اتقوا الله ويعلمكم الله
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
المواضيع الأخيرة
» المبحث السادس والأربعون في بيان وحي الأولياء الإلهامي والفرق بينه وبين وحي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:46 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والأربعون في بيان أن أكبر الأولياء بعد الصحابة رضي اللّه عنهم القطب ثم الأفراد .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:45 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع والأربعون في بيان وجوب الكفّ عما شجر بين الصحابة ووجوب اعتقاد أنهم مأجورون .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:45 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث والأربعون في بيان أنّ أفضل الأولياء المحمديين بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:44 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني والأربعون في بيان أن الولاية وإن جلت مرتبتها وعظمت فهي آخذة عن النبوة شهودا ووجودا .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:44 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الستون في بيان وجوب نصب الإمام الأعظم وثوابه ووجوب طاعته وأنه لا يجوز الخروج عليه .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:43 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والستون في بيان أنه لا يموت أحد إلا بعد انتهاء أجله وهو الوقت الذي كتب اللّه في الأزل انتهاء حياته فيه .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:42 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني والستون في بيان أن النفس باقية بعد موت جسدها منعمة كانت أو معذبة وفي فنائها عند القيامة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:42 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث والستون في بيان أن الأرواح مخلوقة وأنها من أمر اللّه تعالى كما ورد وكل من خاض في معرفة كنهها بعقله .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:41 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع والستون في بيان أن سؤال منكر ونكير وعذاب القبر ونعيمه وجميع ما ورد فيه حق خلافا لبعض المعتزلة والروافض .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:41 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والستون في بيان أن جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حق لا بد أن تقع كلها قبل قيام الساعة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:40 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السادس والستون في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى يعيدنا كما بدأنا أول مرة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:38 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع والستون في بيان أن الحشر بعد الموت حق وكذلك تبديل الأرض غير الأرض والسماوات .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:38 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن والستون في بيان أن الحوض والصراط والميزان حق .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:37 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع والستون في بيان أن تطاير الصحف والعرض على اللّه تعالى يوم القيامة حق .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:36 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السبعون في بيان أن نبينا محمدا صلى اللّه عليه وسلم أول شافع يوم القيامة وأول مشفع .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:36 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والسبعون في بيان أن الجنة والنار حق وأنهما مخلوقتان قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:35 من طرف عبدالله المسافر

» فهرس المحتويات الجزء الثاني .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:34 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والأربعون في بيان أن ثمرة جميع التكاليف التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:33 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الأربعون في مطلوبية برّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووجوب الكف عن الخوض في حكم أبوي نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:29 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع والثلاثون في بيان صفة الملائكة وأجنحتها وحقائقها وذكر نفائس تتعلق بها .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:28 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن والثلاثون في بيان أن أفضل خلق اللّه بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم الأنبياء الذين أرسلوا .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:28 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع والثلاثون في بيان وجوب الإذعان والطاعة لكل ما جاء به صلى اللّه عليه وسلم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:27 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السادس والثلاثون في عموم بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى الجن والإنس وكذلك الملائكة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:26 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والثلاثون في كون محمد صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين كما به صرح القرآن .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:26 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع والثلاثون في بيان صحة الإسراء وتوابعه وأنه رأى من اللّه تعالى صورة ما كان يعلمه منه في الأرض لا غير .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:25 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث والثلاثون في بيان بداية النبوة والرسالة والفرق بينهما وبيان امتناع رسالة رسولين معا في عصر واحد .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:24 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني والثلاثون في ثبوت رسالة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:23 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والثلاثون في بيان عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:22 من طرف عبدالله المسافر

» 15 - الأبواب من 560 - 560 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:05 من طرف عبدالله المسافر

» 14 - الأبواب من 559 - 559 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:05 من طرف عبدالله المسافر

» 13 - الأبواب من 462 - 556 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:04 من طرف عبدالله المسافر

» 12 - الأبواب من 389 - 460 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:03 من طرف عبدالله المسافر

» 11 - الأبواب من 369 - 388 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:02 من طرف عبدالله المسافر

» 10 - الأبواب من 304 - 346 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:02 من طرف عبدالله المسافر

» 09 - الأبواب من 304 - 345 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:01 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - الأبواب من 271 - 303 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:00 من طرف عبدالله المسافر

» 07 - الأبواب من 198 - 269 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:00 من طرف عبدالله المسافر

» 06 - الأبواب من 98 - 198 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:59 من طرف عبدالله المسافر

» 05 - الأبواب من 70 - 92 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:58 من طرف عبدالله المسافر

» 04 - الأبواب من 69 - 69 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:58 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - الأبواب من 51 - 68 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:57 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - الأبواب من 02 - 50 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:56 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - مقدمة المصنف .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:55 من طرف عبدالله المسافر

» 16 - ختام الكتاب بجملة صالحة في الكلام على يوم القيامة وما يقع فيه .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:54 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع والخمسون في بيان أن جميع ملاذ الكفار في الدنيا من أكل وشرب وجماع وغير ذلك كله استدراج من اللّه تعالى .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:42 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن والخمسون في بيان عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنبه أو ببدعته .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:41 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع والخمسون في بيان ميزان الخواطر الواردة على القلب .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:39 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والخمسون في بيان أن المؤمن إذا مات فاسقا بأن لم يتب قبل الغرغرة تحت المشيئة الإلهية .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:37 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والخمسون في بيان أن المؤمن إذا مات فاسقا بأن لم يتب قبل الغرغرة تحت المشيئة الإلهية .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:34 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع والخمسون في بيان أن الفسق بارتكاب الكبائر الإسلامية لا يزيل الإيمان .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:22 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث والخمسون في بيان أنه يجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن إن شاء اللّه خوفا من الخاتمة المجهولة لا شكا في الحال .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:20 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني والخمسون في بيان حقيقة الإحسان .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:18 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والخمسون في بيان الإسلام والإيمان وبيان أنهما متلازمان إلا فيمن صدق ثم اخترمته المنية .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:16 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخمسون في أن كرامات الأولياء حق إذ هي نتيجة العمل على وفق الكتاب والسنة فهي فرع لمعجزات .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:13 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع والأربعون في بيان أن جميع الأئمة المجتهدين على هدى من ربهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 7:56 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن والأربعون في بيان أن جميع أئمة الصوفية على هدى من ربهم وأن طريقة الإمام أبي القاسم الجنيد .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 7:52 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع والأربعون في بيان مقام الوارثين للرسل من الأولياء رضي اللّه عنهم أجمعين .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 7:48 من طرف عبدالله المسافر

» فهرس المحتويات الجزء الأول .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 21:17 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثلاثون في بيان حكمة بعثة الرسل في كل زمان وقع فيه إرسال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 21:16 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع والعشرون في بيان معجزات الرسل والفرق بينها وبين السحر ونحوه كالشعبذة والكهانة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 21:08 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن والعشرون في بيان أنه لا رازق إلا اللّه تعالى .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 21:01 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع والعشرون في بيان أن أفعال الحق تعالى كلها عين الحكمة ولا يقال إنها بالحكمة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:59 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السادس والعشرون في بيان أن أحدا من الإنس والجن لا يخرج عن التكليف ما دام عقله ثابتا .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:58 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والعشرون في بيان أن للّه تعالى الحجة البالغة على العباد مع كونه خالقا لأعمالهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:56 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع والعشرون في أن اللّه تعالى خالق لأفعال العبد كما هو خالق لذواتهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:43 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث والعشرون في إثبات وجود الجن ووجوب الإيمان بهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:37 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني والعشرون في بيان أنه تعالى مرئي للمؤمنين في الدنيا بالقلوب .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:22 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والعشرون في صفة خلق اللّه تعالى عيسى عليه الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:16 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث العشرون في بيان صحة أخذ اللّه العهد والميثاق على بني آدم وهم في ظهره .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:14 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع عشر في الكلام على الكرسي واللوح والقلم الأعلى .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:11 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن عشر في بيان أن عدم التأويل لآيات الصفات أولى كما جرى عليه السلف الصالح رضي اللّه تعالى عنهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:05 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع عشر في معنى الاستواء على العرش .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:01 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السادس عشر في حضرات الأسماء الثمانية بالخصوص وهي الحي العالم القادر المريد السميع البصير المتكلم الباقي .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:57 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس عشر في وجوب اعتقاد أن أسماء اللّه تعالى توقيفية .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:38 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع عشر في أن صفاته تعالى عين أو غير أو لا عين ولا غير .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:35 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث عشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى لم يزل موصوفا بمعاني أسمائه وصفاته .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:11 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني عشر في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى أبدع على غير مثال سبق .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:07 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي عشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى علم الأشياء قبل وجودها في عالم الشهادة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:03 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث العاشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:01 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث العاشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 18:46 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى ليس مثل معقول ولا دلت عليه العقول .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 18:44 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس عشر في وجوب اعتقاد أن أسماء اللّه تعالى توقيفية .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 10:28 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع عشر في أن صفاته تعالى عين أو غير أو لا عين ولا غير .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 10:18 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث عشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى لم يزل موصوفا بمعاني أسمائه وصفاته .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 10:06 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني عشر في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى أبدع على غير مثال سبق .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 9:47 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي عشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى علم الأشياء قبل وجودها في عالم الشهادة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 9:37 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث العاشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 9:25 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى ليس مثل معقول ولا دلت عليه العقول .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 9:00 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن في وجوب اعتقاد أن اللّه معنا أينما كنا في حال كونه في السماء في حال كونه مستويا على العرش .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 8:53 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى لا يحويه مكان كما لا يحده زمان .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 8:42 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السادس في وجوب اعتقاد أنه تعالى لم يحدث له بابتداعه العالم في ذاته حادث وأنه لا حلول ولا اتحاد .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 8:33 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس في وجوب اعتقاد أنه تعالى أحدث العالم كله من غير حاجة إليه .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 8:24 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع في وجوب اعتقاد أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 7:24 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث في حدوث العالم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 7:05 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني في حدوث العالم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 6:52 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الأول في بيان أن اللّه تعالى واحد أحد منفرد في ملكه لا شريك له .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 6:42 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الرابع في بيان جملة من القواعد والضوابط التي يحتاج إليها من يريد التبحر في علم الكلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 11 سبتمبر 2020 - 11:53 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثالث في بيان إقامة العذر لأهل الطريق في تكلمهم في العبارات المغلقة على غيرهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Emptyالجمعة 11 سبتمبر 2020 - 11:39 من طرف عبدالله المسافر

المواضيع الأكثر نشاطاً
منارة الإسلام (الأزهر الشريف)
أخبار دار الإفتاء المصرية
فتاوي متنوعة من دار الإفتاء المصرية
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر‌ ‌السابع‌ ‌والعشرون‌ ‌فص‌ ‌حكمة‌ ‌فردية‌ ‌في‌ ‌كلمة‌ ‌محمدية‌ ‌.موسوعة‌ ‌فتوح‌ ‌الكلم‌ ‌في‌ ‌شروح‌ ‌فصوص‌ ‌الحكم‌ ‌الشيخ‌ ‌الأكبر‌ ‌ابن‌ ‌العربي
السفر الخامس والعشرون فص حكمة علوية في كلمة موسوية .موسوعة فتوح الكلم في شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السـفر الخامس عشر فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية .موسوعة فتوح الكلم في شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
مكتب رسالة الأزهر
السـفر السادس عشر فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية .موسوعة فتوح الكلم في شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي





25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي

اذهب الى الأسفل

22032020

مُساهمة 

25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي  Empty 25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي




25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي 

كتاب خصوص النعم في شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين أحمد المهائمي   

الفص الموسوي على مدونة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم
الفصّ الموسوي
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية                      الجزء الأول
أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق باستعلاء المتصرف بالحق ، والمقيم أوامره ونواهيه على المتصرف بنفسه ، والمقيم أوامرها ونواهيها ظهر بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى موسى عليه السّلام ؛ لاستعلائه على فرعون القائل :" أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى" [النازعات : 24 ] قولا وفعلا ، قال تعالى في حقه :"إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى"  [طه :86] ،" فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ " (31) سورة الدخان
فغلب على السحرة أولا بإبطال عظيم سحرهم ، وأثر فيهم الإيمان ، وأغرق فرعون وقومه ، وورث ملكهم .
 
""أضاف المحقق : إنما خصت الكلمة الموسوية بالحكمة العلوية ، لعلوه على من ادعى الأعلوية ؛ فقال : أنا ربكم الأعلى ؛ فكذبه اللّه تعالى بقوله لموسى : إنك أنت الأعلى ، على القصر يعني لا هو مع أنه تعالى وصفه بالعلوية . . . ،
ولعلو درجته في النبوة بأنه كلمة اللّه بلا واسطة ملك ، وكتب له التوراة بيده تعالى ، ويقرب مقامه من مقام الجمعية التي اختص بها نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم . ( شرح القاشاني ص 303 ) . أهـ""


قال الشيخ رضي الله عنه :  (حكمة قتل الأبناء من أجل موسى عليه السّلام لتعود إليه بالإمداد حياة كلّ من قتل لأجله ؛ لأنّه قتل على أنّه موسى ، وما ثمّ جهل ، فلا بدّ أن تعود حياته على موسى عليه السّلام أعني حياة المقتول من أجله ، وهي حياة طاهرة على الفطرة لم تدنّسها الأغراض النّفسيّة ، بل هي على فطرة « بلى » ، فكان موسى مجموع حياة من قتل على أنّه هو ؛ فكلّ ما كان مهيّئا لذلك المقتول ممّا كان استعداد روحه له ، كان في موسى عليه السّلام ، وهذا اختصاص إلهيّ لموسى لم يكن لأحد قبله ، فإنّ حكم موسى كثيرة فأنا إن شاء اللّه تعالى أسرد منها في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهيّ في خاطري ، فكان هذا أوّل ما شوفهت به من هذا الباب ، فما ولد موسى إلّا وهو مجموع أرواح كثيرة وجمع قوى فعّالة لأنّ الصّغير يفعل في الكبير )
 .
فأشار إلى سبب هذا الاستعلاء من جهة روحه وبدنه ، فقال : ( حكمة قتل الأبناء ) ، فأراه اللّه تعالى الرؤيا لفرعون أنه خرجت نار من ديار بني إسرائيل ، فأحرقت قصر فرعون وديار قومه ، ولم يصل إلى ديار بني إسرائيل منها شيء ، فأولها المعبرون بخروج ولد منهم يكون على يديه هلاك ملكه ، فأمر بقتل كل غلام يولد لهم فهمان قتلهم ( من أجل موسى عليه السّلام ) ، وإن قصد الأمر ، والمباشر قتل موسى بالذات .
قال رضي الله عنه :  ( لتعود إليه بالإمداد ) أي : إمداد تلك الأرواح روح موسى ، وإن امتنع اتحاد ذهابه
من كل وجه ، واجتماعها معه بالتصرف في بدنه ( حياة ) ، أي : فائدة حياة ( كل من قتل من لأجله ) ، إذ لا معنى للقتل من أجله من اللّه تعالى سوى هذا الإمداد ، وكيف لا يحصل هذا الإمداد وقد جعل الحق روح المقتول كأنه روح موسى ؛
قال رضي الله عنه : ( لأنه قتل على أنه موسى ) ، وهم وإن فعلوه جهلا بموسى ، ولكن ( ما ثمة ) أي : في حق اللّه تعالى ( جهل ) ، وقد دعاهم بهذا المنام إلى قبلهم على أنه موسى ، فلابدّ لروحهم مع روحه من نوع اتحادية يكون إمدادهم لروحه ، كيف وقد فوت الحق على المقتول فائدة حياته باستدلال قتله ولا معطل في صنعه ، إذ لا يفعل عبثا ؛
قال رضي الله عنه : ( فلابدّ أن تعود حياته على موسى عليه السّلام ، أعني : حياة المقتول من أجله ) فيه إشارة إلى أن من مات حتفا فقد استكمل فائدة حياته ، فلا تعود حياته على أحد ، وكذا من قتل لا من أجل أحد ، وكذا ما قتلناه من أجل أحد لا عن أمر اللّه واستدعائه .
 
ثم أشار إلى أنه إنما يتم هذا الإمداد بقتل الصغار دون الكبار ، بقوله : ( وهي حياة طاهرة ) ؛ لأنها باقية ( على الفطرة ) ، والباقية عليها ظاهرة ، إذ ( لم تدنسها الأغراض النفسية ) ، وإن تعلقت بالنفوس حينا فهذا التعلق مع عدم حصول الغرض من المتعلق كالعدم ،
قال رضي الله عنه : ( بل هي على فطرة " بلى " ) يكون له كمال التصرف بما يتعلق به ، لكن امتنع تعلقها ببدن موسى ؛ لتعلق روحه ببدنه بالتصرف لكانت ممدة له ، ( فكان موسى مجموع حياة من قتل على أنه هو ) ، وإن لم يكن مجموع أرواحهم ، وإن كانت روحه كلية جامعة لأرواح أمته إلا أنها بعد التفصيل لا تعود إلى الإجمال ؛ لأنها غير قابلة للفناء .
 
ولما كان تفويت الحق فوائد الحياة على أرواح المقتولين موجبا لعود حياتها إلى من قتلهم الحق بطريق الاستدعاء المنافي لأجله ، كان ( كل ما كان مهيئا لذلك المقتول ) لو عاش مدة ( مما كان استعداد روحه له ) ، وإن لم يبلغ بدنه إلى حدّ هذا الاستعداد ( كان في موسى عليه السّلام ) ؛ لئلا يضيع ذلك الاستعداد بالكلية مع أن السنة الإلهية جرت ألا تقبع شيئا من الاستعدادات بمقتضى الجود الإلهي المعطى لكل شيء خلقه ،
قال رضي الله عنه : ( وهذا ) أي : إمداد الشخص بأرواح المقتولين من أجله ( اختصاص إلهي لموسى لم يكن لأحد قبله ) ، فإنه وإن قتل باسم إبراهيم عن رؤيا أراها اللّه إياه أنه طلع نجم فذهب بضوء الشمس والقمر ، فعبر بولد يولد في ناحيته ، فيذهب ملكه على يديه ، فأمر أولا بعزل النساء .
ثم لما حملت به أمه أخبره المنجمون بعلوه ، فأمر بقتلهم فما قتلهم إلا بعد كمال روحانيته ، وأرواحهم مشتغلة بتدبير أبدانها بخلاف المقتولين من أجل موسى ،
 
فإنهم قتلوا قبل حمل أمه به ، فكانوا فارغين عن تدبير أبدانهم حينئذ ، فتم إمدادهم لروح موسى عند تعلقه ببدنه ، كأنهم متعلقون به أيضا ، وهذا من الحكمة الإلهية في حق موسى عليه السّلام ، قال رضي الله عنه : ( فإنّ حكم موسى كثيرة ، فأنا إن شاء اللّه أسرد منها في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي ) بطريق الإلهام ( في خاطري ) ، فإنه في حقه كالمشافهة بالوحي للأنبياء ، ( فكان هذا
أول ما شوفهت به ) أي : ألهمت إلهاما كالمشافهة ( من هذا الباب ) ؛ لأنه وقع قبل خلقته ، فهي أول الحكم .
 
قال رضي الله عنه : ( فما ولد موسى إلا وهو ) من حيث الاستمداد بأرواحهم كأنه ( مجموع أرواح كثيرة ) ، وإن امتنع اجتماعها في التصرف في بدن واحد للرد على الفساد عن وقوع الاختلاف بينهما وإن انتفت ، فلا أقل من جواز الاختلاف بينها فهو خلاف الحكمة المطلوبة من جمعها ، فهذا الجمع وإن امتنع فلا يمتنع إمدادها ، إذ هي في الإمداد كالقوى ،
فقد ( جمع قوى فعالة ) ، وهذا ما قاله الشيخ الكامل المحقق سعد الدين الحموي في كتابه « المحبوب في دائرة ضادية » : أيد روح نبيه موسى عليه السّلام بأرواح الأطفال المقتولين على يد فرعون وأقوامه ، فتجمعت تلك الأرواح على روحه ،
كما تجمعت الملائكة على سدرة المنتهى لما غشيها نور الخلاق من قبل أرض الإشراق ؛ لتحقق أمر التلاقي يوم التفاف الساق بالساق ، فروح المحبوب وروح موسى كليم اللّه مؤيدة بأرواح المؤمنين ، وبنصرة رب العالمين ،
وهذا كلامه ، وكأنه أشار بسدرة المنتهى إلى الشجرة الكلية المحمدية الجامعة لأرواح الملائكة والناس ، وبنور الخلاق إلى النور المفاض عليها لإفادة الوجود الخارجي ، فإنه لا وجود للماهية الكلية إلا في ضمن الجزئيات .
وهذه الإفاضة تنزل الحق بالظهور في المظاهر ، وأشار إليه بأرض الإشراق ، وأناره بتحقق أمر التلاقي إلى تلاقي الوجود والماهية في الموجودات ، وبالتفاف الساق بالساق إلى اختلاط العوارض الوجودية بعضها ببعض ،
فإنه لا وجود للماهية إلا بالعوارض الشخصية والعامة ، فروح المحبوب المشار إليها بسدرة المنتهى ، وروح الكليم مؤيد بأرواح المؤمنين وبنصرة رب العالمين ، لكن تأييد روح الكليم مشروط بقتلهم صغارا على أنهم هم الكليم ، وتأييد روح المحبوب ليس بمشروط بشيء لإطلاقه عن القيود اللاحقة بغيره ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم .
ولما كانت تلك القوى فعالة مع ضعف الأطفال في المقاومة ؛ ( لأن الصغير يفعل ) أي : يؤثر أثرا ملصقا ( بالكبير ) ، إذ يفيده أوصافه .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  (ألا ترى الطّفل يفعل في الكبير بالخاصيّة فينزّل الكبير من رياسته إليه فيلاعبه ويزقزق له ويظهر له بعقله ، فهو تحت تسخيره وهو لا يشعر ؛ ثمّ يشغله بتربيته وحمايته وتفقّد مصالحه وتأنيسه حتّى لا يضيق صدره . هذا كلّه من فعل الصّغير بالكبير وذلك لقوّة المقام فإنّ الصّغير حديث عهد بربه لأنّه حديث التّكوين والكبير أبعد ) .
 
قال رضي الله عنه :  ( ألا ترى الطفل يفعل ) أي : يؤثر أمرا مستقرا ( في الكبير بالخاصية ) أي : بإعطائه إياه خاصية نفسه لقوة روحانية ، وإن ضعفت جسمانيته كالأدوية الضعيفة القوام ، القوية التأثير ، ( فينزل الكبير من رئاسته إليه ) أي : إلى ما يختص به الصغير مع صعوبة هذا الفعل إذا قصده الكبير الآخر معه ، ( فيلاعبه ) .« ولهذا تصح هذه الملاعبة في الشرع مع أن كل لعب حرام ؛ لأنها ليست من فعل الكبير ، بل من فعل الصغير بالكبير يظهر من صورة الكبير يصدر منه بلا اختيار ، ولا يؤخذ الفاعل بمثل هذا الفعل .القاشاني أهـ » ،
 
وإن قلتم يشارك فيه الكبير نقول : ( يزقزق ) أي : يخرج لسانه ( له ) ، وإن قلتم : إنه أسهل ، فنقول : ( يظهر له بعقله ) وهذا أصعب ، وإذا كانت هذه الأفعال مما لا يتأتى من الكبير مع الكبير إلا بصعوبة ، ويتأتى من الصغير مع الكبير بلا صعوبة ، ( فهو ) أي : الكبير ( تحت تسخيره ) ، أي : تسخير الصغير .
 
قال رضي الله عنه :  ( وهو ) أي : الكبير ( لا يشعر ) بهذا الفعل ؛ لكونه تأثيرا بالباطن الروحاني ، ( ثم ) أي :
بعد هذا التأثير فيه بالخاصية ( يشغله بتربيته ) بالتعليم ، وتهيئة الطعام والكسوة ، ( وحمايته ) عن أعدائه وعما يضره وينقص فيه ، ( وتفقد مصالحه ) لحفظ أمواله وتنميتها ، والاشتغال بمعالجته ( وتأنيسه وذلك ).  " في نسخة أخرى ذلك = هذا كله ".
أي : ( فعل الصغير بالكبير ) هذه الأفعال مع ضعفه في الظاهر ؛ ( لقوة المقام ) أي : مقامه من ربه المؤثر بالفعل ؛ ( لأن الصغير حديث عهد بربه ؛ لأنه حديث التكوين ) ، والتكوين نسبة بينه وبين ربه ، فهو قريب من مكونه لا واسطة بينه وبين ربه إلا هذه النسبة بهذا الاعتبار ، وإن كانت ثمة وسائط كثيرة باعتبارات أخرى ، ( والكبير ) من حيث بعد عهد تكوينه ( أبعد ) من التكوين ، كان أقرب إليه من جهات أخرى .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  (فمن كان من اللّه أقرب سخّر من كان من اللّه أبعد ، كخواصّ الملك للقرب منه يسخّرون الأبعدين ، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبرز بنفسه للمطر إذا نزل ويكشف رأسه له حتّى يصيب منه ، ويقول : إنّه حديث عهد بربّه ، فانظر إلى هذه المعرفة باللّه من هذا النّبيّ ما أجلّها وما أعلاها وأوضحها ، فقد سخّر المطر أفضل البشر لقربه من ربّه فكان مثل الرّسول الّذي ينزل إليه بالوحي فدعاه بالحال بذاته إليه ليصيب منه ما أتاه به من ربّه ، فلو لا ما حصّلت له منه الفائدة الإلهيّة بما أصاب منه ، ما برز بنفسه إليه ، فهذه رسالة ماء جعل اللّه منه كلّ شيء حيّ ؛ فافهم ) .
 
قال رضي الله عنه :  ( فمن كان من اللّه أقرب ) باعتبار ( تسخير من كان من اللّه أبعد ) بذلك الاعتبار ، وإن كان مسخرا له باعتبار آخر به قرب ذلك المسخر اسم الفاعل ، إذ للقرب هذه الخاصية في البعد ( كخواص الملك للقرب ) وإن قل ، ( يسخرون الأبعدين ) سواء قل بعددهم أو كثر ، والغائب من ذلك كالشاهد ، إذ وقع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند بعده من جهة التكوين مع المطر من جهة قربه بالتكوين ، مع أن وجوه قرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من اللّه بحيث لا يعد ولا يحصى ، إذ
قال رضي الله عنه :  ( كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبرز بنفسه للمطر إذا نزل ، ويكشف له رأسه حتى يصيب منه ، ويقول : ) في عذره عن البروز له وكشف الرأس لإصابته ( إنه حديث عهد بربه ) ، فله قرب ما بهذا الوجه يوجب تعظيمه والتبرك به .
قال رضي الله عنه :  ( فانظر إلى هذه المعرفة باللّه من هذا النبي ) الذي هو أعظم الأنبياء ( ما أجلها ) ، إذ علم أنه لا نهاية لوجوه القرب منه ( وأعلاها ) ، إذ علم ألا يمكن الإحاطة لأحد بوجوه القرب منه ( وأوضحها ) ، إذ علم تجليه في كل شيء باسم خاص لا يحصل إلا بواسطته ، وإن كان ذلك الاسم من جزئيات اسمه عليه السّلام ،
قال رضي الله عنه :  ( فقد سخر المطر ) بما فيه تجلي الأسماء الإلهية المختصة به ، وفضل النبي الذي تجلى اسمه شامل على تجليات تلك الأسماء ، لكن تلك الأسماء له بواسطة مجاليها الخاصة ، كأنها مقدمات ومتممات له ؛ ( لقربه ) أي : قرب المطر ( من ربه ) الذي هو الاسم الخاص ، وإن كانت من جزئيات اسمه عليه السّلام ، وكان قربه عليه السّلام من ذلك الاسم أتم من كل قرب ؛ لكن القرب إلى جزئيات ذلك الاسم المختصة بجزئيات العالم بالذات لا يحصل لغيرها إلا بواسطتها ، وإن كان الكل بواسطته عليه السّلام باعتبار الكلية ، وهذا باعتبار الجزئية ،
قال رضي الله عنه :  ( فكان ) أي : المطر في التسخير ( مثل ) الملك ( الرسول الذي نزل إليه بالوحي ) بتسخير له نبينا عليه السّلام ؛ لحصول التجلي العلمي بواسطته ، فيجيب دعوته بلسان المقال ، والمطر يأتيه بتجلي اسمه الحي ، ( فدعاه بالحال ) أي : بلسان الحال ( بذاته ) ، فإن الحياة مطلوبة بالذات يتوقف عليها جميع الكمالات ، فيسخر له فيبرز ( إليه ؛ ليصيب منه ما أتاه ) المطر ( به من ربه ) من تجلي اسمه الحي المتجلي أولا عليه على الخصوص ، وإن تجلى أولا على الروح المحمدي من جملة الأسماء إلا أن للمختص بالشيء مزيد قرب منه .


قال رضي الله عنه :  ( فلو لا ما حصلت له منه الفائدة الإلهية ) من كمال الحياة الإلهية المرتب عليها كمال العلم وسائر الصفات ، ( ما برز بنفسه إليه ) ، كما لم يبرز له أثر ما هو قريب العهد من ربه ، فهذا التسخير للمطر كالتسخير للرسول الآتي بالوحي ، ( فهذه ) الفائدة من تجلي هذا الاسم على أتم الوجوه ( ورسالة ماء ) إليه من حيث ( جعل اللّه منه كل حي ؛ فافهم ) هذا المعنى الدقيق الذي خصّ به نبينا عليه السّلام ، ثم من ورائه من الكمّل .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  (وأمّا حكمة إلقائه في التّابوت ورميه في اليمّ ؛ فالتّابوت ناسوته ، واليمّ ما حصل له من العلم بواسطة هذا الجسم مما أعطته القوّة النّظريّة الفكريّة والقوى الحسيّة والخياليّة الّتي لا يكون شيء منها ولا من أمثالها لهذه النّفس الإنسانيّة إلا بوجود هذا الجسم العنصريّ ، فلمّا حصلت النّفس في هذا الجسم وأمرت بالتّصرّف فيه وتدبيره ، جعل اللّه لها هذه القوى آلات تتوصّل بها إلى ما أراده اللّه منها في تدبير هذا التّابوت الّذي فيه سكينة الرّبّ ، فرمي به في اليمّ ليحصل بهذه القوى على فنون العلم ، فأعلمه بذلك أنّه وإن كان الرّوح المدبّر له هو الملك ؛ فإنّه لا يدبّره إلّا به ، فأصحبه هذه القوى الكائنة في هذا النّاسوت الّذي عبّر عنه بالتّابوت في باب الإشارات والحكم ) .
 
ولما فرغ عن بحث استمداد روحه من أرواح الأطفال ، فإنها قوى روحه شرع في بحث استمداده من قوى بدنه ،
فقال رضي الله عنه  : ( وأما حكمة إلقائه في التابوت ورميه في اليم ) ، فهي تنبيهية بطريق الإشارة إلى أن تعلق روحه ببدنه لتجري في بحار المحسوسات بالقوى التي فيه ، فيرجع بالكمالات العلمية والعملية المستفادة منها إلى ربه ، فيفوز بأعلى وجوه السعادات والقرب من ربه ؛ وذلك ليصرف عنان همته في تحصيل ذلك ،
 
قال رضي الله عنه :  ( فالتابوت ) بطريق الإشارة ( ناسوته ) أي : بدنه الشامل على القوى ، ( واليم ) بتلك الطريق ( ما حصل له من العلم ) ، إذ هو بحر لا ساحل له ، ورميه في اليم إشارة إلى أن حصول هذا العلم بواسطته ( بوساطة هذا الجسم ) الشامل على هذه القوى ؛ لأنه عند التجرد الأول لم يكن عالما به ، وإنما كان بالمعقولات المحضة في هذا العلم
قال رضي الله عنه :   ( مما أعطته القوة النظرية ) ، وهذه القوة النظرية إنما أعطته القوة ( الفكرية ) ، إذا ترتبت المقدمات النظرية ، إنما تكون بالتركيب والتحليل بين صور المحسوسات والمعاني المدركة منها ، وهذه القوة جسمانية ثابتة في وسط الدماغ ،
ومما أعطته
( القوى الحسية ) أي : المشاعر الظاهرة ، فإنها علوم عند الأشعري ،
( والخيالية ) أي : الحواس الباطنة غير المنكرة وهي الحس المشترك ، والخيال والحافظة والمتوهمة ( التي لا يكون شيء منها ولا من أمثالها ) من القوى المحركة ( لهذه النفس الإنسانية ) ، وهي القلب
قال رضي الله عنه :  ( إلا بوجود هذا الجسم ) ؛ لأنها جسمانية فلا تحل في المجردات ، ولا تحصل له من حيث هو مجرد عنصري ؛ ذكره ليشير إلى أن هذه النفس لو تعلقت بالأجرام السماوية لم يكن لها هذه القوى الحسية والخيالية والمفكرة ، إذ ليس لهذه الأجرام جر نفع ولا دفع ضر ، وإنما هو في الجسم ( العنصري ) الذي يتوارد عليه الكون والفساد .
 
قال رضي الله عنه :  ( فلما حصلت النفس في هذا الجسم ) العنصري المحتاج إلى جر نفع ودفع ضر لتوارد الكون والفساد عليه ، ( وأمرت بالتصرف فيه ) لإخراج ما فيه بالقوة إلى الفعل ، ( وتدبيره ) بجذب المنافع ودفع المضار ، والنفس لا تستقل بذلك في الأمور الخارجية ، ( جعل اللّه لها هذه القوى ) الحالة في هذا البدن الذي تعلقت به النفس ، فحصل بينهما اجتماع
 
قال رضي الله عنه :   ( آلات يتوصل بها إلى ما أراده منها ) من الأفعال الصناعية ( في تدبير هذا التابوت ) البدن ( الذي فيه سكينة ) ، أي : سكون أسرار ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، ( فرمي به ) أي : بهذا التابوت البدني ( في اليم ) أي : يم العلوم باستعمال هذه القوى في تحصيلها ؛
قال رضي الله عنه :  ( ليحصل بالقوى ) فيقف ( على فنون العلم ) من النظريات ، والبديهيات ، والمحسوسات بعد ما كانت لها المعقولات المحضة لو بقيت على تجردها ، وإذا كان ألقي موسى في التابوت ، ورميه في اليم إشارة إلى ما ذكرنا.
( فأعلمه بذلك ) الإلقاء والرمي في اليم ( أنه وإن كان الروح المدبر له ) ، أي : للبدن
قال رضي الله عنه :  ( هو الملك ) المتشبه بالمالك الحق حتى صارت معرفته مستلزمة لمعرفته ، ( فإنه لا يدبره إلا به ) ؛ لأن هذه القوى شعب النفس الحيوانية الحاصلة من النداء اللطيف في القوى أيضا منه ، وإذا كان تدبيره بهذه القوى ، وليس محلا لها ، ولا يمكن اجتماعها معه في عالم المجردات ، ( فأصحبته هذه القوى ) الحالية ( في هذا الناسوت ) ،
أي : البدن ( الذي عبّر عنه بالتابوت ) ؛ لاشتماله على هذه القوى بطريق الحلول فيه ، وهذا وإن لم يكن مراد النص بطريق العبارة ، فهو مراد ( في باب الإشارات ) ، وهي وإن لم يؤخذ بها في باب الاستدلال يؤخذ بها ( والحكم ) المستفادة من القرآن ، إذ أكثرها بطريق الإشارة بحيث لا تناقض مفهوم العبادة ، ولا تذكر بطريق العبارة ؛ لصعوبة فهمها على العامة فيكون سببا لضلالهم ، فإذا علم ذلك علم كمال تشبهه بالحق.
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( كذلك تدبير الحقّ العالم فإنّه ما دبّره إلّا به أو بصورته ، فما دبّره إلّا به كتوقّف الولد على إيجاد الوالد ، والمسبّبات على أسبابها ، والمشروطات على شروطها ، والمعلولات على عللها ، والمدلولات على أدلّتها ، والمحقّقات على حقائقها ، وكلّ ذلك من العالم ، وهو تدبير الحقّ فيه فما دبّره إلّا به ، وأمّا قولنا أو بصورته أعني صورة العالم فأعني به الأسماء الحسنى والصّفات العلى الّتي تسمّى الحقّ بها واتّصف بها ، فما وصل إلينا من اسم يسمّى به إلّا وجدنا معنى ذلك الاسم وروحه في العالم . فما دبّر العالم أيضا إلّا بصورة العالم).
 
ثم يكمل تشبهه به باستعمال تلك القوى في تحصيل الكمالات المرادة منها ؛ لأنه إذا علم ذلك من نفسه مع بدنه ، علم أنه ( كذلك تدبير الحق للعالم ؛ لأنه ما دبره إلا به ) أي :
بما هو من أجزائه ( أو بصورته ) ، أي : صورة العالم من الأسماء الإلهية والصفات ، وهي وإن كانت صورة الحق ، فهي من حيث إن معانيها أرواحها في العالم صورة المعالم ( فما دبره ) في الوجهين ( إلا به ) ؛ لأن تدبيره ( بصورته ) من الأسماء تدبير بما فيه من معانيها ، فمثال تدبير العالم بنقص أجزائه .
 
قال رضي الله عنه :  ( كتوقف ) إيجاد ( الولد ) من حيث هو ولد ( على إيجاد الوالد ) ، وتوقف إيجاد ( المسببات على أسبابها ) ، والسبب ما يتوقف عليه الشيء ويؤثر فيه ، ولكن لا يوجب وجوده ، ( والمشروطات على شروطها ) ، والشرط ما يتوقف عليه الشيء ، ويؤثر فيه ويوجبه هذا في الموجودات الخارجية .
 
وأما الموجودات الذهنية فيتوقف إيجاد ( المدلولات ) في الذهن ( على ) إيجاد ( أدلتها ) في الذهن ، وتوقف إيجاد ( المحققات على حقائقها ) ، وهي من حيث هي أعم من الخارجية ( وكل ذلك ) أي : الأسباب ، والشروط ، والعلل ، والأدلة ، والحقائق ( من ) أجزاء ( العالم ، وهو ) أي : ترتيب الولد ، والمسبب ، والمشروط ، والمعلول على الوالد ، والسبب ، والشرط ، والعلة
 
قال رضي الله عنه :   ( تدبير الحق فيه ) ، أي : في العالم وجملة ما في العالم منحصر في هذه الأقسام ، ( فما دبره إلا به ) بالاستقراء التام ، لكنه إنما يتم في الولد ، والمسببات ، والمشروطات ، والمعلولات لا في الوالد ، والسبب ، والشرط ، والعلة السابق منها ، فالتدبير فيه بصورته ، فأشار إليه بقوله : ( وأما قولنا أو بصورته أعني : صورة العالم ) بينه ؛ لئلا يتوهم أنها صورة الحق ، فلا يكون تدبير الحق بها للعالم تدبيرا بالعالم ، ( فأعني به ) أي : بذلك القول
 
قال رضي الله عنه :  ( الأسماء الحسنى ، والصفات العلا ) ، فإنها وإن كانت هي ( التي تسمى الحق بها واتصف بها ) ، فهي صورة العالم إذ هي صور لما في العالم من المعاني والأرواح ، وإن كانت صور العالم صورا لهذه الأسماء ، كما أنها صور لتلك المعاني والأرواح ، ولا يختص بذلك بعض الأسماء دون بعض مما ظهر لنا .
 
قال رضي الله عنه :  ( فما وصل إلينا ) بطريق الكتاب أو السنة ، أو الإجماع أو الكشف ( من اسم تسمى به ) ، وإن كان من الأسماء المختصة به كاللّه والرحمن ( إلا وجدنا معنى ذلك الاسم وروحه في العالم ) ، والشيء صورة لمعناه وروحه ، فالأسماء الإلهية صور لما في العالم من المعاني والأرواح ، والاسم عبارة عن الذات مع الصفة ، والذات صورة للعالم ، فالصورة الحقيقية له هي الصفات ، وإذا كان تدبير العالم بهذه الأسماء والصفات ، ( فما دبر العالم أيضا إلا بصورة العالم ) ، وهو تدبير له بما فيه من معانيها وأرواحها ، فهو أيضا تدبير العالم بالعالم .


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( ولذلك قال في آدم الّذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهيّة الّتي هي الذات والصّفات والأفعال : « إنّ اللّه خلق آدم على صورته » ، وليست صورته سوى الحضرة الإلهيّة ، فأوجد في هذا المختصر الشّريف الّذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهيّة وحقائق ما خرج عنه في العالم الكبير المنفصل ، وجعله روحا للعالم فسخّر له العلو والسّفل لكمال الصّورة ، فكما أنّه ليس شيء في العالم إلّا وهو يسبّح اللّه بحمده ، كذلك ليس شيء في العالم إلّا وهو مسخّر لهذا الإنسان لما تعطيه حقيقة صورته ، فقال تعالى :وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [ الجاثية : 13].
فكلّ ما في العالم تحت تسخير الإنسان علم ذلك من علمه ، وهو الإنسان الكامل وجهل ذلك من جهله ، وهو الإنسان الحيوان ) .
 
قال رضي الله عنه :  ( ولذلك ) أي : ولكون تدبير الحق للعالم بصورة العالم ( قال ) على لسان رسوله الذي وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 3 ، 4 ] .
( في ) حق ( آدم الذي هو البرنامج ) معرب « نموجه » ، وقد حذفت منه الذال ، وقد يقال فيه : الأنموذج وهو لحن العامة ، والصواب « النموذج » معرب ، وفي بعض النسخ : "البرنامج معرب برنامه " ، وإنما كان أنموذج العالم ؛ لكونه ( الجامع لنعوت الحضرة الإلهية ) أي : معانيها (التي هي الذات والصفات والأفعال)، إذ ظهر فيه الوجود، والصفات السبع، والصناعات ، فكانت الذات والصفات والأفعال صورة لما فيه («إن اللّه خلق آدم على صورته»).
أي : صورة آدم كما يقوله بعض أهل الظاهر ، لكنهم يتوهمون أن المراد منه أنه خلق من أول الأمر على ما كان عليه حال الكبر ، وليس فيه فائدة يعتد بها ، إذ لم يكن متولدا من الأبوين ، بل المراد على صورته من الذات والصفات والأفعال ،
 
كما أشار إليه بقوله : (وليست صورته ) أي : صورة آدم حين خلق ( سوى الحضرة الإلهية ) التي هي صورة لما في آدم من هذه النعوت ، فاتفق هذا القول بقول من جعل الضمير للّه تعالى ، لكن لا يكون بذلك نموذج العالم من كل وجه ؛ لاختصاصه بحقائق انفصل بها عن الحق .


قال رضي الله عنه :  ( فأوجدها في هذا المختصر ) لا في كل واحد مما صدق عليه الإنسان عرفا ، بل في ( الشريف ) منه ( الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية ) ، أي : معانيها وأرواحها ، وهذا الوجد به اتصال العالم بالحق ، وكذا إيصال الإنسان به وجمع فيه أيضا ( حقائق ما خرج عنه ) ، أي : عن الحق ، فلم يكن من معاني أسمائه وأرواحها ، وإنما كان من آثارها ( في العالم الكبير المنفصل ) عن الحق بتلك الحقائق ؛ لجمعه بين الأسماء الإلهية ، وبين تلك الحقائق ؛
ولذلك ( جعله روحا للعالم ) ، إذ صار مناسبا للحق وللعالم والروح مسخر له البدن ، ( فسخر له العلو ) أي : الأرواح العلوية ( والسفل ) ، أي : الأجسام السفلية ، وإنما كان روحا للعالم مع كون العالم جامعا بين الأسماء الإلهية ، والحقائق الخارجة عنه ؛ ( لكمال الصورة ) الإنسانية بخلاف صورة العالم .


ثم شبّه هذا التسخير في العموم بتسبيح الحق ؛ لأن الكمال هو المقتضي للتسبيح والتسخير ، فقال : ( فكما أنه ليس شيء في العالم إلا وهو يسبح اللّه بحمده ، كذلك ليس شيء في العالم إلا وهو مسخر لهذا الإنسان "الكامل" لما تعطيه حقيقة صورته ) من الكمال الذي أشبه كمال الحق في اقتضاء العموم ،
( فكل ما في العالم ) سواء كان من السماوات والأرض أو من الأمر ، إلا على ( تحت تسخير الإنسان ) حتى أن الملائكة المقربين تحت تسخيرهم ، إذ يستغفرون لمن في الأرض ، ويوصلون الوحي والإلهام إليهم ، ويدبرون سائر أحوالهم ،
( علم ذلك من علمه ، وهو الإنسان الكامل ) الذي جمع بين المحسوسات ، والمعقولات ، والكشفيات ، ( وجهل ذلك من جهله ، وهو الإنسان الحيوان ) بزعم أن اللّه تعالى إنما نص تسخير ما في السماوات والأرض لا بتسخير ما فوق السماوات .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فكانت صورة إلقاء موسى في التّابوت ، وإلقاء التّابوت في اليمّ صورة هلاك في الظّاهر ، وفي الباطن كانت نجاة له من القتل ، فحيّي كما تحيا النّفوس بالعلم من موت الجهل ، كما قال :"أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً  فَأَحْيَيْناهُ " يعني بالجهل"وَجَعَلْنا" يعني : بالعلم لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ[ الأنعام : 122 ] وهو الهدى كَمَنْ مَثَلُهُ[ الأنعام : 122].
، وهي الضّلال بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ [ الأنعام : 122 ] أي : لا يهتدي أبدا :
فإنّ الأمر في نفسه لا غاية له يوقف عندها ، فالهدى هو أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة ، فيعلم أنّ الأمر حيرة ، والحيرة قلق وحركة ، والحركة حياة ، فلا سكون ، فلا موت ؛ ووجود ، فلا عدم ).
 
وإذا كان إلقاء موسى في التابوت إشارة إلى إلقاء الروح في البدن ، وإلقاء التابوت في اليم إشارة إلى : إلقاء الروح بواسطة البدن في فنون العلوم المختلفة الموجبة لإنسانيته الكاملة المنجية من موت الجهل الجاهل إنسانيته محض الحيوانية ،
 
قال رضي الله عنه :  ( فكانت صورة إلقاء موسى في التّابوت ، وإلقاء التّابوت في اليمّ صورة هلاك في الظّاهر ) ، إذ الأغلب غرق التابوت في البحر وتلف ما فيه ، ( وفي الباطن ) باعتبار كونه يشبه إلقاء الروح في البدن ، وإلقاؤه في بحر العلم ( كانت نجاة له من القتل ) ، أي : قتل قوم فرعون إياه الذي هو شبه قتل الجهل ، وقد كان هذا الباطن غالبا على أمه بالوحي الإلهي إليها ، فأثر في حقه فنجا من القتل ،
 
قال رضي الله عنه :  ( فحيّي كما تحيا النفوس بالعلم من موت الجهل ) القاتل لإنسانيته ، وإن بقيت حيوانيته في شكل الإنسان ( كما قال تعالى :أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً يعني : بالجهل ،فَأَحْيَيْناهُ يعني : بالعلم ) أشار إلى منفعة العلم ومضرة الجهل ، بقوله :( وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي ) في فنون العلم والأحوال والمقامات حتى يسري نوره ( فِي النَّاسِ ) ،وذلك النور ( هو الهدى ) الذي به المشي فيما ذكرنا ،( كَمَنْ مَثَلُهُ) [ الأنعام : 122 ] أي : صفته المعروفة التي يضرت بها المثل أنه مستقر راسخ ( فِي الظُّلُماتِ وهي ) وجوه ( الضلال ) ، ومسمى وجوه الحياة المذمومة ( لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ،أي : لا يهتدي أبدا ) .
 
بل كلما زيد في حقه بيان الهدى ، ازداد له اعتراض الشبه ، فالمهتدي لا ينتهي سيره فيما ذكرنا من العلوم والأحوال والمقامات ، والمقال لا تنتهي شبهه كما قال تعالى :" فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ" [ التوبة : 124 - 125 ] .
 
قال رضي الله عنه :  ( فإن الأمر في نفسه ) ، أي : أمر الإنسان في الهدى ، الضلال ( لا غاية له يوقف عندها ) حتى أن المهتدي يتحير في تعارض الأدلة ، وفي المقامات والأحوال ، فيرى نقصه في كل واحد منها ،
( فالهدى ) الكامل ( هو أن يهتدي الإنسان ) من كشف العلوم ، والأحوال ، والمقامات ( إلى الحيرة ) ، وهي الحيرة المحمودة المشار إليها بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رب زدني فيك تحيرا » .
 
قال رضي الله عنه :  ( فيعلم ) من هذا الهدى ( أن الأمر ) ، أي : أمر الإنسان في الهدى والضلال ( حيرة ) ، وهي مفيدة للحياة الوجودية ، فإن كانت محمودة كانت حياة محضة ، وإن كانت مذمومة اجتمع في حقه الحياة والموت ، فلا يموت ولا يحيى ؛ وذلك لأن ( الحيرة قلق ) ، والقلق ( وحركة ) تمنع عن الاستقرار ، ( والحركة حياة ) إذ الميت لا يتحرك حركة الحيوان ،

فالحيرة حركة ( فلا سكون ) له في السير إلى اللّه ، لكنه إما في النور أو في الظلمات ، والحيرة حياة ( فلا موت ) له بموت العدم ، وذلك أن الحركة والحياة ( وجود فلا عدم ) ، فالحياة الوجودية لازمة للكل، والحياة العلمية إذا انقسمت إليها صارت حياة محضة تشبه الحياة الإلهية.
.
يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الأحد 22 مارس 2020 - 9:30 عدل 1 مرات

_________________
شاء الله بدء السفر منذ يوم الست بربكم .
عرفت ام لم تعرفي   
ففيه فسافر لا إليه ولا تكن ... جهولاً فكم عقل عليه يثابر
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى،
يسير و المكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه،
و لكن ارحل من الأكوان إلى المكون،
و أن إلى ربك المنتهى.

عبدالله المسافر
عبدالله المسافر
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 4730
الموقع : https://almossafer1.blogspot.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

https://almossafer1.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: redditgoogle

25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي :: تعاليق

عبدالله المسافر

مُساهمة في الأحد 22 مارس 2020 - 3:35 من طرف عبدالله المسافر

25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية الجزء الثاني .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي 

كتاب خصوص النعم في شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين أحمد المهائمي   

الفص الموسوي على مدونة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم
الفصّ الموسوي
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية                      الجزء الثاني
قال الشيخ رضي الله عنه :  (وكذلك في الماء الّذي به حياة الأرض ، وحركتها ، قوله تعالى :"اهْتَزَّتْ " وحملها ، قوله :"وَرَبَتْ" [ الحج : 5 ] . وولادتها قوله :"وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" [ الحج : 5 ] .
أي : أنّها ما ولدت إلّا من يشبهها أي : طبيعيّا مثلها ، فكانت الزّوجيّة الّتي هي " الشّفعيّة لها بما تولّد منها وظهر عنها ، كذلك وجود الحقّ كانت الكثرة له وتعدّد الأسماء أنّه كذا وكذا ، بما ظهر عنه من العالم الّذي يطلب بنشأته حقائق الأسماء الإلهيّة ، فثبت به ، وبخالقه أحديّة الكثرة ،
وقد كان أحديّ العين من حيث ذاته كالجوهر الهيولانيّ أحديّ العين من حيث ذاته كثير بالصّور الظّاهرة فيه الذي هو حامل لها بذاته ، كذلك الحقّ بما ظهر منه من صور التّجلّي ، فكان الحقّ مجلى صور العالم مع الأحديّة المعقولة ) .
 
قال رضي الله عنه :  ( وكذلك ) أي : مثل الحياة العلمية في مناسبة الحياة المائية انتهاء الحياة التي ( في الماء ) حتى صار إلقاء التابوت في اليم إشارة إلى : الحياة العلمية المفيدة لصاحبها التشبه باللّه تعالى ، وذلك أن الماء هو ( الذي به حياة الأرض ) مشابه لحياة الحيوان أولا ، وللحياة الإلهية آخرا ، فالحياة الحيوانية مستلزمة للحركة والنمو والولادة ، والحياة الإلهية بإشراق نورها في الموجودات ، وهي مستلزمة للشفعية بعد الوترية ،
 
وإليه الإشارة بقوله : ( وحركتها ) أي : وبه حركة الأرض بالاهتزاز الذي أشار إليه ( قوله تعالى :اهْتَزَّتْ ،وحملها ) الذي أشار إليه ( قوله :وَرَبَتْ ) أي : ازدادت انتفاخا كانتفاخ بطن الحامل، ( وولادتها ) التي أشار إليها (قوله: " وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [ الحج : 5]
، وليست هذه الزوجية بالجودة والرداءة كما يقول أهل الظاهر ، إذ لا دليل يقوم على ذلك في كل ما يخرج من الأرض ، بل بما أشار إليه بقوله ، ( أي : إنها ما ولدت إلا من يشبهها ) ، أي : ما فيه بعض شبهها ، كالزوج مع الزوجة من الإنسان .
 
ثم بيّن ذلك الشبه بقوله رضي الله عنه  : ( أي : طبيعيا مثلها ) ؛ لأن الشبه في الجسمية الوجودية لا يمتد به ، فصار للأرض الشفعية بعد وتريتها ، والشفعية زوج ، ( فكانت الزوجية التي هي الشفعية لها ) ، أي : للأرض ( بما تولّد منها وظهر عنها ) ، إنما ذكره ليتوسل بذلك إلى شبه هذه الحياة بالحياة الإلهية التي لا يولد في شأنها ، وإنما يصور فيها الظهور ،
 
وإليه الإشارة بقوله رضي الله عنه : ( كذلك ) ، أي : مثل ما حصل للأرض من الشفعية بعد وتريتها بما ظهر عنها من حياتها بالماء ، ( ووجود الحق كانت ) له الوترية في الأصل باعتبار اتحاد الصفات بالذات من غير نظر إلى العالم ، ثم كانت ( الكثرة له ) في الصفات ( وتعداد الأسماء ) لا باعتبار حدوث التغاير فيها بعد الاتحاد ، بل يصدق ( أنه كذا أو كذا ) أي : حي عالم ، مريد قادر ، سميع بصير متكلم ( بما ظهر عنه من العالم الذي ) شفع وتريته بهذه الأسماء والصفات ؛ لأنه الذي ( يطلب بنشأته حقائق الإلهية ) أي : معانيها وأرواحها ، فلابدّ من تصورها حينئذ هناك مع أن لها ألا تتميز عن الذات ، ( فثبت به ) أي : بالعالم ، ( وبخالقه أحدية الكثرة ) في الحق .
 
قال رضي الله عنه :  ( وقد كان ) الحق قبل وجود العالم ( أحدي العين من حيث ذاته ) لا يحتاج فيه إلى اعتبار كثرة الصفات والأسماء ، فكأنه لم يكن فيه هذه الكثرة أصلا ، ثم مثل صيرورة الحق أحدي الكثرة بعد كونه أحدي العين بالهيولى والصور التي لا تتميز عنها في الوجود ،
فقال رضي الله عنه  : ( كالجوهر الهيولاني ) على مذهب القائلين به ، وهم الفلاسفة ( أحدي العين من حيث ذاته ) بحيث لا كثرة فيه أصلا بذلك الاعتبار ( كثير بالصور الظاهرة فيه ) ، ولكن لا تبطل أحديتها بالكلية ، بل يجعلها أحدية الكثرة ؛ لعدم تميزها عنها في الوجود .
 
قال رضي الله عنه :  ( كذلك ) أي : مثل الجوهر الهيولاني ( الحق ) في صيرورة أحديته بالعين أحدية الكثرة ، لكن لا باعتبار لحوق الصور به ، بل ( بما ظهر منه صور التجلي ) ، وهي أجزاء العالم الطالبة بنشأتها حقائق الأسماء الإلهية بحيث تتصور في الحق ، ( فكان مجلى صور العالم ) ، وهي الأسماء الإلهية التي معانيها وأرواحها في العالم ، فظهرت كثرتها في الحق ( مع الأحدية المعقولة ) للذات عند ظهور هذه الكثرة فيها ،
فصارت هذه الشفعية كشفعية الأرض بما ظهر عنها من حياتها بالماء ، فأشبهت إشراق الحياة الإلهية في الموجودات كالحياة العلمية ، حتى صار إلقاء التابوت في اليم إشارة إلى هذه الحياة العلمية .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فانظر ما أحسن هذا التّعليم الإلهيّ الّذي خصّ اللّه بالاطلاع عليه من شاء من عباده ، ولمّا وجده آل فرعون في اليمّ عند الشّجرة سمّاه فرعون موسى ، والمو هو الماء بالقبطيّة ، والسّا هو الشّجر فسمّاه بما وجده عنده ، فإنّ التّابوت وقف عند الشّجرة في اليمّ ، فأراد قتله فقالت امرأته وكانت منطقة بالنّطق الإلهيّ فيما قالت لفرعون ، إذ كان اللّه خلقها للكمال كما قال عليه السّلام عنها حيث شهد لها ولمريم بنت عمران بالكمال الّذي هو للذّكران ، فقالت لفرعون في حقّ موسى :" قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ" [ القصص : 9 ] ، فبه قرّت عينها بالكمال الّذي حصل لها كما قلنا ؛ وكان قرّة عين لفرعون بالإيمان الّذي أعطاه اللّه عند الغرق ، فقبضه طاهرا مطهّرا ليس فيه شيء من الخبث ؛ لأنّه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئا من الآثام ، والإسلام يجبّ ما قبله ، وجعله آية على عنايته سبحانه لمن شاء حتّى لا ييأس أحد من رحمة اللّه "إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ " [ يوسف : 87 ] فلو كان فرعون ممّن ييأس ما بادر إلى الإيمان ) .
 
قال رضي الله عنه :  ( فانظر ما أحسن هذا التعليم الإلهي ) لموسى ، ولمن بعده من الأنبياء والأولياء - عليهم السّلام ( الذي خص اللّه بالاطلاع عليه من يشاء من عباده ) .
"" أضاف المحقق :
وذلك بلسان الإشارة حيث أشار بالأحوال الثابتة للأرض والطارئة لها بعد إنزال الماء عليها إلى أحدية عينية سبحانه وتعالى في حد ذاته وأحدية كثرته الثابتة له من حيث ظهور كثرة صورة العالم عنه . شرح الجامي.""
 
ولما فرغ من بيان نتيجة إلقائه في التابوت من حيث الإشارة المذكورة من الباطن ، شرع في بيان نتيجة ذلك من حيث الظاهر ،
فقال رضي الله عنه   : ( ولما وجده آل فرعون في اليم عند الشجرة ) المعترضة في طريق جري التابوت بقرب مجلس فرعون من الساحل ، ( سماه فرعون موسى ) ، وسبب هذه التسمية أن ( المو : هو الماء بالقبطية ) التي هي لسان فرعون وقومه ، ( والسا : هو الشجرة ) في لسانهم ، ( فسماه ) موسى مركبا امتزاجيّا ( بما وجده عنده ) من الشجرة مع ما يليها من الماء ؛ ( فإن التابوت ) الذي فيه موسى ( وقف عند الشجرة في اليم ) ، فكأنه قصد استهانته بذلك ،
 
واللّه تعالى أراد بذلك الإشارة إلى أنه الماء الذي هو حياة كل حي ، والشجرة المثمرة للعلوم والأعمال ، والأحوال والمقامات ، والأخلاق ، وتفويضه إلى العدو ؛ للإشعار بأنه كالمعترف بذلك ،
وإن لم يكن له شعور به فظن فرعون أنه إنما جعل في التابوت خوفا من القتل ، ورأى جري تابوته في الماء على خرق العادة ، وقد رأى النور من الصندوق عند فتحه ، ورأى زوال جرح ابنته بلعابه ، وقد عجز عنه الأطباء فظن أنه الغلام الذي يكون على يديه هلاك ملكه .
 
قال رضي الله عنه :  ( فأراد قتله ، فقالت امرأته : ) آسية بنت مزاحم - قدس اللّه روحها :" قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا " [ القصص : 9 ] ، ( وكانت منطقة ) عين حين نطقت بهذه الكلمات ( بالنطق الإلهي ) ، وإن كانت تحت فرعون ، فقد كان ذلك بالجبر ، وهي من بني إسرائيل من أولاد الأنبياء ( فيما قالت لفرعون ) ، وإن لم تكن منطقة بالنطق الإلهي في جميع ما كانت تنطق به ، إذ أحوال الكمّل لا تدوم في الأكثر ، لكن كانت منطقة بالنطق الإلهي في هذه الكلمات ؛ لتعلقها بأمر النبوة التي كمالها مشابه لكمال أهل النبوة ، فلا تتكلم في ذلك إلا عن النطق الإلهي ،
 
قال رضي الله عنه :  ( إذ كان اللّه خلقها للكمال ) المشابه كمال الأنبياء ، فلا يكون كلامها في ذلك إلا عن كمال حالها ، وهذا الكمال لما كانت مخلوقة له كان لها من أول نشأتها ، ( كما قال عليه السّلام ) مخبرا ( عنها ) بغاية الكمال لا بطريق الإشارة ، بل بطريق التصريح ( حيث شهد لها ، ولمريم بنت عمران ) بقوله : « كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران ، وآسية امرآة فرعون » . رواه البخاري ، ومسلم .
 
فقد شهد لهما صلّى اللّه عليه وسلّم ( بالكمال الذي هو للذكران ) ، وهو كمال النبوة ، وإن لم يكن في النساء نبي ، وقد كثرت الولاية فيهن ، فهذا الكمال كمال مشابه لكمال الأنبياء ، فكما أن أهل النبوة لا تنطق في أمر النبوة عن الهوى ، فكذا من أشبه كماله كمالهم ، ( فقالت لفرعون في حق موسى ) الذي خلق للنبوة ، وإن لم تشعر بنبوته ، فالكلام في حقه لا يكون إلا عن الإنطاق الإلهي أنه ( قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ) ،وكيف لا تكون منطقة بالنطق الإلهي ، وقد وقع جميع ما تكلمت في حقه ( فبه قرت عينها بالكمال الذي حصل لها ) بالإيمان بنبوته ، فإن كمالها صار أكمل مما كان بذلك السبب ،
قال رضي الله عنه :  ( كما قلنا ) أنها خلقت للكمال والمخلوق للكمال لا بدّ وأن يتزايد كماله كل حين ، فقد قيل : « من استوى يوماه ؛ فهو مغبون » ، رواه البيهقي ، وأبو نعيم في الحلية.
 
ولم يقتصر صدق كلامها في حقها فقط ، بل صدق في حق فرعون أيضا ، ( إذ كان قرة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه اللّه ) المنطق لها بذلك ( عند الغرق ) ، ولو أعطاه قبله ربما كان يتغير عنه ، والغرق لم يكن كاشفا له عن أحوال الآخرة ، ولا ملجأ إلى الإيمان ، كما لم يلجأ إليه قومه إذ لم يحك اللّه عنهم ذلك .
 
وقد حكي عنه ولم يظهر موجب تخصيص فيه ، ولم تكن دلالة الغرق على الأمور الأخروية أشد من دلالة المعجزات التي من جملتها انفلاق البحر ، ولو آمن عند رؤية ذلك لقبل اتفاقا ، ولم ينقطع رجاؤه عن نفسه ؛ لأنه آمن لينجو عن الغرق كما نجا منه بنو إسرائيل ، وهذا القصد لا ينافي إيمانه كما لا ينافي قصد الكافر إذا أسلم لدفع ما به من المرض ، وقوله :آلْآنَ[ يونس : 91 ] لوم على هذا القصد ، وإشعار بعدم حصوله الآن ، مع أنه رتب عليه النجاة ،
 
ومن قال : المراد الإلقاء على نجوة أي : مرتفع من الأرض خلاف الظاهر ، ( فقبضه ) اللّه ( طاهرا ) عن الكفر وجميع المعاصي حين قبضه ( مطهرا ) عن الكفر السابق والمعاصي السابقة التي كانت بينه وبين اللّه تعالى ، وإن لم يطهر عن حقوق الخلق من إضلاله قوما غير محصورين ،
وقتله أولاد بني إسرائيل واسترقاقهم وغير ذلك ، وتقدمه إلى النار لهذا الإضلال وقبحه لذلك ؛ ولقتله واسترقاقه ولعنه أيضا لذلك ، كما لعن القاتل المتعمد ، وكونه إماما داعيا إلى النار ربما تقدم منه من الكفر والظلم الذي صار سنة منه لمن بعده ، فكان ذلك أيضا من حقوق الخلق
 
قال رضي الله عنه :  ( ليس فيه شيء من الخبث ) ، وإن لم يصرح بإيمانه بموسى ، والملائكة ، واليوم الآخر والقدر ؛ ( لأنه قبضه عند ) تمام ( إيمانه ) ، بقوله :" وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ " [ يونس : 90 ] ،
فصار مؤمنا بموسى ، وما عطف عليه ، وليس عدم قبوله من أجل كونه مقلدا لكونه آمن عن قول موسى .
وقوله دليل لدلالة معجزاته على صدقه ، وجعل جبريل فيه ، وحال البحر لا يضره بعد تمام الإيمان ، وإنما يمنعه عن النجاة من الغرق ، فهي الرحمة التي خاف جبريل أن تدركه من الحق ؛ لأنه إذا نجا ربما يتغير عن هذا الإيمان ، وإلا فجبريل لا يرضى بالكفر ، فإن الرضا بالكفر كفر ، فقبضه ( قبل أن يكتسب شيئا من الآثام ) ، إذ لم تعد فرصة ذلك ، ( " والإسلام يجب ما قبله " ) . ذكره ابن حجر في الإصابة ، وابن كثير في التفسير .
 
والمؤاخذة على الكفر السابق كانت قبل هذا الإيمان ، فلم يجبها هذا الإيمان ، وإنما يجب ما بعده من المؤاخذة الأخروية ، والمؤاخذة الدنيوية على الكفر لا تستلزم المؤاخذة الأخروية إذا آمن بعد هذه المؤاخذة قبل معاينة الأمور الأخروية ،
 
فإن أسر الكافر واسترقاقه مؤاخذة على كفره باقية بعد الإيمان ، إذ لا يعتق بمجرد الإيمان ، لكن لا يؤاخذ بذلك الكفر في الآخرة ، ولا دلالة للنصوص على أنه معذب في الآخرة على كفره ، ولا على خلوده في النار ، ولا على عدم قبول إيمانه ، كيف وقد رتب على إيمانه نجاته ، ( إذ جعله ) أي : إيمانه بعد كونه قائلا :ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي[ القصص : 38 ] ،
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى[ النازعات : 24 ] .
 
مستمرا على ذلك مدة حياته ؛ ( آية على عنايته سبحانه لمن يشاء ) من عباده ، إذ وفقه على ذلك الإيمان ، وقبضه إليه قبل أن يكسب شيئا من الآثام ( حتى لا ييأس أحد ) ممن مضى عمره على مثل ما كان عليه فرعون ( من رحمة اللّه ) ، فينقطع عن التوبة ، ولا ينقطع عن الإصرار ، فهو وإن آمن بالنبوة والآخرة يكون كافرا بهذا ألا ييأس ،( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) [ يوسف : 87 ] ، ولم ييأس فرعون عند الغرق حتى يقال فيه : إنه وإن آمن بالكل كان آيسا ، فإن إياس مثله مانع من أصل الإيمان .
 
قال رضي الله عنه :  ( فلو كان فرعون ممن ييأس ما بادر إلى الإيمان ) ؛ لأنه إنما بادر إليه لرجاء النجاة من الغرق ؛ ولذلك لامه جبريل عليه ، وإذا كان آخر أمر فرعون الإيمان ، وإن كان مع هلاكه وهلاكه ملكه ، لكن كان سبب نجاته عن الخلود في النار ، وإن كان بعد المدة المديدة حتى يقال عليها الخلود مجازا كما ورد في حق القائل ، والإضلال أشد منه ، وقد كان منه أيضا .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فكان موسى عليه السّلام كما قالت امرأة فرعون فيه :قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا[ القصص : 12 ] ، وكذلك وقع ؛ فإنّ اللّه نفعهما به عليه السّلام ، وإن كانا ما شعرا بأنّه هو النّبيّ الّذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون وهلاك آله ، ولمّا عصمه اللّه من فرعونوَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً[ القصص : 10 ] من الهمّ الّذي كان قد أصابها ، ثمّ إنّ اللّه حرّم عليه المراضع حتّى أقبل على ثدي أمّه فأرضعته ليكمّل اللّه لها سرورها به ) .
 
(فكان موسى عليه السّلام كما قالت امرأة فرعون : فيه" قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ") [ القصص :9 ]
، (عَسى أَنْ يَنْفَعَنا) [ القصص : 9 ] ، ويظل زعم من قال : إنه لم ينفعه ؛ لأنه رد قولها عليها ، وقال : لك لا لي ؛ لأنه ( كذلك وقع ) ، وكذا بطل قول من قال : إن كمالها كان عند إيمانها ، وكان إيمانها عند غلبة موسى السحرة ،
 
فنقول : إنها إنما أظهرت الإيمان عند ذلك ، وكانت مؤمنة قبله ؛ لكونها من بني إسرائيل من أولاد الأنبياء ، لكن أخفت الإيمان عليهم لما غلب عليها الحال فأظهرت ، ثم إن رد الناقص قول الكامل لا يبطله بالكلية ، فيكفي أن يبطل النفع الدنيوي عنه .
 
ثم استشعر سؤالا بأنها لو قالت عن اطلاع لاطلعت على نبوته ، وعلمت أنه النبي الذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون ؟
فأجاب : إن المنطق من النطق الإلهي لا يلزم أن يشعر بما ينطق به فضلا عما لا ينطق ؛
فقال : ( وإن كانا ما شعرا بأنّه هو النّبيّ الّذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون وهلاك آله ) ، ومن اطلع على أمر غيبي لا يلزم أن يطلع على جميع الأمور الغيبية ؛ فإنه لا يظهر على غيبه الكلي أحد إلا من ارتضى من رسول ،
هذا ما جعله الشيخ رحمه اللّه في هذا الكتاب مقتضى الظاهر من صدور هذا الإيمان منه ، مع عدم ما يدل على منع القبول ،ولم يجزم بذلك بل صرّح بأن أمره موكول إلى اللّه .
 
وقد مثّل به في « الفتوحات » المتكبر على اللّه من جملة المجرمين المخلدين في النار ، فقال في الباب الثاني والستين في مراتب أهل النار : وهؤلاء المجرمون أربع طوائف كلها في النار لا يخرجون منها ، وهم المتكبرون على اللّه كفرعون وأمثاله ممن ادعى الربوبية لنفسه ، ونفاها عن اللّه ،
فقال :يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي[ القصص : 38 ] ، وقال :أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى[ النازعات : 24 ] يريد أنه ما في السماء إله غيري ، وكذلك نمرود وغيره ، والطائفة الثانية المشركون ، وهم الّذين يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ[ الحجر : 96 ] ،
 
فقالوا :ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ، وقالوا :أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ[ ص : 5 ] ، والطائفة الثالثة المعطلة ، وهم الذين يقولون الأشياء جملة واحدة ، فلم يثبتوا إلها للعالم ، ولا من العالم ، والطائفة الرابعة هم المنافقون ، وهم الذين أظهروا الإسلام من إحدى هؤلاء الطوائف الثلاث للقهر الذي حكم عليهم ، فخافوا على ذمامهم ، وذراريهم ، وأموالهم ، وهم في نفوسهم على ما هم عليه من اعتقاد هؤلاء الطوائف الثلاث ، انتهى
 
ووجه التوفيق بين كلاميه من وجوه :
الأول : أن كلام الفتوحات على تقدير عدم إتيانه بالإيمان الذي أتى به عند الغرق .
الثاني : أنه على تقدير عدم قبول ذلك الإيمان على مذهب الجمهور .
والمثال الغرضي كان الثالث أن مذهب الشيخ هو مذهب الجمهور ،
لكنه مهما طالب الدليل على عدم قبوله كما يشعر به كلامه في آخر هذا النص ، وإنما أورد ذلك ؛ ليشعر أن النصوص لا دلالة لها على عدم قبول إيمانه ، ولا على خلوده في النار ، ولا على أن مؤاخذته الأخروية على الكفر ،
 
بل إما أن يدل على كفره وطغيانه قبل هذا الإيمان ، أو على مؤاخذته الدنيوية على ذلك الكفر ، وهو لا يستلزم المؤاخذة الأخروية إذا حصل الإيمان قبل مشاهدة أحوال الآخرة ومكاشفة عالم الملكوت ، والاعتقاد الواجب هاهنا موافقة الجمهور للمقلد سيما والشيخ غير جازم ، وكذا للمجتهد والمكاشف أو لم يثبت الإجماع .
 
فقد رأيت في بعض الرسائل ينقل الخلاف عن بعض المفسرين ، وعن « شعب الإيمان » للبيهقي ، وعن جماعة من العلماء ، فحينئذ يجوز للمجتهد أن يقول بقول إيمانه إذا أدى اجتهاده إلى ذلك ، وكذا لمن كوشف ،
ولكن الأولى في حقّه تفويض الأمر إلى اللّه ؛ لأنه قد كوشف غيره بخلافه ، وعلى تقدير الإجماع لا يصح الاعتماد على الكشف ، كما لا يجوز على الاجتهاد ؛ لأن الإجماع دليل قطعي لا ابتلاء فيه ، والمكاشف قد يكافأ على خلاف الدليل الشرعي ابتلاء ، ولا يجوز له العمل بذلك
كما قاله الشيخ رحمه اللّه في مواقع النجوم ،
والاعتقاد أشد من العمل ؛ لأن العمل يجوز بالدليل الظني ، ولا يجوز الاعتقاد به ، وهاهنا أبحاث طويلة عريضة عميقة يأتي ذكرها في آخر هذا النص إن شاء اللّه تعالى .
 
ولما فرغ عن بحث كونه قرة عين لامرأة فرعون ولفرعون أيضا ، شرع في بيان كونه قرة عين لأمه ،
فقال رضي الله عنه  : ( ولما عصمه اللّه من ) قتل ( فرعون وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاًمن الهم الذي قد كان أصابها ) من توهم غرق التابوت ، أو خروجه عن حد مصر ، ومن توهم قتل فرعون الذي كانت تهرب منه ، ولا ينافي هذا التأويل قوله من بعده " إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها" [ القصص : 10 ] ؛ لأن ذلك كان قبل التقاط فرعون أو استيفائه عن قول امرأته ، وهذا بعد العصمة عن قتله ، وذلك أن الشيطان أنساها الوحي الذي أوحى اللّه إليها حين أمرها أن تلقيه في اليم :"وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي" [ القصص : 7 ] ، والعهد الذي عهد أن يرده إليها ، ويجعله من المرسلين ، فجاءها الشيطان ،
وقال : كرهت أن يقتل فرعون ولدك ، فيكون لك أجره وثوابه ، وتوليت أنت قتله فألقيته في البحر وأغرقتيه .
 
ولما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل ، قالت : إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه ، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد اللّه إليها ، ثم إنه كان لها غم الفراق ، فأشار إلى إزالته بقوله : ( ثم إن اللّه حرم عليه المراضع ) فلم يقبل على ثدي مرضعة ( حتى ) جيء بأمه ، فلما رآها ( أقبل على ثدي أمه ، فأرضعته ) ، فعينها اللّه لرضاعته ؛ ( ليكمل اللّه لها سرورها ) بعد ما حصل لها السرور من زوال ما أصابها من الهم ( به ) ، أي : بهذا الإرضاع الموجب لرده إليها بحسب الوعد الإلهي .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( كذلك علم الشّرائع ، كما قال تعالى : "لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً" أي : طريقا وَمِنْهاجاً [ المائدة : 5 ] ، أي : من تلك الطّريقة جاء ، فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الّذي منه جاء ، فهو غذاؤه كما أنّ فرع الشّجرة لا يتغذّى إلّا من أصله ، فما كان حراما في شرع يكون حلالا في شرع آخر يعني في الصّورة ، أعني : قولي يكون حلالا ، وفي نفس الأمر ما هو عين ما مضى ، لأنّ الأمر خلق جديد ولا تكرار .
فلهذا نبّهناك ، فكنّى عن هذا في حقّ موسى بتحريم المراضع ، فأمّه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته ، فإنّ أمّ الولادة حملته على جهة الأمانة فتكوّن فيها وتغذّى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك حتّى لا يكون لها عليه امتنان ، فإنّه ما تغذّى إلّا بما لو لم يتغذّ به ولم يخرج عنها ذلك الدّم لأهلكها ، وأمرضها ، فللجنين المنّة على أمّه بكونه تغذّى بذلك الدّم فوقاها بنفسه من الضّرر الّذي كانت تجده لو امتسك هذا الدّم عندها ولا يخرج ولا يتغذّى به جنينها والمرضعة ليست كذلك ؛ فإنّها قصدت برضاعته حياته وإبقاءه ، فجعل اللّه تعالى ذلك لموسى في أمّ ولادته ، فلم يكن لامرأة عليه فضل إلّا لأمّ ولادته لتقرّ عينها أيضا بتربيته ، وتشاهد انتشاءه في حجرها ،"وَلا تَحْزَنَ" ) [ طه : 40 ] .
 
ثم أشار إلى أن تغذي القلب والروح بالشرع ، كتغذي البدن بالرضاع في الإحياء والتنمية والتقوية ؛ فقال رضي الله عنه  : ( كذلك ) ، أي : مثل الرضاع ( علم الشرائع ) ، فتحريمها من غير أمه إشارة إلى تحريم غير الشريعة المخصوصة بكل طائفة عليها ، ( كما قال تعالى :لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ،) وأشار بطريق الإشارة إلى سبب هذا الاختصاص بقوله : (وَمِنْهاجاً ) [ المائدة : 5 ] ، فإنه وإن كان معناه بطريق العبارة الطريق الواضح ،
 
فهو إشارة إلى ما ذكرنا أيضا ، ( أي : من تلك الطريقة جاء ) كأنه مركب من جاء بخلاف الهمزة بالتخفيف ومن منها ، والضمير إلى الشريعة ، ( فكان هذا القول ) باعتبار مشابهته ياء لفظا ( إشارة إلى ) أن اختصاص كل طائفة بشرعة ؛ لأنها ( الأصل الذي منه جاء ) كل فرد من تلك الطائفة ؛ لكونه في استعداد عينه الثابتة ، وهو الاستعداد منه ، فجيء كل شخص في الخارج في أصل الوجود ، وفي تحصيل الصفات الكمالية التي من جملتها التعبد بالشريعة المخصوصة .
 
قال رضي الله عنه :  ( فهو ) أي : التعبد بتلك الشرعة ( غذاؤه ) سيما من جهة كونه من أصله ؛ فإنه أتم المغذيات في المتغذي الأول وهو النبات ، وإليه الإشارة بقوله ، ( كما أن فرع الشجرة لا يتغذى إلا من أصله ) ؛ ولذلك يصب الماء في السقي على أصولها لا على أغصانها وساقها ؛ ولاختلاف الأصول اختلفت الشرائع ، ( فما كان حراما في شرع ) لتضرر أهله به بحسب استعدادهم الذي هو أصلهم ،
 
قال رضي الله عنه :  ( يكون حلالا في شرع آخر ) ؛ لانتفاع أهله به بحسب استعدادهم ، وليس هذا من البلاء ، أو تبدل القول في شيء ؛ لأنه إنما يتصور في المتحد من كل وجه ، ولا اتحاد هاهنا من كل وجه ، بل ( نعني ) بصيرورة الحرام ( حلالا ) ما اتحدا في الصورة ، ولا يلزم منه الاتحاد بالشخص ، بل غايته الاتحاد بالنوع ، فإن اتحدا بالشخص ، فليس ذلك اتحادا من كل وجه ، إذ الحاضر .
 
قال رضي الله عنه :  ( في نفس الأمر ما هو عين ما مضى ) من كل وجه ؛ لأنه إنما يتصور عند اتحاد الذات وجميع العوارض ، لكن العوارض متجددة بالامتثال ؛ ( لأن الأمر خلق جديد ) ، فإن قلنا بإعادة المعدوم ، فليس الثاني عين الأول من كل وجه ، إذ من عوارض الأول زمانه ، ولا يمكن إعادته ؛ ولذلك قلنا : ( لا تكرار ) في التجلي ، وإذا وجب اختلاف الشرائع مع أن حلال شريعة ليس عين حرام الأخرى مع اتحادهما بالشخص أو النوع .
 
قال رضي الله عنه :  ( فلهذا نبهناك ) لئلا تتحير حيرة اليهود بعد ما نبّههم اللّه في حق موسى عليه السّلام ، ( فكنى عن هذا في حق موسى بتحريم المراضع ) مع تحليلها لغيره ، ففيه إشارة إلى أن له شريعة مختصة ليست لغيره ، وكذا لكل رسول بعده ، وإذا كان الرضاع بظاهره مفيدا لإحياء البدن ، وتنميته وتقويته ، وبباطنه مفيدا لإحياء الروح والقلب ، وتنميتهما وتقويتهما بالشرائع ،
 
قال رضي الله عنه :   ( فأمه على الحقيقة من أرضعته ) إحدى الرضاعين ؛ لأن منهما الكمال المطلوب للبدن ، أو للروح والقلب ( لا من ولدته ) ، وإن كان لها أصل النشأة والتربية في البطن ، ( فإن أم الولادة ) في أمر النشأة حملته ( على جهة الأمانة ) نطفة من الوالد ، ولا كمال له فيه بالفعل ( فتكون فيها ) ، وهو وإن كان كمالا له بالفعل ، فلا يعتد به بدون بقائه ، وهو بالتربية ، والتربية التي منها لا تعتد بها ؛ لأنها بأن ( تغذى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك ) ، والمنة اللازمة للتربية منوطة بها ، فنفيت الإرادة ( حتى لا يكون لها عليه امتنان )، بل يكون له عليها امتنان.
 
قال رضي الله عنه :  ( فإنه ما تغذى ) في بطنها ( إلا بما ) أنه ( لو لم يتغذ به ) ، وأيضا ( لم يخرج ذلك الدم عنها لأهلكها ) ، ولو لم يهلكها ( لأمرضها ، فللجنين ) في تربيتها إياه بهذا الوجه ( المنّة على أمه ) المربية له ؛ ( لكونه تغذى بذلك الدم ) ، إذ أفادها أتم مما استعاد منها ، ( فوقاها بنفسه ) من غير فعل لأمه ( من الضرر الذي كانت تجده لو امتسك ذلك الدم عندها ) ، وذلك الضرر ( بألا يخرج ) دم طمثها ؛ لانسداد الرحم ، ( ولا يتغذى به جنينها ) ، فيغلب الخلط الدموي على سائر الأخلاط ، فيبطل اعتدال مزاجها ، وهو موجب الهلاك أو المرض .
 
قال رضي الله عنه :  ( والمرضعة ليست كذلك ) أي : كألم الولادة استعادت أكمل مما أفادت ، ( فإنها قصدت برضاعته حياته وإبقاءه ) ، ولا شيء أجل منهما يستفيده من الرضع ، وإذا كانت المنة التامة للمرضعة لآلام الولادة مع أن لها عليه منة ،
( فجعل اللّه تعالى ذلك ) الإرضاع ( لموسى في أم ولادته ، فلم يكن لامرأة عليه فضل ) أي : منة ( إلا لأم ولادته ) ؛ تقليلا لمنة الخلق عليه ، كأنه مان غير ممنون عليه من جهة الخلق ؛ وتكميلا لسرور أمه ( لتقر عينها أيضا بعد ) تقريرها بالنجاة من الغرق والقتل بتربيته ، وإنما كانت ( تربيته ) تقريرا لعيناها ، بأن ( تشاهد انتشاءه في حجرها ،وَلا تَحْزَنَ) بغيبته ، والحزن حار ، فزواله موجب لقرة العين .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( ونجّاه اللّه تعالى من غمّ التّابوت ، فخرق ظلمة الطّبيعة بما أعطاه اللّه من العلم الإلهيّ وإن لم يخرج عنها ، وفتنه فتونا أي اختبره في مواطن كثيرة ليتحقّق في نفسه صبره على ما ابتلاه اللّه به ، فأوّل ما ابتلاه اللّه قتله القبطيّ بما ألهمه اللّه ووفّقه له في سرّه وإن لم يعلم بذلك ، ولكن لم يجد في نفسه اكتراثا بقتله مع كونه ما توقّف حتّى يأتيه أمر ربّه بذلك ؛ لأنّ النّبيّ معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتّى ينبّأ أي : يخبر بذلك ) .
 
وكما نجّاها اللّه من هذه الغموم ، ( نجّاه اللّه تعالى من غمّ التابوت ) من حيث العبارة من الغرق ، والخروج عن حدّ مصر ، ومن حيث الإشارة عن ظلمة الطبيعة اللازمة لبدنه الذي هو بمثابة التابوت ، ( فخرق ظلمة الطبيعة ) اللازمة للبدن حين استنار بنور النفس المستنيرة بنور القلب المستنير بنور الروح ( بما أعطاه اللّه من العلم الإلهي ) المنير لما ذكرنا ، الجاعل للقلب ، وما دونه كأنه روحاني ، ( وإن لم يخرج عنها ) ، أي : عن الطبيعة بالكلية ، بل بقيت فيه بحيث يخاف عود ظلمتها عليه ؛ ولذلك ( فتناه فتونا ) .
"" أضاف المحقق :
غمّ التابوت إشارة إلى ظلمة الطبيعة والنجاة منها إنما يكون بالعلم ؛ والخلاص منها بالكلية لا يتيسر في هذه النشأة . ( شرح الجامي) ""
 
ولما توهم أنها الابتلاء بالمعصية ، وأن الفتون مصدر لا جمع إزالة بقوله : ( أي : اختبرنا ) بالفتن صبره المزيل ظلمته الطبيعية من كل وجه ( على ) كل ( ما ابتلاه اللّه به ) في تبليغ الرسالة ، ( فأول ما ابتلاه اللّه به قتله القبطي ) ؛ لتحقق صبره على مقاومة فرعون بقتل من يعترف بربوبيته ، ويعينه على ظلمه في تسخير بني إسرائيل واستعبادهم ، وكان قتله ( بما ألهمه اللّه ) بأنه قتل واحد من أعداء الدين ، ودفع الظلم العظيم ، وذلك بأن
 
قال رضي الله عنه :   ( ووفقه له في سره ) الذي هو باطن القلب ، ( وإن لم يعلم بذلك ) بظاهره ، فنسبه إلى الشيطان ، ( ولكن لم يجد في نفسه اكتراثا بقتله ) مع أن نفوس الأنبياء أقل مراتبها أن تكون لوامة ، فلابدّ أن يلومه على ما هو معصية في الواقع ، فعلم أنه كان ملهما بما في قتله من هذه الفائدة الدينية الموجبة لقتله ( مع كونه ما توقف ) على إلهامه بالظاهر مع توقف الباطن عليه ؛ فإن ما في الباطن ، وإن كان يسري إلى الظاهر ،
 
فلا يكون ذلك إلا برفع الحجب عن الظاهر ، فيجوز ألا يقف ظاهر الشخص على ما وقف عليه باطنه ، ( حتى يأتيه أمر ربه بذلك ) بأن أمره برفع الحجب فيما بينه ، وبين الظاهر عند كمال تزكية النفس ، وتصفية القلب ، وإنما قلنا بأنه عليه السّلام كان ملهما في قتل القبطي مع كونه معصية في الظاهر ، وفي اعتقاد ظاهر قلبه أيضا ؛ ( لأن النبي معصوم الباطن ) الذي هو مبعث الأفعال ، لكن تكون عصمته قبل النبوة ( من حيث لا يشعر حتى ينبّأ ) .
 
ولما توهم من ظاهره أنه لا يشعر حتى يصير نبيّا مع أنه يجوز أن يشعر به بإخبار نبي آخر ، ويجوز أن يصير نبيّا ، ولا يعلم عصمته قبل أن يخبر به ، فسره بقوله : ( أي : يخبر بذلك ) أي : يخبره الوحي أو نبي آخر .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( ولهذا أراه الخضر قتل الغلام ، فأنكر عليه قتله ، ولم يتذكّر قتله القبطيّ ؛ فقال له الخضر : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [ الكهف : 82 ] ينبّهه على مرتبته قبل أن ينبّأ أنّه كان معصوم الحركة في نفس الأمر ، وإن لم يشعر بذلك ، وأراه أيضا خرق السّفينة الّتي ظاهرها هلاك وباطنها نجاة من يد الغاصب ، جعل له ذلك في مقابلة التّابوت الّذي كان في اليمّ مطبقا عليه ؛ فظاهره هلاك وباطنه نجاة .
وإنّما فعلت به أمّه ذلك خوفا من يد الغاصب فرعون أن يذبحه صبرا وهي تنظر إليه ، مع الوحي الّذي ألهمها اللّه تعالى به من حيث لا تشعر ؛ فوجدت في نفسها أنّها ترضعه ، فإذا خافت عليه ألقته في اليمّ ؛ فإنّ في المثل « عين لا ترى قلب لا يفجع » ، فلم تخف عليه خوف مشاهدة عين ، ولا حزنت عليه حزن رؤية بصر ، وغلب على ظنّها أنّ اللّه ربّما ردّه إليها لحسن ظنّها به ، فعاشت بهذا الظّن في نفسها ، والرّجاء يقابل الخوف واليأس ، وقالت حين ألهمت لذلك لعلّ هذا هو الرّسول الّذي يهلك فرعون والقبط على يديه ، فعاشت وسرّت بهذا التّوهم والظّنّ بالنّظر إليها ؛ وهو علم في نفس الأمر ) .
 
قال رضي الله عنه :  ( ولهذا ) أي : ولكون الأنبياء معصومي الباطن أبدا ، وإن ظهر منهم قبل النبوة ما ينافيها ( أراه الخضر قتل الغلام ) حقّا في صورة باطل ؛ ليعلم أن قتله القبطي كان كذلك ، ( فأنكر عليه قتله ، ولم يتذكر قتله القبطي ) المقصود من هذه الإراءة ، ( فقال له الخضر :وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ؛) لأني نبي ، وكل نبي لا يفعل ما يفعل إلا عن أمر ربه بإلهام قبل النبوة ، ووحي بعدها ، كأنه ( ينبهه ) بهذا الجواب ( على مرتبته ) ، أي : مرتبة موسى
 
قال رضي الله عنه :  ( قبل أن ينبّأ ) ، أي : يجعل نبيّا ( أنه كان معصوم الحركة ) قيد بذلك ؛ لأنه قد لا يكون معصوم القصد ( في نفس الأمر ، وإن ) قصدها على وجه المعصية ؛ لأنه ( لم يشعر بذلك ) أي : ما هو في نفس الأمر لا بعد النبوة ولا قبلها ، أما بعد النبوة ؛ فلإنكاره على الخضر ، وأما قبلها ؛ فلإنكاره على نفسه ؛ ولذلك نسبه إلى الشيطان مع أنه من إلهام الرحمن .

.
يتبع 


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الأحد 22 مارس 2020 - 9:31 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الأحد 22 مارس 2020 - 3:40 من طرف عبدالله المسافر

25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية الجزء الثالث .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي 

كتاب خصوص النعم في شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين أحمد المهائمي   

الفص الموسوي على مدونة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم
الفصّ الموسوي
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية                      الجزء الثالث
( وأراه أيضا ) فيما يخالف الباطن الظاهر ( خرق السفينة التي ) صفة للخرق بما أضيف إليه ، ( ظاهرها هلاك ، وباطنها نجاة من يد الغاصب ، جعل ) الخضر ( له ) أي :
لموسى ( ذلك ) الخرق المهلك في الظاهر ، المنجي في الباطن ( في مقابلة ) إلقاء ( التابوت ) له ، أي : لأجل محافظة موسى مع أن هذا التابوت هو ( الذي كان في اليم ) المغرق للتابوت المهلك ما فيه ، سيما مع كونه ( مطبقا عليه ) لا يمكنه الخروج إلى الساحل بخلاف ما إذا غرقت السفينة ، ( فظاهره هلاك ، وباطنه نجاة ) من غصب فرعون وقتله ، كخرق الخضر
للسفينة ،
قال رضي الله عنه :  ( إذ فعلت به أمه ذلك ) الإلقاء مع ما فيه من خوف الغرق ؛ ( خوفا من يد الغاصب فرعون ) بغضبه عنها .
 
ثم قال رضي الله عنه :  ( يذبحه صبرا ) ، أي : فهرا ، ( وهي تنظر إليه ) ، فذاك أشد عليها من أن يهلكه اليم ، وهي لا تنظر إليه ( مع الوحي ) لا كوحي الأنبياء ، إذ لا نبوة للمرأة ، بل ( الذي ألهمها اللّه به ) ، وإن كانت ( من حيث لا تشعر ) بكونه إلها ما إلهيّا ، بل احتمل عندها كونه وسوسة شيطانية أو نفسانية ، إذ ألهمها اللّه ، ( فوجدت في نفسها أنها ترضعه ) قبل الخوف عليه ،
 
قال رضي الله عنه :  ( فإذا خافت عليه ألقته في اليم ) ، فإنه إن أهلكه اليم في غيبتها أهون عليها ، ( فإن المثل عين لا ترى ، قلب لا يفجع ) ، فإن فجعه حينئذ كما لا فجع ، فإن خافت من ذلك أو حزنت ، ( فلم تخف عليه خوف مشاهدة عين ، ولا حزنت عليه حزن رؤية بصر ) ، ومع ذلك لا يعتد بهذا الخوف والحزن ، إذ ( غلب على ظنها أن اللّه ربما رده إليها لحسن ظنها به ) ، إذ علمت بالسماء من قدماء بني إسرائيل أن اللّه عند ظن عبده به ، ( فعاشت ) أي :
طاب عيشها ( بهذا الظن ) الموجب لها رجاء ( في نفسها ) مستقرا .
 
قال رضي الله عنه :  ( والرجاء يقابل الخوف ، واليأس ) الموجب للحزن ، فكأنها لا تخاف أصلا ولا تحزن ، وقد ازداد في شأنها هذا العيش ، إذ ( قالت حين ألهمت لذلك ) القول إلهاما تامّا ورؤية إرهاصاته من عدم احتراقه في التنور المصطلي : ( لعل هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون والقبط على يده ، فعاشت ) أي زادت طيب عيش ، فزال ما تبقى فيها من أثر الخوف ،
 
قال رضي الله عنه :  ( وسرت ) فزال ما بقي فيها من أثر الحزن ، فصار ذلك ربطا على قلبها بعد ما كادت تبدي لما فيها من الخوف والحزن ( بهذا التوهم ) ، وقوي ما في حقها ، فصار بمنزلة الظن ، ولكنه ( ظن بالنظر إليها ) أي : إلى اعتقادها في الوقت ، ( وهو علم في نفس الأمر ) ؛ لأنه محقق عند اللّه ، إذ كان هو الواقع ؛ ولذلك سماه اللّه وحيا بمعنى الإلهام ، فقال : "وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ" إلى قوله : "وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين" َ[ القصص : 7 ] .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( ثمّ إنّه لمّا وقع عليه الطّلب خرج فارّا خوفا في الظّاهر ، وكان في المعنى حبّا في النّجاة ، فإنّ الحركة أبدا إنّما هي حبّيّة ، ويحجب النّاظر فيها بأسباب أخر ، وليست تلك ، وذلك لأنّ الأصل حركة العالم من العدم الّذي كان ساكنا فيه إلى الوجود ، ولذلك يقال : إنّ الأمر حركة عن سكون ؛ فكانت الحركة الّتي هي وجود العالم حركة حبّ ، وقد نبّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك بقوله : « كنت كنزا مخفيّا لم أعرف ؛ فأحببت أن أعرف » )
 
ولما فرغ عن بيان نجاته من غم التابوت ، وغم قتل فرعون إياه على أنه الغلام الذي هلاك ملك فرعون على يديه ، ونجاة أمه كذلك ، شرع في بيان نجاته من غمّ قتل فرعون إياه قصاصا ، فقال : ( ثم إنه وقع عليه الطلب ) من جهة فرعون ؛ ليقتله قصاصا ، ( خرج ) من ملكه ( فارّا ) من فرعون ؛ ( خوفا ) من القصاص ( في الظاهر ) ،
 
أي : في ظاهر قصده ، ولكن ( كان ) فراره ( في المعنى ) المطلوب بالذات مضمنا في ذلك القصد ( حبّا في النجاة ) ، إذ الفرار حركة ، ولا يطلب بها بالذات الخوف ، ( إن الحركة ) من حيث يطلب بها الوصول إلى المتحرك إليه ( أبدا ) ، أي : سواء كانت عن خوف أو غضب أو هيمان ، ( إنما هي حبية ) .
 
أي : راجعة إلى طلب محبوب من وجه من الوجوه ، كالاستقرار في الحيز الطبيعي في الحركة الطبيعية ، والإجراء على خلاف الطبع في القسرية ؛ ( وذلك لأن الأصل ) في الحركات طلب الكمال وهو محبوب ؛ فلذلك كان في أول الحركات ، وهو ( حركة العالم من العدم الذي كان ساكنا فيه ) ، وهو نقص ( إلى الوجود ) ، وهو كمال للعالم ، وكذا لوجود الحق ولعلمه ، لكن من حيث كونها نفس الوجود والعلم .
 
قال رضي الله عنه :  ( ولذلك ) أي : ولكون وجود العالم حركة عن العدم إلى الوجود ( يقال : إن الأمر ) أي : المطلوب بأمر « كن » ، ( حركة عن سكون ) ؛ فإنه إنما أمر لتحصل له ، وللمأمور الكمال المحبوب لهما ، وهو حصول الوجود للعالم ، ورتبة الوجود الحادث والعلم الحادث للوجود والعلم اللذين أعلى مراتبهما للحق ، فكان الوجود الحادث والعلم الحادث حاصلان له ،
قال رضي الله عنه :  ( فكانت الحركة التي هي ) سبب ( وجود العالم حركة حب ) من الحق ومن العالم ، وكيف لا تكون حركة حب من الحق ، ( وقد نبّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك عن اللّه بقوله : " كنت كنزا مخفيّا لم أعرف ؛ فأحببت أن أعرف " ) ؛ فالحبّ سبب هذه الحركة التي هي سبب وجود العالم .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فلو لا هذه المحبّة ما ظهر العالم في عينه ؛ فحركته من العدم إلى الوجود حبّ الموجد لذلك ، ولأنّ العالم أيضا يحبّ شهود نفسه وجودا كما شهدها ثبوتا ، فكانت بكلّ وجه حركته من العدم الثّبوتي إلى الوجود حركة حبّ من جانب الحقّ ومن جانبه ، فإنّ الكمال محبوب لذاته ، وعلمه تعالى بنفسه من حيث هو غنيّ عن العالمين هو له وما بقي له إلّا تمام مرتبة العلم بالعلم الحادث الّذي يكون من هذه الأعيان ، أعيان العالم ، إذا وجدت ، فتظهر صورة الكمال بالعلم المحدث والقديم فتكمل مرتبة العلم بالوجهين ، وكذلك تكمل مراتب الوجود ؛ فإنّ الوجود منه أزليّ وغير أزلي وهو الحادث ، فالأزليّ وجود الحقّ لنفسه ، وغير الأزليّ وجود الحقّ بصور العالم الثّابت ، فيسمّى حدوثا ؛ لأنّه ظهر بعضه لبعضه وظهر لنفسه بصور العالم فكمل الوجود فكانت حركة العالم حبّية للكمال ؛ فافهم ) .
 
قال رضي الله عنه :  ( فلو لا هذه المحبة ) الموجبة لإرادة إيجاد العالم ، ليظهر فيه بعد كونه كنزا مخفيّا عندما ( ظهر العالم في عينه ) بالوجود الخارجي ، بل كان باقيا في خفاء العدم الثبوتي ؛ لأن الحق غير موجب بالذات ، بل فاعل بالإرادة التي منشأها المحبة ،
 
قال رضي الله عنه :  ( فحركته من العدم إلى الوجود حركة حب الوجود لذلك ) التحرك ؛ فإن حبه يحرك عن الاكتفاء بظهور ذاته وأسمائه في ذاته إلى الظهور في المظاهر ، فحرك الإرادة المحركة للأمر المحرك للعالم من العدم إلى الوجود هذا بيان حب الحق لإيجاد العالم ، وأما بيان حب العالم لذلك ؛ فذلك ( لأن العالم أيضا ) باعتبار عينه الثابتة .
قال رضي الله عنه :  ( يحب شهود نفسه وجودا ) عينيّا ( كما شهدها ثبوتا ) علميّا ، ( فكانت بكل وجه ) أي : سواء كانت قسرية ، أو طبيعية ، أو إرادية ( حركته من العدم الثبوتي ) ، أي :
له مع كونه عدما ثبوتيّا في العلم باعتباره يكون ساكنا فيه ومتحركا عنه ( إلى الوجود ) الخارجي ( حركة حب من جانب الحق وجانبه ) ، أي : جانب العالم لحصول الكمال الذي أقله الوصول إلى المتحرك إليه وهو محبوب .
 
قال رضي الله عنه :  ( فإن الكمال محبوب لذاته ) ، فلا تعارض في طلبه الاستغناء الإلهي ، وذلك أن ( علمه بنفسه ) قيد به ؛ لأن علمه بالأكوان المحدثة لا يوجب الاستغناء عنها ؛ ولذلك ذكر ( من حيث هو غني عن العالمين ) ؛ ليحترز عن علمه بنفسه من حيث هو موجد للعالمين ، فإنه لا يوجب الاستغناء عنها أيضا هو كمال له يستغني به عن كل علم ، لكن نفس العلم لا يكفي بها كما قال :
وما يلقى الإيمان مرتبة العلم ، وإن حصلت أكمل مراتبه ، وهو العلم القديم المتعلق بذات الحق ، فكملت ( مرتبة العلم بالعلم الحادث ) ، وليس هو العلم الإلهي المتعلق بالحوادث ، بل هو ( الذي يكون ) موجودا ( من هذه الأعيان ) لا من حيث ثبوتها في العلم الأزلي ، بل من حيث كونها ( أعيان العالم ) ؛ لأنها إنما تعلم بالعلم الحادث إذا صارت أعيان العالم ،
 
وذلك ( إذا وجدت ) في الخارج وقبل ذلك ، إنما يعلم بالعلم الأزلي الذي ثبت فيه لا غير في العلم الأزلي ، وإذا كان كاملا في الرتبة الأزلية ، فليس له صورة الكمال في الرتبة الجامعة للمراتب ، ( فتظهر ) بحدوث العلم في أعيان العالم ( صورة الكمال ) بجمع المراتب للعلم من حيث هو علم فقط ، إلا من حيث هو علم أزلي إلهي ( بالعلم المحدث ) ، والعلم ( القديم ) ، والصورة كمال فعلي ( فتكمل مرتبة العلم بالوجهين ) بعد ما كان له ذلك بالقوة ، وما بالقوة نقص ما دام بالقوة ، فكان العلم من حيث هو علم فقط ناقصا قبل ظهور هذه الصورة .
 
قال رضي الله عنه :  ( وكذلك تكمل مراتب الوجود ) بظهور الصورة الجامعة لمراتبه ، فإن له أيضا مراتب ، ( فإن الوجود منه أزلي وغير أزلي ) ، وهو وإن سميناه بالكون بالنظر إلى الموجودات ، فهو وجودها باعتبار كونه صورة وجود الحق ؛ ولذلك نقول فيه هو الوجود.
 
قال رضي الله عنه :  ( الحادث ) مع قولنا الوجود واجد أزلي ، ( فالأزلي وجود الحق لنفسه ، وغير الأزلي وجود الحق بصور العالم ؛ فيسمى ) هذا الوجود من حيث عدم امتيازه عن الكون الذي للعالم من حيث كونه عالما ( حدوثا ) ، وإن لم يحصل للحق حدوث ، بل إنما حصل له الظهور مع ما له من الظهور الأزلي ، فحدث له الظهور للعالم ولنفسه في العالم ، أما حصول ظهوره للعالم ؛
 
فذلك ( لأنه ظهر بعضه ) أي : بعض العالم الذي ظهر فيه الحق ( لبعضه ) ، وأما حصول ظهوره لنفسه ؛ فلأنه ظهر لنفسه بصور العالم بعد ( ظهوره لنفسه ) بنفسه ، ( فكمل الوجود ) إذ الظهور وجود ، والخفاء عدم ، ( فكانت حركة العالم حبية ) أي : عن حب العالم لوجوده الذي هو كماله ولحب الحق ظهوره للعالم ولنفسه ، وهذا الظهور وجود ؛ لأنه صورة الوجود الأزلي والوجود كمال ، فكانت حبّا ( للكمال ) الوجودي ؛
( فافهم ) ولا تقل باستكمال الحق وجوده وعلمه ، أو بحدوث هذا الكمال له في ذاته ، بل إنه لما كان كمالا للوجود والعلم اللذين غاية كمالهما فيه ، فكان هذا الكمال حاصل له أيضا .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( ألا تراه كيف نفّس عن الأسماء الإلهيّة ما كانت تجده من عدم ظهور آثارها في عين مسمّى العالم فكانت الرّاحة محبوبة له ، ولم يوصل إليها إلّا بالوجود الصّوريّ الأعلى والأسفل ، فثبت أنّ الحركة كانت للحبّ ، فما ثمّ حركة في الكون إلّا وهي حبّيّة ، فمن العلماء من يعلم ذلك ، ومنهم من يحجبه السّبب الأقرب لحكمه في الحال واستيلائه على النّفس ، فكان الخوف لموسى مشهودا له بما وقع من قتله القبطيّ ، وتضمّن الخوف حبّ النّجاة من القتل ، ففرّ لمّا خاف ؛ وفي المعنى ففرّ لمّا أحبّ النّجاة من فرعون وعمله به ، فذكر السّبب الأقرب المشهود له في الوقت الّذي هو كصورة الجسم للبشر ، وحبّ النّجاة مضمّن فيه تضمين الجسد للرّوح المدبّر له ).
 
ثم استدل على كون الحركة حبية باعتبار هذا الظهور بقوله : ( ألا تراه ) أي : الحق ( كيف نفس عن الأسماء الإلهية ما كانت تجده ) مما يشبه الكرب ( من عدم ظهور آثارها في عين مسمى العالم ) أي : في الحقيقة المسماة بالعالم ، وإن كانت آثارها ظاهرة في الأعيان من حيث استعدادها حين ثبوتها ، وإنما لم يقل : وعدم ظهور صورها ؛ لأنها لما كانت معلومة ، فكانت صورها حاضرة له ، فلم يحصل لها من ذلك ما يشبه الكرب والكرب مبغوض ، ( فكانت الراحة ) التي هي ضد الكرب ( محبوبة له ) ؛ لأنها ضد المبغوض من حيث دفعه إياه محبوب ، ( ولم يصل إليها ) أي : إلى تلك الراحة
( إلا بالوجود الصوري ) أي : الذي هو صورة الوجود الحق في الأعيان ، فإن تلك الآثار عوارض تلك الصور والذات ، وإن لم يكن لها ما يشبه الكرب من عدم ظهور صور الوجود ، فالأسماء ما تشبهه ، وهي في مرتبة الذات ولا تغايره ، فكان هذا الكرب في الذات أيضا ، فهذا الوجود الصوري موجب للراحة مزيل للكرب .
 
وإن كان منقسما إلى ( الأعلى والأسفل ) ، فإن الأسفل ليس بنقص بل هو كمال ، وبه تظهر آثار بعض الأسماء ، كالمذل والمنتقم والقهار ، وهذا الوجود الصوري والآثار العارضة له ، إنما تحصل بحركة الذات والأسماء من الخفاء إلى الظهور ،
قال رضي الله عنه :  ( فثبت أن الحركة ) سواء كانت حركة الذات التي لا كرب فيها من حيث هي ذات أو حركة الأسماء ( كانت للحب ) ، وإذا كانت حركة الذات والأسماء للحب ، ( فما ثم ) أي : في الواقع ( حركة في الكون ) التي هي صورة تلك الحركة ، ( إلا وهي حبية ) ؛ لأن صورة الشيء في المرآة لا تخالف الشيء ، فالحب هو السبب الأصلي لكل حركة ، وإن ظهر غيره .
 
قال رضي الله عنه :  ( فمن العلماء من يعلم ذلك ) ؛ فإنه لوقوفه على الظواهر والبواطن يعلم ما هو باطن الأسباب الظاهرة من الأسباب الباطنة ، ( ومنهم من يحجبه السبب الأقرب ) الظاهر عن الأبعد الباطن ، وإن علم في الجملة ما في ضمنه ( لحكمه ) أي : السبب الأقرب على النفس ، وذلك من ( استيلائه على النفس ) حتى أن موسى عليه السّلام كان محجوبا حين فراره عن ملك فرعون ، إذ كان ذلك قبل النبوة ، ( فكان الخوف لموسى مشهودا ) لما وقع استيلاؤه على نفسه ( من قتل القبطي ) ؛ فلذلك قال له بعد النبوة مخبرا عن حالة قبلها  :" فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ " [ الشعراء : 21 ] ،
 
وإن ( تضمن الخوف ) المذكور في قوله وقصده : ( حب النجاة من القتل ) ، لكنه لم يقصده حينئذ ، ( ففر لما خاف ) ، ولكنه علم حين قاله بعد النبوة أنه ( في المعنى ففر لما أحب النجاة من فرعون وعمله به ) أي : القتل ودعوى الربوبية ، لكنه رجح الحال التي كانت له حين فراره على العلم الذي حصل له عند ذلك .
"" أضاف المحقق :
الباء متعلقة بعلمه والضمير راجع إلى موسى ، أو متعلقة بالنجاة والضمير للموصوف . شرح الجامي . ""
 
قال رضي الله عنه :  ( فذكر السبب الأقرب المشهود له في الوقت ) أي : وقت الفرار ، وسبب كونه مشهودا أنه ( الذي هو كصورة الجسم للبشر ) ، وهي المشهودة منه دون روحه ، (وحب النجاة مضمن فيه تضمين الجسد للروح ) ؛ فهو غير مشهود وإن كان معلوما ؛ لأنه ( المدبر له ) .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( والأنبياء صلوات اللّه عليهم لهم لسان الظّاهر به يتكلّمون لعموم الخطاب ، واعتمادهم على فهم السّامع العالم ؛ فلا يعتبر الرّسل إلّا العامّة لعلمهم بمرتبة أهل الفهم ؛ كما نبّه عليه السّلام على هذه الرّتبة في العطايا ؛ فقال : « إنّي لأعطي الرّجل وغيره
أحبّ إليّ منه مخافة أن يكبّه اللّه في النّار ».) رواه البخاري ومسلم .  
( فاعتبر الضّعيف العقل والنّظر الّذي غلب عليه الطّمع والطّبع ، فكذا ما جاؤوا به من العلوم جاؤوا به ، وعليه خلعة أدنى الفهوم ليقف من لا غوص له عند الخلعة ، فيقول : ما أحسن هذه الخلعة ! ويراها غاية الدّرجة ، ويقول صاحب الفهم الدّقيق الغائص على درر الحكم بما استوجب هذا : " هذه الخلعة من الملك " ، فينظر في قدر الخلعة وصنفها من الثّياب ، فيعلم منها قدر من خلعت عليه ، فيعثر على علم لم يحصل لغيره ممّن لا علم له بمثل هذا )
 .
ثم ذكر أنه لو قصد موسى عليه السّلام حب النجاة بالفرار حين فرّ لم يكن ليذكره عند العامة ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لا يذكرون الحقائق إلا في ضمن الظواهر ؛ فقال : ( والأنبياء صلوات اللّه عليهم لهم ) من كل ما يذكرون من الحقائق ( لسان الظاهر ) ،
إذ لكل باطن ظاهر بتضمنه ( به يتكلمون ) مع الخواص والعوام سواء قصدوا الحقائق وحدها أو لا ( لعموم ) تعلق ( الخطاب ) منهم بالكل من الخواص والعوام مع أنه تضرر للعوام بتلك الحقائق ، ولا يفوت بذلك مقصود الخواص عند ( اعتمادهم على فهم السامع العالم ) بطريق الانتقال من الظواهر إلى الحقائق ، وإذا كان لسان الظاهر مفيدا للكل غير مخل بشيء من مقاصدهم .
 
قال رضي الله عنه :  ( فلا يعتبر الرسل ) في العبارات ( إلا العامة ) ، لكن إنما يتأتى لهم هذه العبارات الظاهرة المشيرة إلى الحقائق دون غيرهم ؛ ( لعلمهم بمرتبة أهل الفهم ) ، فيأتون من العبارات ما يفي بمقاصد كل ذي مرتبة ؛ لذلك كانت لهم جوامع الكلم ، فاعتبروا في بيان الحقائق العامة أيضا بنيان الظواهر ؛ ليحصل لهم النجاة بحصول الاعتقادات الواجبة فيهم ، وإن لم يبلغوا كنه الحقائق تكفيهم ظواهر الاعتقادات في إفادة النجاة فأعطوهم إياها كذلك ، ( كما نبّه عليه السّلام على هذه الرتبة ) ، أي : رتبة العامة ( في العطايا ) الدنيوية أنها إنما تعطى لهم لتفيدهم النجاة ؛
قال رضي الله عنه :  ( فقال : « إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه » ) ، لكن إنما أعطيه ( مخافة أن يكبه اللّه في النار ) ؛ لأنه إنما يثبت على الإيمان عند وجدانه الشهوات التي يتوسل إليها بالمال ، فإذا فقدها ربما ينقلب على عقبيه والعياذ باللّه.
 
قال رضي الله عنه :  ( فاعتبر ضعف العقل ) في العطايا ، إذ عند ضعفه يقوى داعي الشهوات ، فلا يبالي بدلالة المعجزة على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند فقد ما غلب على نفسه طلبه ، وهذا العقل وإن كان مفيدا للنظر الموجب للتكليف ، لكنه ( النظر الذي غلب عليه الطمع والطبع ) ، والحكم للغالب ، وإذا اعتبر في العطايا المالية ضعف العقل ، فكيف ولا يعتبره في العلوم التي الزلة
 
منها خرور من السماء ، وإليه الإشارة بقوله : ( فكذا ما جاءوا به من العلوم ) المشتملة على الحقائق والدقائق ، ( جاءوا به ، وعليه خلعة أدنى الفهوم ) أي : العبارة التي تدل بظاهرها على ما يفهمه من له أدنى المفهوم ، ويكون كنه الحقيقة مستورا فيها ؛ ( ليقف من لا غوص له ) في كنه الأشياء ( عند ) ظاهر "المعنى"
 ( الخلعة ، فيقول : ما أحسن هذه الخلعة ) ؛ لاشتماله على وجوه البلاغة والبديع ، ( ويراها غاية الدرجة ) التي بها الإعجاز .
 
قال رضي الله عنه :  ( ويقول صاحب « الفهم الدقيق » ) : وليس المراد أهل صنعة المعاني والبيان ، وإنما هو ( الغائض على درر الحكم ) ، وهي الأمور التي تحار فيها أفكار الفلاسفة والمتكلمين ، ولا يصلون أدنى حصصها بما استوجب هذا المعنى الظاهر ( هذه الخلعة ) الخاصة مع أن له خلعا كثيرة ، فلابدّ من النظر في هذا الاختصاص ؛ لكونها ( من الملك ) المطلق الذي يملك الخلع كلها ، ويعطى كل ذي حق حقه ،
 
قال رضي الله عنه :  ( فينظر في قدر الخلعة ) من الإيجاز والإطناب ، وتمام الألفاظ وقصورها ، ( وصنفها ) من الحقيقة ، والمجاز المرسل ، والاستعارة ، والكناية ، ومن الحروف والاشتقاقات وشبهها ، فيعلم وجه اختصاصها بهذا المعنى من بين ( الثياب ) الكثيرة التي يمكن أن تخلع هذا المعنى بكل واحد منها ، ( فيعلم منها قدر ما خلعت عليه ) ؛ لدلالته الظاهرة على الباطن ، ( فيعثر على علم ) من الحقائق بطريق التضمن ، أو الالتزام ، أو الإشارات ( لم يحصل لغيره ) ، وإن بلغ في العلوم المتداولة كلها درجة الاجتهاد ، إذا لم يكن ( ممن لا علم له بمثل هذا ) ، أي : قدر الخلعة وصنفها .
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( ولمّا علمت الأنبياء والرّسل والورثة أنّ في العالم وفي أمّتهم من هو بهذه المثابة ، عمدوا في العبارة إلى اللّسان الظّاهر الّذي يقع فيه اشتراك الخاصّ والعامّ ، فيفهم منه الخاصّ ما فهم العامّة منه وزيادة ممّا صحّ له به اسم أنّه خاصّ فتميّز به عن العامّي ، فاكتفى المبلّغون العلوم بهذا ، فهذا حكمة قوله عليه السّلام : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [ الشعراء : 21 ] ، ولم يقل : ففررت منكم حبّا في السّلامة والعافية ، فجاء إلى مدين فوجد الجاريتين فَسَقى لَهُمامن غير أجر ،ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلّ ِالإلهيّ ؛فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ[ القصص : 24 ] ، فجعل عين عمله السقي عين الخير الذي أنزل اللّه إليه ، ووصف نفسه بالفقر إلى اللّه في الخير الذي عنده ) .
 
ثم أشار إلى سبب عدم ذكر الأنبياء عليهم السلام الحقائق بالعبارات المختصة الصريحة للخاصة فقط ،
فقال : ( ولمّا علمت الأنبياء والرّسل والورثة ) من علماء السلف ذكر الكل ؛ ليدل على أنه طريق الكل ما داموا يعلمون ( أن في العالم ) ، ولا سيما ( في أمتهم من هو بهذه المثابة ) من فهم الحقائق من الظواهر بخلاف المتأخرين ، فإنهم إنما ذكروا الحقائق بالعبارات المختصة بها ؛ لعلمهم أن ليس في العالم ظاهرا من يفهم هذه الحقائق من الظواهر ما لم يعلموها أولا بالعبارات الصريحة ( عمدوا في العبارة إلى اللسان الظاهر ) ، إذ يحصل به الإتلاف والاتفاق بين الكل ، ولا يقع الافتراق ؛ لأن هذا اللسان هو ( الذي يقع فيه اشتراك الخاص والعام ) ، وإن اختلفت مراتبهم في الفهم ،
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فيفهم منه الخاص ما فهم العام منه ) ؛ لأنه مراد منه لا كما تقوله أهل الطامّات من الصوفية ، ولا الباطنية من الشيعة ، ويفهم منه الخاص زيادة لا تخالف مفهوم العبارة لو عبر عن تلك ( الزيادة ) بعبارة صريحة لا يكون مفهوم إحدى العبارتين مناقضا لمفهوم الأخرى ،
فتلك العبارة ( مما صح له به اسم أنه خاص ) ؛ لأنه مبتدع ملحد كما تزعم الجهّال بالحقائق ، وكيف لا يكون فهمها خاصّا ، وهو ( يتميز به ) ، أي : بهذا الفهم ( عن العامي ) بعد اشتراكهما في المفهوم الظاهر ، والخصوص إنما يحصل للخاص بحصول المميز من الفصل أو الخاصة.
 
ولما كان هذا مقصد الأنبياء والرسل عليهم السلام من البيان باللسان الظاهر ، والورثة تابعون لهم من كل وجه ، ( فاكتفى المبلغون العلوم ) عنهم هذا قبل ظهور القصور في فهم الحقائق عن هذه الظواهر فقط ، وإذا كان الأنبياء عليهم السلام دعوا العامة من أممهم حتى علماء الظاهر منهم ، فكيف لا يزعمون به الجهّال المخالفين ،
 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فهذه حكمة قوله عليه السّلام ) في خطاب فرعون وقومه فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [ الشعراء : 21 ] ، ولم يقل : ففرت منكم حبّا في السلامة ) عن قتلكم ، ( والعافية ) عن عملكم واعتقادكم ،
وإن كانت هذه الحقيقة من الظواهر التي لا يتضرر العامة بفهمها ، إلا أنهم في بيان الحقائق بطريق الإشارة على نهج واحد لا يقال : إنما يصح هذا التقرير لو قال : « لما خفتكم » بكسر اللام ، وتخفيف "ما " ،
وهو إنما قال : « لما » بالفتح والتشديد ؛ لأنّا نقول : لما كان الكلام في الاعتذار جرى مجرى التعليل ، وإنما قال : أو لأحيى في النجاة ، وهاهنا حبّا في السلامة والعافية ؛ لأن هذا تفصيل ، وذاك إجمال ، والإجمال سابق على التفصيل .
ولما فرغ عن بيان كيفية نجاته ، شرع في بيان كيفية فراره بالدرجات حتى يقرب إلى اللّه تعالى ، فجعله من المرسلين ،
وهو أنه لما فرّ من فرعون وعمله وخرج من ملكه ، ( فجاء إلى مدين ) بلدة شعيب عليه السّلام ، ( فوجد الجاريتين ) بنتيه يذودان بقيمهما عن الماء ؛ لازدحام الناس عليه ،( فَسَقى لَهُما من غير أجر ) ؛ ليخلص عمله للّه ،( ثُمَّ تَوَلَّى )عن مكان السقي ( إِلَى الظِّلِّ )المتعارف في الظاهر ، وقصد التولي عن الالتفاف إلى ما سوى اللّه من الأعمال وغيرها ، إلا من حيث كونهما من الظل ( الإلهي ) ؛ ليعلم أن وجوده ظل وجود الحق ، وأن سقيه ظل فيض الحق ؛ ليعلم كمال افتقاره إلى الحق ، ويظهر افتقاره إلى آثاره من الفيض ،
( فجعل عين عمله السقي عين الخير الذي أنزله اللّه إليه ) ، وهو الفيض الإلهي ، ( ووصف نفسه بالفقر إلى اللّه ) ، إذ لم يقل : فقير إلى ذلك الخير ، بل بسبب ذلك الخير فقير
 
إلى اللّه ( في الخير الذي عنده ) ، أي : عند اللّه ، فطلب الاستزادة من الفيض حتى يصل إلى تمام الفيض .
 
قال رضي الله عنه :  ( فأراه الخضر إقامة الجدار من غير أجر فعتبه على ذلك فذكّره سقايته من غير أجر ، إلى غير ذلك ممّا لم نذكر حتّى تمنّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يسكت موسى عليه السّلام ، ولا يعترض حتّى يقصّ اللّه عليه من أمرهما ، فيعلم بذلك ما وفّق إليه موسى عليه السّلام من غير علم منه ، إذ لو كان عن علم ما أنكر مثل ذلك على الخضر الّذي قد شهد اللّه له عند موسى وزكّاه وعدّله ومع هذا غفل موسى عن تزكية اللّه ، وعمّا شرطه عليه في اتباعه ، رحمة بنا إذ نسينا أمر اللّه ، ولو كان موسى عالما بذلك لما قال له الخضر : ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [ الكهف : 68 ] أي : إنّي على علم لم يحصل لك عن ذوق كما أنت على علم لا أعلمه أنا ، فأنصف ).
 
ولما كان سقيه من غير أجر مع شدة احتياجه إلى الأجر ، ( فأراه الخضر عليه السّلام إقامة الجدار من غير أجر ) مع افتقارهما إليه كل الافتقار ، ( فعاتبه ) موسى ( على ذلك ) بقوله : قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [ الكهف : 77 ] ، فذكره الخضر بالاعتذار بسقايته من غير أجر مع شدة افتقاره إليه ، وقد قصد الخضر عليه السّلام الانتهاء من تذكيره ما جرى عليه إلى غير ذلك ( مما لم يذكره ) بعدم صبره ، وكانت من الأسرار العجيبة ( حتى تمني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، وهو قوله عليه السّلام في بعض الروايات : « ليت أخي موسى سكت حتى يقص اللّه علينا من أنبائهما » . رواه البخاري والنسائي في السنن الكبرى 
وفي بعض الروايات : « رحمة اللّه علينا وعلى موسى ليته صبر حتى يقص اللّه علينا من أنبائهما » . رواه البخاري والنسائي في السنن الكبرى 
 
فتمني ( أن يسكت موسى عليه السّلام ) ؛ فإنه الواجب عند رؤية ما ينكر في الظاهر إذا صدر من من يؤثر بديانته ووقوفه على التأويلات الصحيحة ، ( ولا يعترض ) ، وإن وجب الاعتراض على مثله إذا صدر من العامي ، ولم يكن ذلك منه عليه السّلام تمنيا في كمال موسى ، بل تمنى ( حتى يقص اللّه عليه ) ما جرى ( من أمرهما ) ، وليس ذلك ليحصل له به كمال لا يحصل بدونه في حقه ، بل في معرفته بمرتبة موسى ، ( فيعلم بذلك ما وفق ) ، وانتهى ( إليه موسى ) ،
 
فسكت على ما رأى ما ينكر عليه ، فلم ينكر لكونه ( من غير علم منه ) ، فيعلم رتبته في الصبر ، ورعاية آداب المشايخ ، لكنه أنكر عليه مع كونه من غير علم منه ، ( إذ لو كان ) إنكار موسى في كل ما ينكره ( عن علم ) بباطن ما ينكره ، ( ما أنكر مثل ذلك على الخضر الذي لا يصدر عنه المنكرات في الباطن ؛ لأنه ) .
الذي شهد اللّه له عند موسى بقوله " :آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، وإذا شهد بذلك ، فقد ( زكاه ) ؛ لأن الفاسق لا يستحق الرحمة العندية اللدنية بل إنما يستحقها صاحب العصمة ، فإن لم يكن معصوما فلا أقل من العدالة ، وإذا ( عدله ) لم يكن من شأنه أن يقول في المنكرات :إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً[ الكهف : 67 ] ،
فعلم أن إنكار موسى لم يكن عن علم بحال ما أنكره في الباطن ، ( ومع هذا ) أي : مع كون إنكاره لا عن علم ، ( غفل موسى عن تزكية اللّه ) المانعة عن الإنكار ، ( وعما شرطه ) الخضر ( عليه في اتباعه ) من قوله : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً[ الكهف : 70] ؛
ولهذه الغفلة قال موسى عليه السّلام :لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً [ الكهف : 73 ] ، وقوله رحمة عليه ؛ لقوله : غفل بنا ( إذا نسينا أمر اللّه ) .
ثم أشار إلى أنه لم يكن له علم قبل الغفلة أيضا ، بقوله : ( ولو كان موسى عالما بذلك ) ، أي : بحال ما سينكره ( لما قال له الخضر:  وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ) [الكهف : 68]  
 ، وإن كان موسى وليّا ؛ لأنه رسول ، وكل رسول نبي وولي ، فهو وإن علم ذلك بالولاية ، فلم يحصل له في ذلك ذوق كما حصل للخضر ؛ لكمال ولايته وغلبتها على نبوته
حتى قيل : إنه ولي غير نبي كما غلبت النبوة والرسالة في موسى عليه السّلام على ولايته ؛ فلذلك فسره بقوله : ( أي : إني على علم لم يحصل لك عن ذوق ) ، وإن علمته بطريق الوحي والإلهام ، ( كما أنك على علم ) من جهة كمال النبوة والرسالة ( لا أعلمه ) ؛ لقصوري في ذلك عن رتبتك ، ( فأنصف ) الخضر بجعله كاملا في الرسالة النبوة اللتان هما أعلى من الولاية في حق من تجردت ولايته .


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( وأمّا حكمة فراقه فلأنّ الرّسول يقول اللّه فيه : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] ؛ فوقف العلماء باللّه الّذين يعرفون قدر الرّسالة والرّسول عند هذا القول ، وقد علم الخضر أنّ موسى رسول اللّه فأخذ يرقب ما يكون منه ليوفّي الأدب حقّه مع الرّسول ؛ فقال له :إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً[ الكهف : 76 ] ؛ فنهاه عن صحبته ، فلما وقعت منه الثّالثة قال :قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [ الكهف : 78 ] ، ولم يقل له موسى : لا تفعل ، ولا طلب صحبته لعلمه بقدر الرّتبة الّتي هو فيها الّتي أنطقته بالنّهي عن أن يصحبه ؛ فسكت موسى ووقع الفراق ، فانظر إلى كمال هذين الرّجلين في العلم وتوفية الأدب الإلهيّ حقّه .
وإنصاف الخضر عليه السّلام فيما اعترف به عند موسى عليه السّلام حيث قال له : " أنا على علم علّمنيه اللّه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علّمكه اللّه لا أعلمه أنا "). رواه البخاري وابن حبان
( فكان هذا الإعلام من الخضر دواء لما جرّحه به في قوله :وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [ الكهف : 68 ] مع علمه بعلوّ رتبته بالرّسالة ، وليست تلك الرّتبة للخضر ، وظهر ذلك في الأمّة المحمّديّة في حديث إبار النّخل ؛ فقال عليه السّلام لأصحابه :"أنتم أعلم بمصالح دنياكم" .) رواه ابن حبان والطبراني في الكبير والبزار في المسند
 
ثم استشعر سؤالا بأنه كيف فارق موسى الخضر قبل استكمال ما طلب الكمال فيه ؟
وكيف فارقه الخضر قبل تكميله ، ومن شأن الكامل التكميل ؟
فقال رضي الله عنه  : ( وأما حكمة فراقه ) ، أي : مفارقة الخضر لموسى ؛ فلأن موسى رسول ، وكل رسول واجب الطاعة ، فتجب طاعته في قوله : فَلا تُصاحِبْنِي [ الكهف : 76 ] ، وإنما وجبت طاعة الرسول ؛ ( لأن الرسول يقول اللّه في حقه ) ، يعني من جهة كمال ظهور الحق فيه ، ( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) [ الحشر : 7 ] ،
فإن أمره أمر اللّه ، ونهيه نهي اللّه ، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء:80] .
قال الشيخ رضي الله عنه :  (فوقف العلماء باللّه الّذين يعرفون قدر الرّسالة والرّسول عند هذا القول ، وقد علم الخضر أنّ موسى رسول اللّه فأخذ يرقب ما يكون منه ليوفّي الأدب حقّه مع الرّسول ؛ فقال له :إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً[ الكهف : 76 ] ؛ فنهاه عن صحبته ، فلما وقعت منه الثّالثة قال :قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [ الكهف : 78 ] ، ولم يقل له موسى : لا تفعل ، ولا طلب صحبته لعلمه )
أي : لعلم موسى ، ( بقدر الرتبة التي هو ) أي : موسى ( فيها ) ، وهي الرسالة ( التي أنطقته بالنهي عن أن يصحبه ؛ فسكت موسى ) عند إخبار الخضر إياه بالفراق ؛ ( ووقع الفراق ، فانظر إلى كمال هذين الرّجلين في العلم وتوفية الأدب الإلهيّ حقّه ) ؛ فإن توفية كل منهما حق الأدب بالنسبة إلى الآخر كان للّه ، ومن اللّه فكان أدبهما إلهيّا .
 
قال رضي الله عنهوإنصاف الخضر عليه السّلام فيما اعترف به عند موسى عليه السّلام حيث قال له : «أنا على علم علّمنيه اللّه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علّمكه اللّه لا أعلمه أنا»  ؛ فكان هذا الإعلام من الخضر دواء لما جرّحه به في قوله :وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [ الكهف : 68 ] مع علمه بعلوّ رتبته بالرّسالة ،
وليست تلك الرّتبة للخضر ، وظهر ذلك  الإنصاف الذي ظهر من الخضر من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ( في ) شأن ( الأمّة المحمّديّة في حديث إبار النّخل ؛ فقال عليه السّلام لأصحابه : « أنتم أعلم بمصالح دنياكم ») مع كونهم دون كثير من الناس في الأمور الدنيوية ؛ لكثرة أشغالهم بالأمور الأخروية ؛ فأنصف لهم بتفضيلهم على نفسه .

.
يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الأحد 22 مارس 2020 - 9:31 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الأحد 22 مارس 2020 - 3:46 من طرف عبدالله المسافر

25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية الجزء الرابع .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي 

كتاب خصوص النعم في شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين أحمد المهائمي   

الفص الموسوي على مدونة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم
الفصّ الموسوي
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية                      الجزء الرابع
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( ولا شكّ أنّ العلم بالشّيء خير من الجهل به ، ولهذا مدح اللّه نفسه بأنّه بكلّ شيء عليم ، فقد اعترف صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّهم أعلم بمصالح دنياهم منه لكونه لا خبرة له بذلك فإنّه علم ذوق وتجربة ، ولم يتفرّغ عليه السّلام لعلم ذلك ، بل كان شغله بالأهمّ فالأهمّ ، فقد نبّهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه ، وقوله :فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً يريد الخلافة ؛وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 21 ] ، يريد الرّسالة ، فما كلّ رسول خليفة ؛ فالخليفة صاحب السّيف والعزل والولاية ، والرّسول ليس كذلك ، إنّما عليه بلاغ ما أرسل به ؛ فإن قاتل عليه وحماه بالسّيف فذلك الخليفة الرّسول ، فكما أنّه ما كلّ نبيّ رسولا ، كذلك ما كلّ رسول خليفة أي : ما أعطي الملك ولا التّحكّم فيه ).

"" أضاف المحقق :
لما أظهر موسى عليه السّلام مع فرعون ما كان عليه من أمر الرسالة والخلافة واقتضى الوقت أن يظهر فرعون أيضا ما كان عليه من الكمال كما أشار إليه رضي اللّه عنه . شرح الجامي ""

وذلك لأنه ( لا شكّ أن العلم بالشيء ) ، وإن كان أدنى ( خير من الجهل به ) ، وإن لم يضره ذلك في الكمالات الإنسانية التي خلق لها ؛ ( ولهذا مدح اللّه نفسه بأنه بكل شيء عليم ) ، وإذا كان العلم بالشيء كمالا للعالم وعدمه نقصا ،

قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فقد اعترف صلّى اللّه عليه وسلّم ) لأصحابه بالكمال على نفسه ، وإن كان لا يعابه في الكمالات النبوية ، ( فإنهم أعلم بمصالح دنياهم )  مع أنه ليس بجاهل بذلك ؛ لأنه الأصل في جميع العلوم ، لكنهم فضلوا عليه بالخبرة ؛ ( لكونه لا خبرة له بذلك ) ، فكأنه لا علم له أصلا ، ( فإنه علم ذوق وتجربة ، ولم يتفرغ عليه السّلام لعلم ذلك ) ، وإن كان في قوة استعداده ، ( بل كان شغله في الأهم والأهم ) ؛ لأنه لا نهاية لما في استعداده ،
وإذا أخبرتك عن رعاية الخضر رتبة رسالة موسى ، ورعاية موسى رتبة ولاية الخضر ومشيخته ، وعن إنصاف الخضر لموسى ، وإنصاف محمد لأصحابه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ( فقد نبهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه ) ، فلم تتكبر نفسك على رعاية الأدب مع من صغر عنك في رتبة إذا كبرت في أخرى .


ولما فرغ عن بيان فوزه بأدنى المراتب عند فراره عن مصر ووصوله إلى مدين ،
شرع في بيان فوزه بأعلى المراتب عند خروجه من مدين ، ورجوعه إلى مصر ، فقال : ( وقوله : فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً ) [ الشعراء : 21 ] : يريد الخلافة ) التي لا يخاف صاحبها على نفسه ، بل يخاف منه ، وليس المراد النبوة ، وإلا كان قوله وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) [ الشعراء : 21].
تكرارا ؛ لأنه ( يريد الرسالة ) ، وهي مستلزمة للنبوة ، وإن لم تستلزم الخلافة ، ( فما كل رسول خليفة ) ، كما أنه ليس كل خليفة رسولا أو نبيّا ،
 

قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فالخليفة ) سواء كان نبيّا أو رسولا أو لا ، ( صاحب السيف ) العام ( والعزل والولاية ) ، أي : التولية ( والرسول ) من حيث هو رسول ( ليس كذلك ) ، بل ( إنما عليه البلاغ ) ، أي : التبليغ ( لما أرسل به ) من الأحكام الأصلية أو الفرعية ، ( فإن قاتل عليه ) ، أي : على إلزام ما أرسل به مع المخالفين ، ( وحماه بالسيف للموافقين ، فذلك الخليفة الرسول ) ذي المرتبة جامعة من كل وجه ، ومرتبة الرسالة إنما تجمع النبوة والولاية ، ومرتبة النبوة إنما تجمع الولاية ، ومرتبة الولاية لا تجمع شيئا من ذلك إلا الخلافة في بعض الأحيان ، ( فكما أنه ما كل نبي رسول ، كذلك ما كل رسول خليفة ) ، وإن كان صاحب الأحكام ؛

فلذلك قال الشيخ رضي الله عنه :  ( أي : ما أعطى ) الحكم ، أي : حكم العزل والولاية ، أي : بتقييد الأحكام فيما أعطى فيه الحكم بالعزل والتولية .

 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( وأمّا حكمة سؤال فرعون عن الماهيّة الإلهيّة ؛ فلم يكن عن جهل ، وإنّما كان عن اختبار حتّى يرى جوابه مع دعواه الرّسالة عن ربّه وقد علم فرعون مرتبة المرسلين في العلم فيستدلّ بجوابه على صدق دعواه ، وسأل سؤال إيهام من أجل الحاضرين حتّى يعرّفهم من حيث لا يشعرون بما شعر هو في نفسه في سؤاله ، فإذا أجابه جواب العلماء بالأمر ، أظهر فرعون إبقاء لمنصبه أنّ موسى ما أجابه على سؤاله ، فيتبيّن عند الحاضرين لقصور فهمهم أنّ فرعون أعلم من موسى ، ولهذا لمّا قال له في الجواب ما ينبغي ، وهو في الظّاهر غير جواب ما سئل عنه ).


ولما فرغ عن بيان حصول الرسالة له ، شرع في بيان قيامه من المقاومة مع المرسل إليهم ، وإظهار الآيات لهم ، فقال : ( وأما حكمة سؤال فرعون ) ، أي : الغرض المقصود له في السؤال ( عن الماهية الإلهية ) ، بقوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] سأل عن حده المشتمل على الجنسين والفصل ،

قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فلم يكن عن جهل ) من فرعون ، وإن الأنبياء وأتباعهم ، والفلاسفة يمنعون تحديده لسماعه ذلك من القدماء ، ( إنما كان عن اختبار ) لموسى من يعطى مقالتهم ( حتى يرى جوابه ) هل يشتمل على الجنسين والفصل فيخطئ ، ويبقي السؤال فلم لا ؟

( مع دعواه الرسالة عن ربه ) الذي لا يرسل من لا يعرفه عند المؤمنين باللّه والرسل ؛ وذلك لأنه ( قد علم فرعون مرتبة المرسلين في العلم ) عند المؤمنين بهم ، فإنهم لا يؤمنون برسول ما لم يعلموا باللّه ، أي : أعلى مراتب العلم ، والمنع من التحديد من مبادئ علومهم .


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فيستدل بجوابه ) الواجب لا يشتمل على الجنس والفصل ، ووافق كلامهم الرسل ماضين ( على صدق دعواه ) عند من يصدق الرسل ،

وفيه وجه آخر هو   : أنه سأل فرعون ، أي : ( سؤال إيهام ) ، أي : سؤالا يوهم السامع أن له جوابا غير جواب موسى ، لو أجاب بما لا يشتمل على الجنس والفصل ، ولم ينف السؤال ( من أجل الحاضرين ) ؛ ليوهمهم قصور موسى في الجواب عن الماهية بما لا يشتمل على الجنس والفصل ،

ويبقي السؤال فإنه إنما سأل عن الماهية الإلهية ( حتى يعرفهم ) ، أي : ليذكر لهم تعريفا صحيحا في نفس الأمر ، وهم يتوقعون منه غيره ؛ لأن عندهم التعريف بالحد التام الذي يسأل به بما ، إنما يكون للمركبات والبسائط ، فليس لها هذا التعريف أصلا ،

وليس ذلك بل يكون تعريف البسائط بالفصل وحده حدّا تامّا إن علمت بكنه الخليفة ، وإلا لكان الجواب عنها بالخاصة ؛ فإنها تنزل حينئذ منزلة الذاتي ،

فإذا عرفهم موسى الحق بالخواص خص لهم تعريفه ( من حيث لا يشعرون ) أنه تعريفه ، وإن كان تعريفه عند فرعون لأمر حيث هو منكر الإلهية ما سواه ، أو قائل أنه ربهم الأعلى ، بل من حيث أنه تعريف ( بما يشعر هو في نفسه ) من جواب موسى ( في سؤاله ) ؛ لعلمه أن الأنبياء يجعلون ذلك تعريف الحق بالحد التام ، وإذا كان هذا تعريف لهم من حيث لا يشعرون ، وقد شعر به فرعون .

 

قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فإذا جاء به جواب العلماء بالأمر أظهر فرعون ) في خلاف ما في نفسه ( إبقاء لمنصبه ) عند الحاضرين ، ( أن موسى ما أجابه ) على وفق ( سؤاله ) ، فإن جوابه إما بالجنس والفصل ، وأن يقال : إنه لا يتصور حتى يعرف ، ( فيتبين عند الحاضرين لقصور فهمهم ) ، إذ لا يعرفون أن الخواص في حق البسائط التي لا يعرف كنهها ، تنزل منزلة الذاتيات ( أن فرعون أعلم من موسى ) في باب التعريفات ،
والرسول لا بدّ وأن يكون أعلم من المرسل إليه ؛ ( ولهذا ) أي : ولقصور فهم الحاضرين عن تنزيل الخواص منزلة الذاتيات في تعريف البسائط التي لا يمكن الاطلاع على كنه حقيقتها ( لما قال له في الجواب ) عن سؤال الماهية : ( ما ينبغي ) ، وإن كان بالخواص ( وهو في الظاهر غير جواب على ما سئل عنه ) ، فرد فيه سؤال عن الذاتيات .

 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( وقد علم فرعون أنّه لا يجيبه إلّا بذلك ؛ فقال لأصحابه : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء : 27 ] أي : مستور عنه علم ما سألته عنه ، إذ لا يتصوّر أن يعلم أصلا ، فالسّؤال صحيح ؛ فإنّ السّؤال عن الماهيّة سؤال عن حقيقة المطلوب ، ولا بدّ أن يكون على حقيقة في نفسه ، وأمّا الّذين جعلوا الحدود مركّبة من جنس وفصل ، فذلك في كلّ ما يقع فيه الاشتراك ، ومن لا جنس له لا يلزم أن لا يكون على حقيقة في نفسه لا تكون لغيره ؛ فالسّؤال صحيح على مذهب أهل الحقّ والعلم الصّحيح والعقل السّليم ، والجواب عنه لا يكون إلّا بما أجاب به موسى عليه السّلام ).


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( وقد علم فرعون ) أن جواب الماهية البسيطة التي لا تعرف حقيقتها بالكنه ، إنما يكون بالخواص ، فعلم ( أنه لا يجيبه إلا بذلك ) ، لكنه أخفاه عن أصحابه إبقاء لمنصبه ،


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فقال لأصحابه : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [ الشعراء : 27 ] ، ولما كانت إرادة ظاهر الجنون مع انتظام كلامه موجبا لنسبته في الغيب للصريح ، وهو يظهر من نفسه ألا يصدف ، فسره بقوله ( أي : مسؤولا عنه ) من الحق ، وهو الستر ( علم ما سألته عنه ) ، وهو باب التعريفات ، إذ التعريف بالحد التام المركب من الجنس والفصل إنما يكون للمركبات ، وبالفصل وحده للبسائط ولا جنس له ، ولا يعرف فصله فلا يكن بالحد التام ،


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( إذ لا يتصور أن يعلم أصلا ) ، والجواب بالخواص لا ينافي في السؤال عن الماهية ، لكنه إنما ينافي عند تنزيل الخاصة بمنزلة الذاتي ، فكان هذا سؤال اتهام ، ( فالسؤال ) على هذا الوجه ( صحيح ) ، وإن كان باطلا على الوجه الأول جيء به للاختيار ، إذ ليس سؤالا من الحد المركب من الجنس والفصل .

 

قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فإن السؤال عن الماهية ) ليس سؤالا عنه ، وإنما هو ( سؤال عن حقيقة المطلوب ) معرفته ، إذ الماهية ترادف الحقيقة وتقاربها ، والحق وإن لم يتركب من الماهية والوجود ، فإنه ( لا بدّ أن يكون على حقيقة في نفسه ) يتميز بها عما سواه ، وإن لم يكن له جنس يشارك فيه ، إذ الفصل قد يتميز المشارك في العرض المقام ، فيجوز أن يحد بحد لا يتركب من الجنس والفصل ، ) وأما الذين جعلوا الحدود مركبة من الجنس والفصل ) ، فذلك ليس في كل أحد ، وإنما هو في ( كل ما يقع فيه الاشتراك ) في ذات يكون فيه المشترك جنسا والمتميز فصلا ، ( ومن لا جنس له ) لعدم ما يشاركه في ذاته ، ( لا يلزم ألا يكون على حقيقة في نفسه لا يكون لغيره ) ، وإن قال بعض القدماء : إن الفصل مستلزم للجنس ، ولا يلزم أن يكون مركبا من فصلين ، بل يكون حده التام الفصل الواحد وحده ؛

قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فالسؤال ) عن الماهية الإلهية ( صحيح على مذهب أهل الحق ) ، وإن قال أكثر الفلاسفة والمتكلمين : إنه لا ماهية له ، والعلم الصحيح الكشفي الذي لا يضره إنكار الجمهور ، ولا سيما إذا أيده ( العقل السليم ) ، ولكن لا يجاب عنه بالفصل ؛ لعدم اطلاع السامع عليه ، فيكون تعريف الشيء ، فصح أن ( الجواب عنه لا يكون إلا بما أجاب به موسى عليه السّلام ) وإن كان [ . . . ]عن الماهية لتنزيهه [ . . . ] "ما بين المعكوفتين غير واضح بالأصل"، الذاتي هذا بطريقة المناظرة الكلامية .

  
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( وهنا سرّ كبير، فإنّه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحدّ الذّاتي ، فجعل الحدّ الذّاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم ، أو إلى ما ظهر فيه من صور العالم ؛ فكأنّه قال له في جواب قوله :"وَما رَبُّ الْعالَمِينَ" [ الشعراء : 23 ] ، قال الّذي يظهر فيه صور العالمين من علو وهو السماء وسفل وهو الأرض "إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ" [ الشعراء: 24].   أو يظهر هو بها ، فلمّا قال فرعون لأصحابه :"إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ" [ القلم : 51 ] كما قلنا في معنى كونه مجنونا ).

ثم قال : ( وهنا ) أي : في جواب موسى ( سر كبير ) من علم الحقائق ، وهو أنه أشار إلى أنه لا يمكن تعريفه بحسب الذات ، وإنما هو بسبب ظهوره في العالم ، وهو اسمه الظاهر باعتبار ، أو بحسب ظهور العالم فيه ، وهو اسمه الباطن باعتبار ، أو بالجمع بينهما مع الإشارة إلى أنه لا يتقيد بذلك الجمع ولا بالانفراد ،
لكن غايته التقييد بلا تقيد ، وهو مطلق عن كل قيد بهذا الاعتبار ، وإن تقيد بفصله المميز ، وبالوجوب والقدم الذاتيين باعتبار ذاته ، فإنه حين قال في جواب قوله :" وَما رَبُّ الْعالَمِينَ" [الشعراء : 23 ] ،
قال :"رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ"[ الدخان : 7 ] ،
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ[ الشعراء : 25 ] ، قال :رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ[ الدخان : 8 ] ،
قال :إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ[ الشعراء : 27 ] ،
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ[ الشعراء : 28 ]
قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ[ الشعراء : 29 ] .
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( أجاب بالفعل ) بأن الربوبية فعل التربية ، وهي نسبة بينه وبين المربوب ، والتربية تكمل للمربوب إما بظهور صورة الرب في مرآة المربوب ، أو ظهور صورة المربوب في مرآة الرب ( لمن سأل عن الحد الذاتي ) ، أي : الحد الذي بشأنه الاشتمال هي الذاتيات ( عين إضافته ) بإقامتها مقامه ( إلى ما ظهر الرب به من صور العالم ) ، أي : صور وجوده الظاهرة في مرآة العالم ،
وهو قوله :رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ، فظهر الرب فيهم بصور المحدثات الكائنة الفاسدة التي بحدوثها أظهر ، والحادث لا وجود له بذاته ، فهو من الحق ، فقد ظهر فيه الحق ظهورا واضحا ، لكنه يختفي غاية الخفاء بظهور حدوثها ، فيصير باعتبار ظهوره فيها باطنيا ،

قال الشيخ رضي الله عنه :  ( وما ظهر فيه من صور العالم ) ، أي : إضافته بأي شيء ظهر ذلك الشيء في مرآة الحق من صور العالم هو قوله :رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ،فإنهما من حيث رؤية استمرارهما مدة مديدة غير كائنة ولا فاسدة توهم قدرة حتى قال بذلك في لغة أهل الضلال ، فكأنه ظهر الحق فيهما بقدمه ، لكن لا يظهر بالقدم في شيء كما لا يظهر بالإلهية في مظهر ، فكأنهما ظهرا في الحق ، ( فكأنه قال له في جواب قوله :وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ،) .


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( قال ) : أعاده ليعده ( الذي يظهر فيه صور العالمين من علو ، وهو السماء ) سواء كان روحانيّا كالروح والغيب ، أو جسمانيّا كالعرش وسائر الأفلاك ، ( وسفل وهو الأرض ) سواء كان من العناصر والمولدات وما بينهم ، أي : بين العلو والسفل من النفوس الحيوانية والنباتية والمعدنية ، والقوى المدركة والمحركة فيها باقية النوع والذات في نظر أهل الظاهر ،
فينظر الحق بها من حيث ظهوره فيها ، لكنه يتم ظهوره بالقدم الذي هو أخص لكنة باعتبار ما يري فيه من الاستمرار ومدة مديدة ؛
فلذلك قال فيه :( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) أي : ناظرين بالكشف ؛ فإنه يظهر لكم فيها قدمه ، لكن في نظر أهل الظاهر منا هنا الظهور للسماوات والأرض وما بينهما في الحق ؛
فلذلك قال بعده : ( أو يظهر هو بها ) ، وذلك في الصور العنصرية من حيث الكون والفساد على ما بينا .


ولما كان الظهور هنا للحق لم يقل :"إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ" ،لكنه لما خفي بظهور حدوثها ،
قال له فرعون :" إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ" ،( فلما قال فرعون لأصحابه " إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ") ،لا بالمعنى المتعارف ، بل ( كما قلنا في معنى كونه مجنونا ) ، وهو أن الحق قد استتر فيها بظهور حدوثها ، وإن دل ظهور الحدوث فيها على أن لا وجود لها من نفسها دلالة واضحة .


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( زاد موسى في البيان ليعلم فرعون مرتبته في العلم الإلهيّ لعلمه بأنّ فرعون يعلم ذلك ؛ فقال :رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فجاء بما يظهر ويستتر وهو الظّاهر والباطن ، وما بينهما وهو قوله : "بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " [ البقرة : 29 ] ، "إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ" [ الشعراء : 28 ] أي إن كنتم أصحاب تقييد ؛ فإنّ العقل يقيّد ، فالجواب الأوّل جواب الموقنين وهم أهل الكشف والوجود ، فقال لهم :" إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ" [ الشعراء : 24 ] .
أي : أهل كشف ووجود ، فقد أعلمتكم بما تيقّنتموه في شهودكم ووجودكم ، فإن لم تكونوا من هذا الصّنف ، فقد أجبتكم في الجواب الثّاني إن كنتم أهل عقل وتقييد وحصرتم الحقّ فيما تعطيه أدلّة عقولكم فظهر موسى بالوجهين ليعلم فرعون فضله وصدقه ، وعلم موسى أنّ فرعون علم ذلك أو يعلم ذلك لكونه سأل عن الماهيّة ، فعلم أنّه ليس سؤاله على اصطلاح القدماء في السؤال بما ، فلذلك أجاب فلو علم منه غير ذلك لخطّأه في السّؤال ).


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( زاد موسى في البيان ) بأنه في صورة السماء والأرض وما بينهما ظهر بالقدم ، واستتر بظهور صورها فيه ، وفي صورة الآباء ظهر بصورته في العالم واستتر بظهور حدوثهم ، فقد اجتمع فيه الظهور والبطون ؛
( ليعلم فرعون مرتبته في العلم الإلهي ) ، وإنما قصد إعلام فرعون ذلك ؛ ( لعلمه بأن فرعون يعلم ) من المؤمنين باللّه ورسله أن الرسل يقولون ذلك ، وإن كان منكر لإلهية ما سواه فضلا عن إرساله رسولا ،


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فقال :رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ،فجاء ) بطريق الإشارة في المشرق ( بما يظهر ) ، وفي المغرب ( بما يستتر ) ؛ وذلك ليفهم منه أنه ( هو الظاهر والباطن ) من غير تقييد بأحدهما ، ولا بالجمع بينهما ، ولا بانزواء أحدهما عن الآخر ؛ وذلك لأنه أيضا ما بينهما هو العلم ، إذ لا يظهر في الحس ولا يبطن في العقل؛ فلذلك قال : وهو أي : قوله وَما بَيْنَهُما هو قوله : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ).
ثم أشار إلى أنه ، وإن نفي تقييده بشيء من ذلك ، فهو تقييد له بأنه لا يتقيد ،


فقال رضي الله عنه  : ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي : إن كنتم أصحاب تقييد ) تقيدونه بعدم التقييد بشيء من ذلك ، فإن العقل من حيث اشتقاقه من العقال تقييد ، فهو يشير إلى التقييد لا بطريق العبارة ، بل بطريق الإشارة ، وفي بعض النسخ : ( فإن العقل التقييد ) ، وإذا اعتبر بظهور صورة الحق في الخلق أو صورة الخلق في الحق في الجواب الأول ، والبطون بالذات ، والظهور بالذات في الجواب الثاني.


فقال رضي الله عنه  : ( فالجواب الأول ) الذي باعتبار الظهورين هو ( جواب الموقنين ) عين اليقين ؛ وذلك لأنهم ( هم أهل الكشف ) تنطبع في قلوبهم صورة الحق الوجودية المجردة عن الماهية ؛ ولذلك يقال لهم : أهل ( الوجود ) ، فتجعل تلك الصورة قلوبهم منورة تنوير صورة الشمس للمرآة ، فيكاشفون عن الحق ، ثم تنعكس صورهم في الحق ، فيشاهد كل من الحق والنفس في مرآة الآخر ، ( فقال لهم :إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ،أي : أهل كشف ) كوشفتم بصورة كل من الحق والنفس في مرآة الآخر ، وذلك عند كونكم أهل ( وجود ) مجرد عن الماهية 
 

فقال رضي الله عنه  : ( فقد أعلمتكم ) بقولي :رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا ، وبقولي :"رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ " إلا أنه خص ذكر الآيتين في القرآن بما اعتبر فيه ظهور صورة الخلق في الحق لسترها مرآة الحق ، ففيه وجه خفاء بخلاف ما اعتبر فيه ظهور صورة الحق في الخلق ، فالحق فيه واضح ( بما تيقنتموه في شهودكم ووجودكم ) ، فإن الحق وإن استتر في اعتبار ظهور صورة الخلق فيه ، فظهور صورة الخلقية إنما يكون بعد هذا الشهود والوجود .

فقال رضي الله عنه  : ( فإن لم تكونوا من هذا الصنف ، فقد أجبتكم في الجواب الثاني ) بما يدل على بطونه باعتبار ذاته المنزهة ، وعلى ظهوره باعتبار دلالة الأدلة عليه ( إن كنتم ) أصحاب ( عقل ) يدل على تنزهه في ذاته ، ( وتقييد ) تقيدون الحق بما دل العقل عليه من التنزيه ، ونحن نقول أيضا بتنزيهه على مقتضى العقل ، ولكن لا نحصره فيه ، إذ لا دلالة للعقل على هذا الحصر ، وأنتم

فقال رضي الله عنه  : ( حصرتم الحق فيما يعطيه أدلة عقولكم ) ، ونحن نقول لا دلالة للعقل على امتناع ظهور صورته في العالم ، وإن لم يكن له صورة في ذاته ، كما أنه لا لون لنور الشمس ، وتظهر له ألوان مختلفة عند نصب الزجاجات المختلفة الألوان ، وقد جاز ظهور الشيء بصورة غير صورته ، فكذا ظهور ما لا صورة له في ذاته بالصور المختلفة ؛ ولذا ورد في رؤيته يوم القيامة اختلاف الصور ،

فقال رضي الله عنه  : ( فظهر موسى ) في الجوابين ( بالوجهين ) وجه أهل الكشف جامعا لوجهي الظهور في الجوابين الأولين اللذين عدهما الشيخ - رحمه اللّه - وجها واحدا ، ووجه أهل العقل في الجواب الثاني فيما عده الشيخ ؛ ( ليعلم فرعون فضله ) بهذا الجمع ، ويعلم ( صدقه ) عند المؤمنين باللّه والرسل ، إذ لا يصدقون إلا من علموا كماله في العلم باللّه ، ولا كمال أتم منه . وإنما قصد موسى عليه السّلام إعلام فرعون بذلك ؛

لأنه ( علم موسى أن فرعون ) وإن لم يكن من أهل الكشف ولا يعتقد كلام أهل النظر ، لكنه ( علم ذلك ) في الماضي بالسماع من الفرقتين ، ( أو يعلم ذلك ) في المستقبل بالسؤال أو التأمل ، إذ له قوة ذلك ؛ ( لكونه سأل عن الماهية ) على طريقة أهل التحقيق العالمين بظهور كل من الحق والخلق في مرآة الآخر ، وإلا فلا تعرف ماهيته باعتبار ذاته ، إذ لا ماهية له واحد وحده .


فقال رضي الله عنه  : ( فعلم أن سؤاله ليس ) على طريق ( القدماء في السؤال بما ) فاتهم ، إنما يسألون بها عن الماهية المشتملة على الجنس والفصل ، ويسألون عن الفصل بأي شيء هو في ذاته ، وعن الخاصة بأي شيء هو في عرضه ، فعلم أنه سأل على طريقة المحققين من الأنبياء وأتباعهم ، وإن لم يكن على دينهم .


فقال رضي الله عنه  : ( فلذلك ) أي : فعلمه بأن سؤاله على طريقة التحقيق بما اطلع على قصده في سره ؛ وذلك لأنه ( لو علم ) موسى ( منه غير ذلك لخطأه في السؤال ) .

"" أضاف المحقق :
فإن تمكين المخطئ على الخطأ في قوة الخطأ حاشاه من ذلك فعلم من تمكين موسى له أن له علما بذلك . شرح الجامي ""
وبيّن له أنه لا يستحق الجواب ، ولما شكّ لم يأت بهذا الطريق الجامع ، ولما كان طريق موسى جامعا ، وابتداء بطريق الكشف علم فرعون رجحانه عنده .


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فلمّا جعل موسى المسؤول عنه عين العالم ، خاطبه فرعون بهذا اللسان والقوم لا يشعرون ؛ فقال له :لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ[ الشعراء:29] . والسّين في « السّجن » من حروف الزّوائد : أي لأسترنّك فإنّك أجبتني بما أيّدتني به أن أقول لك مثل هذا القول ، فإن قلت لي : فقد جهلت يا فرعون بوعيدك  إيّاي ، والعين واحدة ، فكيف فرقت ، فيقول فرعون : إنّما فرقت المراتب العين ما تفرّقت العين ولا انقسمت في ذاتها ، ومرتبتي الآن التّحكّم فيك يا موسى بالفعل ، وأنا أنت بالعين وغيرك بالرّتبة ).


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فلما جعل موسى ) في الجواب الأول ( المسؤول عنه ) وهو رب العالمين ( عين العالم ) ، إذ لا تتميز صورته الظاهرة في العالم ، ولا تتميز صورة العالم الظاهرة في الحق عن الحق ( خاطبه فرعون بهذا السؤال اللسان ) ، إذ توهم منه جواز إطلاق اسم الإلهية على صور العالم ؛ لأنها صور الحق كما توهم ذلك عامة أهل زماننا ، فكفروا الصوفية بذلك عن جهل ، إذ ليست تلك الصور صور الإلهية التي لا بدّ فيها من وجوب الوجود بالذات ، وإنما هي صور وجوده من حيث هو وجود ، ( والقوم لا تشعر ) بهذا القصد والتأويل ، وإلا بطلت دعواه بالربوبية الحقيقية عندهم ، لكن لا تناسب تلك الدعوى هذه المحلولة .


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فقال له : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) أي : إن لم تجعل الإلهية للصورة الظاهرة بمرآتي مع كمالها بما لها من التحكم التام والسيف العام ، بل جعلتها للشخص الذي ظهرت صورته بمرآتي لأجعلنك من المستورين ؛ لأن الصورة سترت عينك ، وليست بإله ولا خلق ، فكأنك في ظلمة العدم هذا التأويل ،
 

إنما يمكن بأن يقال : ( السين في السجن ) ، وإن لم تكن زائدة ، فهي ( من حروف الزوائد ) في الجملة ، فيمكن جعلها في لسان الإشارة بمنزلة العدم ، كأنه ما بقي منه إلا الجن ، وهو وإن كان غير مشدد إلا أنه يشبه في الخط المشدد ، فكأنه مشير إلى معناه ، ( أي : لأسترنك ) ، فهو المقصود في مخاطبة موسى ، وإن أظهر للقوم أنه قصد مدلول العبارة ، وهو الحبس في السجن ، وإذا سترتك ظهرت بدعوى الربوبية ،
( فإنك أجبتني بما أيدتني به ) ، إذ يتم الظهور بالتحكم التام ، والسيف العام في الكلب حتى في رسل اللّه المدعين كمال مظهريتهم حين سترتهم ، فصح لي ( أن أقول لك مثل هذا القول ) ؛ لأني إذا سترت مظاهره الكاملة المستحقة للرسالة كانت مظهريتي أكمل منها ، ولا أكمل من مظهر الرسالة سوى مظهر الإلهية .

ثم استشعرت حال فرعون سؤالا من لسان حال موسى ، فقالت حال فرعون : ( فإن قلت لي ) يا موسى : إن جعلت الإلهية بصور الحق كانت صور العالم كلها مستحقة للإلهية ، ( فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إياي ) بالحبس في الظاهر ، والستر في التأويل ، ولا فعل للصورة ، وإنما هو للعين ، والعين واحدة في جميع الصور ، ( فكيف فرقت ) بجعل بعض الصور إلها ، وبعضها غير إله حتى تكون الصورة التي لها الإلهية مؤثرة بحبس الصورة الأخرى ، أو ستر عينها بالكلية ؟


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فيقول فرعون ) بلسان الحال في الجواب : ( إنما فرقت مراتب العين ) ، فإنها تظهر في بعض المراتب بصورة الألوهية فتعبد وتؤثر ، وفي بعضها بصورة العبودية فتعبد وتتأثر ، وبهذه التفرقة في المراتب ما تفرقت العين بالإلهية والخلقية ، وإنما تتفرق.


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( لو انقسمت في ذاتها ) ، لكن باختلاف مراتب الظهور لا يلزم أنها انقسمت في ذاتها ، بل غايته الانقسام في التجليات ، فيتجلي في البعض بالمعبودية والتأثير ،
وفي البعض بالعابدية والتأثر ، فظن أن الإلهية هي المعبودية والتأثير ، وهما بالتحكم التام والسيف العام ، وليست بدون الوجوب الذاتي ؛


فلذلك قال رضي الله عنه : ( ومرتبتي الآن ) إشارة إلى أن الظهور بالإلهية لا يلزم استمراره من الأزل إلى الأبد في زعمه ( التحكم فيك يا موسى ) ، وإن زعمت أنك مظهر كامل بالرسالة التي لا تفوقها رتبة غير الإلهية ، فكيف سائر المظاهر ( بالفعل ) ، وهو التأثير المختص بالإلهية ، وإن كان ( أنا أنت بالعين ) ، ولكن لا يلزم عن ذلك الاتحاد في الربوبية والعبودية ، إذ أنا ( غيرك بالرتبة ) والإلهية والعبودية من المراتب ، فصح وعيدي إياك بهذا الاعتبار .

 
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فلمّا فهم ذلك موسى منه أعطاه حقّه في كونه يقول له : لا تقدر على ذلك ، والرّتبة تشهد له بالقدرة عليه وإظهار الأثر فيه ؛ لأنّ الحقّ في رتبة فرعون من الصّورة الظّاهرة ، لها التّحكّم على الرّتبة الّتي كان فيها ظهور موسى في ذلك المجلس ، فقال له يظهر له المانع من تعدّيه عليهأَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ[ الشعراء : 30 ] ، فلم يسع فرعون إلّا أن يقول له :فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ[ الشعراء : 31 ] حتّى لا يظهر فرعون عند الضّعفاء الرّأي من قومه بعدم الإنصاف فكانوا يرتابون فيه ، وهي الطّائفة الّتي استخفّها فرعون فأطاعوه إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ[ الأنبياء : 74 ] أي : خارجين عمّا تعطيه العقول الصّحيحة من إنكار ما ادّعاه فرعون باللّسان الظّاهر في العقل ، فإنّ له حدّا يقف عنده إذا جاوزه صاحب الكشف واليقين ).

 
( فلما فهم ذلك ) أي : كونه وعيد ، وبحسب مرتبته ( موسى ) فيه بلسان الحال ( أعطاه ) ، أي : أعطى موسى فرعون ( حقه ) من العجز الذي له ( في كونه ) ، أي : الوجود الحادث بحيث يمتنع تأثيره بالمانع منه بخلاف تأثير الحق ، إذ لا مانع له أصلا ، فكأنه ( يقول له ) بلسان الحال : ( لا تقدر على ذلك ) ؛ للعجز الكوني فيك المتأثر بالمانع ،


وإن كانت ( الرتبة ) التحكمية ( تشهد له بالقدرة عليه وإظهار الأثر فيه ) لا من جهة كونه ، بل من حيث ظهور الحق فيه ؛ ( لأن الحق ) الظاهر ( في رتبة فرعون من ) جهة ( الصورة الظاهرة ) في عينه الثابتة بحيث يكون ( لها التحكم على الرتبة التي ) فيها الحق بصورة موسى ، ولو في ( ذلك المجلس ) ، وكان لموسى التحكم عليه حين أغرق في البحر ، وفي القيمة وغير ذلك .


فاحتاج موسى إلى إظهار المانع من نفور قدرته فيه وتأثيره ، فقال له بلسان المقال حكي كونه ( يظهر له المانع من تعديه عليه ) ، وذلك من كمال ظهور الحق فيه باسمه الحفيظ والمبين يمنعانه من الستر والحبس ، بحيث إذا قصده فرعون بأحدهما ، أي : مقتضى ذاته من العجز ؛ فقال :( أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) [ الشعراء : 30 ] .


لما فيه من الصورة الكاملة الإلهية المانعة من تأثير الغير فيها ، فلا قدرة لفرعون في ستره ولا حبسه ، فلما علم فرعون أن لا قدرة له مع وجود المانع ، وأن السكون موجب لانقطاع حجته مع الخصم ، ( فلم يسع فرعون ) السكوت ، ولا إظهار القدرة ؛ لظهور عجزه بالكلية حينئذ ، فلم يسع له ( إلا أن يقول له :فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [ الأعراف : 16 ] ،

فأخذ يظهر الإنصاف معه ( حتى لا يظهر فرعون عند ضعفاء الرأي من قومه بعدم الإنصاف ) ، وإن كان غير منصف في دعوى الربوبية لنفسه ، وإنكار ربوبية اللّه تعالى ونبوة موسى ومعجزاته ، إذ لو ظهر لهم عدم إنصافه ، ( فكانوا يرتابون فيه ) بأن الإله لا بدّ وأن يكون منصفا عدلا ، فإذا لم ينصف فليس بإله مع أنهم لم يرتابوا عند عدم إنصافه فيما ذكرنا ، ومن هنا تبين أنها ( هي الطائفة التي استخفّها فرعون فأطاعوه ) .

 
ثم بيّن الاستحقاق بقوله :( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) [ النمل : 12 ] ، ولما لم يناسب المقصود الخروج عن طاعة اللّه بينه بقوله : ( أي : خارجين عما تعطيه العقول الصحيحة من إنكار ما ادعاه فرعون ) ، سيما إذا كان ( باللسان الظاهر ) بلا تأويل ، فإنه منكر ( في العقل ) ، أما إذا كان بلا تأويل فظاهر ، وأما إذا كان بالتأويل ؛ فلأن العقل لا يقول بظهوره في المظاهر ،

( فإن له حدّا ) من التنزيه ( يقف عنده ) لا يتجاوزه إلى التشبيه بالظهور في المظاهر ، ( إذا جاوزه صاحب الكشف ) الذي يراه في المظاهر ، ولا يمنعه العقل من ذلك وإن لم يدركه بنفسه ؛

"" أضاف المحقق :
تنزيه الكشف : هو المشاهد لحضرة إطلاق الذات المثبت للجمعية للحق ؛ فإن من شاهد إطلاق الذات صار التنزيه في نظره ، إنما هو إثبات جمعيته تعالى لكل شيء ، وإنه لا يصح التنزيه حقيقة لمن لم يشاهده تعالى كذلك . لطائف الإعلام . ""

ولكن لا يقول بالتأويل صاحب ( اليقين ) ، إذ لا ظهور للإلهية عنده ، وإنما يقول بالتأويل صاحب الغنى أو الغلبة ، فإنه يرى صورة وجود الحق صورة إلهية من الغلبة ، فيقول من الغلبة : « أنا الحق » ، لكن فرعون وقومه ليس من هذا القبيل .


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( ولهذا جاء موسى في الجواب بما يقبله الموقن والعاقل خاصّة ،فَأَلْقى عَصاهُوهي صورة ما عصا به فرعون موسى في إبائه عن إجابة دعوتهفَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ[ الشعراء : 32 ] أي : حيّة ظاهرة ، فانقلبت المعصية الّتي هي السّيّئة طاعة أي : حسنة كما قال :يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ[ الفرقان : 70 ] يعني في الحكم ، فظهر الحكم هاهنا عينا متميّزة في جوهر واحد ؛ فهي العصا وهي الحيّة والثّعبان الظّاهر ، فالتقم أمثاله من الحيّات من كونها حيّة والعصيّ من كونها عصا ؛ فظهرت حجّة موسى على حجج فرعون في صورة عصيّ وحيّات وحبال ، فكانت للسّحرة حبال ولم يكن لموسى حبل ، والحبل التّلّ الصّغير أي : مقاديرهم بالنّسبة إلى قدر موسى عند اللّه كنسبة التّلال الصّغيرة إلى الجبال الشّامخة ).


قال رضي الله عنه :  ( ولهذا ) أي : ولكون القول بإلهية غير أن اللّه لا يتأتى بطريق التأويل من صاحب العقل ، ولا من صاحب اليقين ، ولا يتجاوزهما فرعون وقومه ، بل هو من الجهّال المدعين بلسان الظاهر ، ( جاء موسى في الجواب بما يقبله الموقن ) القائل بظهور صورة وجود الحق لا صورة إلهيته التي توجب الوجود ، والعاقل القائل بالتنزيه المحض ، فأعمه دون [ . . . ] ؛ لئلا يدعي فرعون ذلك كاذبا كذبا صريحا .

ولما أظهر فرعون الإنصاف طلب المعجزة التي هي الشيء المبين من غير إنصاف في الواقع قال رضي الله عنه :  ( فَأَلْقى عَصاهُ) [ الشعراء : 32 ] ، وهي من حيث كونها آلة لضرب المستحق على المعصية ( صورة ما عصى به فرعون موسى ) ؛ ليدل على عدم إنصافه في التفاته عن ( إجابة دعوته ) إلى الإيمان باللّه ورسله ،" فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ" [ الشعراء:32].
وفي العيان حياة ليست في العصا مع أنها مفسرة بالحية المشعرة بالحياة ؛ فلذلك قال ( أي : حية ظاهرة ) ؛ ليشعر بأن في الانقلاب إلى إجابة موسى حياة من بعد الكفر والمعاصي ، وانقلابا لها إلى الطاعات، فكأنه لما انقلبت العصا حية، (فانقلبت المعصية التي هي السيئة طاعة حسنة).
وإنما وصف المعصية بالسيئة ، والطاعة بالحسنة ؛ ليتأتى له الاستدلال بالآية المشار إليها في قوله ( كما قال تعالى ) في حق التائبين: ( يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) [ الفرقان : 70].


ثم أشار على أن قلب العصا حية ، والسيئات حسنات ليس بطريق قلب الحقائق ، فإنه محال ، بل قال رضي الله عنه :  ( يعني في الحكم ) ، فكأنما حقيقة العصا باقية مع صورة الحية ، ( فظهر الحكم ) أي : حكم العصا مع حكم الحية ( هنا ) ، أي : في صورة الانقلاب بحيث يكون كل واحد منهما ( عينا متميزة ) عن عين الأخرى ، إذ الأحكام تابعة للحقائق ، فاختلفت الحقائق ، وتميزت ( في جوهر واحد ) ، فهذه الأحكام التابعة لهذه الحقائق المختلفة في هذا الجوهر لا ثبات لها حتى تكون الإلهية بها ، فلا عبرة بالمراتب ولا بالصور ،
قد غوى الإلهية بالمرتبة أو الصورة ليست غير الإنصاف ، كيف والإلهية لا تكون إلا محض إلهية ، وهاهنا لا تمحض ، إذ غايته الانقلاب ، ولا تمحض معه في صورة انقلاب العصا حية مع انخلاع الصورة الأولى ، فكيف بدونها ؟ !

 

قال رضي الله عنه :  ( فهي العصا ) من وجه ، ( وهي الحية ) من وجه ، وفيها اعتبار أن الحياة الحادثة كحياة من حيا باللّه بعد الحياة الحيوانية والثعبانية ، كما قال : ( والثعبان الظاهر ) بهذا الاعتبار يكون قائلا مفنيّا ، ( فالتقم أمثاله ) فيه إشارة إلى أن الجنسية سبب الضم ، والتأثير ( من الحيات من كونها حية ) ، والتقمت ( العصي من كونها عصي ) .
ولما كان الآكل ظاهرا باقيا ، والمأكول باطنا فانيا ، ( فظهرت ) أي : غلبت ( حجة موسى على حجج فرعون ) ، وإن كانت أكثر أفرادا وأنواعا ، والغلبة في النوع الموافق ظاهرة ، فجعلت الحبال حياة ؛ وذلك لأنه كانت حجج فرعون ( في صورة عصا ، وحيات ) انقلبت ، ( وحبال ) انقلبت حيات ، وهذا هو النوع الزائد من وجه ، ( فكانت للسحرة حبال ) ، وهي وإن كانت زائدة صورة ، إذ ( لم يكن لموسى حبل ) ، فهو دال على النقص فيهم ، والكمال في موسى إشارة ؛ وذلك لأن ( الحبل ) وإن أريد به الرسن قد جاء بمعنى ( التل الصغير ) ،
فهو إشارة إلى صغر مقدارهم ، وصغر مقدار التل إنما يعتبر بالنسبة إلى الجبال ، فهو بطريق الإشارة كما قال ، ( أي : مقاديرهم بالنسبة إلى قدر موسى ) ، بمنزلة الحبال التي هي ( التّلال الصّغار إلى الجبال الشّامخة ) .
.
يتبع 


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الأحد 22 مارس 2020 - 9:31 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الأحد 22 مارس 2020 - 3:59 من طرف عبدالله المسافر

25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية الجزء الخامس .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي 

كتاب خصوص النعم في شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين أحمد المهائمي   

الفص الموسوي على مدونة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم
الفصّ الموسوي
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية                      الجزء الخامس
قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فلمّا رأت السّحرة ذلك علموا رتبة موسى في العلم ، وأنّ الّذي رأوه ليس من مقدور البشر وإن كان من مقدور البشر فلا يكون إلّا ممّن له تميز في العلم المحقّق عن التّخيّل والإيهام ، فآمنوا بربّ العالمين ربّ موسى وهارون ،
أي : الرّبّ الّذي يدعو إليه موسى وهارون ، لعلمهم بأنّ القوم يعلمون أنّه ما دعا لفرعون ، ولمّا كان فرعون في منصب التّحكّم صاحب الوقت ، وأنّه الخليفة بالسّيف ، وإن جار في العرف النّاموسي لذلك قال :أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] ، أي : وإن كان الكلّ أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظّاهر من التّحكّم فيكم ).

قال رضي الله عنه :  ( فلما رأت السحرة ذلك ) أي : نقصهم في كمالهم ، وكمال موسى في نقصه ، إذ رأوا علو شأن حجج موسى في قلتها أفرادا وأنواعا ، ولا يعلو شأن الحجج إلا من علو شأن المحتج بها في العلم الذي أتى به منه ( علموا رتبة موسى في العلم ) ، وأنه انتهي من اتصاله بربه بحيث لا يصل إليه طوق الساحر ، ومن هنا علموا ( أن الذي رأوه ) من التقام عصاه عصيهم وحبالهم ( ليس من مقدور البشر ، وإن كان من مقدور البشر ) ،
كما تقول الفلاسفة :
" إن المعجزات آثار النفوس القدسية " ؛ ( فلا يكون إلا ممن له تميز في العلم المحقق عن التخيل والإيهام ) ، فإن غاية علم الساحر إن يعلم كيفية إخفائها حتى يتخيل الرأي ويتوهم أنها فنيت لا حقيقة الإفناء ، وإنما يكون لمن تحقق بعلم إفاضة الصور تكوينا وإفسادا ، وذلك إنما يكون للمتوسط بين اللّه وبين خلقه وهو الرسول ، فعلموا حقيقة رسالته ، وقبلوا دعوته ( فآمنوا برب العالمين ) .

ولما كان يتوهم أن المراد به فرعون ، أزالوه بقولهم رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) [ الشعراء : 48 ] ليس المراد الاسم الخاص بتربيتهما ؛ فلذا فسره بقوله : ( أي : الرب الذي يدعو إليه موسى وهارون ) ، وحينئذ يرتفع عندهم اللبس عن القوم بأنه ليس المراد به فرعون ، وإن جوز متوهم أن يقصدوا ذلك بناء على أنهم ربما ظنوا أن دعوة موسى إنما كانت لإلهية فرعون ؛


قال رضي الله عنه :  ( لعلمهم ) أي : السحرة ( بأن القوم يعلمون أنه ) ، أي : موسى وكذا هارون ( ما دعا لفرعون ) أي : بالإفراد بربوبيته للعالمين ، وإن كان له التحكم التام والسيف العام كما قال ، ( ولما كان فرعون في منصب التحكم ) جواب الشروط قوله :فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى[ النازعات : 24 ] ؛ وذلك لظنه أن الربوبية بهذا التحكم ، فإن صحّ فإنما يكون لمن كان تحكمه من الأزل إلى الأبد بالاستقلال ظاهرا وباطنا بلا احتياج إلى السيف ، وهو في هذا التحكم إنما كان ( صاحب الوقت ) الحاضر لا قبل ما وفي ولا بعد الموت ،


قال رضي الله عنه :  ( وإنه الخليفة ) ، بلا استقلال مع أن تحكمه إنما يكون ( بالسيف ) لا بأمر " كن "، فغايته أنه خليفة عن اللّه ، وإن جاز لجوازان يجوز الخليفة ، وإن كان المستخلف عدلا مع أنه إنما ( جار في العرف الناموسي ) ، أي : ظاهر الشرع ، وفي الباطن أفاد المظلوم بحسناته أو احتمال سيئاته ؛ ( لذلك ) أي : لظنه الربوبية بالتحكم كيف ما كان ، ( قال :أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) [ النازعات : 24 ] ، فجعل بعض الأرباب أعلى لعلوه في هذا التحكم ، وبعضهم أدنى لدنوه فيه ؛


ولذلك فسر كلامه بقوله : ( أي : وإن كان الكل أربابا ) ؛ لأن كل منهم وجها من التحكم ( بنسبة ما ) ، وأقله تحكم نفوسهم في تدبير أبدانها ، ( فأنا الأعلى منهم ) ؛ لعلو تحكمي وإن لم يكن من مقتضى ذاتي ، بل ( بما أعطيته في الظاهر ) ، وإن كان تصرف نفوسهم المتحكمة في الباطن ، بل أقدر على إزالة ذلك بالقتل .

قال الشيخ رضي الله عنه :  ( ولمّا علمت السّحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقرّوا له بذلك ؛ فقالوا له : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا [ طه : 72 ] فالدّولة لك ، فصحّ قوله :أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] ، وإن كان عين الحقّ فالصّورة لفرعون ، فقطّع الأيدي والأرجل وصلب بعين حقّ في صورة باطل لنيل مراتب لا تنال إلّا بذلك الفعل ؛ فإنّ الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأنّ الأعيان الثّابتة اقتضتها ؛ فلا تظهر في الوجود إلّا بصورة ما هي عليه في الثّبوت إذ لا تبديل لكلمات اللّه ، وليست كلمات اللّه سوى أعيان الموجودات ، فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها كما تقول حدث اليوم عندنا إنسان أو ضيف ولا يلزم من حدوثه أنّه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث ، ولذلك قال تعالى في كلامه العزيز أي : في إتيانه مع قدم كلامه :ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [ الأنبياء : 2 ] وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [ الشعراء : 5 ] ، والرّحمن لا يأتي إلّا بالرّحمة .
ومن أعرض عن الرّحمة استقبل العذاب الّذي هو عدم الرّحمة ) .

"" أضاف المحقق :
لما ذكر الحكم والأسرار التي تضمنتها الآيات الواردة في شأن موسى وفرعون أراد أن يبين أن مثل هذا الإيمان أي : إيمان فرعون وغيره من آمن عند اليأس من غير أن يقع في الغرغرة ، ويرى العذاب الآخر وبأسها نافعا في الآخرة وإن يكن نافعا في الدنيا .( شرح الجامي ).""

ثم أشار إلى غاية أثر هذه الربوبية فيما اعتبر رتبة السحرة عند تهديده إياهم لإيمانهم باللّه دون ربوبية فرعون ، فقال : ( ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله ) من التهديد بقوله :فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [ طه : 71 ] .

قال رضي الله عنه :  ( لم ينكروه ) لصدوره عن هذا التحكم ، ( وأقروا له بذلك ) التحكم وإن كان يظن به أنه الرب الأعلى ، فكأنهم صدقوه في أنه الرب الأعلى ، لو كانت الربوبية بهذا التحكم كما يصدق من قال له لو كان الإنسان حجر كان جمادا ، فإن المتصلة تصدق عند صدق الملازمة مع كذب الطرفين ، لكنهم ما صرحوا بهذا التصديق ، بل صرحوا بتصديق تهديده مع الإشارة إلى رد هذه الدعوى ، ( فقالوا له ) : إنما تقضي بهذا التحكم هذه الحياة الدنيا ، الحقيقة باقية من الأزل إلى الأبد ،( فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ) [ طه : 72 ]  .

وإن كانت الربوبية بالحقيقة لغيرك ، ( فالدولة لك ) اليوم في الظاهر بحيث لا يعارضك الرب الحقيقي ولا نفوسنا ، وإذا لم يعارض فعله عن هذا التحكم بشيء ، ( فصح ) عنده ( قوله :أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ،) إذ العلو في الربوبية عنده التأثير بها بلا معارض مع عموم السيف ، لا باعتبار ظهور الرب كما تعتقده جهّال الصوفية ، ولا ربوبية هذا الظهور مع أنه لا يعتقد ربّا آخر فضلا عن ظهوره ، وإن كان الظاهر فيه ( عين الحق ) إلا أنه بالظهور صار صورة حادثة بمرآة عينه الثابتة ، ولا صورة للحق في ذاته .


قال رضي الله عنه :  ( فالصورة لفرعون ) كما أنه لا لون للشمس مع أنها تتلون وراء الزجاجات المتلونة
والألوان للزجاجات ، لكن لا فعل لصورة بالمرآة بدون صاحبها ، فاجتمع في فعله جهتان ، ( فقطع الأيدي والأرجل ، وصلب ) في جذوع النخل ( بعين حق في صورة باطل ) ، حتى استحق الفاعل القهر والمفعول به درجة الشهادة ، كما قال ( لنيل ) السحرة ( مراتب ) في الآخرة ( لا تنال إلا بذلك الفعل ) الذي هو سبب نيلها ، ( فإن الأسباب ) وإن لم يحتج لها الحق ، ولم يفعل بها ( لا سبيل إلى تعطيلها ) لجريان سننه ألا نفعل المسببات إلا عند تحقق أسبابها ؛

قال رضي الله عنه :  ( لأن ) فعل الحق على وفق مقتضى ( أعيانها الثابتة ) بحسب سننه المستمرة ، وأعيان المسببات ( اقتضتها ) ، أي : الأسباب ، ( فلا تظهر ) أعيان الأسباب والمسببات ( في الوجود ) الخارجي ( إلا بصورة ما هي عليه ) من السببية والمسببية ( في ) حال ( الثبوت ) العلمي ، وإلا تبدلت كلمات اللّه وهو باطل ،

قال رضي الله عنه :  ( إذ لا تبديل لكلمات اللّه ) بالنص ؛ وذلك لأنه ( ليست كلمات اللّه ) عبارة عن الألفاظ المتقطعة المترتبة ، بل هي حقائق الألفاظ الشاملة حقائق الموجودات ، فليست ( سوى أعيان الموجودات ) ، لكن كل ما يكون وجوده عين ثبوته فهو الكلام الأزلي ، وإلا فهو العلم فقط ( فينسب إليه القدم ) الزماني ( من حيث ثبوته ) في العلم الأزلي الذي لا يكون محلا للحوادث ، ومن هنا يقال بقدم الكلام الأزلي من حيث وجوده ؛ لأن وجوده عين ثبوته .


قال رضي الله عنه :  ( وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها ) "و في نسخة : من حيث وجودها وظهورها " .
المغاير للوجود الخارجي والذهني للكلام الأزلي ، ويجوز أن يحدث للشيء وجود باعتبار مع تقدم وجوده في نفسه عليه ، فحدوث الظهور مع تقدم الوجود أولى ، وإن كان الظهور لبعض الأشياء عين وجوده في الخارج ،

قال رضي الله عنه :  ( كما يقال : حدوث اليوم عندنا إنسان ) ، ولما احتمل فيه الحدوث بالتولد في اليوم بما لا احتمال له فيه ، فقال : ( أو ضيف ) ، فإن طفل اليوم الأول من ولادته لا يسمي ضيفا ، ( ولا يلزم من حدوثه ) ، أي : حدوث وجوده عند القائل ( أنه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث ) ، فكيف يلزم ذلك قبل الظهور ؛

قال رضي الله عنه :  ( ولذلك ) أي : ولتحقق الحدوث في الكلام الأزلي باعتبار الظهور مع تقدم وجوده العيني ، ( قال تعالى في ) شأن ( كلامه العزيز ) باعتبار قيامه بذات اللّه تعالى الموجب لقدمه ما يدل على حدوثه باعتبار وظهوره ، ( أي : في إتيانه ) بصورة لفظية ، أو خطية ، أو ذهنية إلى خلقه (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ) عندهم مع قدمه في نفسه ( إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) [ الأنبياء : 2 ] .

وقال أيضا وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ ) [ الشعراء : 5 ] ، مع عدم كلامه المانع من الانتقال منه إليهم ، لكن لا منع للظهور الذي هو الإتيان إلى حدوث الظهور بعد ما لم يكن ظهوره عنه ( إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ) ،

وفيه إشارة إلى أن ( الرحمن لا يأتي ) في هذا الذكر ( إلا بالرحمة ) لمن أقبل إليه بالإيمان ، ومن أعرض عنه ، فقد أعرض عن الرحمة ، ( ومن أعرض عن الرحمة استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة ) ، فمقتضى هذا النص أن فرعون لما استقبل الرحمة بالإيمان أتته الرحمة من الرحمن بالنجاة كما أتت السحرة ، فصاروا في أعلى مراتب الشهداء .


قال الشيخ رضي الله عنه :  ( وأمّا قوله :فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِه ِ[ غافر: 85].  إلّا قوم يونس ، فلم يدلّ ذلك على أنّه لا ينفعهم في الآخرة بقوله في الاستثناء :إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [ يونس : 98 ] ، فأراد أنّ ذلك لا يدفع عنهم الأخذ في الدّنيا ،  فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه ،
هذا إن كان أمره أمر من تيقّن بالانتقال في تلك السّاعة ، وقرينة الحال تعطي أنّه ما كان على يقين من الانتقال أنّه عاين المؤمنين يمشون على الطّريق اليبس الّذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر ، فلم يتيقّن فرعون بالهلاك إذ آمن ،  
بخلاف المحتضر حتى لا يلحق به ، فآمن بالّذي آمنت به بنو إسرائيل على التّيقّن بالنّجاة ، فكان كما تيقّن لكن على غير الصّورة الّتي أراد ، فنجّاه اللّه من عذاب الآخرة في نفسه ، ونجّا بدنه كما قال تعالى :فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [ يونس :92 ] ، لأنّه لو غاب بصورته ربّما قال قومه احتجب ، فظهر بالصّورة المعهودة ميّتا ليعلم أنّه هو ؛ فقد عمته النّجاة حسّا ومعنى ).


ثم استشعر سؤالا بأنه إنما يكون مستقبلا للرحمة لو آمن قبل الناس ، لكن كان إيمانه عند البأس ، فلا تنفعه بالنص، فأجاب بقوله: ( وأما قوله :فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر : 85] ، فالمراد عدم نفعه في رفع ذلك البأس الدنيوي ،
وإنما لا ينفع الإيمان في الآخرة إذا آمن عند رؤية البأس الأخروي ، وعندما يجعله ضروريّا لا لبس فيه بوجه من الوجوه كأشراط الساعة
بدليل قوله تعالى بعده : ( سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ) [ غافر : 85 ] ، وعدم النفع الأخروي في الإيمان برؤية البأس الدنيوي لم تصر سنة خالية ، بل هي منتظرة في الاستقبال ، وبدليل قوله تعالى : " فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ " [ يونس : 98 ] ،

فإنه أفهم أن إيمانهم نفعهم في دفع البأس الدنيوي ، ولم ينفع غيرهم فيه، (فلم يدل ذلك على أنه) ، أي : إيمان سائر الطوائف عند البأس الدنيوي ( لا ينفعهم في الآخرة ) ، بل قد يفهم نفع الإيمان عند البأس الدنيوي فقط في الآخرة ؛ (لقوله في الاستثناء إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) [يونس : 98 ]

فإنه إذا حصل الممنوع النفع بالنسبة إلى الأقوام لقوم ، فغير الممنوع في حق ذلك القوم أولى ، وإذا كان في حقهم أولى ، ففي حق غيرهم ، وإن لم يكن أولى فلا أقل من الجواز ، فقوله : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ [ غافر : 85 ] ، وإن دلّ بظاهره على عدم نفعه مطلقا ،
أي : في الدنيا والآخرة ، ( فأراد ) تعالى من ذلك المطلق مع هذه القرائن ، ومع قوله عليه السّلام : « تقبل توبة العبد ما لم يغرغر » . ) رواه الترمذي والحاكم في المستدرك وابن حبان.

قال رضي الله عنه :  ( ذلك الإيمان لا يدفع عنهم الأخذ في الدنيا ) ، كإيمان الرقيق لا يوجب إعتاقه ، لكن أوجب نجاته في الآخرة ، واستدل العلماء على عدم نفع هذا الإيمان مطلقا بوجوه :
الأول : أنه ألجئ إلى الإيمان ، ولا قدرة له على التصرف في نفسه .
أجيب : بأنه إن أريد الإلجاء إلى التكلم بهذه العبارة الخاصة الطويلة فباطل ، ومنع التصرف في النفس بالتكلم بمثلها ، وتركه ممنوع وإن أريد الإلجاء إلى التصديق باللّه واليوم الآخر بحصول العلم الضروري به بحيث لا يمكن دفعه ممنوع ، بل غايته أنه كالعلم الحاصل بالمعجزات الباهرة ، وهو وإن أشبه العلم الضروري ، فلا يوجب الإلجاء إلى التصديق باللّه واليوم الآخر ، ولا يسلم أنه لا يمكن للعبد التصرف في نفسه بالانقياد وتركه ، وهذا بخلاف انكشاف أحوال الآخرة عند الموت وعند أشراط الساعة ، فإنها ترفع اللبس من كل وجه .

وهنا يبقي اللبس من الوجه الثاني : أن المقصود بهذا الإيمان دفع البلية ، أجيب بالمنع ، فإن غايته أن يكون كإسلام الكافر رجاء دفع مرضه ، وعند غرق السفينة ورجاء السلامة ، وكإسلام المرتد عند رؤية السيف ولو كان هذا منافيا لم يكن قبوله جائزا مع أنه واجب ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم لأسامة حين قتل من قال : لا إله إلا اللّه عند رؤية السيف : «هلا شققت عن قلبه».رواه مسلم والنسائي في السنن الكبرى والحاكم في المستدرك .
كيف ، وقد شرع إعطاء المال للمؤلفة الشرفاء رجاء إسلام نظرائهم ؟
وقد قالوا بأن نية التبرد لا تضر بالنية المعتبرة في الوضوء ، نعم لو آمن بلسانه دون قلبه في هذه الصور ؛ فليس ثم إيمان في الواقع أصلا .
 

الثالث : بأن عند البأس لا يمكن للعبد الاستدلال والثواب على الإيمان ، إنما هو في مقابلة ما يتحمله من المشقة في الاستدلال .
أجيب : بأن إيمان المقلد صحيح عند جميع الفقهاء وأكثر العلماء ، ومنعه جمع من
المتكلمين وهو المشهود عن الأشعري ، وحكي عن عبد القاهر البغدادي عن الأشعري أنه عاص بترك الاستدلال غير كافر ؛ لوجود التصديق وعاقبته ، الجنة فكأنه أراد أنه ليس مؤمنا كاملا كتارك الأعمال ، وحصر ثواب الإيمان في الاستدلال باطل قرب عمل خفيف أكثر ثوابا من العمل الثقيل ، كالإيمان والحج ثم المقلد من نشأ في البادية ، ولم يتفكر في العالم والصانع ، ولم تبلغه المعجزات ، ولا ينظر فيها ، بل أخبر بذلك فصدقه ، وأما من نشأ في بلاد المسلمين وسبح اللّه تعالى عند رؤية متابعة ، فخارج عن حد التقليد ،
وقول المعتزلة : لا يكون مؤمنا ما لم يعرف كل مسألة بحجة عقلية مع رفع الشبه بطلانه يكاد يلحق بالضروريات ، فإن أكثر أهل الإسلام قاصرون أو مقصرون في الاستدلال ، ولم تزل الصحابة ومن بعدهم يجرون عليهم أحكام المسلمين .



الرابع : عدم قبوله إيمان البأس ؛ لأن عذاب الدنيا مقدمة عذاب الآخرة ، إذ ينتقل منه إليه .
أجيب : بأنه لا يلزم أن تكون لمقدمة الشيء جميع أحكامه ، فإن القبلة من مقدمات الوطء ، وليس لها جميع الحكم ، بل تكون في حكمة في الحرمة ، وفيما نحن فيه يكون من أحكام البأس ألا يندفع بالإيمان لرؤية ، كما لا يندفع عذاب الآخرة بالإيمان لرؤيته ، إلا أن عذاب الآخرة لا يندفع بالإيمان لرؤية عذاب الدنيا إذا عرفت هذا ، فالمعتمد في عدم قبول توبة المختصر وإيمانه ما ذكره الإمام حجة الإسلام الغزالي في « الإحياء » في كتاب التوبة ، وكتاب الخوف والرجاء : أنه بمشاهدة ناصية ملك الموت ينكشف له ما في اللوح المحفوظ ، فتفسير العلوم للنظر بها ضروري ، ويدل عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه أبو أيوب : « إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » . أي : ما لم تتردد الروح في حلقه .

وعن الحسن : « إن إبليس قال : حين أهبط إلى الأرض ، وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده ، فقال : وعزتي ولا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر » . ، انتهي كلامه .رواه ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في « شعب الإيمان
لا يقال : فرعون كوشف له عن جبريل ، إذ هو القائل له : آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [ يونس : 91 ] .
قلنا : يحتمل أنه كوشف له في صورة البشر ، وهو لا يمنع قبول التوبة ، ويحتمل أنه كوشف له بعد الفراغ من هذه الكلمة ، ثم حكمت أشراط الساعة حكم كشف أحوال الآخرة ، أو العلم بالساعة يصير ضروريّا عند رؤيتها .

 
قال رضي الله عنه :  ( فلذلك ) أي : فلعدم دفع الإيمان عند البأس الدنيوي إياه ( أخذ فرعون ) أي : تم أخذه الدنيوي ( مع وجود الإيمان منه ) ، لا لما قبل أنه لم يحتمل له الإيمان لوجوه :
الأول : أنه كان دهريّا لقوله :ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] وأَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى[ النازعات : 24 ] ، فمثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية ، وهو إنما هو ظلمة ، وهو لم يقل آمنت باللّه ،
وإنما قال :آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ[ يونس : 90 ] ،فكأنه اعترف أنه لا يعرف اللّه إلا أنه سمع بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده .

أجيب : بأن العلماء لم يفرقوا بين الدهري وغيره إذا آمن بالتقليد ، بل نقل الحليمي إجماعهم على قبول إيمانه بإقراره ، وتصديقه لمجرد وجود الصانع ، ونقله إمام الحرمين عن الأكثر ، وصححه البغوي ،
ولا يسلم أن ظلمة هذا الاعتقاد لا تزول إلا بنور الحجة القطعية ، بل نور الكلمة ماحية لكل ظلمة كشفت أو لطفت ، ثم إنه ليس كل تقليد موجب ظلمة ، وإنما هو التقليد على الباطل ، وإلا لم يجب على العامة تقليد المجتهدين ، بل غايته فقد نور الدليل ،
ثم إنه ليس هاهنا ثمة ظلمة التقليد إلى ظلمة إنكار الصانع ، إذ هذا التقليد في الإقرار بالصانع ، وهو ينقص إنكاره ، فغاية أحد ظلمة حقيقية مكان ظلمة كشفية بها نور كلمة التوحيد التي لا يبقي معها ظلمة أصلا ،
وقولك : كافر اعترف أنه لا يعرف اللّه ، وإنما سمع بني إسرائيل أقروا بوجوده بخلاف الظاهر ؛ فإنه قد عرف هو وقومه صحة دلالة المعجزات ، فقد قال موسى عليه السّلام في حقه :لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ[ الإسراء : 112 ] .

وقال تعالى في حقهم : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ[ النمل : 14 ] .

الثاني : أن بني إسرائيل لما جاوزوا البحر قالوا :اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ[ الأعراف : 138 ] ، واشتغلوا بعبادة العجل ، فانصرف قول فرعون : إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل إلى ذلك ، وكان ذلك سببا لزيادة كفره .
أجيب : بأن ذلك إنما كان بعد هلاك فرعون ، ولا شعور له بذلك ، وقد علم أنهم آمنوا برب السماوات والأرض ، فكيف ينصرف إلى ذلك ؟ !

الثالث : أن أكثر اليهود مالوا إلى التجسيم والتشبيه ؛ ولذلك اشتغلوا بعبادة العجل ، وكان إيمانه بآلهتهم إيمانا بالإله الموصوف بالجسمية .
قلنا : إنما مال إلى التجسيم مبتدعهم بعد موسى كمبتدعة هذه الأمة ، أو بعد غيبته بإغواء السامري، وإلا كانت نجاتهم من الغرق بسبب إيمانهم باللّه ، وهو إنما قصد ذلك الإيمان المنجي.

الرابع : الإيمان إنما يتم بالإفراد بالنبوة ، والملائكة والكتب واليوم الآخر ، واحتمال أنه كان شرطا في ذلك الزمان دون هذا الزمان بخلاف الأصل ، فلا يصار إليه إلا بدليل .
أجيب : بأن إيمان المشترك والدهري يتم بشهادة التوحيد على ما صححه البغوي ، ونقله إمام الحرمين عن الأكثر ، ونقل الحليمي الإجماع عليه على أن قوله :وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ[ يونس : 90 ] يشمل الإيمان بالكل .

الخامس : أن جبريل جعل في فيه محل خشية أن تدركه الرحمة ، فكان ذلك قبل تمام الإيمان .
أجيب : بأن ظاهر النفي يدل على أنه تم إيمانه ، وجبريل لا يرضى بالكفر إذ هو كفر ، وإنما خشي من رحمة النجاة عن الغرق ؛ لئلا يتغير عن هذا الإيمان بعده .

قال رضي الله عنه :  ( هذا ) أي : القول بأن إيمان فرعون عند الغرق إيمان عند رؤية البأس ، إنما يكون من ( كان أمره أمر من تيقن بالانتقال في تلك الساعة ) ، والبأس إنما يكون بأسا عند تيقن الانتقال به ، وإلا كان كالمرض والغرق من حيث هو غرق لا يوجب التيقن بالانتقال ، ( وقرينة الحال تعطي أنه ما كان على يقين من الانتقال ) لو كان الغرق موجبا للانتقال لا محالة بحسب العادة لا من ( عاين المؤمنين ) على خلاف العادة ،

قال رضي الله عنه :  ( يمشون في الطريق اليابس ) وإن لم تكن كرامة لهم ، بل لمعجزة لموسى عليه السّلام ؛ لأنه ( الذي ظهر يضرب موسى بعصاه البحر ) لنجاة المؤمنين ، وفرعون قد صار منهم فرجا أن يعود أثر المعجزة في حقه ، ( فلم يتقين فرعون ) من هذا الرجاء ( الهلاك ، إذ آمن ) ، وإن تيقن به بعده ، فلم يكن مأواه باستثنائه ثبوتا في حقه وقت إيمانه ( بخلاف المحتضر ) إذا قلنا : لا يقبل إيمانه عند تيقنه الهلاك ، وإن لم يكاشف بأمور الآخرة ( حتى لا يلحق فرعون به ) أي : بالمحتضر لا في تيقن الهلاك ، ولا في كشف أمور الآخرة ، بل تيقن النجاة بالإيمان لمعاينتها في بني إسرائيل .


قال رضي الله عنه :  ( فآمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل على التيقن بالنجاة ) ؛ لأنه آمن مثل إيمانهم ، فتيقن أنه ينجو مثل نجاتهم إذ لا سبب لنجاتهم سوى ذلك ، واللّه عند ظن عبده به ، ( فكان ) في أمر النجاة ( كما تيقن ) ، ( لكن ) حصلت له النجاة ( على غير الصورة التي أراد ) ، وهي النجاة من الغرق ، لكنها ربما لا تكون نجاة في نفس الأمر ، أو ربما يتغير بعدها إلى ما كان عليه قبلها ،

قال رضي الله عنه :  ( فنجاه اللّه من عذاب الآخرة في حق نفسه ) ، أي : روحه المشار إليها بكاف الخطاب فينُنَجِّيكَ[ يونس : 92 ] ، وإن عذب بحقوق الخلق من إضلال قوم غير محصورين ، واسترقاق بني إسرائيل ، وقتل أولادهم ، (ونجّا بدنه ) عن الهلاك في البحر فألقاه إلى الساحل ، ( كما قال تعالى :فَالْيَوْمَ) بالفاء الدالة على الترتيب ( نُنَجِّيكَ ) أيتها

الروح ( بِبَدَنِكَ ) أي : مع بدنك ( لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ) ،أما في نجاة الروح فما مر ألا ييأس أحد من روح اللّه ، وأما في نجاة البدن فذلك ؛ ( لأنه لو ) هلك في البحر ( غاب بصورته ) عن النظر ، ولو غاب بصورته ( ربما قال قومه ) من بقي منهم ممن يعتقد إلهيته ( احتجب ) كما يقول المؤمنين في اللّه : إنه محتجب .

قال رضي الله عنه :  ( فظهر بالصورة المعهودة ) قبل التغير ( ميتا ؛ ليعلم أنه هو ) ، إذ لو ظهر حيّا ، لربما قيل : إنه حي لا يموت ، وكذا لو تغير لقيل أنه غيره ، وهو قد ارتفع إلى السماء ( فعمته النجاة حسّا ) من حيث عدم هلاك صورة بدنه قبل الإلقاء إلى الساحل وإن ملك بعده ، وصار ميتا قبله ، ( ومعني ) من حيث نجاة روحه عن عذاب الكفر ، وإن عذب بحقوق الخلق .

قال الشيخ رضي الله عنه :  ( ومن حقّت عليه كلمة العذاب الأخراوي لا يؤمن ولو جاءته كلّ آية حتّى يروا العذاب الأليم ، أي : يذوقوا العذاب الأخروي ، فخرج فرعون من هذا الصّنف ، هذا هو الظّاهر الّذي ورد به القرآن ، ثمّ إنّا نقول بعد ذلك والأمر فيه إلى اللّه ، لما استقرّ في نفوس عامّة الخلق من شقائه ، وما لهم نصّ في ذلك يستندون إليه ، وأمّا آله فلهم حكم آخر ليس هذا موضعه ، ثمّ ليعلم أنّه لا يقبض اللّه أحدا إلّا وهو مؤمن أي مصدّق بما جاءت به الأخبار الإلهيّة ، وأعني من المختضرين ، ولهذا يكره موت الفجأة وقتل الغفلة).

ثم أشار إلى أنه لو كان مأخوذا في الآخرة بكفره لم يكن ليؤمن عند الغرق ؛ لقوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 96 ، 97 ] .

ووجه الاستدلال أنه علم بالنص أن ( من حقت عليه كلمة العذاب الأخروي ) ، فإنه المراد بكلمة ربك لأن المفسرين فسروها بقوله : هؤلاء في النار ولا أبالي ( لا يؤمن ) قبيل الموت ، وإن كان يؤمن في الحياة ( ولو جاءته كل آية ) في ذلك الوقت أو قبله ، والبأس الدنيوي من جملة الآيات ( حتى يروه العذاب الأليم ) ، فليس المراد أي عذاب كان ، فإن المحتضر لا يخلو من عذاب المرض في الجملة ، ولا نفس الرواية لذلك العذاب الأخروي بمعنى [ . . . ] به عن تلك الآيات ، بل المراد ( أي : ذوقوا العذاب الأخروي) ، وفرعون آمن قبيل الموت قبل ذوق العذاب الأخروي ، ( فخرج فرعون من هذا الصنف) .

ثم أشار إلى أن ذلك ليس مما يجب الاعتقاد به ، بل ( هذا هو الظاهر الذي ورد به القرآن )  أورد أنه ينجي روحه وبدنه ، وورد أنه آمن قبيل الموت ، ومن حقت عليه كلمة العذاب لا يؤمن حينئذ ورده كونه آية في نجاة روحه وبدنه ، والتأويلات التي ذكرها الجمهور خلاف الظاهر .

قال رضي الله عنه :  ( ثم إنا نقول بعد ذلك ) أي : بعد التعرض لما يدل عليه ظاهر القرآن ( والأمر فيه إلى اللّه ) ؛ لعدم الدليل القاطع على قبول إيمانه ، ولا على عدم قبوله ( لما استقر في نفوس العامة من شقائه ) من كفره وعلوه أيام جنونه ، وقد أخذ على ذلك وكره اللّه تعالى ذكره تقرر عندهم أن إيمانه غير مقبول في حق الآخرة أيضا ،


كما لا يقبل في حق الدنيا مع أن المؤاخذة الدنيوية لا تستلزم المؤاخذة الأخروية لو تخلل الإيمان بينهما قبل كشف الحجب عن أحوال الآخرة ، كما في صورة استرقاق الكافر إذا آمن بعد ذلك ، ولو قبيل الموت قبل انكشاف أحوال الآخرة ( وما لهم نص في ذلك يستندون إليه ) ؛ لأن النصوص الواردة في شأنه إما أن تدل على كفره وطغيانه قبل هذا الإيمان ، فهي لا تدل على عدم قبول إيمانه الثابت بالنص أيضا ، ولا شكّ أنه لو آمن قبل دخول البحر بعد انغلاقه لقبل إيمانه اتفاقا ، وليس الغرق فيه أجل دلالة منه .


وإما أن تدل على مؤاخذته على الكفر السابق في الدنيا ، ولا دلالة لها على المؤاخذة الأخروية على ذلك الكفر إذا تخلل بينهما الإيمان قبل كشف الحجب عن أحوال الآخرة ، فاسترقاق الكافر مؤاخذة دنيوية ، والإسلام بعدها لا يدفع تلك المؤاخذة فلا يعتق بمجرد الإيمان ، لكن لا يؤاخذ بذلك الكفر في الآخرة حينئذ .

وإما أن تدل على مؤاخذته في الآخرة على حقوق الخلق من إضلال قوم غير محصورين ، واستعباد بني إسرائيل وهم أولاد الأنبياء ظلما وقتلا لأولادهم ، وهذه الحقوق مما لا يعفى منها بالإيمان أو على عذابه في الآخرة مطلقا من غير أن يشير إلى كونه على كفره ، ولا إلى خلوده ، ولا إلى عدم قبول إيمانه ،

فالشيخ إنما أورد هذا ؛ للإشارة إلى أن النصوص ساكتة عن ذلك لا كما يتوهم العامة من دلالتها على عدم قبول إيمانه .
وقد ذكرنا ما يجب اعتقاده في هذه المسألة فيما تقدم ، ولتذكر أدلة الجمهور مع ما أجيب به عنها ، وهي وجوه :
الأول : أنه تعالى ما يقص في كتابه العزيز قصة كافر باسمه الخاص أعظم من قصته ، ولا ذكر من أحد من الكفر والطغيان مثل ما ذكرهما منه ، ولا كرر مثل ما كرره .
أجيب : بأن الكناية أبلغ من التصريح ، قلنا : صرح باسم قبلة إبراهيم ، وكني عن حب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] ،
فكذا صرح باسم فرعون ، وأخفي اسم قابيل مع أنه أشد عذابا منه ، ولعل عاقر ناقة صالح لا يكون أقل عذابا منه ، وقد قال تعالى في حقه :إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها[ الشمس : 12 ] ،

وكذا نمرود ، ثم ذكر اسمه الخاص لإحضاره بعينه من جملة من بعث إليه موسى من رؤساء الكفرة ، وهم فرعون وقارون وهامان ، فصرح بأسماء كلهم بخلاف من بعث إلى رئيس معين كنمرود وإلى طائفة عظيمة كقوم نوح ، وإنما جعل قصته أعظم القصص ؛
لأن غاية كفره وطغيانه كان عن غاية قوته ، فمن ذلك أخذ بأسهل الطرق وهو الغرق ، وورث ملكه أعداءه الذين كان يستضعفهم غاية الاستضعاف ، وذكر أنه أخذ مع إيمانه في الدنيا على جرائمه السابقة ، وكان كتمانه سبب نجاته في الآخرة ، كما أشار إليه بقوله :فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ،ومع ذلك يؤاخذ بحقوق الخلق .

ففي قصته أعظم وجوه التخويف مع أعظم وجوه التوجيه ، كما قال :لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ[ يونس : 92 ] ، فذكر جنايته كذكر من قتل مائة نفس ، ثم جعله اللّه من أهل النجاة. رواه مسلم  وأحمد في المسند .
.
يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الأحد 22 مارس 2020 - 9:32 عدل 1 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الأحد 22 مارس 2020 - 4:10 من طرف عبدالله المسافر

25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية الجزء السادسة .كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي 

كتاب خصوص النعم في شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين أحمد المهائمي   

الفص الموسوي على مدونة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم
الفصّ الموسوي
25 - فص حكمة علوية في كلمة موسوية                      الجزء السادسة
الثاني : قوله تعالى :يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ[ هود : 98 ، 99 ] .
وقوله تعالى :فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ[ القصص : 40 - 42 ] .
أجيب : بأن تقدمه قومه لإيرادهم النار لإضلالهم ، ووروده قبلهم لذلك ؛ وربما يشير اعتبار دخوله بهذا السبب مع أن الكفر أعظم سببا منه إلى أن دخوله ليس لكفره ، واللعنة قد وردت في حق القاتل ، والإضلال أشد من القتل ، فإنه إهلاك أبدي ، وقد قتل أولاد بني إسرائيل أيضا على أن اللعنة نكرة ، والتنكير للتنويع ، والظلم أعم من الكفر ،
فإن سلم فهي تدل على مؤاخذته بالكفر السابق في الدنيا ، ولا دلالة له على المؤاخذة الأخروية أن المراد به الكافرون به بعد تخلل الإيمان بينهما كما في صورة كافر استرق فآمن ، وكونهم أئمة يدعون إلى النار ؛ لأنهم سنوا سننا قبيحة ، والقبح أعم من أن يكون بالكفر أو سائر المعاصي ، وليس لكل واحد منهم على السوية ؛ لتفاوت درجاتهم .

الثالث : قوله تعالى :" كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ( 12 ) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ ( 13 ) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ  [ ص : 12 ، 13 ، 14 ] .
وقوله تعالى :" كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ( 12 ) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ ( 13 ) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ( 14 )[ ق : 12 - 14 ] .

أجيب : بأن المراد المؤاخذة الدنيوية ؛ لأن المراد يحق أن الماضي وهو الحقيقة ، أو المستقبل وهو المجاز ، والحمل على الحقيقة هو الأصل ، وإن جاز الحمل على الجمع بينهما عند بعضهم ، فليس بواجب ولا أول من الحمل على الحقيقة ، مع أن بعضهم أول فرعون في الآية الأولى بقومه بدليل قوله :أُولئِكَ الْأَحْزابُ[ ص : 13 ] ،
وإنما تثبت المؤاخذة الأخروية في حق من تثبت له بدليل آخر ، وإلا فإنه دلالة للمؤاخذة الدنيوية على الأخروية مع تخلل الإيمان بينهما .


الرابع : قوله تعالى : فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى[ النازعات : 25 ] .
أجيب : بأنه إن أريد بالآخرة أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] ، وبالأولى ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي[ القصص :38] ، فهذه مؤاخذة دنيوية على كفره السابق ، وإن أريد بالآخرة القيامة ، وبالأولى الدنيا ، فنكال الآخرة جزاؤه على إضلاله ، واستعباده بني إسرائيل ، وقتله أولادهم لا يقال على الوجه الأخير .
إذا كان نكال القيامة لقوله :أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى دل ذلك على أن مؤاخذته الأخروية لكفره ؛ لأنا نقول لا دلالة للنص على أن نكاله في الآخرة لقوله :أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ،
بل إن مجموع نكال الدنيا ونكال الآخرة كان لمجموع النداء بعد الحشر ، وقوله :أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلىفيه إضلال ، ويجوز أن تتوزع أجزاء الجزاء على أجزاء الفعل بأن يكون نكال الآخرة للإضلال المفهوم من النداء 
 
الخامس : قوله تعالى :وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 88 ) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما[ يونس :  88 – 89 ].


أجيب : بأن قوله :فَلا يُؤْمِنُواإن كان عطفا علىلِيُضِلُّوالم يدخل تحت الدعوى المستجابة ، وإن كان جواب الأمر مع أنه لا يصلح أن يكون جوابا للمعطوف عليه ، فالمراد بالعذاب الأليم : الغرق ؛ لأنه إن أريد عذاب الآخرة كان رضا بموته على الكفر وهو كفر ،


والقول بأن الدعاء به ليس بكفر مع أن الرضا به كفر باطل ؛ لاستلزامه الرضاء به مع أنه أتم في الرضاء ، وقول القائل لمن يريد الإسلام في الحال ائتني هذا وقد كفروه ، وكأنه دعا عليهم أن يؤخذوا على الكفر السابق في الدنيا من غير تعريض لبقائه أو عدم بقائه على الكفر إلى انكشاف أحوال الآخرة .

السادس : قوله تعالى :آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ[ يونس  :91].
لامه على الإيمان حين المؤاخذة ، ولا يلام الشخص على الأمر المقبول منه .

أجيب : بأنه لامه على قصد النجاة من الغرق بهذا الإيمان ، فبيّن اللّه أنه لا ينفع في المؤاخذة على المعاصي الماضية كما قال :وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ .ثم أشار إلى نفعه بالنسبة إلى ما بعده ، فأتى بإلقاء الدالة على السببية في قوله :فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَأي : ننجي روحك ببدنك ، أي : مع بدنك ، إذ الإيمان لا يخلو من نفع ، وقد امتنع النفع الدنيوي ، فلابدّ من النفع الأخروي إذا وقع قبل الانكشاف عن أحوال الآخرة .

السابع : روى الإمام أحمد بن حنبل ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " أنه ذكر الصلاة يوما ، فقال : من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة ، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة ، وحشر مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف " . رواه أحمد في المسند والدارمي .

أجيب : بأنه لا معية في عذاب الكفر ؛ لأن تارك الصلاة مؤمن عندنا ، فالمعية في العذاب على سائر المعاصي التي تنهي عنها الصلاة ، فمن تركها فكأنما ارتكبها جميعا ، وعذاب من عذب منهم على الكفر ليس من هذا النص .

 
الثامن : علم بالضرورة من الملك أنه أكفر الخلق ، وانعقد عليه الإجماع .
أجيب : بأنه إن أريد قبل التكلم بكلمة الإسلام عند الغرق ، فلا نزاع فيه بل لعله لم يسبقه سابق ، ولا يلحقه لاحق إن أريد معه أو بعده ، فلا يتصور أصلا فضلا عن الضرورة ، واستقراره في أذهان العامة وأقوالهم لا تجعله من ضروريات الدين كما أنه استقر في القرآن أنه ليس وراء هذه الألفاظ والأشكال مع أنه ليس شيئا منها ، بل هما وجودان زائدان على وجوده العيني ولا نسلم الإجماع على أنه لا يسمي مؤمنا ،
فإن الإمام حافظ الدين النسفي نقل في شرح عقيدته عن الإمام أبي حنيفة أنه قال : لا يدخل النار إلا مؤمن ، فقيل له : كيف ذلك ؟ ،

فقال : أنهم حين يدخلون النار لا يكونون إلا مؤمنين ، وإبليس كان قبل الأمر بالسجود مؤمنا ، غايتهم أنهم لا يقبل إيمانهم ولا ينفع ؛ لكونه عند رؤية أحوال الآخرة ، وإن أريد الإجماع على عدم قبوله ، فلابدّ له من نقل ، وغايته أن الأكثر لم ينقل فيه الخلاف ،
وقد رأيت في بعض الرسائل ينقل عن بعض المفسرين الخلاف في قبول إيمانه ، وكذا عن شعب الإيمان للبيهقي عن جماعة من العلماء .


العاشر : قوله تعالى :أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ[ غافر : 46 ] يدخل فيه فرعون دخول إبراهيم والناس وأبي أو في قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ[ آل عمران :33].  
وقوله تعالى : سَلامٌ عَلى إِل ‌ْياسِينَ[ الصافات : 130 ] .
وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم صلي على آل أبي » رواه البخاري وابن خزيمة  و رواه مسلم . و ابي داود وابن ماجة والنسائي وأحمد وغيرهم.
أو في حين جاءه أبو أوفى بالصدفة امتثالا لقوله تعالى :وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ[ التوبة : 13 ] .

أجيب : بأن دخول الشخص في آله من صريح المحال ، لكنه قد يذكر آل الشخص ، ويراد به نفسه مجازا بالزيادة ، وقد يقصد به أهله وعياله وأتباعه وهو الحقيقة ، والجمع بين الحقيقة والمجاز ليس مذهب الجمهور ، ومن قال به لا يوجبه ، ولا يرجحه على إرادة الحقيقة وحدها ، واصطفينا إبراهيم لا يفهم من قوله :وَآلَ إِبْراهِيمَ[ آل عمران : 33 ] ،
بل من قوله : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ[ البقرة : 130 ] ، والمفهوم منه اصطفاه إسماعيل وإسحاق ويعقوب ، ويوسف وموسى وهارون ، وغيرهم من أنبياء ذريته صلوات اللّه عليهم أجمعين ، والمراد بآل ياسين هو إلياس وحده على المجاز ، وكذا أبو أوفى من آل أبي أوفى ، وليس المراد بآل فرعون نفس فرعون ، وإلا لم يصح قوله :أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ[ غافر : 46 ] بصيغة الجمع .


ولعل الشيخ أشار إلى رفع هذا الاستدلال بقوله : ( وأما آله فلهم حكم آخر ) ؛ لأنهم إن قالوا : هو الإله دون اللّه فهم جاحدون ،
وإن قالوا : هو إله مع اللّه ، فهم مشركون ، وكذلك قالوا : هو إله بظهور الإله فيه ،
ثم قال ( ليس هذا موضعه ) ، بل موضعه ما فهم في فص نوح ، وفص لقمان ، وفص هارون وغيرهما .
ثم أشار إلى أن الإيمان في الدنيا لا يخلو من فائدة ، ولو بعد كشف أحوال الآخرة وإن لم يفيد الخروج عن النار ،

فقال رضي الله عنه  : ( ثم ) أي : بعد أن علمت أن إيمان البأس لا يدفع البأس الدنيوي عند رؤيته والأخروي عند رؤيته ؛ ( لتعلم أنه ما يقبض اللّه أحدا إلا وهو مؤمن ) عند قبضه ، فتبقي روحه متصفة بصفة الإيمان ، وإن لم يكن في حكم المؤمنين في النجاة عن الخلود في النار ؛ ولذلك يصدق عليه اسم الكافر ، لكنه مؤمن ، ( أي : مصدق بما جاءت به الأخبار الإلهية ) في الكتاب والسنة ، وهي حقيقة الإيمان وإنا نخلف عنها الحكم ؛ لنخلعه عن وقت التكليف به ؛ لأنه لا تكليف بشيء بعد صيرورته ضروريّا بلا ليس عند انكشاف اللوح المحفوظ بانكشاف ناصية ملك الموت ، لكنه لا يكون في الميت فجأة والمقتول غفلة ؛

ولذلك قال : ( وأعني ) بقولي أحدا كافرا ( من المحتضرين ) ، إذ لا كشف عن أحوال الآخرة ، ولا إمكان للإيمان والتوبة عند القبض لغيره ؛ ( ولهذا يكره موت الفجأة ، وقتل الغفلة ) في الكافر والفاسق ، إذ يفوت بهما الإيمان والتوبة من كل وجه ، فلا يحصل التخفيف بهما ، وإن كانا لا يفيدان النجاة بعد كشف أحوال الآخرة في حق المحتضر .

قال الشيخ رضي الله عنه :  ( فأمّا موت الفجأة فحدّه أن يخرج النّفس الداخل ولا يدخل النّفس الخارج ، فهذا موت الفجأة ، وهذا غير المحتضر ، وكذلك قتل الغفلة بضرب عنقه من ورائه وهو لا يشعر ، فيقبض على ما كان عليه من إيمان وكفر ، ولذلك قال عليه السّلام : « ويحشر على ما عليه مات ») . رواه مسلم وابن حبان .
(كما أنّه يقبض على ما كان عليه ، والمحتضر ما يكون إلّا صاحب شهود ، فهو صاحب إيمان بما ثمّ فلا يقبض إلّا على ما كان عليه ، لأنّ « كان » حرف وجوديّ لا ينجرّ معه الزّمان إلّا بقرائن الأحوال ؛ فيفرق بين الكافر المحتضر في الموت وبين الكافر المقتول غفلة أو الميّت فجأة كما قلنا في حدّ الفجأة .
وأمّا حكمة التّجلّي والكلام في صورة النّار ، فلأنّها كانت بغية موسى عليه السّلام ، فتجلّى له في مطلوبه ليقبل عليه ولا يعرض عنه ؛ فإنّه لو تجلّى له في غير صورة مطلوبه أعرض عنه لاجتماع همّه على مطلوب خاصّ ، ولو أعرض لعاد عليه فأعرض عنه الحقّ ، وهو مصطفى مقرّب ، فمن قربه أنّه تجلّى له في مطلوبه وهو لا يعلم .
كنار موسى رآها عين حاجته  .... وهو الإله ولكن ليس يدريه)

قال رضي الله عنه :  ( فأما موت الفجأة فحده أن تخرج النفس الداخلة ) مع الروح ، ( ولا تدخل النفس الخارجة ) حتى يكون للروح تردد بتردد النفس ، فيجد فرصة في الإيمان والتوبة ، ( وهذا موت الفجأة ) لا موت من قل زمن مرضه ، وإن كان أهل العرف يقولون فيه : مات فجأة على المجاز تشبيها له بالفجأة ،


قال رضي الله عنه :  ( وكذلك ) أي : مثل موت الفجأة في خروج النفس الداخلة ، وعدم دخول النفس الخارجة ، ( قتل الغفلة ) بأن ( يضرب عنقه من ورائه وهو لا يشعر ) ، كما لا يشعر صاحب موت الفجأة حتى يشتغل بتدارك ما فاته من الإيمان والتوبة ، ( فيقبض على ما كان عليه ) قبل الموت أو القتل ( من إيمان أو كفر ) ، إذ لم يكتسب عند الموت شيئا منهما حتى يصير ناسخا لما يقدمه ، فيصير ما كان عليه صفته اللازمة ؛ ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يحشر المرء على ما مات عليه ») ، إذ لا يمكن للروح اكتساب شيء بدون البدن ، وهو إنما اكتسب ما قبل حال القبض فيما نحن فيه ، فيحشر عليه

قال رضي الله عنه :  ( كما أنه يقبض على ما كان عليه ) قبل القبض مما صار ناسخا لما قبله ، لكن المحتضر يكتسب حال القبض عندما يكون ناسخا لما قبله ؛ وذلك لأن ( المحتضر ما يكون إلا صاحب شهود ) ، إذ ينكشف بانكشاف ناصية ملك الموت ما في اللوح المحفوظ ، والشهود موجب للإيمان .

قال رضي الله عنه :  ( فهو صاحب إيمان بما ثم ) وإن لم تفده النجاة عن الخلود ، فيتصف بهذا الإيمان وإن لم يصر راسخا بمرور زمان بين هذا الإيمان وبين القبض ، بل وقع إيمانه في آن ، وقبضه في آن ثان ، ( فلا يقبض إلا بما كان عليه ) كما ورد به الحديث ، فإن لفظه كان فيه لا يدل على مرور الزمان كما تتوهمه العوام ؛ ( لأنه كان حرف وجودي ) ، أي : دال على وجود شيء ( لا ينجر معه ) ، أي : لا ينضم مع هذا المدلول له ( الزمان ) حتى يكون فعلا ، وليس باسم بالاتفاق فهو حرف ( إلا بقرينة الأحوال ) ،


أي : أحوال الموجودات إذا كان من مقتضاها البقاء مدة ولا قرينة في الحديث ، لكن لا يتحقق هذا الشهود والإيمان في حق الميت فجأة والمقتول غفلة ، ( فتفرق بين الكافر المحتضر ) بتخفيف العذاب ؛ لأنه مؤمن في حكم الكافر ، ( وبين الكافر المقتول غفلة ) والكافر ( الميت فجأة ) بتضعيف العذاب ؛ لأنه كافر من كل وجه ؛ ولذلك سماه كافرا غير مقبول فقط ، وسمي المحتضر مؤمنا تارة وكافرا أخرى ، وأشار إلى أنهما مع كفرهما يجب الفرق بينهما ، فلو كان فرعون الإيمان كان مستفيدا للتحقيق بسببه ؛ ولذلك ورد في التشديد في آله دونه .
ولما فرغ من بيان شهود المحتضر أشار إلى شهود الحي ،


فقال رضي الله عنه  : ( وأما حكمة التجلي ) لموسى ( والكلام معه في صورة النار ) لا بالظهور في مرآتها ، إذ يأخذ حكمها فلا يصح لها أن تقول :إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [ طه : 12 ] إني أنا اللّه رب العالمين ، وإذا جاز ظهور من له صورة في صورة غيره من غير تعلقه ببدنه كجبريل عليه السّلام في صورة دحية الكلبي  ، فظهور ما لا صورة له في ذاته في صورة شيء غير ممنوع ؛ ( فلأنها كانت بغية موسى ) ، إذ قال :إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً[ طه : 10 ] ،
وتلك الصورة وإن لم تكن عين بغيته في الواقع ، كانت عين بغيته في نظره ( تتجلى له في مطلوبه ) بحسب اعتقاده ؛ ( ليقبل عليه ) من كل وجه ، أي : من جهة كونه مطلوب الإقبال عليه بالنداء ، ومن جهة كونه طلبا لما هي صورته ، بل عينه في اعتقاده ( ولا يعرض عنه ) بوجه ،

قال رضي الله عنه :  ( فإنه لو تجلي له في غير صورة مطلوبة أعرض عنه ) من حيث إنه ليس مطلوبه ، وإن أقبل عليه من حيث دعي إلى الإقبال عليه ، لكن كان الراجح الإعراض ( لاجتماع همه على مطلوب خاص ) ، والإقبال والإعراض إنما يكون بذلك الهم ، فكأنه معرض عن الحق من كل وجه ، ( ولو أعرض ) عن الحق من كل وجه باعتبار من الاعتبارات ( لعاد ) أي : صار عمله الذي به إقبال الحق عليه وتجليه له وكماله معه مردودا عليه .

قال رضي الله عنه :  ( فأعرض عنه الحق ) ؛ لزوال سبب إقباله عليه ، ولكن لا يعرض عنه إذ ( هو مصطفى ) ، وكل مصطفى ( مقرب ) ، وإعراض الحق بعد ، فأسباب الإعراض أسباب البعد ، ومن جملتها التجلي في غير صورة مطلوبة ، ( فمن قربه أنه تجلى له في مطلوبه ) أي : صورة مطلوبة ، فكان نفس الحق في الواقع كان عين مطلوبه ، وإن كان ( هو لا يعلم ) أنه مطلوبه ، واستشهد بقول بعض المحققين : ( كنار موسى رآها عين حاجته ، وهو الإله المتصور بصورتها لا في مرآتها ، فكأنه كان عين حاجته ، ( ولكن ليس يدريه ) ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم .

ولما فرغ من الحكمة العلوية التي بها استعلاء التصرف بالحق على المتصرف بنفسه ، شرع في الحكمة الصمدية التي بها الاستعلاء عنهم وافتقارهم إليه ؛ فقال : فص الحكمة الصمدية في الكلمة الخالدية

.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى