاته وأسمائه كما ذكرنا لا بذاته العارية عن جميع ذلك من حيث الغيب المطلق.
فإن الظهور لا يكون إلا باسمه الظاهر كما أن البطون باسمه الباطن .
وذاته من حيث هي غنية عن الظهور والبطون لأنهما من الأوصاف والأسماء هي الحضرة البرزخية الفارقة بين الطالب والمطلوب كما ذكرنا .
ثم إن صورته تعالى المذكورة التي ظهر بها من حيث حضرة الطالب ظهرت له أيضا من حيث حضرة المطلوب.
فكانت هي هذا الإنسان الحادث كما مر، فكان الإنسان الحادث على صورة الحق تعالى من أنه هو المطلوب، والمطلوب على صورة الطالب.
لأنه هو الطالب والذات واحدة ، لكنها الما اقتضت حضورها عندها انقسمت إلى طالب ومطلوب كما بيناه فيما مر.
(أحالنا) الحق (تعالى في العلم به على النظر في) هذا الإنسان (الحادث) الكبير الذي هو مجموع العالم كله .
حيث قال تعالى: "قل انظروا ماذا في السموات والأرض" 101 سورة يونس.
وقال: " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48)" النحل .
وفي هذا الإنسان الحادث الصغير الذي هو ابن آدم
قال تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون " 21 سورة الذاريات.
(وذكر) تعالى في القرآن العظيم (أنه أرانا آیاته)، أي علاماته المظهرة له (فيه)، أي في هذا الإنسان الكبير والصغير حيث قال تعالى :
" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)" سورة فصلت. وقد أرانا ذلك بفضله ومنه، وتبين لنا.
وقال تعالى في غيرنا : " مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) " سورة الكهف.
(فاستدللنا)، أي أقمنا الدليل (بنا)، أي بأنفسنا (عليه تعالی)، كما قال سبحانه : "من اهتدى" ، أي وصل إلينا "فإنما يهتدى لنفسه" ، أي يصل إليها .
"ومن ضل فإنما يضل عليها" 15 سورة الإسراء.أي على نفسه فلا يهتدي إليها .
وقال النبي عليه السلام : "من عرف نفسه فقد عرف ربه".
(فما وصفناه تعالی بوصف) من الأوصاف مطلقا (إلا كنا نحن ذلك الوصف) الذي وصفنا الله تعالى به.
لأننا على صورته، فوصفنا له وصفنا لنا. والصورة واحدة غير أنها إذا نسبت إليه تعالی کانت قديمة.
وإذا نسبت إلينا كانت حادثة. لأنها في نفسها هي تلك الأمور الكلية التي تقدم الكلام عليها.
وأنها واحدة لم تنفصل في ذاتها ولم تتعدد، ولكن لها حكم وارد عليها من جهة الأعيان الموجودة في الخارج فتتفصل وتتعدد باعتبار ذلك على حسب ما سبق بيانه (إلا الوجوب).
أي وجوب وجوده تعالى (الذاتي الخاص) به تعالى فلا حظ لنا فيه كما مر.
.
فلما علمناه بنا ومتا بنا إليه كل ما نسبته إلينا.
وبذلك وردت الأخبار الإلهية على البيئة التراجم إلينا.
فوصف نفسه لنا بنا : فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا وإذا شهدنا شهد نفسه .
ولا شك أنا كثيرون بالشخص والتنوع وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أن ثمة فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد.
.
(فلما علمناه) تعالى (بنا)، أي بعلمنا بأنفسنا (ومنا)، أي علمنا به تعالی ناشئة منا (نسبنا إليه) تعالى (كل ما نسبناه إلينا) من الأوصاف والأفعال والقوى الباطنة والظاهرة والأعضاء والجوارح.
ولكن على حد ما يليق بحقيقته القديمة وذاته العظيمة، لا على حد ما هو ظاهر لنا من ذلك حسين وعقلا .
(وبذلك)، أي جميع ما هو منسوب إلينا من الوجود والحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحلم والغضب والرضى والرحمة والنقمة والرأفة واللطف والمکر والاستهزاء والسخرية والضحك والفرح واليد والعين والأصابع والقدم والوجه.
وقد استقصينا ما أمكننا استقصائه من ذلك من كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم في كتاب سميناه «قلائد المرجان في عقائد الإيمان».
(وردت الأخبار الإلهية على ألسنة) جمع لسان (التراجم)، وهم الأنبياء والمرسلون صلوات الله تعالی علی نبینا وعليهم أجمعين.
(إلينا) من الله تعالى وذلك في الكتاب والسنة كما شرحناه في كتابنا المذكور .
(فوصف) الحق سبحانه وتعالى (نفسه لنا بنا)، فكنا نحن أوصافه وأسماؤه عندنا على حسب علمنا بنا لا حسب علمه بنفسه.
والوصف كلام الواصف، والفهم على قدر ما يناسب حال الموصوف له ونحن إنما تكونا وځلقنا بكلام الله تعالى كما يشير إليه الحديث القدسي.
قال تعالى : "عطائي کلام و عذابی کلام إنما أمري شيء إذا أردت أن أقول له : كن فيكون".
(فإذا شهدناه تعالى) إنما (شهدنا نفوسنا)، لأننا وصفه تعالی عندنا (وإذا شهدنا) هو جل وعلا فإنما (شهد نفسه) لأنه شهد وصفه الذي وصف به نفسه لنا، فشهودنا له على قدرنا.وشهوده له تعالى على قدره .
(ولا نشك أنا كثيرون بالشخص) كزيد وعمرو مثلا (والنوع) کالعجمي والعربي والشاب والشيخ ونحو ذلك.
(وإنا وإن کنا) في نفوسنا (على حقيقة واحدة تجمعنا) وهي الإنسانية (فنعلم قطعا) من غير شبهة (أن ثمة فارقة به تميزت الأشخاص) والأنواع (بعضها عن بعض) بحيث صار كل شخص منا متشخصا بحقيقة على حدة مستقلة بانفرادها من تلك الحقيقة الواحدة التي تجمعنا كلنا.
وهذا الاختصاص نوع من أنواع الظهور وليس هو للنوع الآخر منه (ولولا ذلك) الفارق الذي تميزت به الأشخاص (ما كانت الكثرة) للجزيئات (في) الكلي (الواحد) كما قال تعالى : "يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)" سورة النساء.
فالنفس الواحدة آدم عليه السلام وزوجها المجعولة منها حواء والناس المخلقون من هذه النفس الواحدة وزوجها هم بنو آدم إلى يوم القيامة .
.
فكذلك أيضا، وإن وصفناه بما وصف نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق.
وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه.
فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم قلا نسب إليه الأولية مع كونه الأول .
ولهذا قيل فيه الآخر فلو كانت أوليه أولية وجود التقييد لم يصمم أن يگون الآخر للمقي؛ لأنه لا آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها .
وإنما كان آخرة رجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، هو الآخر في عين أوليته والأول في عين آخريته .
.
(فكذلك أيضا) في جناب الحق تعالى (وإن وصفنا بما وصف به نفسه من جميع الوجوه)، كما ذكرنا ليدلنا عليه تعالی بنا.
(فلا بد من فارق)، موجود بيننا وبينه تعالى (وليس) ذلك الفارق (إلا افتقارنا إليه)، سبحانه وتعالى (في الوجود) وافتقاره هو جل وعلا إلينا في الأوصاف والأسماء على حد ما بيناه فيما سبق.
(و) إلا (توقف وجودنا عليه) سبحانه وتعالى، فإن وجوب وجوده تعالى بذاته ووجوب وجودنا نحن به تعالى.
(لإمكاننا)، أي قبولنا للوجود والعدم على السوية من غير ترجيح إلا بمرجح من جهة الغير (وغناه) عز وجل (عن مثل ما افتقرنا إليه) من الوجود فإنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره، وأما في أوصافه وأسمائه فهو متوقف علينا و مفتقر إلينا.
فكما أنه تعالى أعطانا الوجود فنحن أعطيناه الأوصاف والأسماء.
وربما يتلاعب بعقلك خاطر تشکل به علينا توقف الحق تعالى في الأوصاف والأسماء على غيره وافتقاره إلينا في ذلك.
فترد الحق المبين بوسواس عقلك المتمسك في دينك، فنقول لك أولم تؤمن بتعلقات أوصافه تعالى وأسمائه بآثاره.
وأن هذه التعلقات كلها أزلية، وأنها نفسية للصفات كما ذكروه في عقائد أهل البداية، والصفة النفسية، وتفارق الموصوف بها إذ لولاها لما كان الموصوف بها.
وهذا القدر كافي لك في نصرتك على وسواسك وعقلك إن كنت من أهل التوفيق في هذا الطريق.
(فبهذا)، أي بغناه تعالى على مثل ما افتقرنا إليه وهو الوجود الذاتي (صح له) تعالى دون غيره الاتصاف بوصف (الأزل والقدم) وهما بمعنى واحد، ولهذا نعتهما بطريق الإفراد .
فقال : (الذي انتفت عنه الأولية)، فإن الأزل والقدم لا أول له ثم نعت الأولية بقوله (التي لها افتتاح الوجود عن عدم) قبلها (فلا) يصح أن (تنسب إليه) تعالى (الأولية).
لأنه تعالى لا افتتاح لوجوده (مع كونه) تعالى هو (الأول) فهذا الاسم له تعالى لا يدل على افتتاح الوجود، (ولهذا قيل فيه) تعالی أيضا أنه هو (الآخر)، فإن الأول بمعنى المفتتح وجوده قبل كل موجود لا يكون أيضا هو الآخر إلا بعد اختتام جميع الموجودات والله تعالى هو الأول والآخر من الأزل قبل افتتاح الوجود واختتامه .
(ولو كانت أوليته) سبحانه وتعالى المشتقة له من اسم الأول (أولية وجود) عالم (التقييد) على معنى أنه أول كل موجود حادث (لم يصح) له تعالى (أن يكون) مع ذلك هو (الآخر) أيضا .
(للمقيد) الذي هو هذا العالم الحادث (لأنه لا آخر للممكن) الحادث (لأن الممكنات) الحادثة (غير متناهية).
فإن أمر الدنيا إذا انتقل إلى الآخرة كان أهل الجنة مخلدين في الجنة إلى ما لا نهاية له وأهل النار كذلك مخلدون في النار بلا نهاية (فلا آخر لها)، أي الممکنات الحادثة.
فلا تتحقق حينئذ آخرية الحق تعالی و آخريته متحققة ثابتة له تعالى في الأزل كما ذكرنا من اسمه وإنما كان سبحانه وتعالى (آخرا لرجوع الأمر) في هذا الوجود الحادث والوجود القديم.
(كله) روحانية وجسمانية (إليه) تعالى لا يشاركه فيه غيره.
كما قال تعالى لأفضل خلقه محمد عليه السلام : "ليس لك من الأمر شيء" 128 سورة آل عمران. وقال: "لله الأمر جميعا " 31 سورة الرعد.
وقال :"وإلى الله ترجع الأمور" 210 سورة البقرة.
(بعد نسبة ذلك) الأمر (إلينا)، في قوله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" 105 سورة التوبة.
وقوله :" بما كنتم تعملون" 105 سورة المائدة.
و تسميتنا أولي الأمر في قوله : " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم" 83 سورة النساء.
وقوله: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" 59 سورة النساء.
وقوله عليه السلام: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع" الحديث.
فهو تعالى (الأول) قبل نسبة ذلك إلينا. وهو الآخر أيضا بعد سلب تلك النسبة عنا.
وتلك النسبة مسلوبة عنا في حال نسبتها إلينا (فهو) تعالى (الآخر في عين أوليته و) هو أيضا (الأول في عين آخريته) لأن أسماءه تعالى كلها قديمة أزلية.
.
ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر و باطن فأوجد العالم عالم غیب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا .
ووصف نفسه بالرضى والغضب.
فأوجد العالم ذا خوف ورجاء نخاف غضبه وترجو رضاه .
ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمى به .
فعبر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل .
لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته .
.
(ثم لنعلم أن الحق) تعالى (وصف نفسه بعد ذلك أيضا بأنه ظاهر باطن) حيث قال تعالى: "هو الأول والأخر والظهر والباطن وهو بكل شيء عليم " 3 سورة الحديد.
(فأوجد العالم) كله (عالم غیب) عنا (و) عالم (شهادة) لنا. فغيبنا الأرواح وشهادتنا الأجسام.
(لندرك الباطن) من العالم (بغيبنا) وهو الروح (و) ندرك (الظاهر) من ذلك (بشهادتنا) وهي الجسم ولا غيب ولا شهادة بالنسبة إليه تعالى.
لأنه أخبر عن نفسه تعالى أنه عالم الغيب والشهادة، فهما عنده سواء.
وإذا استویا فلا فرق بينهما، وإذا لم يكن بينهما فرق ارتفع الأمران لارتفاع المميز لكل منهما عن الآخر.
وثبت علمه تعالى بكل شيء وإحاطته بالجميع إحاطة واحدة، ومع ذلك فهو تعالی الظاهر الباطن.
فهو الظاهر لغيره والباطن عن غيره، فلا ظاهر إلا هو ولا باطن إلا هو، ولا هو ظاهر لغيره ولا هو باطن عن نفسه.
ولما نسب سبحانه أمره إلينا كان باطنا عنا ثم لما سلب أمره عنا كان ظاهرة لنا وأمره مسلوب عنا في حال نسبته إلينا كما سبق، فهو الظاهر في عين باطنيته والباطن في عين ظاهريته .
وقوله بعد ذلك "وهو بكل شيء عليم" 29 سورة البقرة.
تنبیه منه تعالى على أن اسمه الباطن نسبة إضافية بالنظر إلينا، وأما بالنظر إليه تعالى فهو عليم بكل شيء فضلا عن علمه بذاته وصفاته فكيف يكون باطنا عنه.
ثم لما كانت هذه النسبة وهذا السلب يتعاقبان على الإنسان في كل آن في الدنيا والبرزخ في الآخرة تسمى الإنسان بما تسمى به الحق تعالى.
فكان الإنسان في حال نسبة ذلك الأمر إليه أولا، وفي حال سلب تلك النسبة عنه ثم عودها إليه آخر.
مع أنها منسوبة إليه أيضا في حال سلبها عنه، لأن هذه النسبة حكم إلهي وأحكام الله تعالى لا تتغير لكنها تنسخ ويؤتي بعدها بمثلها.
كما قال تعالى : " ما ننسخ من آية أو ننسها " 106 سورة البقرة.نأت بخير منها.
يعني من جهة رفعة المقام، أو مثلها من جهة المساواة، فالإنسان حينئذ هو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته.
وكذلك هو الظاهر في حال تلك النسبة إليه، والباطن في حال سلبها عنه، وسلبها عنه كائن معها على كل حال، فهو الظاهر في عين باطنيته، والباطن في عین ظاهريته.
فتقابلت الحضرتان: حضرة الحق وحضرة الإنسان.
(ووصف الحق) تعالى (نفسه بالرضى) في قوله : "رضي الله عنهم" آية 119 سورة المائدة و آية 22 سورة المجادلة و آية 8 سورة البينة و آية 100 سورة التوبة.
(والغضب) في قوله : "غضب الله عليهم " 6 سورة الفتح.
(وأوجد العالم الإنساني) وغيره (ذا خوف) من ضر أو فوات نفع (ورجاء) لنفع أو فوات ضر (فنخاف غضبه)، أن يظهر فينا أثره وهو الانتقام. (ونرجو رضاه)، أن يظهر فينا أثره وهو الإنعام.
كما جعل فينا غضبا ورضى ليخافنا غيرنا ويرجونا غيرنا أن يظهر فيه أثر غضبنا ورضانا من انتقام أو إنعام.
(ووصف) الحق تعالی أيضا (نفسه بأنه جميل)، كما ورد في الحديث : "إن الله جميل يحب الجمال".
(وذو جلال) كما قال تعالى: " ذو الجلال والإكرام " 27 سورة الرحمن.
(فأوجدنا الحق تعالى على هيبة) تجدها في قلوبنا عند ظهور جلاله لنا (وأنس) نجده في قلوبنا عند ظهور جماله لنا، وكذلك جعلنا ذا جلال و جمال ليها بنا غيرنا ويأنس بنا غيرنا.
واعلم أن الغضب والرضی حضرتان لله تعالى يظهران لأهل البداية، فيظهر بظهورهما من أهل البداية الخوف والرجاء.
والجلال والجمال حضرتان لله تعالی أيضا في مقابلة ذلك يظهران لأهل التوسط في الطريق، فيظهر لظهورهما من أهل التوسط الهيبة والأنس والقبض والبسط .
وكذلك التجلي والاستتار حضرتان لله تعالى يظهران لأهل النهاية، فيظهر لظهورهما من أهل النهاية الفناء والبقاء .
فالغضب والرضى لأهل البداية
يسمى جلالا وجمالا لأهل التوسط.
ويسمى استتارة وتجلية لأهل النهاية .
وكذلك الخوف والرجاء للمبتدئين، والهيبة والأنس والقبض والبسط للمتوسطين، والفناء والبقاء للمنتهين.
(وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى) من الإعزاز والإذلال والخفض والرفع والضر والنفع والعطاء والمنع والإحياء والإماتة، فنعز بإعزازه، ونذل بإذلاله، ونخفض بخفضه، ونرتفع برفعه، ونتضرر بضره، وننتفع بنفعه، ونفوز بعطائه ، ونحرم بمنعه، ونحيا بإحيائه، ونموت بإماتته، إلى غير ذلك من باقي أوصافه تعالى المتقابلة.
(و) كذلك جميع ما (يسمى به) تعالى من المعز، والمذل، والخافض، والرافع، والضار، والنافع، والمعطي، والمانع، والمحيي، والمميت إلى آخره من المتقابلات.
(فعبر)، أي عبر الله تعالی بمعنی کنا (عن هاتين الصفتين) المتقابلتين والاسمين المتقابلين في القرآن العظيم (باليدين اللتين توجهتا منه) سبحانه وتعالى (على خلق) هذا (الإنسان الكامل) الذي هو آدم وبنوه إلى يوم القيامة.
فاليد اليمنى: هي ما يلائمه من ذلك كالإعزاز والمعز، والرفع والرافع، و النفع و النافع، والعطاء والمعطي، والإحياء والمحيي.
واليد الشمال : ما لا يلائمه من ذلك كالإذلال والمذل والخفض والخافض والضر والضار والمنع والمانع والإماتة والمميت إلى آخره.
فالمؤمنون غلبت عليهم اليد اليمنى فهم أهل اليمين .
والكافرون غلبت عليهم اليد الشمال فهم أهل الشمال.
والمنافقون تذبذبوا بين اليدين ولم يتمسكوا بواحدة منهما فسقطوا منهما فوقعوا تحت المؤمنين وتحت الكافرين فكانوا في الدرك الأسفل من النار.
ثم إن آدم عليه السلام لما خلقه الله تعالى باليدين معا كما قال تعالى في عتاب إبليس عن امتناعه عن السجود: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي " 75 سورة ص.
جمع في ذريته لهذه الأنواع الثلاثة : المؤمنين والكافرين والمنافقين

(لكونه)، أي الإنسان الكامل (الجامع) دون غيره من بقية العالم ما عدا جملة العالم، فإنه جامع كذلك (لحقائق العالم) الروحاني الجسماني (و) جميع (مفرداته) من الأشخاص الجزئية .

.
فالعالم شهادة والخليفة غيب، ولهذا يحجب السلطان.
و وصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية وهي الأجسام الطبيعية الكثيفة ؛ والنورية وهي الأرواح اللطيفة والعقول والقوس وعالم الأمر والإبداع .
فالعالم بين كثيف ولطيف، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه.
فلا يزال في حجاب لا يرفع، مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره إليه.
ولكن لا حظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق، فلا يدركه أبدا، فلا يزال الحق من هذه الحيثية غير معلوم علم ذوق وشهود، لأنه لا قدم للحادث في ذلك .
(فالعالم) الذي هو الإنسان الكبير كله (شهادة) بالنسبة إلى جميع ما فيه.
(والخليفة) وحده الذي هو هذا الإنسان الصغير (غيب )عن أهل الشهادة الذين هم جميع العالم.
فلا يعرفه أحد من جملة العالم إلا بما هو عليه ذلك الأحد من الكمال أو النقصان، وأما هو فيعرف نفسه ويعرف ربه ويعرف غيره من أهل الكمال ومن أهل النقصان وليس معه في رتبته غيره.
لأن الخليفة واحد غير متعدد في هذا العالم.
والمراد الخليفة الكامل على جميع العالم الذي على قدم آدم عليه السلام، وإلا فكل واحد من بني آدم مستخلف في الأرض على طرف من الأشياء ولو ثوبه الذي يلبسه وداره التي يسكنها كما قال تعالى: "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه " 7 سورة الحديد.
وغير الكامل من الخلفاء قاصرون عنه ولو بشيء واحد من العالم يمسك عنه مفتاح ذلك الشيء، فلا يملكونه لتحفظ على ذلك الكامل رتبته.
وهو واحد في كل زمان إلى يوم القيامة، وجميع الخلفاء في مشارق الأرض ومغاربها عاملون على ما تحت يديهم مما هم مستخلفون فيه من جهة هذا الخليفة الواحد الكامل.
فإذا مات تولی بعد مرتبته من قاربه في المقام، وله العزل لجميع عماله، وله التولية على كل حال.
وذكره الله قالا وحالا، ولا يخرج عن التبعية له إلا الأفراد من أهل الله، لأن ذكرهم هو، فهم المستغرقون في الهوية الإلهية.
فإذا رجعوا إلى حسهم وصحوا من جمعهم دخلوا تحت حكمه وتصرف فيهم بحسب ما استعدوا له من كمال أو نقصان كباقي الخلق.
ولا يعرفه من جميع الخلق أحد، وإنما يستمدون منه من غير معرفة له على حسب مراتبهم الكمالية والنقصية.
وفي ظنهم أنهم يستمدون من الحق تعالی بلا واسطة، وهو جهل منهم بما الأمر عليه، وربما عرف استمداده منه بعض أهل الله تعالى أصحاب المقامات، وربما جهل ذلك بعضهم وإن كان في مقام القرب.
ولو شئنا لشرحنا کيفية إمداده لجميع العالم، وبنيا ما به الإمداد منه، وفرقنا بينه وبين سائر أهل الله تعالی أصحاب المناصب:
کالأقطاب والأئمة والأوتاد والأبدال والنجباء والنقباء، وذكرنا رقائقهم المتصلة به اتصال الشعاعات في أقطار الأرض بقرص الشمس.
إلى غير ذلك من أحواله ومقاماته ومكانه وزمانه، واسمه ورسمه، ولكن نخرج بذلك عن صدد ما نحن بصدده من هذا الشرح المختصر.
وإن فسح الله في الأجل ويسر في العمل جعلت ذلك في كتاب حافل و ببيان أكثر مما ذكرت كافل.
(ولهذا)، أي لكون الخليفة الكامل في رتبة الخلافة غيب عمن سواه (يحجب السلطان) من سلاطين الدنيا بالوزراء والعمال والأعوان والجنود والعساكر (ووصف الحق) تعالى (نفسه بالحجب الظلمانية) على أهل الغفلة .
(وهي)، أي الحجب الظلمانية (الأجسام الطبيعية الكثيفة) المركبة من الطبائع الأربع المتكاثفة إلى العناصر الأربعة (و) بالحجب (النورية) أيضا ف عن أهل اليقظة .
(وهي)، أي الحجب النورية (الأرواح اللطيفة والعقول والنفوس وعالم الأمر والإبداع) المنبعثة عن النور الأول بلا واسطة.
وهذه الحجب وردت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات نور وجهه ما أدركه بصره من خلقه».
وورد في حديث آخر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سألت جبرائیل: هل ترى ربك قال : إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور لو رأيت أدناها لاحترقت».
وفي حديث آخر: «إن دون يوم القيامة سبعين ألف حجاب».
وحقيقة الحجاب في حق الله تعالى كمال النور الحقيقي فإن الخفافيش إذا نظرت إلى نور الشمس لم تدرك منها غير الظلمة في بصرها فتحجب عنها الشمس بما أدركته من الظلمة.
والشمس غير محجبة عنها في الحقيقة بل هي منحجبة عن الشمس بضعف بصرها كما قال تعالى : "إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" 15 سورة المطففين .
وانقسمت الحجب إلى ظلمانية ونورانية باعتبار قرب الحجب إلى الله تعالی وبعدها عنه .
فعالم الأنوار الذي هو عالم الأرواح حجبه قريبة إلى الله تعالى لظهوره عنه تعالی بلا واسطة بينه وبينها سوى الأمر الأقدس.
كما قال تعالى : "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " 85 سورة الإسراء.
و عالم الظلمات الذي هو عالم الأجسام بعيد عن الله تعالى لظهوره عنه تعالی بواسطة عالم الأنوار .
(و) قد خلق الله تعالى (العالم)، أي الإنسان الكبير (بین کثیف) جسمانی (و لطيف) روحانی واللطيف حجاب الكثيف.
(وهو)، أي العالم الجامع الكثيف واللطيف (عين الحجاب على نفسه) التي هي من ورائه كثيفة ولطيفة وهي حقيقة الحضرة من حضرات ربه المتجلي بها عليها (فلا يدرك الحق) تعالی أبدا مثل (إدراكه نفسه) إن أدرك نفسه.
لأن ربه محجوب عنه بنفسه، فلو زال الحجاب زالت نفسه، ولو زالت نفسه زال المذرك ، فلا مدرك فمن يدرك الحق غير الحق.
(فلا يزال) العالم (في حجاب) عن الحق تعالى (لا يرفع) عنه أبدا ما دام العالم.
فإذا زال العالم زال الحجاب والمدرك معا، وأما مع بقاء المدرك فالحجاب باقي لا يزول أبدا .
(مع علمه)، أي علم العالم (بأنه متميز) في ذاته وصفاته (عن موجوده تعالى بافتقاره) إليه.
وإن وقعت المضاهاة بينه تعالى وبين العالم في جميع ما ذكر (ولكن لا حظ له)، أي للعالم (في وجوب الوجود الذاتي الذي لوجود الحق تعالى) كما سبق ذكره.
(فلا يدرکه)، أي لا يدرك العالم الحق تعالى (أبدا)، لأنه محجوب عنه بنفسه الإلهية فلو أدركه أدرك نفسه التي في علم الحق تعالى الممدة له في هذا العالم وهي ربه .
كما قال عليه السلام: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، ولم يقل : فقد عرف الله. (فلا يزال الحق) تعالى (من هذه الحيثية) التي هي وجوب الوجود الذاتي (غير معلوم) للعالم دائما في الدنيا والآخرة (علم ذوق) کشفي (وشهود).
بل معلوم علم خیال غيبي، لأنه ليس فينا من ذلك ما تعلم به ذوق وشهودة وإنما عندنا تخيل ذلك تخيلا ممحوا بالتسليم للغيب المطلق .
ولهذا قال : (لأنه لا قدم)، أي لا مشاركة (للحادث) مطلقا (في ذلك) الأمر المخصوص بالحق تعالی وهو وجوب الوجود الذاتي.





عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 14:31 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 14:29 من طرف عبدالله المسافر

1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الجزء الرابع
.
فما جمع الله لآدم بين يديه إلآ تشریفا.
ولهذا قال لإبليس: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي" 75 سورة ص. وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين، صورة العالم وصورة الحق وهما يدا الحق.
وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية.
ولهذا كان آدم خليفة.
فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليقة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها - لأ استنادها إليه فلا بد أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه - وإلا قلي بخليقة عليهم.
.
(فما جمع الله) تعالى (لآدم) عليه السلام (بين يديه) سبحانه وتعالى القديمتين في خلقه له بهما معا (إلا تشریفا) لآدم عليه السلام وتعظيما له.
إذ ورد أنه تعالى خلق جنة عدن بيده اليمنى، وغرس شجرة طوبى بيده اليمنى، ولم يرد في شيء أنه خلقه بیدیه غير آدم عليه السلام، فقط على وجه التشريف والتعظيم له .
(ولهذا قال) جل وعلا في كلامه القديم (إبليس) عليه اللعنة (وما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) 75 سورة ص. بالتشديد تثنية يد .
(وما هو)، أي خلقه له بیدیه معا (إلا عين جمعه) تعالى له حين خلقه (بين الصورتين) اللتين هما في الحقيقة كناية عن تلك الصفتين المتقابلتين على حسب ما سبق بيانه.
(من صورة العالم)، وهي الظاهرة بالحضرتين معا :
حضرة الجلال وحضرة الجمال، وحضرة الغضب وحضرة الرضاء، وحضرة الظاهر وحضرة الباطن، وحضرة الأول وحضرة الآخر، إلى آخره.
ولكن الغالب في هذه الصورة حضرة الجلال على حضرة الجمال، وحضرة الغضب على حضرة الرضى، وحضرة الظاهر على حضرة الباطن، وحضرة الأول على حضرة الآخر.
ولهذا كانت هي اليد الشمال الغلبة ما لا يلائم فيها على ما يلائم.
وقد طرد إبليس عن الحضرة الإلهية إلى هذه الحضرة .
فقال له تعالى: "فأخرج منها فإنك رجيم " 34 سورة الحجر.
فخرج على هذه الحضرة فهي محل الرجم وموضع اللعن والطرد، فيها خلق الله النار، ويخلق كفة السيئات من الميزان.
وخروج آدم عليه السلام إليها يسمى هبوطا لا طردا كما قال تعالى له .
ولحواء: "اهبطا منها جميعا " 123 سورة طه.
وأشار تعالى إلى نوح عليه السلام بالخروج إليها من سفينته فقال له : " يا نوح أهبط بسلام " 48 سورة هود.  وذلك لأن آدم ونوح عليهما السلام لهما عودة إلى حضرتهما الأولى وصعودا إليها بعد هبوطهما منها إلى هذه الحضرة الشمالية، وليس الإبليس عليه اللعنة عود ولا صعود .
وهي محل الغين الذي كان يقول عليه السلام عنها : "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة". وفي رواية : "مائة مرة" وهي أسفل سافلين التي قال تعالى : "ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين في إلا الذين آمنوا" آية 4 - 6 سورة التين.
(وصورة الحق) تعالى وهي الظاهرة بالحضرتين أيضا معا، حضرة الجلال وحضرة الجمال، وحضرة الغضب وحضرة الرضى، وحضرة الظاهر وحضرة الباطن، وحضرة الأول وحضرة الآخر إلى غير ذلك.
ولكن الغالب في هذه الصورة حضرة الجمال على حضرة الجلال، وحضرة الرضاء على حضرة الغضب، وحضرة الباطن على حضرة الظاهر، وحضرة الآخر على حضرة الأول.
ولهذا كانت هذه الصورة هي اليد اليمنى لغلبة ما يلائم فيها على ما لا يلائم، ومنها كان هبوط آدم وحواء وإليها رجوعهما، وفيها خلق الله تعالى الجنة .
وإليها رفع إدريس عليه السلام كما قال تعالى عنه : "ورفعناه مكانا عليا " 57 سورة مريم.
وإليها رفع عيسى ابن مريم عليه السلام وهو حي كما قال تعالى عنه "بل رفعه الله إليه " 158 سورة النساء . وفيها عندية الله تعالى.
كما قال تعالى: «إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته " 206 سورة الأعراف.
ومنها خلق الله تعالى الجنة، وفيها يخلق تعالی كفة الحسنات من الميزان.
(وهما بدا الحق) تعالى، أي هاتان الصورتان هما اليدان الإلهيتان، الأولى صورة العالم، والثانية صورة الحق تعالى.
مع أن صورة العالم هي صورة الحق تعالى، لكن إما أن تكون صورة الحق تعالی بواسطة صورة العالم أو بلا واسطة صورة العالم، ولهذا ورد: «كلتا يديه يمين»، فصورة الحق تعالی بواسطة هي اليد الشمال.
وأهلها المقبوض عليهم بها هم الأشقياء، لأنها بعيدة عن الحق تعالى بسبب الواسطة، وصورة الحق تعالى هي اليد اليمين، وأهلها المقبوض عليهم بها هم السعداء، لأنها قريبا من الحق تعالی لعدم الواسطة .
(وإبليس عليه اللعنة جزء من) أجزاء (العالم)، كما أن الملائكة جزأ من أجزاء العالم أيضا كما تقدم، ومثل ذلك كل شيء ما عدا آدم عليه السلام وبنوه الكاملون.
وحيث كان إبليس جزء من العالم (لم يتحصل له هذه الجمعية) بين اليدين الإلهيتين كما حصلت لآدم عليه السلام (ولهذا كان آدم) عليه السلام (خليفة الله)، تعالى في الأرض دون إبليس عليه اللعنة لجمعه بين اليدين وإبليس لم يجمع بينهما.
(فإن لم يكن) آدم عليه السلام (ظاهرا بصورة من استخلفه) وهو الحق تعالى (فيما استخلفه فيه) وهو العالم ويكون ظاهرة بصورة العالم أيضا.
(فما هو خليفة)، لأن الخليفة يجب أن تكون صورته صورة الذي استخلفه، ليمد هو كما يمد أصله بما يمد به أصله، وأن تكون صورته صورة من استخلف عليهم أيضا حتى يعلم كيفية إيصال الإمداد إليهم .
(وإن لم يكن فيه)، أي في الخليفة أيضا (جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف)، أي استخلفه غيره (علیها) من جميع الحوائج والمصالح الروحانية والجسمانية جلية، ودفعها ضرا ونفع.
(لأن استنادها)، أي الرعایا بمعنى نسبتها (إليه) في الخير والشر، فإذا كانت في خير نسب إليه أو في شر كذلك.

(فلا بد أن يقوم)، أي ذلك الخليفة (بجميع ما تحتاج إليه) الرعية من الحوائج والمصالح كما ذكرنا (وإلا فليس بخليفة عليهم)، لعدم وجود ما يحتاجون إليه عنده ، فإذا لم توجد عنده جميع حوائجهم ومصالحهم كان مثلهم محتاجة مفتقرة إلى من عنده جميع ذلك.
فما هو بخليفة حينئذ، كما أن السلطان إذا لم تكن عنده القدرة على فصل الخصومات بين رعيته وقطع المنازعات عنهم فليس بسلطان عليهم.
إذ لا سلطنة له، والسلطان مشتق من السلطة وقد وجد فيه العجز عن ذلك، فشاركهم فيه، فكان مثلهم من جملة الرعايا .
وكذلك خليفة الحق تعالى يخلف الحق في وجود جميع الحوائج والمصالح التي للمخلوقات كلهم عنده .
كما أن جميع ذلك له وجود للمخلوقات عند الحق تعالى على التمام من غير عجز عن شيء من ذلك.
فيلزم أن يكون كذلك عند الخليفة موجودة على التمام من غير عجز عن شيء منه وإلا لم يكن خليفة، لأنه لم يخلف الحق تعالى في جميع ذلك، فهو حينئذ مثلهم من جملة الرعايا .

.
فما صحت الخلافة إلآ للإنسان الكامل.
فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوړه وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى.
ولذلك قال فيه: "كنت سمعه وبصره". وما قال: "كنت عينه وأذنه"، ففرق بين الصورتين .
وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما طلبه حقيقة ذلك الموجود .
لكن ليس لأكبر مجموع ما الخليقة .
فما فاز إلا بالمجموع.
.
(فما صحت الخلافة) التامة الكاملة من الحق تعالى على جميع المخلوقات إلا للإنسان الكامل الذي غلبت إنسانيته على حيوانيته.
وأما الإنسان القاصر الذي غلبت حيوانيته على إنسانيته، فهو خليفة على بعض المخلوقات.
ويسمى عاملا حينئذ لا خلیفة کاملا وذلك كجميع بني آدم المؤمن منهم والكافر والصغير منهم والكبير والعاقل والمجنون.
فإنه لا بد من استخلافه عن الحق تعالى الذي هو مالك للعالمين ولو على يده ورجله وسمعه وبصره.
فيقبل شيئا من ذلك بطريق النيابة عن الحق تعالى في الظاهر، وقد جعل الله تعالى الملك حكمة منه تعالى لكل أحد من بني آدم.
ولو على ثوبه الساتر لعورته نيابة على المالك الحقيقي وهو الحق تعالى.
حتى قال تعالى : "لمن الملك" 16 سورة غافر. وهم الأموال وأوجب عليهم فيها الزكاة ونحوها "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" 7 سورة الحديد. یعنی عنه تعالى، لأنه تعالى أخبر أن الملك له يوم القيامة فقال عز من قائل: " والأمر يومئذ لله" 19 سورة الانفطار.وقال تعالى : "الملك يومئذ الحق للرحمن " 26 سورة الفرقان. وقال: "مالك يوم الدين" 4 سورة الفاتحة.
وقال بعد زوال نسبة الأعمال والأملاك عن جميع بني آدم يوم القيامة بسبب موتهم الذي هو عزلهم من استخلافه لهم فيما استخلفهم فيه " إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون" 40 مريم. ولا مناقضة بين هذا وبين قوله تعالى :"أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" 105 سورة الأنبياء. لأن العباد الصالحين ما وضعوا بالعبودية وبالصلاح إلا لرجوعهم إلى الله تعالى من حيث وجود ذواتهم، وجميع أعمالهم في الباطن والظاهر.
فكان الله تعالى ظاهرة بهم عندهم، وهم ظاهرون به تعالى عند غيرهم.
وقد ورد أن: "الناس يحشرون على نياتهم" فهم عند غيرهم غير الله تعالى، وهم عند أنفسهم ظهور الله تعالى.
فإذا ورثوا الأرض يوم القيامة ، فإنما الله تعالى هو الذي ورثها، وزاد الله تعالى عليهم بأن ورث على الأرض أيضا، وهم لم يرثوا إلا الأرض فقط، لأنهم لله تعالى من حيث ظهوره لهم، لا من حيث ظهوره له تعالى.
فإن ظهوره له تعالى في جميع حضراته وظهوره لكل واحد منهم إنما هو في حضرة من حضراته دائما.
وإن تقلبوا في جميع أطوار حضراته تعالى على الأبد لا يسعون إلا حضرة بعد حضرة من تلك الحضرات.
(فأنشأ) الحق تعالى (صورته) , أي صورة الإنسان الكامل الذي هو خليفة الله
تعالى على جميع العالم (الظاهرة) وهي حقيقة جسمه ونفسه التابعة للجسم، وصورته المرسومة في هذا الوجود.
(من حقائق العالم) كله، فجسمه من جسم العالم، ونفسه من نفوس العالم (و) من (صوره)، أي صور العالم كله، فصورته صورة العالم كله سماواته وأرضه وأفلاکه وأملاكه إلى غير ذلك.
(وأنشأ) الحق تعالی أيضا (صورته الباطنة)، وهي حقيقة روحه وعقله التابع للروح، ومعلوماته المرسومة في وجوده (على) طبق (صورته).
أي صورة الحق تعالى التي هي مجموع صفاته تعالى وأسمائه وأفعاله وأحكامه كما تقدم، فروحه من صفاته وأسمائه تعالى وعقله من أفعاله تعالى ومعلوماته المرسومة فيه من أحكامه تعالى .
(ولذلك)، أي لكون صورته الباطنة على صورة الحق تعالى (قال) تعالى في الحديث القدسي الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم  (فيه)، أي في هذا الإنسان الكامل : "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته
كنت سمعه الذي يسمع به (وبصره) الذي يبصر به" إلى آخر الحديث .
"قال رسول الله : إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته". رواه البخاري"
ولا شك أن السمع والبصر من الصورة الباطنة، لأن ذلك من شعاع الروح في الدماغ لا من الصورة الظاهرة .
والأذن والعين من الصورة الظاهرة والله تعالى (ما قال كنت عينه و) لا کنت (أذنه)، فإن قلت ورد أيضا في تمام الحديث : "كنت يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولسانه الذي يتكلم به" ولا شك أن اليد والرجل واللسان من جملة الصورة الظاهرة قلت : المراد باليد والرجل واللسان هنا القوة الباطنة في هذه الأعضاء لا حقيقة هذه الأعضاء.
ولكن لما لم يكن لهذه القوة المودعة في هذه الأعضاء أسماء مستقلة غير هذه الأعضاء، عبر عنها باسم هذه الأعضاء، بخلاف الأذن والعين فإن للقوة المودعة فيهما اسمین مخصوصين هما : السمع والبصر، فعبر بذلك دون التعبير بهذين العضوين.
أو يقال هذا الحديث مشتمل على الفرق بين الصورتين في ذكر السمع والبصر، والجمع بينهما في ذكر اليد والرجل واللسان.
مثل قوله عليه السلام في بعض الأحاديث بعد ذكر اليد اليمنى وكلتا يديه يمين، ففرق وجمع يشير إلى هذا قوله: (ففرق)، أي الله تعالى (بين الصورتين)، أي صورة العالم وصورته تعالى في ذكر السمع والبصر فقط وإن جمع في باقي الحديث.
(وهكذا هو)، أي الأمر والشأن (في كل موجود من) موجودات (العالم) العلوي والسفلي، فإن الله تعالى خلقه بإحدى اليدين إما اليمين وإما الشمال (بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود) .
من الاستعداد الموضوع فيها بالتجلي الأول (لكن ليس الأحد) من العالم (مجموع ما للخليفة)، من اليدين الإلهيتين اللتين هما صورة الحق تعالی وصورة العالم.
وإن شئت قلت : صفات الله تعالى المتقابلات (فما فاز) الخليفة (إلا بالمجموع) دون غيره من العالم.
.
ولولا سريان الحق في الموجودات وظهوره فيها بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية.
ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده .
فالكل مفتقر ما الكل مستغن ... هذا هو الحق قد قلناه لا نكني
فإن ذكرت غنيا لا افتقار به ... فقد علمت الذي بقولنا نعني
فالكل بالكل مربوط فليس له ... عنه انفصال خذوا ما قلته عني
.
(ولولا سريان الحق) تعالى (في) جميع (الموجودات) العلوية والسفلية بالصورة التي هي منه تعالى اليد اليمين، ومن العالم اليد الشمال.
والذي من العالم منه تعالى، فكلتا يديه يمين عند أهل الجمع لا أهل الفرق.
وهذا السريان هو قيومية الحق تعالى لجميع العالم، وهو قيام العالم بأمر الله تعالى كما قال تعالى : " ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره" 25 سورة الروم. وهذا القيام بالروح الكل الساري في حقائق الموجودات كلها سريان الخشب في جميع صور ما جعل منه من صندوق وباب وكرسي ونحو ذلك.
والروح من الأمر قال تعالى: "وقل الروح من أمر ربي " 75 سورة الإسراء.
(فما كان للعالم وجود) البتة قال تعالى: "وكل شيء هالك إلا وجهه"88 سورة القصص. فوجه الله تعالى هو ذلك السريان المذكور في جملة الموجودات.
وأما الموجودات من جهة نفسها فلا وجود لها لأنها هالكة، أي فانية معدومة فلولا وجهه تعالى الساري في حقائقها كلها ما كانت موجودات ولا تعين لها ماهية أبدا.
(كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة)، أي الموجودة في العقل فقط (الكلية) كما سبق بيان ذلك (ما ظهر حكم) الاختصاص بالجمادية والنباتية ونحو ذلك (في الموجودات العينية) الجزئية المتشخصة في الخارج.
فإن تلك الكليات سارية في حقائق جزئياتها بحيث لم تزد تلك الجزئيات عليها غير الوجود العيني الخارجي.
ومن هذه الحقيقة التي هي سريان الحق تعالى بصفة القيومية الجامعة لجميع الصفات المتقابلات المعبر عنها بالصورة في موضع، و بالصورتين في موضع آخر، وباليدين في آخر. سریانا في جميع الموجودات .
(كان الافتقار من العالم) كله (إلى الحق) تعالى (في وجوده) كما أن الافتقار من الحق تعالى إلى العالم كله في وجوده أيضا عند العالم.
مع أن الوجود للحق تعالى وحده لا للعالم.
لكن وجود الحق تعالى لا ينفك عن إعطاء الوجود للعالم ليظهر به وجود العالم المستفاد من الحق تعالى.
لا ينفك أيضا عن إعطاء الوجود للحق تعالی ليظهر به الحق تعالی دونه (فالكل)، أي العالم والحق تعالی (مفتقر) هذا إلى هذا من وجه وهذا إلى هذا من وجه آخر، ومراد بالمفتقر من الحق تعالى رتبته لا ذاته لأنها غنية عن العالمين بحكم قوله تعالى : "الله غني عن العالمين" 97 سورة آل عمران .
ومرادنا بالمفتقر إليه من العالم الحقيقة الثابتة في علم الحق تعالى التي هي كناية عن حضرة من حضراته تعالى .
جامعة لكل حضرة من حضراته وهي العالم الظاهر في بصيرة العارف الباطن عن بصيرة الجاهل.
وأما العالم الباطن عن بصيرة العارف الظاهر في بصيرة الجاهل، فهو نفس الجاهل الظاهرة له مع جهله.
بحيث متی عرفها عرف ربه أي نفسه المتعرية عن ذلك الجهل.
فعرف العالم على ما هو عليه ، فعرف افتقار الحق تعالى إلى العالم على حد ما قلنا.
وإذا لم يعرف نفسه لم يعرف ربه فلم يعرف العالم.
ويظن أن العالم هو ما ظهر له من جهله، فتوهمه على خلاف ما هو عليه.
فحمله ذلك على عدم فهم قولنا، فجحد ما لم يفهم وأخطأ من حيث لا يشعر.
(ما الكل) المذكور (مستغني) عن الكل .
(هذا)، أي الذي ذكرته (هو الحق) الذي لا شبهة فيه عند أهل المعرفة (قد قلناه)، أي صرحنا به عند من يعرفه ولا يعرفه نطقا بالله تعالى ليضل الله تعالى به من يشاء ويهدي من يشاء (لا نكني) بسكون الكاف، أي لا نشير إليه من غير تصريح لأن کتابنا لأهل المعرفة لا لأهل الجهل.
فإن ذكرت أنا في کلامی (غنية لا افتقار به)، أبدا (فقد علمت) أنا ذلك الغني (الذي بقولنا نعني) أي نقصد، ومراده ذات الحق تعالى من حيث هي مجردة عن الأوصاف والأسماء فإنها غنية عن كل ما عداها.
وأما من حيث هي موصوفة بالأوصاف مسماة بالأسماء فاعلة بأفعال حاكمة بأحكام، فهي مرتبطة بالعالم كله، والعالم مرتبط بها ارتباطا من الأزل إلى الأبد لا ينفك البتة كما قال :
(فالكل) من حق وخلق (بالکل)، من حق وخلق (مربوط) ربط عبد برب ورب بعبد وخالق بمخلوق ومخلوق بخالق.
وهكذا إلى آخره من جميع الأوصاف والأسماء والأفعال والأحكام (فليس له)، أي للكل (عنه)، أي عن الكل (انفصال) بوجه من الوجوه في الأزل والأبد.
فإن قلت: كيف هذا الارتباط في الأزل والعالم غير موجود فيه، لأنه حادث وليس بقديم.
قلت : بل العالم الذي يعرفه العارف قدیم لا حادث.
وهو موجود كله بلا ترتيب ولا تقديم ولا تأخير. وليس فيه الجزء مقدمة على الكل.
ولا خلق آدم عليه السلام فيه مقدما على خلق جميع ذريته إلى يوم القيامة .
وليس يوم القيامة فيه متأخرا عن يومنا هذا.
وليس له وجود مع الله تعالی غیر وجود الله تعالى.
لأن وجوده بالله تعالى لا بنفسه حتى يكون له وجود غير وجود الله تعالى.
وأما العالم الذي يعرفه الجاهل، فإنه حادث مترتب بعضه على بعض ، وفيه التقديم والتأخير.
وهو موجود مع الله تعالى وجودا آخرا غير وجود الله تعالی وذلك حقيقة جهل الجاهل رآها في مرآة حقيقة العالم.
فانحجب بها عن حقيقة العالم ثم قال : (خذوا)، أي تناولوا بأيدي أذواقكم (ما)، أي الذي (قلته) في الكلام من الحق المبين عند أهله (عني) والله يتولى هدى من أراد بمحض فضله .
.
فقد علمت حكمة نشأة آدم أعني صورته الظاهرة.
و قد علمت نشأة روح آدم أعني صورته الباطنة، فهو الحق الخلق.
و قد علمت نشأة رتبته و هي المجموع الذي به استحق الخلافة.
فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني.
و هو قوله تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء» 1 سورة النساء.
فقوله : اتقوا ربكم اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، و اجعلوا ما بطن منكم، و هو ربكم، وقاية لكم.
فإن الأمر ذم و حمد: فكونوا وقايته في الذم و اجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين.
ثم إنه سبحانه و تعالى أطلعه على ما أودع فيه و جعل ذلك في قبضتيه:
القبضة الواحدة فيها العالم، و القبضة الأخرى فيها آدم و بنوه. و بين مراتبهم فيه.
.
(فقد علمت) مما ذكرناه يا أيها المريد (حكمة نشأة جسد آدم) عليه السلام (أعني صورته الظاهرة وقد علمت) أيضا حكمة (نشأة روح آدم) عليه السلام (أعني صورته الباطنة فهو).
أي آدم عليه السلام حيث جمع بين صورة الحق تعالى بباطنه وصورة العالم بظاهره (الحق) من حيث الباطن على التنزيه (الخلق) من حيث الظاهر على التشبيه .
(وقد علمت) أيضا نشأة (رتبته)، أي آدم عليه السلام (وهي المجموع) له فيها بين اليدين الإلهيتين (الذي به)، أي بذلك المجموع (استحق الخلافة) عن الحق تعالى في الأرض.
(فآدم عليه السلام هو النفس الواحدة)، أي المنفردة بالكمال الإنساني دون نفوس بقية العالم كله.
(التي خلق) بالبناء للمفعول، أي خلق الله تعالى (منها) جميع أشخاص (هذا النوع الإنساني) كلهم (وهو)، أي ما ذكرناه (قوله تعالى) في القرآن العظيم (" يا أيها الناس") الخطاب للمؤمن والكافر والمنافق ("اتقوا ربكم") بالإحسان والإيمان والإخلاص ("الذي خلقكم") قدركم ثم أوجدكم طبق ما  قدرکم ("من في واحدة ") وهي آدم عليه السلام ("وخلق منها ")، أي من تلك النفس الواحدة (" زوجها") وهي حواء ("وبث ")، أي أخرج ("منهما")، أي من تلك النفس الواحدة وزوجها ("رجالا ونساء") بطریق تولد البعض من البعض .
فقوله :("اتقوا ربكم") 1 سورة النساء. معناه بحسب ما ذكر من حكمة نشأة جسد آدم عليه السلام ونشأة روحه المعبر عنهما باليدين و بالصورتين.
(اجعلوا ما ظهر منكم) لكم وهو الجسد والنفس وهو اليد الشمال وهو صورة العالم التي خلق ظاهركم عليها (وقاية لربكم)، فانسبوا إليكم جميع ما ظهر منكم من خواطر الضلال وأقوال الخطباء وأعمال الشر والسوء.
وإن كان ذلك كله مخلوقة لله تعالى ولا تأثير لكم (واجعلوا ما بطن منكم) عنكم وهو العقل والروح في عالم الخلق.
(وهو ربكم) في عالم الأمر وهو يد اليمين وهو صورة الحق تعالى التي خلق باطنكم عليها كما مر بیانه.
(وقاية لكم) فانسبوا إليه تعالى جميع ما ظهر فيكم من الحقائق والمعارف والعلوم اللدنية، فإنها لا تصدر إلا عن الحق تعالى لا عنكم.
وكذلك جميع أعمال الخير والهدى وإن كان ذلك بكسبكم وواسطة توجه قدرتكم وإرادتكم من غير تأثير منکم.
(فإن الأمر) الظاهر منكم عملا واعتقادا له (ذم) شرعة (وحمد) كذلك.
(فكونوا وقايته) تعالى (في) نسبته (الذم) من الأقوال والأعمال والاعتقادات إليكم لا إلى ربكم.
(واجعلوه) سبحانه وتعالى (وقايتكم في) نسبة (الحمد) من نسبة جميع ذلك إليه تعالى لا إليكم (تكونوا) حينئذ (أدباء) مع الله تعالى (عالمين) به تعالى وبما يليق بجلاله وعظمته كما علم الله تعالى نبيه عليه السلام ذلك.
بقوله : "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك" 79 سورة النساء.
وقال له قبل ذلك بقوله :" وقل كل من عند الله" 78 سورة النساء.
وقال إبراهيم عليه السلام: "الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) " سورة الشعراء.
فنسب المرض إلى نفسه، ولم يقل : وإذا أمرضني، وكذلك الخطيئة نسبها إلى نفسه.
ومثله الخضر عليه السلام لما كان خرق السفينة شرا في الظاهر نسب إلى نفسه حيث قال: فأردت أن عيبها، وبناء الجدار لما كان خير نسبه إلى الله تعالى وبرأ نفسه حيث قال: فأراد ربك، وأما الغلام فلما كان في الحال غير كافر وفي المال کافرا لم يكن قتله خيرا محضا ولا شرا .
فقال : فخشينا ، وأبهم الأمر بينه وبين ربه .
(ثم إنه تعالى أطلعه)، أي أطلع آدم عليه السلام على ما أودع فيه) من الجمعية الكبرى التي هي مجموع اليدين والصورتين (وجعل الله تعالى (ذلك)، أي ما أودع في آدم عليه السلام مما قلنا (في قبضتيه) تعالى بيديه الإلهيتين على حسب ما بيناه فيما مر.
القبضة الواحدة، وهي قبضة الشمال (فيها العالم) كله وقد خلق الله تعالی جميع الأجساد الآدمية منها.
(وفي القبضة الأخرى)، وهي قبضة اليمين (آدم) عليه السلام (وبنوه) كلهم إلى يوم القيامة وقد خلق الله تعالى الأرواح الآدمية منها .
وقد ورد في الأثر ما معناه: قال آدم عليه السلام: "خيرني ربي بين قبضتيه فاخترت يمين ربي فبسط يمينه فإذا فيه آدم وبنوه".
وبين الله تعالى لآدم عليه السلام (مراتبهم)، أي مراتب بني آدم كلهم (فيه)، أي في آدم عليه السلام من کاملين وقاصرين و مؤمنين وكافرين ومطيعين و عاصين فانقسموا إلى قسمين:
سعداء وأشقياء "وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته"115 سورة الأنعام.
.
قال رضي الله عنه: ولما أطلعني الله سبحانه و تعالى في سري على ما أودع في هذا الإمام الوالد الأكبر.
جعلت في هذا الكتاب منه ما حد لي لا ما وقفت عليه، فإن ذلك لا يسعه كتاب و لا العالم الموجود الآن.
فمما شهدته مما نودعه في هذا الكتاب كما حده لي رسول الله صلى الله عليه و سلم:
حكمة إلهية في كلمة آدمية وهو هذا الباب .
ثم حكمة نفثية في كلمة شيئية.
ثم حكمة سبوحية في كلمة نوحية.
ثم حكمة قدوسية في كلمة إدريسية.
ثم حكمة مهيمية في كلمة إبراهيمية.
ثم حكمة حقية في كلمة إسحاقية.
ثم حكمة علية في كلمة إسماعيلية.
ثم حكمة روحية في كلمة يعقوبية.
ثم حكمة نورية في كلمة يوسفية.
ثم حكمة أحدية في كلمة هودية.
ثم حكمة فاتحية في كلمة صالحية.
ثم حكمة قلبية في كلمة شعيبية.
ثم حكمة ملكية في كلمة لوطية.
ثم حكمة قدرية في كلمة عزيرية.
ثم حكمة نبوية في كلمة عيسوية.
ثم حكمة رحمانية في كلمة سليمانية.
ثم حكمة وجودية في كلمة داودية.
ثم حكمة نفسية في كلمة يونسية.
ثم حكمة غيبية في كلمة أيوبية.
ثم حكمة جلالية في كلمة يحياوية.
ثم حكمة مالكية في كلمة زكرياوية.
ثم حكمة إيناسية في كلمة إلياسية.
ثم حكمة إحسانية في كلمة لقمانية.
ثم حكمة إمامية في كلمة هارونية.
ثم حكمة علوية في كلمة موسوية.
ثم حكمة صمدية في كلمة خالدية.
ثم حكمة فردية في كلمة محمدية.
(ولما أطلعني الله) تعالى (في سري) لا في جهري، فإن الاطلاع على مثل هذا لا يكون إلا في عالم الأسرار بطريق الذوق والاستبصار (على ما أودع) سبحانه وتعالى من أسرار الذرية المباركة وغير المباركة.
(في هذا الإمام)، أي المقتدي به في الصورة الظاهرة والباطنة (الوالد) الذي تولد منه كل إنسان (الأكبر) قدرة وصورة وهو آدم عليه السلام (جعلت في هذا الكتاب) الذي هو كتاب فصوص الحکم (منه)، أي من ذلك الذي أطلعني الله تعالى عليه.
(ما حد لي)، أي مقدار الذي حده لي رسول الله له في الرؤيا التي أريتها على ما سبق بيانه.
(لا ما وقفت عليه) من حقائق الكاملين وغيرهم من ذرية آدم عليه السلام (فإن ذلك) الذي وقفت عليه كله (لا يسعه کتاب) من الكتب.
(ولا) يسعه أيضا (العالم الموجود الآن) من السموات والأرض وما بينهما ولا شك أن قلب العبد المؤمن الذي وسع الحق تعالی بعد أن ضاقت عنه السموات والأرض يسع أكثر مما ذكر.
(فما شهدته ) في مقام التجلي الإلهي حين أشهدني الله تعالى ما أودعه في من الجمعية الكبرى في الإرث الآدمي (مما نودعه) بإذن الله تعالى (في هذا الكتاب) الذي هو كتاب فصوص الحکم
(كما)، أي على حسب ما (حده)، أي عينه (لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا)، التي رأيته فيها كما تقدم فلا أزيد على ذلك تأدب معه .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

avatar

مُساهمة في الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 14:41 من طرف عبدالله المسافر

1- فص حكمة إلهية في كلمة آدمية .شرح النابلسي كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي
الجزء الخامس
وجملة هذه الحكم المشتمل عليها هذا الكتاب سبع وعشرون حكمة لسبعة وعشرين نبيا :
الأولى : (حكمة إلهية)، أي منسوبة إلى الإله تعالی .
(في كلمة) من كلمات الله التامات وفي دعاء النبي عليه السلام: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» .
وما خلق هو عالم الخلق والتصوير، وهو كلمات الله الناقصات وهم أهل الغفلة والغرور، لأنهم في عالم الخلق واقفون.
والأنبياء والأولياء عليهما السلام في عالم الأمر واقفون (آدمية) منسوبة إلى آدم عليه السلام.
(وهي)، أي هذه الحكمة الإلهية (هذا الباب) الأول الذي فرغنا من بيانه .
(ثم) الثانية : (حكمة نفثية) منسوبة إلى النفث وهو النفخ مع بعض رطوبة العابية، ومنه نفث الوحي الجبرائيلي.
كما قال عليه السلام: «نفث روح القدس في روعي» الحديث، أي نفخ مع بعض رطوبة وقعت في روعي، أي قلبي وهي برودة اليقين.
ولهذا كان عليه السلام إذا جاء الوحي تدثر وتزمل وأخذته القشعريرة في جسده حتى قال الله تعالى فيما أوحى إليه : "يا أيها المدثر" 1 سورة المدثر.، و " يا أيها المزمل" 1 سورة المزمل.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (شيثية)، أي منسوبة إلى شيث عليه السلام وهو ابن آدم لصلبه وكان نبيا صاحب صحائف أنزلها الله تعالى عليه بالوحي الجبرائيلي.
(ثم) الثالثة : (حكمة سبوحية) منسوبة إلى سبوح بمعنى التسبيح على وجه المبالغة، وهو التنزيه الله تعالى عما لا يليق به من المعاني الإمكانية .
(في كلمة) من كلمات الله التامات (نوحية) منسوبة إلى نوح عليه السلام.
(ثم) الرابعة : (حكمة قدوسية) منسوبة إلى قدوس بمعنى التقديس على وجه المبالغة، وهو تطهير الله تعالى عن جميع الاعتبارات العقلية، والنسب الوهمية ، والفرق بينه وبين التسبيح : أن التسبيح بمعنى التنزيه والتقديس بمعنى التنزيه عن التنزيه .
(في كلمة) من كلمات الله التامات (إدريسية) منسوبة إلى إدريس عليه السلام.
(ثم) الخامسة : (حكمة مهيمية) بصيغة اسم المفعول منسوبة إلى الهيم من الهيام وهو غاية المحبة (في كلمة) من كلمات الله التامات (إبراهيمية) منسوبة إلى إبراهيم عليه السلام.
(ثم) السادسة : (حكمة حقية) منسوبة إلى الحق وهو خلاف الباطل.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (إسحاقية) منسوبة إلى إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
(ثم) السابعة : (حكمة علنية) بتشديد الياء مشتقة من العلو وهو نقيض السفل.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (إسماعيلية) منسوبة إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
(ثم) الثامنة : (حكمة روحية) منسوبة إلى الروح وهي قيومية الله تعالى في كلية خلقه ملك وملكوتة، والروح في الأصل اسم للريح إذ الياء تبدل واوا في كثير من الكلمات في لغة العرب وكان تسميتها بذلك، لأنها تنقل أخبار الحق تعالى إلى العبد كما تنقل الريح أخبار الروض إلى المستنشقين فيكشفون بالرائحة عن الريحان، ويستغنون بالآثار عن الأعيان، فإذا هو بها من مطلع شمس الأحدية على فلك الأسماء والأوصاف الأقدسية .
(في كلمة) من كلمات الله التامات (يعقوبية) منسوبة إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام.
(ثم) التاسعة: (حكمة نورية) منسوبة إلى النور، وهو العالم الأصلي لهذا العالم، وهو المدرك منا لعالمنا الذي ندركه، وحقيقة النور تنافي كل حقيقة بالماهية والصورة، والنور نوران: نور الحق تعالى وهو الغيب المطلق وهو النور القديم، ونور العالم المحدث، وهو نور نبينا الذي أول ما خلقه الله تعالى من نوره، ثم خلق منه كل شيء، فهو كل شيء من حيث الماهية وكل شيء غيره من حيث الصورة، كما أنه هو نور الحق تعالى من حيث الماهية وهو غير نور الحق من حيث الصورة، فإن معنى إيقادنا نور سراج من نور سراج آخر:
أن الأول أثر في الثاني فظهر الثاني على صورة الأول، بل الثاني هو الأول بعينه ظهر في فتيلة ثانية من غير انتقال عن الأول، وهكذا في باقي التعددات التي لا تحصى.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (يوسفية) منسوبة إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
(ثم) العاشرة (حكمة أحدية) منسوبة إلى الأحد وهو من حيث الحق تعالى وصف من أوصافه، ومن حيث نحن اسم من أسمائه ، ومعناه الذي ليس فيه شائبة اثنينية حقيقة ولا بوجه من الوجوه، بخلاف الواحد فإنه يقال على المنفرد في حضرة وإن شاركه غيره في باقي الحضرات فهو أعم والأحد أخص.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (هودية) منسوبة إلى هود عليه السلام.
(ثم) الحادية عشر : (حكمة فتوحية) منسوبة إلى الفتوح اسم الفتح وهو ابتداء الشيء من غير سبق مثله، وهو الإبداع والاختراع، وكل شيء له إبداع من الحق تعالى واختراع فله فتح إلهي هو فتوح ذلك الشيء ويسمى فاتحته، وهو إيجاده الأمري الواحدي، وقرآنه هو الجمعي الذاتي، وفرقانه هو الفرقي الصفاتي، ولهذا يتحد في القرآن ويتعدد في الفرقان، وفاتحته تجمع قرآنه و فرقانه كما أن بسملته تجمع فاتحته، وباءه تجمع بسملته، ونقطته تجمع باءه فهي نقطة وهي بحر قال تعالى :" ولا يحيطون بشيء من علمه "255 سورة البقرة.
فنفى عنهم الإحاطة بشيء من الأشياء مطلقا، مع أنهم أحاطوا بالنقطة فقد أحاطوا من حيث إنهم هو وما أحاطوا من حيث هم، كما أن نقطة الباء هي جميع القرآن والفرقان وما هي جميع القرآن ولا الفرقان.
قال الخضر لموسى عليهما السلام : ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور بفمه من ماء البحر .
وهي النقطة التي أخذتها الروح من بحر الأمر الإلهي، وهي الصورة الجسمية التي لكل شيء والمعنوية أيضا.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (صالحية) منسوبة إلى صالح عليه السلام .
(ثم) الثانية عشر : (حكمة قلبية) منسوبة إلى القلب وهو تعيين أمر الله تعالی الواحد في حضرة من الحضرات سمى قلبا من سرعة القلب.
قال تعالى : "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " 50 سورة القمر.
والنفس مجموع ذلك كما أن الكلمة مجموع حروف والكلام مجموع کلمات
(في كلمة) من كلمات الله التامات (شعيبية) منسوبة إلى شعيب عليه السلام.
(ثم) الثالثة عشر (حكمة ملكية) منسوبة إلى الملك بالتحريك واحد الملائكة ، وهي الأرواح المنفوخة في الأجسام النورية فوق الأجسام النارية والترابية، ولهذا سكنت السماء، ونزولها إلى الأرض في الأجسام النارية والترابية الأصلية وغير الأصلية لا غير بطريق الاستيلاء على القابل لذلك من الأصلية، كما أن الأجسام النارية تنزل إلى الأجسام الترابية الأصلية وغير الأصلية بطريق الاستيلاء أيضا على القابل لذلك من الأصلية.
وهذا هو الفارق بين الكهانة والنبوة وبين السحر والصديقية وبين الوسوسة والإلهام، فالوسوسة مقام المبتدئين في الضلال كما أن الإلهام مقام المبتدئين في الهدى.
والسحر مقام المتوسطين في الضلال والصديقية مقام المتوسطين في الهدى، والكهانة مقام النهاية في الضلال .
كما أن النبوة مقام النهاية في الهدى، وقد انقطعت الكهانة الآن كما انقطعت النبوة، وما بقي إلا الوسوسة والسحر والإلهام والصديقية.
فالمعتبر في الضلال والهدى هذه المقامات المذكورة، وما دون ذلك فإنه تبع لما ذكرنا لا استقلال له بضلال ولا هدى.
وكما أن الأجسام الترابية منقسمة إلى قسمين:
مستقل بالضلال ومستقل بالهدى.
كذلك الأجسام النارية قسمان:
مستقل بالضلال هم الشياطين يستمدون من إبليس.
ومستقل بالهدی هم صالحو الجن يستمدون من الملائكة.
والملائكة مستقلون بالهدی كلهم يستمدون من الروح الكلي.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (لوطية) منسوبة إلى لوط عليه السلام .
(ثم) الرابعة عشر : (حكمة قدرية) منسوبة إلى القدر بالتحريك وهو : جعل الله
الله تعالى كل شيء بمقدار على حسب ما اقتضته حضرات ذاته المتجلي بها لذاته
والقضاء هو : الحكم بذلك فهما في المعنى واحد واثنان في الصورة.
فثبوت کل شيء بمقدار في علم الحق تعالى يسمى قدرة من جهة تخصيص المقدار المعلوم بكل شيء.
ويسمى قضاء من جهة الحكم به وتنفيذه على طبق مقداره المعلوم
(في كلمة) من كلمات الله التامات (عزيرية) منسوبة إلى العزير عليه السلام.
(ثم) الخامسة عشر : (حكمة نبوية) منسوبة إلى النبي وهو فعيل بمعنی فاعل، أو بمعنى مفعول من النبأ بمعنى الخبر، أو النبوة وهي الرفعة.
وحقيقة النبوة هي الرفع الحجب الظلمانية والنورانية التي هي كل شيء من غير ذهاب كل شيء.
والأخذ عن الحق تعالى بلا واسطة في عالم الغيب، وعن جبريل عليه السلام في عالم النور، ثم الرجوع بذلك إلى عالم الظلمة من غير زيادة ولا نقصان .
واحترزت بقولي: من غير ذهاب كل شيء، عن حقيقة الولاية، فإنها رفع الحجب الظلمانية والنورانية التي هي كل شيء جسماني أو روحاني في وقت الشهود من غير أن يبقى مع ذلك شيء من الأشياء مطلقة، وإذا ظهرت الأشياء انسدلت الحجب.
واحترزت بقولي: وعن جبريل عليه السلام في عالم النور، عن الصديقية ، فإنها وإن كانت رفع الحجب المذكورة التي هي كل شيء مع ثبوت كل شيء على ما هو عليه، لكن لا أخذ فيها عن جبريل عليه السلام في عالم النور بل عن ملك من خدمة جبريل عليه السلام يسمى ملك الإلهام، لأنه كل فتح له ملك مخصوص .
واحترزت بقولي: ثم الرجوع بذلك إلى عالم الظلمة من غير زيادة ولا نقصان، عن مقام القرية الذي فوق الصديقية ودون النبوة، فإنه لا رجوع فيه إلى عالم الظلمة، وإن كان فيه رجوع فبزيادة أو نقصان.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (عيسوية) منسوبة إلى عيسى عليه السلام.
(ثم) السادسة عشر : (حكمة رحمانية) منسوبة إلى الرحمن، وهو اسم من أسماء الله تعالی غلب على باقي الأسماء كلها في ظهورها بأثارها، ولولا ذلك ما قبل أثر من الأثار الظهور عن اسم إلهي .
(في كلمة) من كلمات الله التامات (سليمانية) منسوبة إلى سليمان عليه السلام.
(ثم) السابعة عشر : (حكمة وجودية) منسوبة إلى الوجود، وهو النور الذي لا لون له ولا صورة أشرق على الألوان والصور الممكنة المعدومة، فظهرت وهي على ما هي عليه من العدم ومن الظلمة الأصلية، وهو على ما هو عليه من التنزيه عن جميع ذلك، فكان العالم وتجرد عن جميع الألوان والصور المذكورة كما هو مجرد عن ذلك في حال إشراقه المذكور، فهو الحق تعالى، وليس الإشراق الذي أردناه إشراق اتصال ولا انفصال، ولكن صبغه بالإرادة والاختيار
كما قال تعالى :
" صبغة الله ومن أحسن من الله صبغه" 158 سورة البقرة.
وجميع ما يذكر في الحق تعالی علی طريقة ضرب المثل، وإلا فليس بشيء يشبه الحق تعالی مطلقة لا في عالم الحس ولا في عالم المعاني.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (داودية) منسوبة إلى داود عليه السلام.
(ثم) الثامنة عشر : (حكمة نفسية) منسوبة إلى النفس بالسكون وهي: ظهور الروح للجسم بما يناسبه كما أن السامري لما قبض قبضة من أثر الرسول وهو جبريل عليه السلام، لأنه الروح الأمين، ثم صاغ جسم عجل من ذهب ووضع تلك القبضة في ذلك العجل فظهر منه خوائر وهو صوت العجول، فحكمت تلك الروح التي وضعها فيه بما يقتضيه ذلك الجسم وهو الخوار، ولو أنه وضعها في جسم إنسان النطق، أو فرس لصهل، أو حمار لنهق، والحيوانية لازمة في الكل على كل حال، فالنفس السارية في ذلك العجل هي الحيوانية مع الخوار، وهي أثر تلك القبضة ، كما أن تلك القبضة من أثر الرسول.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (يونسية) منسوبة إلى يونس عليه السلام.
(ثم) التاسعة عشر : (حكمة غيبية) مسنوبة إلى الغيب وهو : ما غاب عن العالم
من الحق تعالى، فإنه تعالى ظهر للعالم على حسب ما يليق بهم فعرفه كل شيء بما عرف به ذلك الشيء نفسه .
وهذا هو الشهادة، فليس الحق تعالی مجهولا لشيء من الأشياء من هذا الوجه، ثم إنه تعالى خفي عن العالم بمقتضى ما لا يليق بهم، فلم يعرفه كل شيء لعدم مناسبته بينه وبين الشيء من الأشياء.
وهذا هو الغيب فهو تعالی مجهول لكل شيء من هذا الوجه، فالغيب هو الحق تعالى، والشهادة هي الحق تعالى.
كما قال سبحانه : "الذين يؤمنون بالغيب" 3 سورة البقرة .
قال بعض المفسرين: الغيب هو الله تعالى، ومن أسمائه تعالى الظاهر الباطن، فالظاهر هو الشهادة والباطن هو الغيب.
وقال تعالى: "ولا تكتموا الشهادة" 283 سورة البقرة. أي لا تخفوا، أنها الحق تعالى وتجحدوا ذلك "ومن يكتمها فإنه آثم  قلبه" لإنكاره
ما هو الحق كما صرح بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكتمها في قوله : أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
والسموات والأرض وما بينهما مخلوقة بالحق. قال تعالى : "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين" 38 سورة الدخان.
ما خلقناهما إلا بالحق والمخلوق بالحق، أي المقدر به الموجود به حق، والحق ليس بباطل، فالباطل إنما هو السوي والغير لا المشهود من كل شيء.
وفي الآية: "كل شيء هالك إلا وجهه" 88 سورة القصص.
فالشيء هو الباطل الهالك، ووجه الله هو الحق، في فالشهادة كلها حق، وهي الحق تعالى، والأشياء كلها هالكة.
ولا يقدر على الفرق بين الحق تعالی من حيث إنه هو الشهادة وبين الأشياء كلها إلا من عرف نفسه فعرف ربه، وقليل ما هم .
(في كلمة) من كلمات الله التامات (أيوبية) منسوبة إلى أيوب عليه السلام.
(ثم) العشرون: (حكمة جلالية) منسوبة إلى الجلال وهو باطن الجمال، كما أن ظاهر النار جمال للإنارة و الإضاءة والإشراق، وباطنها جلال للتعذيب
والإحراق والإفناء والإعدام، فالجلال مستور بالجمال. 
فالظاهر من الحق تعالى هو الجمال، وهو كل شيء لقربه إلى العقول والحواس، والباطن من الحق تعالى هو الجلال لإعدامه الأشياء وإهلاکه لها.
من قوله تعالى: "وكل شيء هالك إلا وجهه" 88 سورة القصص.
وللإيقاع في الحيرة المدهشة، فالجمال الإلهي يثبت العالم ويوجده، والجلال الإلهي ينفيه ويعدمه.
ولا يزال الأمر كذلك يتعاقب الوجود والعدم تعاقب النهار والليل .
كما قال تعالى: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر" 50 سورة القمر. وكل شيء قائم بأمر الله تعالى، فهو كلمح البصر .
(في كلمة) من كلمات الله التامات (يحيوية) منسوبة إلى يحيى عليه السلام .
(ثم) الحادية والعشرون (حكمة مالكية) منسوبة إلى المالك وهو الحق تعالی، لأنه المتصرف في جميع العالم، وتصرفه نافذ على كل حال.
والمالك على قسمين :
مالك مطلق وهو الحق تعالى.
ومالك مقيد وهو العبد. والقيد من جملة ذلك الإطلاق.
فالمالك المطلق مستولي على كل شيء والمالك المقيد ظهور استيلاء ذلك المالك المطلق على شيء من تلك الأشياء.
فالمالك المقيد داخل في المالك المطلق مندرج تحته، ولما كان الحق تعالی ظاهرة في الدنيا بكل مالك مقيد كان باطنة عن أهل الدنيا .
فقال تعالى: "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" 7 سورة الحديد.
يعني من حيث قيودكم، وأما في الآخرة فينعزل كل مالك عن ملکه، ويظهر المالك المطلق
كما قال تعالى :
"الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم " 56 سورة الحج. وقال: "ملك يوم الدين " 4 سورة الفاتحة.
وقال : "لمن الملك اليوم" ثم أجاب نفسه بنفسه فقال :"لله الواحد القهار" 16 سورة غافر .
إذ لا غيره في الحقيقة، وإن كان الجواب من جهة قيد من قيوده، إذ
القيود كلها فانية بالنسبة إلى ذاته تعالى.
كما قال سبحانه : "كل من عليها فان" 26 سورة الرحمن.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (زکریاوية) منسوب إلى زكريا عليه السلام.
(ثم) الثانية والعشرون: (حكمة إيناسية) منسوبة إلى الإيناس وهو خلاف الإيحاش.
والأنس بالشيء كمال ظهور الحق تعالی به . كما أن الوحشة من الشيء عدم كمال الظهور المذكور.
وهذا الظهور للأرواح لا النفوس، فإن النفوس قد تجهله فتجحده، والأرواح عالمة به على كل حال لأنها من عالم التقديس، والنفوس من عالم التدليس والتدنيس. 
وأصل الأنس في العالم من حضرة الجمال الإلهي التي خرجت منها الأرواح، وأصل الوحشة في العالم من حضرة الجلال الإلهي التي خرجت منها الأجسام.
فأنس الأرواح یزیل وحشة الأجسام إذا اجتمعنا، ولهذا إذا فارقت الروح عن الجسم لا يبقى فيه أنس البتة.
فالإنسان مشتق من الأنس لغلبة العالم الروحاني على العالم الجسماني، فبالإنسان زالت الوحشة عن عالم الأجسام.
وغير الإنسان مما لم تغلب فيه الروحانية على الجسمانية حيوان، والحيوان أنواع باعتبار الفصول التي تميزه عن الجنس، وهو الوحوش
التي قال تعالى:
"وإذا الوحوش حشرت" 5 سورة التكوير. مشتقة من الوحشة لغلبة الجسمانية على الروحانية .
(في كلمة) من كلمات الله التامات (إلياسية) منسوبة إلى إلياس عليه السلام.
(ثم) الثالثة والعشرون: (حكمة إحسانية) منسوبة إلى الإحسان وهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "الإحسان أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وهو شهود الله تعالى في كل عبادة من العبادات، والعبادة الذل، ولا أذل من المخلوق.
فكل فعل من أفعاله ذل الله تعالى لاحتياجه إليه تعالى في إرادة ذلك المخلوق له، وفي صدوره عن ذلك المخلوق، فكل فعل من أفعال المخلوق عبادة.
وأما المخالفات فلا يظهر للعبد احتیاجه إلى الله تعالى فيها كمال الظهور، فلا ذل عنده بها بل فيها الاستغناء بنفسه عن ربه.
ولهذا لا تظهر منه إلا في وقت الغفلة عن الله تعالى، وصاحب الغفلة ناقص العبودية، وكلامنا في العبد الكامل في العبودية .
والفرق بين الشهود والرؤية :
أن الشهود كأنك تراه، والرؤية أن تراه، فكاف التشبيه توهم الرؤية ليست برؤية، وذلك رؤية الأثر الذي هو على صورة المؤثر کرؤيتك صورتك في المرآة، فإذا رأيتها فكأنك رأيت وجهك.
وما رأيته بل رأيت أثره المنطبع في المرأة على صورته ، وكل أثر فهو صورة الحق تعالی ظاهر في حضرة من حضرات أسمائه الحسنى، متجلية بتجلي صفاته العليا، ولهذا قال تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله إن" 115 سورة البقرة.
فإن كان تولوا بمعنی تستقبلوا فثم وجه الله من اسمه الظاهر بالأسماء والأوصاف وإن كان تولوا بمعنی تعرضوا فثم وجه الله من اسمه الباطن بالذات المطلقة .
كما قال تعالى : "والله من ورائهم محيط" 20 سورة البروج .
(في كلمة) من كلمات الله التامات (لقمانية) على الراجح عند الشيخ رضي الله عنه منسوبة إلى لقمان عليه السلام الذي اختلف في نبوته .
(ثم) الرابعة والعشرون: (حكمة إمامية) منسوبة إلى الإمام وهو المقدم على غيره بحيث يقتدي به غيره في الحركات والسكنات كما قال تعالى: "وكل شيء أحصيناه في إمام مبين" 12 سورة يس.
فالإمام المبين هو كل شيء من حيث الإجمال، وكل شيء هو الإمام المبين من حيث التفصيل، قال تعالى: "والملائكة يشهدون" ، ففرق وفصل "كفى بالله شهيدا" 166 سورة النساء. فجمع وأجمل.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا أمن الإمام فجمع وأجمل فأمنوا" فرق وفصل ثم قال: "فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له"
ففرق وفصل أيضا، لأن الجمع جمع وفرق وإجمال وتفصيل والجمع هو عين الفرق، والإجمال هو عين التفصيل كما قال تعالى: "يوم يقوم الروح والملائكة صفا" 38 سورة النبأ.
فالملائكة تفصيل، والروح إجمال، والصف صف واحد، الملائكة في الفرق والروح في الجمع .
(في كلمة) من كلمات الله التامات (هارونية) منسوبة إلى هارون أخا موسى عليهما السلام.
(ثم) الخامسة والعشرون: (حكمة علوية) منسوبة إلى العلو نقيض السفل، والعلو هو المؤثر، والسفل هو المتأثر، وكل شيء مؤثر ومتأثر. فمن حيث هو مؤثر علو، ومن حيث هو متأثر سفل.
قال تعالى : " والركب أسفل منكم " 42 سورة الأنفال. والركب هم بنو آدم الذي قال تعالى فيهم: "ولقد كرمنا بني عام ولهم في البر والبحر" 70 سورة الإسراء.
فهم المحمولون وغيرهم من الخلق ليسوا مکرمین،
فليسوا محمولين، فليسوا بركب فما هم أسفل بل أعلى، والعلو للمؤثر فقط، والمؤثر هو .
الله تعالى وحده لولا أنهم نازعوا الله تعالی بنفوسهم في صفة التأثير التي له تعالى وحده .
ما
كان لهم العلو على الركب المحمولين . والمنازعون الله تعالی هالكون فيه تعالى، لأنهم لم يعرفوا نفوسهم فلم يعرفوا ربهم، فادعوا ما ليس لهم وهو العلو من حيث نفوسهم فهلكوا بتكبرهم على الله تعالى.
والركب لما تواضعوا الله تعالى بالأسفلية ظهر لهم تأثير الله تعالى فيهم، فميزوا بينهم وبينه فرفعهم الله إليه .
كما قال تعالى: "بل رفعه الله إليه " 158 سورة النساء.  وقال : "ورفعناه مكانا عليا " 57 سورة مريم . وقال: "ورفعنا لك ذكرك " 4 سورة الشرح.
وذكره هو ما أنزل الله تعالى عليه به، والرفع الإزالة، فإذا زال السفل بقي العلو وهو الله تعالى وحده .
(في كلمة) من كلمات الله التامات (موسوية) منسوبة إلى موسى عليه السلام. 
(ثم) السادسة والعشرون : (حكمة صمدية) منسوبة إلى الصمد، وهو الذي يصمد إليه
بالحوائج، أي تقصد منه جميع الحوائج، وهو الحق تعالى من حيث التجلي العام على كل شيء.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (خالدية) ثابتة على الراجح عند الشيخ رضي الله عنه منسوبة إلى خالد بن سنان عليهما السلام.
(ثم) السابعة والعشرون: (حكمة فردية) منسوبة إلى الفرد وهو الواحد الذي لا نظير له، وكل شيء فرد لعدم تكرار التجليات
الإلهية التي عنها صدور كل شيء، ولكن فردية كل شيء مشفوعة بشيئيته الهالكة الفانية. فلو زالت عنه ظهرت له فرديته وكان فردا.
فالفردية سارية في كل شيء سريان النور المحمدي المخلوق منه كل شيء في كل شيء، والشفعية للحقيقة الإبليسية الشيطانية، فهي سارية في
كل شيء أيضا، فمن غلب عليه حكم الفردية نجا، ومن غلب عليه حكم الشفعية هلك، والشفع من الفرد، لكنه خارج منه بالاستقلال عنه .
كما قال تعالى لإبليس : "اخرج منها" 18 سورة الأعراف. ثم قال له : "فإنك رجيم" 34 سورة الحجر.
يعني لعين، أي مطرود لاستقلالك وعدم رضائك بالحكم الواحد من الواحد على الواحد.
(في كلمة) من كلمات الله التامات (محمدية) منسوبة إلى محمد نبينا ، ثم لما لم يذكر الشيخ رضي الله عنه لفظ الفص في هذا الفهرست بإيذاء كل حكمة للاختصار في ذلك .
قال رضي الله عنه :  وفص كل حكمة الكلمة التي تسب إليها .
فاقتصر على ما ذكرته من هذه الحكم في هذا الكتاب على حد ما ثبت في أم الكتاب.
فامتثلت على ما رسم لي، ووقفت عندما حد لي، ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت ، فإن الحضرة تمنع من ذلك والله الموفق لا رب غيره.
ومن ذلك :
(وفص كل حكمة) من الحكم المذكورات (الكلمة التي نسبت) تلك الحكمة (إليها) فإن الحكمة دورية فهي كالحلقة وكلمتها التي هي معناها الثابت لها بحيث لا يفارقها أبدأ هو فص تلك الحلقة، والفص موضع نقش الاسم وصاحب هذه الحلقات.
وهذه الفصوص هي مجلى الله تعالى وأسماؤه منقوشة على هذه الفصوص، كل فص عليه اسم من أسمائه تعالى هو الاسم الأعظم، وهو سره الأفخم واليد يد الله والأصابع أصابعه، والخواتم خواتمه.
فافهم ما أقول لك على التنزيه التام إن کنت من أصحاب هذا المقام، وإلا فاترك كلامي، ولا تتصرف فيه بوساوس الإيهام،
فتزل بك الأقدام ولا يغرنك علمك الرسمي، فإنه جهل والسلام.
(فاقتصرت على ما ذكرته من هذه الحكم) السابع والعشرون في هذا الكتاب الذي سميته فصوص الحکم، ولم أزد على ذلك مما أطلعني الله تعالى عليه حين كشفي عن الحقيقة الآدمية.
وسلكت فيه (على حد)، أي مقدار (ما ثبت) من ذلك الذي أطلعني الله تعالى عليه (في أم)، أي أصل (الكتاب)، أي المكتوب الوجودي في الصفحات العدمية فإن الله تعالى لما قال إنه بكل شيء محيط
وقال:"ليس كمثله شيء" 11 سورة الشورى. وقال: "كل شيء هالك إلا وجهه" 88 القصص.
علمنا أن الأشياء كلها كالكتابة المحضورة في القرطاس، النافذة إلى الوجه الآخر، فصور الحروف فيها عدمية.
والمحيط بكل حرف منها حتى يظهر متميزة عن الآخر هو القرطاس، فهو المحيط بها وهو الحاضر لها لتظهر حروفا عدمية،
فالقرطاس أم الكتاب والحروف العدمية مرسومة في أم الكتاب على صورة ما
ذكرنا.
(فامتثلت) من الأمر الإلهي الذي ظهر لي في الرؤيا التي رأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق بيانه.
(ما)، أي المقدار الذي (رسم لي) في أم كتابي المستمد من أم کتاب الوجود الكل لأن الإنسان نسخة الأكوان (ووقفت) من ذلك (عندما حد لی)
ولم أتجاوزه تأدب مع الأمر تعالی ومع ناقل أمره صلى الله عليه وسلم .
(ولو رمت زيادة على ذلك) المقدار الذي حد لي ما استطعت (فإن الحضرة) الإلهية المتجلية من حيث أنا على حقائق ما حد لي (تمنع من ذلك) المقدار الزائد .
كما قال تعالى : "وكل شيء عنده بمقدار وما ننزله إلا بقدر معلوم"، فالحضرات فاعلة للأشياء، فهي المطية لها والمانعة منه.
فلا بد من القدر المعلوم الذي ينزل منها، فكما تعطي قدرة معلومة تمنع قدرة معلومة، وكما ينزل من الأشياء قدر معلوم يصعد منها أيضا قدر معلوم.
(والله) سبحانه هو (الموفق) إلى الصواب والهادي إلى حضرة الاقتراب (لا رب) للعوالم (غيره) ولا خير في هذه الموجودات كلها الأخيرة.
وهو حسبي ونعم الوكيل وعلى الله قصد السبيل.
تم فص الحكمة الآدمية

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى