اتقوا الله ويعلمكم الله
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
المواضيع الأخيرة
» كتاب المنزل القطب و مقاله وحاله .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأحد 28 يونيو 2020 - 1:48 من طرف عبدالله المسافر

» من التنزلات في معرفة النية والفرق بينهما وبين الإرادة والقصد والهمة والعزم والهاجس .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأحد 28 يونيو 2020 - 1:03 من طرف عبدالله المسافر

» کتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 11:25 من طرف عبدالله المسافر

» كتاب القربة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 11:17 من طرف عبدالله المسافر

» رسالة الانتصار .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 11:00 من طرف عبدالله المسافر

» رسالة الوقت و الآن .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 10:53 من طرف عبدالله المسافر

» رسالة المحبة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 10:48 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الخامس والخمسون في معنى قوله والذين هم على صلاتهم دائمون .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 10:38 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الرابع والخمسون في بيان الصلاة الوسطى أي صلاة هي ولماذا سميت الوسطى .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 10:33 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثالث والخمسون في أن يوم السبت هو يوم الأبد وهو يوم الاستحالات .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 10:25 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثاني والخمسون في اختصاص الصبح بيوم السبت ومن هو الامام فيه وما يظهر فيه من الانفعالات .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 10:20 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الحادي والخمسون في اختصاص المعرفة بيوم الجمعة ومن هو الامام فيه وما يظهر فيه من الانفعالات .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 9:31 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الموفي خمسين في اختصاص الظهر بيوم الخميس ومن هو الامام فيه وما يظهر فيه من الانفعالات .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 9:25 من طرف عبدالله المسافر

» الباب التاسع والأربعون في اختصاص العصر بيوم الأربعاء ومن هو الامام فيه وما يظهر فيه من الانفعالات .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 9:18 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثامن والأربعون في اختصاص العشاء بيوم الثلاثاء ومن هو الامام فيه وما يظهر فيه من الانفعالات .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 9:02 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السابع والأربعون في اختصاص المأموم بيوم الاثنين وما يظهر فيه من الانفعالات .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 8:52 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السادس والأربعون في اختصاص الامام بيوم الأحد وما يظهر فيه من الانفعالات .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 8:21 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الخامس والأربعون في معرفة أسرار سبب السهو والسجود له .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 8:15 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الرابع والأربعون في معرفة أسرار السلام من الصلاة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 8:12 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثالث والأربعون في معرفة أسرار التشهد في الصلاة إن شاء اللّه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 8:08 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثاني والأربعون في معرفة أسرار الجلوس في الصلاة إن شاء اللّه تعالى .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 8:06 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الحادي والأربعون في معرفة أسرار الرفع من السجود إن شاء اللّه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 8:02 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الموفي الأربعون في معرفة أسرار السجود وما يختص به من التسبيح والدعاء .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 7:59 من طرف عبدالله المسافر

» الباب التاسع والثلاثون في معرفة أسرار الهوى إلى السجود إن شاء اللّه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 7:55 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثامن والثلاثون في معرفة أسرار الرفع من الركوع وما يقال فيه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 7:52 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السابع والثلاثون في معرفة أسرار الركوع ، وما يختص به من التسبيح .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 7:49 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السادس والثلاثون في معرفة أسرار الفرق بين الفاتحة والسورة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 0:48 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السادس والثلاثون في معرفة أسرار الفرق بين الفاتحة والسورة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 0:36 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الخامس والثلاثون في معرفة أسرار الوقوف والقراءة في الصلاة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 25 يونيو 2020 - 0:14 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الرابع والثلاثون في معرفة أسرار التوجه في الصلاة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 24 يونيو 2020 - 22:58 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثالث والثلاثون في معرفة أسرار رفع اليدين في الصلاة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 24 يونيو 2020 - 20:39 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثاني والثلاثون في معرفة أسرار تكبيرات الصلاة إن شاء اللّه تعالى .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 24 يونيو 2020 - 20:30 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الحادي والثلاثون في معرفة أسرار إقامة الصلاة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 24 يونيو 2020 - 19:03 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الموفي ثلاثين في معرفة أسرار طهارة الثوب والبقعة للصلاة فيهما إن شاء اللّه .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 24 يونيو 2020 - 19:00 من طرف عبدالله المسافر

» الباب التاسع والعشرون في معرفة أسرار الانصراف من الوضوء إلى الصلاة .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 24 يونيو 2020 - 18:24 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثامن والعشرون في معرفة أسرار التشهد بعد الفراغ من الوضوء .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 24 يونيو 2020 - 18:21 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السابع والعشرون في معرفة أسرار غسل القدمين .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 24 يونيو 2020 - 18:18 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السادس والعشرون في معرفة أسرار مسح الأذنين .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 24 يونيو 2020 - 18:15 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الخامس والعشرون في معرفة أسرار مسح الرأس .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 24 يونيو 2020 - 18:11 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 321 - 340 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 19:08 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 301 - 320 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 18:49 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 281 - 300 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 18:15 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 261 - 280 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 17:43 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 241 - 260 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 17:30 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 221 - 240 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 17:18 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 201 - 220 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 17:02 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 181 - 200 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 16:37 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 161 - 180 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 15:43 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 141 - 160 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 15:36 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 121 - 140 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 15:23 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 101 - 120 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 23 يونيو 2020 - 15:09 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 81 - 100 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 22 يونيو 2020 - 23:42 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 61 - 80 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 22 يونيو 2020 - 23:20 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 41 - 60 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 22 يونيو 2020 - 17:58 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 01 - 20 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 22 يونيو 2020 - 17:26 من طرف عبدالله المسافر

» العهود من 21 - 40 .كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 22 يونيو 2020 - 17:20 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة البحر المورود في المواثيق والعهود الشيخ عبد الوهاب الشعراني
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 22 يونيو 2020 - 11:14 من طرف عبدالله المسافر

» كتاب إنشاء الدوائر الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأحد 21 يونيو 2020 - 2:03 من طرف عبدالله المسافر

» كتاب عقلة المستوفز الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 20 يونيو 2020 - 17:15 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثاني والعشرون في الوصيّة للمريد السالك وهو على فصول وبه ختم الكتاب .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 13:47 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الحادي والعشرون في أسباب الزّفرات والوجبات والتحرّك عند السماع السماع .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 13:42 من طرف عبدالله المسافر

» الباب العشرون في اللوح المحفوظ الّذي هو الإمام المبين ولوح المحو والإثبات .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 13:38 من طرف عبدالله المسافر

» الباب التاسع عشر في الحجب المانعة من إدراك عين القلب الملكوت .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 13:36 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثامن عشر في معرفة إفاضة العقل نور اليقين على ساحة القلب .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 13:31 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السابع عشر في خواصّ الأسرار المودّعة في الإنسان وكيف ينبغي أن يكون السالك في أحواله .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 13:28 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السادس عشر في ترتيب الغذاء الروحانىّ على فصول السنة لإقامة هذا الملك الإنسانىّ وبقائه .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 13:19 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الخامس عشر في ذكر السرّ الّذي يغلب به أعداء هذه المدينة والتنبيه عليه .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 13:00 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الرابع عشر في سياسة الحروب وترتيب الجيوش عند اللقاء .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 12:57 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثالث عشر في سياسة القوّاد والأجناد ومراتبهم .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر ابن العربي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 12:54 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة وتمهيد وخطبة الشيخ الأكبر .كتاب التدبيرات الالهية فى اصلاح المملكة الانسانية الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 18 يونيو 2020 - 12:16 من طرف عبدالله المسافر

» باب في تفسير ألفاظ تدور بين الطائفة من كلام سيد الطائفة .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 16 يونيو 2020 - 14:39 من طرف عبدالله المسافر

» الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 16 يونيو 2020 - 13:56 من طرف عبدالله المسافر

» طريق المعرفة والعارفين باللّه .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 16 يونيو 2020 - 13:49 من طرف عبدالله المسافر

» فهرس المحتويات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 16 يونيو 2020 - 13:38 من طرف عبدالله المسافر

» رسائل الإمام أبو القاسم الجنيد .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 16 يونيو 2020 - 13:28 من طرف عبدالله المسافر

» كتب الإمام أبو القاسم الجنيد .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 16 يونيو 2020 - 8:55 من طرف عبدالله المسافر

» باب الدعاء والدعوات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالثلاثاء 16 يونيو 2020 - 8:38 من طرف عبدالله المسافر

» البدايات والنهايات والمقامات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 15 يونيو 2020 - 17:16 من طرف عبدالله المسافر

» تلاميذ وأولاد الجنيد سيد الطائفة في الطريق إلى اللّه .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 15 يونيو 2020 - 15:27 من طرف عبدالله المسافر

» شيوخ سيد الطائفة الإمام الجنيد .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 15 يونيو 2020 - 7:38 من طرف عبدالله المسافر

» ترجمة الإمام الجنيد سيد الطائفتين .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد وتحقيق الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 15 يونيو 2020 - 6:37 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة المحقق المزيدي .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد وتحقيق الشيخ أحمد فريد المزيدي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالإثنين 15 يونيو 2020 - 6:26 من طرف عبدالله المسافر

» فهرس كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 11:06 من طرف عبدالله المسافر

» مقتطفات من الباب 559 من الفتوحات المكية .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:57 من طرف عبدالله المسافر

» الباب العاشر مرتبة الإنسان الكامل عندي فوق مرتبة الملائكة .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:51 من طرف عبدالله المسافر

» الباب التاسع إبليس أوّل من خالف في الأمر وآدم أوّل من خالف في النّهي! .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:45 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثامن وصار خرق العادة له عادة .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:42 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السابع الجسم هو المظهر للرّوح الّتي هي النّور المظهر للأشياء كلّها .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:39 من طرف عبدالله المسافر

» الباب السادس جرى بنا جواد البنان في هذا البيان حتّى أظهر ما لم يخطر إظهاره في الجنان .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:36 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الخامس الأمر دوريّ يعود إلى ما بدأ ! .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:32 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الرابع ما هذه المظاهر المشهودة إلّا عين الظّاهر فيها وهو اللّه .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:28 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثالث ما ثمّ أمر فاصل بين اللّه وبين العالم .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:24 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الثاني هيهات أنّى يسع الكون ذلك! .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:16 من طرف عبدالله المسافر

» الباب الأول نحن محلّ انجلاء كلّ شيء وظهوره . كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:11 من طرف عبدالله المسافر

» مقدمة الشيخ الجيلي .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالسبت 13 يونيو 2020 - 10:07 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الرابع الباء من الحروف الظلمانية .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالجمعة 12 يونيو 2020 - 9:49 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثالث محاضرة بين الألف والباء كلام النقطة مع الباء حول رجوع الحرف إليها كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالجمعة 12 يونيو 2020 - 9:12 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثاني النقطة والتعدد .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالخميس 11 يونيو 2020 - 18:34 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الأول النقطة أول كل سورة من القرآن .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي
الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Emptyالأربعاء 10 يونيو 2020 - 20:11 من طرف عبدالله المسافر

المواضيع الأكثر نشاطاً
منارة الإسلام (الأزهر الشريف)
أخبار دار الإفتاء المصرية
فتاوي متنوعة من دار الإفتاء المصرية
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر‌ ‌السابع‌ ‌والعشرون‌ ‌فص‌ ‌حكمة‌ ‌فردية‌ ‌في‌ ‌كلمة‌ ‌محمدية‌ ‌.موسوعة‌ ‌فتوح‌ ‌الكلم‌ ‌في‌ ‌شروح‌ ‌فصوص‌ ‌الحكم‌ ‌الشيخ‌ ‌الأكبر‌ ‌ابن‌ ‌العربي
السفر الخامس والعشرون فص حكمة علوية في كلمة موسوية .موسوعة فتوح الكلم في شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السـفر الخامس عشر فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية .موسوعة فتوح الكلم في شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
مكتب رسالة الأزهر
السـفر السادس عشر فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية .موسوعة فتوح الكلم في شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي





الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي

اذهب الى الأسفل

16062020

مُساهمة 

الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي Empty الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي




الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي

الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد ابن الجنيد الخراز القواريري قدس اللّه روحه
يقال : إن الجنيد رضي اللّه عنه كان قد جلس مع أصحابه بحكم الرياضة ، فدخل مسافر ، فتكلفوا من أجله ، وأحضروا له طعاما ، فقال : يلزمني غير هذا الشيء الفلاني . فقال له
...................................................
( 1 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 564 ) ، ونشر المحاسن لليافعي ( ص 229 ) ، وروضة الحبور ( ص 111 ) بتحقيقنا .
( 2 ) انظر : الرسالة القشيرية ( 1 / 339 ) ، وتفسير الثعالبي ( 3 / 64 ) ، ومدارج السالكين ( 1 / 521 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 1 / 343 ) ، والعوارف ( ص 142 ) ، والتعرف ( ص 115 ) ، ومدارج السالكين ( 2 / 329 ) .
( 4 ) انظر : تاريخ بغداد ( 6 / 46 ) .
( 5 ) انظر : العهود المحمدية ( 207 ) .


 
الجنيد : ينبغي لك أن تذهب إلى السوق ؛ لأنك رجل أسواق ، لا رجل مساجد وصوامع « 1 » .
وقال جعفر بن نصير : دفع إليّ الجنيد درهما ، وقال : اشتر لي به التين الوزيري .
فاشتريته له ، فلما أفطر أخذ واحدة ، ووضعها في فمه ، ثم ألقاها وبكى ، وقال : احمله .
فقلت له في ذلك ، فقال : هتف في قلبي : أما تستحي شهوة تركتها من أجلي ثم تعود إليها « 2 » .
قال الجنيد : دخلت على السريّ يوما ، فقال لي : عصفور كان يجيء في كل يوم فأفتّ له الخبز ، فيأكل من يدي ، فنزل وقتا من الأوقات فلم يسقط على يدي ، فتذكرت في نفسي : ماذا يكون السبب ؟ فذكرت أني أكلت ملحا بأبزار : أي توابل ، فقلت في نفسي :
لا آكل بعدها ، وأنا تائب منه ، فسقط على يدي وأكل « 3 » .
قال الجنيد : سمعت السريّ السقطيّ يقول : إن نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة أن أغمس جزرة في دبس فما أطعتها « 4 » .
قال الجنيد : دخلت يوما على السريّ السقطيّ وهو يبكي ، فقلت له : ما يبكيك ؟
فقال : جاءتني البارحة الصبية ، فقالت : يا أبت ، هذه ليلة حارة ، وهذا الكوز أعلقه هاهنا ، ثم إني حملتني عيناي ، فنمت ، فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء ، فقلت :
لمن أنت ؟ فقالت : لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان ، فتناولت الكوز فضربت به الأرض ، فكسرته ، فرأيت الخزف لم يرفعه ولم يمسّه ، حتى عفا عليه التراب « 5 » .
قال جعفر الخلدي : سمعت الجنيد يقول : ما نزعت ثوبي للفراش منذ أربعين سنة « 6 » .
.............................................
( 1 ) انظر : كشف المحجوب للهجويري ( ص 589 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 354 ) ، والإحياء ( 3 / 94 ) ، وروضة الحبور ( ص 111 ) ، والمعزى ، كلاهما بتحقيقنا .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 679 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 352 ) ، والسير للذهبي ( 12 / 186 ) .
( 5 ) انظر : التعرف ( ص 184 ) ، والرسالة ( 1 / 67 ) ، وبغية الطلب في تاريخ حلب ( 8 / 4820 ) ، ورواه البيهقي في الشعب ( 5736 ) .
( 6 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 243 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 261 ) .
 
 


 
وقال الجنيد : الظالم لنفسه هو على وجهين : أحدهما يظلم نفسه فيحرمها حظها من الدنيا ، وظالم لنفسه يحرمها حظها من الآخرة ، والظالم لنفسه الذي حرمها حظّها من الشهوات والإرادات من حظوظ النفس ، وظالم لنفسه بأن أحرمها شهوة الآخرة حتى لا تطلب الجنة والثواب لأجل نفسه ؛ فإن كلاهما من حظوظ النفس ، بل طلب ربه على غير حظّ النفس فيه ، فهذا الظالم على هذا المعنى مقدم على المقتصد والسابق ؛ فإن المقتصد والسابق طالبان حظوظهما واقعان مع أنفسهما ؛ إذ ذا واقف مع سبقه وذا واقف مع اقتصاده ، وذا ظلم نفسه ، فآتاها ومنعها حظوظها ؛ فهو فان عن حظوظه ؛ فلذلك يسبق السابقين « 1 » .
وقال الجنيد : بلغني عن بعض العلماء ببسطام أنه قال : كانت لأبي يزيد خادمة كثيرة الاجتهاد والبكاء لا تنام الليل « 2 » .
قال الجنيد : ما طلب أحد شيئا بجدّ وصدق إلا ناله ، فإن لم ينله كله نال بعضه « 3 » .
قال بعد ذكر عبادات يطول إيرادها : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : السابق :
العلماء ، والمقتصد : المتعلمون ، والظالم : الجهّال .
وقال أيضا : السابق : الذي اشتغل بمعاده ، والمقتصد : الذي اشتغل بمعاده ومعاشه ، والظالم : الذي اشتغل بمعاشه عن معاده « 4 » .
قال الجنيد في قوله تعالى :وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[ العنكبوت : 69 ] :
والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الإخلاص ، ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطنا ، فمن نصر عليها نصر على عدوه ، ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه « 5 » .
............................................
( 1 ) انظر : العرائس القدسية لسيدي مصطفى البكري ( ص 55 ) بتحقيقنا .
( 2 ) انظر : روضة الحبور لابن الأطعاني ( ص 30 ) بتحقيقنا .
( 3 ) قال الخطيب معقبا : فينبغي للطالب أن يخلص في الطلب نيته ويجدد للصبر عليه عزيمته ، فإذا فعل ذلك كان جديرا أن ينال منه بغيته . وانظر : الجامع لأخلاق الراوي والسامع ( 2 / 179 ) .
( 4 ) انظر : العرائس القدسية لسيدي مصطفى البكري ( ص 55 ) بتحقيقنا .
( 5 ) فائدة : قال ابن قيم : علق سبحانه الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا فمن جاهد هذه الأربعة في اللّه هداه -


 
النفس ومخالفتها
يقول الجنيد : النفس الأمارة بالسوء هي الداعية إلى المهالك ، المعينة للأعداء ، المتبعة للهوى ، المتهمة بأصناف الأسواء « 1 » .
قال الجنيد : أرقت ليلة ، فقمت إلى وردي ، فلم أجد ما كنت أجده من الحلاوة والتلذذ بمناجاتي ، فتحيرت ، فأردت أن أنام ، فلم أقدر ، فقعدت ، فلم أطق القعود ، ففتحت الباب ، وخرجت ، فإذا رجل ملتفّ في عباءة ، مطروح في المقابر على الطريق ، مغطى الرأس ، فلما أحسّ بي رفع رأسه ، وقال : يا أبا القاسم ، إليّ الساعة . فقلت : يا سيدي من غير موعد ؟ فقال : بلى ، قد سألت محرك القلوب أن يحرك إليّ قلبك . فقلت : فقد فعل ذلك ، فما حاجتك ؟ فقال : متى يصير داء النفس دواءها ؟ فقلت : إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها . فأقبل على نفسه ، وقال : اسمعي ، قد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات ، فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيد ، فقد سمعت ، وانصرف عني ، ولم أعرفه ، ولم أقف عليه بعد « 2 » .
يقول الجنيد : لا تسكن إلى نفسك ، وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربّك « 3 » .
قال الجنيد : من أعان نفسه على هواها فقد أشرك في قتل نفسه ؛ لأن العبودية ملازمة الأدب ، والطغيان منافي للأدب « 4 » .
روي عن جعفر الخلدي قدّس اللّه سرّه أنه قال : كان الجنيد قدّس اللّه سرّه يوصي الرجل ، ويقول : قدّم نفسك وأخّر عزمك ، ولا تقدّم عزمك وتؤخّر نفسك ، فيكون فيها إبطاء كثير « 5 » .
.....................................................
- اللّه سبل رضاه الموصلة إلى جنته ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد .
وانظر : الفوائد ( ص 59 ) .
 ( 1 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 269 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 350 ) ، والحلية ( 10 / 274 ) ، والزهد الكبير للبيهقي ( 2 / 152 ) ، والاعتقاد وذم الخلاف لأبي العلاء الحسن بن العطار ( ص 65 ) ، وطبقات السبكي ( 2 / 262 ) ، وروضة المحبين ( ص 404 ) ، وروضة الحبور ( ص 115 ) .
( 3 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 431 ) .
( 4 ) انظر : عوارف المعارف ( ص 166 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 1 / 350 ) .


 
قال الجنيد رضي اللّه عنه : الأحوال كالبروق ، فإن بقيت فحديث نفس « 1 » .
يقول الجنيد رضي اللّه عنه : أساس الكفر قيامك على مراد نفسك « 2 » .
كتب يوسف بن الحسين إلى الجنيد : لا أذاقك اللّه طعم نفسك ؛ فإنك إن ذقتها لم تذق بعدها خيرا أبدا « 3 » .
قال الجنيد : الأقوات ثلاثة : فقوت بالطعام وهو مولد للأعراض ، وقوت بالذكر فهذا يشممهم الصفات ، وقوت برؤية المذكور وهو الذي يفني ويبيد ، ثم أنشد يقول « 4 » :
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها * فلم تلبث النفس التي أنت قوتها
يحكى أن عبد اللّه بن الجلاء قال : رأيت ذات يوم نصرانيّا حسن الوجه ، فتحيّرت في جماله ، وتوقفت قبله ، فمرّ عليّ الجنيد قدّس اللّه سرّه ، فقلت : يا أستاذ ، ليحرق اللّه تعالى مثل هذا الوجه بنار الجحيم ؟ فقال رضي اللّه عنه : يا بني ، هذه سويقة النفس التي تحملك على هذا ، لا نظرة العبرة ؛ لأنك إذا نظرت بالعبرة في كل ذرة من الموجودات ، فهذه الأعجوبة موجودة « 5 » .
يقول الجنيد : كان يعارضني في بعض أوقات أن أجعل نفسي كيوسف وأكون أنا كيعقوب ، فأحزن على نفسي لما فقدت منها ، كما حزن يعقوب على فقده ليوسف ، فمكثت أعمل مدة فيما أجده على حسب ذلك « 6 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : النفس التي قد أعزّها الحق بحقيقة الغنى تزول عنها موافقات الفاقات « 7 » .
..............................................................................
( 1 ) فرّق الإمام الجنيد بين هواجس النفس ووساوس الشيطان ، بأن النفس إذا طالبتك بشيء ألحت ، فلا تزال تعاودك ، ولو بعد حين ، تصل إلى مرادها ، ويحصل مقصودها ، اللّهمّ إلا أن يدوم صدق المجاهدة ، ثم إنها تعاودك ، وأما الشيطان إذا دعاك إلى زلة ، فخالفته بترك ذلك ، يوسوس له في تخصيص واحد دون واحد بزلة أخرى ، لأن جميع المخالفات له سواء ، وإنما يريد أن يكون داعيا أبدا إلى زلة ما ، ولا غرض . وانظر : الرسالة القشيرية ( 1 / 243 ) .
( 2 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 410 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 1 / 126 ) .
( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 275 ) .
( 5 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 347 ) .
( 6 ) انظر : الحلية ( 10 / 273 ) .
( 7 ) انظر : اللمع ( ص 292 ) .
 
 


 
وقف الشبليّ على الجنيد ، فقال : ما تقول يا أبا القاسم فيمن وجوده حقيقة لا علما ؟
فقال : يا أبا بكر ، بينك وبين أكابر الناس سبعون قدما أدناها أن تنسى نفسك « 1 » .
باب الغيبة
قال الجنيد : كنت جالسا في مسجد الشونيزية أنتظر جنازة أصلي عليها ، وأهل بغداد على طبقاتهم جلوس ينتظرون الجنازة ، فرأيت فقيرا عليه أثر النسك يسأل الناس ، فقلت في نفسي : لو عمل هذا عملا يصون به نفسه كان أجمل به ، فلما انصرفت إلى منزلي ، وكان لي شيء من الورد بالليل من البكاء والصلاة وغير ذلك ، فثقل عليّ جميع أورادي ، فسهرت وأنا قاعد ، فغلبتني عيناي ، فرأيت ذلك الفقير ، جاءوا به على خوان ممدود ، وقالوا لي : كل لحمه ؛ فقد اغتبته ، وكشف لي عن الحال ، فقلت : ما اغتبته ، إنما قلت في نفسي شيئا . فقيل لي : ما أنت ممن يرضى منك بمثله ، اذهب ، فاستحله ، فأصبحت ، ولم أزل أتردد ، حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء عند تزايد الماء أوراقا من البقل مما تساقط من غسل البقل ، فسلّمت عليه ، فقال : يا أبا القاسم ، تعود ؟ فقلت : لا . فقال : غفر اللّه لنا ولك « 2 » .
قال الشبليّ يوما على المنبر : كلمة حق . فقال الجنيد ، وكان حاضرا : فالغيبة حرام « 3 » .
باب القناعة
قيل للجنيد : ما القناعة ؟ قال : ألا تتجاوز إرادتك ما هو لك في وقتك « 4 » .
باب التوكل
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن التوكّل ؟ فقال : اعتماد القلب على اللّه تعالى « 5 » .
قال الجنيد : حقيقة التوكل أن يكون المتوكل للّه تعالى كما لم يكن ، فيكون اللّه كما لم يزل « 6 » .
.....................................................
( 1 ) انظر : الحلية ( 10 / 270 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 360 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 263 ) .
( 3 ) انظر : نفحات الأنس للجامي ( ص 145 ) .
( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 263 ) .
( 5 ) انظر : اللمع ( ص 79 ) .
( 6 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 101 ) ، والعوارف ( ص 291 ) .


 
سأل رجل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « لو توكلتم على اللّه حقّ توكّله لغذّاكم كما يغذو الطير ؛ تغدو خماصا وتروح بطانا « 1 » » وهو ذا ترى أن الطير يطير في طلب الرزق من موضع إلى موضع ، ويتحرك ، ويطلب ، وينبعث .
فقال الجنيد : قدّس اللّه سرّه قال اللّه تعالى :إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها[ الكهف : 7 ] ، وإنما طيران الطير وحركته من موضع إلى موضع ونقلته من مكان إلى مكان من أجل الزينة التي ذكر اللّه تعالى ، فقد جعل اللّه تعالى طيرانهم للزينة ، التي ذكر اللّه تعالى ، لا لطلب الرزق « 2 » .
وقال عبد الوهاب : كنت جالسا عند الجنيد أيام الموسم وحوله جماعة كثيرون من العجم والمولدين ، فجاء إنسان بخمسمائة دينار ، ووضعها بين يديه ، وقال : فرّقها على هؤلاء . فقال : ألك غير هذا المال ؟ فقال : نعم ، دنانير كثيرة . فقال الجنيد : خذها ؛ فإنك إليها أحوج منا ، ولم يقبلها ، ودخل جماعة عليه ، فقالوا : نطلب الرزق . فقال : إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه . قالوا : فنسأل اللّه . قال : إن علمتم أنه ينساكم فذكّروه . فقالوا :
ندخل البيت ونتوكّل. فقال : التجربة شكّ. قالوا: فما الحيلة ؟ قال : ترك الحيلة "3 ".
كان أبو جعفر الحداد شيخ الجنيد أحد المتوكلين ، وقال : أخفيت التوكل عشرين سنة ، ولا فارقت السوق ، أكتسب في كل يوم دينارا وعشرة دراهم ، لا أبيت منه دانقان ، ولا أستريح فيه إلى قيراط أدخل به الحمام ، بل أخرجه كله قبل الليل ، وكان الجنيد لا يتكلم في التوكل بحضرة أبي جعفر ، يقول : أستحي من اللّه أن أتكلم في مقامه ، وهو حاضر « 4 » .
قال الجنيد : كان التوكل حقيقة واليوم هو علم « 5 » .
وكان الجنيد يقول : أحب للمريد المبتدئ ألا يشغل قلبه بهذه الثلاث ، وإلا تغير حاله :
التكسب ، وطلب الحديث ، والتزوّج « 6 » .
....................................................................
( 1 ) رواه الترمذي ( 4 / 573 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1394 ) ، وأحمد ( 1 / 30 ) ، والطيالسي ( 1 / 11 ) ، وأبو يعلى ( 1 / 212 ) ، والبزار ( 1 / 476 ) ، وعبد بن حميد ( 1 / 32 ) .
( 2 ) انظر : اللمع ( ص 162 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 1 / 376 ) ، والإحياء ( 4 / 274 ) ، والحبور ( ص 116 ) ، والكواكب ( 1 / 582 ) ، والمنهاج الواضح في كرامات أبي محمد صالح ( ص 254 ) بتحقيقنا .
( 4 ) انظر : الإحياء ( 4 / 268 ) ، والقوت ( 2 / 32 ) .
( 5 ) انظر : الحلية ( 10 / 267 ) .
( 6 ) انظر : القوت ( 1 / 542 ) .



قال الجنيد : دققت على أبي يعقوب الزّيات بابه في جماعة من أصحابنا ، فقال : ما كان لكم شغل في اللّه عز وجلّ يشغلكم عن المجيء إليّ ؟ فقلت له : إذا كان مجيئنا إليك من شغلنا به فلم ننقطع عنه ، فسألته عن مسألة في التوكل ، فأخرج درهما كان عنده ، ثم أجابني ، فأعطى التوكل حقه ، ثم قال : استحييت من اللّه أن أجيبك وعندي شيء « 1 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن الكسب ؟ فقال : يستقي الماء ، ويلتقط النوى « 2 » .
لما قدم صوفية أهل البصرة على أبي القاسم الجنيد بعد وفاة سهل قدّس اللّه سرّه قال لهم : كيف تعملون في الصوم ؟ فقالوا : نصوم بالنهار ، فإذا أمسينا قمنا إلى قفافنا . فقال : آه ، آه ، لو كنتم تصومون بلا قفاف كان أتمن لحاكم : أي لا تسكنون إلى معلوم . فقالوا : لا نقوى على هذا « 3 » .
قال الجنيد : دخلت البادية بعقد التوكل في وسط السنة ، فمضت عليّ أيام ، فانتهيت إلى مجمع ماء وخضرة ، فتوضأت وملأت ركوتي ، وقمت أركع ، فإذا بشابّ قد أقبل بزي التجار ، كأنه قد غدا من بيته إلى سوقه ، أو يرجع من سوقه إلى بيته ، فسلّم عليّ ، فقلت :
الشاب من أين ؟ فقال : من بغداد . فقلت : متى خرجت من بغداد ؟ قال : أمس . فتعجبت منه ، وكنت قد مضت عليّ أيام حتى بلغت إلى ذلك الموضع ، فجلس يكلّمني وأكلّمه ، فأخرج شيئا من كمه يأكله ، فقلت له : أطعمني مما تأكل . فوضع في يدي حنظلة ، فأكلته ، فوجدت طعمه كالرطب ، ومضى ، وتركني ، فلما دخلت مكة بدأت بالطواف ، فجذب ثوبي من ورائي ، فالتفت ، فإذا أنا بشابّ كالشنّ البالي عليه قطعة عباء ، وعلى عاتقه بعضه ، فقلت له : زدني في المعرفة . فقال : أنا الشاب الذي أطعمتك الحنظل . فقلت له : ما شانك ؟
فقال : يا أبا القاسم ، ذرأونا حتى إذا أوقعونا ، قالوا استمسك « 4 » .
..................................................................
( 1 ) انظر : تلبيس إبليس ( ص 277 ) .
( 2 ) انظر : اللمع ( ص 259 ) . وسبيل المكاسب عند الجنيد ، على ما سبق من الشرط : سبيل الأعمال المقربة إلى اللّه عز وجلّ . وانظر : التعرف ( ص 103 ) .
( 3 ) ويعقب المكي بقوله : ولعمري إن طريق البغداديين بترك المعلوم من المطعوم أعلى ، وهو طريق المتوكلين من الأقوياء ، وطريقة البصريين بالمعلوم والتوقيت أسلم من آفات النفوس ، وأقطع للتشرف والتطلع ، وهو طريق المريدين والعاملين . وانظر : القوت ( 2 / 343 ) .
( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 275 ) .
 
 


 
قال الجنيد : سمعت السريّ يقول : أعرف طريقا مختصرا قصدا إلى الجنة . فقلت له : ما هو ؟ فقال : لا تسأل من أحد شيئا ، ولا تأخذ من أحد شيئا ، ولا يكن معك شيء تعطي منه أحدا « 1 » .
سئل الجنيد عن قوله تعالى :سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى[ الأعلى : 6 ] ؟ فقال : سنقرؤك التلاوة ، فلا تنسى العمل « 2 » .
وسئل عن قوله تعالى :وَدَرَسُوا ما فِيهِ[ الأعراف : 169 ] ؟ فقال : تركوا العمل بما فيه ، فقال المغربي : حرجت من الحرج أمة أنت بين ظهرانيها لا تفوّض أمرها إليك « 3 » .
قال الجنيد : من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعنّ ، ومن ظنّ أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمنّ ، ومتعلمّ يتعلم الحقيقة يوصله اللّه إلى الهداية ، قال صلى اللّه عليه وسلّم : « كلّ ميسّر لما خلق له « 4 » » .
باب الشكر
قال الجنيد : كنت بين يدي سريّ السقطيّ ألعب وأنا ابن سبع سنين ، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر ، فقال لي : يا غلام ، ما الشكر ؟ قلت : ألا تعصي اللّه بنعمه . فقال لي :
أخشى أن يكون حظك من اللّه لسانك . قال الجنيد : فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السريّ لي « 5 » .
وقال السريّ للجنيد : يا أبا القاسم ، ما الشكر ؟ فقال : ألا يستعان بشيء من نعم اللّه تعالى على معاصيه . فقال سريّ : من أين لك هذا ؟ قال الجنيد : من مجالستك « 6 » .
قال الجنيد : فرض الشكر الاعتراف بالنعم بالقلب واللسان « 7 » .
..............................................................
( 1 ) انظر : الرسالة ( 1 / 66 ) ، واللمع ( ص 262 ) .
( 2 ) انظر : الحلية ( 10 / 270 ) ، وتاريخ الخطيب ( 7 / 245 ) .
( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 270 ) ، وتاريخ الخطيب ( 7 / 245 ) .
( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 267 ) ، والحديث رواه البخاري ( 4 / 1891 ) ، ومسلم ( 4 / 2040 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 1 / 386 ) ، واللمع ( ص 240 ) ، والحلية ( 10 / 268 ) ، وعدة الصابرين لابن قيم ( ص 123 ) ، ومدارج السالكين ( 2 / 245 ) ، وتفسير القرطبي ( 1 / 398 ) ، وطبقات الأولياء ( ص 127 ) ، والسير للذهبي ( 14 / 68 ) .
( 6 ) انظر : الحلية ( 10 / 268 ) ، والرسالة ( 1 / 387 ) .
( 7 ) انظر : العوارف للسهروردي ( ص 290 ) .


 
وقال الجنيد : الشكر ألا ترى نفسك أهلا للنعمة « 1 » .
يقول الجنيد : الشكر فيه علة ؛ لأن الشاكر طالب لنفسه به المزيد ، فهو واقف مع اللّه تعالى على حظّ نفسه بالشكر « 2 » .
قال الجنيد : ما دام الشاكر يطلب من اللّه المزيد بشكره فهو غريق في حظّ نفسه ، إنما الشكر أن يرى العبد أنه ليس بأهل أن تناله الرحمة ؛ لشهوده كثرة معاصيه « 3 » .
قال الجنيد : إنه وقف على سائل ، فسأله ، فقال : حرّكني فعل لي . فقال الجنيد : لا ، ولكن فعل اللّه فيك يقتضي منك شكر ما جعله فيك « 4 » .
قال الجنيد بن محمد : قال السريّ يوما : ما الشكر ؟ وكان إذا أراد أن يفيد الإنسان جعله سؤالا . فقلت له : أما الشكر عندي ألا يستعان على المعاصي بشيء من نعمه .
فاستحسن ذلك ، وقال لي : أعد الكلام عليّ ، ثم قال : وأيّنا لا يستعين بنعمه على معاصيه ، ومكث حينا من الدهر يقول لي : كيف قلت لي في الشكر ؟ فأعيد الكلام عليه ، قال الجنيد : وهذا هو فرض الشكر ألا يعصى في نعمه « 5 » .
اعتلّ الجنيد قدّس اللّه سرّه علة شديدة ، فكان يقول : ليس إلا ما قال ذو النون قدّس اللّه سرّه : يا من يشكر على ما يهب ، هب لنا ما نشكر « 6 » .
وقال الجنيد : حقيقة الشكر العجز عن الشكر « 7 » .
................................................................
( 1 ) انظر : الرسالة ( 1 / 385 ) ، والإحياء للغزالي ( 4 / 85 ) ، والإيقاظ ( ص 191 ) وقال ابن عجيبة :
قلت : القيام بها هو الاعتراف بها للمنعم وحده .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 385 ) ، ومدارج السالكين ( 2 / 244 ) .
( 3 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 575 ) .
( 4 ) انظر : الحلية ( 1 / 575 ) .
( 5 ) رواه البيهقي في الشعب ( 4 / 130 ) ، وأسنده للجنيد : أخبرنا أبو عبيد اللّه الحافظ أخبرني جعفر بن محمد الخواص حدثني الجنيد . .
( 6 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 272 ) .
( 7 ) انظر : تفسير القرطبي ( 1 / 398 ) .


 
قال الجنيد : إنّ اللّه تعالى يعامل عباده في الآخر على حسب ما عاملهم في الأول : بدأهم تكرّما ، وأمرهم ترحّما ، ووعدهم تفضّلا ، ويزيدهم تكرّما ، فمن شهد برّه القديم سهل عليه أداء أمره ، ومن لزم أمره أدركه وعده ، ومن فاز بوعده لا بدّ أن يزيده من فضله « 1 » .
قوله تعالى :لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ[ المرسلات : 35 ، 36 ]
قال الجنيد : أي لا عذر لمن أعرض عن منعمه وكفر بأياديه ونعمه « 2 » .
في قوله تعالى :وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً[ لقمان : 20 ] قال الجنيد :
النعم الظاهرة حسن الأخلاق ، والنعم الباطنة أنواع المعارف « 3 » .
 
باب اليقين
سئل الجنيد عن اليقين ؟ فقال : اليقين ارتفاع الشك « 4 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب « 5 » .
سئل الجنيد عن اليقين ما هو ؟
فقال : ترك ما ترى لما لا ترى « 6 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير في القلب « 7 » .
قال الجنيد : من لم يصل علمه باليقين ويقينه بالخوف وخوفه بالعمل وعمله بالإخلاص وإخلاصه بالمجاهدة فهو من الهالكين « 8 » .
قال الجنيد : سمعت السريّ يقول : اليقين سكونك عند جولان الموارد في صدرك ؛ لتيقّنك أن حركتك فيها لا تنفعك ، ولا تردّ عنك مقضيّا « 9 » .
.........................................................
( 1 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 78 ) .
( 2 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 78 ) ، ومعالم التنزيل للبغوي ( 4 / 435 ) وتفسير النسفي ( 1 / 201 ) .
( 3 ) انظر : روح المعاني ( 21 / 114 ) .
( 4 ) انظر : اللمع ( ص 103 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 1 / 393 ) ، والكواكب ( 1 / 582 ) .
( 6 ) انظر : طبقات السبكي ( 2 / 270 ) .
( 7 ) انظر : الرسالة ( 1 / 392 ) ، والكواكب ( 1 / 580 ) .
( 8 ) انظر : الكواكب ( 1 / 581 ) .
( 9 ) انظر : الرسالة ( 1 / 394 ) .
 
 


 
قال الجنيد : اليقين ألا تهتم لرزقك الذي كفيته ، وتقبل على عملك الذي كلفته ؛ فإن اليقين يسوق إليك الرزق سوقا حثيثا « 1 » .
يقول إبراهيم بن فاتك : سمعت الجنيد يقول : متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير ؟ هيهات ، هذا ظنّ عجيب إلا بما لطف اللطيف ، من حيث لا درك ، ولا وهم ، ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان « 2 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه أيضا عن معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « رحم اللّه أخي عيسى عليه السلام ؛ لو ازداد يقينا لمشى في الهواء » ، فقال : معناه واللّه أعلم أن عيسى عليه السلام مشى على الماء بيقينه ، والنبي صلى اللّه عليه وسلّم مشى في الهواء ليلة المعراج بزيادة يقينه على يقين عيسى عليه السلام ، فقال صلى اللّه عليه وسلّم : ( لو ازداد يقينا ) : يعني لو أعطي من زيادة اليقين مثل ما أعطيت لمشى في الهواء ، يخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن حالته « 3 » .
قال الجنيد : حق اليقين ما يتحقق العبد بذلك ، وهو أن يشاهد الغيوب كما يشاهد المرئيات مشاهدة عيان ، ويحكم على الغيب فيخبر عنه بالصدق ، كما أخبر الصديق حين قال لما قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « ما ذا أبقيت لعيالك » ؟ قال : اللّه ورسوله « 4 » .
قال الجنيد : قد مشى رجال باليقين على الماء، ومات بالعطش أفضل منهم يقينا «5» .
باب في البلاء والمحنة
يقول الجنيد : البلاء على ثلاثة أوجه : على المخلطين عقوبات ، وعلى الصادقين تمحيص جنايات ، وعلى الأنبياء من صدق الاختيارات « 6 » .
قال الشيخ ابن عجيبة : وقد سعي بالجنيد وأصحابه للسلطان وأتي بهم للسيف ، ثم لطف اللّه بهم .
وقصتهم : أن فقهاء بغداد قالوا للمتوكل : إن الجنيد قد تزندق هو وأصحابه . فقال لهم الملك وكان يميل إلى الجنيد : يا أعداء اللّه ، ما أردتم إلا أن تفنوا أولياء اللّه من الأرض
................................................................
( 1 ) انظر : الكواكب ( 1 / 581 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 38 ) .
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 161 ) ، ومدارج السالكين ( 2 / 399 ) .
( 4 ) انظر : العوارف ( ص 310 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 1 / 394 ) ، وطبقات الصوفية ( ص 163 ) .
( 6 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 271 ) .


 
واحدا بعد واحد ، قتلتم الحلاج وأنتم تروون له كل يوم عبارة ، ولا تزدجرون ، وهذا الجنيد لا سبيل لكم إليه حتى تغلبوه بالحجة ، فاجمعوا له الفقهاء ، واعملوا له مجلسا ، فإن أنتم غلبتموه وشهد الناس بأنكم غالبون عليه قتلته ، وإن هو غلبكم واللّه لأمشين عليكم بالسيف حتى لا نبقي منكم أحدا على الأرض .
قالوا : نعم ، فجمعوا له الفقهاء من الشام واليمن والعراق والأمصار ، فلما اجتمع الفقهاء في ذلك حتى لم يبق في الجوانب الأربع من يعرف مسألة في دينه إلا حضر ، فلما اجتمع الفقهاء في المجلس بعث الملك إليه ، فأتى هو وأصحابه إلى باب القصر ، فدخل الجنيد ، وترك أصحابه ، وأدّى حقّ الخليفة : يعني من التعظيم ، وقعد ، فقام إليه أحد الفقهاء يسأله في مسألة ، فسمعه القاضي علي بن أبي ثور ، فقال لهم : تسألون الجنيد ؟ فقالوا : نعم . فقال لهم : أفيكم من هو أفقه منه ؟ فقالوا : لا . فقال :
يا عجبا ! هو أفقه منكم في علمكم ، وقد تفقّه في علم تنكرونه عليه : يعني ولا تعرفونه ، فكيف تسألون رجلا لا تدرون ما يقول ؟ !
فبهت القوم ، وسكتوا زمانا ، ثم قالوا : ما العلم يا قاضي المسلمين ؟ فأشر بما شئت ، فنصنع ، فأمرك مطاع . قال : فردّ القاضي وجهه إلى الأمير ، وقال له : اترك الجنيد ، واخرج إلى أصحابه ، صاحب سيفك وهو الوليد بن ربيعة ينادي فيهم : من يقوم إلى السيف ؟ فأول من يقوم إليه نسأله . فقال الملك : يرحمك اللّه ، لم ذلك ! تروع القوم ، ولم تظهر لكم حجة ، لا يحل لنا ذلك .
فقال القاضي : يا أمير المؤمنين ، إن الصوفية يحبون الإيثار على أنفسهم حتى بأنفسهم ، فأذن من ينادي : أيكم يقوم للسيف ؟
فالرجل الذي يقوم مبادرا إلى السيف هو أكثر الناس جهلا وأكثرهم صدقا للّه عز وجلّ ، فيقوم يؤثر أصحابه بالعيش بعده ، فإذا قد نزلت مصيبة عظيمة لا ندري لمن تقع النجاة منها ، فإنه إن قتل الجنيد نوّلت داهية في الإسلام ، فإنه قطب الإيمان في عصرنا ، وإن قتل العلماء والفقهاء فهي مصيبة عظيمة .
فقال له الأمير : للّه درك ؛ لقد أصبت ، ثم عطف على الوليد ، وقال : افعل ما يقول لك القاضي . فخرج الوليد وهو مقلّد سيفه ، فوقف على المريدين وهم مائتان وسبعون رجلا ، قعودا ناكسين رؤوسهم وهم يذكرون اللّه ، فنادى فيهم : أفيكم من يقوم إلى السيف ؟
فقام إليه رجل يقال له أبو الحسن النوري ،


 
فقال الوليد : ما رأيت طائرا أسرع منه ، فوثب قائما بين يدي ، فعجبت من سرعة قيامه ، فقلت : يا هذا أعلمت لما قمت ؟
فقال : نعم ، ألم تقل : أفيكم من يقوم للسيف ؟
فقلت له : نعم . فقال : ولم قمت ؟ قال : علمت أن الدنيا سجن المؤمن ، فأحببت أن أخرج إلى دار الفوز ، وأن أؤثر أصحابي عليّ بالعيش ولو ساعة ، ولعلّي أقتل ، فيطفى الشر بي ، فيسلم جميعهم ولا يقتل أحد غيري . قال الصاحب : فعجبت من فصاحته . فقلت : أجب القاضي . فتغير لونه ، وسالت عبرته على خده ، فقال : أودعاني القاضي ؟ قلت : نعم دعاك .
قال : فحقّا عليّ إجابته . فدخلت وهو معي ، فأخبرت الملك والقاضي بقصته ، فتعجبا منه ، وسأله القاضي عن مسألة غميضة ؟ فقال : من أنت ؟ ولم خلقت ؟ وما أراد اللّه بخلقك ؟
وأين هو ربك منك ؟ فقال : ومن أنت الذي تسألني ؟
فقال : أنا قاضي القضاة . فقال له : إذا لا ربّ غيرك ، ولا معبود سواك ، أنت قاضي القضاة ، وهذا يوم الفصل والقضاء ، والناس قد حشروا ضحى ، فأين النفخة في الصور التي قال اللّه فيها َنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ[ الزمر : 68 ] ، أنا ممن صعق أم أنا ممن شاء اللّه الذي لم أشهد النفخ ؟ فبهت القاضي زمانا ، وقال : يا هذا ، جعلت منّى إلها ؟
قال : معاذ اللّه ، بل أنت تألّهت حيث تسميت بقاضي القضاة ، وليس قاضي القضاة إلا القاضي الذي يقضي ولا يقضى عليه ، أضافت عليك الأسماء ، أما كفاك قاضي المسلمين ، أو أحد الفقهاء ، أم أحد من عباد اللّه حتى تسميت بقاضي القضاة ؟ ! إذا استكبرت أن تقول أنا علي بن أبي ثور ، فما زال يقرعه حتى بكى القاضي ، وهمّ أن تزهق نفسه ، وبكى الملك لبكائه ، وبكى الجنيد ، فقال لتلميذه : اقصر من عتابك للقاضي ؛ فقد قتلته ، فخلّ سبيله . فلما أفاق القاضي قال : يا أبا الحسن ، أجبني عن مسألتي ، وأنا أتوب إلى اللّه بين يديك . فقال : اذكر مسألتك ؛ فإني نسيتها . فأعاد مسألته ، فنظر عن يمينه ، وقال : أتجاوبه ؟
ثم قال : حسبي اللّه ، ثم فعل عن يساره مثل ذلك ، ثم نظر أمامه ، وقال : أتجاوبه ؟ ثم قال : الحمد للّه ، ثم رفع رأسه إلى القاضي ، وقال له : أما قولك يرحمك اللّه من أنت ؟ فأنا عبد اللّه ؛ لقوله تعالى :إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً[ مريم : 93 ] ، وأما قولك لماذا خلقت ؟ فكان اللّه كنز لا يعرف ، فخلقني لمعرفته ، قال تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] : أي ليعرفون ، كذا قال ابن عباس وغيره ، وأما قولك ما أراد اللّه بخلقي ؟ فما أراد بي إلا كرامتي ، قال تعالى :وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ[ الإسراء : 70 ] ،
وأما قولك أين ربك منك ؟ فهو مني حيث أنا
 


 
منه ؛ لقوله تعالى :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[ الحديد : 4 ] ، فقال : أخبرني كيف هو معك ومعنا في قوله :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ قال هو معنا كيفما كنا معه ، فإن كنا معه بالطاعة كان معنا بالعون والهدى إليه ، وإن كنا معه بالغفلة كان معنا بالمشيئة ، وإن كنا بالمعصية كان معنا بالمهلة ، وإن كنا بالتوبة كان معنا بالقبول ، وإن كنا بالترك كان معنا بالعقاب .
قال : صدقت . فأخبرني أين هو مني ؟ فقال : أخبرني أين أنت منه أعلمك أين هو منك ؟ قال : صدقت يا علي فيما قلت ، ولكن أخبرني بمسألة ثانية . قال : وما هي ؟ قال : لم ملت عن يمينك حين سألتك ؟ قال : أعان اللّه الفقيه ؛ إن المسألة التي سألتني عنها لم يكن عندي فيها جواب ؛ لأنني ما سئلت فيها قطّ ، ولا سمعتها ، فلما سألتني عنها لم يكن عندي ما أخبرك به فيها ، فسألت الملك الكريم الذي يكتب في اليمين ، فقلت له : أتجاوبه أنت ؟
فقال لي : لا علم لي . فقلت : حسبي اللّه ، وفوضت أمري إلى اللّه . فقال : وعن شمالك ؟ فقال :
كذلك . فقلت : وأمامك ؟ فقال : سألت قلبي ، فقال عن سرّه عن ربّه : ما أجبتك به . فقلت :
الحمد للّه ؛ شاكرا على الهداية ، ومقرّا له بالعجز عن إدراك النهاية . فقال له : يا هذا ، الآن قد صحّ عندي حمقك ، وثبت عندي كفرك وزندقتك ، فما تريد أن أفعل بك وبأي قتلة تريد أن أقتلك ؟ فقال له : وما الذي تريد أن تفعل بي وأنت قاضي القضاة ؟ إن كنت تقضي ولا يقضى عليك فاقض بما شئت وأي فعل لك . فقال له : إن القاضي المقتضي بما يقضي به أو نقضي بما يقضي به . فقال له : أو فهمت خطابا عن القاضي الذي يقضي ولا يقضى عليه . قال له : وما هو ؟
قال : قوله تعالى :فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[ يس : 54 ] . فقال له : وما تريد أنت ؟ اقض بما شئت الآن طبت وطابت نفسي على لقاء ربّي . فعند ذلك رد القاضي رأسه إلى المتوكل ، وقال له : يا أمير المؤمنين ، اترك هؤلاء ؛ فإن كان هؤلاء زنادقة فليس على وجه الأرض مسلم ، هؤلاء مصابيح الدين ، ودعائم الإسلام ، وهؤلاء المؤمنون حقّا ، عباد اللّه المخلصون . فعند ذلك عطف الملك على الجنيد ، وقال : يا أبا القاسم ، هؤلاء الفقهاء ما جمعوا لك هذا المجلس العظيم واستعدوا لمناظرتك إلا ليقتلوك لو غلبوك ، والآن أنت الغالب عليهم ، وأنا آليت على نفسي إن أنت غلبتهم أن أمشي عليهم السيف ، فإما أن تعفو عنهم ، وإما أن يموتوا ، فقال : العياذ باللّه يا سيدي أن يموت أحد منهم بسببي ، عفا اللّه عنا وعنهم ، ولا آخذ عليهم في إنكارهم علينا ؛ لأنهم ما ساقهم لذلك إلا الجهل وقلة العلم بما طلبوا ، عفا اللّه عنا وعنهم . فانحلّ المجلس على سلام ، ولم يمت فيه أحد ، والحمد للّه ، ثم عطف القاضي


 
على النوري ، وقال له : يا عليّ ، أعجبني حالك ، واللّه شهيد أني أحبك ، ولكن أسألك سؤال رجل مسترشد ، فأرشدني يرحمك اللّه . فقال : سل عمّا بدا لك ، فإن كان عندي جواب أخبرتك ، وإلا قلت لك : لا علم لي ، ولا يعظم ذلك عليّ . ثم سأله عن مسائل عديدة قد تقدّم بعضها عند قوله : يا عجبا !

كيف يظهر الوجود في العدم ، فراجعها إن شئت ، وتركت الباقي ؛ لكثرة التصحيف في النسخة التي وقعت بأيدينا ، واللّه تعالى أعلم ، فهذه محنة الصوفية التي وقعت في زمن الجنيد ، وهذه سنة اللّه في أوليائه وأنبيائه هم أشد الناس بلاء « 1 » .
.
يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 16 يونيو 2020 - 17:31 عدل 2 مرات

_________________
شاء الله بدء السفر منذ يوم الست بربكم .
عرفت ام لم تعرفي   
ففيه فسافر لا إليه ولا تكن ... جهولاً فكم عقل عليه يثابر
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى،
يسير و المكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه،
و لكن ارحل من الأكوان إلى المكون،
و أن إلى ربك المنتهى.

عبدالله المسافر
عبدالله المسافر
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 3825
الموقع : https://almossafer1.blogspot.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

https://almossafer1.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: redditgoogle

الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي :: تعاليق

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 16 يونيو 2020 - 13:54 من طرف عبدالله المسافر

الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي

الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد ابن الجنيد الخراز القواريري قدس اللّه روحه
الجزء الثاني  
باب الصبر
سئل الجنيد عن الصبر ؟ فقال : هو تجرع المرارة من غير تعبيس « 2 » .
قال أبو عبد اللّه المكانسي : كنت عند الجنيد ، فأتت امرأة إليه ، وقالت : ادع اللّه أن يردّ عليّ ابني ، فإن ابنا لي ضاع . فقال لها : اذهبي ، واصبري . فمضت ، ثم عادت فقالت له مثل ذلك ، فقال لها الجنيد : اذهبي ، واصبري . فمضت ، ثم عادت ، ففعلت مثل ذلك مرات ، والجنيد يقول لها : اصبري .
فقالت له : عيل صبري ، ولم يبق لي طاقة عليه ، فادع لي . فقال لها الجنيد : إن كان الأمر كما قلت فاذهبي فقد رجع ابنك ، فمضت فوجدته ، ثم عادت تشكر له ، فقيل للجنيد : بم عرفت ذلك ؟ فقال :
قال اللّه تعالى :أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ[ النمل : 62 ] « 3 » .
وقال الجنيد قدّس اللّه سرّه : كل شيء يقدر الفقير أن يعمله إلا صبره على وقته إلى انقضاء مدته « 4 » .
سئل الجنيد عن الصبر؟ فقال : حمل المؤمن للّه تعالى حتى تنقضي أوقات المكروه « 5 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : السير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن ، وهجران الخلق في جنب اللّه تعالى شديد ، والسير من النفس إلى اللّه تعالى صعب شديد ، والصبر مع اللّه أشدّ « 6 » .
.....................................................
( 1 ) انظر : إيقاظ الهمم شرح الحكم ( ص 88 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 1 / 398 ) ، ونشر المحاسن لليافعي ( ص 155 ) ، والكواكب ( 1 / 581 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 526 ) ، وروضة الحبور ( ص 110 ) .
( 4 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 232 ) .
( 5 ) انظر : اللمع ( ص 76 ) .
( 6 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 78 ) ، وعدة الصابرين لابن قيم ( ص 38 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 264 ) ، والرسالة للقشيري ( 1 / 397 ) .


 
قال عبد اللّه بن خفيف رضي اللّه عنه : دخلت بغداد قاصدا إلى الحج وفي رأسي نخوة الصوفية ولم آكل أربعين يوما ، ولم أدخل على الجنيد ، وخرجت ولم أشرب الماء ، وكنت على طهارتي ، فرأيت ظبيا في البرية على رأس بئر وهو يشرب ، وكنت عطشان ، فلما دنوت من البئر ولّى الظبي ، وإذا الماء في أسفل ، فمشيت ، وقلت : يا سيدي ، ما لي عند محل هذا الظبي ؟
فسمعت قائلا يقول من خلفي : جربناك فلم تصبر ، ارجع فخذ الماء ، فرجعت ، فإذا البئر ملآنة ، فملأت ركوتي ، وكنت أشرب منها وأتطهر إلى المدينة ، ولم ينفد الماء ، ولما استقيت سمعت هاتفا يقول : إن الظبي جاء بلا ركوة ولا حبل ، وأنت جئت مع الركوة والحبل ؟
فلما رجعت من الحج دخلت الجامع ، فلما وقع بصر الجنيد عليّ قال : لو صبرت لنبع الماء من تحت قدميك ، لو صبرت صبر ساعة « 1 » .
عن فارس الحمّال قال : لحق أبا الحسين النوري علة والجنيد علة ، فالجنيد أخبر عن وجده ، والنّوري كتم ، فقيل له : لم لم تخبر كما أخبر صاحبك ؟
فقال : ما كنا لنبتلى ببلوى فنوقع عليها اسم الشكوى ،
ثم أنشا يقول :
إن كنت للسقم أهلا * فأنت للشكر أهلا
عذب ، فلم يبق قلب * يقول للسقم : مهلا
فأعيد ذلك على الجنيد ، فقال : ما كنّا شاكين ، ولكن أردنا أن نكشف عن عين القدرة فينا ، ثم بدأ يقول :
أجلّ ما منك يبدو * لأنّه عنك جلا
وأنت يا أنس قلبي * أجلّ من أن تجلا
أفنيتني عن جميعي * فكيف أرعى المحلّا
وقال الجنيد : اشتد البلاء برجل من الصالحين حتى جرّ برجله إلى مزبلة ، فرفع طرفه إلى السماء
وقال : أنا بعينك وقد ترى ، فافعل ما شئت ، وحسبي ما تشاء ، ثم قال « 2 » :
إذا المهام شكا شجوة * فقد زال عن سنن المستهام
...........................................................
( 1 ) انظر : الرسالة ( 2 / 708 ) ، وروض الرياحين ( ص 83 ) .
( 2 ) انظر : روضة الحبور ( ص 125 ) .
 
 


 
وابن الكلوم التي في الحشا * وأين تبرّمه للكلام
وروي أن أبا العباس بن عطاء كتب إلى الجنيد يقول :
تضايقت الأحوال بي في محلّها * وما ذاك مفهوم لأنّي مثقل
فلا الريح في أبراجها مستقرة * ولا الوجد في قلبي يقرّ ويمهل
فكتب إليه الجنيد « 1 » :
ولو نطقت بي ألسن الدهر خبّرت * بأنّي في ثوب الصباية أرفل
وما أن لها علم بقدري وموضعي * وما ذاك مفهوم لأنّي مثقل
موتك حقيقة الاختصاص عن لوائح الانتقاص ، وآواك الحقّ في خفيّ من الملاحظة لحظّك ، شغلا بالإجلال له عن ذكر نفسك وحالك في أوان ذكره ، ثم أذكرك أنه ذكرك في قديم الأزل ، قبل حين البلوى ، وقبل حال البلوى ، إنه فعّال لما يشاء ، وهو قدير « 2 » .
قال الشيخ الشعراني : وبلغنا أنهم صبّوا مرة على الجنيد غسالة سمك وهو خارج لصلاة الجمعة ، فعمّته من جمته إلى ذيله ، فضحك ، وقال : من استحق النار فصولح بالماء لا ينبغي له الغضب . ثم عاد إلى البيت ، واستعار ثوب زوجته ، فصلّى فيه « 3 » .
باب المراقبة
قال الجنيد : إنما يتحقق بالمراقبة من يخاف على فوت حظه من ربّه عز وجلّ لا غير « 4 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : أخذ على العبد حفظ أنفاسه على ممرّ أوقاته « 5 » .
باب الرضا
قال الجنيد : الرضا ثاني درجات المعرفة ، فمن رضي صحت معرفته باللّه بدوام رضاه عنه « 6 » .
........................................................
( 1 ) انظر : روضة الحبور ( ص 125 ) .
( 2 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 313 ) .
( 3 ) انظر : العهود المحمدية ( ص 196 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 407 ) ، والإحياء ( 4 / 397 ) ، ومدارج السالكين ( 2 / 65 ) .
( 5 ) انظر : اللمع ( ص 424 ) .
( 6 ) طبقات الصوفية للسلمي ( ص 162 ) .


 
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن الرضا ؟
فقال : الرضا ترك الاختيار « 1 » .
سئل الجنيد عن الرضا ؟ فقال : سألتم عن العيش الهنيء وقرة العين من كان عن اللّه راضيا « 2 » .
قال الشبليّ وهو بين يدي الجنيد : لا حول ولا قوة إلا باللّه . فقال له الجنيد : قولك ذا ضيق صدر ، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء . فسكت الشبليّ « 3 » .
قال الجنيد : الرضا هو صحة العلم الواصل إلى القلوب ، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أدّاه إلى الرضا ، وليس الرضا والمحبة كالخوف والرجاء ؛ فإنهما حالان لا يفارقان العبد في الدنيا والآخرة ؛ لأنه في الجنة لا يستغني عن الرضا والمحبة « 4 » .
ورد أنّ النوري في وقت ما ظلّ يصرخ لمدة ثلاثة أيام وليال في بيته واقفا في مكان واحد ، فأخبروا الجنيد : فنهض ، وذهب إليه ، وقال : يا أبا الحسين ، إذا كنت تعرف أن الصراخ يفيد معك فأخبرني ؛ لأصرخ أنا أيضا ، وإن كنت تعرف أنه لا يفيد فارض بالتسليم ؛ ليسعد قلبك . فكفّ النوري عن الصراخ ، وقال : ما أحسنك معلّما لنا يا أبا القاسم « 5 » .
قال الجنيد : دخلت على السريّ يوما ، فقلت له : كيف أصبحت ؟ فأنشأ يقول :
لا في النهار ولا في الليل لي نوم * فلا أبالي أطال الليل أم قصرا
ثم قال : ليس عند ربكم ليل ولا نهار يشير إلى أنه غير متطلع إلى الأوقات ، بل هو مع الذي يقدّر الليل والنهار « 6 » .
باب في العبادات
الصلاة
حكي عن الجنيد أنه قال : لكل شيء صفوة ، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى « 7 » .
...................................................
( 1 ) انظر : التعرف ( ص 121 ) ، واللمع ( ص 80 ) ، والرسالة ( 2 / 426 ) .
( 2 ) انظر : الحلية ( 10 / 280 ) .
( 3 ) انظر : العوارف ( ص 293 ) ، والرسالة ( 2 / 425 ) ، وطبقات السبكي ( 2 / 265 ) ، والاستقامة لابن تيمية ( ص 119 ) .
( 4 ) انظر : العوارف ( ص 293 ) ، ومدارج السالكين لابن قيم ( 2 / 174 ) .
( 5 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 344 ) .
( 6 ) انظر : مدارج السالكين ( 3 / 131 ) .
( 7 ) قال الإمام الطوسي : والمعنى في ذلك أن التكبيرة الأولى هي مقرونة بالنية التي لا تجوز الصلاة إلا بها ، وهو عقدك بأن صلاتك للّه عز وجلّ ، فإذا صح العقد فما دخل بعد ذلك في صلاتك من الآفات -


 
سئل الجنيد : ما فريضة الصلاة ؟ قال : قطع العلائق ، وجمع الهم ، والحضور بين يدي اللّه « 1 » .
قال الجنيد : لا يكون همك في صلاتك إقامتها دون الفرح والسرور بالاتصال بمن لا وسيلة إلا له « 2 » .
كان الجنيد في مجلسه ، فسأله أصحابه : يا أستاذ ، متى يكون اللّه عز وجلّ مقبلا على عبده ؟
فلهي عنهم ولم يجبهم ، فألحوا عليه ، فالتفت إليهم ، فقال : واعجباه ! يقف بين يدي ربه بلا حضور ، ويقتضي بهذه الوقفة إقبالا « 3 » .
وقال الجنيد بن محمد : أتدرون ما فرض الصلاة : قطع العلائق ، وجمع الهم ، والحضور بين يدي اللّه تعالى . قيل له : كيف تدخل في الصلاة ؟ قال : بإلقاء سمع وشهود قلب وحضور عقل وجمع همّ « 4 » .
الصوم
قال الجنيد رضي اللّه عنه : الصوم نصف الطريقة « 5 » .
حكي عن الجنيد أنه كان يصوم على الدوام ، فإذا دخل عليه إخوته أفطر معهم ، ويقول : ليس فضل المساعدة مع الإخوان بأقلّ من فضل الصوم للصائم « 6 » .
قيل : إن الجنيد أقام عشرين سنة لا يأكل إلا من الأسبوع إلى الأسبوع ، وورده كل يوم ثلاثمائة ركعة « 7 » .
........................................................................
- الباطنة لم يفسد الصلاة ، بل ينقص من فضلها ، ويبقى للمصلي عقدها ونيتها . وانظر : اللمع ( ص 204 ) .
( 1 ) انظر : العوارف للسهروردي ( ص 191 ) .
( 2 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 170 ) .
( 3 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 268 ) .
( 4 ) انظر : مختصر المؤمل لأبي شامة ( ص 75 ) .
( 5 ) انظر : كشف المحجوب للهجويري ( ص 564 ) .
( 6 ) انظر : اللمع ( ص 220 ) ، والعوارف ( ص 195 ) .
( 7 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 579 ) .
 
 


 
قال الجنيد رحمه اللّه : إذا رأيتم الفقير يسافر بلا ركوة فقد عزم على ترك الصلاة « 1 » .
وفي قول آخر عنه : فاشهدوا له بترك الصلاة « 2 » .
الزكاة
قال الجنيد : إنه قبيل الصيام ، إن أخذ المحتاج من صدقة التطوع أفضل من أخذه من الزكاة « 3 » .
قال الجنيد للخراساني الذي جاءه بمال وسأله أن يأكله : بل أفرّقه على الفقراء . فقال :
أنا أعلم بالفقراء منك ، ولم أختر هذا . فقال الجنيد : أنا أؤمل أن أعيش حتى آكل هذا ؟
فقال : إنّي لم أقل لك أنفقه في الخل والكامخ والبقل ، إنّما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوة ، فكلّ ما نفد أسرع كان أحبّ إليّ . فقال الجنيد : مثلك لا يحلّ أن يردّ عليه . فقبله ، فقال الرجل : ما ببغداد أحد أعظم منّة عليّ منّك . فقال الجنيد : وما ينبغي لأحد أن يقبل منه إلا من كان مثلك « 4 » .
وحكي عن الجنيد قدّس اللّه سرّه أنّه قال : لا يصحّ لأحد الأخذ حتى يكون الإخراج أحبّ إليه من الأخذ « 5 » .
وقال الجنيد قدّس اللّه سرّه : حملت دراهم إلى حسين بن المصري ، وكانت امرأته قد ولدت ، وهم في الصحراء ، وليس لهم جار ، فأبى أن يقبلها منّي ، فأخذت الدراهم ، ورميت بها في الحجرة التي كانت فيها المرأة ، وقلت : أيّتها المرأة ، هذه لك ، فلم يكن له حيلة فيما فعلت « 6 » .
حدّثنا بعض إخواننا عن شيخ له ، فقال : رأيت أبا الحسين النّوري يمدّ يده ، ويسأل الناس في بعض المواطن ، قال : فأعظمت ذلك واستقبحته ، فأتيت الجنيد ، فأخبرته ، فقال الجنيد : لا يعظم هذا عليك ، فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم ، إنما سأل لهم ليثيبهم
..................................................
( 1 ) انظر : المنهاج الواضح للماجري ( ص 150 ) .
( 2 ) وقال الماجري : فهذا في التعريض أشد على التحريض .
( 3 ) انظر : الكواكب ( 1 / 571 ) .
( 4 ) انظر : طبقات الأولياء لابن الملقن ( ص 131 ) ، وقوت القلوب لأبي طالب ( 2 / 414 ) .
( 5 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 578 ) ، واللمع للطوسي ( ص 262 ) .
( 6 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 263 ) .


 
من الآخرة ، فيؤجرون من حيث لا يضرّه .
ثم قال الجنيد : هات الميزان . فوزن مائة درهم ، ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ، ثم قال : احملها إليه .
قال الشيخ : قلت في نفسي : إنما يوزن الشيء ليعرف مقداره ، فهذا قد خلط منه شيئا آخر فصار مجهولا ، وهو رجل حكيم ، فاستحييت أن أسأله عن ذلك . قال : فذهبت بالصّرة إلى النوري ، فقال : هات الميزان . فوزن مائة درهم ، وقال : ردّها عليه ، وقل له : أنا لا أقبل منك أنت شيئا . وأخذ ما زاد على المائة ، قال : فقلت : هذا أعجب ، فسألته : لم فعلت هذا ؟
فقال : الجنيد رجل حكيم ، يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه ، وزن هذه المائة لنفسه للثواب من الآخرة ، وطرح عليها قبضة بلا وزن للّه عز وجلّ ، فأخذت ما كان للّه عز وجلّ ، ورددت ما كان جعله لنفسه . قال الشيخ : فرددتها إلى الجنيد ، فبكى ، وقال : أخذ ماله وردّ لنا مالنا « 1 » .
حكي عن الجنيد أنّه قال : ذهبت يوما إلى ابن الكرنبي ومعي دراهم أريد أن أدفعها إليه ، وكان عندي أنه لا يعرفني ، وسألت أن يأخذ ذلك ، فقال : أنا عنه مستغن . وأبى أن يأخذ مني . فقلت له : إن كنت أنت عنها مستغنيا فأنا رجل من المسلمين أسرّ بأخذك لها ، فتأخذها لإدخال السرور عليّ . فأخذها مني « 2 » .
الحج
حجّ الجنيد قدّس اللّه سرّه وجماعة من المشايخ الأجلّة رحمهم اللّه ، ولم يحجّوا إلا حجة الإسلام ، وحجتهم في اختيارهم في ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يحج إلا حجة واحدة « 3 » .
قال الجنيد : حججت على الوحدة ، فجاورت بمكة ، فكنت إذا جنّ الليل دخلت الطواف ، فإذا بجارية تطوف وتقول :
أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمته * فأصبح عندي قد أناخ وطنبا
.....................................................................
( 1 ) انظر : قوت القلوب لأبي طالب ( 2 / 416 ) .
( 2 ) يقول أبو طالب المكي : إن الصوفيين اختلفوا في الأخذ ، هل الأخذ من الواجب أفضل أم التطوع ؟
ورأت طائفة أن تأخذ من الواجب ولا تقبل من التطوع ، لأن الفقراء إن تواطأوا على ألا يقبلوا الزكوات أثموا جميعا ، ورأت طائفة أخرى أن تأخذ من النوافل دون الفرائض حتى لا تزاحم المساكين في حقوقهم ، وعلّها لا تكمل أوصافهم . وممن ذهب إلى هذا أبو القاسم الجنيد . وانظر : القوت ( 2 / 422 ) ، واللمع للطوسي ( ص 263 ) .
( 3 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 223 ) .


 
إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره * فإن رمت قربا من حبيبي تقربا
ويبدو فأفنى ثمّ أحيا به له * ويسعدني حتّى ألذّ وأطربا
قال : فقلت لها : يا جارية أما تتقين اللّه في مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام ؟
فالتفتت إليّ وقالت : يا جنيد ،
لولا التقى لم ترني * أهجر طيب الوسن
إنّ التقى شرّدني * كما ترى عن وطني
أفرّ من وجدي به * فحبّه هيّمني
 
ثم قالت : يا جنيد تطوف بالبيت أم بربّ البيت ؟ فقلت : أطوف بالبيت . فرفعت طرفها إلى السماء وقالت : سبحانك ! وما أعظم مشيئتك في خلقك خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار . ثم أنشأت تقول :
يطوفون بالأحجار يبغون قربة * إليك وهم أقسى قلوبا من الصخر
وتاهوا فلم يدروا من التيه من هم * وحلّوا محلّ القرب في باطن الفكر
فلو أخلصوا في الودّ غابت صفاتهم * وقامت صفات الودّ للحقّ بالذكر
 
قال أبو عمرو الزجّاجي : دخلت على الجنيد ، وكنت أريد الحج ، فأعطاني درهما صحيحا ، فشددته على مئزري ، فلم أدخل منزلا إلا وجدت فيه رفقاء ، ولم أحتج إلى الدرهم ، فلما حججت ورجعت إلى بغداد دخلت على الجنيد ، فمدّ يده ، وقال : هات .
فناولته الدرهم ، فقال : كيف كان ؟ فقلت كان الحتم نافذا « 1 » .
جاء رجل إلى الجنيد رضي اللّه عنه ، فقال له الجنيد : من أين جئت ؟ فقال : كنت في الحج . قال :
هل حججت ؟ قال : نعم . قال : هل رحلت عن جميع المعاصي منذ خرجت في البداية من بيتك ورحلت عن وطنك ؟ فقال : كلا . قال : لم ترحل . ثم قال : حين خرجت من البيت وأقمت كل ليلة بمنزل هل قطعت في هذا المقام مقاما من مقامات طريق الحق ؟ فقال :
كلا . قال : لم تقطع منزلا . ثم قال : حينما أحرمت في الميقات هل تجرّدت من صفات البشرية كما تجردت من ثيابك ؟ فقال : كلا . قال : إذن لم تحرم . ثم قال : حين وقفت
.......................................................
( 1 ) انظر : روضة الحبور ( ص 113 ) ، بتحقيقنا ، وروض الرياحين لليافعي ( ص 56 ) .
 
 


 
بعرفات هل لاح الوقت في كشف المشاهدة ؟ فقال : كلا . قال : إذن لم تقف بعرفات .
قال : حين ذهبت إلى المزدلفة وحصل مرادك هل تركت جميع الرغبات النفسانية ؟ فقال :
كلا . قال : لم تذهب إلى المزدلفة . فقال : كلا . قال : لم تطف . ثم قال : حين سعيت بين الصفا والمروة هل أدركت مقام الصفا ودرجة المروة ؟ فقال : كلا . قال : إنك لم تسع بعد . وقال : حينما جئت إلى منّى هل سقط عنك مناك ؟ فقال : كلا . قال : لم تذهب إلى منّى بعد ؟ ثم قال : عندما ضحّيت في المنحر هل ضحّيت برغبات نفسك ؟ فقال : كلا .
قال : فلم تضحّ . وقال : عندما رميت الجمرات هل رميت كل ما صحبت من المعاني النفسانية ؟ فقال : كلا . قال : فلم تلق الجمرات بعد ، ولم تحج ، فعد وحج على هذا النحو ؛ حتى تصل إلى مقام إبراهيم « 1 » .
قال الجريري : وافيت من الحج ، فابتدأت بالجنيد ، وسلّمت عليه ، وقلت : حتى لا يتعنّى ، ثم أتيت منزلي ، فلما صليت الغداة التفت ، فإذا بالجنيد خلفي ، فقلت : يا سيدي ، إنما ابتدأت بالسلام عليك ؛ لكي لا تتعنّى إلى هاهنا . فقال لي : يا أبا محمد ، هذا حقك ، وذاك فضل لك « 2 » .
باب العبودية
يقول سيدنا الجنيد : العبودية ترك الاشتغال ، والاشتغال بالشغل الذي هو أصل الفراغة « 3 » .
قال سيدنا الجنيد : مرضت مرضة فسألت اللّه أن يعافيني ، فقال لي في سرّي : لا تدخل بيني وبين نفسك « 4 » .
دخل رجل من أهل خراسان على الجنيد وعنده جماعة ، فقال للجنيد : متى يستوي عند العبد حامده وذامّه ؟ فقال بعض الشيوخ : إذا دخل البيمارستان وقيّد بقيدين . فقال
............................................................
( 1 ) انظر : كشف المحجوب للهجويري ( ص 574 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 2 / 497 ) ، والعوارف ( ص 244 ) ، واللمع ( ص 273 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 432 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة ( 2 / 432 ) .


 
الجنيد : ليس هذا من شأنك ، ثم أقبل على الرجل ، وقال : إذا تحقق أنه مخلوق . فشهق الرجل شهقة ، ومات « 1 » .
كان الجنيد يدخل كل يوم حانوته ،ويسبل الستر ،ويصلي أربعمائة ركعة ،ثم يعود إلى بيته «2» .
قال : سمعت الجنيد بن محمد يقول : لا تكون عبد اللّه بالكلية ، حتى لا تبقي عليك من غير اللّه بقية « 3 » .
قال الجنيد : لا تكن عبد اللّه حقّا ، وأنت لشيء سواه مسترقا « 4 » .
يقول الجنيد : إنك لن تكون له على الحقيقة عبدا وشيء مما دونه لك مسترق ، وإنك لن تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية ، فإذا كنت له وحده عبدا كنت مما دونه حرّا«5» .
قال الجنيد : بتّ ليلة عند السريّ رضي اللّه عنه فلما كان في بعض الليل قال لي : يا جنيد ، أنت نائم .
قلت : لا . قال : الساعة أوقفني الحق عز وجلّ بين يديه ، وقال لي : يا سريّ ، خلقت الخلق كلهم فادّعوا محبتي ، فخلقت الدنيا فاشتغل بها من كل عشرة آلاف تسعة آلاف عني بالدنيا وبقي ألف ، وخلقت الجنة فاشتغل بالجنة عنّي من الألف تسعمائة وبقي مائة ، فسلطت عليهم شيئا من البلاء ، فاشتغل عنّي من المائة تسعون بالبلاء ، وبقي عشرة ، فقلت لهم : أنتم لا الدنيا أردتم ، ولا في الآخرة رغبتم ، ولا من البلاء هربتم ، فماذا تريدون ؟ قالوا : إنك لتعلم ما نريد . فقلت : إني سأنزل عليكم من البلاء ما لا تطيقون ، ولا تحمله الجبال الرواسي ، أفتثبتون لذلك ؟ قالوا : أليس أنت الفاعل بنا قد رضينا بك نحمل ، وفيك نحمل ، ولك نحمل ما لا تطيقه الجبال . فقلت لهم : أنتم عبيدي حقّا « 6 » .
.........................................................
( 1 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 181 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 108 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 246 ) ، والسير للذهبي ( 14 / 67 ) .
( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 275 ) .
( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 275 ) .
( 5 ) انظر : طبقات الصوفية ( ص 158 ) .
( 6 ) انظر : روض الرياحين لليافعي ( ص 213 ) ، وبنحوه في الإيقاظ وعقب بقوله : وقال ابن عطاء اللّه في التنوير :
وإنما يعينهم على حمل الأحكام فتح باب الأفهام ، وإن شئت قلت : وإنما يقويهم على حمل أقداره شهود حسن اختياره ، وإن شئت قلت : وإنما يصبرهم على وجود حكمه علمهم بوجود علمه ، وإن شئت قلت : إنما يصبرهم على أفعاله ظهوره عليهم بوجود إجماله ، وإن شئت قلت : إنما صبرهم -






وقيل له : ما علامة العبد ؟ قال : ألا يشكو أحدا ، ولا يؤذي أحدا حتى يشكوه ، ويترك التقصير في الخدمة ، ويترك التدبير في التقدير « 1 » .
قال الجنيد : إن اللّه كشف لعباده معايبهم في ذكر الطين لهم ، وعرّفهم مقاديرهم بذكر النطفة ، وأشهدهم على عجزهم في تقلبهم ؛ ليعرفوا فاقتهم إليه في كل حال « 2 » .
قال الجنيد : قد ينقل العبد من حال إلى حال أرفع منها ، وقد بقي عليه من التي نقل عنها بقية ، فيشرف عليها من الحالة الثانية فيصححها « 3 » .
قال الجنيد : إن للّه عبادا على وطنات مطي حملانه يركبون ، وبالسرعة والبدار إليه يستبقون « 4 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه : إذا ذهب اسم العبد وثبت حكم اللّه تعالى ؟ قال : اعلم رحمك اللّه تعالى أنه إذا عظمت المعرفة باللّه ذهبت آثار العبد ، وانمحت رسومه ، فعند ذلك يبدو علم الحق ، وثبت اسم حكم اللّه تعالى « 5 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه : متى يستوي عند العبد حامده وذامّه ؟ فقال : إذا علم أنه مخلوق ، ويكون ثمّ « 6 » .
سئل الجنيد : متى يستوجب العبد أن يقال له عاقل ؟ فقال : سمعت سريّا يقول : هو ألا يظهر في جوارحه شيء قد ذمّه مولاه « 7 » .
قال الجنيد رضي اللّه عنه : أدركت سبعين عارفا كلهم يعبدون اللّه على ظنّ ووهم حتى أخي أبي يزيد لو أدرك صبيّا من صبياننا لأسلم على يديه « 8 » .
.............................................................
على القضاء علمهم بأن الصبر يورث الرضا ، وإن شئت قلت : إنما صبرهم على الأقدار كشف الحجب والأستار ، وإن شئت قلت : إنما صبرهم على أقداره علمهم بما أودع فيها من لطفه وأبراره انتهى .
( 1 ) انظر : المعزى في مناقب أبي يعزى للتادلي .
( 2 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 578 ) .
( 3 ) انظر : الكواكب الدرية ( 1 / 578 ) .
( 4 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 446 ) .
( 5 ) انظر : اللمع ( ص 297 ) .
( 6 ) انظر : اللمع ( ص 297 ) .
( 7 ) انظر : طبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 269 ) .
( 8 ) قال الشيخ الكتاني : قال الشيخ الشعراني : معناه أنهم يقولون : ما بعد المقام الذي وصلناه مقام فهذا وهم وظن ، فإن كل مقام فوقه مقام إلى ما لا يتناهى ، وليس معناه الظن والوهم في معرفتهم باللّه تعالى ، ومعنى لأسلم على يديه أي لانقاد له لأن الإسلام هو الانقياد ، انتهى واللّه أعلم . –
 
 


 
قال الجنيد : ليس من طلب اللّه يبذل المجهود ، كمن طلبه من طريق الجود ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلّم لمن سأله أن يشفع له وأن يكون معه في الجنة : « أعني على نفسك بكثرة السجود « 1 » » .
قال الجنيد : لو طالبنا اللّه بحقيقة ما عليه أبو سعيد لهلكنا . فقيل لإبراهيم بن شيبان : ما كان حاله ؟ قال : أقام سنين ما فاته الحق بين الخرزتين « 2 » .
قال الإمام الجنيد : آثرك اللّه يا أخي بالاصطفاء ، وجمعك بالاحتواء ، وخصّك بعلم أهل النّهى ، وأطلعك من المعرفة على ما هو أولى ، وتمّم لك ما تريد منك له ، ثم أخلاك منك له ، ومنه له به ، ليفردك في تقلّبه بما يشهدك ، من حيث لا يلحقك شاهد من الشواهد يخرجك .
فذلك أوّل الأول الذي محا به رسوم ما ترادف مما غيّبته به عنك ، بعلوّ ما استأثر به منه له ، ثم أفردك منك بك ، في أوّل تفريد التجريد ، وحقيقة كائن التفريد ، فكذلك إذا انفرد بذلك أباد ، وأفنى الإبادة ما سلف من الحقّ من الشاهد بعد إفناء محاضر الخلق ، فعند ذلك يقع حقيقة الحقيقة من الحق للحق ، ومن ذلك ما جرى بحقيقة علم الانتهاء إلى علم التوحيد على علم تفريد التجريد ، فقد عزره اللّه وحجبه عن كثير ممن ينتحله ويدّعيه ويتحقّقه ويصطفيه « 3 » .
قال الجنيد : أكرمك بطاعته ، وخصّك بولايته ، وجللك بستره ، ووفّقك لسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ،
..............................................................
- فخرج من هذا أن أهل الغربة الذين هم منهم مفاتيح الكنوز الأربعة ، والذين هم من الأفراد ، ومن أهل القربة والختم الذي هو منهم أيضا ، من ذوي الخلافة العظمى فهو بين الصديقية والنبوة والختم أعني به الختم المحمدي الأكبر أعلى الجميع مقاما وأرفعهم رتبة وأعز مراما ، لأنه الواسطة بين النبوة والولاية والحائز لكل ما عند الأولياء من الكمالات والعناية والفيوضات التي تفيض من ذاته صلى اللّه عليه وسلّم تتلقاها ذوات الأنبياء والصحابة وكل ما فاض وبرز من ذواتهم تتلقاه ذات هذا الختم ومنه يتفرق على جميع الأولياء من لدن آدم إلى النفخ في الصور وخص هو مرتبتهم بعلوم لا يعلمها إلا اللّه عز وجل وهو أعظم مظاهره صلى اللّه عليه وسلّم من البشر بعد الأنبياء والصحابة . انظر : جلاء القلوب ( 2 / 111 ) بتحقيقنا ، والطبقات الكبرى للشعراني ( 2 / 15 ) .
 ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 351 ) .
( 2 ) انظر : تفسير القرطبي ( 13 / 421 ) ، وتاريخ بغداد ( 4 / 246 ) ، وفيض القدير ( 2 / 8 ) .
( 3 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 313 ) .


 
وأطلعك على فهم كتابه ، وأنطقك بالحكمة ، وآنسك بالقرب ، وخصّك بالفوائد ، ومنحك الزيادات ، وألزمك بابه ، وكلّفك خدمته ، حتى تكون له موافقا ، ولكأس محبّته ذائقا ، فيتّصل العيش بالعيش ، والحياة بالحياة ، والروح بالروح ، فتتمّ النعمة ، وتسلم من المعتبة ، فتصحّ العافية ، وتكمل السلامة « 1 » .
وقال الجنيد بن محمد : قال أبو يزيد قدّس اللّه روحيهما :
إلهي ، إن كان في سابق علمك أنك تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي فيها حتى لا تسمع معي غيري .
وأنشد شعرا في ذلك « 2 » :
ولو قلت جد بالكلّ منك لنا لما * تأبيت فيما قلته عند ذلك
ولو وضع المعشار منّي على لظى * لضجّت من التعظيم في وجه مالك
فحبّك فرض كيف لي بأدائه * ولست لفرض ما حييت بتارك
 
وقال سيدنا الجنيد رضي اللّه عنه : من عجز عن سبعة أشياء لم تصف له العبودية :
فأولها : معرفة اللّه عز وجلّ .
الثانية : معرفة نفسه .
الثالثة : معرفة عدوه الشيطان .
الرابعة : معرفة الخلق .
الخامسة : معرفة دنياه .
السادسة : معرفة آخرته .
السابعة : معرفة الوقت ، وبه كمال المعرفة ؛ لأن من لم يعرف وقته فات وقته ، والالتفات إلى ما مضى شغل عمّا هو آت « 3 » .
.......................................................................
( 1 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 313 ) .
( 2 ) انظر : روضة الحبور ( ص 68 ) بتحقيقنا .
( 3 ) قال الشيخ أبو العباس التادلي معقبا : قلت : فمن عرف ربه أطاعه ، وقام بحق أوصافه بقدر استطاعته ، وخاف بغتة مكره ، ومن عرف نفسه قهرها حتى تنقاد لطاعة ربه ، ومن عرف الشيطان -


 
الافتقار
سئل عن قوله تعالى :وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ[ إبراهيم : 35 ] فقال الجنيد قدّس سرّه : أي امنعني وبني أن نرى لأنفسنا وسيلة إليك غير الافتقار « 1 » .
باب الإرادة والمريد
كان الجنيد يقول : أحبّ للمريد المبتدئ ألا يشغل قلبه بهذه الثلاث ، وإلا تغير حاله :
التكسب ، وطلب الحديث ، والتزوج « 2 » .
قال الجنيد : أحبّ للصوفي ألا يقرأ ولا يكتب ؛ لأنه أجمع لهمّه « 3 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن الفرق بين المريد والمراد ؟
فقال : المريد تتولاه سياسة العلم ، والمراد تتولاه رعاية الحق سبحانه ؛ لأن المريد يسير ، والمراد يطير ، فمتى يلحق السائر بالطائر « 4 » .
قال الجنيد : المريد الصادق غنيّ عن علم العلماء ، وإذا أراد اللّه بالمريد خيرا أوقعه إلى الصوفية ومنعه صحبة القراء « 5 » .
...........................................................
- وأنه عدو خالفه ولا يطيعه ففي طاعته سخط ربه ، ومن عرف الخلق وأنهم على أغراضهم لهى عنهم ابتغاء مرضاة ربه ، ومن عرف الدنيا وأنها أضغاث أحلام وأنها بغيضة اللّه نبذها وراء ظهره ورزقه منها يأتيه على رغم أنفها وكل من فيها ، ومن عرف آخرته وأنه ليس له فيها إلا ما سعى فيه في دنياه بادر قبل أن يفوته ، ومن عرف أن الوقت إن فات لا يرجع وأن الأيام مراحيل وأن ما من نفس مضى في غير طاعة ربه ذهب له فيه جوهر نفيس لا محالة حافظ على أوقاته إلا في حقها ، وانظر : المعزى في مناقب أبي يعزى ( بتحقيقنا ) .
 ( 1 ) انظر : روح المعاني للآلوسي ( 13 / 259 ) .
( 2 ) انظر : الإحياء ( 4 / 239 ) ، والقوت ( 1 / 542 ) ، وأقاويل الثقات ( ص 191 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 542 ) ، والإحياء ( 4 / 239 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة ( 2 / 439 ) ، والحبور ( ص 120 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 265 ) .
( 5 ) انظر : روضة الحبور ( ص 120 ) ، طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 85 ) ، والرسالة ( 2 / 438 ) ، ومدارج السالكين لابن قيم ( 2 / 366 ) وعقب بقوله : قلت : إذا صدق المريد وصح عقد صدقه مع اللّه : فتح اللّه على قلبه ببركة الصدق وحسن المعاملة مع اللّه ما يغنيه عن العلوم التي هي نتائج أفكار الناس وآرائهم وعن العلوم التي هي فضلة ليست من زاد القبر وعن كثير من إشارات الصوفية وعلومهم التي أفنوا فيها أعمارهم ، من معرفة النفس وآفاتها وعيوبها ومعرفة مفسدات الأعمال
 
 


 
قال الجنيد : إذا صدق المريد أغناه اللّه عن حفظ النقول بنور يجعله في قلبه يفرّق به بين الحق والباطل « 1 » .
باب الاستقامة
قال الجنيد في الاستقامة : لا يطيقها إلا فحول الرجال ؛ لأنها الخروج عن المألوفات ومفارقة الرسوم والعادات « 2 » .
قال الجنيد قدّس سرّه : الاستقامة مع الخوف والرجاء حال العابدين ، والاستقامة مع الهيبة والرجاء حال المقربين ، والاستقامة مع الغيبة عن رؤية الاستقامة حال العارفين وَلا تَطْغَوْا[ هود : 112 ] ولا تخرجوا عمّا حدّ لكم من الشريعة ؛ فإن الخروج عنها زندقة ،وَلا تَرْكَنُوا[ هود : 113 ] : أي لا تميلوا أدنى ميلإِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، وهي النفوس المظلمة المائلة إلى الشرور في أصل الخلقة ، كما قيل : ( الظلم من شيم النفوس ، فإن تجد ذا عفة فلعلة لم يظلم « 3 » ) .
باب الإخلاص
سئل الجنيد عن الإخلاص ؟ فقال : إخراج الخلق من معاملة اللّه تعالى ، والنفس أول الخلق « 4 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن الإخلاص ؟ فقال : ارتفاع رؤيتك ، وفناؤك عن الفعل « 5 » .
.............................................................
- وأحكام السلوك ، فإن حال صدقه وصحة طلبه ، يريه ذلك كله بالفعل ومثال ذلك : رجل قاعد في البلد يدأب ليله ونهاره في علم منازل الطريق وعقباتها وأوديتها ومواضع المتاهات فيها والموارد والمفاوز ، وآخر حمله الوجد وصدق الإرادة على أن ركب الطريق وسار فيها فصدقه يغنيه عن علم ذلك القاعد ويريه إياها في سلوكه عيانا .
 ( 1 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 575 ) .
( 2 ) انظر : فيض القدير ( 1 / 496 ) .
( 3 ) انظر : روح المعاني للآلوسي ( 12 / 168 ) .
( 4 ) انظر : اللمع ( ص 290 ) .

( 5 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 289 ) .
.
يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 16 يونيو 2020 - 17:31 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 16 يونيو 2020 - 13:55 من طرف عبدالله المسافر

الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي

الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد ابن الجنيد الخراز القواريري قدس اللّه روحه
الجزء الثالث 
قال الجنيد : الإخلاص ما أريد به اللّه من أي عمل كان « 1 » .
قال الجنيد : الإخلاص سرّ بين العبد وربّه ، لا يعلمه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، ولا هوى فيهلكه « 2 » .
قال الجنيد : إن للّه عبادا عقلوا ، فلما عقلوا عملوا ، فلما عملوا أخلصوا فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع « 3 » .
قال أبو بكر ختن الجنيد : أنشدني الجنيد بن محمد « 4 » :
أناس أمنّاهم فنموا حديثنا * فلما كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا
ولم يحفظوا الودّ الذي كان بيننا * ولا حين همّوا بالقطيعة أجملوا
يقول الجنيد : إن اللّه عز وجلّ يخلص إلى القلوب من برّه ، حسبما خلصت القلوب به إليه من ذكره ، فانظر ماذا خالط قلبك « 5 » .
سأل جعفر الخلدي أبا القاسم الجنيد : هل بين الإخلاص والصدق فرق ؟ قال : نعم ، الصدق أصل وهو الأول ، والإخلاص فرع وهو تابع « 6 » .
قال الجنيد : الإخلاص تصفية العمل من الكدورات « 7 » .
وقال : أول ما يرى من الإخلاص في أحوال الأولياء خلوص سرائرهم وهممهم وإرادتهم ثم خلوص أفعالهم فمن لم يخلص سرّه لا ينال الصفا فعله « 8 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه في الفرق بين الإخلاص والصدق معنى لطيفا لم يفسره ويحتاج إلى تفسير « 9 » .
.......................................................
( 1 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 99 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 446 ) ، والقوت ( 2 / 329 ) ، ومدارج السالكين ( 2 / 92 ) ، وتفسير القرطبي ( 2 / 146 ) .
( 3 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 379 ) .
( 4 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 10 / 269 ) .
( 5 ) انظر : طبقات الصوفية للسلمي ( ص 157 ) ، والحلية ( 10 / 279 ) .
( 6 ) انظر : العوارف للسهروردي ( ص 49 ) .
( 7 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 382 ) .
( 8 ) انظر : المعزى في مناقب أبي يعزى للتادلي .
( 9 ) انظر : قوت القلوب ( 2 / 329 ) .

 

يقول الجنيد : قال لي عبدون الزجّاجي : لأن ترد إلى اللّه عز وجلّ بهمّك ساعة خير لك مما طلعت عليه الشمس « 1 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : قال لي إبراهيم الآجري : يا غلام ، لأن ترد بهمك إلى اللّه تعالى طرفة عين خير لك مما طلعت عليه الشمس « 2 » .
قال الخلدي : سمعت الجنيد يقول : اصرف همك إلى اللّه تعالى ، وإيّاك أن تنظر بالعين التي بها تشاهد اللّه عز وجلّ إلى غير اللّه عز وجلّ فتسقط من عين اللّه عز وجلّ « 3 » .
وسئل رضي اللّه عنه عن الإخلاص ؟ فقال : فرض في مرض ، ونفل في نفل ، قيل له ما معناه ؟
قال : إن الإخلاص في الأعمال المفروضة فرض ، ثم النوافل غير مفروضة ، فإذا دخل العبد فيها فرض عليه الإخلاص فيها ، وإلا فقد أشرك ، وأنشد « 4 » :
وإن امرؤ لم يصفّ للّه قلبه * لفي وحشة من كل نظرة ناظر
وإن امرؤ لم يرتحل ببضاعة * إلى داره الأخرى فليس بتاجر
وإن امرؤ ابتاع دنيا بدينه * لمنقلب منها بصفقة خاسر
وقيل له : متى يصفو العمل للّه عز وجلّ ؟ قال : إذا لم تمازجه الأدناس ، ولم تخالطه ملاحظة الناس « 5 » .

باب الصدق
قال الجنيد : حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب « 6 » .
سئل الجنيد عن قوله تعالى :لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ[ الأحزاب : 8 ] ؟
قال : يسأل الصادقين عند أنفسهم عن صدقهم عند ربهم ، وهذا أمر على خطر « 7 » .
.........................................................
( 1 ) انظر : نفحات الأنس ( ص 75 ) .
( 2 ) انظر : اللمع ( ص 425 ) .
( 3 ) انظر : ذم الهوى لابن الجوزي ( ص 85 ) .
( 4 ) انظر : المعزى في مناقب أبي يعزى للتادلي .
( 5 ) انظر : المعزى في مناقب أبي يعزى للتادلي .
( 6 ) انظر : مدارج السالكين لابن قيم ( 2 / 277 ) ، وتاريخ بغداد للخطيب ( 7 / 245 ) ، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ( 2 / 271 ) .
( 7 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 387 ) .
 

 


 

قال الجنيد : إذا صدقت اللّه فأصدقه في سرّك ؛ فإنه تعالى جعل لإبليس على كل شيء طريقا إلا على صدق الأسرار « 1 » .
قال الجنيد : المريد الصادق غنيّ عن علوم العلماء يعمل على بيان ، يرى وجه الحق في وجوه الحق ، ويتوقّى وجوه الشر من وجوه الشر « 2 » .
قال الجنيد : من طلب عزّا بباطل أورثه اللّه ذلا بحقّ « 3 » .
وقال الجنيد قدّس اللّه سرّه : ما من أحد طلب أمرا بصدق وجدّ إلا أدركه ، وإن لم يدرك الكل أدرك البعض .
وأنشدوا في المعنى « 4 » :
وإذا الأمور تناتجت * فالصدق أكرمها نتاجا
والصدق يعقد فوق رأس * حليفه بالصدق تاجا
والصدق يقدح زنده * في كلّ ناحية سراجا
قال الجنيد : حقيقة الصدق تجري بموافقة اللّه تعالى في كل حال « 5 » .
قال الجنيد : رأيت في المنام كأن ملكين نزلا من السماء ، فقال أحدهما لي : ما الصدق ؟
فقلت : الوفاء بالعهد . فقال الآخر : صدق ، ثم صعدا « 6 » .
قال الجنيد : الصادق هو الذي جاد بالكونين طلبا لربه « 7 » .
قرئ أمام الجنيد رضي اللّه عنه قوله تعالى :لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ[ الصف : 2 ] فقال : يا إلهي ، إن قلنا قلنا بك ، وإن فعلنا فعلنا بتوفيقك ، فأين القول والفعل«8 ».
..................................................................
( 1 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 580 ) .
( 2 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 270 ) .
( 3 ) انظر : العاقبة في ذكر الموت لعبد الحق ( ص 134 ) ، وطبقات الأولياء لابن الملقن ( ص 127 ) .
( 4 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 288 ) ، وروضة الحبور ( ص 122 ) بتحقيقنا ، وكذا المعزى للتادلي .
( 5 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 288 ) .
( 6 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 727 ) .
( 7 ) انظر : تلبيس إبليس ( 3 / 152 ) .
( 8 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 641 ) .
 

وقال : ولو علم منك التحقيق لوسّع عليك الطريق ، ولو أشرت إليه في أول المصائب لأبرزت إليك لطائف العجائب « 1 » .
قال الجنيد : من خالفت إشارته معاملته فهو مدع كذّاب « 2 » .
قال الجنيد : العبارة كلها دعاوى « 3 » .
قال الجنيد : أضرّ ما على أهل الديانات الدعاوى « 4 » .
قال الجنيد : الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة ، والمرائي على حالة واحدة أربعين سنة « 5 » .
قال الجنيد : لو أقبل صادق على اللّه ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله « 6 » .

باب الحياء
وقال الجنيد : الحياء من اللّه عز وجلّ ، وأزال عن قلوب أوليائه سرور المنّة « 7 » .
وسئل الجنيد عن الحياء ؟ فقال : رؤية الآلاء والنعماء ورؤية التقصير ، فيتولد من بينهما حالة تسمّى الحياء « 8 » .
يقول الجنيد : لقيت إبليس يمشي في السوق عريانا ، وبيده كسرة خبز يأكلها ، فقلت له : أما تستحي من الناس ؟ فقال : يا أبا القاسم ، وهل بقي على وجه الأرض أحد يستحى منه ، من كان يستحى منهم تحت التراب ، قد أكلهم الثرى « 9 » .
.......................................................................
( 1 ) انظر : روضة الحبور ( ص 122 ) بتحقيقنا ، وكذا المعزى للتادلي .
( 2 ) انظر : سير أعلام النبلاء للذهبي ( 14 / 68 ) .
( 3 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 600 ) .
( 4 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 286 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 264 ) .
( 5 ) انظر : مدارج السالكين لابن قيم ( 2 / 274 ) ، والكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 573 ) ، وطبقات الشافعية الكبرى ( 2 / 265 ) ، والرسالة للقشيري ( 2 / 449 ) .
( 6 ) انظر : طبقات الصوفية ( ص 161 ) ، والرسالة ( 1 / 107 ) ، والحلية ( 10 / 278 ) .
( 7 ) انظر : طبقات الصوفية للسلمي ( ص 162 ) .
( 8 ) انظر : الرسالة القشيرية ( 2 / 459 ) ، ورياض الصالحين للنووي ( ص 186 ) ، والإيقاظ ( ص 199 ) .
( 9 ) انظر : طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 85 ) .



عن الجنيد قال : قال أبو موسى الديبلي : دخلت على أبي يزيد فإذا بين يديه ماء واقف يضطرب ، فقال لي : تعال . ثم قال : إن رجلا سألني عن الحياء فتكلمت عليه بشيء من علم الحياء ، فدار دورانا حتى صار كذا كما ترى وذاب .
قال الجنيد : وقال أحمد بن حضرويه : بقي معه قطعة كقطعة جوهر ، فاتخذت منه فصّا ، فكلّما تكلمت بكلام القوم أو سمعت من كلام القوم يذوب ذلك الفص حتى لم يبق منه شيء . قلت : وهذه من النحالة القبيحة التي وضعها الجهّال ، ولولا أن الجهالة يروونها مسندة ، فيظنونها شيئا لكان الإضراب عن ذكرها أولى « 1 » .

باب الحرية
قال الجنيد : إنك لا تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية « 2 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : آخر مقام العارف الحرية « 3 » .
باب الذكر والورد

قال الجنيد : من الأعمال ما لا يطّلع عليه الحفظة ، وهو ذكر اللّه بالقلب ، وما طويت عليه الضمائر من الهيبة والتعظيم للّه ، واعتقاد الخوف ، وإجلال أوامره ونواهيه « 4 » .
قيل للجنيد عند النزع : قل لا إله إلا اللّه . فقال : ما نسيته ، فأذكره ، وقال « 5 » :
حاضر في القلب يعمره * لست أنساه فأذكره
فهو مولاي ومعتمدي * ونصيبي منه أوفره
وأنشدوا للجنيد « 6 » :
ذكرتك لا أنّي نسيتك لمحة * وأيس ما في الذكر لساني
..............................................................
( 1 ) انظر : تلبيس إبليس ( ص 463 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 462 ) .
( 3 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 450 ) . والحرية عند القوم تعني : الخروج عن رق الأغيار ، وهي على مراتب ثلاثة : حرية العامة : الخروج عن رق اتباع الشهوات ، وحرية الخاصة : الخروج عن رق المرادات لاقتصارهم على ما يريده الحق بهم ، وحرية خاصة الخاصة : خروجهم عن رق الرسوم والآثار لانمحاق ظلمة كونهم في تجلي نور الأنوار . ( اللطائف 183 ) .
( 4 ) انظر : الكواكب للمناوي ( ص 577 ) .
( 5 ) الرسالة للقشيري ( 2 / 296 ) ، والكواكب للمناوي ( 1 / 583 ) .
( 6 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 124 ) .
 


 

وقال : حكي أن شابّا كان يصحب الجنيد ، فكان إذا سمع شيئا من الذكر يزعق ،
فقال له الجنيد يوما : إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني . فكان بعد ذلك يضبط نفسه ، حتى يقطر من كل شعرة منه قطرة ماء ، ولا يزعق .
فحكى أبو عمرو الزجاجي أنه اختنق يوما لشدة ضبطه لنفسه ، فشهق شهقة فانشق قلبه وتلفت نفسه « 1 » .
سأل جعفر الخلدي الجنيد قائلا : ما تقول أكرمك اللّه في الذكر الخفي ، ما هو الذي لا تعلمه الحفظة ؟
ومن أين زاد عمل السر على عمل العلانية سبعين ضعفا ؟

فأجابه الجنيد ، فقال : وفّقنا اللّه وإيّاكم لأرشد الأمور وأقربها إليه ، واستعملنا وإيّاكم بأرضى الأمور وأحبها إليه ، وختم لنا ولكم بخير ، فأما الذكر الذي يستأثر اللّه بعلمه دون غيره فهو ما اعتقدته القلوب ، وطويت عليه الضمائر مما لا تحرّك به الألسنة والجوارح ، وهو مثل الهيبة للّه ، والتعظيم للّه ، والإجلال للّه ، واعتقاد الخوف من اللّه ، وذلك كله فيما بين العبد وربّه ، لا يعلمه إلا من يعلم الغيب ، والدليل على ذلك قوله عز وجلّ :يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ[ القصص : 69 ] ،
وأشباه ذلك ، وهذه أشياء امتدح اللّه بها ، فهي له وحده جلّ ثناؤه .
وأما ما تعلمه الحفظة فما وكلت به ، وهو قوله :ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[ ق : 18 ] ،

وقوله :كِراماً كاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ[ الانفطار : 11 ، 12 ] ، فهذا الذي وكّل به الملائكة الحافظون ما لفظ به وبدا من لسانه ، وما يعلنون ويفعلون هو ما ظهر به السعي ، وما أضمرته القلوب مما لم يظهر على الجوارح ، وما تعتقده القلوب فذلك يعلمه جلّ ثناؤه ، وكل أعمال القلوب ما عقد لا يجاوز الضمير فهو مثل ذلك ، واللّه أعلم .

وما روي في الخبر من فضل عمل السر على عمل العلانية ، وأن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ضعفا ، فذلك واللّه أعلم لأن من عمل للّه عملا فأسرّه فقد أحبّ أن ينفرد اللّه عز وجلّ بعلم ذلك العمل منه .
..................................................
( 1 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 358 ) ، والإحياء ( 2 / 302 ) ، والرسالة ( 2 / 651 ) ، والعوارف ( ص 119 ) ، وروض الرياحين ( ص 180 ) ، ونشر المحاسن ( ص 330 ) ، وروضة الحبور ( ص 113 ) .
 

ومعناه : أن يستغني بعلم اللّه في عمله عن علم غيره ، وإذا استغنى القلب بعلم اللّه أخلص العمل فيه ، ولم يعرج على من دونه ، فإذا علم جلّ ذكره بصدق قصد العبد إليه وحده ، وسقط عن ذكر من دونه ، وأثبت ذلك العمل في أعمال الخالصين الصالحين المؤثرين للّه على من سواه ، وجازاه اللّه بعلمه بصدقه من الثواب سبعين ضعفا على ما عمل من لا يحل محله ، واللّه أعلم « 1 » .

قال الجنيد : صفاء القلوب على حسب صفاء الذكر وخلوصه من الشوائب « 2 » .
قوله تعالى :وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ[ الكهف : 24 ] قيل : أي إذا نسيت الكون بأسره حتى نفسك ، فإن الذكر لا يصفو إلا حينئذ ، وقيل : إذا نسيت الذكر ،
ومن هنا قال الجنيد قدّس سرّه : حقيقة الذكر الفناء بالمذكور عن الذكر « 3 » .
وقال قدّس سرّه في قوله تعالى :وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً[ الكهف : 24 ] إن فوق الذكر منزلة هي أقرب منزلة من الذكر ، وهي تشديد النعوت بذكره سبحانه لك قبل أن تذكره جلّ وعلا « 4 » .


وقد وقع للجنيد أن الإمام أحمد بن سريج قال له : إن رفع أصواتكم بالذكر يؤذي حلقتنا في العلم ، فقال له : ينبغي مراعاة أقرب الطريقين إلى اللّه تعالى .
فقال ابن سريج : فإذا وجب مراعاة طريقتنا لأنها أقرب إلى اللّه تعالى من طريقكم ، فقال الجنيد : وما علامة القرب ؟ قال ابن سريج : أن يكون الغالب عليه شهود الحق . فقال الجنيد : هذا عليكم لا لكم ؛ لأن الغالب عليكم إنما هو شهود أحكام دين اللّه ، لا اللّه . فقال ابن سريج : نريد حالة يقع الامتحان بها .
فقال الجنيد : يا فلان ، خذ هذا الحجر وألقه في حضرة هؤلاء الفقراء . فألقاه ، فصاحوا كلهم : اللّه . ثم قال له : خذ هذا الحجر وألقه بين هؤلاء الذين
................................................
( 1 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 264 ) .
( 2 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 573 ) .
( 3 ) انظر : روح المعاني ( 15 / 261 ) .
( 4 ) انظر : روح المعاني ( 21 / 15 ) .


يطالعون في العلم ، فألقاه ، فقالوا له : حرام عليك .
فقال ابن سريج : الحق معك يا أبا القاسم « 1 » .
...................................................................
( 1 ) انظر : العهود المحمدية ( ص 120 ) ، وقال سيدنا وشيخنا القطب الشعراني : وسمعت سيدي عليّا الخواص رحمه اللّه يقول : من علامة ترجيح ذكر اللّه على قراءة العلم ثقل العلم على لسان الإنسان وهو يطلع في الروح وخفة ذكر اللّه تعالى ، فإن المشرف على الانتقال من هذه الدار يجب عليه استغنام ما هو الأفضل ، فلو كان تعلم مسائل الفقه والنحو والأصول أفضل لما ثقلت على لسان المحتضر ، وأهل اللّه تعالى لقصر أملهم كأنهم محتضرون في كل وقت . وأخبرني الشيخ أحمد الضرير المقيم في الشرقية قال : جاورت عند الشيخ عمر شيخ الشيخ دمرداش بمصر ، وكان في مدينة توريز العجم أن شخصا من علماء توريز اسمه ملا عبد اللطيف كبير المفتين بها سعى في إبطال مجلس الذكر المتعلق بالشيخ عمر في الجامع الكبير وقال : إن المسجد إنما جعل بالأصالة للصلاة ، وكان يحضر ذلك المجلس نحو خمسة آلاف نفس ، فقال الشيخ عمر : فإذا ذكرنا بخفض الصوت تمنعنا من ذلك ؟ قال : لا فقال الشيخ عمر :

معاشر الفقراء اخفضوا أصواتكم في الذكر ومن قوي عليه وأراد برفع الصوت فليرده ويكتمه ما استطاع ففعلوا ، فحمل من المجلس ذلك اليوم نحو خمسمائة نفس مرضى واحترقت أكباد نحو أربعة عشر نفسا ، وخرجت من أجنابهم فماتوا قال الشيخ أحمد : فحسست بيدي على أكبادهم فوجدتها مشوية محروقة تفتتت كالكبد المشوي على الجمر فأرسل الشيخ عمر إلى ملا عبد اللطيف وجماعته وقال : هل يقول عاقل إن مثل هؤلاء الذين ماتوا لهم تفعل في الموت ولكن سهم اللّه تعالى في البعيد قال الشيخ أحمد : فتطبقت دار ملا عبد اللطيف تلك الليلة عليه وعلى أولاده وعياله وبهائمه وغلمانه فلم يسلم أحد منهم وماتوا أجمعين وكان يوما مشهودا في توريز .

فاعلم أنه ينبغي لطالب العلم أن يتلطف في العبارة للذاكرين ، ولا يقوم عليهم كقيامه على من يخرجه من الدين بل فعله ذلك هو الذي ينكر لأنه كالمنع من الدين ولو استحضر عظمة اللّه تعالى لما استطاع أن ينطق بكلمة في حق أحد من الذاكرين له .

فلازم يا أخي على الذكر وانصر أصحابه بالطريق الشرعي إكراما للّه تعالى وتعظيما له وإن احتفت قرائن الرياء وعدم الإخلاص في الذاكرين فانصر طلبة العلم المخلصين ولا تكن من الذين ينصرون أحد الفريقين بحظ النفس واللّه يتولى هداك .

وسمعت سيدي عليا المرصفي رحمه اللّه يقول : مراد الشارع صلى اللّه عليه وسلم ومشايخ الطريق من مريدهم إذا أكثر من الذكر باللسان والقلب أن يحصل له الأنس ويصير قلبه لا يغفل ولا يتكلف للذكر بل يكون الحق مشهوده على الدوام وتارة يشهد بقلبه وتارة يشهد هو أنه في حضرة اللّه وأن اللّه يراه وكلا الحالين إذا دام يمنع العبد من وقوعه في المعاصي وسوء الأدب مع اللّه تعالى ، وما لم يكثر العبد من ذكر اللّه عز وجل لا يحصل له هذا الأنس بل يقع في كل معصية كالبهائم السارحة . –

وفي قوله تعالى :وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ[ العنكبوت : 29 ] سئل الجنيد قدّس سرّه عن هذه الآية ؟ فقال : كل شيء يجتمع الناس عليه إلا الذكر فهو منكر « 1 » .
الورد : عندما شاخ الجنيد رضي اللّه عنه لم يضيّع أي ورد من أوراد الشباب ، فقيل له : أيها الشيخ ، لقد صرت ضعيفا ، فكفّ عن بعض النوافل .
قال : هذه أشياء أدركت بها في البداية ما أدركته ، فمحال أن أكفّ عنها في النهاية بعد قضاء اللّه « 2 » .
دخل ابن عطاء على الجنيد وهو في مرض الموت يجود بنفسه ، فسلّم ، فلم يرد عليه ، ثم ردّ عليه بعد ساعة ، وقال : اعذرني ؛ فإني كنت في وردي ، ثم حوّل وجهه إلى القبلة وكبّر ومات « 3 » .
رؤي في يد الجنيد سبحة ، فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة ؟ فقال : طريق وصلت به إلى ربّي لا أفارقه أبدا « 4 » .
وروى الحافظ اليغموري بإسناده إلى أبي الحسن بن المترفّق قال : سمعت عمرو بن علوان وقد رأيت في يده سبحة ، فقلت : يا أستاذ ، أنت مع عظم إشارتك تبني عبادتك وأنت مع السبحة ؟ فقال لي : كذا رأيت الجنيد بن محمد وفي يده سبحة ، فسألته عنها ؟
فقال : كذا رأيت أستاذي الحارث بن أسد المحاسبي وفي يده سبحة ، فسألته عمّا سألتني عنه ؟ فقال : كذا رأيت بشر بن الحارث وفي يديه سبحة ، فسألته عمّا سألتني عنه ؟ فقال :

كذا رأيت أستاذي عامر بن شعيب وفي يديه سبحة ، فسألته عمّا سألتني عنه ؟ فقال : كذا رأيت أستاذي الحسن بن أبي الحسن البصري وفي يده سبحة ، فسألته عن ذلك ؟ فقال : يا بني هذا شيء استعملناه في البدايات ، ما كنا بالذي نتركه في النهايات ، أحب أن أذكر اللّه تعالى بقلبي ويدي ولساني « 5 » .
................................................
- وسمعته مرة أخرى يقول : من خاصية تمكن الذكر من القلب أن يهذب أخلاق صاحبه فمن لم يتهذب فكأنه لم يذكر فهذا مقصود الشارع والأشياخ بأمرهم المريد إكثاره من الذكر ، واللّه أعلم .
( 1 ) انظر : روح المعاني ( 15 / 261 ) .
( 2 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 545 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 598 ) ، وطبقات الأولياء ( ص 134 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 245 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 108 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 245 ) ، وطبقات الأولياء ( ص 128 ) .
( 5 ) انظر : روضة الحبور ( ص 119 ) بتحقيقنا .
 

وقال الجنيد لجميع الطائفة : عليكم بالصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم في هذين الوقتين ؛ فإنهما ساعات الرضا ، وكانت الصحابة يسمع لهم دويّ بعد المغرب وبعد صلاة الصبح ؛ لما رأوا في ذلك من بركة الصلاة عليه صلى اللّه عليه وسلّم « 1 » .
وقال الجنيد : إذا صلّى العبد على النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم واستعاذ من الشيطان كفاه اللّه تعالى ما أهمّه « 2 » .
وأفاد الجنيد أن بعض الذاكرين ذكر اللّه تعالى ، وكان في بقعة مهجورة في فلاة ، فتنفّس فيها ، فنبتت نباتا حسنا ، وزكى ذلك النبات ونما ، فبكى ذلك العارف حتّى غشي عليه ، وقال : نفس في النباتات أظهرها ، فكيف لا يقيم القلوب المفتوحة ؟ ! فلمّا خرج من تلك البقعة ودّعته ، وطلبته لمّا مرّ عليها ثانيا : أن عد إليّ . وكان خطابها بلسان عربيّ طلق فصيح « 3 » .
.........................................................
( 1 ) قال الشيخ الإبشيهي : وبركة ذلك في الصباح والمساء ، وأن اللّه تعالى يكفيه ببركتها شرّ يومه وليلته ، وكان ذكر ذلك في الفائدة السابعة من باب أولى ، ووقت المغرب ووقت الغفلة ؛ لأن غالب الناس يكون في مأكله أو ما يحتاج إليه من أسباب معيشته ، وقيل : من صلّى المغرب وصلّى على النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم كفاه اللّه تعالى شرّ ليلته ، ومن صلّى عليه بعد صلاة الصبح وسّع اللّه تعالى عليه ، وكفاه شرّ يومه ورحمه . وانظر : محاسن الأخبار ( 1 / 123 ) بتحقيقنا .
( 2 ) انظر : محاسن الأخبار ( 1 / 125 ) ، بتحقيقنا .
( 3 ) قال الشيخ الإبشيهي : قلت : وشاهد هذا حديث أخرجه ابن جرير في تفسيره : أن المؤمن إذا مات بكى عليه من الأمكنة المحل الذي يذكر اللّه تعالى فيه ، ويذكره بما كان يصنع ، ويجعل اللّه تعالى له بدلا بنيته ، وحديث : « إنّ اللّه تعالى يباهي بالذّاكرين الملائكة » ، وحديث : « إنّ اللّه تعالى ينظر لأنفاسكم من أنفسكم » ، فالأنفس يصعد ذكره إلى ساق العرش .
ونقل المنذري : أن كلّ جلالة لها مشهد من أسماء الصفات ؛ فافهم ما قرّرناه لك .
وقال الروياني : ذكر اللّه تعالى أعلى الأذكار ، والجلالة اسم اللّه العظيم الأعظم .
وقال ابن صبيح : من أخلص سريرته في ذكره طوى اللّه تعالى له البعيد ، وسهّل له القريب ، وخدمته الدنيا راغمة ، وما سأل اللّه تعالى في شيء إلا أعطاه إيّاه .
وقال ابن كثير : الذكر سلاح قاطع ، وسيف باتر ، وجوهر يرى به العبد ما بعد من الجبال الخافية الخالية ، ولو همّ الذاكر للّه تعالى أن يحيي الموتى لفعل ، أو يوصل الأحياء لوصل .
وانظر : محاسن الأخبار في فضل الصلاة على النبي المختار ( 1 / 43 ) بتحقيقنا .


وقال الجنيد : إن اللّه تعالى يباهي بالذاكرين ملائكته ، وإن العبد إذا زهد الدنيا ناداه كل شيء زهد فيه : اللّهمّ أيقظ قلبه ، واسلبه حبّ الدنيا « 1 » .
ومن كلام الجنيد لبعض مريديه : عليك بطاعة اللّه تعالى تفز ، واستعمل الإخلاص تغنم ، وتزود إلى الآخرة باستعمال الأوراد في الصباح والمساء ؛ فإن الذكر عمل له نتيجة ، وهو وقاية للذاكر ، وحرز من الشيطان ، وأمان يوم الفزع الأكبر ، ويمر به العبد على الصراط ، ويدخله الجنّة . ثم بكى ،
وقال : إن البقاع شاهدة ، وإن اللّه تعالى يعطي الذاكرين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت « 2 » .

باب الفتوة
سئل الجنيد عن الفتوة ؟ قال : ألا تنافر فقيرا ، ولا تعارض غنيّا « 3 » .
قال الجنيد : الفتوة كفّ الأذى ، وبذل الندى ، وكفّ الشكوى « 4 » .
لما ورد أبو حفص النيسابوري مسجد الشونيزية اجتمع حوله المشايخ جملة ، وكان معهم الجنيد ، فكان يتحدث إليهم بعربية فصيحة بحيث حاروا جميعا من فصاحته ، وسألوه : ما الفتوة ؟ قال : فلتبدأوا بواحد منكم ، ولتتكلموا . فقال الجنيد : الفتوة عندي ترك الرؤية وإسقاط النسبة .
فقال أبو حفص : ما أحسن ما قال الشيخ ، ولكن الفتوة عندي أداء الإنصاف وترك مطالبة الانتصاف . قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : قوموا يا أصحابنا فقد زاد أبو حفص على آدم وذريته في الفتوة « 5 » .
قال الجنيد : الفتوة بالشام ، واللسان بالعراق ، والصدق بخراسان « 6 » .
.....................................................
( 1 ) انظر : محاسن الأخبار للإبشيهي ( 1 / 43 ) ، بتحقيقنا تحت قيد الطبع .
( 2 ) انظر : محاسن الأخبار للإبشيهي ( 1 / 43 ) ، بتحقيقنا تحت قيد الطبع .
( 3 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 473 ) ، ومدارج السالكين لابن قيم ( 2 / 342 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة ( 2 / 474 ) ، والكواكب للمناوي ( 1 / 582 ) ، وروح المعاني ( 10 / 364 ) .
( 5 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 336 ) .
( 6 ) انظر : الرسالة ( 2 / 473 ) .

 

باب الفراسة
سئل الجنيد عن الفراسة ؟ فقال : هي مصادفة الإصابة . فقيل له : هي للمتفرس في وقت المصادفة أو على الأوقات . قال : لا ، بل على الأوقات ؛ لأنها موهبة ، فهي معه كائنة دائمة ، فأخبر أن المواهب تكون دائمة « 1 » .
سئل الجنيد رضي اللّه تعالى عنه عن الفراسة ؟ فقال : آيات ربانيّة تظهر في أسرار العارفين ، فتنطق ألسنتهم بذلك فتصادف الحق « 2 » .

يقول أبو بكر الخطيب : لا يعرف للجنيد غير حديث واحد ، قال الجنيد : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « اتّقوا فراسة المؤمن ؛ فإنّه ينظر بنور اللّه « 3 » » ، ثم قرأ الجنيد :إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ[ الحجر : 75 ] فقال الجنيد : للمتفرّسين « 4 » .

قعد الجنيد للناس في الجامع ، فانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس ، فوقف عليه غلام نصرانيّ متنكرا ، وقال له : أيّها الشيخ ، ما معنى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « اتقوا فراسة المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور اللّه تعالى » ؟ فأطرق الجنيد ، ثم رفع رأسه ، وقال : أسلم ، فقد حان وقت إسلامك ، فأسلم الغلام « 5 » .
.........................................................
( 1 ) انظر : التعرف ( ص 157 ) ، وروح المعاني للآلوسي ( 14 / 89 ) .
( 2 ) انظر : وروح المعاني للآلوسي ( 14 / 89 ) .
( 3 ) رواه الترمذي ( 3127 ) ، والطبراني في الكبير ( 8 / 121 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 4 / 94 ) ، ( 6 / 118 ) ، وأبو سعد الماليني الهروي في الأربعين كما في مجموع الأربعين للنبهاني ( ص 305 ) ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ( 10 / 268 ) ، وحسنه ، وكذلك ذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة ( 2 / 305 ) ، وسكت عليه الحافظ في الفتح ( 12 / 405 ) ، والحديث من شواهده ومتابعاته تبين أنه لا يقل عن درجة الحسن لغيره ، وإن كنا ضعفناه نقلا من قبل في كتابنا أحاديث مشهورة لكنها لا تصح ، وكذلك عند تحقيقنا ، لسر الأسرار لأرسطاليس ، والفراسة للرازي ، والسياسة في علم الفراسة للأنصاري ، وغير ذلك ، فهو لا خلاف في صحته كشفا .
( 4 ) انظر : طبقات الصوفية ( ص 156 ) ، وطبقات السبكي ( 2 / 268 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 2 / 493 ) ، ومدارج السالكين ( 2 / 485 ) ، والشذرات ( 2 / 229 ) .
 

الخلق
يقول تعالى ذاكرا رسوله صلى اللّه عليه وسلّم :وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[ القلم : 4 ] يقول الجنيد :
كان صلى اللّه عليه وسلّم خلقه عظيما ؛ لأنه لم يكن له همّة سوى اللّه تعالى « 1 » .
وقال اللّه تعالى :ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى[ النجم : 17 ] ، فلم تكن له كما قال الجنيد همّة سوى اللّه « 2 » .
وسئل عن الخلق العظيم ؟ فقال : اجتمع فيه أربعة أشياء : السخاء ، والألفة ، والنصيحة ، والشفقة « 3 » .
وقال الجنيد : سمعت الحارث المحاسبي يقول : فقدنا ثلاثة أشياء : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الأمانة ، وحسن الإخاء مع الوفاء « 4 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : لأن يصحبني رجل فاسق حسن الخلق أحبّ إليّ من أن يصحبني قارئ سيىء الخلق « 5 » .

باب الجود والكرم والسخاء
ورد أيضا قوله : باب كل نفيس جليل بذل المجهود ، وليس من عبد اللّه ببذل المجهود كمن طلبه من طريق الجود « 6 » .
وقال الجنيد : لو بدت عين من الكرم لألحقت المسيئين بالمحسنين ، وبقيت أعمال العاملين فضلا لهم « 7 » .
قال الجنيد : إن بدت عين من الكرم ألحقت اللاحقين بالسابقين ، ومع وجود هذا ينبغي الجهد والجهاد « 8 » .
.........................................
( 1 ) انظر : العوارف للسهروردي ( ص 138 ) ، والقرطبي ( 18 / 227 ) ، وقال الثعالبي في تفسيره ( 4 / 325 ) : عاشر الخلق بخلقه ، وزايلهم بقلبه ، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق .
( 2 ) انظر : جلاء القلوب ( 2 / 159 ) ، بتحقيقنا .
( 3 ) انظر : العوارف للسهروردي ( ص 139 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 495 ) .
( 5 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 2 / 172 ) ، واللمع للطوسي ( ص 235 ) .
( 6 ) انظر : الجامع لأخلاق الراوي والسامع للخطيب ( 2 / 180 ) ، وطبقات السبكي ( 2 / 267 ) .
( 7 ) انظر : الحلية ( 10 / 267 ) .
( 8 ) انظر : نفحات الأنس ( ص 341 ) .



سئل الجنيد من الكريم ؟ فقال : الكريم من لا يحوجك إلى وسيلة « 1 » .
قال الجنيد : إن بدت عين من الكرم ألحقت المسئ بالمحسن . قال أبو العباس بن عطاء : متى تبدو ؟
فقال له الجنيد : هي بادية ؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في حديث قدسيّ : « سبقت رحمتي غضبي »« 2 »  « 3 » .
وقد اختلف العلماء في شخصين :
سئل أحدهما شيئا من بذل ماله في سبيل اللّه ، فأبت نفسه عليه ، فجاهدها ، وأخرج ماله ، وسئل الآخر بذل ماله ، فبذله مع السؤال طوعا من غير منازعة النفس ولا مجاهدة منه ، أيهما أفضل ؟ قال قوم : الذي سمحت نفسه بالبذل طوعا من غير إكراه ولا اعتراض أفضل ؛ لأن مقام هذا في سخاوة النفس ، والتحقق بالزهد أفضل من جميع أعمال الأول من الإكراه والمجاهدة ، ومن بذل ماله على ذلك ، ولأن الأول وإن غلب نفسه في هذه الكرة لا يأمن غلبتها في كرة ثانية أو ثالثة ؛ إذ ليس السخاء من مقامها ؛ لأنها كانت محمولة عليه « 4 » .

وقال : كان معي أربعة دراهم ، فدخلت على السريّ ، وقلت له : أربعة دراهم جعلتها لك . فقال لي : أبشر يا غلام إنك تفلح ، كنت أحتاج إلى أربعة دراهم ، فقلت : اللّهمّ ابعثها على يدي من يفلح عندك « 5 » .

باب الغيرة
يقول الجنيد قدّس اللّه سرّه : لو قال لي اللّه : انظر إليّ ، أقول : لا أرى ؛ لأن العين في المحبة غير وغريب ، وغيرة الغيرية تمنعني من الرؤية ؛ لأني كنت آراه في الدنيا بغير واسطة العين ، فكيف أتخذ واسطة في العقبى ؟ « 6 » .
...................................................
( 1 ) انظر : اللمع ( ص 302 ) ، والإيقاظ ( 2 / 39 ) وعنده : لا يحوج إلى سؤال .
( 2 ) رواه البخاري ( 6 / 2700 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 257 ) ، والنسائي في الكبرى ( 4 / 417 ) ، وابن ماجة ( 1 / 67 ) .
( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 263 ) ، والكواكب ( 1 / 152 ) .
( 4 ) وإلى ذلك ذهب الجنيد وانظر : قوت القلوب ( 1 / 372 ) .
( 5 ) أورده القشيري في الرسالة ( 2 / 700 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 10 / 270 ) ، وابن الأطعاني في روضة الحبور ( ص 113 ) .
( 6 ) انظر : كشف المحجوب للهجويري ( ص 577 ) .

 
باب الولاية والأولياء

وقال الجنيد : الإيمان والتصديق بطريقنا هذا ولاية « 1 » .
قال الجنيد رضي الله عنه : من صفة الولي ألا يكون له خوف ؛ لأن الخوف ترقّب مكروه يحلّ في المستقبل ، أو انتظار محبوب يفوت في المستأنف ، والولي ابن وقته ، ليس له مستقبل فيخاف شيئا ، وكما لا خوف له لا رجاء له ؛ لأن الرجاء انتظار محبوب يحصل ، أو مكروه يكشف ، وذلك في الثاني من الوقت ، كذلك لا يحزن ؛ لأن الحزن من حزونة الوقت ، فمن كان في ضياء الرضا وروضة الموافقة أي الأصل أين يكون له حزن ؟ كما قال اللّه تبارك وتعالى :أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[ يونس : 62 ] « 2 » .
يقول الجنيد : من نظر إلى وليّ من أولياء اللّه تعالى فقبله وأكرمه أكرمه اللّه على رؤوس الأشهاد « 3 » .
كان بعض العلماء يؤثر فقراء الصوفية على غيرهم ، فذكر هذا الكلام لأبي القاسم الجنيد فاستحسنه ، وقال : هذا كلام وليّ من أولياء اللّه تعالى . ثم قال : ما سمعت منذ زمن كلاما أحسن من هذا ، وبلغني أن هذا الرجل اختلّ حاله في أمر الدنيا ، حتى همّ بترك الحانوت ، فوجّه إليه الجنيد بمال كان صرف إليه ، فقال : اجعل هذا في بضاعتك ، ولا تترك الحانوت ؛ فإن التجارة لا تضرّ مثلك « 4 » .
..................................................
( 1 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 578 ) ، وكشف الظنون لحاجي خليفة ( 1 / 265 ) .
( 2 ) يقول الهجويري : ثم إن الجنيد وأبا العباس السياري وأبا بكر الواسطي ومحمد بن علي الترمذي رضوان اللّه عليهم أجمعين ، اتفقوا على أن الكرامة تظهر في حال الصحو والتمكين دون السكر ، لأن اللّه تعالى جعل أولياءه أولياء للعالم ، وناط بهم الحل والعقد ، وصير أحكام العالم موصولة بهمتهم ، فوجب أن تكون آراؤهم أصح كل الآراء ، وقولهم أشفق كل القلوب ، وبخاصة على خلق اللّه ، لأنهم واصلون ، والتلوين والسكر يكونان في حال الابتداء ، فإذا حصل البلوغ تبدل التلوين بالتمكين ، ومن ثم يكون الولي وليا حقا ، وتكون كراماته صحيحة . وانظر : كشف المحجوب ( ص 415 ، 462 ) .
( 3 ) انظر : طبقات الصوفية ( ص 162 ) .
( 4 ) ويضيف المكي ويقال إن هذا الرجل كان بقالا ، ولم يكن يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه .
وانظر : القوت ( 2 / 266 ) .
 

قال الجنيد : من حسنت رعايته دامت ولايته « 1 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : لقد كنت أرى أقواما تجزيني منهم النظرة ، فهي زادي من الجمعة إلى الجمعة « 2 » .
قال الجنيد : لا يرتقي في الدرجات من لم يحكم فيما بينه وبين اللّه أول البداية ، وهي الفروض الواجبة ، ثم الأوراد الزاكية ، ومطايا الفضل ، وعزائم الأمر ، فمن أحكمها منّ اللّه عليه بما بعده « 3 » .
وقال الجنيد : هم قوم شموا روح ما دعاهم إليه ، فأرسلوا إلى قطع العلائق الشاغلة عنه ، وهجموا بالنفوس على معانقة الجدّ ، وتجرّعوا مرارة المكابدة ، وصدقوا اللّه تعالى في المعاملة ، فأحسنوا الأدب فيما توجّهوا إليه ، وهانت عليهم المصائب في كل ما يلقون لديه ، وعرفوا قدر ما يطلبون ، فسجنوا نفوسهم وهممهم عن الالتفات إلى مذكور سوى وليهم ، فحيوا حياة الأبد بالحي الذي لم يزل ولا يزال « 4 » .

وقال قدّس سرّه : إن للّه عبادا صحبوا الدنيا بأبدانهم ، وفارقوها بعقود إيمانهم ، أشرف بهم علم اليقين على ما هم إليه صائرون ، وفيه مقيمون ، وإليه راجعون ، فهربوا من مطالبة نفوسهم الأمّارة بالسوء ، والداعية إلى المهالك ، والمعينة للأعداء ، والمتّبعة للهوى ، والمغموسة في البلاء ، والمتمكنة بأكناف الأسواء ، إلى قبول داعي التنزيل المحكم الذي لا يحتمل التأويل ؛ إذ سمعوه يقول :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ[ الأنفال : 24 ] ،

فقرع أسماع فهومهم حلاوة الدعوة لتصفّح التمييز ، وتنسّموا بروح ما أدّته إليهم الفهوم الطاهرة من أدناس خفايا محبة البقاء في دار الغرور ، فأسرعوا إلى حذف العلائق المشغلة قلوب المراقبين معها ، وهجموا بالنفوس على معانقة الأعمال ، وتجرّعوا مرارة المكابدة ، وصدقوا اللّه في معاملته ، وأحسنوا الأدب فيما توجهوا إليه ، وهانت عليهم المصائب ، وعرفوا قدر ما يطلبون ، واغتنموا سلامة الأوقات وسلامة الجوارح ، وأماتوا شهوات النفوس ، وسجنوا همومهم عن التلفّت إلى مذكور سوى وليّهم ،
.....................................................
( 1 ) انظر : العوارف ( ص 278 ) .
( 2 ) انظر : اللمع ( ص 334 ) .
( 3 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 578 ) .
( 4 ) انظر : المنهاج الواضح في كرامات أبي محمد صالح ( ص 83 ) بتحقيقنا .

.
يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 16 يونيو 2020 - 17:32 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 16 يونيو 2020 - 13:56 من طرف عبدالله المسافر

الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي

الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد ابن الجنيد الخراز القواريري قدس اللّه روحه
الجزء الرابع
وحرسوا قلوبهم عن التطلع في مراقي الغفلة ، وأقاموا عليها رقيبا من علم من لا يخفى عليه مثقال ذرة في برّ ولا بحر ، ومن أحاط بكل شيء علما وأحاط به خبرا ، فانقادت تلك النفوس بعد اعتياصها ، واستبقت منافسة لأبناء جنسها ، نفوس ساسها وليّها وحفظها بارئها ، وكلأها كافيها .
فتوهّم يا أخي إن كنت ذا بصيرة ماذا يرد عليهم في وقت مناجاتهم ؟
وما ذا يلقونه من نوازل حاجاتهم ؟
ترى أرواحا تتردد في أجساد قد أذبلتها الخشية ، وذلّلتها الخدمة ، وتسربلها الحياء ، وجمعها القرب ، وأسكنها الوقار ، وأنطقها الحذار ، أنيسها الخلوة ، وحديثها الفكرة ، وشعارها الذكر ، شغلها باللّه متّصل ، وعن غيره منفصل ، لا تتلقّى قادما ، ولا تشيّع ظاعنا ، غذاؤها الجوع والظمأ ، وراحتها التوكّل ، وكنزها الثقة باللّه ، ومعولها الاعتماد ، ودواؤها الصبر ، وقرينها الرضا ، نفوس قدّمت لتأدية الحقوق ، ورقّيت لنفيس العلم المخزون ، وكفيت ثقل المحن .لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ[ الأنبياء : 103 ] ،
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ[ فصلت : 31 ، 32 ] « 1 » .
كان الكتبة يحضرون مجلس الجنيد لألفاظه ، والفقهاء لتقريره ، والفلاسفة لدقة نظره ومعانيه ، والمتكلمون لتحقيقه ، والصوفية لإشاراته وحقائقه « 2 » .
في قوله تعالى :وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ[ الرعد : 7 ]
قال الجنيد : هو عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه « 3 » .
كان الجنيد يقول : أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام إذا قرئ عنده القرآن يصيح ويصعق « 4 » .
...................................................
( 1 ) انظر هذه المقطوعة في : الحلية ( 10 / 262 ) .
( 2 ) انظر : الكواكب الدرية ( 1 / 571 ) .
( 3 ) قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات ، وقيل : الهادي رجل من بني هاشم .
وانظر : تفسير ابن كثير ( 2 / 503 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 95 ) ، والسير للذهبي ( 12 / 87 ) ، والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي ( ص 43 ) .


 

قال الجنيد : كان الشافعي قدّس اللّه سرّه من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدنيا ، وعظ أخا له في اللّه وخوّفه باللّه ، فقال : يا أخي ، إن الدنيا دحض مزلة ودار مذلة ، عمرانها إلى الخراب صائر ، وساكنها إلى القبور زائر ، شملها على الفرقة موقوف ، وغناها إلى الفقر مصروف ، الإكثار فيها إعسار ، والإعسار فيها يسار ، فافزع إلى اللّه ، وارض برزق اللّه ، لا تتسلف من دار بقائك إلى دار فنائك ؛ فإن عيشك فيء زائل وجدار مائل ، أكثر من عملك ، واقصر من أملك « 1 » .
اجتاز أبو العباس بن سريج الفقيه بمجلس الجنيد ، فسمع كلامه ، فقيل له : ما تقول في هذا الكلام ؟ فقال : لا أدري ما يقول ، ولكني أرى لهذا الكلام صولة ليست بصولة مبطل « 2 » .
عن أبي العباس بن سريج : أنه تكلم يوما فعجبوا ، فقال : ببركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد « 3 » .
قال الجنيد : أعطي أهل بغداد الشطح والعبارة ، وأهل خراسان القلب والسخاء ، وأهل البصرة الزهد والقناعة ، وأهل الشام الحلم والسلامة ، وأهل الحجاز الصبر والإنابة « 4 » .
قال سريّ السقطيّ : صليت وردي ليلة من الليالي ، ومددت رجلي في المحراب ، فنوديت : يا سريّ ، هكذا تجالس الملوك ، فضممت رجلي ، ثم قلت : وعزّتك ما مددت رجلي أبدا .
وقال الجنيد : فبقي ستين سنة ما مدّ رجله ليلا ولا نهارا « 5 » .
لما حضرت سريّا السقطيّ الوفاة قال له الجنيد : يا سريّ ، لا يرون بعدك مثلك . قال : ولا أخلف عليهم بعدي مثلك « 6 » .
قال الجنيد : منذ مات النوريّ لم يخبر عن حقيقة الصدق أحد « 7 » .
........................................................
( 1 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 3 / 210 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 733 ) .
( 3 ) السير للذهبي ( 14 / 67 ) .
( 4 ) انظر : السير للذهبي ( 14 / 69 ) .
( 5 ) انظر : العوارف ( ص 166 ) .
( 6 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 246 ) .
( 7 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 1 / 112 ) ، والمعزى في مناقب أبي يعزى ( ص 13 ) بتحقيقنا تحت قيد الطبع .


 

قال الجنيد : الشبليّ تاج هؤلاء الأولياء « 1 » .
عن أبي القاسم الكعبي أنه قال : رأيت لكم شيخا ببغداد ، يقال له الجنيد ، ما رأت عيناي مثله ، كان الكتبة - يعني البلغاء - يحضرونه لألفاظه ، والفلاسفة يحضرونه لدقة معانيه والمتكلمون يحضرونه لزمام علمه، وكلامه بائن عن فهمهم وعلمهم«2».
قال الخلدي : لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير الجنيد ، كانت له حال خطيرة ، وعلم غزير ، إذا رأيت حاله رجّحته على علمه ، وإذا تكلم رجّحت علمه على حاله « 3 » .
قال ابن نجيد : ثلاثة لا رابع لهم : الجنيد ببغداد ، وأبو عثمان بنيسابور ، وأبو عبد اللّه ابن الجلاء بالشام « 4 » .
سئل الجنيد : من القطب ؟ قال : لم يظهر « 5 » .
.....................................................................
( 1 ) انظر : البداية والنهاية لابن كثير ( 11 / 215 ) .
( 2 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 243 ) .
( 3 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 243 ) .
( 4 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 244 ) ، والمستطرف ( ص 307 ) .
( 5 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 359 ) ، وقال الشيخ القاشاني في معنى القطب : وهو الغوث ، وقد سمي غوثا باعتبار التجاء الملهوف إليه ، وهو عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر اللّه في كل زمان ، أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه . ومحل نظره من أن العالم من حيث محاذاته نقطة الكعبة ، وبيت العزة ، والبيت المعمور ، ومحل القدمين ، ومستوى الرحمن ، فهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد على وجه يحكم به الأذواق الصحيحة ولا تأباه الفطرة السليمة ، بيده قسطاس الفيض الأعم ، وزنه يتبع علمه ، وعلمه يتبع علم الحق ، وعلم الحق يتبع الماهيات الغير المجبولة حيث يعطيه العلم بها بحسبها ، وهو قلب نقيض روح الحياة محل الكون الأعلى والأسفل من ينبوع الغيب الظاهر في لبس المظاهر ، باهري الإمامين ، وشرايين الأعداد حتى يظفر منه كل قطر الوجود ، مع الأنفاس ، والآيات . بحظه المقدر له ، ولعلمه سعة لا يقبل الغاية في سعته .
وهو على قلب إسرافيل من حيث حصة الملكية الحاملة مادة الحياة والإحساس ، ولا من حيثية إنسانية ، فإن إسرافيل في هذه الحيثية جزء دائرة القطب ، ومحل تصرفه . والإنسان إذا بلغت ملكيته أغيا غاية الكمال انتهت إلى حيطة واحد من عظماء الملائكة ، واتصلت به رقيقته الروحانية .
وحكم إسرافيل في العالم كحكم الروح الحيواني الحامل مادة الحياة والحس والحركة .
وحكم جبريل فيه كحكم النفس الناطقة في النشأة الإنسانية .
وحكم ميكائيل فيه كحكم القوة الحادثة فيها .
وحكم عزرائيل فيه كحكم القوة الدافعة فيها .
سأل ابن شاهين الجنيد عن معنى مع ؟
فقال : مع علي معنيين : مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة ، قال اللّه تعالى :إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى[ طه : 46 ] ، ومع العامة بالعلم والإحاطة ، قال تعالى :ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ[ المجادلة : 7 ] . قال ابن شاهين : مثلك يصلح أن يكون دالا للأمة على اللّه « 1 » .
في قوله تعالى :طسم[ الشعراء : 1 ]
قال الجنيد قدّس سرّه : الطاء طرب التائبين في ميدان الرحمة ، والسين سرور العارفين في ميدان الوصلة ، والميم مقام المحبين في ميدان القربة « 2 » .

باب الفقر
قال أبو القاسم الجنيد بن محمد : الفقر خلوّ القلب عن الأشكال « 3 » .
حكي عن الجنيد قدّس اللّه سرّه أنه قال : علامة الفقير الصادق ألا يسأل أحدا ، ولا يعارض ، وإن عورض سكت « 4 » .
يقول الجنيد : يا معشر الفقراء ، إنكم تعرفون باللّه ، وتكرمون للّه ، فانظروا كيف تكونون مع اللّه إذا خلوتم به « 5 » .
قال الجنيد : معاشر الفقراء ، إنما عرفتم به ، وأكرمتم من أجله ، فإذا خلوتم فانظروا كيف تكونون معه « 6 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن أعزّ الناس ؟ فقال : الفقير الراضي « 7 » .
.............................................................................
( 1 ) انظر : الرسالة ( / 39 ) ، ونفح الطيب ( 5 / 292 ) ، والمنهاج الواضح ( ص 66 ) بتحقيقنا .
( 2 ) وقيل : الطاء طهارة القدم من الحدثان ، والسين سناء صفاته تعالى التي تكشف في مرايا البرهان ، والميم مجده سبحانه الذي ظهر بوصف البهاء في قلوب أهل العرفان . وانظر : روح المعاني ( 19 / 153 ) .
( 3 ) يعقب الهجويري بقوله : فحين يخلو القلب عن الانشغال بالشكل ، والشكل موجود فما الوجه سوى طرحه . وانظر : كشف المحجوب ( ص 224 ) .
( 4 ) انظر : اللمع ( ص 75 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 2 / 539 ) ، وطبقات الأولياء لابن الملقن ( ص 129 ) .
( 6 ) رواه البيهقي في الشعب ( 6983 ) ، ( 5 / 368 ) ، وسنده : أخبرنا أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمان الصاحب نا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران بمكة أنا أبو بكر أحمد بن محمد البغوي قال . . .
( 7 ) انظر : اللمع ( ص 293 ) .



سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن الفقير الصادق ؟ فقال : هو ألا يستغني بشيء ، ويستغني به كل شيء « 1 » .
قال الجنيد : إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ، ولا تلقه بالعلم ؛ فإن الرفق يؤنسه ، والعلم يوحشه .
فقال له المرتعشي : يا أبا القاسم ، وهل يكون فقير يوحشه العلم ؟
فقال : نعم ، الفقير إذا كان صادقا في فقره فطرحت عليه علمك ذاب ، كما يذوب الرصاص على النار « 2 » .
سئل الجنيد عن الفقير الصادق ، متى يكون مستوجبا لدخول الجنة قبل الأغنياء ، بخمسمائة عام ؟
فقال : إذا كان هذا الفقير معاملا للّه عز وجلّ بقلبه ، موافقا للّه فيما منع ، حتى يعد الفقر من اللّه نعمة عليه ، يخاف على زوالها كما يخاف على زوال غناه ، وكان صابرا محتسبا ، مسرورا باختيار اللّه له الفقر ، صائنا لدينه ، كاتما للفقر ، مظهرا للإياس من الناس ، مستغنيا بربّه في فقره ، كما قال اللّه عز وجلّ :لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ[ البقرة : 273 ] ،
فإذا كان الفقير بهذه الصفة يدخل الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ، ويكفى يوم القيامة مؤونة الوقوف والحساب إن شاء اللّه تعالى « 3 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن غنيّ شاكر وفقير صابر أيهما أفضل ؟ فقال : ليس مدح الغني للوجود ، ولا مدح الفقير للعدم ، إنما المدح في الاثنين قيامهما بشروط ما عليهما ، فشرط الغني يصحبه فيما عليه أشياء تلائم صفته وتمتعها وتلذذها ، والفقير يصحبه فيما عليه أشياء تلائم صفته وتقبضها وتزعجها ، فإذا كان الاثنان قائمين للّه تعالى بشروط ما عليهما كان الذي آلم صفته وأزعجها أتم حالا ممن متع صفته ونعمها « 4 » .
عن جعفر الخلدي قال : دخل رجل إلى الجنيد ، فأراد أن يخرج من ملكه كله ، ويجلس معهم على الفقر ،
فسمعت الجنيد قدّس اللّه سرّه يقول له : لا تخرج كل ما معك ، اجلس مقدار ما يكفيك وأخرج الفضل ، وتقوّت بما حبست ، واجتهد في طلب الحلال ، لا
.......................................
( 1 ) انظر : اللمع ( ص 151 ) .
( 2 ) انظر : اللمع ( ص 233 ) ، والرسالة ( 2 / 545 ) ، وطبقات الصوفية ( ص 160 ) ، وطريق الهجرتين لابن قيم ( 87 ) .
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 292 ) .
( 4 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 140 ) ، والقوت ( 1 / 410 ) .


 

تخرج كل ما عندك ، فلست آمن عليك أن تطالبك نفسك ، والنبي صلى اللّه عليه وسلّم كان إذا أراد أن يعمل عملا أثبته « 1 » .
جرى ذات يوم بين الجنيد وابن عطاء قدّس اللّه سرّهما حديث في هذه المسألة ( المفاضلة بين الغني والفقير ) ، فقدّم ابن عطاء الدليل على أن الأغنياء أفضل ؛ لأنهم يحاسبون في القيامة ، وإسماع الحساب يكون كلام اللّه بلا واسطة في محل العتاب ، والعتاب يكون من الحبيب للحبيب . فقال الجنيد : إذا كانوا يحاسبون ( الأغنياء ) فإنهم يعتذرون للفقراء ، والعذر أفضل من عتاب الحساب « 2 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : علم الفقير إذا قوي ضعفت محبته ، وإذا ضعف قويت محبته ، وحكم الفقير أن يكون فوق محبته « 3 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : جاء إبراهيم الصياد البغدادي يوما إلى السريّ السقطيّ وكان إزاره قطعة حصير ، فقال السقطي : هذا المال . وأمر أصحابه أن يشتروا له جبّة ، فقال إبراهيم : تقعد مع الفقراء ، وتدخر عشرة دراهم ، فما لبسها إبراهيم ، وامتنع من أخذها « 4 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه أيهما أتم : الاستغناء باللّه تعالى أم الافتقار إلى اللّه عز وجلّ ؟
فقال : الافتقار إلى اللّه عز وجلّ موجب للغنى باللّه عز وجلّ ، فإذا صحّ الافتقار إلى اللّه عز وجلّ كما الغنى باللّه تعالى فلا يقال أيهما أتم ؟ لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بتمام الآخر ، ومن صحح الافتقار صحح الغنى « 5 » .
كان الجنيد جالسا أيام الموسم وحوله جماعة كثيرون من العجم والمولدين ، فجاءه إنسان بخمسمائة دينار ، ووضعها بين يديه ، وقال : تفرّقها على هؤلاء الفقراء ، فقال الجنيد : ألك غيرها ؟ فقال : نعم ، لي دنانير كثيرة . فقال : أتريد غير ما تملك ؟ فقال : نعم .
فقال له الجنيد : خذها ؛ فإنك أحوج إليها منّا . ولم يقبلها « 6 » .
..........................................................
( 1 ) انظر : اللمع ( ص 274 ) .
( 2 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 220 ) .
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 231 ) .
( 4 ) انظر : طبقات الأولياء ( ص 25 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 2 / 539 ) ، واللمع ( 291 ) .
( 6 ) انظر : الرسالة ( 1 / 414 ) ، وطبقات الشعراني ( 1 / 85 ) .


 

باب التصوف والصوفية
يقول الجنيد : مبنى التصوف على أخلاق ثمانية من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام :
السخاء وهو لإبراهيم ، والرضا وهو لإسحاق ، والصبر وهو لأيوب ، والإشارة وهي لزكريا ، والغربة وهي ليحيى ، ولبس الصوف وهو لموسى ، والسياحة وهي لعيسى ، والفقر وهو لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم وعليهم أجمعين « 1 » .
قال الجنيد : التصوف ذكر مع اجتماع ، ووجد مع استماع ، وعمل مع اتّباع « 2 » .
قال الجنيد : إنما هذا الاسم ( يعني التصوف ) نعت أقيم العبد فيه . فقال أبو بكر الملاعقي : يا سيدي ، نعت للعبد أم نعت للحق ؟ فقال الجنيد : نعت للحق حقيقة ، ونعت للعبد رسما « 3 » .
قال الجنيد : الصوفي كالأرض ، يطرح عليها كل قبيح ، ولا يخرج منها إلا كل مليح « 4 » .
وقال الجنيد : الصوفي كالأرض يطؤها البرّ والفاجر ، وكالسحاب يظلّ كل شيء ، وكالمطر يسقي كل شيء « 5 » .
سئل الجنيد عن التصوف ؟ فقال : هو أن يميتك الحق عنك ، ويحييك به « 6 » .
سئل الجنيد عن التصوف ؟ فقال : هو أن تكون مع اللّه تعالى بلا علاقة « 7 » .
قال الجنيد : التصوف هو عنوة لا صلح فيها « 8 » .
وقال الجنيد : لا يكون العارف عارفا حتى يكون كالأرض يطؤها البرّ والفاجر ، وكالسحاب يظلّ كل شيء ، وكالمطر يسقي ما يحبّ وما لا يحبّ « 9 » .
.................................................................
( 1 ) انظر : روضة الحبور (ص 119) ، وطبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 85 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 553 ) .
( 3 ) انظر : طبقات الصوفية للسلمي ( ص 158 ) ، والحبور ( ص 119 ) .
( 4 ) انظر : العوارف ( ص 40 ) ، والرسالة ( 2 / 553 ) ، والحبور ( ص 119 ) .
( 5 ) انظر : العوارف ( ص 40 ) ، والرسالة ( 2 / 553 ) ، والحبور ( ص 119 ) .
( 6 ) انظر : العوارف ( ص 39 ) ، والرسالة ( 2 / 551 ) ، والحبور ( ص 120 ) .
( 7 ) انظر : اللمع ( ص 45 ) ، والرسالة ( 2 / 552 ) ، والعوارف ( ص 37 ) ، والحبور ( ص 120 ) .
( 8 ) انظر : الرسالة ( 2 / 553 ) ، والحبور ( ص 119 ) ، وطبقات الشعراني ( 1 / 85 ) .
( 9 ) انظر : العوارف ( ص 40 ) ، والرسالة ( 2 / 553 ) .




قال الجنيد : ما أخذنا التصوف عن القال والقيل ، لكن عن الجوع ، وترك الدنيا ، وقطع المألوفات ، والمستحسنات ؛ لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع اللّه ، وأصله العزوف عن الدنيا ، كما قال حارثة : عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري « 1 » .
سئل الجنيد عن التصوف ؟ فقال : تصفية القلب عن موافقة البرية ، ومفارقة الأخلاق الطبيعية ، وإخماد الصفات البشرية ، ومجانبة الدواعي النفسانية ، ومنازلة الصفات الروحانية ، والتعلق بالعلوم الحقيقية ، واستعمال ما هو أولى عن الأبدية ، والنصح لجميع الأمة ، والوفاء للّه على الحقيقة ، واتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلّم في الشريعة « 2 » .
قال الجنيد : التصوف حفظ الأوقات ، وهو ألا يطالع العبد غير حدّه ، ولا يوافق غير ربّه ، ولا يقارن غير وقته « 3 » .
سئل الجنيد ما التصوف ؟ قال : لحوق السر بالحق ، ولا ينال ذلك إلا بفناء النفس عن الأسباب ؛ لقوة الروح والقيام مع الحق « 4 » .
قال الجنيد : الصوفية هم أهل بيت واحد ، لا يدخل فيهم غيرهم « 5 » .
قال الجنيد : إذا رأيت الصوفيّ يعنى بظاهره فاعلم أن باطنه خراب « 6 » .
وقال الجنيد : لكل أمة صفوة ، وصفوة هذه الأمة الصوفية « 7 » .
وقيل للجنيد مرة : ما بال أصحابك يأكلون كثيرا ؟ فقال : لأنهم يجوعون كثيرا . قيل له : فما بالهم لا تهمهم قوة شهوة ؟ فقال : لأنهم لم يذوقوا طعم الزنا ويأكلون الحلال . قيل له : فما بالهم إذا سمعوا القرآن لا يطربون ؟ قال : وأي شيء في القرآن يطرب في الدنيا ،
...................................................
( 1 ) انظر : الحلية ( 10 / 277 ) ، والرسالة ( 1 / 106 ) ، وطبقات الصوفية ( ص 158 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 246 ) ، وطبقات الحنابلة ( 1 / 127 ) ، وطبقات الشافعية الكبرى ( 2 / 266 ) ، وذم الهوى لابن الجوزي ( ص 51 ) ، وروضة الحبور ( ص 119 ) .
( 2 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 35 ) .
( 3 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 109 ) .
( 4 ) انظر : التعرف ( ص 109 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 2 / 553 ) ، وطبقات الأولياء ( ص 127 ) .
( 6 ) انظر : الرسالة ( 2 / 553 ) .
( 7 ) انظر : طبقات الأولياء لابن الملقن ( ص 128 ) .
 

القرآن حقّ نزل من عند حقّ ، لا يليق بصفات الخلق ، كل حرف منه على الخلق واجب ، لا يخرجهم منه إلا الوفاء للّه عز وجلّ ، فإذا سمعوه في الآخرة من قائله أطربهم . قيل له : فما بالهم يسمعون القصائد والأشعار والغناء فيطربون ؟ فقال : لأنها مما عملت أيديهم ، ولأنه كلام المحبين .
قيل له : فما بالهم محرومون من أموال الناس ؟ فقال : لأن اللّه تعالى يرضى لهم ما في أيدي الناس ، لئلا يميلوا إلى الخلق ، فيقطعوا عن الحق تعالى ، فأفرد القصد منهم إليه ؛ اعتناء بهم « 1 » .
سئل الجنيد بن محمد قدّس اللّه سرّه عن الصوفية : من هم ؟ فقال : أثرة اللّه في خلقه ، يخفيها إذا أحب ، ويظهرها إذا أحب « 2 » .
وقال الجنيد : إذا أراد اللّه تعالى بالعبد خيرا أوقعه على الصوفية ومنعه صحبة القراء « 3 » .
وسئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن التصوف ما هو ؟ فقال : اجتناب كل خلق دنيّ ، واستعمال كل خلق سنيّ ، وأن تعمل للّه ، ثم لا ترى أنك عملت « 4 » .
قيل لبعض المتكلمين : قد ذكرت الطوائف ، وعارضتهم ، ولم تذكر الصوفية ! فقال : لم أعرف لهم علما ولا قولا ، ولا ما راموه ؟ قيل : بل هم السادة ، وذكروا له الجنيد ، ثم أتو الجنيد فسألوه عن التصوف ؟ فقال : هو إفراد القديم عن الحدث ، والخروج عن الوطن ، وقطع المحاب ، وترك ما علم أو جهل ، وأن يكون المرء زاهدا فيما عند اللّه ، راغبا فيما للّه عنده ، فإذا كان كذلك حظاه إلى كشف العلوم ، والعبارة عن الوجوه ، وعلم السرائر ، وفقه الأرواح .
فقال المتكلم : هذا واللّه علم حسن ، فلو أعدته حتى نكتبه . قال : كلا ، مر إلى المكان الذي منه بدأ النسيان ، وذكر فصلا طويلا .
فقال المتكلم : إن كان رجل يهدم ما يثبت بالعقل بكلمة من كلامه فهذا ؛ فإن كلامه لا يحتمل المعارضة « 5 » .
قال الجنيد : الصوفية أهل غيب ، لا يدخل فيهم غيرهم « 6 » .
......................................................
( 1 ) انظر : طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 86 ) .
( 2 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 46 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 436 ) .
( 4 ) انظر : اللمع ( ص 296 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 271 ) .
( 5 ) انظر : سير الذهبي ( 14 / 69 ) .
( 6 ) انظر : روح المعاني للآلوسي ( 10 / 105 ) .

 

باب الأدب
قال الجنيد : الأدب أدبان : أدب السر ، وأدب العلانية ، فالأول طهارة القلب من العيوب ، والعلانية حفظ الجوارح من الذنوب « 1 » .
دخل أبو حفص بغداد ، فقال له الجنيد : لقد أدبت أصحابك أدب السلاطين .
فقال له أبو حفص : حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن « 2 » .
قال الجنيد : إذا صحّت المحبة سقطت شروط الأدب « 3 » .
سئل الجنيد عن الأدب ؟ فقال : حسن العشرة « 4 » .

باب أحكامهم في السفر
قال القشيريّ : وهذه الطائفة مختلفون ؛ فمنهم من آثر الإقامة على السفر ولم يسافر إلا لفرض كحجّة الإسلام ، والغالب عليهم الإقامة مثل الجنيد ، وسهل ، وأبي يزيد ، وأبي حفص وغيرهم « 5 » .الصحبة والأخوة
سأل رجل الجنيد من أصحب ؟ فقال : من تقدر أن تطلعه على ما يعلمه اللّه منك « 6 » .
وسأل رجل الجنيد من أصحب ؟ فقال : اصحب بعدي من تأمنه سرّ اللّه فيك « 7 » .
وسأل رجل الجنيد من أصحب ؟ فقال : من يقدر أن ينسى ما له ، ويقضي ما عليه « 8 » .
وقال الجنيد : ما احتشم صاحب من صاحبه أن يسأله حاجة إلا لنقص في أحدهما «9» .
.................................................................
( 1 ) انظر : طبقات الأولياء لابن الملقن ( ص 128 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 2 / 561 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 563 ) .
( 4 ) انظر : آداب الصحبة ( ص 69 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة للقشيري ( ص 224 ) .
( 6 ) انظر : طبقات الصوفية للسلمي ( ص 161 ) .
( 7 ) انظر : طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ( 2 / 270 ) .
( 8 ) انظر : طبقات الصوفية للسلمي ( ص 161 ) .
( 9 ) انظر : طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 86 ) .
 

قال الجنيد : صحبت أربع طبقات من هذه الطائفة ، كل طبقة ثلاثون رجلا : حارثا المحاسبي وطبقته ، وحسنا المسوحي وطبقته ، وسريّا السقطيّ وطبقته ، وابن الكرنبي وطبقته « 1 » .
ويحكى عنه رضي اللّه عنه قال : صحبت خمس طبقات من الناس الأكابر :
أولهم أبو الحسن البصري ، والحارث المحاسبي ، وأبو جعفر القصاب ، وأبو يعقوب محمد بن الصباح ، ونظائرهم في السنّ والمكانة .
والطبقة الثانية : أبو عثمان الوراق ، وأبو الحسن ابن الكرنبي ، وأبو حمزة محمد بن إبراهيم ، وحسن السروجي ، ومحمد بن أبي الورد ونظائرهم في السنّ والمكانة .
والطبقة الثالثة : أبو محمد بن وهب ، وأبو جعفر يعقوب بن الزيات ، وسعد الدمشقي البزاز ، وحسين النجار ونظائرهم في السنّ والمكانة .
والطبقة الرابعة : أبو القاسم الواسطي ، وأبو عبد اللّه الباجلي ، وأبو العباس الآدمي ، وأبو أحمد المغازي ، ومحمد بن السمّاك ، وأبو بكر المخزومي وجماعة من نظائرهم في السنّ والمكانة .
والطبقة الخامسة : في هذه التي نحن فيها ما رأيت منهم أحدا زاحمته حاجة عند صاحبه إلى حيث انتهينا بحثهم صاحبه إلا بنظر نقص في أحدهم ، وعلى هذا مضى أكابر أهل هذه الطريقة « 2 » .
يذكر النووي حادثة جرت في مجلس الجنيد ، وكانت سببا في تلقيب محمد بن جعفر الخوّاص صاحب الجنيد بالخلدي : قيل له الخلدي لأنه كان يوما عند الجنيد ، فسئل يوما عن مسألة ، فقال الجنيد : أجبهم . فأجابهم ،
فقال له الجنيد : من أين لك هذه الأجوبة ؟
فقال : من خلدي . فبقي عليه هذا الاسم « 3 » .
قال رجل للجنيد : قد عز في هذا الزمان أخ في اللّه تعالى ، قال : فسكت عنه ، ثم أعاد ذلك ، فقال له الجنيد : إذا أردت أخا في اللّه عز وجلّ يكفيك مؤنتك ويتحمل أذاك فهذا
................................................
( 1 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 2 / 189 ) .
( 2 ) انظر : المعزى في مناقب أبي يعزى للتادلي ( بتحقيقنا ) .
( 3 ) انظر : بستان العارفين للنووي ( ص 40 ) .


 

قال رجل للجنيد : قد عز في هذا الزمان أخ في اللّه تعالى ، قال : فسكت عنه ، ثم أعاد ذلك ، فقال له الجنيد : إذا أردت أخا في اللّه عز وجلّ يكفيك مؤنتك ويتحمل أذاك فهذا لعمري قليل ، وإن أردت أخا في اللّه تتحمل أنت مؤنته وتصبر على أذاه فعندي جماعة أدلّك عليهم إن أحببت « 1 » .
قال الجنيد : صحبت قوما بالبصرة ، فأكرموني ، فقلت يوما مرة : أين إزاري ؟ فسقطت من أعينهم « 2 » .
قال الجنيد : ما تواخى اثنان في اللّه فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتشم إلا لعلة في أحدهما « 3 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : إذا كان لك صديق فلا تسؤه فيك بما يكرهه « 4 » .
قال الجنيد : مؤاكلة الإخوان رضاع ؛ فانظروا من تواكلون « 5 » .
وقال عبد الرحمن بن إسماعيل : كنت ببغداد ووافى لي الحاج من خراسان ، فلقيني بعض أصحابنا الذين عاشرناهم ممن له فضل وأفضال على هذه الطائفة ، فسألني أن أعرّفه جماعة ليصلهم بشيء قد حمله معه برسمهم ، فقلت له : ابدأ بأبي القاسم الجنيد . فحمل إليه دراهم كثيرة وثيابا كثيرة ، فلما رآه الجنيد أعجبه أدبه في رفقته ، فقال له : اجعل بعضه للفقراء أذكرهم لك . فقال له الخراساني : أنا أعرف الفقراء أيها الشيخ .
فقال الجنيد : أنا أأمل أن أعيش حتى آكل هذا ؟ قال : إني لم أقل لك أنفقه في الخل والبقل والكامخ والجبن والملح ، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوات ، وكلما كان أسرع فهو أحبّ عليّ .
فتبسم الجنيد ، وقال له : مثلك لا يحل أن يرد عليه . فقبل ذلك منه ، فقال الخراساني : ما أعلم ببغداد أعظم منّة عليّ منك . فقال الجنيد : ولا يبقى لأحد أن يرتفق إلا ممن كان مثلك « 6 » .
...................................
( 1 ) انظر : العوارف ( ص 252 ) ، والإحياء ( 2 / 189 ) .
( 2 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 583 ) .
( 3 ) انظر : القوت ( 2 / 467 ) ، والإحياء ( 2 / 189 ) .
( 4 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 279 ) .
( 5 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 578 ) .
( 6 ) انظر : روضة الحبور ( ص 116 ) بتحقيقنا .


 
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : سمعت السريّ يقول : دخل السماك عليّ ، وجماعة من الناس كانوا عندي ، فتوقف وما قعد ، ونظر إليّ ، فقال : صرت مناخ البطالين . فرجع فما أعجبه هذا الاجتماع « 1 » .
قال أبو جعفر الفرغاني : كنّا يوما عند الجنيد ، فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد ، ويتشبهون بالصوفية ، ويقصّرون عمّا يجب عليهم من حقّ الجلوس ، ويعيبون من يدخل السوق ، فقال الجنيد : كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل المسجد ، ويأخذ بأذن بعض من فيه ، فيخرجه ، ويجلس مكانه ، وإني لأعرف رجلا يدخل السوق ورده كل يوم ثلاثمائة ركعة ، وثلاثون ألف تسبيحة ، قال : فسبق إلى وهمي أنه يعني نفسه « 2 » .
قال أبو عمر الأنماطي : اعتلّ النوريّ ، فبعث إليه الجنيد بصرّة فيها دراهم ، وعاده فردّه النوريّ ، ثم اعتلّ الجنيد بعد ذلك ، فدخل عليه النوريّ عائدا ، فقعد عند رأسه ، ووضع يده على جبهته ، فعوفي من ساعته . فقال النوري للجنيد : إذا عدت إخوانك فارفقهم بمثل هذا البر « 3 » .
قال الجنيد : المروءة احتمال ذلل الإخوان « 4 » .
قال الجنيد للشبلي : يا أبا بكر ، إذا وجدت من يوافقك على كلمة مما تقول فتمسك به « 5 » .
يحكى أن مريدا من مريدي الإمام الجنيد رضي اللّه عنه خيّل إليه أنه وصل إلى درجة الكمال ، وقال لنفسه : إن الوحدة أفضل لي من الصحبة ، واعتكف في زاويته وأعرض عن صحبة الجماعة ، فلما أقبل الليل جيء بجمل ، وقيل له : ينبغي لك أن تذهب إلى الجنة ، فركبه وأخذ يسير حتى بدا له مكان بهيج ، وكان فيه جماعة حسان الصور ، وأطعمة طيبة ، ومياه جارية ، واستبقوه حتى وقت السحر ، ثم نام فلما استيقظ رأى نفسه على باب صومعته حتى استشرت فيه رعونة الآدمية ، وأظهرت نخوة الشباب أثرها في قلبه ، فأطلق لسان
………………………............
( 1 ) انظر : نفحات الأنس للجامي ( ص 78 ) .
( 2 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 2 / 85 ) .
( 3 ) انظر : تاريخ بغداد ( 5 / 133 ) .
( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 268 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 264 ) .
( 5 ) انظر : طبقات الصوفية ( ص 160 ) .



الدعوى ، وكان يقول : إن لي كذا وكذا . حتى أبلغ الخبر الجنيد ، فنهض وجاء إلى صومعته ، فوجده وقد ملأ رأسه زهوا ، وتمكن في دماغه الكبر ، فسأله الجنيد عن حاله ؟ فذكر للجنيد كل شيء ، فقال له رضي اللّه عنه : عندما تذهب الليلة إلى ذلك المكان قل : لا حول ولا قوة إلا باللّه العليّ العظيم ثلاث مرات . فلما جنّ الليل حملوه ، وكان في قلبه ينكر علم الجنيد ، فلما انقضى زمن . . قال : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ثلاث مرات على سبيل التجربة ، فضجّ أولئك جميعا وانصرفوا ، ووجد نفسه جالسا في وسط مزبلة وقد أحاطت به بعض عظام الرمم ، ووقف على خطأه وتعلق بأهداب التوبة ، ورجع إلى صحبة أصحابه « 1 » .

وورد في الآثار أن رجلا من أهل الدنيا عرض نفسه وماله على الجنيد رحمه اللّه ، وسأله أن يباسطه في كل ما سنح له من حوائجه ، فقال له الجنيد : لعلك محتاج إلى ما معك . فقال الرجل : لا أحتاج إليه ؛ فإني موسر ، ومالي صامت وعقار وضياع . فقال الجنيد : ومع هذا تريد الزيادة ؟ قال : نعم . فأخرج الجنيد خرقة وعليها عقد ، ففتحها وأخرج منها شيئا ، وقال : خذ هذا وأضفه إلى ما عندك ؛ فإنك محبّ في الزيادة ، محتاج إليها ، وأنا غنيّ ، غير محتاج إليها ، فخجل الرجل « 2 » .

قال أبو طالب : جاء شابّ من خراسان لزيارة الجنيد ، فأخذ الجنيد من الشاب عصاه وركوته ، وأرسلها البيت ووضعها في مخزن وقفله ، وتلك الليلة كان لأصحاب الجنيد اجتماع ،
فقال الشيخ لجماعة : ودّوا هذا الغريب . فلما فرغوا من الطعام ، فبطريق الطيبة والمزاح أرادوا أن يلعبوا الخاتم ،
فقال الشبليّ للشاب : توافقني فيه ، فأبى ، وعابهم ، فنظر إليه الشبليّ وقال : اسكت وإلا أقطع رأسك . فسكت الشاب ، وقام وذهب ، في اليوم الثاني حكوا هذه الحكاية عند الجنيد ، فقام الجنيد ودخل البيت فما وجد العصا والركوة في ذلك المكان ، فخرج وقال لأصحابه : كم مرة أوصيتكم إن دخل غريب لا تذلوه بالمزاح معه ، واللّه لقد أخذ العصا والركوة وذهب ، وما أعطيته ، وما طلب منّي « 3 » .
...............................................
( 1 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 585 ) .
( 2 ) انظر : المنهاج الواضح ( ص 222 ) بتحقيقنا ، وعقب الشيخ الماجري بقوله : فقيل : هذا على أن صاحب الحال يؤثر على صاحب المال ؛ لأن صاحب المال ينفق من نعمة ، وصاحب الحال ينفع الخلق بهمة ، فهمم الناس أحوج منهم إلى صاحب المال .
( 3 ) انظر : نفحات الأنس للجامي ( ص 114 ) .




قال الجنيد قدّس سرّه : جزى اللّه تعالى إخواننا عنّا خيرا ؛ ردّونا بجفائهم إلى اللّه تعالى ، وقاتلوا أنفسهم فيّ ، وهي أعدى أعدائهم ، وقتلوا بسيف الفناء « 1 » .

باب التوحيد
سئل الجنيد عن التوحيد ؟ فقال : إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته بأنه الواحد ، الذي لم يلد ولم يولد ، بنفي الأضداد ، والأنداد ، والأشباه ، بلا تشبيه ، ولا تكييف ، ولا تصوير ، ولا تمثيل ، فاللّه الإله الواحد الفرد الصمد :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[ الشورى : 11 ] « 2 » .

قال الجنيد : علم التوحيد طوي بساطه منذ عشرين سنة ، والناس يتكلمون في حواشيه « 3 » .
قال الجنيد : التوحيد الذي انفرد به الصوفية هو إفراد القدم عن الحدوث ، والخروج عن الأوطان ، وقطع المحاب ، وترك ما علم وجهل ، وأن يكون الحق سبحانه مكان الجميع « 4 » .
سئل الجنيد عن توحيد الخاص ؟ فقال : أن يكون العبد شبحا بين يدي اللّه سبحانه ، تجري عليه تصاريف تدبيره ، في مجاري أحكام قدرته ، في لجج بحار توحيده ، بالفناء عن نفسه وعن دعوة الخلق له ، وعن استجابته بحقائق وجوده ووحدانيته ، في حقيقة قربه ، بذهاب حسّه وحركته ، لقيام الحق سبحانه له فيما أراد منه ، وهو أن يرجع آخر العبد إلى أوله ، فيكون كما كان قبل أن يكون « 5 » .
...............................................................
( 1 ) انظر : روح المعاني ( 4 / 174 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 2 / 583 ) ، واللمع ( ص 49 ) ، والحبور ( ص 121 ) ، والمواعظ والنكات والإشارات من خلصة الحقائق للفاريابي ( ص 94 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 586 ) ، وطبقات الشعراني ( 1 / 85 ) .
( 4 ) قال أبو المعين النسفي : قول الجنيد قدس اللّه سره في التوحيد إفراد القدم من الحدوث ، إذ لا يخطر ببالك إلا حادث ، فإفراد القدم أن لا يحكم على اللّه بمشابهة شيء من الموجودات لا في الذات ولا في الصفات ، فإن ذاته لا تشبه الذوات ولا صفاته قال تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُوانظر : التمهيد لقواعد التوحيد ( ص 93 ) بتحقيقنا ، والرسالة القشيرية ( 2 / 586 ) ، والطبقات الكبرى للشعراني ( 1 / 85 ) ، والكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 575 ) ، وكشف المحجوب للهجويري ( ص 521 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 2 / 584 ) ، واللمع ( ص 49 ) ، وطبقات الشعراني ( 1 / 85 ) .


 
قال الجنيد : أول مقام التوحيد قول المصطفى صلى اللّه عليه وسلّم « أن تعبد اللّه كأنّك تراه « 1 » » « 2 » .
حكي عن الجنيد أنه قال : أشرف كلمة في التوحيد قول أبي بكر الصديق : ( سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته إلا العجز عن معرفته « 3 » ) .
قال الجنيد : إذا تناهت عقول العقلاء في التوحيد تناهت إلى الحيرة « 4 » .
....................................................................
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ) . 
( 2 ) رواه البيهقي في السنن الصغرى ( 1 / 25 ) ، وانظر : الكواكب الدرية ( 1 / 577 ) . 
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 172 ) ، والرسالة ( 2 / 585 ) ، ونفح الطيب للمقري ( 5 / 286 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة القشيرية ( 2 / 583 ) ، قال الشيخ الكتاني : وقال الشيخ زروق في شرحها أيضا : يعتبر المتفكرون في آياته ولا يتفكرون في ماهيته - أي حقيقة ذاته - بعد ذكر الخلاف في إطلاق الماهية والحقيقة على اللّه تعالى ما نصه : واختلفوا هل يمكن تعلقها ؟ فقال المحققون : ليست حقيقة ذاته معلومة لنا في الدنيا .

واختلفوا هل يمكن علمها في الآخرة ؟ قال في « المباحث » : حقيقة واجب الوجود وما يجب له من صفات الكمال ونعوت الجلال غير ممكنة الحصول لنفوسنا زاد الآمدي لقوله تعالىوَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً[ طه : 110 ] وعزا استحالة ذلك لإمام الحرمين والغزالي وعزاه الإمام لجمهور المحققين وهو الذي يدل عليه كلام المتصوفة كالجنيد وغيره . وذهب بعض المتكلمين إلى أنها معلومة محتجين بأنا نعلم وجوده ووجود نفس ذاته واختار الفهري الوقف ، فأما في الدار الآخرة فقال قوم بالإمكان .

وفي « شرح الإرشاد » للشريف عن القاضي المنع وللإمام والآمدي عنه الوقف واللّه أعلم انتهى بلفظه أيضا من « شرح سلم العلوم في علم المنطق » لأبي العياش محمد عبد العلى اللكنوي الحنفي وهو الملقب ببحر العلوم في أوله ما نصه : وهاهنا برهانان عرشيان - يعني عاليين عظيمين - على امتناع تصوره تعالى بكنهه الأول ما أفاده الشيخ الأكبر والإمام الأعظم سند الأولياء والأتقياء معدن الهداية خاتم فص الولاية حسنة من حسنات سيد المرسلين الذي كان وليا أي بالفعل عالما بولايته وآدم بين الماء والطين الشيخ محيي الملة والدين محمد بن العربي قدس سره رضي اللّه عنه في « فتوحاته المكية » : من أنه تعالى يخالف المخلوقات ولا نسبة بينه وبين خلقه البتة وكيف يشبه من لا يقبل المثل من يقبل المثل فالعلم باللّه تعالى عزيز عن إدراك العقل والنفس إلا من حيث أنه موجود تعالى وتقدس وكل ما يتلفظ به في حق المخلوقات أو يتوهم في المركبات وغيرها فاللّه تعالى في نظر العقل السليم بخلاف ذلك لا يجوز عليه ذلك التوهم انتهى ملخصا هذا كلام متين يعجز عن فهمه إلا من أتى اللّه بقلب سليم . قلت : وقد ذكره الشيخ الأكبر أول الباب الثالث في « تنزيه الحق تعالى » فلتراجع عبارته ، ثم قال أبو العياش : الثاني ما نقل عن المعلم الأول أرسطاطاليس أنه سبحانه جلى غاية الجلاء بحيث لا -

.

يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 16 يونيو 2020 - 17:32 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 16 يونيو 2020 - 13:56 من طرف عبدالله المسافر

الرياضيات والمجاهدات .كتاب الإمام الجنيد سيد الطائفتين إعداد الشيخ أحمد فريد المزيدي

الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد ابن الجنيد الخراز القواريري قدس اللّه روحه
الجزء الخامس
سئل الجنيد عن قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « كان اللّه ولم يكن معه شيء ثان » ؟ فقال : هو الآن على ما عليه كان « 1 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن التوحيد ؟ فقال : معنى تضمحل فيه الرسوم ، وتندرج فيه العلوم ، ويكون اللّه تعالى كما لم يزل « 2 » .
قال الجنيد : كنت عند أستاذي ابن الكرنبي ، وهو يجود بنفسه ، فنظرت إلى السماء فقال : بعد . ثم نظرت إلى الأرض ، فقال : بعد « 3 » .
......................................................
- جلاء فوقه فيتحير العقل ويمتنع عن تمام إدراكه كالنور إذا اشتد يمنع البصر عن الرؤية ثم إنهم بعد الاتفاق على عدم وقوع تصوره بكنهه اختلفوا فمنهم من اقتصر على ذلك وجوز إمكانه وهو يلوح من كلام الشيخ الرئيس يعني أبي علي بن سينا وقال الإمام يعني فخر الدين الرازي عليه الرحمة بالاستحالة وهو مذهب قدماء الفلاسفة والصوفية الصافية كثرها اللّه تعالى وهكذا نقل عن إمامنا الأعظم إمام الأئمة الباذل جهده في إعلاء السنة وقمع البدعة أبي حنيفة - رحمه اللّه - الكوفي والدلائل المذكورة تعطي امتناعه بالذات وهو - الصواب ، انتهى منه بلفظه .

وبه وبكلام زروق قبله نعلم ما في قول اليوسي أخذا من كلام السعد أن عدم الجواز إنما هو عند الفلاسفة كما أنه بكلام اليوسي وما بعده تعلم ما في قول أبي العياش أنه اتفق على عدم وقوع تصوره تعالى بكنهه فإنه لا اتفاق بل جمهور المتكلمين على الوقوع كما في كلام السعد المتقدم ، إلا أن يريد اتفاق الصوفية والحكماء واللّه أعلم .

وهذه نصوص أهل اللّه تعالى المعلنة بما نقلناه عنهم قبل من هذا المطلوب ونسبناه إلى جنابهم من ذلك التفصيل المحبوب . كما قال عليه الصلاة والسلام : « كان اللّه ولم يكن شئ غيره » . أخرجه أحمد في مسنده والبخاري في بدء الخلق ، والطبراني في الكبير من حديث عمران بن حصين . وهو الآن على ما عليه كان قبل خلق الزمان والمكان وغيرهما من الحوادث والأكوان كما قال الجنيد عند سماعه لهذا الحديث : وهو الآن كما كان يعني لم يحل في شيء ولم يحل فيه شيء ولم يحده زمان ولا حواه مكان ولا تغير عن صفته الأزلية وحالته ولا وجد معه شيء من الأشياء كلها في أوصافه العلية أو مرتبته . وزيادة بعضهم في لفظ هذا الحديث كالنابلسي في شرحه المذكور : وهو الآن على ما عليه كان . ليست في شيء من كتب هذا الشأن كما قال ابن تيمية وغيره ، بل هي مدرجة فيه كما ذكره الشيخ الأكبر في عقلة المستوفز ، وذكر غيره أنها من كلام الجنيد . وانظر : جلاء القلوب ( 1 / 296 ) ، ( 2 / 5 ) بتحقيقنا . ( 1 ) انظر : شرح الصلاة الأكبرية المسمى بكشف الأسرار للشيخ عمر العطار ( ص 21 ) تحت قيد الطبع يتحقيقنا .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 2 / 583 ) ، واللمع ( ص 49 ) .
( 3 ) يعقب أبو القاسم القشيري بقوله : يعنى إنه أقرب إليك من أن تنظر إلى السماء أو إلى الأرض ، بل هو وراء المكان . وانظر : الرسالة ( 2 / 597 ) .

سئل الجنيد عن التوحيد ؟
فقال : سمعت قائلا يقول :
وغنى ليمنّ قلبي * وغنيت كما غنى
وكنّا حيثما كانوا * وكانوا حيثما كنّا
فقال السائل : أهلك القرآن والأخبار ؟
فقال الجنيد : لا ، ولكن الموحد يأخذ أعلى التوحيد من أدنى الخطاب وأيسره « 1 » .
قال الجنيد : علم التوحيد مباين لوجوده ، ووجوده مباين لعلمه « 2 » .

 

قال الجنيد قدّس اللّه سرّه في وصف التوحيد : حكمها على ما جرت عليه جار ، وسلطانها على كل حق عال ، ظهرت فقهرت ، وخفيت فاستترت ، وصالت فغالت ، هي هي بلا هي ، تبدي فتبيد ما بدت عليه ، وتفني ما أشارت إليه ، قريبها بعيد ، وبعيدها قريب ، وقريبها مريب « 3 » .
سئل الجنيد عن قوله تعالى :وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ[ الرعد : 5 ] ؟ فقال : إن اللّه لا يعجب من شيء ، ولكن اللّه وافق رسوله فقال :وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ: أي هو كما تقول « 4 » .
قال أبو بكر الزقّاق : سمعت من الجنيد قدّس اللّه سرّه كلمة في التوحيد هيمتني أربعين سنة ، وأنا بعد في غمار ذلك « 5 » .
....................................................
( 1 ) انظر : الرسالة ( 2 / 588 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 203 ) ، والتعريفات للجرجاني وعقب بقوله : الوجود فقدان العبد بمحاق أوصاف البشرية ، ووجود الحق لأنه لا بقاء للبشرية وثم ظهور سلطان الحقيقة ، وهذا معنى قول أبي الحسين النوري : أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد إذا وجدت ربي فقدت قلبي .
وهذا معنى قول الجنيد : علم التوحيد مباين لوجوده ، ووجود التوحيد مباين لعلمه . فالتوحيد بداية ، والوجود نهاية والوجد واسطة بينهما . التعريفات ( ص 324 ) .
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 438 ) .
( 4 ) انظر : معالم التنزيل ( 4 / 24 ) والإتقان للسيوطي ( 2 / 20 ) ، والبرهان للزركشي ( 2 / 89 ) ، وأقاويل الثقات ( ص 74 ) .
( 5 ) انظر : اللمع ( ص 368 ) .


 

قال الجنيد قدّس اللّه سرّه في معنى قوله تعالى :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ[ الأعراف : 172 ] ؟
فمن أين كان وكيف كان قبل أن يكون هل أجابت إلا الأرواح الطاهرة ، بإقامة القدرة ، وإنفاذ المشيئة ؟
فهو الآن في الحقيقة ما كان قبل أن يكون ، وهذا غاية حقيقة التوحيد للواحد أن يكون العبد كما لم يكن ، ويبقى اللّه تعالى كما لم يزل « 1 » .
قال الجنيد :أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة ، في ميدان التوحيد ، والتنسّم بنسيم المعرفة ، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد ، والنظر بحسن الظن للّه عز وجلّ. ثم قال: يا لها من مجالس ما أجلّها، ومن شراب ما ألذه، طوبى لمن رزقه«2».
قال الجنيد:التوحيد هو الخروج من ضيق رسوم الزمانية إلى سعة فناء السرمدية"3".
قال الجنيد : سئل بعض العلماء عن التوحيد ؟ فقال : هو اليقين . فقال السائل : بيّن لي ما هو ؟ فقال : هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل اللّه عز وجلّ وحده ، لا شريك له ، فإذا فعلت ذلك فقد وحّدته « 4 » .

وقيل لعبد اللّه بن سعيد بن كلاب : أنت تتكلم على كلام كل أحد ، وهاهنا رجل يقال له : الجنيد ، فانظر هل تعترض عليه أم لا ؟ فحضر حلقته ، وسأل الجنيد عن التوحيد ، فأجابه ، وتحيّر عبد اللّه ، وقال : أعد عليّ ما قلت . فأعاد ، ولكن لا بتلك العبارة . فقال عبد اللّه : هذا شيء آخر لم أحفظه ، تعيده عليّ مرة أخرى ، فأعاد بعبارة أخرى ، فقال عبد
...............................................
( 1 ) انظر : اللمع ( ص 50 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 43 ) ، والإحياء ( 4 / 425 ) ، والفيض للمناوي ( 4 / 529 ) وعقب بقوله : قالوا :
كان الرجل من بني إسرائيل إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته سحابة ففعله رجل فلم تظله فشكى لأمه فقالت : لعلك أذنبت ؟ قال : لا ، قالت : فهل نظرت إلى السماء فرددت مفكر فيها ، قال : نعم قالت :

من هاهنا أتيت ، فعلى العاقل ألا يهمل التفكر ، ومن الجوائز أن تروح غدا مع الجنائز ، فالحازم لا يترك مسارح النظر ترقد ولا تكرى إلا وهو يقظان الفكر نهار يحول وليل يزول وشمس تجري وقمر يسري وسحاب مكفهر وبحر مستطر وخلق تمور ووالد يتلف وولد يخلف ما خلق اللّه هذا باطلا وأن بعد ذلك أثوابا وأحقابا وحشرا ونشرا وثوابا وعقابا .
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 49 ) .
( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 36 ) ، والحلية ( 10 / 256 ) .


 

اللّه : ليس يمكنني حفظ ما تقول ، أمله عليّ . فقال : إن كنت أجريه فأنا أمليه ، فقام عبد اللّه مقرّا بفضله ، واعترف بعلوّ شأنه « 1 » .
قال الجنيد : التوحيد علمك وإقرارك بأن اللّه فرد في أزليته ، لا ثاني معه ، ولا شيء يفعل فعله « 2 » .
قال الجنيد : أما قوله : ( أول ما صرت إلى وحدانيته ) فذاك أول لحظة إلى التوحيد ، فقد وصف ما لاحظ من ذلك ، ووصف النهاية في حال بلوغه ، والمستقر في تناهي رسوخه .
وقال الجنيد : وأما قول أبي يزيد ( ألف ألف مرة ) فلا معنى له ؛ لأن نعته أجلّ وأعظم مما وصفه وقاله ، وإنما نعت من ذلك على حسب ما أمكنه ، ثم وصف ما هناك ، وليس هذا بعد الحقيقة المطلوبة ، ولا الغاية المستوعبة ، وإنما هذا بعض الطريق .
وقال الجنيد : لو أن أبا يزيد قدّس اللّه سرّه علم عظم إشارته خرج من البداية والتوسط ولم أسمع له نطقا يدل على المعنى الذي ينبئ عن الغاية ، وذلك ذكره للجسم ، والجناح ، والهواء ، والميدان « 3 » .
سئل الجنيد عن التوحيد ؟ فأجاب بكلام ، ولم يفهم ، فقيل له : أعد الجواب ؛ فإنا ما فهمنا . فقال جوابا آخر ، فقيل له : هذا أغمض ، فأمله علينا حتى ننظر فيه ونعلمه . فقال : إن كنت أجريه فأنا أمليه « 4 » .
قال الجنيد : التواضع عند أهل التوحيد تكبر « 5 » .
حكي عن الجنيد قدّس اللّه سرّه أنه قال : لا يبلغ العبد إلى حقيقة المعرفة وصفاء التوحيد حتى يعبر الأحوال والمقامات « 6 » .
قال أبو يزيد البسطامي قدّس سرّه : أشرفت على التوحيد في غيبوبة الخلق عن العارف ، وغيبوبة العارف عن الخلق .
........................................
( 1 ) انظر : روضة الحبور ( ص 114 ) بتحقيقنا .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 31 ) .
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 464 ) .
( 4 ) انظر : الكواكب ( 1 / 582 ) .
( 5 ) يعقب الغزالي بقوله : لعل مراده أن المتواضع يثبت نفسه أولا ثم يضعها ، والموحد لا يثبت نفسه ولا يراها شيئا حتى يضعها أو يرفعها . وانظر : الإحياء ( 3 / 343 ) .
( 6 ) انظر : اللمع ( ص 436 ) .



يقول الجنيد في تفسير كلمات أبي يزيد : عند إشرافي على التوحيد تحقق عندي غيبوبة الخلق كلهم عن اللّه تعالى ، وانفراد اللّه عز وجلّ بكبريائه عن خليقته ، وهذه الألفاظ التي قال أبو يزيد معروفة في إدخال المراد فيما أريد منها « 1 » .
قال أبو يزيد البسطامي قدّس سرّه : أول ما صرت إلى وحدانيته ، فصرت طيرا جسمه من الأحدية ، وجناحاه من الديمومة ، فلم أزل أطير في هواء الكيفية عشر سنين ، حتى صرت إلى هواء مثل ذلك مائة ألف مرة ، فلم أزل أطير إلى أن صرت في ميدان الأزلية ، فرأيت فيها شجرة الأحدية ، ثم وصف أرضها وأهلها وزرعها وأغصانها ، وثمارها ، ثم قال :
فنظرت فعلمت أن هذا كله خدعة .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : حكايات أبي يزيد البسطامي قدّس اللّه سرّه تدل على أنه كان قد بلغ إلى عين الجمع ، وعين الجمع اسم من أسماء الوحيد ، له نعت ووصف يعرفه أهله « 2 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : رأيت حكايات أبي يزيد قدّس اللّه سرّه على ما نعته ينبئ عنه : أنه قد غرق فيما وجد منها ، وذهب عن حقيقة الحق ، إذا لم يرد عليها وهي معان غرّقته على تارات من الغرق ، كل واحد منها غير صاحبتها .
وقال الجنيد قدّس اللّه سرّه : أما ما وصف من بدايات حاله فهو قويّ محكم ، قد بلغ منه الغاية ، وقد وصف أشياء من علم التوحيد صحيحة ، إلا أنها بدايات ، فيما يطلب منها المرادون لذلك « 3 » .
ولقد سئل الجنيد رحمه اللّه عن قوم مرّ بهم من المتكلمين ما هؤلاء ؟
فقيل : قوم ينزّهون اللّه بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص .
فقال : نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب ، لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة ؛ إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها ، واللّه تعالى ولي المؤمنين يفيضون فيه « 4 » .
..............................................
( 1 ) انظر : اللمع ( ص 469 ) .
( 2 ) انظر : اللمع ( ص 450 ) .
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 459 ) .
( 4 ) انظر : أبجد العلوم للقنوجي ( 2 / 452 ) .



يقول الجنيد : إن أول ما يحتاج إليه من عقد الحكمة تعريف المصنوع صانعه والمحدث كيف كان أحدثه ، وكيف كان أوله ، وكيف أحدث بعد موته ، فيعرف صفة الخلق من المخلوق ، وصفة القديم من المحدث ، فيعرف المربوب ربّه ، والمصنوع صانعه ، والعبد الضعيف سيده ، فيعبده ، ويوحده ، ويعظمه ويدل على دعوته ، ويعترف بوجوب طاعته ، فإن من لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه ، ولم يضف الخلق في تبديره إلى وليه ، والتوحيد علمك وإقرارك بأن اللّه فرد في أوليته ، لا ثاني معه ولا شيء يفعل فعله ، وأفعاله التي أخلصها لنفسه أن يعلم أنه ليس شيء يضرّ ولا ينفع ، ولا يمنع ، ولا يسقم ، ولا يبرئ ، ولا يرفع ، ولا يضع ، ولا يخلق ، ولا يرزق ، ولا يميت ، ولا يحيي ، ولا يسكن ، ولا يحرك غيره جلّ جلاله « 1 » .

قال الجريريّ : قدمت مكة ، فبدأت بالجنيد لكي لا يتعنىّ إليّ ، فسلّمت عليه ، ثم مضيت إلى المنزل ، فلما صليت الصبح في المسجد إذا أنا به خلفي في الصف ، فقلت : إنما جئتك أمس لئلا تتعنّى . فقال : ذاك فضلك ، وهذا حقك « 2 » .

 

وكان الجنيد يقول : علمنا هذا الذي نتكلم فيه قد طوي بساطه منذ عشرين سنة ، وإنما نتكلم في حواشيه « 3 » .
وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد : الحمد للّه . فقال له : أتمّها كما قالها اللّه ، قل :
( رب العالمين ) . فقال الرجل : ومن العالمين حتى تذكر مع الخالق ؟ قال : قل يا أخي ؛ فإن المحدث إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر « 4 » .
في قوله تعالى :اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[ الملك : 14 ] قال الجنيد : اللطيف من نور قلبك بالهدى ، وربّى جسمك بالغذاء ، وجعل لك الولاية في البلوى ، ويحرسك وأنت في لظى ، ويدخلك جنة المأوى « 5 » .
...................................................
( 1 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 256 ) .
( 2 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 243 ) .
( 3 ) انظر : القوت ( 1 / 330 ) ، والمواعظ والنكات من خالصة الحقائق للفاريابي ( 1 / 91 ) ، وقال : يعني علم التوحيد . .
( 4 ) انظر : تفسير القرطبي ( 1 / 139 ) ، وشرح الحكم الكردية للشيخ الشرقاوي ( 133 / ق ) .
( 5 ) انظر : روح المعاني ( 7 / 259 ) .



في قوله تعالى :هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ[ الحديد : 3 ] قال الجنيد : هو الأول بشرح القلوب ، والآخر بغفران الذنوب ، والظاهر بكشف الكروب ، والباطن بعلم الغيوب « 1 » .
قال الشيخ الجنيد قدّس اللّه سرّه : بدت لك عجائب ما في الغيوب من أبنائها ، وكشفت لك عن حقائق ما تكنّ من أكنانها ، وأوضحت لك سرّ غرائب إخفائها ، وخاطبتك بكل ما كمن من عطائها ، بلسانه الذي ينطق به عن خفيّ مكانه ، فأوضح منطق يوضح عن حكم بيانه ، ليس بما صرح به من الفصح من لسانه ، لكن بما أوقفه الحق من مراد إعلانه ، وذلك غير كائن قبل حينه وأوانه ، والمراد بفهم ذلك هو المفرد الموجود من أهل دهره وزمانه « 2 » .
وقال قدّس سرّه : اعلم أن أول عبادة اللّه عز وجلّ معرفته ، وأصل معرفة اللّه توحيده ، ونظام توحيده نفي الصفات عنه بالكيف والحيث والأين ، فبه استدلّ عليه ، وكان سبب استدلاله به عليه توفيقه ، فبتوفيقه وقع التوحيد له ،
ومن توحيده وقع التصديق به ، ومن التصديق به وقع التحقيق عليه ،
ومن التحقيق جرت المعرفة به ، ومن المعرفة به وقعت الاستجابة له فيما دعا إليه ،
ومن الاستجابة له وقع الترقّي إليه ، ومن الترقي إليه وقع الاتصال به ،
ومن الاتصال وقع البيان له ، ومن البيان له وقعت عليه الحيرة ،
ومن الحيرة ذهب عن البيان ، ومن ذهابه له انقطع عن الوصف له ، وبذهابه عن الوصف وقع في حقيقة الوجود له ،
ومن حقيقة الوجود وقع في حقيقة الشهود بذهابه عن وجوده ، وبتفقّد وجوده صفا وجوده ، وبصفائه غيّب عن صفاته ،
ومن غيبته حضر بكليته ، فكان موجودا مفقودا ومفقودا موجودا ، فكان حيث لم يكن ، ولم يكن حيث كان ، ثم كان بعد ما لم يكن حيث كان كان ،
فهو هو بعد ما لم يكن هو ، فهو موجود موجود بعد ما كان موجودا مفقودا ؛ لأنه خرج من سكرة الغلبة إلى بيان الصحو ،
وترد عليه المشاهدة لإنزال الأشياء منازلها ووضعها مواضعها ؛ لاستدراك صفاته ببقاء آثاره والاقتداء بفعله ، بعد بلوغه غاية ما له منه « 3 » .
.....................................................
( 1 ) انظر : معالم التنزيل للبغوي ( 4 / 293 ) .
( 2 ) انظر : اللمع ( ص 314 ) .
( 3 ) النص من مقطوعة عن نشرة عبد القادر ( ص 51 ، 52 ) ، من المخطوط ( 63 / ق / أ ) - ( 64 / ق / ب ) .



وقال قدّس سرّه : اعلم أن الناس ثلاثة : طالب قاصد ، ووارد واقف ، وداخل قائم ،
أما الطالب للّه عز وجلّ فإنه قاصد نحوه باسترشاد دلائل علم الظاهر ، معامل للّه عز وجلّ بجد ظاهره ،
 أو وارد للباب واقف عليه متبين لمواضع تقريبه إيّاه بدلائل تصفية باطنه ، وإدرار الفوائد عليه ، معامل للّه عز وجلّ في باطنه ،
أو داخل بهمه ، قائم بين يديه ، منتف عن رؤية ما سواه ؛ ملاحظا لإشارته إليه ، مبادرا فيما يأمره مولاه ، فهذه صفة الموحد للّه عز وجلّ « 1 » .

اعلم أن التوحيد في الخلق على أربعة أوجه :
فوجه منها توحيد العوام ، ووجه منها توحيد أهل الحقائق بعلم الظاهر ، ووجهان منها توحيد الخواص من أهل المعرفة .
فأما توحيد العوام : فالإقرار بالوحدانية بذهاب رؤية الأرباب والأنداد والأضداد والأشكال والأشباه ، والسكون إلى معارضات الرغبة والرهبة ممن سواه ؛ فإن له حقيقة التحقيق في الأفعال ببقاء الإقرار .
وأما توحيد حقائق علم الظاهر : فالإقرار بالوحدانية بذهاب رؤية الأرباب والأنداد والأشكال والأشباه ، مع إقامة الأمر والانتهاء عن النهي في الظاهر ، مستخرجة ذلك منهم من عيون الرغبة والرهبة والأمل والطمع ، فإقامة حقيقة التحقيق في الأفعال لقيام حقيقة التصديق بالإقرار .

وأما الوجه الأول من توحيد الخاص : فالإقرار بالوحدانية بذهاب رؤية هذه الأشياء مع إقامة الأمر في الظاهر والباطن ، بإزالة معارضات الرغبة والرهبة ممن سواه ، مستخرجة ذلك من عيون الموافقة بقيام شاهد الحق معه مع قيام شاهد الدعوة والاستجابة .

والوجه الثاني من توحيد الخاص : فشبح قائم بين يديه ليس بينهما ثالث ، تجري عليه تصاريف تدبيره ، في مجاري أحكام قدرته ، في لجج بحار توحيده ، بالفناء عن نفسه ، وعن دعوة الحق له ، وعن استجابته له ، بحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربه ، بذهاب حسه وحركاته ، لقيام الحق له فيما أراده منه ، والعلم في ذلك أنه رجع آخر العبد إلى أوله ، أن يكون كما كان ؛ إذ كان قبل أن يكون ، والدليل في ذلك قول اللّه وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[ الأعراف : 172 ] ،
فمن كان قبل أن يكون ، وهل أجابت إلا الأرواح الطاهرة العذبة
................................
( 1 ) النص من مقطوعة عن نشرة عبد القادر ( ص 53 ، 54 ) ، من المخطوطتين ( 226 - 227 ) ، ( 64 / ق / أ ) إلى ( 64 / ق / ب ) .


المقدسة بإقامة القدرة النافذة والمشيئة التامة ، الآن كان إذ كان قبل أن يكون ؛ وهذا غاية حقيقة توحيد الموحد للواحد بذهابه هو « 1 » .

باب الإيمان
سئل الجنيد عن الإيمان ما هو ؟ فقال : الإيمان هو التصديق والإيقان ، وحقيقة العلم بما غاب عن الأعيان ؛ لأن المخبر لي بما غاب عنّي إن كان عندي صادقا لا يعارضني في صدقه ريب ولا شكّ أوجب عليّ تصديقي إياه إن ثبت لي العلم بما أخبر به ، ومن تأكيد حقيقة ذلك أن يكون تصديق الصادق عندي يوجب عليّ أن يكون ما أخبرني به كأنّي له معاين ، وذلك صفة قوة الصدق في التصدّق وقوة الإيقان الموجب لاسم الإيمان .
وقد روي عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال لرجل : « اعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك « 2 » » .
فأمره بحالتين : إحداهما أقوى من الأخرى ؛ لأني كأني أرى الشيء بقوة العلم به ، وحقيقة التصديق له أقوى من أن أكون أعلم أن ذلك يراني ، وإن كان علمي بأنه يراني حقيقة علم موجبة للتصديق ، والمعنى الأول أولى وأقوى ، والفضل بجمعهما على تقديم إحداهما على الأخرى « 3 » .

قال أبو القاسم البغدادي : الإيمان هو الذي يجمعك إلى اللّه ، ويجمعك باللّه والحق واحد ، والمؤمن متوحّد ، ومن وافق الأشياء فرّقته الأهواء ، ومن تفرّق عن اللّه بهواه وتبع شهوته وما يهواه فاته الحق ، ألا ترى أنه تعالى أمرهم بتكرير العقود عند كل خطرة ونظرة ، فقال :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ[ النساء : 136 ] « 4 » .
سئل الجنيد ما الإيمان ؟
فقال : هذا سؤال لا حقيقة له ، ولا معنى ينبئ عن مزيد من علم ، وإنما هو الإيمان باللّه جلّ ثناؤه مجرّدا ، وحقيقته في القلوب مفردا ، وإنما هو ما وقر في القلب من العلم باللّه والتصديق بما أخبر من أموره في سائر سماواته وأرضه ، مما ثبت في الإيقان ، وإن لم أره بالعيان ، فكيف يجوز أن يكون للصدق صدق ، وللإيقان إيقان ، وإنما
...................................................................
( 1 ) النص من مقطوعة عن نشرة عبد القادر ( ص 55 ، 57 ) ، من المخطوطتين ( 226 - 227 ) ، ( 65 / أ ، ب ) .
( 2 ) حديث صحيح : رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ) .
( 3 ) انظر : حلية الأولياء ( 10 / 265 ) .
( 4 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 100 ) .
 

الصدق فعل قلبيّ ، والإيقان ما استقرّ من العلم عندي ، فكيف يجوز أن يفعل فعلي ، وإنما أنا الفاعل ، أو يعلم علمي ، وإنما أنا العالم ، والسؤال في الابتداء غير مستقيم ، ولو جاز أن يكون للإيمان إيمان وللتصديق تصديق جاز أن يوالى ذلك ويكرر إلى غاية تكثر في العدد ، وجاز أن يكون كما عاد على ثواب إيمانيّ وثواب تصديقيّ أن يعود على إيمان إيمانيّ ثواب ، وعلى تصديق تصديقيّ جزاء ، ولو أردت استقصاء القول في جواب ذلك لاتسع به الكتاب ، وطال به الخطاب ، وهذا مختصر من الجواب « 1 » .

سئل الجنيد عن علامة الإيمان ؟ قال : الإيمان علامته طاعة من آمنت به ، والعمل بما يحبّه ويرضاه ، وترك التشاغل عنه بشيء ينقضي عنده ، حتى أكون عليه مقبلا ، ولموافقته مؤثرا ، ولمرضاته متحريّا ؛ لأن من صفة حقيقة علامة الإيمان ألا أؤثر عليه شيئا دونه ، ولا أتشاغل عنه بسبب سواه ، حتى يكون المالك لسري والحاثّ لجوارحي بما أمرني من آمنت به وله عرفت ، فعند ذلك تقع الطاعة للّه على الاستواء ، ومخالفة كل الأهواء ، والمجانبة لما دعت إليه الأعداء ، والمتاركة لما انتسب إلى الدنيا ، والإقبال على من هو أولى ، وهذه بعض الشواهد والعلامات فيما سألت عنه ، وصفة الكل يطول شرحه « 2 » .

سئل الجنيد العناية قبل أم البداية ؟ فقال : العناية قبل الطين والماء « 3 » .
وقال رجل للجنيد رضي اللّه عنه : يا أبا القاسم ، هل رأيتم ربّكم حين عبدتموه ، أم اعتقدتم الوصول إليه بقلوبكم ؟ فقال الجنيد رضي اللّه عنه : أيها السائل ، ما كنا لنعبد ربّا لا نراه ، وما كنا بالذي تراه أعيننا ، فنشبهه ، وما كنا بالذي نجهله فلا ننزهه . فقال له الرجل : فكيف رأيتموه ؟
فقال له : الكيفية معلومة في حق البشر مجهولة في حقّ الرب ، لن تراه الأبصار في هذه الدار بمشاهدة العيان ، ولكن تعفّه القلوب بحقائق الإيمان ، ثم تترقى من المعرفة إلى رؤية بمشاهدة نور الامتنان ، فهو سبحانه مرئيّ بالحقائق القدسية ، منزّه عن الصفات الحدثية ، مقدس بجماله ، منعوت بكماله ، متفضّل على القلوب بمواهبه ونواله ، معروف بعدله ، منعوت بفضله انتهى .
..................................................
( 1 ) انظر : الحلية ( 10 / 266 ) .
( 2 ) انظر : حلية الأولياء ( 10 / 266 ) .
( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 270 ) .




فلما سمع الرجل مقالة الجنيد قام وقبّل يده وتاب ، ولازمه حتى ظهر عليه الخير ، ولزم صحبته حتى مات رحمة اللّه عليهما « 1 » .
قال الجنيد وسهل وغيرهما من السلف : إن التصديق يزيد ولا ينقص ، ونقصانه يخرج من الإيمان ؛ لأنه تصديق بأخبار اللّه تعالى ، وبمواعيده ، وأدنى شكّ فيه كفر ، وزيادته من جهة القوة واليقين وإقرار اللسان لا يزيد ولا ينقص ، وعمل أركان يزيد وينقص « 2 » .


باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا

يحكى أن أبا سعيد الخراز قدّس اللّه سرّه كان كثير التواجد عند ذكر الموت ، فسئل الجنيد عن ذلك ؟
فقال : العارف قد أيقن أن اللّه لم يفعل شيئا من المكاره بغضا له ولا عقوبة ، ويشاهد في صنائع اللّه تعالى الحالة به من المكاره صفوّ المحبة بينه وبين اللّه عز وجلّ ، وإنما ينزل به هذه النوازل ليردّ روحه إليه ؛ اصطفاء له ، واصطناعا له ، فإذا كوشف العارف بهذا أو ما أشبهه لم يكن بعجب أن تطير روحه إليه اشتياقا ، وتنقلب من وطنها اشتياقا ، فلذلك ما رأيت من التواجد عند ذكر الموت وربما أتى على قرب منيته ، واللّه يفعل بوليه ما يشاء وما يحبّ « 3 » .
قال الجنيد : دخلت على السريّ السقطيّ أعوده في مرض موته ، فقلت : كيف تجدك ؟
فأنشأ يقول :
كيف أشكو إلى طبيبي ما بي * والذي بي أصابني من طبيبي
فأخذت المروحة أروّحه ، فقال : كيف يجد ريح المروح من جوفه محترق من داخل ؟
ثم أنشأ يقول « 4 » :
القلب محترق والدمع مستبق * والكرب مجتمع والصبر مفترق
.........................................................
( 1 ) قال ابن عجيبة : واعلم أن أهل الدليل يستدلون بالصنعة على الصانع ، وبالشاهد على الغائب وأهل العيان صار الغيب عندهم شهادة ، والدليل عين المدلول ، فالقسم الأول أهل علم اليقين والثاني أهل عين اليقين أو حق اليقين . القسم الأول عوام ، والثاني خواص أو خواص الخواص . . وانظر : الإيقاظ ( 2 / 74 ) .
( 2 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 97 ) .
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 380 ) .
( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 273 ) ، وروض الرياحين ( ص 214 ) ، والعاقبة ( ص 135 ) .


 

كيف القرار على من لا قرار له * مما جناه الهوى والشّوق والقلق
يا ربّ إن يك شيء فيه لي فرج * فامنن عليّ به ما دام بي رمق
قال الجنيد : ما رأيت أعبد من السريّ ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت « 1 » .
كان أبو القاسم الجنيد كثير الصلاة ، ثم رأيناه في وقت موته وهو يدرس ويقدم إليه الوسادة فيسجد عليها ، فقيل له : ألا روّحت عن نفسك ؟ فقال : طريق وصلت به إلى اللّه لا أقطعه « 2 » .
حكي أن أبا العباس بن عطاء دخل على الجنيد في وقت نزعه ، فسلّم عليه فلم يجبه ، ثم أجاب بعد ساعة ، وقال : اعذرني ؛ فإني كنت في وردي ، ثم ولّى وجهه إلى القبلة ، وكبّر ، ومات « 3 » .
..................................................
( 1 ) انظر : السير ( 12 / 186 ) ، والرسالة ( 1 / 65 ) ، وروضة الحبور ( ص 125 ) .
( 2 ) انظر : صفوة الصفوة ( 2 / 422 ) .
( 3 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 483 ) ، وعقب الشيخ ابن عجيبة بقوله : وهذا سبيل طائفة الجنيد رضي اللّه عنه لم يترك أوراده في حال نزاعه فقيل له في ذلك ؟ فقال : ومن أولى مني بذلك ، وهذه صحائفي تطوى . فلم يترك الخدمة رضي اللّه عنه في مثل هذه الحالة فكيف بسواها ، قيل له : إن جماعة يزعمون أنهم يصلون إلى حالة يسقط عنهم التكليف .

قال : وصلوا ولكن إلى سقر ، وقال في كلام آخر هذا كلام من يقول بالإباحة والسرقة والزنا عندنا أهون حالا ممن يقول بهذه المقالة ولقد صدق رضي اللّه عنه في قوله هذا فإن الزاني والسارق عاص بزناه وسرقته ولا يصل إلى حد الكفر ، وأما القائل بسقوط الفرائض المعتقد لذلك فقد انسل من الدين كانسلال الشعرة من العجين ، فعض على هذا الأصل بالنواجذ يا أخي ولا تسمع كلام من أخذ الحقائق من الكتب وصار يتكلم بالزندقة والإلحاد وإسقاط الأعمال على حسب فهمه وهواه قال صلى اللّه عليه وسلّم : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به » ، وقال تعالى :قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ[ آل عمران : 31 ] ؛ فعليك بمتابعته صلى اللّه عليه وسلّم ومتابعة السلف الصالح في الأقوال والأفعال والأحوال تحز مقامهم وتكن معهم فالمرء مع من أحب انتهى كلام النقشبندي ، وهو حسن لأن من أخذ الحقائق من الكتب لا ذوق عنده وإنما يترامى على الحقيقة بالعلم ، فيتبع الرخص ويسقط في مهاوي الهوى ، وأما من كان من أهل الأذواق فسره مكتوم وأمره محزوم ، عبادته أدب وشكر وهو أحق بدوام الشكر ، وكيف ينكر الواسطة ، ولولا الواسطة لذهب الموسوط . وانظر : الإيقاظ ( 2 / 83 ) .


قال أبو محمد الجريري : كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته ، وكان يوم جمعة ، ويوم نيروز ، وهو يقرأ القرآن ، فقلت له : يا أبا القاسم ، ارفق بنفسك . فقال : يا أبا محمد ، رأيت أحدا أحوج إليه مني في هذا الوقت ، وهو ذا تطوى صحيفتي « 1 » ؟
لما حضرت الجنيد الوفاة دخل عليه أبو محمد الجريري رضي اللّه عنه ، فقال : ألك حاجة . قال :  نعم ، إذا متّ فغسّلني وكفّنّي وصلّ عليّ .
فبكى الجريري وبكى الناس معه ، ثم قال له الجنيد : وحاجة أخرى . فقال : وما هي ؟ فقال : تتخذوا لأصحابنا طعام الوليمة فإذا انصرفوا من الجنازة رجعوا إلى ذلك حتى لا يقع لهم تشتيت .
فبكى الجريري ثم قال : واللّه لئن فقدنا هاتين العينين ما اجتمع منا اثنان أبدا « 2 » .
وقال أبو بكر العطار : حضرت وفاة الجنيد مع جماعة من أصحابه ، وفيهم أبو محمد الجريري ، فنطر إلى الجنيد وهو منشغل بما هو فيه من درس القرآن والركوع والسجود ، فقال له : يا أبا القاسم ، لو رفقت بنفسك .
فقال : يا أبا محمد ، حالة وصلت بها إلى اللّه تعالى في بدء أمري لا أفارقها أبدا حتى ألحق باللّه ،
ثم قال له الجنيد : يا أبا محمد ، لي إليك حاجة : إذا مت فغسلني وكفنّي وصلّ عليّ . قال : فبكى الجريري وبكينا ، ثم قال : وحاجة أخرى : تتخذ لأصحابنا طعام الوليمة ، فإذا انصرفوا من الجنازة رجعوا إلى ذلك حتى لا يقع بهم التشتت .
قال : فبكى الجريري بكاء شديدا ، ثم قال : واللّه لئن فقدنا هاتين العينين لا اجتمع منا اثنان أبدا .
وقال أبو جعفر الفرغاني : فكان واللّه كذلك ما اجتمع اثنان بعد وفاته ، وإنما كان ذلك ببركة الشيخ ورؤيته « 3 » .
قال جعفر الخلدي : رأيت شابّا دخل على الجنيد ، وهو في مرضه الذي مات فيه ووجهه قد تورم ، وبين يديه مخدة يصلي إليها ، فقال له الشاب : وفي هذه الساعة أيضا لا
.............................................
( 1 ) انظر : الرسالة ( 2 / 590 ) ، والعاقبة للإشبيلي ( ص 131 ) ، والإحياء ( 4 / 482 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 248 ) ، وطبقات الحنابلة ( 1 / 127 ) ، وروضة الحبور لابن الأطعاني ( ص 107 ) بتحقيقنا ، والثبات عند الممات ( 56 ) .
( 2 ) انظر : طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 86 ) .
( 3 ) انظر : روضة الحبور ( ص 107 ) بتحقيقنا .


تترك الصلاة ، فلما سلم دعاه ، وقال : هذا شيء وصلت به إلى اللّه ، ولا أحبّ أن أتركه ، فمات بعد ساعة « 1 » .
قال أبو بكر العطوي : كنت عند الجنيد حين مات ، فرأيته ختم القرآن ، ثم ابتدأ من البقرة ، وقرأ سبعين آية ، ثم مات « 2 » .
قال أبو بكر العطار : حضرت الجنيد عند الموت ، وفي جماعة من أصحابنا ، فكان قاعدا يصلي ، ويثني رجله كلما أراد أن يسجد ، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجله ، فثقلت حركتها ، فمدّ رجليه وقد تورمتا ، فرآه بعض أصدقائه ، فقال : ما هذا يا أبا القاسم ؟ قال : هذه نعم اللّه أكبر . فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري : لو اضطجعت . قال : يا أبا محمد ، هذا وقت يؤخذ اللّه أكبر ، فلم يزل كذلك حتى مات « 3 » .
وقال أبو محمد الجريري : كان في جوار الجنيد رجل مصاب في خربة ، فلما مات الجنيد ودفنّاه ورجعنا من جنازته تقدّمنا ذلك المصاب وصعد موضعا رفيعا ، وقال لي : يا أبا محمد ، وأنّى أرجع إلى تلك الخربة وقد فقدت ذلك السيد ،
ثم أنشأ بقول :
وا أسفى من فراق قوم * هم المصابيح والحصون
والمدن والمزن والرواسي * والخير والأمن والسكون
لم تتغير لنا الليالي * حتّى توفّتهم المنون
فكلّ جمر لنا قلوب * وكلّ ماء لنا عيون
ثم غاب عنّا فكان آخر العهد به « 4 » .
ويروى أن الجنيد بن محمد دخل على بعض المشايخ فوجده في سياق الموت ، فقال له الجنيد : قل لا إله إلا اللّه .
فنظر إليه الشيخ شزرا ، فأعاد عليه الجنيد ، فلم يقلها ، فأعاد عليه ،
..............................................................
( 1 ) انظر : تاريخ بغداد للخطيب ( 7 / 248 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 1 / 108 ) ، ومدارج السالكين لابن قيم ( 3 / 121 ) ، وتاريخ الإسلام للذهبي ( 1 / 2254 ) .
( 3 ) انظر : طبقات الأولياء ( ص 134 ) ، وطبقات الشافعية الكبرى ( 2 / 267 ) ، والثبات عند الممات ( ص 168 ) .
( 4 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 248 ) ، وروضة الحبور ( ص 108 ) ، وطبقات الأولياء ( ص 133 ) ، وصفة الصفوة ( 2 / 422 ) ، والوافي في الوفيات ( 1 / 1555 ) .
 

فلم يتكلم ، فقال له الشيخ : يا جنيد ، تذكّرني بالتوحيد وأنا منذ ثلاثين سنة أبكي عليه ، ولا أسلو عنه ، يا جنيد ، إني مشاهد حبيبي ومستأنس به « 1 » .

.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى