اتقوا الله ويعلمكم الله
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
المواضيع الأخيرة
» المبحث السادس والأربعون في بيان وحي الأولياء الإلهامي والفرق بينه وبين وحي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:46 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والأربعون في بيان أن أكبر الأولياء بعد الصحابة رضي اللّه عنهم القطب ثم الأفراد .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:45 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع والأربعون في بيان وجوب الكفّ عما شجر بين الصحابة ووجوب اعتقاد أنهم مأجورون .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:45 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث والأربعون في بيان أنّ أفضل الأولياء المحمديين بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:44 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني والأربعون في بيان أن الولاية وإن جلت مرتبتها وعظمت فهي آخذة عن النبوة شهودا ووجودا .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:44 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الستون في بيان وجوب نصب الإمام الأعظم وثوابه ووجوب طاعته وأنه لا يجوز الخروج عليه .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:43 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والستون في بيان أنه لا يموت أحد إلا بعد انتهاء أجله وهو الوقت الذي كتب اللّه في الأزل انتهاء حياته فيه .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:42 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني والستون في بيان أن النفس باقية بعد موت جسدها منعمة كانت أو معذبة وفي فنائها عند القيامة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:42 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث والستون في بيان أن الأرواح مخلوقة وأنها من أمر اللّه تعالى كما ورد وكل من خاض في معرفة كنهها بعقله .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:41 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع والستون في بيان أن سؤال منكر ونكير وعذاب القبر ونعيمه وجميع ما ورد فيه حق خلافا لبعض المعتزلة والروافض .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:41 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والستون في بيان أن جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حق لا بد أن تقع كلها قبل قيام الساعة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:40 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السادس والستون في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى يعيدنا كما بدأنا أول مرة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:38 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع والستون في بيان أن الحشر بعد الموت حق وكذلك تبديل الأرض غير الأرض والسماوات .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:38 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن والستون في بيان أن الحوض والصراط والميزان حق .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:37 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع والستون في بيان أن تطاير الصحف والعرض على اللّه تعالى يوم القيامة حق .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:36 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السبعون في بيان أن نبينا محمدا صلى اللّه عليه وسلم أول شافع يوم القيامة وأول مشفع .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:36 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والسبعون في بيان أن الجنة والنار حق وأنهما مخلوقتان قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:35 من طرف عبدالله المسافر

» فهرس المحتويات الجزء الثاني .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:34 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والأربعون في بيان أن ثمرة جميع التكاليف التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:33 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الأربعون في مطلوبية برّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووجوب الكف عن الخوض في حكم أبوي نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:29 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع والثلاثون في بيان صفة الملائكة وأجنحتها وحقائقها وذكر نفائس تتعلق بها .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:28 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن والثلاثون في بيان أن أفضل خلق اللّه بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم الأنبياء الذين أرسلوا .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:28 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع والثلاثون في بيان وجوب الإذعان والطاعة لكل ما جاء به صلى اللّه عليه وسلم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:27 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السادس والثلاثون في عموم بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى الجن والإنس وكذلك الملائكة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:26 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والثلاثون في كون محمد صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين كما به صرح القرآن .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:26 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع والثلاثون في بيان صحة الإسراء وتوابعه وأنه رأى من اللّه تعالى صورة ما كان يعلمه منه في الأرض لا غير .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:25 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث والثلاثون في بيان بداية النبوة والرسالة والفرق بينهما وبيان امتناع رسالة رسولين معا في عصر واحد .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:24 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني والثلاثون في ثبوت رسالة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:23 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والثلاثون في بيان عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:22 من طرف عبدالله المسافر

» 15 - الأبواب من 560 - 560 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:05 من طرف عبدالله المسافر

» 14 - الأبواب من 559 - 559 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:05 من طرف عبدالله المسافر

» 13 - الأبواب من 462 - 556 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:04 من طرف عبدالله المسافر

» 12 - الأبواب من 389 - 460 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:03 من طرف عبدالله المسافر

» 11 - الأبواب من 369 - 388 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:02 من طرف عبدالله المسافر

» 10 - الأبواب من 304 - 346 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:02 من طرف عبدالله المسافر

» 09 - الأبواب من 304 - 345 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:01 من طرف عبدالله المسافر

» 08 - الأبواب من 271 - 303 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:00 من طرف عبدالله المسافر

» 07 - الأبواب من 198 - 269 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 22:00 من طرف عبدالله المسافر

» 06 - الأبواب من 98 - 198 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:59 من طرف عبدالله المسافر

» 05 - الأبواب من 70 - 92 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:58 من طرف عبدالله المسافر

» 04 - الأبواب من 69 - 69 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:58 من طرف عبدالله المسافر

» 03 - الأبواب من 51 - 68 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:57 من طرف عبدالله المسافر

» 02 - الأبواب من 02 - 50 .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:56 من طرف عبدالله المسافر

» 01 - مقدمة المصنف .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:55 من طرف عبدالله المسافر

» 16 - ختام الكتاب بجملة صالحة في الكلام على يوم القيامة وما يقع فيه .كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 18 سبتمبر 2020 - 21:54 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع والخمسون في بيان أن جميع ملاذ الكفار في الدنيا من أكل وشرب وجماع وغير ذلك كله استدراج من اللّه تعالى .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:42 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن والخمسون في بيان عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنبه أو ببدعته .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:41 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع والخمسون في بيان ميزان الخواطر الواردة على القلب .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:39 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والخمسون في بيان أن المؤمن إذا مات فاسقا بأن لم يتب قبل الغرغرة تحت المشيئة الإلهية .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:37 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والخمسون في بيان أن المؤمن إذا مات فاسقا بأن لم يتب قبل الغرغرة تحت المشيئة الإلهية .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:34 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع والخمسون في بيان أن الفسق بارتكاب الكبائر الإسلامية لا يزيل الإيمان .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:22 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث والخمسون في بيان أنه يجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن إن شاء اللّه خوفا من الخاتمة المجهولة لا شكا في الحال .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:20 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني والخمسون في بيان حقيقة الإحسان .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:18 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والخمسون في بيان الإسلام والإيمان وبيان أنهما متلازمان إلا فيمن صدق ثم اخترمته المنية .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:16 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخمسون في أن كرامات الأولياء حق إذ هي نتيجة العمل على وفق الكتاب والسنة فهي فرع لمعجزات .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 8:13 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع والأربعون في بيان أن جميع الأئمة المجتهدين على هدى من ربهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 7:56 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن والأربعون في بيان أن جميع أئمة الصوفية على هدى من ربهم وأن طريقة الإمام أبي القاسم الجنيد .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 7:52 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع والأربعون في بيان مقام الوارثين للرسل من الأولياء رضي اللّه عنهم أجمعين .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 7:48 من طرف عبدالله المسافر

» فهرس المحتويات الجزء الأول .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 21:17 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثلاثون في بيان حكمة بعثة الرسل في كل زمان وقع فيه إرسال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 21:16 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع والعشرون في بيان معجزات الرسل والفرق بينها وبين السحر ونحوه كالشعبذة والكهانة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 21:08 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن والعشرون في بيان أنه لا رازق إلا اللّه تعالى .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 21:01 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع والعشرون في بيان أن أفعال الحق تعالى كلها عين الحكمة ولا يقال إنها بالحكمة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:59 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السادس والعشرون في بيان أن أحدا من الإنس والجن لا يخرج عن التكليف ما دام عقله ثابتا .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:58 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس والعشرون في بيان أن للّه تعالى الحجة البالغة على العباد مع كونه خالقا لأعمالهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:56 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع والعشرون في أن اللّه تعالى خالق لأفعال العبد كما هو خالق لذواتهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:43 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث والعشرون في إثبات وجود الجن ووجوب الإيمان بهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:37 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني والعشرون في بيان أنه تعالى مرئي للمؤمنين في الدنيا بالقلوب .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:22 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي والعشرون في صفة خلق اللّه تعالى عيسى عليه الصلاة والسلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:16 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث العشرون في بيان صحة أخذ اللّه العهد والميثاق على بني آدم وهم في ظهره .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:14 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع عشر في الكلام على الكرسي واللوح والقلم الأعلى .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:11 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن عشر في بيان أن عدم التأويل لآيات الصفات أولى كما جرى عليه السلف الصالح رضي اللّه تعالى عنهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:05 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع عشر في معنى الاستواء على العرش .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 20:01 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السادس عشر في حضرات الأسماء الثمانية بالخصوص وهي الحي العالم القادر المريد السميع البصير المتكلم الباقي .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:57 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس عشر في وجوب اعتقاد أن أسماء اللّه تعالى توقيفية .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:38 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع عشر في أن صفاته تعالى عين أو غير أو لا عين ولا غير .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:35 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث عشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى لم يزل موصوفا بمعاني أسمائه وصفاته .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:11 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني عشر في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى أبدع على غير مثال سبق .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:07 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي عشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى علم الأشياء قبل وجودها في عالم الشهادة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:03 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث العاشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 19:01 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث العاشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 18:46 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى ليس مثل معقول ولا دلت عليه العقول .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالأحد 13 سبتمبر 2020 - 18:44 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس عشر في وجوب اعتقاد أن أسماء اللّه تعالى توقيفية .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 10:28 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع عشر في أن صفاته تعالى عين أو غير أو لا عين ولا غير .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 10:18 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث عشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى لم يزل موصوفا بمعاني أسمائه وصفاته .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 10:06 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني عشر في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى أبدع على غير مثال سبق .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 9:47 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الحادي عشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى علم الأشياء قبل وجودها في عالم الشهادة .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 9:37 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث العاشر في وجوب اعتقاد أنه تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 9:25 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث التاسع في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى ليس مثل معقول ولا دلت عليه العقول .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 9:00 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثامن في وجوب اعتقاد أن اللّه معنا أينما كنا في حال كونه في السماء في حال كونه مستويا على العرش .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 8:53 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السابع في وجوب اعتقاد أن اللّه تعالى لا يحويه مكان كما لا يحده زمان .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 8:42 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث السادس في وجوب اعتقاد أنه تعالى لم يحدث له بابتداعه العالم في ذاته حادث وأنه لا حلول ولا اتحاد .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 8:33 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الخامس في وجوب اعتقاد أنه تعالى أحدث العالم كله من غير حاجة إليه .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 8:24 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الرابع في وجوب اعتقاد أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 7:24 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثالث في حدوث العالم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 7:05 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الثاني في حدوث العالم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 6:52 من طرف عبدالله المسافر

» المبحث الأول في بيان أن اللّه تعالى واحد أحد منفرد في ملكه لا شريك له .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالسبت 12 سبتمبر 2020 - 6:42 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الرابع في بيان جملة من القواعد والضوابط التي يحتاج إليها من يريد التبحر في علم الكلام .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 11 سبتمبر 2020 - 11:53 من طرف عبدالله المسافر

» الفصل الثالث في بيان إقامة العذر لأهل الطريق في تكلمهم في العبارات المغلقة على غيرهم .كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني
خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Emptyالجمعة 11 سبتمبر 2020 - 11:39 من طرف عبدالله المسافر

المواضيع الأكثر نشاطاً
منارة الإسلام (الأزهر الشريف)
أخبار دار الإفتاء المصرية
فتاوي متنوعة من دار الإفتاء المصرية
السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر‌ ‌السابع‌ ‌والعشرون‌ ‌فص‌ ‌حكمة‌ ‌فردية‌ ‌في‌ ‌كلمة‌ ‌محمدية‌ ‌.موسوعة‌ ‌فتوح‌ ‌الكلم‌ ‌في‌ ‌شروح‌ ‌فصوص‌ ‌الحكم‌ ‌الشيخ‌ ‌الأكبر‌ ‌ابن‌ ‌العربي
السفر الخامس والعشرون فص حكمة علوية في كلمة موسوية .موسوعة فتوح الكلم في شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السفر الثاني فص حكمة نفثية فى كلمة شيثية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
السـفر الخامس عشر فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية .موسوعة فتوح الكلم في شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي
مكتب رسالة الأزهر
السـفر السادس عشر فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية .موسوعة فتوح الكلم في شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي





خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي

اذهب الى الأسفل

30102019

مُساهمة 

خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي Empty خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي




خطبة ومقدمة كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي

كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم الجيلي 

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

خطبة كتاب الكهف والرقيم:-

الحمد للّه الكامن في كنه ذاته ، الكائن في عماء غيبيّاته ، الكامل في أسمائه وصفاته ، الجامع في ألوهيّة مضاداته ، الأحد في ذاته ، الواحد في تعدّداته ، المتحيّز أوصافه في استيفاء آياته.
الأزليّ في أبد أخرياته ، الأبديّ في أزل أوّليّائه ، البارز في كلّ صورة ومعنى بسوره وآياته ،البائن عن كلّ محسوس ومقول وموهوم ومعقول.
بيّنا غير مبائن في بيّناته ، المتخلّق بكلّ خلق في كلّ خلق من مخلوقاته ، المتجلّيّ بصورة العالم من إنسانه وحيوانه ونباته وجماداته .
المتخلّي في سرادق تنزيهه عن الفصل والوصل والضّدّ والنّدّ والكمّ والكيف والتّجسيم والتّحديد والتّقييد بتشبيهه أو تنزيهاته ، سبّوح سبحت أسماؤه في بحار كنهه ، فغرقت دون الوصول إلى غاياته .
متّصف بكلّ وصف ، مؤتلف بكلّ إلف ، مجتمع بكلّ جمع ، ممتنع بكلّ منع ، مفترق بكلّ فرق ، منطلق بكلّ طلق ، مقيّد بكلّ تقييد ، محدود بكلّ تحديد ، مقدّس منزّه في تشبيهاته ، لا يحصره الأين ولا يخلو منه ، ولا تدركه العين ولا تتستّر عنه.
خالق معنى الخلق عرض على جوهر هو حقيقة ذلك الجوهر ولا عرض يعتريه ، رازق معنى الرّزق تنزّله في رتبة سمّاها خلقا ليوفي بها حكم مرتبته الأخرى على ما تطلبه الحكمة أو يقتضيه حكم تقديراته .
مجهول في حقيقة غيب : “ كنت كنزا مخفيّا لم أعرف “ بعد تعرّفه إلى خلقه بما عرف من تعريفاته ، جعل لاسم الخلق محلّا من ذاته [ لذاته ] لا يتعدّاه سواه ، ورسم لاسم الحقّ حكما من ذاته لا يقيّده سواه ، وحكم للألوهيّة جمعهما .
فلم يك مرمى لغيره وراء اللّه ، لألوهيّته الحيطة بأحديّته ، ولأحديّته السّلطنة على واحديّته في مرتبياته ، تعرّف إلى كلّ موجود بحسب المرتبة الّتي أبرزه فيها من غيبه ، وما عرّفه إلّا نفسه في جماله ، وزيّنه من جميع مكوّناته .
أحمده حمده لنفسه من خلف سرادق غيبه الأنهى ، وأثني عليه بلسان جماله الأكمل الأبهى ، فهو كما أثنى على نفسه لديه ، إذ كنت “ لا أحصي ثناء عليه “ . 
وأستمدّ من الجناب الأعظم ، غيب غيب الجمع الأبهم ، نقطة عين الحرف المعجم ، محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم .
سيّد العرب - أي : المعروف من صفاته والعجم ، مركز حقائق كنه التّوحيد ، مجمع دقائق التّنزيه والتّحديد ، مجلى معاني جمال القديم والجديد ، صورة كمال الذّات ، الأزليّ التّخليد في جنّات الصّفات ، الأبديّ الإطلاق في ميدان الألوهيّات .
صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعلى آله السّادة القداة الهداة المتحلّين بحليته ، المتحوّلين في أحواله ، القائمين عنه له في مقامه بأقواله وأفعاله ، وعلى آله وعلى أصحابه وعترته وأنسابه ، وشرّف وكرّم ، ومجّد وعظّم . 

أمّا بعد ، فإنّي استخرت اللّه تعالى في إملاء هذا الكتاب المسمّى بالكهف والرّقيم في شرح بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، وذلك بعد باعث رحمانيّ ، وإجابة لسؤال أخ عارف ربّاني ، هو ذو الفهم الثّاقب ، والذّكاء الباهر الرّاسخ النّاسب ، والتّجريد والتّفريد والقدم الصّدق في المطالب ، عماد الدّين يحيى بن أبي القاسم التّونسيّ المغربيّ - سبط الحسن بن علي - بعد مدافعتي إيّاه ، وتأخّري عن التّقدّم إلى ما يهواه .
فلمّا لم يسمح بالإقالة ، ولم يجنح إلّا إلى ما قاله ، بعثني صدق رغبته إلى موافقته ، فاستخرت اللّه تعالى ولجأت إليه ، أسأله سبحانه وتعالى أن ينفع به ممليه ، والسّامعين وقارئيه ، وهو الأولى بالإجابة ، والأجدر لتوفيقي بالإصابة .

والملتمس من أهل اللّه ساداتنا الإخوان النّاظرين في هذا الكتاب - سلام اللّه عليهم ورضوانه - أن يفصحوا في معنى كلّ كلمة حتّى ينحلّهم تبيانه من وجوه عباراتها وإشاراتها ، وتصريحاتها وتلويحاتها وكناياتها ، وتقديمها وتأخيرها مع المراعاة للقواعد الشّرعيّة والأصول الدّينيّة .
فإن وقفوا على معنى من معاني التّوحيد يشهد لهم فيه الكتاب والسّنّة ، فذلك مطلوبي الّذي أمليت الكتاب لأجله ، وإن فهموا منه خلاف ذلك فأنا برئي من ذلك الفهم ، فليرفضوه وليطلبوا ما أمليته مع الجمع بالكتاب والسّنّة ، فإنّ اللّه سيؤيّدهم ذلك ، سنّة جرى بها كرمه في خلقه ، وهو على كلّ شيء قدير . 
ثمّ المسؤول منهم أن يمدّونا بأنفاسهم الإلهيّة ، ويقبلونا على ما فينا ، وهذا جهد المقلّ قدّمتها بين أيديهم ، راجيا دعوة نجيّ أو نظرة وليّ .
فإن تجد عيبا فسدّ الخللا  …… فجلّ من لا عيب فيه وعلا
وها أنا أشرع فيما ذكرت مستعينا باللّه ، ناظرا إلى اللّه ، آخذا باللّه عن اللّه ، فما ثمّ إلّا اللّه. وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ.


مقدمة كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي  

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم 
ورد في الخبر عن النّبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال : “ كلّ ما في الكتب المنزلة فهو في القرآن ، وكلّ ما في القرآن فهو في الفاتحة.
[ ] وكلّ ما في الفاتحة فهو في بسم اللّه الرّحمن الرّحيم “ .
وورد : “ كلّ ما في بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فهو في الباء ، وكلّ ما في الباء فهو في النّقطة الّتي تحت الباء “ .
وقال بعض العارفين : “ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من العارف بمنزلة كن من اللّه “ . 
واعلم أنّ الكلام على بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من وجوه كثيرة كالنّحو والصّرف واللّغة ، والكلام فيه على مادّة الحروف وصيغتها وطبيعتها وهيئتها وتركيبها واختصاصها على باقي الحروف الموجودة في فاتحة الكتاب .
وجمعها لها ، واختصاصها له ، واختصاصها من الأحرف الموجودة في الفاتحة على سواها ، والكلام عليها في منافعها وأسرارها ، ولسنا بصدد شيء من ذلك في وجوه .
بل كلامنا عليها من وجه معاني حقائقها فيما يليق بجناب الحقّ سبحانه وتعالى ، والكلام مندرج بعضه في بعض .
إذ المقصود من جميع هذه الوجوه معرفة الحقّ سبحانه وتعالى ، ونحن على بابه فكما تجدّد من فيضه على الأنفاس ، تنزّل به الرّوح الأمين على قلب القرطاس .
.

_________________
شاء الله بدء السفر منذ يوم الست بربكم .
عرفت ام لم تعرفي   
ففيه فسافر لا إليه ولا تكن ... جهولاً فكم عقل عليه يثابر
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى،
يسير و المكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه،
و لكن ارحل من الأكوان إلى المكون،
و أن إلى ربك المنتهى.

عبدالله المسافر
عبدالله المسافر
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 4730
الموقع : https://almossafer1.blogspot.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

https://almossafer1.blogspot.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: redditgoogle

خطبة ومقدمة .كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي :: تعاليق

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 15:00 من طرف عبدالله المسافر

شرح خطبة الجيلي  الجزء الثاني. كتاب الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي

كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم الجيلي 

الجزء الثاني

بسم اللّه الرحمن الرحيم

قوله قدس سره  : بسم اللّه الرحمن الرحيم الباء متعلق بمحذوف - وهو الفعل المقدر بعد البسملة - نحو أبتدئ أو أستعين أو أتبارك ، والمراد هنا :
أفتتح حقائق الوجود بمفتاح فاتح الجود ، وهو الكريم الذي جعل مفتاح خزائن هذه العلوم نقطة سرّه المختوم ، المعبر عنه بقوله : “ كنت كنزا لا أعرف “ لعالم أو معلوم .

وتعلق الباء البارزة في عالم الشهادة بتجلّي الذات الأقدسية عن الإحاطة ، وهو النقطة القائلة بلسان حالها عن فصيح مقالها : “ فنفخت “ في ( باي )مِنْ رُوحِي، “ فتعلقت الباء بمعناها ، ليستقيم لك في الخارج مبناها .

وتقدير الفعل بلسان الإشارة : بسم الله تعرف الله ، لأنه لا سبيل إلى معرفته إلا بعد تجلي هذا الاسم المفني منك كل رسم ، والمبقي لك كل وسم ، لأنه وضع مرآة للكمالات مشاهدا لها [ فيها ] وجهك ، فلا سبيل إلى مشاهدة وجهك إلا في المرآة .
والاسم ما يعين المسمى في الفهم ، ويصوّره في الخيال ، ويحضره في النفس ، ويدبّره في الفكر ، ويحفظه في الذكر ، ويوجده في العقل ، - سواء كان المسمى موجودا أو معدوما ، حاضرا أو غائبا - .
فأول ما تعرف المسمى إلى من يجهله بالاسم ، فنسبته من المسمى نسبة الظاهر من الباطن ، فهو بهذا الاعتبار عين المسمى .
وأنه علم على الذات الواجب الوجود عند المتكلمين . وهو عند المحققين اسم تحت حيطته جميع الحقائق الحقية والخلقية ،
ولذلك قيل :
أن الوجود والعدم متقابلان ، وذلك الألوهة محيط بها [ بهما ] ، والألوهة صفة هذا الاسم .
واعلم أن هذا الاسم للذات ، لكنه غير مقيد بالإشارة إلى الذات فقط ، فله ثلاثة أطوار :
[ الأول ] : فطورا يطلق هذا الاسم على صرافة الذات .
[ الثاني ] : وطورا يطلق على المرتبة من حيث تجلي الذات في الألوهية .
[ الثالث ] : وطورا يطلق على اسم مخصوص - كائنا ما كان الاسم - من أسماء الله لوجود قرينة من القرائن ، كما ذكر الإمام محيي الدين ابن العربي - رضي الله عنه - في قول التائب يا الله : “ إنما يراد به يا تواب ، وفي قول المريض يا الله إنما يراد به يا شافي “ .
قال المصنف في الكمالات الإلهية في الصفات المحمديّة : “ وفي هذا دليل واضح على أن هذا الاسم اسم ذاتي ، لأن الذات هي المتجلية بسائر الأسماء والصفات ، وقد وجدنا هذا الاسم ينوب عن جميع تلك الأسماء والصفات ، فعلمنا أن هذا الاسم اسم الذات “ انتهى “ 1 “ .

"" من قوله “ هذا الاسم للذات لكنه “ إلى قوله “ فعلمنا أن هذا الاسم اسم للذات “ ، مأخوذ من الكمالات الإلهية الفصل الخاص ببيان الأسماء الإلهية : الاسم الله ، وكلمة وفي في قوله : وفي هذا دليل واضح ، غير موجودة في المصدر – المحقق"".

والإشارة بمقابلة العدم والوجود إلى ما ذكرناه من دون هذا الاسم شاملا لجميع الحقائق الحقية والخلقية ، وليس ذلك لغيره ، فإن الرحمن هو علم على الوجود المطلق الذي لا تنحصر وجوديته بشيء من الموجود [ ات] من دون غيره ، فهو عبارة عن ذي الوجود الساري في الموجودات بحكم الواحدية الظاهرة في الكثرات من تقييد بمرتبة أو جهة أو شبهة أو اعتبار ، والألف والنون فيه للمبالغة ، لأن الزيادة في الاسم دالة على الزيادة في الاتصاف بمعنى ذلك الاسم ، بل هذا امتنع أن يسمى أحد من المخلوقين بهذا الاسم ، ولم يمتنع أن يسمى أحد بالرحيم لأن [ هذا الاسم ] ليس إلا لله تعالى ، فكان هذا الاسم من خصوصيات الحق تعالى .

واعلم أن هذا الاسم من أسماء المرتبة ، وهي في مدلولها تختص بالأسماء الكمالية والمظاهر العلوية ، وهذا الفرق بين اسمه الرحمن واسمه الله ، لأنه [ لأن ] اسمه اللّه يظهر به مرتبتي الوجود من العلو والسفل والحقية والخلقية ، واسمه الرحمن إنما يظهر بالمرتبة الكمالية الحقية ليس إلا ، ويجتمعان في وقوعهما على الذات إطلاقا من حيث أن هذا الاسم عبارة عن ذي الوجود الساري فلا يتقيد كما تقدم بموجود دون غيره .

واسمه الله عبارة عن الذات المطلقة من غير تقييد بصفة دون أخرى ، فاجتمعا في الإطلاق ، وافترقا في كون وقوع الاسم الجامع على الذات ووقوع الاسم الرحمن على وجود الذات ، فالاسم الرحمن اسم كمالي تحت حيطته جميع الكمالات الحقية لا غير ، فعلم الفرق بينه وبين الاسم الجامع ، لأن الاسم الجامع من حيث إطلاقه على المرتبة يكون صفة كمالية ، وصفة هذا الاسم بهذا الاعتبار هي الألوهية ، وهي عبارة عن شمول مراتب الوجود وأعلاها وأسفلها بإعطاء الحقائق الإلهية حقها ، والحقائق الخلقية حقها من سائر الوجوه بالقيد والإطلاق .

"" تجد العبارة في الكمالات الإلهية : هكذا بإعطاء الحقائق الحقية الخلقية حقها من سائر الوجود والإطلاق . – المحقق"".

 وهذا هو الفرق بين الرحمانية والألوهية فالرحمانية مختصة بأعلى مراتب الحقائق ، والألوهة جامعة للأعالي والأسافل .

قال المصنف رضي الله عنه في الكمالات : “ ولهذا كان عباد الله ، الكمل ، وعباد الرحمن دونهم ، لأن عباد الرحمن على النصف من معرفة الله وعباد الله على الكمال من معرفته ولو كانوا هم أيضا في مرتبة الكمال متفاوتين فكل على قدر معرفته وعلو محتده فهذا الاسم للأسماء كالذات للصفات “ ،وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان كل منهما في محله .

والرحيم اسم جمالي صفته الرحمة المحضة التي لم يشوّبها كدر من الأكدار ، بل هي نعمة محضة ، وهي الرحمة السابقة للغضب المسبوق في قوله تعالى شأنه : “ سبقت رحمتي غضبي “ .
وأما الرحمة الواسعة لكل شيء في قوله :وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فهي صفة الاسم الرحمن ، فهي الشاملة للرحمة السابقة والغضب المسبوق ، لأنها وسعت كل شيء ، والغضب شيء فقد وسعته .
واعلم أن الرحمة صفة ذاتية لله ، ولهذا انسحب حكمها من أول الوجود إلى آخره ، فكان إيجاد العالم رحمة بهم ، لأنه أوجدهم منه ، إذ كانوا موجودين له في علمه ،
وكانت بداية العالم منه رحمة بهم لقوله تعالى :وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ. سورة الجاثية ( 45 ) : الآية 13
والأمر إلى الله في الآخرة كما قال تعالى :وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى. سورة النجم ( 53 ) : الآية 42

وهذه أيضا رحمة بهم ، فعمت الرحمة جميع الوجود أولا وآخرا ظاهرا وباطنا ، بخلاف الغضب ، فإنه - كما سبق بيانه - صفة للعدل ، والعدل من صفات الأفعال ، والرحمة من صفات الذات فافهم .
وسنبسط الكلام في معنى الرحمن والرحيم في آخر الكتاب - إن شاء الله تعالى - كما هو موضع الكلام عليهما .

الحمد لله  
قوله قدس سره: الحمد لله ، أثنى الله على نفسه بما يستحقه ، وثنائه على نفسه عين ظهوره وتجليه فيما هو له ، فمن ثم قيل : هو الحمد والحامد والمحمود .
واعلم أن ألف الحمد ولامه عند أهل السنة للعموم ، وعند المعتزلة - ووافقهم بعض أهل السنة - أن الألف واللام في الحمد للعهد .
فالمعنى على الوجه الأول : أن كل المحامد لله .
وعلى المعنى الثاني : أن الحمد اللائق بالله لله .
قلت : فلا يكون حمد لائق بالله لله إلا حمد الله ، فهو الحامد لنفسه حق حمدها ، وهو المحمود .
وإضافة الحمد بالاسم الله دون سائر الأسماء لأنه الاسم الجامع الذي ترجع إليه سائر الأسماء والصفات لاستمدادها ، فالاسم [ الله ] هو الجامع للكمالات الإلهية كلها ، فتحصل منه الإجابة بواسطة الاسم الذي يناسب المطلوب ، فاستندت إليه الأسماء استناد الصفة إلى الموصوف فلهذا استحق إضافة الحمد إليه دون غيره من الأسماء .

واعلم أن الحق - سبحانه وتعالى - جعل هذا الاسم هيولى كمال لصور المعاني الإلهية ، وكان كل من تجليات الحق التي لذاته في ذاته - جلّ وعلا - تحت حيطة هذا الاسم ، “ فهو الذي أكسب الوجود فحقّقه بحقيقته ، وبه اتضحت له سبيل طريقته ، فكان ختما على المعنى الكامل في الإنسان ، وبه افتقار المرحوم إلى الرحمن . "" الإنسان الكامل

قال المصنف - قدس سره - في الإنسان الكامل : ( فمن نظر نقش الخاتم فهو مع الله تعالى بالاسم ، ومن قرأ المنقوشات فهو مع الله بالصفات ، ومن فك الختم وجاوز الوصف والاسم فهو مع الحق بذاته غير محجوب عن صفاته ، فإن أقام الجدار الذي يريد أن ينقض ، وأحكم الختم الذي يريد أن ينفض ، بلغ يتيما حقه وخلقه أشدهما واستخرجا كنزهما “ انتهى "" الجزء الأول الباب الثاني .""
فليس ورائه عند القوم إلا الظلمة المحضة ، وهو نور تلك الظلمة فافهم .

الكامن في كنه ذاته
قوله رضي الله عنه : الكامن في كنه ذاته ، اعلم أن الكمون هو البطون الخفائي ، وكنهه الذاتي هو أم الكتاب المشار إليه بقوله تعالى :وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ سورة الرعد ( 13 ) : الآية 39
فأم الكتاب في الاصطلاح هو الكنه الذاتي البطوني الخفائي المنزه عن أن يراه سواه ، والكتاب هو الوجود المطلق ، فبطونه عن غيره - سبحانه وتعالى - .
ولا يشهد هذا البطون لغيره لا دنيا ولا أخرى ، لإعطاء الحقائق حقها .
وقولي : “ لإعطاء الحقائق حقها “ هو أن الوجود منقسم بين ظهور وبطون ، فمهما ظهر في الدنيا والآخرة فهو من تجلي اسمه الظاهر ، وما بطن في الدنيا والآخرة فهو من تجلّي اسمه الباطن ، فسبحان من لم يظهر لغيره ، ولم يبطن عن نفسه ، فهو - سبحانه وتعالى - من حيث اسمه الباطن باطن ، ومن حيث اسمه الظاهر ظاهر وبطونه وظهوره من جهة واحدة ، لا أن بطونه غير ظهوره ، وظهوره غير بطونه ، بل ظهوره عين بطونه وبطونه عين ظهوره ، فسبحان من حارت الألباب في معرفته ، وضلت الأفكار خاسرة وحاسرة أن تدرك كنه ذاته .
ولما كان اعتبار الظهور والبطون من جهة واحدة يحصل الله تعالى فيه تردد ، قال الله تعالى :إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا” سورة طه ( 20 ) : الآية 14 “
يقول تعالى شأنه : أن الهوية المشار إليها بلا إله إلا هو ، هي عين الإنيّة المشار إليها بلفظة أنا ، فكانت الهوية معقولة في الإنية ،
فهذا معنى قول أهل الله : ظاهر الحق عين باطنه وباطنه عين ظاهره ، ألا ترى إلى الحق - سبحانه وتعالى - كيف أنه أكد الجملة بأنّ ، فأتى بها مؤكدة لأن كل كلام ينكره السامع يحق التأكيد فيه ، بخلاف ما لو كان السامع خالي الذهن فإنه لا يحتاج فيه إلى تأكيد .
وأما فائدة التقسيم بالظاهر والباطن فيه فللنفس في هذه المسألة إما تردد وإما إنكار ، فلهذا أكد الحق بلفظة “ إنّ “ فقال لموسى عليه الصلاة والسلام : إن هو [ إنّني ] .
يعني : إن الأحدية الباطنة المشار إليها بالهوية هي الإنية الظاهرة المشار إليها بلفظة أنا ، فلا تزعم أن بينهما تغايرا وانفصالا وانفكاكا بوجه .
ثم فسّر الأمر بالبدلية ، وهو العلم الذاتي على اسم الله ، إشارة إلى ما تقتضيه الألوهية من الجمع والشمول ، لأنه لما قال له أن بطونه وغيبوبته عين ظهوره وشهادته ، نبّه عليها أن ذلك من حقيقة ما هو عليه الله ، فإن الألوهية في نفسها تقتضي شمول النقيضين وجمع الضدين بحكم الأحدية وعدم التغاير في نفس حصول التغاير ، وهذه مسألة حيرة .
ثم فسر الجملة بقوله :لا إِلهَ إِلَّا أَنَايعني الإلهية المعبودة ليست إلا أنا فأنا الظاهر في تلك الأديان والأملاك والطبائع وفي كل ما يعبدونه أهل كل ملة [ نحلة ] لذلك الإلهية إلا أنا ، ولهذا ثبت لهم لفظ الإله .
وتسميته لهم بهذه اللفظة - من جهة ما هم عليه في الحقيقة - تسمية حقيقية ، لا مجازية ولا كما يزعم من زعم أن الحق إنما أراد بذلك أنهم يسمونهم آلهة لا من حيث أنهم من أنفسهم لهم هذه التسمية ، وهذا غلو منهم وافتراء على الحق ،

لأن هذه الأشياء كلها بل جميع ما في الوجود من جهة ذات الله تعالى في الحقيقة ، هذه التسمية تسمية حقيقية لا كما يزعم أنها تسمية مجازية ، ولو كان كذلك لكان الكلام أن تلك الحجارة والكواكب والطبائع والأشياء التي يعبدونها ليست بآلهة ، وإنما لا إله إلا أنا فاعبدوني ، لكنه إنما أراد الحق أن يبين لهم أن تلك الآلهة مظاهر له ، وأن حكم الألوهية فيهم حقيقة ، وأنهم ما عبدوا في جميع ذلك إلا هو ، فقال :لا إِلهَ إِلَّا أَنَاأي ما ثم ما يطلق عليه اسم الإله إلا وهو أنا ، فما في العالم من عبد غيري ،
وكيف يعبدون غيري وأنا خلقتهم ليعبدوني ؟
وما يكون إلا ما خلقته له .
قال عليه الصلاة والسلام في هذا المقام : “ كل ميسر لما خلق “ أي لعبادة الحق ، لأن الحق - سبحانه وتعالى - قال :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” سورة الذاريات ( 51 ) : الآية 56
طهّر الله أسرارنا بحقائق معرفته ، وأزال غين قلوبنا بإرادته :وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ سورة الزخرف ( 43 ) : الآية 4

الكائن في عمى غيابا
قوله قدس سره : الكائن في عمى غياباته : ( 1 ) قبل خلق مخلوقاته بل قبل ظهور أسمائه وصفاته ، وبعد الظهور هو كائن في ذلك [ تلك ] العماء ، لعدم جواز التغير والانتقال عليه من حال إلى سواها ، بل كما شاء ظهر وبلا كيف ، وكما شاء بطن وبلا كيف .
وأشار بالعماء إلى قوله - عليه الصلاة والسلام - لما سئل : أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق ؟ قال : “ في عماء ما فوقه هواء ولا تحته هواء “ .
فالعماء عند المحققين - رضي الله عنهم - إشارة إلى حقيقة الحقائق التي هي أول المراتب الإلهية الحقية .
ومن جعل العماء من المراتب الثواني نظرا إلى قوله [ لما سئل ] : “ أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق ؟ قال في عماء “ فيجعل هذا القائل المرتبة الربّيّة مقدمة على مرتبة العماء ، فصارت العماء عنده من المراتب الثواني .

وقوله : “ ما فوقه هواء ولا تحته هواء “ يعني ليست فوقه لا نسبة ولا صفة ولا تحته صفة ولا نسبة ، بل ذات محض [ ة ] مجردة عن النسب والإضافات والاعتبارات ، هذا على تقدير أن “ ما “ نافية ، وإن كانت موصولة فيكون المعنى : الذي فوقه هواء ، والذي تحته هواء ، إشارة إلى الحق والخلق .
فالذات هي الجامعة لوجهتي الحق والخلق ، فإن مبنى أمر الذات عند المحققين - رضي الله عنهم - أن كلا من الحق والخلق له وجه إلى الذات ، وهي الجامعة مع تنزهها ، فهذا المعنى ما أريد [ من قوله : الكائن ] في عماء غياباته ، والله أعلم بمراداته .
وكما فهمت من أمر الذات أنها الجامعة لوجهي الحق والخلق ، فتلك الجمعية هي المشار إليها بقولهم : الوجود المطلق ، فإنها لا تقيد بوجه دون الآخر .
وإن تعول [ تقول ] على من قال : بأن وصفكم لها بالوجود المطلق مقيد بالإطلاق ، رد عليه : بأن مفهوم الإطلاق هو الذي لا غاية له ، فاندفع ما قال فافهم ، والله بحقيقة الأمر أعلم .


الكامل في أسمائه وصفاته
قوله : الكامل في أسمائه وصفاته .  
- اعلم أن كمال الحق - سبحانه وتعالى - عبارة عن ماهيته ، وماهيته غير قابلة للاشتراك والغاية ، فليس لكماله غاية ولا نهاية ، فلقد تكرّر النفي بذات الغاية له - سبحانه وتعالى - لاستحقاقه شمول العلم ، ولعدم جواز الجهل عليه تعالى ، فبهذا الاعتبار قيل : أن لكماله غاية من حيثه لا من حيث غيره ، يعني أنه يدرك ذاته ويدركها لأنه لا تدرك، لا يدرك له ولا لغيره.  ""أي تكون العلة الغائية ذاته تعالى– المحقق"".

ومعنى أنه يدركها : أنها لا تدرك له ولا لغيره ، لاستحقاق ذاته [ العظمة ] والكبرياء ، ولأنه لا يدرك إلا ما يتناهى "" لأن العلم في مرتبة دون الذات فهو متناه ولو بالتناهي الصفاتي فلا يكون متعلقه غير متناه بعد الالتفات إلى وحدة العلم والمعلوم والعالم - المحقق .  ""
، وذاته غير متناهية ، وإدراك ما ليس له [ نهاية ] مستحيل  "" فلا يكون إدراكه لذاته بعلمه بل بذاته – المحقق""

وكماله سبحانه وتعالى لا ككمال غيره فإن كمال غيره يكون بأمر زائد على ذاته ، وهو أن غير الله سبحانه وتعالى لازم له النقص ذاتا وصفاتا ،
فإذا أراد الله - سبحانه وتعالى - تكميل عبد من عباده حلاه بصفاته ، وخلع عليه خلع آياته ، فتخلق بأخلاق الله ، فصار كاملا ، ومعلوم أن التخلق يفتقر إلى صفات الغير ،

فصار كمال هذا الكامل - كما قلنا - إنما هو بأمر زائد على ذاته ، وليس في ذات الحق - تعالى - أمر زائد عليها ، بل الكمال الإلهي لذات واجب الوجود ذاتي له ، وكل اسم وصفة استند إلى الذات المقدسة فهو كامل ، فجميع أسمائه وصفاته كاملة .

وما ورد من مقالات أهل التحقيق من كون أسمائه منقسمة إلى [ الجمالية والجلالية ، الكمالية وغير الكمالية ] لا يفهم منه أن الاسم الجلالي أو الاسم الجمالي ناقصين بالنظر إلى الاسم الكمالي حاشا وكلا من فهم ذلك ، فهم بريئون من ذلك الفهم ، بل جميع أوصاف الجمال راجع إلى وصفين : العلم واللطف ، كما أن جميع أوصاف الجلال راجع إلى وصفين : العظمة والاقتدار ، ونهاية الوصفين الأولين إليهما ، فكأنهما وصف واحد ، وذلك الوصف الواحد هو عين كمال الحق ، فتجلياتهما في المثل –"وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى". سورة النحل ( 16 ) : الآية 60
كالفجر الذي هو مبادئ ضياء الشمس إلى نهاية طلوعها ، فنسبة الجمال نسبة الفجر ، ونسبة الجلال نسبة الإشراق ، وهذا الإشراق [ يكون ] لذلك الفجر ،
وذلك الفجر لهذا الإشراق ، فهذا معنى الجمال والجلال المعبر عنهما بجمال الجلال وجلال الجمال فافهم .


قال المصنف في الإنسان الكامل :
“ اعلم أن جلال الله عبارة عن ذاته بظهوره في أسمائه وصفاته كما هي عليه ، هذا على الإجمال .
وأما على التفصيل : فإن الجلال عبارة عن صفة العظمة والكبرياء والمجد والسنا ، وكل جمال له ، فإن شدة ظهوره يسمى جلالا
كما أن كل جلال له ، فهو في مبادئ ظهوره على الخلق يسمى جمالا ، ومن هنا قال من قال : إن لكل جمال جلالا ، ولكل جلال جمالا ، وأن الخلق لا يظهر لهم من جمال الله - تبارك وتعالى - إلا جمال الجلال أو جلال الجمال ، وأما الجمال المطلق والجلال فإنه لا يكون شهوده إلا به وحده ، "" الإنسان الكامل الجزء الأول الباب الرابع والعشرون في الجلال . الجامع بألوهيته شمل مضاداته ""

وأما الخلق فما لهم فيه قدم ، فإنا قد عبّرنا عن الجلال بأنه ذاته باعتبار أسمائه وصفاته كما هي عليه له حقيقة ، ويستحيل هذا الشهود ، وعبّرنا عن الجمال بأنه أوصافه العلى وأسمائه الحسنى ، واستيفاء صفاته وإحصاء أسمائه في الخلق محال “ انتهى .
فافهم أرشدك الله للصواب وما أوردته فيه مقنع لأولى الألباب .

قال رضي الله عنه : الجامع بألوهيته شمل مضاداته .
اعلم أن جميع حقائق الوجود وحفظها في مراتبها تسمى الألوهية ،
ونعني بحقائق الوجود أحكام المظاهر مع الظاهر فيها ، أي : الحق والخلق .

فشمول المراتب الإلهية ، وجميع المراتب الكونية ، وإعطاء كل [ ذي ] حق حقه من مرتبة الوجود هو معنى الألوهية ، والله اسم لـ [ صاحب ] هذه المرتبة ، ولا يكون ذلك إلا لذات واجب الوجود - تعالى وتقدس - .
فأعلى المراتب مظهر للألوهية ، إذ له الحيطة والشمول على كل مظهر ، وهيمنة على كل وصف واسم ، فالألوهية أم الكتاب ، والقرآن هو الأحدية ، والفرقان هو الواحدية ، والكتاب [ الموجود ] هو الرحمانية ، كل ذلك باعتبار ، وإلا فأم الكتاب بالاعتبار الأول - الذي عليه اصطلاح القوم - هو ماهية كنه الذات ، والقرآن هو الذات ، والفرقان هو الصفات ، والكتاب هو الوجود المطلق .

فإذا عرفت الاصطلاح ، وعرفت ما أشار إليه المحققون - رضي الله عنهم - علمت أن هذا عين ذلك ، ولا خلاف في القولين إلا في العبارة ، والمعنى واحد ، فإذا علمت ما ذكر تبين لك جمع الألوهية لشتى الأضداد ، ومن جملة جمعها للأضداد إحاطة فلكها بالوجود والعدم ، لأن الألوهية لها الجمع بين الضدين من القديم والحديث ، والحق والخلق ، والوجود والعدم ، ففيها يظهر الواجب مستحيلا بعد ظهوره واجبا، وفيها يظهر المستحيل واجبا بعد ظهوره مستحيلا.
ويظهر فيها الحق بصورة الخلق مثل قوله عليه الصلاة والسلام : “ رأيت ربي في صورة شاب أمرد “ الحديث .
ويظهر الخلق بصورة الحق ، كما في قوله : “ إن الله خلق آدم على صورته “ .

ومن ثمّ عبّر أبو سعيد الخزاز - رضي الله عنه - بقوله حين سئل بما عرفت الله قال :
“ بجمعه بين الأضداد “ ، فلا تفهم منه مطلق الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، والقريب والبعيد ، والقديم والحديث ، والواجب والمستحيل ، والوجود والعدم ، وعلى هذا التضاد ، فإنها تعطي لكل شيء مما شملته من الحقائق حقه .
واعلم أن ظهور الحق في الألوهية على أكمل مرتبة وأعلاها وأفضل المظاهر وأسماها .
وظهور الخلق في الألوهية على ما يستحقه الممكن من تنوعاته وتغيراته وانعدامه ووجوده .
وظهور الوجود في الألوهية على مثال ما يستحقه مراتبه من حيث الحق والخلق وأفراد كل منهما .
وظهور العدم في الألوهية على بطونه وصرافته وإنمحائه في الوجه الأكمل غير موجود في فنائه المحض .

واعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لصراطه المستقيم واتباع الدين المحمدي القويم - أن ما نقش في طروس صفات الله العظيم لا يقبله ( 1 ) أهل الإيمان والتعظيم وإلا فالعقل لا يدركه من حيث طريق ( 2 ) الفكري فهو لا يدرك بالفكر ولكنه يحصل بالكشف الإلهي المعبّر عنه بالتجلي الذاتي ، فإذا كشف ذلك عبد من عباد الله ذاق هذا العلم المخصوص المحض من هذا التجلي العام المعروف بالتجلي الإلهي ، وهو موضع حيرة الكمّل من أهل الله تعالى .

وإلى ذلك أشار سيد أهل هذا المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام : “ أنا أعرفكم بالله وأشدكم خوفا منه “ فما خاف صلى الله وسلم من الرحمان ولا من الرب ، وإنما خاف من الله ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ. سورة الأحقاف ( 46 ) : الآية 9 .
على أنه أعرف الموجودات بالله ، فالمعنى - من باب الإشارة في معنى الآية - أنه ربما يبرز من ذلك الجانب الإلهي أي لا أدري أي صفة [ أظهرها في المعنى الإلهي ] ولا أظهر إلا بما يقتضيه حكمها وليس لحكمه قانون لا نقيض له ، فهو يعلم ولا يعلم ، ويجهل ولا يجهل ، فسبحان من جعل غاية المعرفة في حقه العجز [ عن معرفته ] .

اعلم أن للألوهية سرا ، وهو أن كل فرد من الأشياء التي يطلق عليها اسم الشيئية - قديما كان أو محدثا ، معدوما كان أو موجودا - فهو يحوي بذاته جميع بقية أفراد الأشياء الداخلة تحت هيمنة الألوهية - بتأخير النون عن الميم - لأنها عبارة عن التجلي الإلهي الإطلاعي التصريف بحكم الاستقلال في التصريف والشمول .

وأما الهينمة - بتأخير الميم عن النون - فهي عبارة عن سريان وجود الحق في المراتب الإلهية والخلقية بحكم الظهور في الجميع على ما تستحقه كل مرتبة من الأحكام ، والشؤون ، والمقتضيات ، والظهور ، فافهم .
فمثل الموجودات كمثل مرآي متقابلات توجد جميعها في كل واحدة .

فإن قلت : أن المرايا المتقابلات قد وجد في كل منهما ما وجد في الأخرى ، فما جمعت الواحدة من المرائي إلا ما بقي عليه ، وبقيت الأفراد المتعددات من المرائي التي تحت كل فرد منها جميع المجموع ، ساغ بهذا الاعتبار أن تقول ما حوى كل فرد من أفراد الوجود إلا ما استحقته ذاته ، لا زائد على ذلك .
وإن قلت : باعتبار وجود الجميع من المرايا في كل واحدة أن كل فرد من أفراد الوجود فيه جميع الموجودات جاز لك ذلك فافهم .

واعلم أن الألوهية مرتبة الذات الإلهية ، ومعنى كون الألوهية مرتبة الذات هو أن كل شيء له ذات ومرتبة ، فللحق سبحانه ذات ومرتبة ، فذاته واجب الوجوب لا كلام فيها ، وهو منزه عن العالمين بذاته ، وليس للمخلوقين تعلق النسبة بالذات إلا بمرتبتها ، فبها اتصل المرحوم بالرحمن ، وبها ظهر العدل والإحسان ،وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ” سورة الأحزاب ( 33 ) : الآية 4 “ وهو “ المستعان “ وعليه التكلان .


الأحد في سمائه

قوله رضي الله عنه : الأحد في سمائه .
( 1 ) اعلم أن الأحد اسم ذاتي لله تعالى ، وصفته الأحدية ، وهي عبارة عن مجلى ذاتي ليس للأسماء والصفات ولا لشيء من مؤثراتها فيه ظهور ، فهي اسم لصرافة الذات المجردة عن الاعتبارات الحقية والخلقية ، إذ ليس لتجلي الأحدية في الأكوان مظهر أتم من ذاتك ، إذ الله في أنت من غير أن يثبت في ذاتك شيئا مما تستحقه من الأوصاف الحقية أو هو المنزه من كل [ الصفات ] الخلقية فهذه الحالة من الإنسان أتم مظهر للأحدية في الأكوان فافهم .


واعلم أن تجلي الأحدية هو أحد تنزلات الذات من ظلمة العماء إلى نور المجالي ، فأعلى تجلياتها هو هذا التجلي ( 1 ) وتنزهها من الأوصاف والأسماء والإشارات ( 2 ) والاعتبارات جميعا بحيث وجود الجميع فيها من حكم البطون في هذا التجلي لا بحكم الظهور وهذه الأحدية في لسان العموم هي عين الكثرة [ المتبوعة ، المتنوعة ] وهذا في المثل كمن ينظر من بعيد إلى جدار قد بني ذلك الجدار من طين وآجر وجص وخشب ، ولكنه لا يرى شيئا من ذلك ، وما ينظر إلا جدارا [ إلى جدار ] فقط ، وكانت أحدية هذا الجدار مجموع تلك الطين والآجر والجص والخشب ، على أنه اسم لهذه الأشياء ، بل على أنه اسم لتلك الهيئة المخصوصة الجدارية ، كما أنك مثلا في [ أحديتك ] واستغراقك في إنيتك التي بها أنت أنت ، لا تشاهد إلا هويتك ، ولا يظهر لك في شهودك منك

هذا المشهد شيء من حقائقك المنسوبة إليك ، على أنك مجموع تلك الحقائق ، فتلك هي هويتك ، على أنها اسم لمجلاك الذاتي باعتبار هويتك لا باعتبار أنك مجموع حقائق منسوبة إليك ، فإنك ولو كنت تلك الحقائق المنسوبة فالمجلى الذاتي الذي هو مظهر الأحدية فيك إنما هو اسم لذاتك باعتبار عدم الاعتبارات ، فالتجلي الأحدي في الجناب الإلهي عبارة عن صرافة الذات المجردة عن سائر الأسماء والصفات ومن جميع الأثر والمؤثرات ، فكان أعلى المجالي بأن كل مجلى بعده لا بد أن يتخصص حتى الألوهية ، فهي مخصصة بالعموم ، ومن ثمّ منع أهل الله تجلي الأحدية على المخلوق ، يعني : منعوا اتّصاف المخلوق بالألوهية ، لأن الأحدية صرافة الذات المجردة عن الحقية والمخلوقية ، فليس للخلق مجال من صرافة تلك المرتبة ، فتلك الصرافة الذاتية من خصائص الذات الإلهية ، ومن ثم عبّر النبي صلى الله عليه و [ آله ] وسلم بقوله : “ كان الله ولا شيء معه “ إشارة إلى الأحدية .
وأما قولهم :  “ وهو الآن على ما عليه كان “ ،
إشارة إلى الواحدية ، قيل : وأول من قال ذلك الجنيد - قدس سره - فافهم ، والله بحقيقة الأمر أعلم .


والمراد بقوله : الأحد في سمائه أي علاماته - جل من تنزه عن العلامات - يعني تجلى “ 1 “ على المعنى المفهوم من فحوى ما تقدم ذاته فهو المتجلي ، فإنه هو المتجلي - أي الظاهر - في جميع المظاهر التي دلت في احتياج صنعتها إلى صانع ، وذلك الظهور هو عين ما بطن في ذواتهم من ذات أحدية الحق - تعالى - من غير حلول فيها
كما قال تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ” سورة فصلت ( 41 ) : الآية 53 . “ - وهو ما ظهر من ذاتك -

"وَفِي أَنْفُسِهِمْ" وهو ما بطن من صفاتك ، فالذات مرئية والصفات غير مرئية ، ألا ترى إلى الشجاع في الحرب إنما يرى منه اثر الشجاعة وهي الإقدام في الحرب لا الشجاعة نفسها ، فلا يرى من الصفة إلا أثرها ، [ ف ] إذا رأيت رجلا تعلم أنه موصوف مثلا بأوصاف متعددة ، فتلك الأوصاف الثابتة له إنما تقع عليها بالعلم والاعتقاد أنها فيه ولا تشهد لها عينا ،
وأما [ الذات ، الصفة ] فأنت تراها بجملتها .
فعلامات الحق معلومة ، وأحدية ذاته فيها غير معلومة ، على أن ما علم من الخلق إلا الحق لا غيره وهذا سر جليل لو كشفه الله لك ، يعني في قولنا : ما علم من الخلق إلا الحق ،" وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ " إلى الحق بالحق في الحق ، فما ثم إلا الحق .
"سورة البقرة: الآية 213 ، وسورة النور: الآية 46 ."


الأزلي في أبد أخرياته ، الأبدي في أزل أولياته
قوله : الأزلي في أبد أخرياته ، الأبدي في أزل أولياته .
المتوقفة على موجد ، وهو الله - تعالى - الغني بذاته عن كافل [ وباذل ] ، لا أنهم مضافون إليه من حيث الأولية المعقولة في حقه - تعالى - ، مع أنهم أيضا مضافون إليه في تلك الأولية المعقولة في حقه ، على المعنى اللائق بذاته : “ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا “ ، وإنّيّته المعبّر عنها بآخريته ، في كونه الأول والآخر عبارة عن صفة وجوده الذي ليس له نهاية ولا غاية فهو الآخر بذاته في صفاته لا باعتبار وجود مخلوقاته ، واسم هذه الصفة هو الآخر ، وهو من الأسماء الإضافية ، يعني أن كلا من الاسمين المتضايفين لا يمكن ظهوره إلا بالثاني ، فكلاهما موجودان لذاته إذ هما من صفاته .

واعلم أنه كما فهمت عدم جواز قبلية الخلق في قبلية الحق - تعالى - ، تعلم أيضا انقطاع آخرية الخلق عن آخرية الحق ، فلا بد وأن يحكم بانقطاع ما سوى الله من حيث آخريته ، لئلا يلزم مسايرة آخرية الخلق لآخرية الحق .
وإلى ذلك المعنى أشار عليه الصلاة والسلام بقوله : “ إن النار تقول : هل من مزيد ؟

حتى يضع الجبار فيها قدمه ، فتقول : قط قط ، - وهذا خطاب الذلة بين يدي العزة - فينبت محلها شجر الجرجير “ فغاية ما في الجنة خضرة ، وقد وجدت الخضرة - التي هي في دار النعيم - في النار - التي هي دار الجحيم - ، فتبدلت ملائكة الغضب  
بملائكة الرحمة ، فيبدل رضوان بمالك ، وانتشى بها شجر الجرير والأمر واقع ، أي لا شك فيه ولا مرية .
واعلم أنه يترتب على هذا المعنى : أن الدار الآخرة وإن كانت مخلوقة للبقاء فلا بد وأن يحكم عليها بالانقطاع ، وإلا لزم تساوي مسايرتها الحق في الأبدية ، وذلك محال .
فإذن زوال الدنيا عبارة عن انتقال أمرها إلى الآخرة ، وزوال الآخرة انتقال حكمها إلى الحق ، فافهم .

واعلم : أن الجسم الإنساني لما كان كالعالم الدنياوي بالوضع والتفصيل ، كان حكم العالم الدنياوي إلى الزوال والفناء ، لأن ذلك من لازم الجسم الإنساني ، فكل منهما نسخة الآخر ، وعمر كل منهما على حسب هيكله ، فكان عمر الإنسان قصيرا ، لأن هيكله صغير ، وكان عمر العالم الدنياوي طويلا ، لأن هيكله كبير ، ولا بد من الانعدام والفناء ، كما أنه لا بد للإنسان من ذلك .

ولمّا كان العالم الأخروية نسخة من باطن الإنسان وروحه - إذ كل منهما نسخة الآخر - وكانت الآخرة كالروح الإنسانية باقية بإبقاء الله تعالى ، فلا تتوهم أن الجنة والنار تفنى بحال ، وما ورد من : “ أن النار تفنى وينبت في محلها شجر الجرجير “ ، فإن ذلك من حيث أقوام مخصوصة ، ففنائها وزوالها فناء مقيد لا مطلق ، لأن [ كلا منهما ] محل شهود الأعيان الثابتة التي هي معلومات العلم الإلهية ، لأن الله - سبحانه وتعالى - يظهرها يومئذ ، فيرى منها [ فيها ] كل أحد على حسب حاله ومقامه عند الله - تعالى - ، ولا شك أن النار معلوم العلم الإلهي ، فلا سبيل إلى زوال المعلوم من العلم ،وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ - سورة الأحزاب : الآية 4 .

.
يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 15:16 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 15:00 من طرف عبدالله المسافر

شرح خطبة الجيلي الجزء الثالث. كتاب الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي

كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم الجيلي 

الجزء الثالث

شرح خطبة كتاب الكهف والرقيم:-


قوله - رضي الله عنه - : البارز في كل صورة ومعنى بسوره وآياته .
( 1 ) بروزه - سبحانه وتعالى - عبارة عن ظهوره في كل مخلوق له لا بمعنى متصور ، بل بتجلي كما شاء ، كيف شاء ، على أي حال شاء :لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ  سورة الأنبياء: الآية 23 .
فاسمه الظاهر هو عين الموجودات المحسوسة والمعقولة والمعلولة والحكمية والشهادية والغيبية .

وهذا الاسم الإضافي أيضا من أسماء الصفات ، وصفته الظهور ، وهي عبارة عن تعينه - تعالى - بجميع التعينات الشهادية ، والمظاهر العينية ، والمجالي الحكمية ، جميعها في المراتب العلوية ، والسفلية ، والتقديسية ، والتشبيهية من الحقية والخلقية .
فلأجل ذلك بطن ، لأنه لا وجود لغيره حتى يظهر على ذلك الغير ، فكل وجود إنما هو وجوده ، فهو من حيث ظهوره باطن ، ومن حيث بطونه ظاهر ، فكل موجود سواه إنما يكون ظاهرا من جهة ، وباطنا من غير تلك الجهة ، بخلافه - سبحانه وتعالى - .
ومنه قول الطائفة : “ احتجب الحق بشدة ظهوره “ .
وإلى هذا المعنى أشار عبد الهادي السودي - قدس سره - في قوله :
بالظهور الصرف محتجب ..... أنت هذا صح في الأثر
أنت فيهم ظاهر وبهم  .....  ولهم لولا بقاء الأثر
لو تلاشت عنهم ظلم  .....  وانمحوا عن عالم الصور
شاهدوا معناك منبسطا  .....  ساريا في سائر القطر
ودروا أن الحجاب هم  .....  عن شهود المنظر النضر
وقضى يعقوب حاجته  .....  وانتهى زيد إلى الوطر

وكما علمت بروز الحق هو المعبر عنه بالظهور ، وأن ذلك الظهور هو عين بطون الحق من حيث اسمه الباطن ببطونه من وراء المحسوسات ، والمعقولات ، والحكميات ، والشهاديات ، والغيبيات .
فكل ما تصور في الخيال ، أو خطر في البال ، أو شاهدته بالعين ، أو سمعته بالأذنين ، أو أدركته بالعلم ، أو ميزته بالفهم ، فالله - تعالى - من وراء ذلك كله ، باطن لا تعرفه ، محيط لا تحيط به فتنعته أو تصفه .

واحذر من أن تميل إلى أحد الطرفين ، فتقف عند اسمه الباطن دون معرفة اسمه الظاهر ، أو تقف عند اسمه الظاهر دون معرفة اسمه الباطن ، والله - تعالى - هو الظاهر ، وهو الباطن .
وهذا الاسم من أسماء الصفات الإضافية ، وصفته البطون ، وهو عبارة عن العماء الذاتي الذي هو صرافة الذات المحضة في حضرة لا ينسب فيها الوجود والعدم ولا حضرة فافهم .

وهذه الحضرة باطن الأحدية ، نزلت الأحدية مستغرقة لجميع النسب والإضافات والنعوت والأسماء والصفات ، فهي وجود محض .
وبذلك المشهد العمائي باطن لها ، وهناك نكتة لو فهمتها .
وإشارته - رضي الله عنه - في كون بروزه في كل صورة ومعنى بسوره وآياته ، [ أن ] من آياته أن يبرز بلا كيف في أي صورة ومعنى بسوره وهي تنوعات جماله
 
وآياته وهي ظهوراته ، وهذا هو التشبيه الإلهي ، لأنه عبارة عن صور الجمال الإلهية ، وهي الأسماء والصفات الإلهية ، وتجليات تلك الصور هي ما يظهر به الحق - سبحانه وتعالى - في ما يقع عليه من المحسوس والمعقول ، فالمحسوس كما في قوله : “ رأيت ربي في صورة شاب أمرد “ ، والمعقول كقوله : “ أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ما شاء “ .

واعلم أن آيات الحق هي علاماته التي عرف بها وبأنه خالقها وصانعها ، لأنه لا بد للمخلوقات من خالق ، وللصنيعة من صانع ، وهو عين ذلك كله كما قال تعالى :فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، سورة البقرة : الآية 115
والوجه هو الذات ، أين ما توليت لا تدرك ببصرك سوى مخلوق مثلك قال تعالى :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ سورة الأنعام ( 6 ) : الآية 103

فلا تدركه الأبصار المخلوقة ، وهو يدركها بلطافة إدراكه ، لأن اسمه اللطيف هو الذي امتنع إدراكه بالأبصار ، وتنزه عن المكان فلا يتحيز في الجهات والأقطار ، وتعالى عن الحد فلا تعرفه العقول بالفهوم والأفكار ، وهو مع ذلك أقرب إلى الأشياء من ذواتها ، وأظهر عليها من صفاتها غاية الإظهار ، وهذا الاسم اسم صفة إلهية بهذا الاعتبار .

ولهذا الاسم اعتبار آخر وهو أن اللطيف هو الذي يسرع بكشف الغمة عند حلول النقمة ، ويسبغ بابتداع النعمة من حيث لا تتوقعها الهمة ، وقد ورد الحديث عن النبي - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - أنه قال : " إن لله في كل طرفة سبعين ألف نظرة لطف إلى خلقه “ ، فبهذا الاعتبار اسمه اللطيف من أسماء صفات الأفعال ، وصفته اللطف ، وهو عبارة عن سريان الرحمة بأنواع الإعانة والنعمة من غير انقطاع ولا امتناع .
وبالاعتبار الأول فاللطف عبارة عن غموض العلم به بحيث امتناع [ امتنع ] معرفته على الحقيقة للطفها عن مدارك الفهوم ، وتنزهه عن مبالغ غايات العلوم فافهم ، والله ورسوله أعلم .


البائن عن كل محسوس ومقول وموهوم ومعقول بينا غير بائن في بيناته
ثم قال - قدس سره - : البائن عن كل محسوس ومقول وموهوم ومعقول بينا غير بائن في بيناته .
لتنزّهه - سبحانه وتعالى - عن كل ما لا يجوز عليه ، فهو المنزّه عن المحسوسية والمقولية والموهومية والمعقولية .
هذا من باب تجليه في المرتبة لا من باب تجلّيه في الظهور ، فإن تجلّيه في الظهور يكون عن المحسوس والمقول والمرهوم والمعقول بينا يعني ظاهرا ، وهو في ذلك الظهور غير مباين في بيناته الجامعة لما يشمله البطون والظهور .
وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الفرق بين تجلّيه - تعالى - في المرتبة وبين تجليه في الظهور عند قوله : المتجلي في سرادق تنزيهه بعبارة واضحة .
ولمّا كان أمره - سبحانه وتعالى - مبنيا على التضادّ ، تحيرت الخلق في معرفته ، فكل تولّى وجهة هو مولّيها ""اقتباس من سورة البقرة: الآية 148 وهي كالتالي :وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها ""

واحتجب عمّا تولّاه الآخر ، حيث شاهدوا الحق آخذا بنواصيهم على صراط مستقيم من ذاته  ""اقتباس من الآية الشريفة :إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، سورة هود: الآية 56""

فالمعتقد الذي لأهل الملة الفلانية هو غير المعتقد الذي للملة الأخرى ، فقد حصل لهم في أنفسهم تباين في ذلك المعتقد ، وهو في نفسه غير مباين لكل من الطائفتين في اعتقادهم ، بل بيّن في بيناته

يعني أنه ظاهر بأحديته المقدسة عن مفهوم الأغيار في ظهوراته ، وهي مظاهره التي أوجدته في نفس المعتقدين ووجدته [ وجده ] المعتقدون فيها ، كما أن تلك المظاهر أيضا أدركت الظاهر فيها ، فيمن وجد الحق بواسطتها ، والمدرك - اسم فاعل - الحق في تلك المظاهر هو إدراك الحق نفسه من نفسه بنفسه بلا واسطة أغيار ، إذ الحادث لا يدرك القديم ،
ومن ثمّ عبّر الجنيد - قدس سره - بقوله : “ إذا قورن الحادث بالقديم تلاشى “ .

فإذا ينبغي يا أخي - وفقني الله وإياك ، ولا أخلاني من فيضه ولا أخلاك - أن تعلم وتفهم ما هو الناطق منك ، والعالم منك ، والسامع منك ، والباصر منك ، إلى آخر قواك المدركة لحقائق الأشياء على تفاصيلها . على أن مدركة السمع لا تقوم مقام مدركة البصر ولا العكس ، ولا مدركة اللمس تنوب عن مدركة الشم ولا العكس ، وهكذا جميع ما فيك .

على أنها أيضا لا تقوم بنفسها بل قيامها بالروح المنفوخ في صورة جسمك ، فإذا هي شيء واحد باعتبار أحدية الروح ، وأنت تعلم أنها متعددة ، على أنها في نفسها غير متعددة ، فإذا حصل لك الجهل بنفسك فأنت ببارئك وخالقك أجهل وأجهل .
فلّما كان ذلك كذلك عبر - عليه الصلاة والسلام - بقوله : “ من عرف نفسه فقد عرف ربه “ ، وكأنه - عليه الصلاة والسلام - علّق مستحيلا على مستحيل ، وعبّر عن نفسه صلى الله عليه و آله  وسلم بقوله : “ عرفت ربي بربي “ ،

فيكون معنى الحديثين - والله أعلم - : أن من عرف نفسه بربه عرف ربه بما عرف به نفسه وهو ربه ، فيكون قد عرف ربه بربه .
فعدم معرفة الإنسان نفسه بنفسه مقسوم له على كل حال ، وذلك لأن الجهل ذاتي للإنسان ، فتقوم حجة الله عليه بدعواه ، فدعواه معرفة الأشياء بما هو عين الجهل منه ، إذ نفسه من جملة الأشياء وقد جهلها ، فجهله لربه أولى .
وإلى ذلك أشار تبارك وتعالى بقوله - عز شأنه - :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. سورة الأنعام ( 6 ) : الآية 91 ، وسورة الزمر ( 39 ) : الآية 67  
يعني كما ينبغي له ذلك وهو مستحيل أن يقدر أحد الله حق قدره نفسه ، لأنه ذو الجلال والإكرام ، وذو الجلال والإكرام هو الذي عظمت ذاته ، وعظّمته مخلوقاته .
فذو الجلال عبارة عن العظيم بذاته تعالى ، وذو الإكرام تعظيم الكون له ، فذو الجلال والإكرام هو العظيم المعظّم ، فوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.

من حيث أنه ذو الجلال ، وقدروه حق تقديره حسب استطاعتهم من حيث أنه ذو الإكرام ، مع أن قدرهم إياه من حيث أنه ذو الإكرام ليس هو حق قدره ، لكن هو في الصفة المعبر عنها بالكرم صفة هذا الاسم ، حصل لهم ذلك بتطفلهم على عظيم كرمه ، إذ من كرمه إيجاده لهم من بطون العدم إلى ظهور الوجود ، فأوجدهم وعرّفهم نفسه ، وتفضل عليهم بتلك المعرفة بعد إيجادهم له ليعرفوه فعرفوه ، فمنهم العارف والأعرف ولا يكون غير هذا ، فالخلق عظموا صفات ذي الجلال والإكرام وجهلوا ذاته ، فلو شهدوه في حقائقهم من غير حلول لتجلت لهم العظمة الإلهية في الأكوان وهي هم ، فلا يشهدوا الشيء سواها وجودا ، ولكنهم لمّا عظّموه جلّوه أن يشهدوه في ذواتهم ، وما علموا أنهم أساءوا الأدب بجعلهم لنفوسهم وجودا مستقلا من دونه ، فوقعوا في عين ما احترزوا من الوقوع فيه ، فحجبوا بوجودهم عن العظمة الإلهية ، بل حجبوا بالعظمة عن العظمة ، لأنه لولا تعظيمهم له لما حجبوا عن شهوده في حقيقة الموجودات وهم منها .
وقد نبّه على ذلك بقوله تعالى :فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. سورة البقرة: الآية 115
لكن لمّا حجبوا جهلوا ذلك فما :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . سورة الأنعام: الآية 91 ، وسورة الزمر: الآية 67.
وعلى الحقيقة أن هذه الآية واقعة على جميع المخلوقات محجوبين كانوا أو مقربين ، فالأنبياء والأولياء وغيرهم من الملائكة المقربين والكروبيين العلويين جميعا :"وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ" على الإطلاق .

وإلى هذا أشار في قوله - عليه الصلاة والسلام - : “ لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، فلا أحصي ثناء عليك “ إشارة إلى العجز عن الإدراك على ذات الحق - تعالى - ، وذاك من حيث ظاهره الذي هو عبد باعتبار عبديته ، “ وأنت كما أثنيت على نفسك “ إشارة إلى عدم العجز عن الثناء على ذات الحق - تعالى - وذاك من حيث باطنه الذي هو رب باعتبار ربيته فافهم .

قال المصنف في الكمالات الإلهية :
"اعلم أن العارفين من الكمل المحققين يجتمعون في مقام التوحيد ، عارفون له بالأحدية الخاصة التي لا تنكشف إلا لأوليائه وأنبيائه ، ولكنهم يتفاوتون في معرفة قدره وذلك أمر من وراء التوحيد ، وهو عبارة عن حقيقة التعظيم الإلهي المتجلي من منظر ذي الجلال والإكرام عظيما ومعظما ، فمن تحقق في هذا المقام كان هو القطب والختام ، ولا يفهم ما قلناه إلا الفرد الذي صحت له العظمة الإلهية ، فعظمته الموجودات بالضرورة ، وقال لسمائه وأرضه :ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ” 4 “ انتهى سورة فصلت: الآية 11

فيكون المعطي ذلك المقام هو رحمة الله العامة في الأنام ، بشهادته لهم بأنهما أتيا طائعين ، وليس المقصود من السماء والأرض سوى أهليهما ، فلما أثبت لهم الطاعة أثابهم عليها ، لأن الطائع مستحق الثواب ، فلو شهد لهم أنهم أتوه عاصين لاستحقوا عقابه وهو عدله ، بإعطاء كل ذي حق حقه .
وفيه قال تعالى : -إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ. سورة الأحزاب: الآية 72
وهو القائل لسمائه وأرضه :ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. سورة فصلت ( 41 ) : الآية 11
إِنَّهُ كانَ- أي “ الإنسان “ -ظَلُوماً- لنفسه حيث أنزلها أسفل سافلين بعد أن كانت في أحسن تقويم -ظَلُوماً جَهُولًا” 3 “ بقدرها أن لها عند الله هذه الكرامة العظمى بأن تنوب عن خالقها في مخلوقاته .

وسر ذلك أنه : “ خلق آدم على صورة الرحمن “ الذي مظهره الرحمة العامة في قوله تعالى :وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. سورة الأعراف: الآية 156
واعلم أن الإنسان جرمه صغير ، وقدره عند الله كبير ، فمن ثمّ قيل : “ أن الصغير كبير - وهو الإنسان - من حيث قدره عند الله ، والكبير صغير - وهو العالم - من حيث قدره عند الله بالنسبة إلى الإنسان “ .

فالأشياء الموجودة في الإنسان هي أشرف الأمور ، كالعلم بالله مثلا فإن العالم الكبير ليس عنده مرتبة العلم بالله ولا مرتبة الوسع الإلهي المذكور في قوله : “ ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن “ .
فهذا الوسع ليس للعالم الكبير إلا من حيث الحكم وهو كون الإنسان موجودا فيه ، فللإنسان خصوصيات شريفة ، وليس للعالم الكبير خصوصية بشيء دون الإنسان ، فكلما في العالم في الإنسان ولا عكس .

ومن ثم كان الإنسان أصلا للعالم ، وكان هو المقصود من الوجود ، وله الركوع والسجود في حضرة الحق المعبود ، ومن ثم قال فيه : “ لولاك لما خلقت الأفلاك “ ، فخلق الله العالم للإنسان لا الإنسان للعالم ، ألا تراه - سبحانه وتعالى - يقول :وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. سورة الجاثية: الآية 13  
فالعالم كله مسخر للإنسان مخلوق من أجله فالإنسان هو الأصل في ذلك .
ولا اعتبار بخلق السماوات والأرض والملائكة قبل الإنسان ، فإنما جرت سنة الله بذلك أن يخلق الشجرة قبل الثمرة ، والثمرة هي المقصود من الشجرة .
فمثل الإنسان والعالم كمثل ملك لا يبرز من محل إلى محل إلا بعد تهيئة المراتب التي هي من لوازم السلطنة في ذلك المحل ، بحيث أنه لا يبرز عما هو فيه إلى ما هو قاصده إلا بعد أن يعد له جميع ما يحتاج إليه فكذلك لم يبرز الله الإنسان في الخارج إلا بعد أن أتقن نظام العالم ، فكان ما في الإمكان أبدع منه سوى الإنسان فكذا ربه .
فإذا فهمت معنى قول أفضل الكائنات عليه الصلاة والسلام : “ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “ فافهم لفظة “ لأتمم مكارم الأخلاق “ وإلا فارجع إلى الواحد الخلاق .

قال المصنف - قدس سره - في الكمالات :
“ درة يتيمة في لجة عظيمة :
اعلم - وفقك الله لمعرفة نفسك ، وأخرجك من ضيق رمسك - أن باطنك لمّا كان مغيبا منك ، وكانت فيه أمور غريبة ونكات عجيبة ، تغرب
عنك لجلالة قدرها ، فلا تكاد تفهمها للطافة أمرها ، لأنها بالكلية منافية ، لا مظاهر جارية على أسلوبه .
"" في المصدر : منافية لأمر ظاهرك ، جارية على أسلوب . المحقق .""
بخلاف ما تعلمه من نفسك ، أقاموا لك فلانا في الظاهر ليس له مسمى ، ثم وصفوه لك بما عرفوه من أوصافك فيك ، حتى تثبت أولا أن مثل هذه الأوصاف توجد في موجود من الموجودات ، فإذا دلّوك عليك عرفتها من نفسك ، ثم دلّوك على باطنك ، فقالوا : أنك نسخة من فلان المذكور بتلك الأوصاف ، أو أن فلانا نسخة منك ، فإنك لو أنصفت ذلك . "" في المصدر : فأنت ولو أنكرت ذلك . المحقق ""

من نفسك - لعدم معرفتك بك - فإن تلك الأوصاف ليست إلا لك ، أفتراك إذا غفلت عن مثل تلك الأشياء الموجودة فيك ، ورحلت عن مثل هذه الدار ولم تعرفها حقيقة المعرفة ما كنت إلا خاسرا ، ولو أعطيت من الوجود ما ذا عسى أن تعطه ، فإن الجمال المنفصل عنك - كالأموال والأولاد وأمثالها - ليس كالجمال المتصل بك من حسن الخلقة وشرف النسب في جمال الهيئة وكمال مكارم الأخلاق ، لأن الجمال الذي هو عبارة عن وجودك هو الباقي لك ، وما سواه فلا بد من مفارقته ، فمن لا يحصل على ما فيه من الكمالات فإنه أنقص الناقصين ، فافهم هذه الإشارات ، واعرف هذه العبارات ، وتأمل في فلان تعرف ما أردنا به - إن وفقك الله تعالى - ، فالله الله في معرفة أوصاف فلان في طلبها منك بطرحك وجعلك عبارة عنه ، فإنك المراد بذكره ، وليس على هذا البيان مزيد ، فلنقبض العنان ، واللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ. سورة الشورى : الآية 13. انتهى "" الكمالات الإلهية : نهاية الفصل الأول "".

ولقد أطلنا الكلام في هذا الفصل ، حتى كاد يفهم السامع أنا خرجنا عن المقصود ولم نخرج بعون الملك المعبود .

المتخلق بكل خلق في كل خلق من مخلوقاته
ثم قال رضي الله عنه : المتخلق بكل خلق في كل خلق من مخلوقاته .
لعدم شيء منسوب إلى سواه ، فهو المتخلق بكل خلق ، يعني هو الظاهر بكل صورة خلقية حسا ومعنى بلا حلول كما يشاء ، وهو السر القائم به ذات المخلوق ، لاحتياجه إلى قائم يقوم به ، وهو المكنى عنه بأنه المتخلق بكل خلق في كل خلق من مخلوقاته .
والخلق - بضم الخاء المعجمة واللام - هو حسن السيرة مع كل أحد بما يناسبه ، كما قيل : “ من زاد عليك في التخلق زاد عليك في التصوف “ .

وهذا معنى أسمائه المشار إليها في الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام : “ إن لله ثلاثمأة خلق ، من تخلق بواحد منها دخل الجنة “ ، ومن ثم كان الثلاثمأة على قلب آدم ، وإن كان خلقه هنا يشمل جميع مخلوقاته التي منها الإنسان وغيره لكنه المقصود من الوجود من أصله بلا جحود ، فالفرع أحق بأصله ، وعدد النخل كامن في تمره ، فوقع تخلقه في غير نوع الإنسان ، لأن كل موجود وجد هو فرع الحبيب ، وأقرب الفروع إليه وأزكاها لديه هو من كان له نسبة الإنسانية الجامعة بين الفرع وأصله ، ولهذا كان هذا النوع مخلوقا له على الصورة بخلاف غيره .

فإذا الأفضلية للحبيب بالأصالة ، ولغيره بالمجاز ، ولغير الغير بالتبعية ، فلا يمكن لغير الغير أن يصل إلى الحقيقة إلا بالعبور على قنطرة الحقيقة وهي المجاز ، فكان واسطة بين أصله وبين من له اللحوق بالحبيب بحكم التبعية ، وهم بقية الأكوان من غير نوع الإنسان .
واعلم أن هذه الأخلاق المشار إليها في الحديث لا ينالها أحد من بني آدم إلا من كانت نشأته يعني أنه لا يقبل التخلق بها إلا من كانت نشأته من نبيه وصار ترجمان آدم وقته ، وأما من لم يكمل كمال آدم فله منها على قدره أعطي من الكمال ، فمنهم الكامل والأكمل .
قال الإمام الأكبر - قدس سره - في الفتوحات في الفصل السادس والأربعين من مسائل الترمذي : “ إن هذه الأخلاق خارجة عن الاكتساب ، لا تكسب بعمل ،
بل يعطيها الله اختصاصا ، ولا يصح التخلق بها ، لأنها لا أثر لها في الكون ، وإنما هي إعدادات بأنفسها لتجليات إلهية على عددها ، لا يكون شيء من تلك التجليات إلا لمن له هذه الأخلاق ،

فناهيك من أخلاق لا تعلق لها لمن كان عليها واتصف بها إلا بالله خاصة ، ليس بينه وبين المخلوقين نسب أصلا ، فقول النبي - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - : “ من تخلق بواحد منها “ المراد . من اتصف بشيء منها ، أي من قامت به ، فإن الأخلاق على أقسام ثلاثة :
[ الأول ] : منها أخلاق لا يمكن التخلق بها إلا مع الكون كالرحيم .
[ الثاني ] : وأخلاق يتخلق بها مع الكون ومع الله ، كالغفور فإنه يقتضي الستر لما يتعلق بالله من كونه غفورا ويتعلق بالكون .
[ الثالث ] : وأخلاق لا يتخلق بها إلا مع الله خاصة وهي هذه الثلاثمأة ، ولها من الجنات جنة مخصوصة لا ينالها إلا أهل هذه الأخلاق ، وتجلياتها لا تكون لغيرها من الجنات ، ولكن هذه الأخلاق هي لهم كالخلوق الذي يتطيب بها الإنسان ، فإنه وجود الريح من الطيب لا تعمل فيه للمتطيب به ، فإنه يقتضي تلك الريح لذاته ، والتخلق تعمل في تحصيل هذا الخلق ، وهذا ليس كذلك ، فالثناء على الطيب ، لا على من قام به ، فكذلك هذا الخلق إذا رئي على عبد اتصف به لم يقع منه ثناء عليه أصلا ، وإنما يقع الثناء على الخلق خاصة ، فكل خلق تجده بهذه المثابة فهو من هذه الأخلاق الثلاثمأئة “ انتهى ." الفتوحات المكية المجلد الثاني ص 72 من طبعة بولاق"


فإن قلت : قولكم أن الحق جلّ وعلا تخلق في كل [ واحد ] من مخلوقاته يدل على أنه عينها ، فإذا كان هو عينها فما هذا التعدد الموجود في العالم وهو واحد - سبحانه - ، فكيف [ يقال أنه ] واحد وهو متعدد ؟ وكيف يظهر متعددا وهو واحد ؟ وما هذا التغير الواقع في هذا المتعدد وهو منزه عن ذلك التغير . ؟

الجواب : أن تعدد الظاهر في الوجود غير مناف للواحدية الإلهية ، لأن الواحد إذا قابلت به مرائي كثيرة فإن الواحد يتعدد فيها ولا يتعدد في نفسه ، فهو واحد من حيث هو ، ومتعدد من حيث تلك المرائي ، فهذا التعدد الواحدي لواحد غير متعدد ، والتغيير الواقع في الصور لا فيه ، فإن العالم في المثال بالنسبة إلى الله تعالى :وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى” سورة النحل: الآية 60
مثال الصورة المتخيلة في ذهنك المفروضة أنها غيرك بالنسبة إليك ، فهل تري التغير الواقع بتلك الصورة راجع إليك من حيث حقيقتك أم راجع إلى ذلك المتخيل المفروض ، وأنت على ما أنت عليه قبل ظهوره في مخيلتك وبعد زواله . ؟

وأيضا فإن وجود ذلك التغير اللاحق بذلك المفروض المتخيل غير حقيقي ، لأن وجود ذلك المفروض نفسه وجود مجازي غير حقيقي ، إذ لا استقلال له إلا من حيث
الفرض ، فافهم وتأمل هذه العبارات ، واخرج عن ظاهر اللفظ ، واعرف ما هو وراء ذلك ، فالله - تعالى - منزه عن المثل والممثل به ، وهو عين من نزهته عنه بدليل :وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ. سورة الجاثية: الآية 13 .
والله يهدي من يشاء إليه ."" اقتباس من سورة البقرة: الآية 213 ، وسورة النور: الآية 46 :وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.""

 
المتجلي بصور العالم من إنسانه وحيوانه ونباتاته وجماداته
منه قال رضي الله عنه : المتجلي بصور العالم من إنسانه وحيوانه ونباتاته وجماداته .
أي الظاهر بسبب العالم من إنسانه - أي إنسان العالم - ، وكل ما يشمله اسم العالم فإنه به ظهر وبه هو ظهر .
كما قال الإمام الأكبر - قدس سره - :
ليس لأنواره ظهور  .......  إلا بنا إذ لنا الظهور
"" الفتوحات المكية : ج 4 ص 326 الباب التاسع والخمسون وخمسمأئة ""

يريد بالأنوار الصفات والأسماء الإلهية ، التي لا ظهور لها إلا بوجود الخلق .
ولأنه يستحيل ظهور أثر الرازق ولا مرزوق ، والخالق ولا مخلوق ، والقادر ولا مقدور عليه ، إلى غير ذلك مما هو أثر أسمائه وصفاته .
فنحن مظهر تجليه الذي يظهر في عين ذلك الشيء فتبدو فينا الأمور ، لأنا مجلى كل شيء ومظهره ، لأن الحق الذي هو أصل جميع الأشياء إنما ظهر بنا من حيث ذواتنا وأعياننا ، فبنا تصور ، وفينا ظهر ، وذاك عين ما أراد ، ولو لم يرد لم يكن ، لأنه لا يكون إلا ما يريد ، وقد أراد فكان ما أراد ، كما قيل :
قد كان ما كان ممّا لست أذكره ..... فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر
كما قال - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - : “ تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله “ ، لأن نعمه المعبر عنها بالآلاء مشهودة العين ، وأنت عينها بل هي أنت ، ( 2 ) أراد أن تتفكر في خلق سماواتك وأرضك فوسعها كما قال :إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ. سورة العنكبوت : الآية 56
وهي معاني النسبة التي أنت مظهرها ومجلاها ، وأنت أثرها في أولاها وأخراها .
فتفكر في سمائك ، وميز حقيقة معناك ، وبثّ على أرض فقرك من أرض غناك ، لكن أنت المعني بإقامة جدار كنز موساك ، حيث قدرت على استخراج ما به سعادة أخراك عند مولاك ، فليت شعري من المعني بخطاب مولاك أنت أم ذاك ؟ .

وتجليه - سبحانه وتعالى - في كل ذرة من ذرات الوجود بلا كيف ولا شكل ولا تشبيه ، بل كما أراد وكيف أراد على الوجه المراد .
فلمّا كان ذلك كذلك كان تجلّيه فيما ظهر فيه من غير حلول ، لأنه - سبحانه وتعالى - لا يحلّ في شيء ، ولا يحلّ فيه شيء ، ولا يتصل به ما هو منفصل عنه ، ولا ينفصل عنه ما هو متصل به ، فتعالى الله عن الاتصال والانفصال ، فإذا الأمر كما قيل :فما ثم إلا الحق ما ثم غيره * وما ثم من وما ثم فاصلوخلاصة هذا الكلام و [ زبدة ] هذا المعنى الذي تحيرت فيه الأنام ما ذكره المصنف - قدس سره - في “ شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقة من العلوم اللدنية “ :

“ إن الله تعالى هو المتجلي بأعيان الموجودات على حسب ما تقتضيه قابلية كل هيئة لكل موجود ، كما أن الصورة إنما تظهر في كل مرآة بحسب تلك المرآة ، فاختلفت الصور المرئية لاختلاف المرائي وحقيقة الصورة واحدة ، كما أن الحق - سبحانه وتعالى - واحد متعدد بحسب تعدد الموجودات ، وفي الحقيقة لا تعدد ، لأن الشيء
"" الموجود في المصدر : لأن الشيء الواحد إذا تعدد بإعتبارات كثيرة راجعة إليه - المحقق . ""
“ الوحداني متعدد باعتبارات كثيرة راجعة إليه ، هو واحد غير متعدد في نفسه ، وهذه الاعتبارات هي الأسماء والصفات التي هي أعيان الممكنات “ انتهى

"" شرح مشكلات الفتوحات المكية : ذيل كلام الشيخ الأكبر : أشرقت أرض الأجسام بالنفوس""
ولمّا كان كل مخلوق كالمرآة للحق ، وكانت تلك المرايا مختلفة في نفسها ومتفاضلة في بعضها ، كان أفضل مرآة فيها تصلح أن تكون لتجلي وجه الملك ، ولا أحسن من مرآة الإنسان ، فصار الإنسان مرآة الحق ، وبه نظر إلى مخلوقاته

كما قال :  “ كنت كنزا “ الخ ، فكان الظاهر من الكنز هو الحقيقة المحمدية المعبّر عنها من بعض وجودها بالعقل الأول وبالقلم الأعلى .
ثم لما كان من له كمال التبعية في اللحوق المحمدي ناب منابه ، فكان منظور الحق في كل زمان ينظر الله به إلى مخلوقاته .

واعلم أن لكل فرد من أفراد النوع الإنساني عنده قابلية الكمال الإلهي ، لكن ما كل أحد مستعد لذلك ، فالقابلية أصيلة في كل شخص ، لأنه مخلوق من الذات الإلهي ، ومن كان كذلك فهو ذو قابلية للكمالات الإلهية ، لكن الاستعداد هو الذي يبلغك مرتبة الكمال
، فمثل القابلية والاستعداد في الإنسان كمثل الصقال والمقابلة في المرآة ، لأن كل مرآة مصقولة لا بد أن تكون قابلة لتجلي وجه الملك فيها ،
ولكن لا يحصل ذلك إلا للمرآة المستعدة لذلك .

واستعدادها على قسمين :
[ الأول ] : ضروري .
[ الثاني ] : وغير ضروري .
فأما غير الضروري فهو تزينها بأنواع الحلي يرتضيها الملك لنفسه ، لأن الملوك لا ترتضي أن تتخذ مرآة غير مزينة في الغالب ، ولا يبعد في النادر وقوع ذلك ، فمثل هذا القدر الغير الضروري مثل القيام بالشرائع للطالب .
وأما الضروري للمرآة فهو مقابلتها لوجه الملك مقابلة مسامتة ، فإذا حصل ذلك تجلى وجه الملك فيها .

قال المصنف - قدس سره - في الكمالات :
“ فتزيّنك أيها الأخ ليصطفيك الملك لنفسه إنما هو بتجردك عما سواه ظاهرا وباطنا ، وتفرغك له شهودا ووجودا ، مع القيام بالشرائع ، ومقابلتك هو مقابلتك لأسمائه ثم صفاته ثم ذاته ، حتى يظهر لك منك فيك بأنه عينك ، ولك جميع ما له بحكم الاستغراق والشمول جملة وتفصيلا ،
فتكون أنت عينه وهو عينك ، وعلى كل حال فما يكون إلا أحدكما ، وسقط الثاني . وإن شئت قلت : تكونان كلاكما موجودان [ موجودين ] لا بحكم الغيرية والتعدد ، فتكون ذاتكما واحدة وصورتكما تارة [ واحدة ] وتارة متعددة ، فاستعد أيها الإنسان لهذا الأمر العظيم الشأن . “ انتهي ، والله المستعان وعليه التكلان .
"الكمالات الإلهية : نهاية الفصل الأول ."
 

المتخلي في سرادق تنزيهه عن الفصل والوصل و
ثم قال رضي الله عنه : المتخلي في سرادق تنزيهه عن الفصل والوصل ، والضد والند ، والكم والكيف ، والتجسم والتحديد والتقييد بتشبيهه أو تنزيهاته .
اعلم - وفقك الله لمعرفة نفسك وإخراجك من ضيق رمسك - أن تجلي الحق في سرادق عزته لا يعلمه إلا هو ، وأن هذا التجلي لا يكون للمخلوق فيه نسبة ولا صلة ، فهو تجل واحد لواحد ، وهو الله الذي لا إله إلا هو ، فجميع التجليات الإلهية - التي للأكوان فيه نصيب - موجودة في هذا التجلي على أنها غير موجودة .
فمثالها :وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى. سورة النحل ( 16 ) : الآية 60

 في وجودها وعدمه [ ا ] في هذا التجلي مثال وجود الأنجم مع وجود الشمس ، فإنك لا ترى مع الشمس نجما ، مع أنها غير معدومة في نفسها ، فإعدامها من حيث العين ، وإيجادها من حيث الحكم ، فهي بهذا الاعتبار موجودة الحكم ، معدومة العين ، كذلك سائر التجليات الإلهية بالنسبة إلى [ التجلي ] الذاتي الواحدي - المتنزه عن نسبة أو صفة موجودة حكما - مفقودة عينا من حيثك لا من حيثه ، فافهم .
واعلم أن التجلي الكمالي الواحدي هو المراد بالتنزيه اللائق بذات الواجب الوجود - تعالى وتقدس - لأن تنزيهه عن التنزيه أي تنزيه الحق ، كما هو منزه عن تنزيه الخلق .
وذلك لأن التنزيه في الاصطلاح عبارة عن إفراد - القديم سبحانه وتعالى - لأسمائه وأوصافه لنفسه بنفسه بطريق الأصالة والتعالي ، لا أن المحدث ماثله أو شابهه فانفرد الحق - سبحانه وتعالى - “ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا “ .

فإذا ليس بأيدينا من التنزيه إلا التنزيه المحدث ، والتحق به التنزيه القديم ، لأن التنزيه المحدث ما بإزائه نسبة من جنسه ، ولأن اعتباره عندنا تعري الشيء عن حكم كان يمكن نسبته إليه .

وليس بإزاء التنزيه القديم تشبيه من جنسه ، لأن الحق لا يقبل الضد ، ولا يعلم كيف تنزيهه .
ولذا قالت الطائفة - رضي الله عنهم - : بتنزهه عن التنزيه ، لأن ذاته هي [ المنزّهة ] في نفسها .
واعلم أن التنزيه للحق - سبحانه وتعالى - أمر عيني يشهده الكل من عباده وهم المحققون ، ولا يكون [ ذلك ] لسواهم لعدم الأكملية ، حتى العارف لا يدرك إلا إيمانا وتقليدا ، بخلاف التشبيه الإلهي فإنه حكمي في حقه تعالى .
ثم التشبيه الإلهي محسوس ومعقول :
فالمحسوس كقوله : “ رأيت ربي في صورة شاب أمرد “ .
والمعقول كقوله : “ نوراني آراه “ .
وهذا التشبيه هو عين ذلك التنزيه ، لأنه - سبحانه وتعالى - يظهر بكل صورة كيف يشاء ، ولا يمنعه الظهور الصوري تنزهه في عينه الأقدس ، فكما أعطيت التنزيه الإلهي حقه ، كذلك أعط التشبيه الإلهي حقه .
وإلى ذلك أشار الإمام الأكبر - قدس سره - موطن الحكم بقوله :

فإن قلت بالتشبيه كنت مقيدا .... وإن قلت بالتنزيه كنت محددا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددا  ....  وكنت إماما في المعارف سيدا

"" فصوص الحكم : فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية وباقي الأبيات :
فمن قال بالإشفاع كان مشركا  ....  ومن قال بالإفراد كان موحدا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيا  ....  وإياك والتنزيه إن كنت مفردا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه  ....  في عين الأمور مسرحا ومقيدا ""
.

يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 15:26 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 15:01 من طرف عبدالله المسافر

شرح خطبة الجيلي الجزء الرابع. كتاب الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي

كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم الجيلي 

الجزء الرابع

شرح خطبة كتاب الكهف والرقيم:-

فمعنى قوله - رضي الله عنه - : أنك إن قلت بالتشبيه ولم تشهد التنزيه فقد قيدت الحق ، وهو منزه عن القيد .
وإن قلت بالتنزيه وحده فقد حددت الحق ، وهو مقدس عن الحد .
فقال لك : اجمع بين الأمرين ، فإنك لا تشهد تشبيها إلا بتنزيه ، ولا تنزيها إلا بتشبيه ، فتكون حينئذ مسددا في تشبيهك التنزيه وتنزيهك التشبيه ، وإماما يقتدى بك في علم المعارف الحقانية سيدا من السودد وهو الشرف على الغير ، ولا أعظم ولا شريف في الوجود ممن منحه الله هذا العلم وعرف حقائقه وفك علائقه وأنار صوايقه .
وكنا قد أوعدنا أن نبين وجه الفرق بين تجلي الحق - سبحانه وتعالى - في المرتبة وتجليه في الظهور عند قوله : المتجلي في سرادق تنزيهاته الخ ، وهذا محله فنقول ، وبالله نصول :
اعلم أن تجليات الحق - سبحانه وتعالى - على قلوب عباده لها من حيث المرتبة حكم ، ولها من حيث الظهور حكم .

فحكمها من حيث المرتبة عدم الجهة ، وعدم الممانعة ، والحلول ، والاتصال ، والتشبيه ، والصورة ، والتغيير .
وحكمها من حيث الظهور ما وقع به التعريف حالة التجلي على قلب المتجلى له ، فلا يستحيل إذا ظهورها بالجهة ، والممازجة ، والحلول ، والاتحاد ، والاتصال ، والتشبيه ، والصورة ، والتغيير .

لأن الله - سبحانه وتعالى - يظهر فيما يشاء كما يشاء ، فلا يقيده حكم ، ولا يحصره حد ولا رسم ، فيظهر كيف يشاء وبلا كيفية ، ويحتجب كيف يشاء وبلا كيفية ، وله التنزيه والتشبيه والاختيار :وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ.   سورة القصص: الآية 68
فقد ظهر - سبحانه وتعالى - في الكوكب لإبراهيم عليه السلام ، ولموسى عليه السلام في النار ، ويظهر لأهل المعتقدات في المحشر ، وقد نسب إليه القدم واليد والوجه والعين والسمع والبصر والضحك في الكلام .
وقد قال - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - : “ رأيت ربي في صورة شاب أمرد على سرير كذا في رأسه كذا وفي رجله كذا “ الحديث ، فهذه التي يعني بها التشبيه بالصورة على أنه في ظهورهما ينسب إليه من التشبيه منزه عن التجسيم والتصوير والحلول والجهة على الإطلاق ، وهذا هو التنزيه الذي أشير إليه بحكم المرتبة .

فمن تقيد بحكم المرتبة وحجب عن حكم ظهوره رجع إلى مطلق التنزيه ، وأول جميع آيات التشبيه على وفق ما يقتضيه التنزيه ، لا على ما هو الأمر عليه .
ومن حجب عن حكم المرتبة بالظهور سنح إلى التشبيه المطلق فقال بالتجسيم والحلول والاتحاد ، تعالى الله :سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. سورة الصافات: الآية 180.
وكلا الطائفتين محقون من وجه ، ومبطلون من وجه ، فإياك أن تعتقد تنزيها بلا تشبيه ، أو تشبيها بلا تنزيه ، بل كن منزها إن ظهر فيما تعرف به من التشبيه ، ولا تسلب عنه ما نسب إلى نفسه من التشبيه إن عرفته بالتنزيه .
قال المصنف - قدس سره - في الإنسان الكامل :

اعلم أن للحق تشبيهين :
تشبيه ذاتي وهو ما عليك [ عليه ] من صور الموجودات المحسوسة ، أو ما يشبه المحسوسات في الخيال .
وتشبيه وصفي وهو ما عليه صور المعاني الأسمائية المنزهة عما يشبه المحسوس في الخيال ، وهذه الصورة تتعقل في الذهن ولا تتكيف في الحس ، فمتى تكيفت التحقت بالتشبيه الذاتي ، لأن التكييف من كمال التشبيه ، والكمال بالذات أولى ، فبقي التشبيه الوصفي وهو [ هذا ] ما لا يمكن التكييف فيه بنوع من الأنواع ولا حين يضرب [ ولا جنس بضرب ] المثل .
ألا ترى الحق - سبحانه وتعالى - كيف ضرب المثل عن نوره الذاتي بالمشكاة والمصباح والزجاجة ، وكان الإنسان صورة هذا التشبيه الذاتي ، لأن المراد بالمشكاة صدره ، و [ ب ] الزجاجة قلبه ، وبالمصباح سرّه ، وبالشجرة المباركة الإيمان بالغيب ، وهو ظهور الحق في صورة الخلق ، والإيمان به هو الإيمان بالغيب .
"" لأن معنى الحق غيب في صورة شهادة الخلق - الجملة ساقطة في المصدر المطبوع - المحقق . ""

والمراد بالزيتونة الحقيقة المطلقة التي لا نقول بأنها من كل الوجوه حق ، ولا بأنها من كل الوجوه خلق .
وكانت الشجرة الإيمانية لا شرقية فنذهب إلى “ 1 “ التنزيه المطلق بحيث أن ننفي “ 2 “ التشبيه ، ولا غربية فنقول بالتشبيه المطلق حتى أن ننفي التنزيه ، فهي تعصر بين قشر التشبيه ولب التنزيه ، وحينئذ “ يكاد زيتها “ 3 “ يضئ “ 4 “ ولو لم تمسسه نار “ المعاني “ 5 “ التي هي نور عياني وهو نور التشبيه ، على نور إيماني وهو نور التنزيه :يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” . سورة النور: الآية 35

فكان هذا التشبيه تشبيها ذاتيا ، وهو وإن كان ظاهرا بنوع من ضرب المثل ، فذلك المثل أحد صور حسنه ، كما لو ظهر العلم في صورة اللبن في عالم المثال ، فإن تلك الهيئة البنية أحدى صور معاني العلم بحمله له ، فكل مثل ظهر فيه الممثل به ، فإن المثل أحدى صور الممثل به ، لظهوره به وحمله له فافهم .

فكانت المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة والزيت واللاشرقية واللاغربية والإضائة والنار ...  والنور الذي هو نُورٌ عَلى نُورٍ"سورة النور: الآية 58 "جميعها بظواهر مفهومها صور. ذاتية لجمال ذات الله تعالى :وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” . سورة النور : الآية 35

[ وهو ] معنى جماله ، لأن العلم معنى في العالم بالشيء فافهم  انتهى  "" الإنسان الكامل : الباب الحادي عشر في التشبيه""

 

سبوح سبحت أسمائه في بحار كنهه فغرقت دون الوصول إلى غاياته
ثم قال رضي الله عنه : سبوح سبحت أسمائه في بحار كنهه فغرقت دون الوصول إلى غاياته .
أشار - رضي الله عنه - إلى أن أسمائه وصفاته - تعالى - غير واقعة على ذاته حقيقة كما هي الذات عليه ، بل للذات أمر من خلاف الأسماء والصفات ، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بسط الكلام في ذلك عند قوله : فتحيرت تحير الله أعني اسم الله في عين ذاته .

واعلم - أيدك الله لتوفيقه - أن هذه الكلمات المعبّر عنها والإشارات المترجم عنها [ عاجزة للدلالة ] على ذات الحق - تعالى - كائنة ما كانت ، بل حاسرة خاسرة أن تقع على حقيقة أسمائه وصفاته ، لأنها لا حقة بذاته .
وإنما تلك إشارات من الكمّل - رضي الله عنهم - ليوصلوا إلينا حقائق التوحيد ومعارف التفريد في سطور هذه العبارات ورموز هذه الإشارات ، فكل إشارة دلت عليه فقد أضربت عن حقيقته صفحا وكل عبارة أهدت إليه فقد ضلّت عنه جمحا .
والمراد بالبحر في قوله : سبحت أسمائه في بحر كنهه العلم الذاتي .
والكنه عبارة عن الذات، وذلك العلم هو محل الذات ، ليس للقديم محل سوى علمه ، فغرقت أسمائه وصفاته دون الوصول إلى غايات ما للذات.

فإن للذات أسماء مستأثرات لم يكن للاسم الله الاطلاع عليها ، فهي من خصائص الذات .
وللاسم الله أسماء مستأثرات لم يكن للأسماء اطلاع عليها فهي من مستأثراته حتى عن الاسم الرحمن .
فإذا كان الاسم الله لم يكن له ما للذات من كل الوجوه فبقية الأسماء من باب أولى ، لأنها بالنسبة إليه سدنة بين يديه ، ومن ثمّ وصفها بأنها غرقت - أي استهلكت - في ذاته - تعالى - ، فبطن عنها معرفة ما لذاتها كما هي الذات عليه ، وتنزهت الذات عن [ اتصافها ] بأسمائها بها .
ومن ثمّ عبّرت الطائفة - رضي الله عنهم - بأن الذات ليس من حيث هي هي ليس لها بأيدينا اسم معين ولا [ صفة ] معينة ، لأنها حضرة الجمع والوحدة ، وجمع الحضرات وفرقها ، فليس لها مما تعرف الله به أيضا اسم ولا صفة ولا نعت ، لأن الأسماء والصفات للتعيين والتمييز والفرق ، وليس هناك وجهة فتتميز عن أخرى ، ولا صفة فيتعين ثبوتها على معنى دون غيرها ، ولا ثم إلا وجود مطلق محض [ واقع ] للاسمية والوصفية والذاتية .

ولهذا ذهبت طائفة من أهل الله إلى أن الأسماء كلها أسماء صفات حتى اسمه الله واسمه الرحمن ، نظرا إلى هذه الحضرة الذاتية التي لا يقع عليها اسم - مما تعرف به إلينا - ولا نعت ولا وصف ولا صفة بوجه من الوجوه ، لأن الصفة إنما تكون لأجل التعرف بمعنى من معاني الكمالات الإلهية ، والاسم إنما يكون لأجل العلمية حتى لا يقع التنكير ، وليس لحضرة الحضرات تخصيص ولا تنكير ولا تعريف ولا ظهور ولا بطون ولا نسب ولا إضافة ولا تعبير ولا غيبة ولا شهادة .

ولأجل ذلك قيل فيها أنها حقيقة الحقائق ، لأنها لا تتقيد باسم العدم ولا باسم الوجود ، وعبر عنها مجازا بحضرة الحضرات ، لأنها لا تتعين ولا تنحصر بحضرة دون أخرى ، فلا يقع عليها اسم من الأسماء على التخصيص ، ولو وقع عليها اسم من الأسماء التي تعرف بها إلينا لم يبق عند الله اسم مستأثر ، وعدم وقوع الأسماء على الحضرة الذاتية هو عين الاستيثار .
فالحضرة الذاتية كنهها اسمها ، واسمها عينها ، وعينها علمها بها .
فلأجل ذلك استحال أن يكون للمخلوق منها نصيب بوجه من الوجوه ، فلا سبيل إلى معرفة ذات الله تعالى .
فإن كنت غيره فليس لك فيه قدم ، وإن كنت عينه فاعرفه أنت .

فهنا كلت العبارات ، وضاعت الإشارات ، وانقطعت السبل ، وحسرت الإدراكات ، وغرقت سفائن الأسماء والصفات في هذا البحر الذي ليس له ساحل اسم ولا فيه منهج رسم ، فلا يعلم ما هو إلا هو .

فلذا عبر بقوله : سبوح وهو المبالغ في التسبيح الذي هو التنزيه ، وهذا هو تنزيه ذاته في ذاته بذاته ، فغرقت دون الوصول إلى ذلك التنزيه سفائن أسمائه وصفاته .
فاعتبر ذلك في ميزانك ، واطلب الفيض من رحمانك ، عساه يسعفك بترجمانك ، ليقيم لك شرك المعارف ، لعلك تنال درجة المحقق العارف ،وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ. سورة الزخرف : الآية 4  . وهو يهدي إليه من أراده له فلا يكله عليه .


متصف بكل وصف ، مؤتلف بكل ألف ، مجتمع بكل جمع ، ممتنع بكل منع.
ثم قال رضي الله عنه : متصف بكل وصف ، مؤتلف بكل ألف ، مجتمع بكل جمع ، ممتنع بكل منع ، مفترق بكل فرق ، مطلق بكل طلق ، مقيد بكل قيد ، محدود بكل تحديد ، مقدس متنزه في تشبيهاته .

اعلم أن الاتصاف ، والائتلاف ، والاجتماع ، والافتراق ، والانطلاق ، والتقييد ، والتحديد ، والتقديس ، والتشبيه لا يمنع أن يقع على الله - سبحانه وتعالى - على الوجه الذي قررناه والحكم الذي بيناه من جوازه عليه من حيث التجلي الظهوري .
ويمنع أن يقع عليه من حيث التجلي في المرتبة المقتضية للتنزيه الإلهي ، فما أورد - قدس سره - هذه الألفاظ إلا ليفهمك معنى صرافة التوحيد إن كنت ممن يفهم ، وإلا فلو أتتك الحقائق فجأة لكنت بها غير بصير وبعلمها غير خبير .
جعلنا الله وإياك ممن سمع عنه ، وأخذ حقيقة علمه منه .[ مقدس متنزه في تشبيهاته ]

وأشار بقوله : مقدس متنزه في تشبيهاته مع أن المقدس هو المتنزه لنكتة أراد أن يفرق بها بين التنزيه الذاتي والتنزيه الصفاتي .
وذلك أن اسمه القدوس هو الذي تنزه عن سائر صفات النقص من الاتصاف والائتلاف والاجتماع والامتناع إلخ ما تحويه مرتبة النقص فهو المنزه عنها تنزيها ذاتيا لا تنزيها صفاتيا .
قال المصنف قدس سره في الكمالات :
 “ والفرق بين التنزيه الذاتي والتنزيه الصفاتي :
أن التنزيه الذاتي هو سلبك الشيء عمن ليس ذلك الشيء من صفاته بوجه من الوجوه ، كما تسلب الخشبة في اللؤلؤة فتقول : أنزه اللؤلؤة أن تكون خشبة .
والتنزيه الصفاتي هو سلبك الشيء عما لا تقتضيه صفاته ، كما تسلب الجور والظلم عن الملك إذا تصرف  فيما هو يملك .
فتقول : ما ظلم ، بل تصرف في ملكه لا في ملك غيره ، فتسلب عنه صفة الظلم ، لاقتضاء صفاته المالكية لا لذاته .
فالقدوس هو المنزه عن النقائص كلها تنزيها ذاتيا ، وهذا الاسم اسم صفة ، وصفة هذا الاسم هي القدسية [القدوسية] ، وهي عبارة عن التجلي الأقدسي الأول المنزه عن حكم المظاهر الخلقية .


والفرق بين التجلي الأقدسي والتجلي القدسي :
أن التجلي القدسي عبارة عن ظهوره في المظاهر الخلقية بحكم التنزيه عن نقائصها . 
والتجلي الأقدسي عبارة عن ظهوره لنفسه من غير مظاهر خلقية .
فالأقدسية تجليه الغيبي - بالغين المعجمة - ،
والقدسية تجليه الشاهدي العيني - بالعين المهملة - .
وحضرة القدس هي عبارة عن محل ظهوره في أي محل كان الظهور ، وذلك المحل هو علمه بنفسه ، وحضرة القدس هو علمه بنفسه ، لأنه يظهر في علمه له ، والله أعلم . “ انتهى. "الكمالات الإلهية : الفصل الأول : الاسم السادس من الأسماء الإلهية : القدوس"


لا يحصره الأين ولا يخلو منه ، ولا تدركه العين ولا يستتر عنه ، خالق معنى الخلق
ثم قال رضي الله عنه : لا يحصره الأين ولا يخلو منه ، ولا تدركه العين ولا يستتر عنه ، خالق معنى الخلق عرض على جوهر هو حقيقة ذلك الجوهر ولا عرض يعتريه ( 1 ) ، أي : ولا عارض يعترضه في خلقه للخلق ، رازق معنى الرّزق [ تنزّله ] في رتبة سمّاها خلقا ليوفي [ بها ] حكم مرتبته الأخرى على ما تطلبه الحكمة أو يقتضيه حكم تقديراته .

قوله - قدس سره - : لا يحصره الأين الخ
اعلم أن الأين هو المكان ، والله - تعالى - منزه عن المكان ، ولا يخلو منه .
أي ولا يخلو الأين منه ، لأن الأين مخلوق ، وكل مخلوق محفوظ بنظر الله - سبحانه وتعالى - ، وهو الذي لولاه لما كان الأين المخلوق أينا مخلوقا .
ولا تدركه العين الخلقية كما قال :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ. سورة الأنعام: الآية 103 .
في إدراكه ، بحيث أن ذلك اللطف اقتضى أن لا يدرك لغيره ، "وهوالْخَبِيرُ" بأنه لا يدرك لسواه ، وهو يدرك سواه ، فلا في الكون على الحقيقة إلا إياه .
خالق معنى الخلق وهو أرواحهم المدبرة لأجسامهم ، والمقصود من الخلق معنى الخلق ، وهو الروح التي قام بها الجسم .
عرض على جوهر  يعني أنه - سبحانه وتعالى - خلق الخلق وهي الأجسام ، ومعانيها وهي الأرواح ، وذلك الخلق هو عرض على جوهر ، فالعرض هو الجسم ، والجوهر هو الروح ، والله حقيقة العرض والجوهر ، لعدم وجود شيء بنفسه ، وإنما وجود الأشياء بالله ، فكما أن الروح مخلوقة لله ، كذلك العرض مخلوق لله ، والله حقيقة كل مخلوق ، وتلك الحقيقة هي الشيء المشار إليه في قوله تعالى :كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ   سورة القصص: الآية 88 .  
أي إلا وجه ذلك الشيء .[ هو حقيقة ذلك الجوهر ]
وقوله : هو حقيقة ذلك الجوهر
كما قال تعالى :وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قليلا ” سورة الإسراء: الآية 85 .
، فالمراد بالجوهر في قوله : هو حقيقة ذلك الجوهر الروح الإلهية التي هي عين أرواحنا ، لكن بنسبتها إلينا قيل حادثة ، وبنسبتها إليه قديمة ، وهي الروح الإضافية في قوله تعالى ":وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي". .سورة الحجر: الآية 29 ، وسورة ص: الآية 72  

فعند أهل الظاهر أن النفخ إنما وقع في آدم وحده ، وعند المحققين - رضي الله عنهم - أن النفخ الإلهي واقع في كل فرد من أفراد الآدمي .[ ولا بعرض يعتريه ]
وقوله : ولا بعرض يعتريه .
 أي أن الحق من حيث هو حقيقة جوهر ذاتك ، لا يلحق بذلك الجوهر عرض من حيث الحق لا من حيثك ، والجوهر واحد ، لكن بنسبته إليك اعترته الأعراض ،
وبنسبته إلى الحق لا تعتريه الأعراض ، لعدم جوازها عليه ، سبحان من ليس بعرض ولا جوهر .[ رازق معني الرزق ]

وقوله : رازق معني الرزق ( 1 ) ، اعلم أن معنى الرزق هو السر الذي جعله الله - سبحانه وتعالى - في الغذاء المحسوس ، فالغذاء المحسوس حامل للرزق المعنوي فيه الذي هو أثر اسمه الرازق ، فالغذاء صورة حسية باطنة [ باطنه ] صورة معنوية غير مشهودة بالكيفية .
ومن ثمّ عبّر أمير المؤمنين علي - كرم الله وجهه - بقوله حين سئل فيمن جعل في بيت وطين عليه ، من أين يأتيه رزقه ؟ قال : “ من حيث يأتيه أجله “ ، فافهم هذا السر وتدبره .[ ينزله في مرتبة سماها خلقا . . . . . ]

وقوله : ينزله في مرتبة سماها خلقا ليوفي حكم مرتبة أخرى
 أي ينزل ذلك المحمول في الرزق في المرتبة النباتية- وهي الثامنة والثلاثون من مراتب الوجود - وهي من جملة الخلق - أي المرتبة النباتية–

فلذلك قال المصنف - قدس سره - :
سماها خلقا ، أي أن الحق سمّى تلك المرتبة النباتية خلقا ، لأن ما سواه خلقه ، فهي سواه ، فهي خلقه .
وقوله : ليوفي حكم مرتبة أخرى ،، أي من مراتب الوجود ، وهي المرتبة الحيوانية والإنسانية الموجد لهما - سبحانه وتعالى - المرتبة النباتية الحاملة للمعنى المرزوقين به بواسطة حملها ، وذلك لاقتضاء هذه الدار ، لأن أمورها لا تنال بغير واسطة ، فسبحان الحكيم العليم .

وقوله : على ما تطلبه الحكمة أو يقتضيه حكم تقديراته ، لأن أمر الدنيا منوط بالحكمة ، وشأن الحكمة الإلهية إعطاء كل ذي حق حقه بالقسطاس العدل ، أو بما يقتضيه حكم تقديراته ، لأنه " يَفْعَلُ ما يَشاءُ” سورة آل عمران: الآية 40 ،" ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ " سورة الحج: الآية 18 ،
وفعله عدل ، لأن الكون لا يستحق على بارئه شيئا من الأشياء ، فهو الذي أوجد وأولى ، ثم طهّر من شاء وزكّى ، ثم مدح من وفق لذلك وأثنى ، وأثاب عليه الجزاء الأوفى ، فله الفضل بدء وعودا ، والحمد أولى وأخرى .


مجهول في حقيقة غيب : “ كنت كنزا لم اعرف
ثم قال رضي الله عنه : مجهول في حقيقة غيب : “ كنت كنزا لم اعرف “ بعد تعرّفه إلى خلقه بما عرف من تعريفاته .
اعلم أن الحق سبحانه وتعالى هو الذي تعرّف إلى خلقه ليعرفوه .
وتعرّفه الذي به عرفوه هو الظاهر في الكنز المخفي .
والظاهر في الكنز المخفي هو الحقيقة المحمدية .
وبعد هذا التعرّف من الحق لخلقه هو باق على ما عليه كان ، كما قال سيد أهل هذا المقام عليه الصلاة والسلام : “ كان الله ولا شيء معه “ ، أي كان الله قبل أن يخلق وبعد خلق الخلق في غيبه الأحدي المجهول لخلقه من كل الجهات .
ومن ثمّ أشار شيخ الطائفة الجنيد - قدس سره - بعد قوله عليه السلام : 
“ كان الله ولا شيء معه “ فقال : “ وهو الآن على ما عليه كان “ .
فعلم من هذا أنه - سبحانه وتعالى - لم يزده ظهور الخلق ووجودهم مرتبة لم تكن له ، لأن ظهورهم ووجودهم مرتبة من المراتب ، وكل مرتبة - حقية كانت أو خلقية - فهي لله بطريق الأصالة لا منازعة في ذلك .
فكان في غيبه قبل ظهور المراتب ومع ظهور المراتب وبعد ظهور المراتب ، وهو الذي ظهر فيها ومعها وقبلها ، لا بقبلية زمان ، ولا معية مكان ، ولا بعدية أوان .

وقوله : مجهول في حقيقة غيب “ كنت كنزا مخفيا لا أعرف “
أشار بذلك من حيث التجلي الذاتي الذي هو واحد لواحد [ لا أحد ] وهو المعبر عنه بتجلي النقطة فإنها غيب الغيب ، وهو الذي أشار إليه في قوله : مجهول في حقيقة غيب كنت كنزا كما نقول : زيد مجهول في غيب الدار ، فالدار ظاهر ، وباطنه غيب ، وزيد باطن ذلك الغيب ، فإذا هو غيب الغيب .

فلمّا لم يكن لأحد من المخلوقين قوة قابلية على شهود ذلك التجلي أقرّوا بالعجز عن معرفته ، فقال الصديق الأكبر - رضي الله عنه - : “ العجز عن إدراك الإدراك إدراك “ وفي رواية : “ العجز عن درك ذاك إدراك “ ، فقال سيد أهل هذا المقام : “ ما عرفناك حق معرفتك ، أنت كما أثنيت على نفسك “ ، فرجع إلى الله في معرفة الله بالله ، وأحال أنه كما يعلم نفسه ، وأبان هو - سبحانه وتعالى - معنى ذلك ، فقال مخاطبا عما هنالك :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ”. سورة الأنعام: الآية 91 ، وسورة الزمر: الآية 67 .

ثم لمّا كانت رتبة الصديقية دون مرتبة النبوة قال صاحبها بلفظ العجز صريحا عن حاله ، فقال صاحب الختام معبرا عن عجز الأنام : “ ما عرفناك حق معرفتك “ ، على لسان أمته ، معتذرا لهم عند المعروف الذي لا يعرف لسواه .
وعن نفسه : “ أنت كما أثنيت على نفسك “ أي عني .
ومن ثم كان هو الكنز المخفي المتعرف به إلى خلقه ليعرفوه به ، فعرفه خلقه به .
ومعرفتهم له دون معرفته بنفسه ، لكن تلك حسب استطاعتهم كما قال تعالى :اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ . سورة آل عمران: الآية 102
 ، ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى لا يأمر العبد تكليفا بما لا يمكنه القيام به .
فحق التقوى هو حق المعرفة بالله تعالى ، وهو ممكن بدليل قوله تعالى :فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. سورة التغابن: الآية 16 .  
والاستطاعة الإنسانية تقوى لذلك .
وعلمنا أن المراد بالتقوى من باب العبادة وهي المعرفة بدليل قوله تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ". سورة الذاريات: الآية 56
وأطبق العلماء بالله على معناه ليعرفون ، فلمّا تفسرت العبادة بالمعرفة علمنا أنها المراد بالتقوى ، وليس التقوى إلا عين العبادة ، وليست العبادة إلا عين المعرفة ، فأنفس العباد مفطورة على معرفة الله تعالى .
وإلى ذلك أشار بقوله عليه الصلاة والسلام : “ كل مولود يولد فعلى الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه “ ، يعني أن الكل على الفطرة الأصلية ، التي هي عبارة عن حقيقة التوحيد المأخوذ عليهم فيه العهد ، حيث قال الله تعالى لهم :أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. سورة الأعراف: الآية 172.
فهم مولودون على تلك الفطرة :لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ". سورة الروم: الآية 30  
فهم على ذلك في كل حال ، والتهود والتنصر يرجعان إلى طريق المعرفة المختصة بهم من حيث ما أتت الرسل به فافهم .
فإذا ما في الوجود جاهل به أبدا - سواء كان كافرا ، أو مؤمنا - فما ثمّ إلا عارف وأعرف منه .
وغاية ما في الباب أن الكافر أنكر وجود الله - تعالى - من حيث الصفات الكمالية الإلهية ، وأثبته من الوجود الخلقي ، لأنه لا يقدر أن ينفي الموجودات ، ولمّا أثبتها فقد أثبت وجود الله ضمنا لأنه المتجلي بحقائق الموجودات في الموجودات لا كشيء في شيء ، فمن أثبت وجود موجود فقد أثبت وجود الله - تعالى - على ما هو له بذلك الاعتبار ، وعرفه من ذلك الوجه حق المعرفة .

قال المصنف - قدس سره - في حقيقة الحقائق :
“ ولهذا آل الكل إلى السعادة ، لأنه القائل : سبقت رحمتي غضبي ، ومن لاحظ هذا المعنى عرف ما أشار إليه محيي الدين بن العربي - رضي الله عنه - من ذكره لفرعون في كتاب الفصوص “ انتهى .

جعل لاسم الخلق محلّا مّن ذاته لا تتعدّاه لذاته ولا يتعدّاه
ثم قال رضي الله عنه : جعل لاسم الخلق محلّا مّن ذاته لا تتعدّاه لذاته ولا يتعدّاه ، ورسم لاسم الحقّ حكما من ذاته لا يفيدك سواه ، وحكم لألوهيّته جمعها فلم يك مرمى لّعزّة وّراء الله ، لألوهيّته الحيطة بأحديّته ، ولأحديّته السّلطنة على واحديّته في ترتيباته .

اعلم أن الحقّ - سبحانه - ليس له محل سوى علمه ، وبواسطة علمه علمته مخلوقاته ، ثم تفاوت على العالمين بحسب مراتبهم عنده - تعالى - ووسع قوابلهم وتزكيتها وتطهيرها من شوب الأكدار ولوث الأغيار .

فأفضل علم وأزكاها وأفخره وأنماه هو علم التوحيد المخصوص بالأمة المحمدية ، 
وقولي : المخصوص بالأمة المحمدية ، لأنهم وحّدوا الحق - سبحانه وتعالى - على الإطلاق ، ولم يقيّدوه بمظهر دون مظهر ، بخلاف غيرهم من الأمم ، لأنّ منهم : من جعله ثالث ثلاثة .
ومنهم من جعل معه شريكا .
ومنهم من قال بالصاحبة والولد .
وعلى الحقيقة لم يقم بالتوحيد الصرف سوى الأمة المحمدية ، وقد جمع الله لهم ذلك التوحيد في آية من كتابه العزيز وهي قوله تعالى :"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " نزّه "وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" شبّه ،
فلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تنزيه ،وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ تشبيه . سورة الشورى: الآية 11

والتوحيد هو أن تشهد : تشبيه الحق عين تنزيهه وتنزيهه عين تشبيهه .

هذا على أن الكاف فيكَمِ ثْلِهِ زائدة ، وإذا كانت على بابها فيكون فلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تشبيه [ تشبيها ] ،وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ تنزيه [ تنزيها ] ، لأنه يسمع لا بسمع ، ويبصر لا ببصر ، على أنه يسمع بسمع ، ويبصر ببصر ، لكن بصره عين سمعه ، وسمعه عين بصره ، لأنه بذاته يسمع ، وبذاته يبصر ، فيسمع بما به يبصر وهي ذاته ، ويبصر بما به يسمع وهو ذاته ، وذاته هي المنزهة فافهم .

ثم هم في ذلك التوحيد متفاوتون :

فمنهم : من وحده في أفعاله .

ومنهم : من وحده في أسمائه .

ومنهم : من وحده في ذاته وهو أعلى مقامات التوحيد ، وأهله هم المشار إليهم في الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام : “ علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل “ ، وهم العلماء بالله تعالى .

وسنبين إن شاء الله تعالى بأن هذه المراتب الثلاثة في توحيد الأفعال ، والأسماء ، والصفات ، وأسماء الذات - ويعبر عنها تارة بعبارة التوحيد ، وتارة بعبارة الفناء ، ولا فرق بين التوحيد والفناء إلا من حيث اللفظ لا من حيث المعنى ، فإذا عبر عن مقامات التوحيد فهي عبارة عن مقامات الفناء ، وإذا عبر عن مقامات الفناء فهي عبارة عن  مقامات التوحيد ، فالموحد لله في الأفعال هو الفاني عن الأفعال يعني عن شهود الأفعال لغير الله تعالى - عند قوله رضي الله عنه : مركز كنه الحقائق والتوحيد بيانا شافيا كما يشاء ،ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ”. سورة الحديد: الآية 21 ، وسورة الجمعة: الآية 4 .

ثم اعلم أن غاية علم العلماء بالله أن يعلموا أن الله واحد لا شريك له ، فرد لا ضد له ، إلى آخر ما تعرف به إلينا من أسمائه وصفاته الدالة عليه به ، فإذا لم يدركوا من المعلوم إلا العلم ، وعلمهم قائم بعلمه ، ولا يلزم من إدراك العلم إدراك المعلوم ، فلهذا قال المصنف - قدس سره - فجعل
( 1 ) أي الحق لاسم الخلق
( 2 ) أي للحقيقة المسماة بالخلقية محلا من ذاته
( 3 ) وهو علمه لتعلمه به ، فما علمته إذا إلا به ، فإذا كان علم العلماء بالله ما فهمت فما بالك بمن عداهم فمن باب أولى .

ورسم لاسم الحق حكما
وقوله : ورسم لاسم الحق حكما ، أي معنى من ذاته - تعالى - لا يفيدك سواه
أي سوى ذلك المعنى كما للخلق معرفة بواسطة علمه لا تتعداه ، أي الخلق كذلك أيضا جعل لاسم الحق - وهو الخلق المخلوق به المعبر عنه في الاصطلاح بالإنسان الكامل 
الذي هو الحقيقة المحمدية البارزة من كنز غيب الأحدية - لا يفيدك في معرفة الله - تعالى - سواه أي سوى محمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - في إتباعك إيّاه بما جاء به من جميع الكمالات .
ولله درّ من قال :
فأنت باب الله أي امرئ  ......  أتاه من غيرك لا يدخل

 
وحكم للألوهية جمعها فلم يك مرمى لعزة وراء الله

قوله : وحكم للألوهية جمعها فلم يك مرمى لعزة وراء الله ، أي وحكم للألوهية بالشمول لما اختصّ بالحق المخلوق به ، والألوهية هي المتجلى بها على الحقيقة المحمدية ، فمحمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو الجامع لما اشتملته الألوهية ، وهي صفة الاسم الله ، وليس وراء الاسم الله مرمى لرام ، إذ ليس بعده إلا الظلمة المحضة ، وهو نور تلك الظلمة كما مرّ بيانه .

 

لألوهيته الحيطة بأحديته ، ولأحديته السلطنة
وقوله : لألوهيته الحيطة بأحديته ، ولأحديته السلطنة على واحديته في ترتيباته .
اعلم أن الألوهية كما مرّ معك من كونها أعم مراتب الذات ، واسما لمرتبة جميع المراتب ، والمعطية لكل مرتبة حقها ، فهي التي أعطت للأحدية حكمها ، وحكمها السلطنة على واحديتها ، لأن الأحدية ذات محض ، والواحدية منشأ الكثرة وحضرة الجمع والوجود من حيث الترتيب الإلهي ، فإن الأحدية أخص مراتب الذات للذات ، والألوهية أعم مراتب الذات للذات ، والأخص وجه في الأعم .

فمن ثم عبّر - قدس سره - بأن الألوهية التي هي أعم مراتب الذات للذات لها الحيطة - يعني الشمول - على الأحدية التي هي أخص مراتب الذات للذات .
ومن خصوصيات الأحدية سلطنتها على الواحدية ، فالواحدية من حيث أنها اسم لمرتبة الجمع - وهي الأسماء والصفات الظاهرة فيها بحكم الوحدة - والوجود - وهو الذات المندمجة فيها الأسماء والصفات - ، وهذا الوجود هو الأحدية ، وهذه الأحدية هي ذلك الوجود ، فكانت لها السلطنة على الواحدية من حيث ظهور الذات في الأسماء والصفات ، وذلك الظهور هو [ الواحدية ] المعبّر عنها بحضرة الجمع والوجود :وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ" وهو يهدي من يشاء ، كيف يشاء ، على أي حال شاء إلى ذلك الشهود .



تعرّف إلى كلّ موجود بحسب المرتبة الّتي أبرزه فيها من غيبه  
ثم قال رضي الله عنه : تعرّف إلى كلّ موجود بحسب المرتبة الّتي أبرزه فيها من غيبه ، وما عرّفه إلّا نفسه في جماله ، ورتّبه في جميع مكنوناته .
اعلم أن التعرف الإلهي واقع لكل موجود ، لأن الوجود الذي للموجودات هو لله - سبحانه وتعالى - بطريق الأصالة وللمخلوق بطريق التبعية .
ومن ذلك الوجود الحقي المعبر عنه - من باب المجاز - بالوجود الخلقي عرف الحق سبحانه وتعالى .
ثم ذلك الوجود يكون له التعرف الإلهي حسب رتبة ذلك الموجود عند الله تعالى .
ولا أفضل من رتبة الإنسان بدليل :وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ”. سورة الإسراء: الآية 70 .
فمن ثمّ كان مرآة للحق - تعالى - ، وذاك لكمال خلقته ، لأنه خلقه على الصورة ، وكان تأخر آدم - عليه السلام - في آخر مراتب الوجود ، ليكمل له الشهود بأخذه ما له من جميع المراتب الوجودية المتقدمة عليه في الظاهر عناية من الله - تعالى - ليكون أكمل موجوداته ، فإنه المتقدم من حيث أصله المعبر عنه بالعقل الأول ، وبالقلم الأعلى ، وبالروح المحمدية ، وبحقيقة : “ روح نبيك يا جابر “ .

ولهذا عبّر بقوله : - قدس سره - من غيبه ، يعني تعرف الحق إلى كل موجود وجد لا يكون إلا بحسب المرتبة التي أبرزه أي ألحق فيها أي في المرتبة من غيبه ، وهو الكنز المخفي الذي ظهر من غيب الأحدية ، فغيب الأحدية هو الحقيقة المحمدية - صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم - التي هي حقيقة النشأة الآدمية .
فتأخر آدم - عليه الصلاة والسلام - في الوجود الظاهر لكون أصله هو المقدم الظاهر ، فحاز الأولية بأصله ، وشرف الآخرة بفرعه .
فمحمد أصل آدم من حيث الباطن ، وآدم أصل محمد من حيث الظاهر ، فآدم فرع محمد ، ومحمد فرع آدم ، وذلك الأصل هو عين الفرع ، وهذا الفرع هو عين الأصل ، ولم يكن ذلك لغيره - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - ، وذلك لتعلم أنه هو الظاهر والباطن ، كما صرح بذلك في الحديث بقوله : “ نحن الآخرون الأولون “ .
فهو في كل ذرة من ذرات الوجود ، وهو الجمال المشهود البارز في تلك المراتب بحكمة الملك المعبود .
ومن ثمّ :وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها” . سورة البقرة: الآية 31
لوسع قابليته المعبر عنها بحقيقة محمديته .
ومحمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - حق من حيث باطنه ، عبد من حيث ظاهره .
والحق في جميع مخلوقاته من غير حلول باطن من حيث ظهور الخلق ، ظاهر من حيث بطون الخلق .


وما عرفه إلا نفسه
فلذا قال - قدس سره - : وما عرفه إلا نفسه ، لأن قيام الموجودات بموجدها - وهو الله تعالى - تعرف كل مخلوق خالقه بذلك الوجه الإلهي الذي قام به ناسوت الخلقية ، فإذا ما عرف الله إلا الله .
ورتب الحق في قوله : فرتبه من الترتيب ، وهو جعل الشيء مرتبا شيئا فشيئا - ذلك الجمال الإلهي في جميع مكنوناته - بنون بعد الكاف - .
والمراد بالجمال الرحمة ، فإن الحق - سبحانه وتعالى - إنما أوجد الخلق بالرحمة ، والرحمة في ذوات المرحومين رحمة غير مشهودة ، وهي اللطف الخفي الذي خفي إدراكه عن غير الله تعالى .
وترتيب الحق إياه بحسب ظهوره في المراتب المعبر عنها بمراتب الوجود .
وتلك المراتب : منها ما يعبر عنه بالتنزلات الإلهية الحقية .
ومنها ما يعبر عنه بالتنزلات الإلهية الخلقية .
فأول التنزلات الإلهية الحقية التجلي الأول المعبر عنه بالأحدية .
والأحدية هي الذات الساذج ، لكن الأحدية بمقتضى التعالي .
وتلك صرافة الذات لا تقتضي تعال ولا تدان .
تعالى الله أن يتعالى عن تدان ، أو يتدانى عن تعال فافهم .
وآخر التنزلات الإلهية الحقية الأسماء الفعلية ، وما بعدها إلا عالم الإمكان ، وهو برزخ بين التنزلات الإلهية الحقية والتنزلات الإلهية الخلقية .
فأول التنزلات الإلهية الخلقية العقل الأول ، وآخرها الإنسان ، فبه افتتح الحق الوجود ، وبه اختتمه ، وسيأتي تفصيل المراتب - إن شاء الله تعالى - عند ذكرها .

فرتبه في جميع مكوّناته
وإن أريد بقوله : فرتبه في جميع مكوّناته بإسقاط النون بعد الكاف ، جمع كائنة وهي مخلوقاته - فالمعنى أيضا صالح من حيث أنا عبرنا بأن الجمال الحقي المرتب هو رحمته ، والرحمة لا تكون إلا على مرحوم عليه وهو المخلوق فافهم ، والله ورسوله بحقيقة الأمر أعلم .

 

أحمده حمده لنفسه من خلف سرادق غيبه الأنهى
ثم قال قدس سره : أحمده حمده لنفسه من خلف سرادق غيبه الأنهى ، وأثني عليه بلسان جماله الأكمل الأبهى ، فهو كما أثنى على نفسه لديه ، إذ كنت لا أحصي ثناء عليه .
اعلم أن حمد الله - سبحانه وتعالى - نفسه هو الحمد اللائق به - تعالى - ،
فلذلك قال - قدس سره - : أحمده حمده لنفسه ، أعني أطلب الحمد من الله أن يقوم بحمده المطلوب مني له عنه ، وفي هذا إشارة إلى أن الحق يكون خليفة عن عبده فيما أنعم به عليه .

ومن جملة إنعاماته عليه تأهيله له ترجمة هذا الكتاب المبيّن فيه أسرار افتتاح الوجود وهي بسم اللّه الرّحمن الرّحيم .

وخلافة الحق - تعالى - عن عبده واقعة بدليل :"وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى" سورة الأنفال ( 8 ) : الآية 17 ..
هذا في حق نبيه - عليه السلام - ، ولخلفاء الرسول ما للرسول .
لكن خلافة الحق عن الرسول بطريق الأصالة في حق الرسول وبطريق التبعية في حق خلفائه .
والعبد أيضا يكون خليفة عن الله بدليل :إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ يعني في حقائق أسمائي خَلِيفَةً" ،
وفسرت الأرض بحقائق الأسماء من باب الإشارة ، كما قال تعالى :إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
وهي حقائق الأسماء والصفات التي الموجودات مؤثرات آثارها .
وليست لحقائقها نهاية كما قال تعالى :قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً" ، لأنه القائل للشيء إذا أرادهكُنْ فَيَكُونُ” 4 “ ، وهو دائم متكلم أزلا وأبدا .

ومن ثمّ قال من قال : “ أن العالم كله في تجل لأنه أثر أسمائه وصفاته “ ، وأسماؤه وصفاته في تجلّ ، فالتجلي في حق العالم الزيادة والتجلي في أسمائه وصفاته إن أريد به شدة الظهور ساغ له ذلك وإلا فلا ، تعالى اللّه عن الزيادة والنقصان فافهم .

ثم نقول في قوله : أحمده حمده لنفسه ،أي أحمده حمدا كاملا شاملا لجميع حمد الحامدات ، المسبحة بحمده بجميع ألسنتها المتعددة - وهي التي لا تفقهها على التفصيل - لعدم جواز ذلك للمخلوق ، وغير معدوم جوازه لله رب العالمين - وهو حقيقة ذاتك الذي قام به ناسوتيّتك .

ويكون ذلك الحمد اللائق به - تعالى - من خلف سرادق غيبه الأنهى ( 1 ) أي من خلف حجب الأكوان ، وهي المشار إليها في الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام : “ إن لله سبعين ألف حجاب من نور - وفي رواية من نار ، وفي رواية حجابة النور - لو كشفه لاحترقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه “ .

فقوله : “ إن لله سبعين ألف حجاب من نور “ ليس المراد به الحصر ، بل مرتبة السبعة والسبعين في لغة العرب توضع لتضعيف الأعداد ، والحجب النورانية هنا كناية عن الأسماء والصفات ، والنارية كناية عن المخلوقات ، فاحتجب عن الحقائق الخلقية بالحقائق الإلهية .

ولهذا معنى آخر أعلى من الأول ، وهو أنك قد علمت مما مضى بأن الذات الواجب الوجود ليس لها بأيدينا اسم ولا صفة ، لأن الصفة للتخصيص ، والاسم للعلمية عن النكرة ، وهي ليس واقع عليها لا تخصيص ولا علمية ، لأن التخصيص فيها ، فهو غير مخصص لها ، إذا التخصيص مرتبة من المراتب ، وإن شئت قلت حضرة من الحضرات ، وهي شاملة لكل مرتبة وحضرة ، لأنها - كما مر - حضرة الحضرات وجمعها وفرقها ، فإذا احتجبت عن أسمائها بكنهها ، واحتجبت عن مخلوقاتها بما احتجبت عنها ، وهي الأسماء والصفات .

والسبحات كناية عن الأشعة ، والوجه كناية عن الذات ، [ و ] الحجاب والاحتجاب المنزه عنهما الواقعان في الحديث من النور والنار لمّا كانا في الغالب يمنعان من التعرف إليهما وإنما يرى منهما شعاعهما الصغير اسمهما لا عينهما ، فافهم سرّ ما أراد من قوله : خلف سرادق غيبه الأنهى جمع سرادقة وهي الحجاب .

.

يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 15:37 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 15:01 من طرف عبدالله المسافر

شرح خطبة الجيلي الجزء الخامس. كتاب الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي

كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم الجيلي 

الجزء الخامس

شرح خطبة كتاب الكهف والرقيم:-

يعني يكون حمدي لله - تعالى - من حيث حمده نفسه ، يعني يكون حمدي لله حمده الذي حمد به نفسه - الذي لم يشهد ذلك الحمد لسواه - فهو الحامد من حيثي ، والمحمود من حيثه .

أثنى عليه بلسان جماله الأكمل الأبهى
وقوله : أثنى عليه بلسان جماله الأكمل الأبهى .
أي وأثني عليه بما أثنى به على نفسه ، وثناؤه - سبحانه وتعالى - على نفسه أي على ذاته - ذات العظمة والكبرياء - هو علمه استحقاقها العظمة والكبرياء وعدم نهايتها في سرادق عزتها ، فطلب من الله - تعالى - ثناء الله على ذاته الجميلة بجماله ، أي يكون في حال الثناء عني بصفة جمالك الذي هو عين جلالك ، الجامع لهما كمالك ، متأسيا بأفضل الكائنات وسيد الموجودات ، حيث عبّر عن نفسه في هذا المقام بقوله عليه الصلاة والسلام : “ لا أحصي ثناء - أي من قبلي - عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك “ أي عنّي ، فما أعرفه - رضي الله عنه - بربه .

وأستمد من الجناب الأعظم غيب غيب الجمع الأبهم
ثم قال قدس سره : وأستمد من الجناب الأعظم غيب غيب الجمع الأبهم ، نقطة عين الحرف المعجم .
أي والمهمل ، فاكتفى بذكر مقابله كما في :"سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ" سورة النحل: الآية 81 . أي والبرد .

والمراد : أطلب الفيض الإلهي بالوساطة المحمدية كما قال تعالى ":وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" سورة البقرة: الآية 189.وهو باب الله ، فأي امرئ أتاه من غيره لا يدخل .
""  البيت : فأنت باب الله أي امرء  .....  أتاه من غيرك لا يدخل"
ومن ثمّ وصف جنابه بالأعظمية المبهمة في غيب الغيب ، وغيب الغيب هو الذي لا يدرك رؤياه لا دنيا ولا أخرى .
ومن ثمّ كان - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - مبهما ، يعني أن قدر الرسول - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - الظاهر في الوجود ، ونشره الفائح في الآفاق عطره ، والذي
عبق الأكوان سرّه وجهره ، بالنسبة إلى ما هو مبهم على الخلق أمره أضعاف أضعاف ما ظهر به وشاع في العالم ذكره .
وذلك لكون الكمال البطوني أكمل من الكمال الظهوري ، فبقدر كمال البطون أعطي كمالا بطونيا ، وبقدر كمال الظهور أعطي كمالا ظهوريا ، فلبارقة هذا الكلام عبّر بقوله عليه الصلاة والسلام : “ إني لست كأحدكم “ الحديث.

 

نقطة عين الحرف المعجم
وقوله : نقطة عين الحرف المعجم فأنت باب الله أي امرء، فخص المعجم دون المهمل مع أنه عين كل منهما لنكتة ، وهي أن المهمل إذا برز من يد الكاتب لا يبرز إلا كاملا ، لعدم احتياجه إلى علامة ، لأن إهماله علامة ، فعدم العلامة بين أهل العلامة علامة ، والمعجم إذا برز من يد الكاتب يبرز ناقصا ، ولا يكمل إلا بنفخ روحه فيه ، وهي علامته المعبر عنها بالنقطة .
وفي كون الحروف منقسمة بين كامل وناقص إشارة ، وتلك الإشارة هي :

أن الوجود منقسم قسمين :
وجود حقي كمالي .
ووجود خلقي نقصي .

وهو - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - حقيقة الحق والخلق .
والخلق هي الحروف العاليات في قول الإمام الأكبر لمّا قال :
كنا حروفا عاليات لم نقل  .....  متنقلات في ذرى أعلى القلل
"" الأشعار منسوبة إلى الشيخ الأكبر ابن العربي ولها شروح وباقيها :
أنا أنت فيه ونحن أنت وأنت هو ...... والكل في هو هو فسل عمن وصل .المحقق"".

والحروف العاليات هي الأعيان ، والأعيان هي ذوات الأناسي ، وذوات الأناسي هي حقائقهم ، وحقائقهم فرع حقيقة الرسول ، فمن حيث الأعيان المعلومة للعلم [ للعالم ] كان للخلق مرتبة الكمال بحقها لا بها ، ومن حيث مراتبهم جعل لهم النقص بأنفسهم لا بربهم ، وهو - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - جامع لما انفرد به الحق ولما انفرد به الخلق ، فهو برزخ البرازخ .


فلذا قال - قدس سره - : وأستمد من غيب غيب الجمع ، أي اطلب ميراثا محمديا من حيث باطنه - عليه الصلاة والسلام - ، لأن العلم الذي أنا بصدد إبرازه في هذا الكتاب هو من العلوم الباطنة ، فيكون استمدادها باطنا في ظهر شهادة ، لأنه لا يبرز من ذلك الغيب شيء إلا كان شهاديا ، لكنه بالنسبة إلى غيره باق في بطونه ، وسيأتي ذكر النقطة في بابها إن شاء الله تعالى ، والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .

 محمد صلى الله عليه وسلم سيد العرب والعجم
ثم قال رضي الله عنه : محمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - سيد العرب - أي المعروفة من صفاته - والعجم .
يعني أستمد من الجناب الأعظم ، غيب غيب الجمع الأبهم ، نقطة عين الحرف المعجم ، - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - سيد العرب ، وهم الذين أعربوا عن حقائق التوحيد ، أي أبانوا معالم الهدى عن مسالك الردى ، وهؤلاء هم المسحوقون الممحوقون ، فبالسحق حصل لهم الفناء ، وبالمحق حصل لهم الفناء عن الفناء ، فالفناء عن العبد بربه ، وفناء الفناء عن ربه ، ليشهد سرّ ربه ،

وذلك هو سرّ الربوبية المعبّر عنه بقول سهل بن عبد الله - قدس سره - : “ إن للربوبية سرا لو ظهر لبطلت الربوبية “ .
ومعنى هذا الكلام : أنك إذا قلت رب فالرب يقتضي مربوبا ، والمربوب عرف ربه معرفة مجازية ، لأن الرب باطنه ، ولم يشهد ما في باطنه بل هو مع ما ظهر منه ، فاحتجب ربه عنه به ،
واحتجب هو عن ربه بمربوبيته القائمة بربها ،
فإذا حصل له الفناء ثم الفناء عن الفناء بقي بربه ، فصار حقا بعد أن كان خلقا ، يعني صار مشهده حقيا بعد أن كان مشهده خلقيا ، لا أن الرب صار عبدا والعبد صار ربا ، حاشا وكلا .
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ الأكبر - قدس سره - في بعض أبياته حيث يقول :
الرب حق والعبد حق  .....  يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك ميت  .....  أو قلت رب أنى يكلف .



قوله : “ الرب حق “ أي لا شك في حقية الرب ، “ والعبد حق “ لرب هو حق ، فتمنى منك أن تشعره أي تخبره “ من المكلف “ منهما ؟
فقل له : المكلف منهما هو العبد الذي هو حق لرب هو حق .
ثم أراد أن يختبرك فشبه عليك بقوله : “ إن قلت عبد فذاك - العبد - ميت “ فكيف يكلّف بعبادة الرب ؟ ، “
أو قلت رب “ فحاشا الرب أن يكلف ؟ ،
فقل له : قيام العبد بربه هو عبادته ، لأن العبادة هنا بمعنى المعرفة على حدوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"
 يعني ليعرفون ، وموت العبد هنا بمعنى جهله ، والجاهل في حيز الأموات كما قال تعالى :أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ- بالعلم -وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً- وهو العقل -يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ” .
يعني يعقل به العلميات التي خلقت لأجله .
فحصل من كلامه أن مراده - والله اعلم بمراده - أن المكلف بمعرفة الرب عبد ، وذلك العبد جاهل عن معرفة الرب بنفسه ، لا أنه جاهل بمعرفة الرب يعني بتعريف الرب له - وهو العلم الذي أوجده الرب للعبد بأن يعرفه به - فأحياه من موت جهله بحياة علمه ، فكلفه بعبادته فقبل التكليف ، فإذن المكلف عبد لا رب .
وإلى مقامات الفناء الثلاثة أشار القائل بقوله :
يا ربة العود خذي في الغناء ....  وحركي من صوته ما ونا
فإن مسود قميص الدجى   ....   لوّنه الصبح بما لوّنا
قد تاب أقوام كثير وما   ....   تاب من التوبة إلا أنا

وهو كقول الآخر :
تاب من الذنب أناس وما  ....  تاب من التوبة إلا أنا

وآية من هذا مقامه من كتاب الله عز وجل قوله تعالى :وَتُوبُوا اى جميعا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".
 ومن جملة المؤمنين التائبون ، وقد أمرهم بأن يتوبوا ، فتوبتهم إذا عن التوبة ، وهي الفناء عن الفناء ، فلما فنوا عن الفناء ، وبقوا بربهم بعد الفناء لديه ، ردّوا إلى الخلق ليهدوهم إليه ، فبهم رد الشوارد ، وتقريب الأباعد ، المقتدى بهم في هذا الطريق ، والمعول عليهم في علم هذا الفريق ، المكنى عنه بعلم التحقيق .
وأما العجم فهم الذين أعجموا عن إبانة المعالم للسالك ، وبقي كل منهم في سحقه ومحقه هالك :
فمنهم من حيرّهم الجمال .
ومنهم من ألجمه الجلال .
ومنهم من غرقت سفينته في بحر الكمال .
فهم الذين لم يؤذن لهم فيما أذن لإخوانهم ، ولم يرجعوا إلى ترجمانهم ، فهم الغائبون عن أنفسهم ، والمباينون لأبناء جنسهم ، قد ستروا بخمار الأحدية عن الحقائق الخلقية .

فخصّ - رضي الله عنه - سيادة الرسول - عليه الصلاة والسلام - عليهم دون غيرهم ، لأفضليتهم على من سواهم ، وتقدمهم على من عداهم ، فالبقية إليهم يستندون ، ومن مددهم يستمدون ، فسيادته عليهم إذا من باب أولى ، وهو أجدر بذاك وأحرى ، سنذكر في الكل - إن شاء الله - حيث ينتهوا إلى الفناء وفناء الفناء - المعبر عنهما بالسحق والمحق - وبقائهم بحقهم بعد فنا خلقهم ، ونذكر تنزلهم بعد عروجهم من غيب الأحدية إلى آخر التنزلات عند قوله - رضي الله عنه - : فأشهدني الحق سبحانه وتعالى اتصاف نبيه محمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - بالسبعة الأوصاف النفسية حسب الاستطاعة ، فإن هذا البحر لا ساحل له ،
والله أسأله الإعانة ، وإليه لا منه الإستكانة ، وهو حسبي ونعم الرب ربي .


مركز كنه الحقائق والتوحيد
ثم قال رضي الله عنه : مركز كنه الحقائق والتوحيد ، مجمع دقائق التنزيه والتحديد .
اعلم أن مركز الدائرة أصلها ، فله إلى كل جزء من أجزائها وجه مقابل لها .
فالرسول - عليه الصلاة والسلام - مركز كنه التوحيد ، أي أصل حقائق ماهية التوحيد ، وماهية التوحيد حقيقته ، وحقيقته توحيد الباري - تعالى - كما هو ، ولا أحد يوحّد الحقّ كما هو سوّى توحيده إياه ، يعني توحيده نفسه بنفسه ، فهو الموحّد والموحّد ، ومحمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - عين ذات الموحّد والموحّد .

وإلى هذا التوحيد أشار أبو عبد الله الأنصاري - قدس سره - بقوله :
ما وحّد الواحد من واحد .... إذ كل من وحّده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته   ....   عارية أبطلها الواحد
توحيد إياه توحيده   ....   وكل من ينعته لاحد


فنقول : اعلم أن التوحيد عند المحققين - رضي الله عنهم - مختلف باختلاف الموحدين ، ومتعدد بتعددهم ، وهو في نفسه واحد غير متعدد ، ومؤتلف غير مختلف ، وذلك التعدد للاختلاف من حيث شهود الخلق للحق :
[ القسم الأول ] : فمنهم من شهده في أفعاله فوحده فيها .
[ القسم الثاني ] : ومنهم من شهده في أسمائه وصفاته فوحده فيها .
[ القسم الثالث ] : ومنهم من شهده في ذاته ، أي : في أسماء ذاته ، فوحده فيها .
فالأول للعوام وهو توحيد الله في الأفعال .
والثاني للخواص وهو توحيد الله في الأسماء والصفات .
الثالث توحيد خواص الخواص ، وهو توحيد الله في الذات أعني في أسماء الذات .

فقوله رضي الله عنه : “ ما وحد الواحد - وهو الله - من واحد “ أي من أحد من حيث ذاته ، إذ كل من وحّده أي ادعى أنه وحّد الحق من حيث ذاته فهو جاهد لذاك التوحيد ومنكر له ، لأنه لا يقبل الإثنينية .
فإن وحّده بكونه الظاهر في المظاهر ، فقد أثبت تعددا وهو حالّ - بالتشديد - ومحلّ ، والله منزه عن كل منهما .
وإن أراد شهوده توحيد الذات فذلك ادعاء منه غير موافق لما طلب منه ، لأن ذلك الشهود يستلزم منه شاهدا ومشهودا وشهودا ، والتوحيد بخلاف ذلك .
فمن ثمّ قلنا : أن توحيد الحق من حيث ذاته - يعني من حيث أسماء ذاته - أنه أعلى مقامات التوحيد .
وأما توحيد الذات بلا واسطة اسم ذاتي فإنما هو توحيده إياه لا يكون لأحد ، وهو أصل التوحيد ، وحظ أصل المخلوقات ،
ومن ثمّ قال عليه الصلاة والسلام : “ لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك “ أي عني .

والمراد بقوله : “ على نفسك “ أي ذاتك التي هي حقيقتي ، فالكاف في نفسك راجع إلى نفس محمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - كأنه يقول : “ لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك عني “ لعدم انتهاء كمالها ، يعني أني شهدت من ذاتي ما لا يتناهى ، وإدراك ما لا يتناهي بحد يستحيل ، لكنه لك غير مستحيل ، “

فالعجز عن درك الإدراك إدراك “ ، لأنه ليس محصول الإدراك إلا عجز [ العجز ] ، فسيد أهل هذا المقام - عليه الصلاة والسلام - عبّر بقوله : “ لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك “ ، والصديق الأكبر رضي الله عنه عبّر بقوله : “ العجز عن درك الإدراك إدراك “ .

وقد ضمّن هذا الكلام المصنف - قدس سره - في إنسانه الكامل حيث قال :
يا صورة حيّر الألباب معناك  ..... يا دهشة أذهل الأكوان منشاك
يا غاية الغاية القصوى وآخر ما  ....  يلقى الرّشيد ضلالا بين معناك
عليك أنت كما أثنيت من كرم   ....   نزّهت في الحمد عن ثان وإشراك
فليس يدرك فيك المرء بغيته   ....   حاشاك من غاية في المجد حاشاك
فبالقصور اعترافي فيك معرفتي   ....   والعجز عن درك الإدراك إدراك “

"" الإنسان الكامل : الباب السابع والعشرون .""

وقوله :توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحديعني من نطق بتوحيد الله تعالى في أي مشهد من المشاهد الثلاثة فإن ذلك التوحيد من الموحد عارية ، لأن وجود الموحد هو لله بطريق الأصالة ، وله بطريق العارية ، والعارية أمانة ، فمتى طلب المعير من المعار عاريته وجب عليه ردها .

والمعنى المراد من ذلك : أن النطق لا يكون إلا من ذي روح ، والروح هي لله - تعالى - فما وحّد الحق من الموحد إلا روحه ، والأرواح عارية في وجود الموجودات ، ومن ثمّ قال القائل :من ستر عورة بعارية * عار حقيقة عند أهل الكمال

وأما قوله :
توحيده إياه توحيده * فكل من ينعته لاحد فتوحيده إياه كما فهمت آنفا ما المراد منه ، فكل من ادعى ذلك التوحيد الذاتي فهو لاحد ، لا أن كل من ينعت الحق - تعالى - بالتوحيد هو لاحد - أي ملحد ، وهو المبعد عن الحق - حاشا وكلا ، فإن التوحيد مطلوب الحق من العباد ، وما أرسل الرسل إلا لتبين معالم التوحيد .
فإذا ناعت الحق بالتوحيد غير ملحد في توحيده ، وإنما الملحد من ادعى أنه وحّد الحق من حيث ذاته بغير واسطة شهود اسم أو صفة ذاتي أم صفاتي أم أفعالي ، فمن ادّعى أنه وحّد الحقّ التوحيد الذاتي فهو المعنيّ بالإلحاد فافهم .[ مجمع دقائق التنزيه والتحديد ]

وقوله : مجمع دقائق التنزيه والتحديد ( 1 ) ، لأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة .
والشاهد لذلك ما روي عن بعض الورثة أنه قال في مقام التحدث بالنعمة : “ والله ما دبت نملة سوداء في ليلة ظلماء على صخرة صماء ولم أحس بها إلا كنت مفتونا “ .

وقال آخر : “ والله لا أقول ولم أحس بها ، لأنها لا يكون لها ذلك المشي إلا بإذني “ .
فإذا كان من ورثته من له هذا المقام فما بالك بسيدهم الذي الأولون والآخرون قطرة في بحر معارفه .
ومن دقائق تنزيهه - عليه الصلاة والسلام - أن السوداء “ 1 “ التي أسلمت على يديه حين قال لها : أين الله ؟ أشارت بيدها إلى السماء ، فأقرها - عليه السلام - على توحيدها ، وإن كان إشارتها إلى السماء في الظاهر غير مطلوب للشرع ، لأنه وَهُوَ
الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [ سورة الزخرف: الآية 84 ]

لكنه - عليه الصلاة والسلام - فهم منها حيث أشارت إلى السماء تعظيم الله تعالى ، لأن العلو في تنزيهها لا يستحقه إلا عظيم ، ولا أعظم من الحق تعالى ، فتلك الدقيقة التنزيهية التي شهدتها السوداء أقرها على إسلامها ، لأنه مجمع الحقائق التنزيهية والتحديد ،
كما أشار - عليه الصلاة والسلام - بقوله : “ لو أدلى أحدكم دلوه لوقع على الله “ .

قال الإمام الأكبر - قدس سره - في كتاب التجليات في تجل من تجليات المعرفة :
رأيت ابن عطاء في هذا التجلي .
فقلت يا ابن عطاء : إن غاص رجل جملك أجللت الله قد أجله معك الجمل فأين إجلالك بما تميزت عن جملك ؟؟ !.
هل كان الرجل من الجمل تطلب في غوصه سوى ربه .
قال ابن عطاء لذلك قلت : جل الله .
قلت له : فإن الجمل أعرف بالله منك ، فإنه أجله من إجلالك كما يطلبه الرأس في الفوق يطلبه الرجل في التحت .
فما بعدي الرجل ما يعطيه حقيقته .
يا ابن عطاء ما هذا منك بجميل .
يقول إمامنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو دليتم بحبل لوقع على الله فكان الجمل أعرف بالله منك !! .
هلا سلمت لكل طالب ربه صورة طلبه كما سلم لك .
تب إلى الله يا ابن عطاء فإن جملك أستاذك !!!! .
فقال : الإقالة .
فقلت له : أرفع الهمة .
فقال : مضى زمان رفع الهمم .
فقلت له : للهمم رفعٌ بالزمان وبغير الزمان .
زال الزمان فلا زمان أرفع الهمة في لا زمان تنل ما نبهتك عليه فالترقي دائم أبداً .
فتنبه ابن عطاء وقال : بورك فيك من أستاذ !!! .
ثم فتح هذا الباب فترقى فشاهد فحصل في ميزاني فأقر لي . وانصرفت .انتهى .

قلت قوله : فحصل في ميزاني يعني من حيث إيصاله له تلك المسألة التي لم تكن قبل لابن عطاء بها معرفة ، فما عرفها إلا من طريقه ، وهكذا لو أوصلها ابن عطاء إلى غيره ، فيصير ذلك الغير في ميزانه ، كما صار هو في ميزان غيره ، كما صار غيره في ميزان من أخذ منه ، كما يصير الكمل في ميزان محمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم – "وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ"، وهو بحقيقة السرائر أعلم .

مجلى معاني جمالي القديم والجديد
ثم قال رضي الله عنه : مجلى معاني جمالي القديم والجديد .
يعني أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - مظهر معاني جمالي القديم - وهو الحق - والجديد - وهو الحادث - .
وجمال الحق - تعالى - هو تجليه بأسمائه وصفاته في أي من مظاهر مخلوقاته ، فقد ظهر بالصورة الشابية الأمردية الحسية ، ويظهر بالصورة المعنوية في باطن المعتقد للحق كما قال تعالى : “ أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ما شاء ، فإني أهل لكل خير “ والقائل هذا القول هو الرسول - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - على لسان الحق بطريق النيابة لكونه خليفة ، فمن ثم كان مظهرا للمعاني الحقية .

وخصه هذا بمظهر الجمال دون الجلال لقوله تعالى :وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ” فهو مرآة الحق ، وفيها نظر الحق نفسه ، وبها رحم الله مخلوقاته .
وأما كونه مجلى لمعاني الحادث فإنه مرآة ، والمرآة تظهر فيها الصورة بحسبها لا بحسبها [ الصورة ] .

فإن أنكروا [ ف ] مثاله من الصحابة - رضي الله عنهم - رأوا أنفسهم في مشكاة النبوة في غاية الصفاء اللوني الجمالي ، فانطبعت صورهم في تلك المرآة انطباعا كليا ، لأنه
وقع نظرهم في مرآته عليه الصلاة والسلام من حيث المقابلة ، فأعطتهم حقائقهم التي شهدوها فيها .

وقولي : “ من حيث المقابلة “ يعني أن توجههم إلى مشكاة عين الوجود كان توجها كليا من غير شائبة خلاف ، بخلاف من عداهم فإنهم لم يتوجهوا إليه - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - إلا بعد تمكن أنفسهم منهم على مخالفته ، فظهرت تلك المخالفة على بشرة وجوههم ، فلما نظروا مرآته نظروا أنفسهم القائمة بمظهر العداوة فاشمأزوا لذلك .
ولله در من قال :
رأى وجه من أهوى عذولي فقال لي ..... أجلك من وجه أراه كريها
فقلت له وجه الحبيب مرآة ....... وأنت ترى تمثال وجهك فيها

ومثله قول العفيف التلمساني :
يا قوم إن تألموني لا أبا لكم  .....  فكل أرمد ضوء الشمس يؤذيه
ما أقبح الشكل في مرآة أعينكم  ...... إذ كلكم شخصه فيها يلاقيه


وهو كما قال البوصيري :
لا تعجبن لحسود راح ينكرها ....... تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ....... وينكر الفم طعم الماء من سقم

فعين ما اهتدى به أولئك عين ما ضل به هؤلاء ، كما قال تعالى :"يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ"
وهم الذين فسدت قوابلهم عن إدراك معاني حقائقه ، يقال : فسقت البيضة يعني فسدت إذا لم تصلح للتفريخ ، وإن كان الضمير في “ يهدي به “ للقرآن ، فالقرآن خلقه ، كما قالت عائشة رضي الله عنها : “ كان خلقه القرآن ، يغضب لغضبه ، ويرضى لرضاه “ .

والكلام صفة المتكلم ، وكلامه شعبة من كلام الله بدليل :إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ، والقائل هو محمد صلى الله عليه وسلم  عن الله في حضرة الاستخلاف ، والله يعصمنا وإياك من الخلاف ، ويمنحنا وإياك نور الائتلاف .
ويحتمل قوله - رضي الله عنه - : مجلى معاني جمالي القديم والجديد ، أنه أجمل شيء من المظاهر الحقية ومن المظاهر الخلقية ، يعني أحسن حقيقة - حقية كانت أو خلقية - لأن المعاني من حيثها لا تكون إلا حسنة في نفسها وهو مجلاها ، ومجلى الشيء مظهره الذي يظهر فيه .

ففيه ظهرت المعاني الحقية - وهو كونه متصفا بها - وهي التسعة والتسعون الاسم التي للحق .
وقد أورد اتصافه بها المصنف - قدس سره - في الكمالات ، واستشهد على كل اسم من تلك الأسماء بآية من كتاب الله أو بحديث من أحاديث رسول الله بأنه المعني بها ، وشرحها في حقه مفصلة كما ينبغي ، فإن أردت معرفة ذلك فعليك بما هنالك .
وكونه مجلى الحقائق الخلقية ، فإنها ظهرت به وتعينت فيه ، إذ لا ظهور لها إلا به ، ولا تعين لها إلا بتعينه فكان مجلاها .
أي مقلوبة فيه ، وهو القلب الذي وسع الحق في قوله : “ ما وسعني أرضي ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن “ .
ومن ثم قال ابن الفارض  ""الصحيح  الشيخ عفيف التلمساني من قصيدة  إذا ماس من يهواك تيها فلا عتب "" :

وأصبحت معشوق القلوب بأسرها  .....  وماذرة في الكون إلا لها قلب
""المحقق لم نعثر عليه في ديوان ابن الفارض قدّس سره ولكن الأشعار كما يلي :

إذا ماس من يهواك تيها فلا عتب ...... ومن ذا يرى ذاك الجمال فلا يصبو
ومن ذا الذي يسقى بذكرك قهوة  ...... ولا ينثني تيها ويزهو به العجب
سبيت الورى حسنا وأنت محجب  ...... فكيف بمن يهواك إن زالت الحجب
وأصبحت معشوق القلوب بأسرها ......  وماذرة في الكون إلا لها قلب
إذا سكر العشاق كنت نديمهم وأنت ......  لهم ساق وأنت لهم شرب
وإن زمزم الحادي ومالوا صبابة  ...... فليس لهم قصد سواك ولا أرب
ولم لا يذوب العاشقون صبابة  ...... ووجدا وسلطان الملاح لهم حب  ""


وذرات الوجود جميعها الحق متجل فيها بغير حلول ، فلذلك كان كل ما تجلى فيه الحق وسعه قلب معرفة محمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - ، فما تجلى إذا إلا قلب محمد .
وكل ذرة لها قلب وقلبها ما قلبت فيه فمن قلبها لها قلب .

صورة كمال الذات  
ثم قال قدس سره : صورة كمال الذات ، الأزلي التخليد في جنات الصفات ، الأبدي الإطلاق في ميدان الأوليات .
اعلم أن النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - صورة الكمال الذاتي الإلهي ، المعبر عنه بالكنز المخفي ، الظاهر في الهيكل العبدي بلا حلول ، فإنه - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - وضع مرآة للحق ، فبه رحم الله خلقه ، وبه عرفت خلقه حقه - أي حق النبي - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - ، وحقه عين حق الله ، بدليل "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً”.
فصورة كماله في الظاهر وضع دليلا على كمال الله - تعالى - الغائب .
وكونه وضع دليلا على كمال الله لأن الخلق لا تطيق أن ترى صفة جمال أو جلال من صفات الله ، فما بالك أن تطيق رؤية كمال الله .

وأيضا فالذي نراه من الجمال إنما هو جمال الجلال ، وما نراه من الجلال إنما هو جلال الجمال ، والنبي - صلى الله عليه و آله وسلم - مظهر الجمال والجلال والكمال ، فظهر في الدنيا بالجمال ، وسيظهر في المحشر بالجلال ، وفي الجنة بالكمال .
والجمال عين الجلال ، وهما عين الكمال ، فظهر بالصور الثلاث ليعطي كل ذي حق حقه .


الأزلي التخليد في جنات الصفات
وقوله : الأزلي التخليد في جنات الصفات ، يعني أنه ظهر بالصورة الكمالية في الأزل ، وذلك الأزل أزل الحق لا أزل الخلق - يعني أزل الحق المخلوق به - .
فكأنه يقول : ظهر بصورة كماله في أزل أسمائه وصفاته ، لكن ذلك الظهور عين البطون ، لأنه لا غير ثم ، فالبطون عين الظهور ، كما أن الظهور عين البطون .
ومن ثم قال : في جنات الصفات ، والجن في اللغة هو الستر .
وقولي : “ أن هذا الأزل أزل الحق لا أزل الخلق “ ، لأن كل مخلوق له أزل متقدم على أزل غيره ، فإن أزل المعدن مثلا مقدم عليه أزل التراب ، وأزل التراب مقدم عليه أزل الماء ، وهكذا فافهم .
وقولي : “ أزل الحق المخلوق به “ هو الحقيقة المحمدية ، وهو برزخ البرازخ بين الحق والخلق ، والبرزخ ما قابل الطرفين بذاته ، وأزل الحق - سبحانه وتعالى - أمر معقول لا باعتبار تقدم الزمان حاشا وكلا .

 

الأبدي الإطلاق في ميدان الأوليات  
وقوله : الأبدي الإطلاق في ميدان الأوليات فعكس - رضي الله عنه - لفظا لا معنى ، لعلمه بحقائق الأشياء ، فإن التخليد حقه أن يوصف بالأبدية ، والأزل حقه أن يوصف بالأولية ، لكن لما كان أزله - عليه الصلاة والسلام - عين أبده ، وأبده عين أزله ، أتى بالمعنى المخمول في اللفظ ، والمقصود من اللفظ معناه ،
وهذا كما قال الإمام الأكبر في الفصوص : “ وأرجو أن الحقّ لمّا سمع دعائي قد أجاب ندائي “  "" في المصدر : وأرجو أن يكون الحق لمّا سمع دعائي قد أجاب دعائي ، وهي فقرة من خطبة كتاب فصوص الحكم - المحقق ""

فحقه كان أن يقول :
وأرجو أن الحق لما سمع ندائي قد أجاب دعائي ، كما قال تعالى :أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ”
لكنه لحظ قوله تعالى : إنه سميع الدعاء ."" اقتباس من سورة إبراهيم ( 14 ) : الآية 39 وآخرها :إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ. ""
رزقني الله وإياك مما رزقهم ، وعصمني وإياك مما عصمهم .

وإطلاق أبديته في ميدان الأوليات يعني أن أبديته أبدية مطلقة لا مقيدة بمدة دون مدة ، كما كانت أوليته مطلقة غير مقيدة بزمان مخلوق ، لأنه بارز من الكنز المخفي ، والكنز المخفي ليس له أولية زمان ، بل هو حق في حق أزل ، والحق أزل معقول في نفسه ، لأنه أمر واحد ، والأمر الواحد لا تتعقل فيه زيادة ولا نقصان ، تعالى الله عن الزيادة والنقصان .

فإذا فهمت هذا الكلام فما يمنعك أن تحكم بأن أبديته أبدية مطلقة غير مقيدة كأبدية غيره ، لأن غير الله لا بد وأن يحكم عليه بالانقطاع في الأبد ، لئلا يلزم مسايرة أبد المخلوق أبد الحق - كما مر - وهو ليس كذلك ، لأنه كان ولا خلقا ، وسيكون ولا خلقا ، ولك منه غاية الشرف على غيرك ، ومزية الكرامة على سواك ، لكونك نسخة منه ، وأنت حقيقته التي برزت عنه .

وتأمل معنى قوله تعالى :"وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا" وهي المشتقة من الدنو المعبر بالقرب ، أي لا تنس نصيبك أيها الإنسان من قرب شرفك بحبيب الرحمن ، فلو لاه لما خلقت ، ولو لاه لما خلقت الأفلاك .
فتدبر أيها الأخ في حقيقة معناك ، أنت في ذاك ، والله يهديك في سيرك ، لتأكل الزفر بيد غيرك .

صلى الله عليه وسلم  وعلى آله الهداة القداة
ثم قال رضي الله عنه : - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - ، وعلى آله الهداة القداة المتحلين بحليته ، المتحولين في أحواله ، القائمين عنه له في مقامه له بأحواله وأفعاله ، وعلى أصحابه وعترته وأنسابه ، وشرف وكرم وعظم .

اعلم أن الصلاة من الله رحمة ، ومن الملائكة استغفار ، ومن المؤمنين دعاء وتضرع .
فمعنى : الصلاة من الله الرحمة أن الصلاة صلة بين العبد وربه ، وهي الرحمة التي رحم بها الموجودات حيث أوجدهم من ظلمة العدم إلى نور الوجود ، فأول رحمة سبقت من الله - تعالى - هي الرحم المعبر عنها بالكنز المخفي البارز من غيب غيب الأحدية ، ومنها وصلت الرحمة إلى الملائكة ، ومنها إلينا .

فالملائكة تزعم أن الله لم يخلق خلقا أكرم عليه منها ، ومن ثمّ قدحت في أب الأشباح آدم - عليه الصلاة والسلام - الذي هو في الظاهر مظهر أب الأرواح - وهو محمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - بقولها حين قال لها الحق :إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ” سورة البقرة ( 2 ) : الآية 30 “

قالوا ذلك في معرض الافتخار ، ولم يعلموا أنهم إنما سبحوا الحق وقدسوه بأسماء دون أسماء .
ولم تكن جمعية الأسماء - التي يستحق بها التسبيح والتقديس عندهم - كما هي عند آدم - الذي هو محل الجمعية الكبرى الشاملة لما علموه ولما لم يعلموه - ،
فقال جل جلاله :"قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ”   أي بأسماء تسبيحي وتقديسي - التي لم يسبحوني ولم يقدسوني بها - وإنما سبحوني وقدسوني بما عندهم من الأسماء لا بما عندك ، فاستغفرت الملائكة مما صدر عنها في حق آدم .
هذا معنى الصلاة في حق الملائكة من باب الإشارة .
ومن المؤمنين - وهم الذين آمنوا بكمالاته غيبا ، فدخل فيهم الأنبياء والمرسلون وعامة المؤمنين على اختلاف إيمانهم حسب نقصهم وكمالهم - دعاء وتضرع إلى الله - سبحانه وتعالى - أن ينيلهم معرفة كمالات نبيه - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - عينا كما آمنوا بها غيبا .
وعلى آله ( 1 ) ، أي : والصلاة المعبر عنها بالرحمة العامة على آل النبي ، وهم أهل بيته ويشمل أمته .

والمراد : أهله الوارثون له في الكمالات ، وهي ما جاء به إليهم مما شرع لهم ، فمن اتفق له أهلية الدين والطين فذاك أكمل الكملاء ، وإلا فالكمال بالاتباع الديني ، فإن الاتباع يجعل التابع بعضا من المتبوع كما قال عليه الصلاة والسلام : “ سلمان منا أهل البيت “ ، ولا شك في أن سلمان من العجم ، لكن تلك ثمرة المتابعة .

ومن ثم قال في وصفهم : الهداة ، جمع هادي ، القداة جمع قدوة ، ولا يهدي إلا من يقتدى به ، ولا يقتدى إلا بمن يهدي ، فهم الذين هدوا الناس إلى معرفة الحق ، وأمرنا بالاقتداء بهم كما قال عليه الصلاة والسلام : “ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.
يعني بأي صاحب من أصحابي اقتديتم بهم [ أي : ] بنجم معرفته - وهي ما أودعتها في قابليته - اهتديتم بتلك المعرفة التي نلتموها من صاحبي - التي نالها مني - في ظلم جهالاتكم ، فتتضح لكم السبيل .
والأصل في ذلك الله - سبحانه وتعالى - بأن جعل أكمل قابلية لأعباء رسالته قابلية نبيه - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - .

اختص له في زمنه من له مزية القابلية على غيرهم ، وهم أصحابه - رضي الله عنهم أجمعين - ، فبث في قوالبهم ما قبله حسب قابلية كل واحد منهم ، وبثوا هم أيضا على من بعدهم وهم التابعون ، والتابعون على من بعدهم ، وهكذا إلى أن وصل الأمر إلينا ، وسيصل إلى من بعدنا .

ثم لمّا كان الصحابة لم يقبلوا منه - عليه الصلاة والسلام - إلا بقدر قوابلهم - وقابلية كل منهم بالنسبة إلى قابلية النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - جزئية ، وقابليته كلية - ، فما قبلوا إلا حسب قوابلهم ، وبقي الفيض الإلهي الذي في قابلية النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - ،
كما هو اشتاق - صلى الله عليه و آله وسلم - إلى إخوانه الذين من بعده - وهم ورثته الخاصة فيما جاء به مما هو من خصائصهم –

فقال صلى الله عليه وسلم : “ وا شوقاه إلى إخواني الذين من بعدي “ ، وهؤلاء هم الذين أخذوا علمهم منه - صلى الله عليه و آله وسلم - بلا واسطة ، بل بالتلقي من قابليته إلى قوابلهم ، فهم ملحقون بأهله الهداة القداة المتحلين بحليته ، كالعلم ، والحلم ، والصبر ، والسكون ، والعدل ، والزهد ، والتوكل ، والتواضع ، والعفو ، والعفة ، والحياء ، والمروة ، والصمت ، والصدق ، والوفاء بالعهد ، والمودة ، والرحمة ، وحسن الأدب والمعاشرة ، والهداية للخلق ، وحب الخير لكل أحد ، ووضع الحكمة في محلها ، إلى غير ذلك من كمال حليته .
فمجال هذا الباب في حقه - صلى الله عليه وآله وسلم - ممتد تنقطع دون نفاده الأدلاء ، وبحر علم خصائصه زاخر لا تدركه الدلاء ، ولكننا آتينا بقل من كلّ ، وغيض من فيض .

المتحولين في أحواله
وقوله : المتحولين في أحواله ، من ثمرات تجلياته ، التي هم مظاهرها بعده - صلى الله عليه و آله وسلم - .
لأن التجلي الإلهي إذا نسب إلى العبد قيل فيه : حال ، وإذا نسب إلى الحق قيل فيه : شأن .
وأحواله باقية يتحولون فيها القائمون عنه له ، لا عنهم ولا لهم ، بل عن الخاتم وللخاتم في مقامه .
وذلك القيام هو بأحواله وأفعاله مما كان ظاهرا به ومأمورا بفعله ، وهؤلاء نوابه فيما لا بد أن ينوبوا فيه عنه .

وعلى أصحابه وعترته وأنسابه ، وشرف وكرم وعظم
ثم قال : وعلى أصحابه ،  يشمل من صحبه وهو مسلم .
وعلى تفسير الآل بما يشمل الصحب وغيرهم في الأول يكون العطف هنا عطف تفسير للآل ، فكما دخل في الآل الصحب وغيرهم مما ذكرنا كذلك أيضا يدخل في الصحب والآل غيرهم ، كمن رآه في النوم على قول أهل الإشارة ، فإن له الصحبة بدليل : “ من رآني في النوم فكأنما رآني في اليقظة من أن الشيطان لا يتمثل بصورتي “ .
وعترته ، هم المنتسبون إليه من ذريته .
وأنسابه مما شملهم قربه الصوري والمعنوي طينا ودينا .
فالصلاة المعبر عنها بالرحمة من الله - تعالى - تكون على النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - وعلى آله وصحبه وعترته وأنسابه .
وشرّف ، أي : وشرف الله محمدا وآله وصحبه وعترته وأنسابه على كل من عداهم غير الأنبياء والمرسلين الذين هو أفضلهم .
وكرّم ، أي وكرّم الله محمدا على من شرّفه وآله وصحبه وعترته وأنسابه كما فهمت في قوله : وشرّف .
وعظّم ،أي وعظّم الله محمدا على من كرّمه ، فهو المشرّف والمكرّم والمعظّم وآله وصحبه وعترته وأنسابه ، والله أعلم .

.

يتبع


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 15:48 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 15:01 من طرف عبدالله المسافر

شرح خطبة الجيلي الجزء السادس. كتاب الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي

كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم الجيلي 

الجزء السادس

شرح خطبة كتاب الكهف والرقيم:-


فإني استخرت الله - تعالى - في إملاء هذا الكتاب
ثم قال رضي الله عنه : أما بعد فإني استخرت الله - تعالى - في إملاء هذا الكتاب المسمى بالكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرّحمن الرّحيم .
أتى بفصل الخطاب دليلا على أن الله آتاه الفصل في حقائق المعاني الحقانية كما قال تعالى :"وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ".
قيل : هي أما بعد واستخارته الله دليلا على سعادته كما قال عليه الصلاة والسلام :
“ من سعادة ابن آدم عمله استخارة الله “ ، ودليلا على أن الله - تعالى أخاره تيسيره له هذا الكتاب - الذي أتى فيه بالعجب العجاب - فهو كما قيل : “ الصيد كل الصيد في جوف الفراء “ .
وهو أول مصنف له كما أفادنيه من ذكره منه في : شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقة من العلوم اللدنية .
""قال في المصدر وقد وضعنا في البسملة كتابا شرحناها فيه أيام البداية وسميناه بالكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم وهذا الكتاب المذكور أول كتاب صنفناه في علم الحقيقة فالحمد لمن جعل أول تصنيفاتي في بسم اللّه الرحمن الرحيم ليقع كمال النسبة الإلهية في إظهار الحقائق صورة ومعنى ""
فانظر إلى فضل الله عليه حيث جعل له غاية الشرف والنسبة بأن كان شارحا أولا ما به مفتاح الوجود أولا ، فلله درّه من كامل ما أكمله .

وإشارته بقوله : فإني استخرت الله تعالى في إملاء هذا الكتاب ،
يعني : المعقول ذهنا وإن لم يكن له وجود في الخارج لكنه موجود في الذهن بل موجود في الخارج ، لأن الذهن موجود في الخارج ، وما وجد في الخارج فهو في الخارج .
وتسميته له بالكهف والرقيم ، فالكهف - في اللغة - : هو الغار في الجبل ،
والرقيم : هو اللوح ، ومعناه هنا كهف معاني الحقائق ، يعني أن الحقائق مكهوفة فيه وهو كهفها - أي الحاوي لها - .
ولمّا كان الكهف باعتبار البطون كان الرقيم الذي هو [ اللوح ] باعتبار الظهور ، لأن الأمر بين بطون وظهور .

فالمعاني في كهف بسم اللّه الرحمن الرحيم باطنة ، وفي لوحها ظاهرة .

وهذا الكتاب هو الشامل للمرتبة البطونية - وهو كون المعاني في كهفه أي في باطنه - وللمرتبة الظهورية - وهو كون المعاني المحمولة في الألفاظ الظاهرة ظاهرة باعتبار مفهومها لأهلها - .
وأيضا فمهما عبّر المعبّرون عن معاني بسم اللّه الرحمن الرحيم - في أي علم كان ذلك التعبير - فإنه كقطرة من بحر ، ولذلك قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه : “ لو فسرت الفاتحة لو قرت منها سبعين بعيرا ، وما في الفاتحة في بسملتها “ .

ومن ثم ورد : “ كل ما في الفاتحة فهو في بسم اللّه الرحمن الرحيم - كما سيجئ قريبا - ، وما في بسملتها فهو في باء ، وما في بائها فهو في نقطة الباء التي برزت منها جميع علوم الأولين والآخرين “ .
ومن ثمّ كان تجلي النقطة مخصوصا بالذاتيين ، وهم أعلى درجة من أهل عالم الأنفاس ، وهم المحققون ، لأن التجلي الذاتي لصاحبه ما لغيره من تجليات الأسماء والصفات فضلا عن أسماء الأفعال ولا عكس ، وليس المحقق إلا الله كما هو مقرر في كتب أهل الحقائق .

ومرادهم بذلك - والله أعلم - أن تجلي صفة هذا الاسم الجامع - وهي الألوهة - لا تقع إلا على الإنسان الكامل ، لأن قابليته أوسع القوابل ، وورثته هم المحققون ، فقوابلهم قابلة لتجلي الألوهة .

وإذا تجلى عليهم بها أعطوا التصرف بكلمة الحضرة المعبّر عنها “ بكن “ ، فيكون المحقق حينئذ يمنع ويعطي ، ويعزل ويولي .
ولا يمنع ويعطي ويولي ويعزل إلا الله وهو المحقق ، فافهم ما أرادوا من ذلك فيكون كما قيل :
تملك في الزمان كما تريد  .....   فمولى أنت نحن لك العبيد
وسل السيف في عنق الأعادي   .....    فسيفك في العدا ذكر حديد
فهب ما شئت وامنع لا لبخل   .....    ولكن كي تجود بما تريد
فمن أسعدته بالقرب يدنو   .....    ومن اشقيته فهو البعيد
وملك من تريد من الأماني   .....    وحقر من أردت فلا يسود
وابرم ما عقدت ولا حلول   .....    واعقد ما برمت هو الفقيد
ولا تخش العقاب على قضاء   .....    وكل تحت سيفك لا يميد
لك الملكوت ثم الملك ملك   .....    لك الجبروت والملا السعيد
لك العرش المجيد مكان عز   .....    على الكرسي تبدي أو تعيد
وهذا مقام الإنسان الكامل ، الذي هو روح الأواخر والأوائل ، المعبر عنه بنظر الله في العالم ، الوارث للسيد الخاتم ، فيما خصّ به من بين بني آدم ، والله اعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .

وذلك بعد باعث رحماني إجابة لسؤال أخ عارف رباني
وقوله رضي الله عنه : وذلك بعد باعث رحماني .
أي أن إملائي لهذا الكتاب بعد باعث رحماني وهو نتيجة استخارته .
وقوله : إجابة لسؤال أخ عارف رباني .
يعني أن ذلك الباعث - الذي بعثني على الإملاء لهذا الكتاب - إجابة لسؤال السائل الآتي ذكره ، يعني أن الحق - سبحانه وتعالى - أمرني أن أجيب مسألته ، وجعلها على يدي منة وفضلا :ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ.
وقوله : أخ أي أخاه من حيث الطريقة لأن أبناء الطريقة كلهم أولاد رجل واحد وهو النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - فهم أخوان .
ولله درّ ابن الفارض حيث قال :
نسب أقرب في شرع الهوى * بيننا من نسب من أبوي

ولقد قال في التائية - قدس سره - :
وليسوا يقوي ما استغابوا تهتكي * فأبدوا قلى واستحسنوا فيك جفوتي
وأهلي في دين الهوى أهله وقد * رضوا لي عاري واستطابوا فضيحتي
فمن شاء فليغضب سواك فلا إذا * إذا رضيت عني كرام عشيرتي
ووصفه له بأنه : عارف رباني
من حيث أنه عارف بالله ، رباني منسوب إلى الرب في تربية الخلق .
وتربيته لخلقه على حسب قوابلهم ، وقوابلهم على حسب محاتدهم ، ومحتد كل نفس جزئية النفس الكلية ، والمرتبة الربية محتد النفس الكلية ، فما قبلت النفوس التعليم إلا من أصل أصلها .
ومن ثم ورد مخاطبات الكليم - عليه الصلاة والسلام - في حضرة الرب جل وعلا .
وقال إبراهيم عليه السلام :رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى.
وقال موسى عليه السلام :رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ.
وقال سليمان عليه السلام :قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي”.
وقال سيد أهل هذا المقام عليه أفضل الصلاة والسلام :وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً.
فالمرتبة الربية شأنها إعطاء الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بحسب قوابلهم الكاملة من تعليمهم علم ما احتاج إليه أيّ رسول ، بأيّ كتاب ، في أيّ زمان ، على أيّ أمة - تفصيلا وإجمالا - من أحكام ومواعظ وقصص وضروب أمثال ، إلى حد ما ظهر به كلّ رسول مما لا بدّ أن يظهر به .

وما ظهر أحد بالأكملية التي لم يسبق أحد بإظهارها ، ولا ينبغي لأحد أن يظهر بها إلا محمد - صلى الله عليه و آله وسلم - .
فكان لورثته من تعليم تلك الأكملية بحكم النيابة ما لم يكن لغيرهم من الورثة ، ومن ثم كان في حقهم : “ علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل “ .
ثم منهم تعلمت الخاصة والعامة إذ هم خاصة الخاصة ، فمعلمهم الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ”.
فهم الحكماء الذين يضعون الحكمة في محلها ، ويمنعونها عن غير أهلها ، كما قال عليه الصلاة والسلام : “ لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ، ولا تعطوها غير أهلها فتظلموها “ .
وهذا الحديث معناه - والله أعلم - في حق الزاعم بزعمه أنه أهل لنيل الحكمة ، فيطلبها من الحكماء المرادين بالعلماء بالله فيمنعوها إياه ،

فكان الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول لمن هذا حاله : إنما أمرتهم أن لا يعطوا الحكمة غير أهلها .
هذا هو الأولى في معنى هذا الحديث ، وإلا فلا يسوغ أن يكونوا حكماء ثم لا يعرفون من هو المستحق لإعطاء الحكمة ممن لا هو مستحق ، هذا لا يجمل بالحكيم ، بل الحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها حسب ما ينبغي ويراد على ما اقتضاه المراد .وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ” 2 “ وهو يهدي إليه من أراده له فلا يكله عليه .

هو ذو الفهم الثاقب
وقوله رضي الله عنه : هو ذو الفهم الثاقب ، والذكاء الباهر الراجح الراسب ، والتجريد والتقرير ، والقدم الصدق في المطالب .
وصفه بأنه : ذو الفهم ،أي صاحب الفهم وهو من فهم معاني ما أريد من الله - أي من علم الله بالله - ، كما ورد : “ اللهم فهمنا عنك ، فإنا لا نفهم عنك إلا بك “ .
ومن الدليل على أن السائل ممن فهم عن الله حيث كان سؤاله عن علوم بسم الله ، وذلك لثقابة فهمه النافذ ، الواقع على كنوز العلوم الحقية ، وذكائه الباهر في علم الحقائق ، فتلك الثقابة أثمرت هذا الذكاء الذي بهر ، حتى صار من فيضه هذا النور المستفاض المنشور ،

فإن السائل [ السؤال ] كان مفتاحا لقلب المسؤول عن هذه العلوم العزيزة المرام ، التي لا تكاد تدرك لكثير من الأنام ، فلهذا كان ذلك السائل صاحب الفهم الثاقب ، والذكاء الباهر الراجح ،
أي : الزائد على غيره ، الراسب أي : الغائص ، وهو الذي غاص بذلك الفهم على جوهرة الحقائق في صدفة الخلائق ، فكان ببروزها إنارة الطرائق .
وكان ذا التفريد والتقرير ، والقدم الراسخ في المطالب .
كما قال عليه الصلاة والسلام “ سيروا سبق المفردون “ ، وهم الذين خصّوا بمقام الفردية - الذي هو من خصائص خير البرية - فمخاطبته - عليه الصلاة والسلام - لسائري طريق الحق : بسبق المفردون - أي منكم أيها السائرون إلى الله .

ولمّا كان السائل للمصنّف من هؤلاء المشار إليهم ، صرّح بنعته فقال : هو ذو التفريد والتقرير أي المقرر أحوال غيره ، والمقرر في نفسه ، لأن له القدم الراسخ - أي الذي لا يزول في المطالب يعني الحقية - .
لأن مطلوب هؤلاء الكمل ليس إلّا الحق ، لم تتعلق همتهم بسواه ، ولم يقصدوا إلا إياه ، لأن ما سواه عندهم عدم ، فما يشهد العدم إلا العدم ، ولا يشهد الحق إلا الحق ، فهم مجموعون في الحق بالحق ،

كما قال قائلهم :
مذ تجمعت ما خشيت افتراقا ...... ها أنا اليوم واصل مجموع

وهو كما قال الآخر :
لو وجدنا إلى الفراق سبيلا  ...... لأذقنا الفراق طعم الفراق
لأن إرشاد الحق كتب على بياض قلوبهم بمداد محبوبهم .من أتانا ببياض لم تكن فيه كتابة * كتب الإرشاد منا فيه منهاج الإصابة فمذ عرفوا هواه لم يجنحوا إلى سواه ، فتمكن حبه من قلوبهم الخالية عن الوساوس الهاوية بجيش :قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً. .
فلمّا ورد جيش ملك الإيمان على حزب الشيطان ،"وَزَهَقَ الْباطِلُ" ولم يكن له وجود في الحاصل ، فهم المعصومون عن الردى بآية :"إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى".
"وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ"."وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى".

 
عماد الدين محيي الدين أبو القاسم التونسي المغربي
وقوله رضي الله عنه : عماد الدين محيي الدين أبو القاسم التونسي المغربي سبط الحسن بن علي ، بعد مدافعتي إياه وتأخري عن التقدم إلى ما يهواه ، ولمّا لم يسمح بالإقالة ، ولم يجنح إلا لما قاله ،
أي : في إلزامه إياي ، إذ لم يقبل مني ما طلب مني ، بعثني صدق رغبته إلى موافقته ، فاستخرت الله - عز وجل - ولجأت إليه ، أسأله - سبحانه - أن ينفع به عليه ، والسامعين وقارئيه ، وهو الأولى بالإجابة ، والأجدر لتوفيقي بالإصابة .

يعني ولما لح علي في إبراز ما أراد لتبليغ المراد ، بعثني ذلك الصدق في القصد إلى أن أبرزت من قعر هذا البحر عجائبه ، وأبديت غرائبه ، ولجأت إلى الله - سبحانه وتعالى - في النفع به لي ولسامعه ولقارئه ، والله أولى بالإجابة فيما سألته ، والأجدر - أي الأحق - لتوفيقي ، وهو خلق قدرة الطاعة على الطاعة فيما يوافق الحق مما فيه سعادتي ، بالإصابة التي هي الصفة المحمودة من ذلك التوفيق .
والملتمس من أهل الله ساداتنا الإخوان النّاظرين في هذا الكتاب - سلام الله عليهم ورضوانه أن يفصحوا في معنى كلّ كلمة من كلامي في هذا الكتاب حتّى يمنحهم تبيانه من وجوه عبارتها ،

أي عن وجوه كل كلمة من كلمات هذا الكتاب وإشارتها ، وتصريحها ، وتلويحها ، وكنايتها ، وتقديمها وتأخيرها مع المراعاة للقواعد الشّرعيّة .
يعني يكون ذلك الإفصاح في معنى كل كلمة على حكم الكتاب والسنة والأصول الدينية ، أي أطلب من أهل الله تعالى - وهم السادة الذين سادوا غيرهم بأنواع المبرة ، الوارثون مقام خير الأمة - أنهم إذا وقفوا على ما أمليته في هذا الكتاب ، ورأوا ما خالف معناهم أن لا ينكروا عليّ في الإملاء ، لأن الله - سبحانه وتعالى - يقول :"وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" "وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا".

وفائدة التوقف وعدم الإنكار في أول وهلة أن لا يحرم الواقف على هذا الكتاب بركة هذا العلم ، ولا يكون قادحا في حق غيره بطريق الجهل ، لأنه ما أحاط بكل علم الله ،
فإذا رأيت أيها الواقف على هذا الكتاب أو غيره من كتب أهل الله مما عسر عليك فهمه ، فكل أمره إلى الله وسلم ، واعلم أن لله علما لا يصل إليه فهمك وقد أوصله إلى من أراد ، فيحصل لك بذلك التسليم الفائدة الجزيلة والعائدة الجميلة ، وفقني الله وإياك لذلك .
ويكون فهمك من هذا الكتاب - بل ومن غيره من كتب أهل الحقائق قدس [ ت ] أرواحهم - مع الموافقة الشرعية والأصول الدينية .
فإن كل حقيقة لا تصحبها شريعة فهي زندقة ، والمراد مما قلنا أنه ليس في علم الحقائق زندقة ، وإنما الزندقة فيمن فهم من علم الحقائق ما لا هو مراد لأهله الواضعين له ، لا أن الحقائق فيها زندقة حاشا وكلا .

ومن ثمّ قال الإمام الأكبر : “ كل حقيقة لا تؤيدها شريعة فهي زندقة “ ، يريد أن كل علم يرد عليك من الحقائق التي لا تؤيدها الشرائع فاستعمالك لذلك العلم زندقة منك ،
لأنك تفعل بخلاف الشرائع ، لا أن الحقائق فيها زندقة ، إذ ليس في الحقائق مسألة إلا وقد أيدها الكتاب والسنة فافهم .
فينبغي لك أيها الطالب لحصول الكمال أن تجعل لك أربعة أصول يكون مبنى أمرك عليها ، وهي عماد دين الحق والتحقيق :
الأصل الأول : أن يعتقد أن الله - تعالى - قديم واحد ، لا شبيه له ، ولا شريك له ، ولا مثل له ، غير ملحق بالإمكان ، ولا مسبوق بالعدم ، ليس بجسم ، ولا روح ، ولا معنى ، ولا صورة ، هو شيء لا كالأشياء ، ولا حلّ شيئا ، ولا يحلّه شيء ، ولا يمازجه شيء ، منزه عن الجهة والحد والحصر ، أزلي أبدي .
الأصل الثاني : أن يعتقد أن محمدا - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - أفضل المقربين ، وأكمل رسل رب العالمين ، جاء بالحق المبين ، ونطق بالصدق واليقين ، لم يترك مكرمة إلا وقد نبه عليها بأنواع التنبيهات ، ولم يدع قربة إلا وقد دعى إليها بأنواع الدلالات ، خاتم المرسلين ، وتاج المقربين .
الأصل الثالث : أن تعتقد صحة ما جاء به محمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - من كتاب الله - تعالى - ، وتؤمن بالبعث ، والنشور ، والقيامة ، والحساب ، إلى غير ذلك مما أخبر به من الوعد ، والوعيد ، والآيات الظاهرة عند انصرام أحكام هذه الدار .
الأصل الرابع : ينبغي لك أن تجعل طلبك لهذا العلم خالصا لمعرفة الله - تعالى - ، وتجعل طلبك لمعرفته خالصا لوجهه ، لكونه أهلا لأن يعرف فافهم .
فإذا جعلت لك أيها الطالب هذه الأصول الأربعة أساس مبناك كانت منتهاك في أولاك وأخراك ، فهي المحجة البيضاء ، فعليك بها تفز بها .وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ" سورة الزخرف ( 43 ) : الآية 4 "

فإن وقفوا على معنى من معاني التّوحيد  
ثم قال رضي الله عنه : فإن وقفوا على معنى من معاني التّوحيد شهد لهم به الكتاب والسّنّة ، فذلك مطلوبي الّذي أمليت الكتاب لأجله ، وإن فهموا منه خلاف ذلك فأنا برئي من ذلك الفهم فليرفضوه وليطلبوا ما أمليته مع الجمع بالكتاب والسّنّة ، فإنّ الله سيوجدهم على سنّة جرى بها كرمه في خلقه ، والله على كلّ شيء قدير .
قوله : فإن وقفوا الخ
يعني إن فتح عليهم في معنى ما أمليته فذاك ، وإلا فليتوقفوا عن العمل به مع عدم الإنكار ، ويرجعوا في تحقيق تلك المسألة - التي توقف فيها فهمهم - إلى الله تعالى ، والله كريم ، وحاشا الكريم أن يخيب من أملّه  فيما أمله .

والقاعدة عند أهل الطريق في حق السالك والمريد الطالب طريق الحق - تعالى - إن ورد عليه شيء من العلوم الإلهية - التي لا يعلمها ، ولا يقدر على قبولها من حيث ما يعلم - فيرجع إلى الله - تعالى - في تحقيق ذلك ، ليفتح عليه بما فتح به على عباده الصالحين .
واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلال ، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده ، فإنه قد يكون مؤيدا في نفسه ولكن قلة استعدادك منعك معرفته .والطريق في ذلك التسليم إلى أن يفتح الله عليك ، ويأخذ بيدك إليه .

ثم اعلم أن كل علم يرد عليك لا يخلو من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : المكالمة .
الوجه الثاني : كون العلم واردا على لسان من ينسب إلى السنة والجماعة .
الوجه الثالث : كون العلم واردا على لسان من اعتزل عن المذهب ، والتحق بأهل البدع .
فالمكالمة عبارة عما يرد على قلبك من طريق الخاطر الرباني والملكي ، فهذا لا سبيل إلى رده ولا إلى إنكاره ، لأن مكالمات الحق - تعالى - لعباده وإخباراته مقبولة بالخاصية ، لا يمكن المخلوق دفعها أبدا البتة .

وعلامة ذلك : أن السامع يعلم بالضرورة أنه كلام الله تعالى ، وأن يكون سماعه له بكليته ، وأن لا يقيده بجهة دون أخرى ، ولو سمعه من جهة فإنه لا يمكنه أن يخصه بجهة دون أخرى ، ألا ترى إلى موسى [ عليه الصلاة والسلام ] لما سمع الخطاب من الشجرة - والشجرة جهة - لم يقيده بجهة منها .
ويقرب الخاطر الملكي من الخاطر الرباني في القبول ، ولكن ليست له تلك القوة إلا أنه إذا اعتبر قبل بالضرورة ، لأنه لا يرد عليك إلا بما يوافق الشرع ، فقبوله بهذا الاعتبار .
وإنما قيل لك ذلك ، لأن الشيطان قد يلقي لطالب الحق ما يزيغه به .
 
ومن ثم لمّا كان الشيخ عبد القادر الجيلاني - قدس سره - ماشيا في البادية ، قيل له : يا عبد القادر افعل ما شئت إني قد أبحت لك المحرمات ، فقال : تكذب يا عدو الله ، فقيل له : بما ذا عرفت أنه شيطان ؟ 
قال : لقوله تعالى :قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ” 1 “ .
وأما ما ورد على لسان أهل السنة والجماعة فهو إن وجدت له شاهدا ومحملا فهو المراد ، وإلا فكنت ممن لا يمكنه الإيمان به مطلقا ، لغلبة نور عقلك على نور إيمانك ، فطريقك فيه طريقك في مسألة الإلهام بين التوقف والاستسلام .

وأما ما ورد على لسان من اعتزل عن المذهب ، والتحق بأهل البدع ، فإن هذا العلم هو المرفوض ، ولكن الكيس لا ينكره مطلقا ، بل يقبل منه ما يقبله الكتاب والسنة من كل وجه ، وقلّ أن يتفق مثل هذا في مسائل أهل القبلة .
وأما ما قبله الكتاب والسنة من وجه ورده من وجه ، فأنت فيه على ذلك المنهج .

روى الإمام الأكبر قدس سره في الأنوار القدسية شرح الرسالة اليوسفية قال :
“ رأيت النبي - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - فسألته عن المطلقة بالثلاث في المجلس الواحد كيف حكمه عندك يا رسول الله ؟
فقال : هي ثلاث كما قال تعالى :"فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ"
فقلت له : فإن جماعة من أهل الظاهر حكموا بها واحدة ،
فقال : أولئك حكموا بما وصل إليهم وأصابوا ، وحكمي أنا في المسلمة بما ذكرته لك ، قال الإمام - قدس سره - فمن ذلك الوقت صرت أقول بهذا الحكم عن رسول الله - صلى الله عليه و آله  

نعم ثم المسؤول منهم أن يمدونا بأنفاسهم الإلهية
ثم قال رضي الله عنه : نعم ثم المسؤول منهم أن يمدونا بأنفاسهم الإلهية ، ويقبلونا على ما منا ، وهذا جهد المقل ، قدمتها بين أيديهم ، راجيا دعوة نجي أو نظرة ولي :فإن تجد عيبا فسد الخللا * فجل من لا عيب فيه وعلاوها أنا أشرع فيما ذكرته مستعينا بالله ، ناظرا إلى الله ، آخذا لله عن الله ، فما ثم إلا الله :"وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ" "وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ”"

فقوله : نعم ، إلى آخر أجزائه ، يعني بعد أن عرف من وقف على كتابه أن يتأمله حق التأمل ، ومهما أشكل عليه فيعرضه على الكتاب والسنة ، فإن لم يجد له دليلا من الكتاب والسنة ، فليتوقف عن العمل به حتى يفتح الله عليه بمعنى ذلك الأمر .
والمسؤول منهم المدد الإلهي بالنفس الرحماني ، كما قال تعالى :وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى“ .
وذلك أن الله - تعالى - أوجد أنواع المبرة - المتوصل بها إليه - للإنسان من سائر أنواع مخلوقاته .
ثم هم في ذلك التوصل إليه مختلفون من حيث محاتدهم : فمنهم الفاضل والأفضل ، والكامل والأكمل .
فأمرهم الحق - تعالى- أن يعينوا بعضهم بعضا ، ففي الظاهر معاونتهم ، وفي الباطن هي معاونة الله أعني معونته التي أقدر الواصلين إليه بها .
وإنما نسب المعاونة إلينا لما أراد من حكمة التربية لعباده ، بأن يتأدب المريد مع الشيخ ، والشيخ مع النبي ، والنبي مع الحق ، كما قال تعالى في حق نبيه :" اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ".

 وقال - صلى الله عليه و آله وسلم - : “ أنا أعرفكم بالله وأشدكم خوفا منه “ .
فالمصنف - قدس سره - من أكمل كملاء هذا الشأن ، ومن أكمليته أن عرف أن أسرار الله تعالى في جميع عباده - وهي في خواص عباده - كثيرة ، وهي [ في ] خواص الخواص أكثر ، فطلب ما هو لله من الله إلى الله فافهم .

وقوله : ويقبلونا على ما منا ، أي ينظروا إلى ما أبرزته بين أيديهم بعين الرضا كما قيل :وعين الرضا عن كل عين كليلة * كما أن عين السخط تبدي المساوياوعين الرضا لا تكون إلا ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه ،فرضا الله عن عباده ظاهر معناه .
وأما رضا العباد عن الله هو أن رضاهم عن رضا الله تعالى ، فمن كان رضاه عن الله رأى الأشياء كلها بعين الرضا ، فذلك هو الولي النجي ، وهو المسؤول دعائه .

واعلم أن الرضا في الاصطلاح هو اسم لسكون العبد حيث أقيم ، فلا يؤمل تغييرا ولا تبديلا ، ولا يروم تنقلا ولا تحويلا ، فصاحبه كما قيل :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ...... لي متأخر عنه ولا متقدم”
والرضا شرطه بعد القضاء ، وأما قبله فهو عزم على الرضا “ ،

قاله سهل بن عبد الله التستري - قدس سره - ، فحال صاحب الرضا كما قال المصنف رضي الله عنه :
ينقلني هواكم في التسابي ....... فأنزل كل وقت في مقام
فطورا في المساجد لاعتكاف ........ وفي الحانات طورا للمدام
فأضحك لابتسام البرق شجوا ...... وأبكي إن بكى جفن الغمام
وأندب مسمرا لي بالعوالي ........ إذا ندب الأراك شجى حمام
 
وأما مرتبة الولي التي هي الولاية في الاصطلاح :
قيل : هي عبارة عن تولي الحق العبد .
وقيل : أنها عبارة عن كينونة الحق عوضا عن العبد .
وقيل : أنها عبارة عن التمكين .
وقيل : أنها عبارة عن إظهار آثار القدرة .
وقيل : أنها عبارة عن تولية الحق العبد في العالم ، وقيل غير ذلك .
ومجمل هذا الكلام أن تعلم أن الولاية على مراتب كثيرة ،

ويجمعها ثلاثة أنواع :
ولاية صغرى ، وولاية كبرى ، وولاية مطلقة .
فالولاية الصغرى لها ألف درجة :
أولها الإيمان بالغيب ، وآخرها الفناء في الشهود الإلهي .
والولاية الكبرى لها ألف درجة :
أولها الفناء في الشهود الإلهي ، وآخرها التحقق بالأوصاف الإلهية .
والولاية المطلقة لها ألف درجة :
أولها التحقق بالأوصاف الإلهية ، وآخرها مقام العجز ، وفيه يتحقق العبد بالكمال المطلق .

ومعنى البيت : فإن تجد عيبا الخ مندمج فيما تقدم .
وقوله : ها أنا أشرع زمن شروعه ، مستعينا بالله ، أي فيما شرعت ، ناظرا إلى الله ، في استعانتي إياه آخذا لله ، فيما أعانني لا لي عن الله ، لا عني ، فما ثم من يستعان به وينظر إليه ويؤخذ عنه إلا الله :وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ.

 كما قال تعالى :حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ  " سورة سبأ: الآية 23 .
والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .

.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 16:07 عدل 2 مرات

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 15:02 من طرف عبدالله المسافر

مقدمة كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي  

كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم الجيلي 

الجزء الأول
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم 
ورد في الخبر عن النّبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال : “ كلّ ما في الكتب المنزلة فهو في القرآن ، وكلّ ما في القرآن فهو في الفاتحة.
[ ] وكلّ ما في الفاتحة فهو في بسم اللّه الرّحمن الرّحيم “ .
وورد : “ كلّ ما في بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فهو في الباء ، وكلّ ما في الباء فهو في النّقطة الّتي تحت الباء “ .
وقال بعض العارفين : “ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من العارف بمنزلة كن من اللّه “ . 
واعلم أنّ الكلام على بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من وجوه كثيرة كالنّحو والصّرف واللّغة ، والكلام فيه على مادّة الحروف وصيغتها وطبيعتها وهيئتها وتركيبها واختصاصها على باقي الحروف الموجودة في فاتحة الكتاب .
وجمعها لها ، واختصاصها له ، واختصاصها من الأحرف الموجودة في الفاتحة على سواها ، والكلام عليها في منافعها وأسرارها ، ولسنا بصدد شيء من ذلك في وجوه .
بل كلامنا عليها من وجه معاني حقائقها فيما يليق بجناب الحقّ سبحانه وتعالى ، والكلام مندرج بعضه في بعض .
إذ المقصود من جميع هذه الوجوه معرفة الحقّ سبحانه وتعالى ، ونحن على بابه فكما تجدّد من فيضه على الأنفاس ، تنزّل به الرّوح الأمين على قلب القرطاس .

شرح متن المقدمة "المدخل"

ورد في الخبر عن النبي
ثم قال قدّس سره : بسم اللّه الرحمن الرحيم ورد في الخبر عن النبي - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - أنه قال : “ كل ما في الكتب المنزلة فهو في القرآن ، وكل ما في ال قرآن فهو في الفاتحة ، وكل ما في الفاتحة فهو في بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وورد كل ما في بسم اللّه الرحمن الرحيم فهو في الباء ، وكل ما في الباء فهو في النقطة التي تحت الباء “ .

اعلم - منحني الله وإياك ، ولا أخلاني من فيضه ولا أخلاك - أن العلم المكنون في بسم اللّه الرحمن الرحيم هو العلم البارز في الوجود بأسره ، فكل علم لعالم هو من فيض نقطة باء لبسم الله ، ومن ثمّ جعلها الله مفتاحا لمفتاح مفتاح الوجود ، فمن لم يفض ختم باء لبسم الله فهو في الحقيقة عن الحقائق لاه .
ومن ثمّ عبّر سيد أهل هذا المقام بقوله عليه الصلاة والسلام : “ من عرف نفسه عرف ربه “ .
والباء في الاصطلاح يشار بها إلى النفس ، ولا سبيل إلى الوصول لمعرفتك الحق دون معرفتك نفسك ، فجعلت الباء مثالا لك لتعرف قدرك ، وتميز ربك ، وإلا فلا سبيل إلى الوصول بدون ذلك .

واعلم أن حقيقة الباء عبارة عن الروح الإضافية ، وهي المسماة بالروح الإلهية التي أضافها الحق إلى نفسه ، ويعبر عنها أيضا بالنفس الكلية ، والحق - تعالى - متجل فيها بتجليه القدسي المشار إليه بالربوبية ، فالربوبية محتد النفس الكلية .
ولهذا لا تكاد النفوس الجزئية أن تقبل الحجر ، إذ كانت مخلوقة من نور الربوبية ، ألا تراها من أول قدم أزالت الحجر عن نفسها ، فعصت وأكلت من الشجرة ، وقد أخبرت أنها إن أكلت من الشجرة كانت من الخاسرين ،ومع ذلك أكلت ، وما توفقت بربوبية محضة ،

وقد ورد في الحديث : “ إن الله تعالى لما خلق النفس قال لها : من أنا ؟ ،
فقالت : ومن أنا ؟ ،
فأدخلها في بحر الجوع ، وأوقفها فيه ألف سنة ، ثم أخرجها منه
فقال لها : من أنا ؟ ،
فقالت : ومن أنا ؟ ،
ثم أدخلها في بحر الجوع هكذا ثلاث مرات حتى أقرت لله بعد الثالثة بالربوبية ، وكل ذلك من سرّ الربوبية التي جعلها الله مظهره .
فالنفس مجبولة على الرئاسة ، مفطورة عليها . لولا ذلك لكان الإنسان كغيره من الحيوانات لا يعرف إلا الأكل والشرب والنكاح ، ولأجل هذا ما ملك العالم وتحكم فيه أحد غيره فافهم .
وقد علمت بما ذكرنا أن النفس الكلية هي حقيقة الباء ، وأن الله - تعالى - متجل فيها بالذات ، والنقطة التي تحت الباء إشارة إلى ذلك التجلي الذاتي .
ولهذا لما سئل الشبلي - قدس سره - عن نفسه قال : “ أنا النقطة التي تحت الباء “ ، يعني أنه من الذاتين .
ومن ثمّ قال عارف وقته عبد الهادي السودي قدس سره :
نقطة الباء كن إذا شئت تسمع .
وقال سلطان العاشقين عمر بن الفارض الحموي رضي الله عنه :
ولو كنت في نقطة الباء خفضة ...... رفعت إلى ما لم تنله بحيلة
لا كما يفهمه العوام من معاني كلام أهل الله : أن المراد بالخضوع ، هو نظرك نفسك بعين الحقارة والذلة - وإن كان ذلك أدبا في الطريق ، لكنه غير المقصود فيما استشهدنا به من كلامهم رضي الله عنهم - .

بل المعنى : لا ترض بأن تكون مظهرا لغير الذات - المعبر عنه بنقطة الباء - ، فإنك إن كنت ذاتيا كان لك ما للذات فافهم .
ويؤيد ما قلنا قوله : “ رفعت إلى ما لم تنله بحيلة “ ولو كان مراده غير ما بيناه من معنى البيت وإنما المراد [ وأنه لم يرد ] به إلا الأدب والانكسار لكان ذلك حيلة ، وهو قد نفى أن ينال ذلك بحيلة فليتأمل .

وليس من هذا القبيل قول العفيف التلمساني - رضي الله عنه:-
واسع على الجفن خاضعا فعسى .....  يشفع فيك الخضوع والأدب
وارج قراهم إذا نزلت بهم ...... فأنت ضيف لهم وهم عرب
واسجد لهم واقترب فعاشقهم .......  يسجد شوقا لهم ويقترب
فإن مخاطبته مع المبتدئ السالك في الطريق ، وهو بمعزل من هذا المقام .

واعلم أن النقطة هي حقيقة حقائق الحروف ، كما أن الذات حقيقة حقائق الوجود .
فنسبتها إلى الحروف نسبة الذات الأحدية إلى الصفات ، فكما أن الذات تتجلى في الصفات والأسماء بما تقتضيه حقائقها ، فتظهر في صفة المنعم بالنعمة ، وفي صفة المنتقم بالنقمة ، كذلك النقطة تظهر في كل حرف بما يقتضيه حكم الحرف .
وإنما تعلم ذلك إذا علمت أن الحرف جميعها إنما هو نقطة بإزاء نقطة ، فهو مركب من النقطة ، فليس الحرف إلا مجموع نقط .
فبهذا الاعتبار نسبة الحروف من النقطة نسبة الجسم من الجوهر الفرد ، والجوهر الفرد هو أصل الأجسام ، فهو بمنزلة النقطة للحرف .

وإن شئت قلت : بمنزلة الحروف للكلمة ، فإذا لولا الجوهر لما ظهر الجسم ، ولولا النقطة لما ظهر الحرف ، ولولا الذات لما ظهرت الصفات ، ولولا أنت لما ظهرت تلك الحقائق الكلية والجزئية العلوية والسفلية الحقية والخلقية .
يا هذا أنت النقطة فأظهر بذاتك في حقائق حروف الوجود ، وتصور بصورها كما تجدها ، فما تلك الكمالات إلا عبارة عما حويته ، ولولا ذلك لما وجدت إلى نسبتها طريقا في علمك فافهم .
وانظر إلى حقيقة علمك بمعلوماتك ، ثم حقّق النظر ، وميّز من هو العالم منك ؟ ومن هو المعلوم ؟ وما هي النسبة العلمية ؟ وما تلك الصور المشهودة في خزانة خيالك ؟ تفز بسرّ لم يطلع عليه إلا الكمل من أولياء الله .
ولا تستبعد شيئا مما ذكر لك في هذا الطريق مما هو فوق طور هذا ، فإن الله إذا أهّلك له أوجدك إياه ، وحقّقك به .

واعلم أن عند الله ما هو أعظم من ذلك مما يكشفه لعباده الصالحين ، ومن ثم ورد :“ تعرضوا لنفحات ربكم “ ،
وكما تقول الطائفة - رضي الله عنهم - : “ لا تقنع منه ولو أعطاك مكالمة موسى وخلة إبراهيم “ مع أن هذا الأمر مستحيل ، لكنهم يشيرون بذلك إلى أن عند الله ما هو من وراء ذلك فافهم .

ومعنى الحديث : “ أن كل ما في الكتب المنزلة فهو في القرآن ، وكل ما في القرآن فهو في الفاتحة ، وكل ما في الفاتحة فهو في بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وكل ما في بسم اللّه الرحمن الرحيم فهو في النقطة التي تحت الباء “ باعتبار ما فهمت آنفا من كون النقطة التي تحت الباء أنها حقيقة حقائق الحروف ، فالحرف فرع النقطة ، والكلمة فرع الحرف ، والكلام فرع الكلمة ، والمعنى المحمول فرع الكلام .
والنقطة ظاهرة في بعض الحروف باطنة في بعضها .
ولها في بطونها مقتضيات ، وتلك المقتضيات هي حقائق الحروف والكلمات والكلام والمعاني الموجودة في جميع ذلك .
ولها في ظهورها مقتضيات ، وتلك المقتضيات هي التجليات الظاهرة في ذوات الحروف ، فظهرت في كل حرف على هيئته وتركيبه وتركيب الكلمات من الحروف إلى آخر تطوراتها مما يقتضيه الظهور .

واعلم أن ظهور النقطة هو الكنز المخفي المعبر عنه في الحديث بقوله : “ كنت كنزا مخفيا ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت خلقا ، وتعرفت إليهم ، فبي عرفوني “ .
وكنزيته باقية على ما هي عليه من حيث مقتضى البطون ، لأنه لا يتغير - جل وعلا - ولا يتبدل ، فلم يزده ظهور الخلق صفة لم تكن له .
وغاية ما في الباب يقال أنهم عرفوه على قدر قوابلهم ، ومعرفته من وراء معرفتهم إياه ، فلم يعرفوه حق معرفته .

وفي هذا المقام قال سيد أهله عليه الصلاة والسلام : “ ما عرفناك حق معرفتك ، أنت كما أثنيت على نفسك “ فرجع إلى الله بالله ، وأحال أنه كما يعلم نفسه ويثني عليها ، ليكون ثناؤه على الله عين ثنائه على نفسه ، فمن عرف الله بهذه المعرفة فقد عرف الله بالله حق المعرفة .
وإلى هذا المعنى أشار بقوله : “ فبي عرفوني “ .

وإذا فهمت هذا عرفت أن النقطة مع ما برز من معانيها على الحروف والكلمات والكلام والمعاني باقية على شأن البطون ، فهي كالهيولى لصور الحروف والكلمات والكلام والمعاني ، فلا يمكن ظهور جميع ما في الهيولي من الصور بحال .
ومن ثم كان كل ما أنزله الله في كتبه فيها ، فكل ما أبرزته النقطة بالنسبة إلى ما لم تبرزه كفسطاط في فلاة ، أو ذرة في قفر ، أو قطرة في بحر ،
فكلمات الله غير متناهية ، قال تعالى :قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً”. سورة الكهف: الآية 109 .
 “وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ". سورة الزخرف: الآية 4 .

بسم الله من العارف بمنزلة كن من الله
ثم قال قدس سره : وقال بعض العارفين بسم الله من العارف بمنزلة كن من الله .
اعلم أن القائل لهذا الكلام هو الحسين بن منصور الحلاج - قدس سره - .
قال الإمام الأكبر في الفتوحات :
" قال الحلاج : - وإن لم يكن من أهل الاحتجاج - بسم الله من العارف بمنزلة كن من الله “ . الفتوحات المكية : ج 4 ص 328 .
 “ وإنما قال : “ وإن لم يكن من أهل الإحتجاج “ ، لأنه كان على بينة من ربه ولم يتلوه شاهد منه ، بخلاف من قال : “ سبحاني ما أعظم شأني “ و “ ما في الجبة إلا الله “ و “ أنا الله “ ، فإنه كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ، ولذلك لم تقطع في هذا القائل سيوف الشريعة ، وقطعت في الحلاج للسبب الذي بيناه 

والذي أراه من حال الحلاج في قوله : “ أنا الحق “ وقطعت فيه سيوف الشريعة ، ومن حال غيره في قوله : “ أنا الحق “ و “ أنا الله “ و “ سبحاني ما أعظم شأني “ و “ ما في الجبة إلا الله “ ولم تقطع فيه سيوف الشريعة :
أن قول الحلاج كان في منظر الفناء ، ومن كان فيه لا يكون ناظرا إلى الخلق ، فإن نظر صاحبه إلى الخلق إنما نظر إلى الخلق ببقية فيه ، فلو فنى عن تلك البقية لكان نظره إلى الحق لا غير .

وإن قول غير الحلاج كان في منظر البقاء ، ومن كان في منظر البقاء نظر إلى الحق بالحق ، ونظر إلى الخلق بالحق ، فهو مع الحق غير محجوب عن الخلق ، وهو مع الخلق غير محجوب عن الحق ، فهو مع الحق ، لأنه ليس فيه بقية لغير الله - تعالى - كما قال القائل :
مذ عرفت الإله لم أر غيرا   .......  وكذا الغير عندنا ممنوع
مذ تجمعت ما خشيت افتراقا  ........  ها أنا اليوم واصل مجمو

ولذا قال من قال : “ لو كلفت أن أرى غيره ما استطعت ، لأنه لا غير عندي “ .
ولقد أحسن من قال :
شغلت بليلي عن سواها فلو أرى ...... جمادا لخاطبت الجماد خطابها
ولا عجب إني أخاطب غيره ........ جمادا ولكن العجيب جوابها
وهذا هو الصدق في القول بالحق .
وأما من كان قوله في الحق لا بالحق فهو المعني بقوله تعالى :إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ” سورة لقمان: الآية 19 .
ضربه الله مثلا لمن تكلم قبل أبان التكلم ، فإن الأبان إذا جاء كان المتكلم بأي تكلم تكلم مصيبا ، فإن الحق ناصره ، ومن كان الحق ناصره فمن ذا الذي يخذله .

واعلم أن الحلاج - رضي الله عنه - لمّا قال : “ أنا الحق “ كان متجليا بما قال ، بخلاف غيره وهو الذي قال : “ أنا الله “ و “ ما في الجبة إلا الله “ و “ سبحاني ما أعظم شأني “ كان متصفا .
والفرق بين التحلّي - بالحاء المهملة - والاتصاف :
أن التحلّي عبارة عن وجود [ وجدان ] العبد الكامل صفات الرب بكمالها في نفسه له من غير تعمل ولا نسبة اتحادية ، بل كما يجد صفات نفسه لنفسه بنفسه ، وكل هذا يجده بالباطن ، ولا يقدر على إظهار أثره في الظاهر .
بخلاف المتصف ، فإنه يجد ذلك في الباطن ، ويظهر أثره في الظاهر .
فالحلاج كان على بينة من ربه ولم يتلوه شاهد منه ، والمتصف على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه فافهم .

وللناس في شأن الحلاج كلام يطول شرحه وذلك لانبهام الأمر عليهم ، والحاصل من أمره - رضي الله عنه - ما ذكره الإمام الأكبر - قدس سره - أنه صاحب إدلال لا صاحب سكر .
وله - قدس سره - أبيات حسنة شاهدة له بعلو المقام .
منها قوله :
قد تصبرت و هل يصبر    ...  قلبي عن فؤادي
مازجت روحك روحي ... في دنو وبعادي
فأنا أنت كما    .......  أنـك أني و مرادي

ومنها قوله :
ما نالني عند هجوم البلا   ... بؤس ولا مسني الضر
ما قد لي عضو ولا مفصل   ... إلا وفيه لكم ذكر

ومنها أيضا :
حبيبي غير منسوب  .....  إلى شيء من الحيف
سقاني ثم حياني  ......  كفيل الضيف بالضيف
فلما دارت الكأسات  .......  دعا بالنطع والسيف
كذا من يشرب الراحات  ...... مع التنين في الصيف

فجعله تنينا ، وحسب العارف بالمقامات من هذا الرجل ما قال .
روى الإمام الأكبر في كتاب التجليات قال :
“ رأيت الحلاج في تجلي العلة ، رأيت الحلاج في هذا التجلي .
فقلت له يا حلاج : هل تصح عندك علية ؟ وأشرتُ .
فتبسم وقال لي : تريد قول القائل : يا علة العلل ويا قديماً لم تزل ؟ .
قلت له : نعم .
قال لي : هذه قولة جاهل !!!
اعلم أن الله يخلق العلل وليس بعلة .
كيف يقبل العلة من كان ولا شيء ؟؟ ! . وأوجد لا من شيء وهو الآن كما كان ولا شيء ؟؟ ! جل وتعالى .
لو كان علة لارتبط ولو ارتبط لم يصح له الكمال تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
قلت له : هكذا أعرفه .
قال لي : هكذا فينبغي أن يُعرف فاثبت .
قلت له : لم تركت بيتك يخرب ؟ .
فتبسم وقال : لما استطالت عليه أيدي الأكوان حين أخليته فأفنيت ثم أفنيت ثم أفنيت وخلّفت هارون في قومي فاستضعفوه لغيبتي فأجمعوا على تخريبه فلما هدّوا من قواعده ما هدّوا رددت إليه بعد الفناء فاشرقت عليه وقد خلت به المثلات فأنفت نفسي أن أُعمر بيتاً تحكمت فيه يد الأكوان فقبضت قبضي عنه فقيل مات الحلاج !!! والحلاج ما مات . ، ولكن البيت خرب والساكن ارتحل .
فقلت له : عندي ما تكون به مدحوض الحجة .
فأطرق وقال : " وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ " [يوسف : 76] .
لا تتعرض . فالحق بيدك وذلك غاية وسعي .
فتركته وانصرفت .انتهى .

ومعنى قوله : أن بسم الله من العارف بمنزلة كن من الله ، فكن هي كلمة الحضرة الإلهية ، فبها تتكون الأشياء حسب ما أراد تعالى ، والنائب عن الحق في هذه الدار هو الخليفة ، فأعطى التصرف بها لكونه خليفة عن الله تعالى .
كما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - في غزوة تبوك ، أنهم رأوا شخصا فلم يعرفوه ،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : كن أبا ذر فإذا هو أبو ذر “ .
وهي - أي كلمة الحضرة المعبر عنها بكن - تعطى للورثة المحمديين ، وهم المحققون لا العارفون ،
فإن العارف يقول : بسم الله ، والمحقق يقول : كن ، لأن بسم الله مرتبة العارف ، وكن مرتبة الله ، والمحقق هو الله ، ليس المراد بهذا الاسم غير المحقق ، ولا غير له تعالى .
وفي مقام التكوين تتكون له الأشياء أولا في عالم الغيب فتكون في عالم الملكوت .

ولا يستطيع على تكوينها في الملك حتى يتصف بصفة القدرة والإرادة ، فيتجلى الله عليه بتجل إلهي يكسبه نفوذ الأمر في عالم الأكوان جميعها الغيبية والشهادية ، فحينئذ يقول للشيء :كُنْ فَيَكُونُ” 1 “ غيبا وشهادة .
والناس في هذا المقام متفاوتون :
فمنهم من يظهر أثر أمره على الفور .
ومنهم من يتأخر ظهور أثر أمره لسر يريده تعالى ، والأمر نافذ بقدرة الله تعالى وإرادته .

 أن الكلام على بسم اللّه الرحمن الرحيم من وجوه كثيرة  
ثم قال قدس سره : واعلم أن الكلام على بسم اللّه الرحمن الرحيم ( 1 ) أي على معانيها من وجوه كثيرة ( 2 ) إذ هي أصل افتتاح الوجود . ولأهل كل علم منها شرب - بالكسر - وهو النصيب ، وكل منهم فاز منها في علمه بما هو مقصوده ، إذ العلوم واسعة جدا كالنحو والصرف واللغة .
والكلام فيه ، أي في الكلام على وجوه بسم اللّه الرحمن الرحيم على مادة الحروف ، أي موادها ومحلها علم الحرف ،

أي معرفة مواد الحروف من علم الحرف ، فمادة الألف مثلا هي النقطة ليس للألف مادة غيرها ، فهو مركب من النقطة ، ولأجل ذلك إذا تحلل رجع إلى النقطة ، كما أن صورته الذي هو الإنسان إذا تحلل وفني رجع إلى البقاء الذاتي الإلهي ، وسنذكر حقيقة الألف إن شاء الله تعالى عند قوله : “ فنسبة الألف بين الأحرف المهملة نسبة محمد - صلى الله عليه و آله وسلم - “ ، وصيغتها وطبيعتها وهيئتها وتركيبها واختصاصها على بواقي الحروف المقصودة في فاتحة الكتاب وجمعها له واختصاصها من الأحرف الموجودة في الفاتحة على سواها والكلام عليها في منافعها ولسنا بصدد شيء من ذلك ،

أي الذي ذكر بل كلامنا عليها من وجوه معاني حقائقها فيما يليق بجناب الحق سبحانه وتعالى ، لأن المقصود من وجودك معرفة خالقك تعالى والكلام مندرج بعضه في بعض إذ المقصود من جميع هذه الوجوه معرفة الحق سبحانه وتعالى .
كما قيل :
عباراتنا شتى وحسنك واحد * وكل إلى ذاك الجمال يشير فكل قاصد بعلمه معرفة الحق كما قال تعالى :"وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"أي ليعرفون ،

وليس للخلق سبيل إلى معرفته بدون ما تعرف به إليهم ، وهو كلامه المنزل على حبيبه المرسل .
وكان مفتاح ذلك الكلام العزيز بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فافتتح أهل كل علم علمهم بها ، فصارت أسها - أي أس العلوم - .
فمن ثمّ كل تكلم على معانيها :
فمنهم : من تكلم من حيث إعرابها وهم النحويون .
ومنهم : من تكلم عليها من حيث تصريفها وهم الصرفيون .
ومنهم : من تكلم عليها من حيث اشتقاقها وهم اللغويون .
ومنهم : من تكلام عليها من حيث موادها وبسائطها وهم أهل علم الحرف إلى آخر ما ذكره المصنف قدس سره .
والكلام مندرج بعضه في بعض من جميع تلك الوجوه المذكورة ، لعدم استغناء بعضها عن بعض .
ولمّا كان ذلك كذلك كان كلام المصنف - رضي الله عنه - في معانيها من حيث ما يتعلق بجناب الحق - تعالى - وهو المسمى بعلم الحقائق ، ويعبر عنه أيضا بعلم الأسرار .

والتوصل إلى معرفته لمن أراده بأحد وجهين :
إما بتوجه كلي .
أو بإيمان صادق فيما أودعته المشايخ كتبهم .
فالوجه الأول : وهو التوجه الكلي من ذلك الطالب ، ويعبر عنه بالميل الباعث له من الحق الزاجر ،
وإن شئت قلت : اليقظة بدل الزاجر ، فلا تكون يقظة إلا من غفلة ولا زاجر إلا عن غير مراد وهو الغفلة ، فهذا أول مقامات السلوك من قسم البدايات .
ولم يزل صاحبه يقطع بسلوكه منازل السائرين منزلا منزلا حتى ينتهي إلى آخر أقسام السلوك - وهو القسم العاشر - ويقال له قسم النهايات ، وآخره مقام التوحيد .
ولا يتأتي له الوصول إلى هذا المقام ويعرفه حق معرفته إلا بعد تحققه وإتقانه لجميع المقامات قبله .

فإنه مثلا إذا تحقق بمقام اليقظة ، وأعطاه حقه مما طلب منه - كما هو مقرر تفصيله في محله - ترقى منه إلى مقام التوبة ،
ثم يشرف من مقام التوبة على المقام الذي قبله ، فإذا رأى فيه خللا وفّاه من ذلك المقام ، فإنه لا يعرف أنه أتقن المقام كما هو إلا بعد خروجه منه إلى غيره ، فيشرف على الأول من الثاني ، وهكذا إلى آخر المقامات .
وإن ترقى ولم يتقن كل مقام كما هو كان سلوكه مريضا ، فهو أبدا دائم في السلوك ، فصفته صفة المريض الذي يطلب دواء لمرضه ، فإذا وصفه الحكيم على دواء لعلته ، ومنعه عن ارتكاب أشياء ، فيأتي الأشياء المنهي عنها ، فلا ينفعه إذا دواء في علته لسبب عدم حميته فافهم .

فإن كان ممن أتقن المقامات ، ووفّى كل مقام حقه ، كان هو المعول عليه ، والمقتدى به ، فهو الشيخ الكامل ، المكمل المرشد للطالب .
فإنه بقطعه لكل منزل من تلك المنازل يعطيه ذلك المنزل - الذي قطعه - حقه من العلم الذي أودع في ذلك المنزل ، فيكون له حجابا عن ضده ، كما كان ضده حجابا له عنه ، فتنزل عليه الحقائق الحقية من تلك المناظر الإلهية ، فيصير عين الوجود وإنسان عين كل إنسان موجود ، فحينئذ هو المعني بقوله تعالى : “ كنت سمعه الخ “ لأنه ثمرة :

“ ما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصربه ، ولسانه التي ينطق بها ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها “ .
ولا يحصل ذلك إلا بعناية ربانية ، فإذن ليس العبد إلا أشعة مع الحق :"ما شاءَ رَكَّبَكَ”
، فلا السعادة بيد أهلها منها شيء ، ولا الشقاوة بيد أهلها منها شيء :" بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً"." :لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ" .
وأما الوجه الثاني : وهو المؤمن بإيمان صادق فيما أودعته المشايخ [ في ] كتبهم بالتدبر ، والتفهم ، وتلقي المعنى كما وضعوه - رضي الله عنهم - في مصنفاتهم ، مما وقع لهم بطريق الكشف والعيان ، [ و ] ما أظهرته لفهم طريقتهم التي ساروا فيها إلى الله وأكسبهم ذلك السير ، فتكون حينئذ تأخذ علمك منهم بحسب قوابلهم الشريفة وطبايعهم المنيفة .

وأجلّ نفعا في ذلك ، وأبعد للشيطان دفعا ما وضعه الإمام الأكبر ، والكبريت الأحمر ، قدامة المحققين ، سر الله في العالمين ، محيي الدين محمد بن علي ، المعروف بابن العربي - قدس سره العزيز - فإن كلامه ترياق القلوب ، وبغية كل محبوب .
وقد كان شيخ زمانه وعصره وأوانه ، إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي - رضي الله عنه - يأمر مريديه بمطالعة كتب الشيخ محيي الدين بن العربي ، ويحثهم عليها حثا بليغا
حتى قال المصنف - قدس سره - : “ ولقد رأينا جماعة ممن فتح الله عليهم بمطالعة كتبه ، وظهر عليهم بركاتها ، ونالوا ما لم ينالوه أهل المجاهدات والمكابدات في أربعين سنة وخمسين سنة ، وكان ممن رأينا الشيخ محمد الحكاك ، فإنا لم نعرف له شيئا من المجاهدات ولا من المكابدات ، وإنما له مطالعة في كتب الحقائق ، فرقى بها المرقى العظيم ، وجاز بها الصراط المستقيم ،

وهو القائل :
وقد تبنّيت آبائي على ثقة ......... ولا محالة أني وجه كل أب
 وله ديوان ، من وقف عليه علم مقامه - رضي الله عنه - “ .

ولقد أنار المعالم ، وأتى بالفيض الدائم ، حتى أشجت حكمه في العالم ، حجة الله في بني آدم ، الخريت الماهر ، والبحر الزاخر ، سيدي المصنف - قدس سره العزيز - لا سيما ما أودعه [ في ] إنسانه الكامل ، وكمالاته الإلهية في الصفات المحمدية ، والناموس الأعظم والقاموس الأقدم في معرفة قدر النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - ، وحقيقة الحقائق ، وقطب العجائب ، وفلك الغرائب ، والمملكة الربانية المودعة في النشأة الإنسانية ، وإنسان عين الوجود ووجود عين الإنسان الموجود ، وغنية أرباب السماع في كشف القناع عن وجوه الاستماع ، والمناظر الإلهية ، ومراتب الوجود ، والخضم الزاخر والكنز الفاخر في تفسير القرآن العظيم ، إلى غير ذلك من مصنفاته التي تجلّ عن المثال ، وأودع فيها علوما عزيزة لم يضعها واضع علم في كتاب ، ولا سمح الحق لأحد غيره أن يترجم عنها بالخطاب .

ولقد أشار إلى ذلك بقوله :
كتبنا وألفنا فهمنا بكل ما  ......  يعز عن الإدراك بالعقل والفكر
فلا نحن أشفينا ببسط علومنا .......  عليلا بسقم الجهل بات على ضر
ولا نحن أهملنا علوما عزيزة ....... تروح على الإخوان مسبولة الستر
ولكن أتينا وسع طاقة ناصح ...... على النمط المأذون بالوضع والقدر
ويفعل خلاق البرية ما يشاء ...... وأرجوه يهدي ناظريها إلى الأمر
وثم من يحصل له علم الحقائق بالجذبات الإلهية ، وليس لنا مع المجذوب كلام ، فإن اتفق مجاهدة وجذب فذاك المشار إليه بقول سيد أهل هذا المقام عليه الصلاة والسلام : “ اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها فأنت خير من زكاها “ .
فقوله : “ آت نفسي تقواها “ إشارة إلى المجاهدات والمكابدات ، “
وزكها فأنت خير من زكاها “ إشارة إلى الجذبات الإلهية فافهم .
.
يتبع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عبدالله المسافر

مُساهمة في الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 16:20 من طرف عبدالله المسافر

مقدمة كتاب شرح الكهف والرقيم الجزء الثاني .في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم ابن إبراهيم الجيلي  

كتاب شرح الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم للعارف بالله عبد الكريم الجيلي 

الجزء الثاني

شرح مقدمة مقدمة كتاب الكهف والرقيم:-

واعلم أن كل سالك طريقا ما إنما هو بالجذب الإلهي ، لأن [ لأنه ] ليس لغير الله أن يستطيع إتيان أمر من الأمور بحوله أو بقوته حاشا وكلا ، سواء كان في ذلك السلوك سعادة السالك أو شقاوته ، فإنما يكون ذلك بجذب إلهي .
وأما المجذوب المتعارف حاله عند الصوفية - رضي الله عنهم - فهو جذب خاص خال عن الجذب العام ، والله يهديني وإياك سبيل الإلهام .

ونحن على بابه كلما يتجدد من فيضه على الأنفاس.
قال قدس سره : ونحن على بابه كلما يتجدد من فيضه على الأنفاس ينزل به روح الأمين على القرطاس .
فقوله : ونحن على بابه ، أي باب الحق - تعالى - ننتظر الفيض ، والباب هنا كناية عن التعرض المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام : “ إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها “ .
وقوله : كلما يتجدد من فيضه على الأنفاس ، أي كلما يتجدد من فيض الحق - سبحانه وتعالى - على أنفاس عباده ، فلكل إنسان في كل يوم وليلة مأة وأربعة وعشرون ألف نفس على عدد الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - ،
ومن ثمّ عبّر الإمام الأكبر - قدس سره - في قوله تعالى :"قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"

يعني بتضييع حقوق الأنبياء عليكم ، فكل نبي يقتضي حقا من كل آدمي في تلك الأنفاس التي عددها عدد الأنبياء فلكل نبي نفس يقتضي حقا من ذلك الآدمي فافهم .
وفيض الحق - جل وعلا - كناية عن تجلّيه على قلوب عباده ، وذلك التجلي غير متكرر ، بل للحق تجليات عديدة لا يحصرها الحاصرون في كل نفس ، كل تجل مبائن للثاني ، لأن تكرار التجلي لا يكون إلا ممن يخاف نفاد ما عنده ، والحق ليس كذلك ،

ومن ثمّ عبرت الطائفة - رضي الله عنهم - بقولهم :

“ إن الله لا يتجلى على عبد بصفة مرتين ولا على عبدين بصفة واحدة “ إلى ما ذكرنا من عدم تكرار التجلي .
فإن قلت : كيف يستقيم قولهم : “ إن الله لا يتجلى على عبد بصفة مرتين ، ولا على عبدين بصفة واحدة “ وهو متجل بالرحمة ، والرحمة صفة واحدة لموصوف واحد ؟ .
قلنا : المراد بذلك صور تجليات الرحمة ، فإنها متنوعة ، فالرحمة الواقعة في حق زيد ليست الرحمة الواقعة في حق عمرو ، يعني صور ما وقع في حق زيد غير ما وقع في حق عمرو ، بل صور تجليات الرحمة في حق زيد مختلفة ، كل صورة غير الأخرى ، وهذا مبنى مذهب المحققين - رضي الله عنهم - .

على أن ليس في الوجود شيء متكرر ، حتى لو قلت ألف مرة : زيد زيد لم يكن لفظ زيد متكررا ، وإنما كمال المثلية أو همت التكرار ، وهذا معنى قوله تعالى :بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ، سورة ق: الآية 15
فإن الله يوجد العالم ثم يعدمه في آن واحد ، وليس زمان الإيجاد بغير لزمان الإعدام ، بل اجتماع نقيض الضد في آن واحد ، وإنما أتى به لتقديم الرتبة العلية كما قال :
فهز الرديني ؟  ثم اضطرب ....... فزمان الهز عين زمان المهزوز

وقد أتى بثم ولا ترتيب ، ولقد أشار إلى هذه المسألة الإمام الأكبر في فصوص الحكم في فص حكمة سليمانية ، فإن أردت ذلك فعليك بما هنالك .
وقوله : نزل به الروح الأمين على القرطاس ( 1 ) الروح الأمين هو جبرئيل عليه السلام ، والقرطاس هنا كناية عن القلب ، لأن التجلي لا يكون إلا على أفضل ما في
الإنسان ، وليس شيء أفضل من القلب ، فإنه عرش الله ، وهو القلب الذي وسع الحق في قوله تعالى شأنه : “ ما وسعني أرضى ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن “ .

والوسع عند المحققين عبارة عن :
المشاهدة والعلم والخلافة ، 
والثالث أعلاها ، وذلك هو الإنسان الكامل ، يعني من أعطي وسع الخلافة ، وأعطي ذلك المقام كان من المحدثين ، 
وهم صنفان :
صنف يحدثهم الحق من خلف الحديث .
وصنف بالوحي المعبر عنه بالإلهام .

وإلى ذلك أشار - تعالى - بقوله :" وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ".

 وأما قوله :أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ ، فهذا وحي تشريع ، وهو إرسال النبي إلى من أرسله الحق ، وقد انسد باب الإرسال بمحمد - صلى الله عليه و [ آله ] وسلم - ، 
فلهذا قيل : أن المحدثين صنفان .
فأهل الحديث الذين يحدثهم الحق من وراء حجاب الحديث على طبقات كثيرة .
والصنف الآخر تحدثهم الأرواح الملكية في قلوبهم ، وأحيانا على آذانهم ، وقد يكتب لهم ، وهم كلهم أهل حديث .
ومفهوم كلامه - رضي الله عنه - أن [ أنه ] من أهل هذا القسم الذين تحدثهم الأرواح بدلالة قوله : نزل به الروح الآمين وهو جبرئيل - على القرطاس كناية عن قلبه ، كما أن القرطاس محل للكتابة ، كذلك القلب محل قبول الفيض فافهم ، والله ورسوله أعلم .

.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى